النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
وصل: ومن ذلك المال الذي هو في ذمّة الغير وليس هو بيد المالك وهو الدين. فمن
قائل: لا زكاة فيه وإن قبض حتى يمر عليه حول وهو في يد القابض وبه أقول. ومن قائل: إذا
قبضه زكّاه لما مضى من السنين. وقال بعضهم: يزكيه لحول واحد وإن قام عند المديان سنين
إذا كان أصله عن عوض، فإن كان على غير عوض مثل الميراث فإنه يستقبل به الحول.
اعتبار الباطن في ذلك: لا مالك إلاَّ الله ومن ملکه الله إذا کان ما ملکه بیده بحیث یمکنه
التصرّف فيه فحينئذ تجب عليه الزكاة بشرطها ولا مراعاة لما مرّ من الزمان فإن الإنسان ابن
وقته ما هو لما مضى من زمانه ولا لما يستقبله، وإن كان له أن ينوي في المستقبل ويتمنى في
الماضي ولكن في زمان الحال، هذا كله فهو من الوقت لا من الماضي ولا من المستقبل، فلا
مراعاة لما مرَّ على ذلك المال من الزمان حين كان بيد المديان، فإنه على الفتوح مع الله تعالى
دائماً الذي بيده المال هو الله، فالزكاة واجبة فيه لما مرَّ عليه من السنين، قال رسول الله وَليه :
((حجّي عَنْ أَبِيكِ)) وأمر بَّه وليّ الميت بما على الميت من صيام رمضان وما هو إلاَّ إيصال
ثمرة العمل لمن حجّ عنه أو صام عنه ممّا هو واجب عليه إلاَّ أن فرّط فله حكم آخر، ومع هذا
فمن حجّ عنه أو عمل عنه عمل ما فهو صدقة من عمل هذا العمل على المعمول عنه ميتاً كان
المعمول عنه أو غير ميت، غير أن الحيّ لا يسقط عنه الواجب عليه إلاّ إذا لم يستطع فعله،
فإن فعله وليّه عنه كان له أجر من أدّى ما وجب عليه، وليس ذلك إلاّ في الحج بما ذكرناه،
والثواب ما هو له بقابض إلاَّ إن كان المعمول عنه ميتاً فإنه أخراويّ، فإن كان حيّاً فالقابض عنه
الوكيل وهو الله، فإذا قبضه أعطاه في الآخرة لمن عمل له هنا في الدنيا.
وصل من اعتبار هذا الباب: ومن اعتباره الشخص يتمنى أن لو كان له مال لعمل به برّاً
فيكتب الله له أجر من عمل فإن نيّته خير من عمله، ويكتب له على أوفى حظ وهو في ذمّة
الغير ليس بيده منه شيء، فإذا حصل له ما تمناه من المال أو ممّا تمناه ممّا يتمكن له به
الوصول إلى عمل ذلك البرّ وجب عليه أن يعمل ذلك البر الذي نواه، فإن لم يفعل لم يكتب
له أجر ما نواهٍ، فلو مات قبل اكتساب ما تمنى كتب له أجر ما نواه قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَقَّوَلُكُمْ
وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [سورة التغابن: الآية ١٥] أي هما اختبار لإقامة الحجة في صدق الدعوى أو
كذبها .
وصل: ومن هذا الباب اختلافهم في زكاة الثمار المحبسة الأصول، فمن قائل: فيها
الزكاة. ومن قائل: لا زكاة فيها. وفرّق قوم بين أن تكون محبسة على المساكين فلا يكون فيها
زكاة، وبين أن تقوم على قوم بأعيانهم فتجب فيها الزكاة، وبوجوب الزكاة أقول، كانت على
من كانت بتعيين أو بغير تعيين، فإن كانت بتعيين قوم وجب عليهم إخراج الزكاة، وإن كانت
بغير تعيين وجب على السلطان أخذ الزكاة منها بحكم الوكالة، اعتبار الباطن في ذلك الثمر هو
عمل الإنسان المكلف، والعمل قد يكون مخلصاً لله كالصلاة والصيام وأمثالهما، وقد يكون
فيه حق للغير كالزكاة إلاَّ أنه مشروع مثل أن يعمل الإنسان عملاً فيقول: هذا لله ولوجوهكم
فهو لوجوهكم أو ما لي إلاَّ الله وأنت، قال النبيّ وَّ: ((مَنْ قَالَ هَذَا للَّهِ وَلِوُجوهِكُمْ لَيْسَ لِنَّهِ.

٢٦٢
في المعارف/ الباب السبعون في أسرار الزكاة
مِنْهُ شَيْءٌ)) ثم شرع لمن هذا قوله أن يقول: هذا لله ثم لفلان ولا يدخل واو التشريك فهذا
العمل فيه لله، وهو نظير الزكاة في المال المحبس الأصل، وفيه للخلق وهو قوله: ثم لفلان
بحرف ثم لا بحرف الواو، وهو ما يبقى بيد الموقوف عليه من هذا الثمر الزائد على الزكاة،
فهذا اعتبار من يرى فيه الزكاة، ومن يرى أنه لا زكاة فيه أي لا حق الله فيها فاعتباره قول
النبيَّ ◌َّ فهو لوجوهكم ليس لله منه شيء أي لا حق فيه لله، ومن رأى أن الزكاة حق الفقراء
رأى في اعتباره أن زكاة الثمر المحبس الأصل وهو العمل من هذا العبد الذي هو محبس على
سيده لا يعتق أبداً يقول: إن العمل هو الله بحكم الوقفية وللحور العين وأمثالهم من ذلك
العمل نصيب وهو المعبر عنه بالزكاة كما قال بعضهم في حق المجاهدين: [مخلع البسيط]
والحُورُ منهنَّ مُشْرِفاتُ
أبوابُ عَذْنٍ مفتَّحَاتُ
وبادروا أيها الغزَاةُ
فاسْتَبِقوا أيَّما اسْتِباقٍ
فيها حسانْ مُتْعَماتُ
فبين أيديكُمُو جِنَانٌ
مُهورُنا الصَّبْرُ والثَّباتُ
يقُلْنَ والخيلُ سابقاتُ
فالصبر والثبات من عمل الجهاد بمنزلة الزكاة من الثمر، وكونه محبس الأصل هو قوله
تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٥٦] فما خلقهم إلاَّ لعبادته
فهم موقوفون عليه. ثم جعل في أعمالهم التي هي بمنزلة الثمر من الشجر نصيباً لله وهو
الإخلاص في العمل وهو من العمل وحق لصاحب العمل، وهو ما يحصل له من الثواب
عليه، وهو بمنزلة الزكاة التي يطلبها الثواب، فهذا اعتبار زكاة الثمر المحبس الأصل
باختلافهم والله الهادي .
وصل: ومن هذا الباب على من تجب زكاة ما تخرجه الأرض المستأجرة فقال قوم من
العلماء: إن الزكاة على صاحب الزرع. وقال قوم: إن الزكاة إنما تجب على رب الأرض
وليس على المستأجر شيء، وبالقول الأوّل أقول أن الزكاة على صاحب الزرع.
وصل الاعتبار في ذلك: الإمام والمؤذن والمجاهد والعامل على الصدقة، وكل من
يأخذ على عمله أجراً ممّن يستأجره على ذلك، والأرض المستأجرة هي نفس المكلف، وما
تخرجه هو ما يظهر عن هذه النفس من العمل والزارع الحق تعالى يقول: ﴿ءَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ، أَمْ
نَحْنُ الَّرِعُونَ﴾ [سورة الواقعة: الآية ٦٤] ورب الأرض هو الشارع وهو الحق سبحانه من كونه
شارعاً، كما هو الزرع من كونه موفقاً، قال تعالى مخبراً عن بعض أنبيائه: ﴿وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا
بِاللَّهِ﴾ [سورة هود: الآية ٨٨] فهو سبحانه يبذر حب الهدى والتوفيق في أرض النفوس، فتخرج
أرض النفوس بحسب ما زرع فيها، وفيما يظهر من هذه الأرض ما يكون حق لله فيه، ومنها ما
يكون فيه حق للإنسان، فما هو الله فهو المعبر عنه بالزكاة وما بقي فهو للإنسان والإجارة
مشروعة فإن الله اشترى منّا نفوسنا، ثم أجرنا إياها بالعشر فقال: ﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ
أَمْثَالِهًا﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٦٠] فالحسنة منّا هي العشر الذي نعطيه سبحانه ممّا زرعه في
أراضي نفوسنا من الخير الذي أنبت هذا العمل الصالح، فهو سبحانه رب الأرض وهو الزارع

٢٦٣
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
وهو المؤجر وهو المستأجر وهو الذي يجب عليه الزكاة، وهو الذي يأخذ الصدقات كما
قال، وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات، ولكن بوجوه ونسب مختلفة، فهو
المعطي والآخذ لا إله إلاَّ هو ولا فاعل سواه، فيوجب من كونه كذا ويجب عليه من كونه
كذا، قال تعالى: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٥٤] أي أوجب وفرض
لم يوجب ذلك عليه موجب بل هو سبحانه الموجب على نفسه منّة منه وفضلاً علينا، فحقائق
أسمائه بها تعرّف إلينا، وعلى حقائق هذه الأسماء أثبتت الشرائع الإلهية كلها ﴿قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ
اللَّهِ فَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِينًا﴾ [سورة النساء: الآية ٧٨] وقسّم فقال في نسق هذا الكلام
﴿َّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَيْنَ اَللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَن نَّفْسِكٌ﴾ [سورة النساء: الآية ٧٩] وهو ما يسوءك،
فأنت محل أثر السوء فمن حيث هو فعل لا يتصف بالسوء هو للاسم الإلهيّ الذي أوجده فإنه
يحسن منه إيجاد مثل هذا الفعل فلا يكون سوءاً إلاَّ من يجده سوءاً أو من يسوءه وهو نفس
الإنسان، إذ لا يجد الألم إلاَّ من يوجد فيه، ففيه يظهر حكمه لا من يوجده فإنه لا حكم له في
فاعله فهذا معنى قوله: ﴿وَمَآ أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَن نَّفْسِكَ﴾ وإن كانت الحسنة كذلك فذلك يحسن
عند الإنسان، فإنها أيضاً تحسن من جانب الحق الموجد لها، فأضيفت الحسنة إلى الله فإنه
الموجد لها ابتداء وإن كانت بعد الإيجاد تحسن أيضاً فيك، ولكن لا تسمى حسنة إلاَّ من
كونها مشروعة، ولا تكون مشروعة إلاَّ من قبل الله فلا تضاف إلاَّ إلى الله، ولهذا قلنا في
السيئة: إنها من قبل الحق حسنة لأنه بيّنها لتجتنب فتسوء من قامت به إما في الدنيا وإما في
العقبى، فقد يكون الترك سيئة وليس بفعل، وقد يكون الفعل سيئة، وكذلك الحسنة قد تكون
فعلاً وتركاً، والتوفيق الإلهيّ هو المؤثّر في الفعل والترك من حيث ما هو ترك له ومن حيث ما
هو ظاهر منه إذا كان فعلاً، وما من حق واجب على العبد من ترك وفعل إلا ولله فيه حق يقوم
به الحاكم نيابة عن الله، فإن كان ما بقي من ذلك الفعل أو الترك حق الله تعالى فهو حق الله من
جميع وجوهه لا حق لمخلوق فيه كالصلاة وإقامة الحدود، وإن كان ما بقي من ذلك الفعل أو
الترك حق لمخلوق كضرب أو شتم أو غصب مال ففيه حق الله وهو ما ذكرناه وفيه حق
للمخلوق، والحق الذي فيه لله هو عين الزكاة الذي في جميع أفعال الله في خلقه، والحاكم
نائبه فيما استخلفه فيه، فإن شاء قبضه وإن شاء تركه على ما يعطيه الحال والمصلحة ولا حرج
عليه في ذلك وهو المسمّى تعزيراً فيما لا حدّ فيه فتقطع يد السارق ولا بدّ، وإن أخذ المال
من يده وعاد إلى صاحبه فالحاكم مخير إن شاء عزره بذلك القدر الذي فيه لله من الحق
المشروع وإن شاء لم يعزره ويترك ذلك الله حتى يتولاه في الآخرة بلا واسطة .
وصل: ومن هذا الباب أرض الخراج إذا انتقلت إلى المسلمين وهي الأرض التي كانت
بيد أهل الذمّة هل فيها عشر مع الخراج أم لا؟ فمن قائل: إن فيها العشر أعني الزكاة. ومن قائل :
بيس فيها عشر، فاعلم أن الزكاة إما أن تكون حق الأرض أو حق الحب، فإن كانت حق الأرض
لم تجب الزكاة لأنه لا يجتمع فيها حقّان وهو العشر والخراج، وإن كانت حق الحب كان
الخراج حق الأرض والعشر حق الحب، والخلاف في بيع أرض الخراج معلوم عند العلماء .

٢٦٤
في المعارف/ الباب السبعون في أسرار الزكاة
وصل الاعتبار في ذلك: الأعمال البدنية بمنزلة الزرع والبدن بمنزلة الأرض والهوى
حاكم على الأرض، فإذا انتقلت هذه الأرض إلى حكم الشرع الذي هو العمل بما يقتضيه
الإسلام فخراج الأرض هو ما لله عليه من الحقوق من حيث إن جعلها ذات إدراكات وهو عدم
يستقل بإدراكه العقل فللَّه في هذه الأرض الخراج إذ شكر المنعم محمود وهو المنعم به
سبحانه، فإذا حصلت هذه الأرض في يد المسلم أعني الشرع وانتقلت إليه فالمسلمون على
قسمين: عارف وغير عارف، فالعارف إذا زرع الأعمال الصالحة في هذه الأرض رأى
الزكاة حق العمل لا حق الأرض، فأوجب الزكاة في العمل وهو أن يردّ الأعمال إلى عاملها وهو
الحق سبحانه، وغير العارف يرى أن العمل للقوى البدنية وقد وجب عليها الخراج فلا تجب
عنده الزكاة حتى لا يجتمع عليها حقان فإنه لا يرى العمل إلاَّ لنفسه فإنه غير عارف، ولم يكلف
الله نفساً إلاَّ ما آتاها، وقال ذلك مبلغهم من العلم. وأمّا قولنا في هذه المسألة فإنه يجتمع في
الأرض حقان ولا يبعد ذلك لأن الأرض من كونها بيد من هي بيده يمنع غيره من التصرّف فيه
إلاَّ بإذنه فعليه حق فيها يسمّى الخراج ومن حيث إنه زرعها فاختلف حال الأرض بكونها قد
زرعت من کونھا لم تزرع فوجب فيها حق آخر من کونھا ذات زرع فوجب العشر فیھا من کونھ
مزدرعة ووجب الخراج فيها من كونها بيده وحكمه عليها وكذلك نأخذه في الاعتبار.
وصل: وأمّا أرض العشر إذا انتقلت إلى الذميّ فزرعها فمن قائل: ليس فيها شيء أعني
لا خراج ولا عشر. وقال النعمان: إذا اشترى الذميّ أرض عشر تحوّلت أرض خراج فكأنه
رأى أن العشر حق أرض المسلمين والخراج حق أرض الذميين، ومن يرى هذا فينبغي أن
أرض الذميّ إذا انتقلت إلى المسلم أن تعود أرض عشر.
اعتبار ذلك: للعقل حكم في النفس من حيث ذاته ونظره، وللشرع حكم في النفس.
فإذا سلب العقل النفس من يد الشرع بشبهة اشتراها بها فهل يقبل الله منه كل عمل حمد
صورته الشرع ولكن كان عمله من جهة العقل لا من جهة الشرع؟ فمنا من قال: يقبل ويجازى
عليه في الدنيا إن لم يكن موحداً وكان مشركاً، فإن كان موحداً قبل منه وجوزي عليه جزاء
غير المؤمن، فإن المؤمن له في عمله يوم القيامة جزاءان: جزاء من حيث أنه مؤمن عامل
بشريعة، وجزاء من حيث أن ذلك العمل من مكارم الأخلاق وأنه خير، وقد قال اقلية
لحكيم بن حزام حين أسلم وكان قد فعل في الجاهلية خيراً: ((أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ
خَيْرِ)) فجازاه الله بما كان منه من خير في زمان جاهليته، فإن الخير يطلب الجزاء لنفسه، فإذا
اقترن به الإيمان تضاعف الجزاء لزيادة هذه الصفة فإن لها حقاً آخر، فحكم الشرع العشر
وحكم العقل الخراج.
وصل - إذا أخرج الزكاة فضاعت: فقال قوم: تجزي عنه. وقال قوم: هو لها ضامن
حتى يضعها موضعها. وقوم فرّقوا بين أن يخرجها بعد أن أمكنه إخراجها وبين أن يخرجها
أوّل زمان الوجوب والإمكان، فقال بعضهم: إن أخرجها بعد أيام من الإمكان والوجوب
ضمن، وإن أخرجها في أوّل الوجوب ولم يقع منه تفريط لم يضمن. وقال قوم: إن فرط

٢٦٥
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
ضمن وبه أقول، وإن لم يفرّط زكّى ما بقي. وقال قوم: بل يعد الذاهب من الجميع ويبقى
المساكين ورب المال شريكين في الباقي بقدر حظهما من حظ رب المال مثل الشريكين
يذهب بعض المال المشترك بينهما ويبقيان شريكين على تلك النسبة في الباقي، فالحاصل في
المسألة خمسة أقوال: قول: إنه لا يضمن بإطلاق. وقول: إنه يضمن بإطلاق. وقول: إن
فرّط ضمن وإن لم يفرّط لم يضمن. وقول: إن فرط ضمن وإن لم يفرط زكّى ما بقي.
والقول الخامس يكونان شريكين في الباقي. وأما إذا ذهب بعض المال بعد الوجوب وقيل
تمكن إخراج الزكاة فقيل: يزكّى ما بقي. وقال قوم: حال المساكين وحال رب المال حال
الشريكين يضيع بعض مالهما، وأما إذا وجبت الزكاة وتمكن الإخراج فلم يخرج حتى ذهب
بعض المال فإنه ضامن باتفاق والله أعلم إلاَّ في الماشية عند من يرى أن وجوبها إنما يتم
بشرط خروج الساعي مع الحول وهو مذهب مالك.
وصل الاعتبار في ذلك: قال رسول الله وَالَ: (لاَ تَمْنَحُوا الحِكْمَةَ غَيْرَ أَهْلِهَا فَتَظْلِمُوهَا
وَلاَ تَمْنَعُوهَا أَهْلَهَا فَتَظْلِمُوهُمْ)) وإنفاق الحكمة عين زكاتها، ولها أهل كما للزكاة أهل، فإذا
أعطيت الحكمة غير أهلها وأنت تظنّ أنه أهلها فقد ضاعت كما ضاع هذا المال بعد إخراجه
ولم يصل إلى صاحبه فهو ضامن لمن ضاع لأنه فرط حيث لم يتثبت في معرفة من ضاعت
عنده هذه الحكمة، فوجب عليه أن يخرجها مرّة أخرى لمن هو أهلها حتى تقع في موضعها .
وأما حكم الشريكين في ذلك كما تقرّر فإن حامل الحكمة إذا جعلها في غير أهلها على
الظنّ فهو أيضاً مضيع لها، والذي أعطيت له ليس بأهل لها فضاعت عنده فيضيع بعض حقّها
فيستدرك معطي الحكمة غير أهلها ما فاته بأن ينظر في حال من ضاعت عنده الحكمة فيخاطبه
بالقدر الذي يليق به ليستدرجه حتى يصير أهلاً لها، ويضيع من حق الآخر على قدر ما نقصه
من فهم الحكمة الأولى التي ضاعت عنده، والحال فيما بقي من وجوه الخلاف في الاعتبار
على هذا الأسلوب سواء، فمن قال بعموم قوله وَّرَ: (مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْم فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ اللَّهُ
بِلِجَامِ مِنْ نَارٍ)) فسأله من ليس بأهل للحكمة فضاعت الحكمة قال: لا يضمن على الإطلاق.
ومن آخذ بقوله {وَلَ: ((لاَ تُعْطُوا الحِكْمَةَ غَيْرَ أَهْلِهَا فَتَظْلِمُوهَا)) قال: يضمن على الإطلاق،
وضمانها أنه يعطيه من الوجوه فيما سأله ما يليق به، وإن لم يصحّ ذلك في نفس الأمر كالأينية
فيمن لا يتصف بالتحيّز، ومن أعرض عن الجواب الأوّل إلى جواب في المسألة يقتضيه حال
السائل والوقت قال: يزكي ما بقي ويكون حكم ما مضى وضاع كحكم مال ضاع قبل الحول.
ومن قال: يتعين عليه النظر في حال السائل فلما لم يفعل فقد فرط، فإن فعل وغلط لشبهة
قامت له تخيّل أنه من أهل الحكمة فلم يفرط فهو بمنزلة من قال: إن فرط ضمن وإن لم يفرط
لم يضمن، والقول الخامس قد تقدم في الشريك، ولا يخلو العالم أن يعتقد فيما عنده من
العلم الذي يحتاج الخلق إليه أن يكون عنده لهم كالأمانة فحكمه في ذلك حكم الأمين، أو
يعتقد فيه أنه دين عليه لهم فحكمه حكم الغريم، والحكم في الأمانة والدين والضياع معلوم،
فيمشي عليه الاعتبار بتلك الوجوه والله أعلم.

٢٦٦
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
وصل - إذا مات بعد وجوب الزكاة عليه: قال قوم: تخرج من رأس ماله. وقال قوم :
إن أوصى بها أخرجت من الثلث وإلاَّ فلا شيء عليه. ومن هؤلاء من قال: يبدأ بها إن ضاق
الثلث. ومنهم من قال: لا يبدأ بها.
وصل الاعتبار في ذلك الرجل من أهل طريق الله يعطى العلم بالله: وقد قلنا إن زكاة
العلم تعليمه، فجاء مريد صادق متعطش فسأله عن مسألة من علم ما هو عالم به فهذا أوان
وجوب تعليمه إياه ما سأله عنه كوجوب الزكاة بكمال الحول والنصاب فلم يعلمه ما سأله فيه
من العلم، فإن الله يسلب العالم تلك المسألة فيبقى جاهلاً بها فيطلبها في نفسه فلا يجدها،
فذلك موته بعد وجوب الزكاة فإنّ الجهل موت، قال: أو من كان ميتاً فأحييناه، أو يكون
العالم يجب عليه تعليم من هو أهل فعلم من ليس بأهل فذلك موته حيث جهل الأهلية ممّن
هو للحكمة أهل ووضعها في غير أهلها. ففي الأوّل: قد يمنح المريد الصادق تلك المسألة
ولكن عن مشاهدة هذا العالم بأن سمعه يعلمها غيره أو يعلمها ممّن قد علمه ذلك العالم قبل
ذلك فيكون في ميزان العالم الأوّل وإن كان قد جهلها، فهذا معنى يجزي عنه ويخرج من
رأس ماله، فإن اعتذر ذلك العالم للمريد واعترف بعقوبته وذنبه ففتح الله على المريد بها
فاعترافه بمنزلة من أوصى بها .
وأمّا إخراجها من الثلث فإن المريض لا يملك من ماله سوى الثلث لا غير، فكأنها
وجبت فيما يملك، وكذلك هذا العالم لا يملك في هذه الحالة من نفسه إلاَّ الاعتذار،
والثلثان الآخران لا يملكهما وهو المنّة، فلا منّة له في التعليم بعد هذه الواقعة ولا يجب عليه
فإنه قد نسيها. وبالجملة فينبغي لمن هذه حالته أن يجدّد توبة ممّا وقع فيه ويستغفر الله فيما
بينه وبين الله فإن الله يحب التوابين.
وصل في خلافهم في المال يباع بعد وجوب الصدقة فيه: فقال قوم: يأخذ المصدق
الزكاة من المال نفسه ويرجع المشتري بقيمته على البائع. وقال قوم: البيع مفسوخ. وقال
قوم: المشتري بالخيار من إنفاذ البيع وردّه والعشر مأخوذ من الثمرة أو من الحب الذي وجبت
فيه الزكاة. وقال مالك: الزكاة على البائع وبه أقول.
وصل الاعتبار في ذلك: قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَّكَّنِهَا﴾ [سورة الشمس: الآية ٩] يعني النفس
لأنه قد صيّرها ما لا تجب فيه الزكاة وانعبد مأمور بزكاة نفسه. ثم ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَّرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
أَنفُسَهُمْ﴾ [سورة التوبة: الآية ١١١] فباع بعض المؤمنين نفسه من الله بعد وجوب الزكاة عليه، فإن
العبد إذا آمن وجبت عليه زكاة نفسه فباعها من الله بعد وجوب الزكاة، فلا تخلو الزكاة إما أن
تكون في عين المال أو تكون في ذمة المكلف، فإن كانت في ذمّة المكلف وجبت على البائع،
وإن كانت في نفس المال وجب تزكبتها على من بيده المال في عين ذلك المال، فيخرجها
المشتري من المال ويرجع بالقيمة على البائع، وإذا كان وجوبها على البائع فللبائع أن يزكي ذلك
القدر ممّا عنده من المال، كالشيخ المرشد يملك نفوس تلامذته فيزكي منها بقدر ما وجب عليه
في نفسه من الزكاة قبل بيعها من الله، إذ قد كانت وجبت عليه الزكاة في نفسه فتقوم له زكاة

٢٦٧
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
نفوس من عنده من المريدين مقام ذلك، وإن كان ممّن يقول بفسخ البيع فإنه يرجع في بيعه حتى
يزكيها وحينئذ يبيعها من الله، وإن كان ممن يقول المشتري بالخيار من إنفاذ البيع وردّه فذلك إلى
الله إن شاء قبلها وزكّاها وإن شاء ردّها على البائع حتى يزكيها .
وصل: ومن هذا الباب اختلافهم في زكاة المال الموهوب واعتباره أن الموهوب له
بالخيار إن شاء قبل الهبة وقد عرف ما فيها من الحق فأوصل الحق منها إلى مستحقه ومسك ما
بقي، وإن شاء رد قدر ما يجب فيها من الزكاة على البائع حتى يؤدّيها والموهوب له هو الحق
هنا، والذين لهم الزكاة من هذه النفس ما تطلب منهم الجنة ومن فيها هل هو حق لهم من
نفس المؤمن. انتهى الجزء الحادي والخمسون .
(الجزء الثاني والخمسون)
بِسْمِ الهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمَةِ
وصل في حكم من منع الزكاة ولم يجحد وجوبها: ذهب أبو بكر الصديق رضي الله عنه
إلى أن حكمه حكم المرتد فقاتلهم وسبى ذريتهم، وخالفه في ذلك عمر بن الخطاب رضي
الله عنه وأطلق من استرق منهم. ويقول عمر قال الجمهور. وذهبت طائفة إلى تكفير من منع
فريضة من الفرائض وإن لم يجحد وجوبها .
وصل الاعتبار في ذلك: اعلم أن في نفس المؤمن حظ الجنان، ومن فيه منها الزكاة ولله
ما بقي وهو الذي يصحّ فيه البيع، وإلى هذا ذهبت جماعة المحققين من أهل طريق الله لتعدّد
أصناف من تجب لهم الزكاة من أنفسهم عليهم، فالجنة فيها أصناف يطلبون من نفس المؤمن
ما يستحقونه وهي الزكاة، فالقصر يطلبه بالسكنى، والزوجات يطلبنه بما احتجن إليه منه،
فالثمانية الأعضاء المكلفة من الإنسان كما يجب فيها الزكاة على الإنسان، كذلك لها نسبة في
أن تأخذ الزكاة من جهة أخرى، فيقوم ما في الجنان مقام من يقسم عليهم ما يليق به، فمن منع
الزكاة من نفسه عن أحد هؤلاء الأصناف وهو مقرّ بها أنها واجبة عليه فهو ظالم غير كافر إلاّ
في الصلاة خاصة فإن تاركها كافر، فإن الشرع سمّاه كافراً بمجرّد الترك وما أدري ما أراد،
وإنما مانع الزكاة فهو ظالم حيث مسك حق الغير الذي يجب لهم، وسأذكر بعد هذا إن شاء
الله ما تجب فيه الزكاة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
وصل في ذكر ما تجب فيه الزكاة: اتفق العلماء على أن الزكاة تجب في ثمانية أشياء
محصورة في المولدات من معدن ونبات وحيوان. فالمعدن: الذهب والفضة، والنبات :
الحنطة والشعير والتمر. والحيوان: الإبل والبقر والغنم، هذا هو المتفق عليه وهو الصحيح
عندنا. وأما الزبيب ففيه خلاف .
الاعتبار في ذلك: الزكاة تجب من الإنسان في ثمانية أعضاء البصر والسمع واللسان
واليد والبطن والفرج والرجل والقلب، ففي كل عضو وعلى كل عضو من هذه الأعضاء صدقة
واجبة يطلب الله بها العبد في الدار الآخرة. وأما صدقة التطوّع فعلى كل عرق في الإنسان

٢٦٨
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
صدقة كما قال ◌َله: ((يُضْبِحُ عَلَى كُلِّ سَلامى مِنَ الإِنْسَانِ صَدَقَةٌ)) والسلامي عروق ظهر الكف
وقيل العروق، فكل تسبيحة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكذلك التحميد والتكبير فالزكاة التي
في هذه الأعضاء هي حق الله تعالى الذي أوجبها على الإنسان من هذه الأعضاء الثمانية، كما
أوجبها في هذه الثمانية من الذهب والورق وسائر ما ذكرنا ممّا تجب فيه الزكاة بالاتفاق،
فتعين على المؤمن آداء حق الله تعالى في كل عضو، فزكاة البصر ما يجب لله تعالى فيه من
:لحق كالغض عن المحرّمات والنظر فيما يؤدّي النظر إليه من القربة عند الله كالنظر في
المصحف وفي وجه العالم وفي وجه من يسرّ بنظرك إليه من أهل وولد وأمثالهم، وكالنظر إلى
الكعبة إذا كنت لها مجاوراً، فإنه قد ورد: ((أَنَّ لِلنَّاظِرِ إِلَى الْكَعْبَةِ عِشْرِينَ رَحْمَةً فِي كُلٌ يَوْمٍ
وَلِلطَّائِفِ بِهَا سِئْيْنَ رَحْمَةً)) وعلى هذا النحو تنظر في جميع الأعضاء المكلفة في الإنسان من
تصرفها فيما ينبغي وكفّها عمّا لا ينبغي.
بيان وإيضاح: واعلم أن هذه الأصناف قد أحاطت بمولدات الأركان كما قلنا وهي:
المعدن والنبات والحيوان، وما ثم رابع، ففرض الله الزكاة في أنواع مخصوصة من كل جنس
من المولدات لطهارة الجنس، فتطهر النوع بلا شك من الدعوى التي حصلت فيه من الإنسان
بالملك فإنّ الأصل فيه الطهارة من حيث إنه ملك لله مطلقاً، وذلك أنّ الأصل الذي ظهرت
عنه الأشياء من أسمائه القدوس وهو الطاهر لذاته من دنس المحدثات، فلما ظهرت الأشياء
في أعيانها وحصلت فيها دعاوى الملاك بالملكية طرأ عليها من نسبة الملك إلى غير منشئها ما
أزالها عن الطهارة الأصلية التي كانت لها من إضافتها إلى منشئها قبل أن يلحقها هذا الدنس
العرضي بملك الغير لها، وكفى بالحدث حدثاً، وهذه الأجناس لا تصرف لها في أنفسها،
فأوجب الله على مالكها فيها الزكاة وجعل ذلك طهارتها، فعين الله فيها نصيباً يرجع إلى الله
عن أمر الله لينسبها إلى مالكها الأصليّ فتكتسب الطهارة، فإنّ الزكاة إنما جعلها الله طهارة
الأموال وكذلك في الاعتبار، فإن هذه الأعضاء المكلفة هي طاهرة بحكم الأصل فإنها على
الفطرة الأولى ولا تزول عنها تلك الطهارة والعدالة. ألا تراها تستشهد يوم القيامة وتقبل
شهادتها لزكاتها الأصلية وعدالتها، فإن الأصل في الأشياء العدالة لأنها عن أصل طاهر
والجرحة طارئة، قال تعالى: ﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [سورة
الإسراء: الآية ٣٦] وقال: ﴿يَوَمَ تَشْهَدُ عَلَيِهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيِهِمْ وَأَرَجُلُهُم﴾ [سورة النور: الآية ٢٤] وقال
تعالى: ﴿وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [سورة فصلت: الآية ٢١] وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ
تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ وَلَا أَبْصَرَّكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ [سورة فصلت: الآية ٢٢] فهذا كله إعلام من
الله لنا أن كل جزء فينا شاهد عدل زكي مرضي، وذلك بشرى خير لنا ولكن أكثر الناس لا
يعلمون صورة الخير فيها، فإن الأمر إذا كان بهذه المثابة يرجى أن يكون المآل إلى خير، وإن
دخل النار فإنّ الله أجلّ وأعظم وأعدل من أن يعذب مكرهاً مقهوراً وقد قال: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ
وَقَلْبُهُ مُظْمَبِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [سورة النحل: الآية ١٠٦].
وقد ثبت حكم المكره في الشرع وعلم حدّ المكره الذي اتفق عليه والمكره الذي

٢٦٩
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
اختلف، وهذه الجوارح من المكرهين المتفق عليهم أنهم مكرهون، فتشهد هذه الأعضاء بلا
شك على النفس المدبرة لها السلطانة عليها، والنفس هي المطلوبة عند الله عن حدوده
والمسؤولة عنها، وهي مرتبطة بالحواس والقوى لا انفكاك لها عن هذه الأدوات الجسمية
الطبيعية العادلة الزكية المرضية المسموع قولها، ولا عذاب للنفس إلاَّ بوساطة تعذيب هذه
الجسوم، وهي التي تحسّ بالآلام المحسوسة لسريان الروح الحيواني فيها، وعذاب النفس
بالهموم والغموم وغلبة الأوهام والأفكار الرديئة وما ترى في رعيتها ممّا تحسّ به من الآلام
ويطرأ عليها من التغييرات كل صنف بما يليق به من العذاب، وقد أخبر بمآلها لإيمانها إلى
السعادة لكون المقهور غير مؤاخذ بما جبر عليه، وما عذبت الجوارح بالألم إلاَّ لإحساسها
أيضاً باللذة فيما نالته من حيث حيوانيتها فافهم، فصورتها صورة من أكره على الزنى وفيه
خلاف، والنفس غير مؤاخذة بالهم ما لم تعمل ما همّت به بالجوارح، والنفس الحيوانية
مساعدة بذاتها مع كونها من وجه مجبورة فلا عمل للنفوس إلاّ بهذه الأدوات، ولا حركة في
عمل للأدوات إلاّ بالأغراض النفسية، فكما كان العمل بالمجموع وقع العذاب بالمجموع، ثم
تفضي عدالة الأدوات في آخر الأمر إلى سعادة المؤمنين فيرتفع العذاب الحسيّ ثم يقضي
حكم الشرع الذي رفع عن النفس ما همّت به فيرتفع أيضاً العذاب المعنوي عن المؤمن، فلا
يبقى عذاب معنوي ولا حسيّ على أحد من أهل الإيمان، وبقدر قصر الزمان في الدار الدنيا
بذلك العمل لوجود اللذة فيه وأيام النعيم قصار تكون مدّة العذاب على النفس الناطقة
والحيوانية الدراكة مع قصر الزمان المطابق لزمان العمل، فإنّ أنفاس الهموم طوال، فما أطول
الليل على أصحاب الآلام، وما أقصره بعينه على أصحاب اللذات والنعيم، فزمان الشدّة
طويل على صاحبه وزمان الرخاء قصير.
إفصاح: واعلم أن للزكاة نصاباً وحولاً أي مقداراً في العين والزمان، كذلك الاعتبار في
زكاة الأعضاء لها مقدار في العين والزمان، فالنصاب بلوغ العين إلى النظرة الثانية فإنها
المقصودة والإصغاء إلى السماع الثاني وكذلك الثواني في جميع الأعضاء لأجل القصد
والمقدار الزماني يصحبه، فلنذكر ما يليق بهذا الباب مسألة مسألة على قدر ما يلقي الله عزّ
وجلّ في الخاطر من ذلك، والله الموفق والهادي إلى صراط مستقيم.
وصل في زكاة الحليّ: اختلف العلماء رضي الله عنهم في زكاة الحلي، فمن قائل: لا
زكاة فيه. ومن قائل : فيه الزكاة .
الاعتبار في ذلك: الحلي ما يتخذ للزينة والزينة مأمور بها، قال الله تعالى: ﴿يَنِيّ ءَادَمَ
خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٣١] وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِىِّ أَخْرَجَ
لِعِبَادِهِ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٣٢] وأضافها إليه ما أضافها إلى الدنيا ولا إلى الشيطان والزكاة حق
له، وما كان مضافاً إليه لا يكون فيه حق له لأنه كله له فلا زكاة في زينة الله، ومن اتخذه لزينة
الحياة الدنيا وسلب عنه زينة الله أوجب فيه الزكاة وهو أن يجعل لله نصيباً فيه يحيى به ما
أضاف منه إلى نفسه ويزكو ويتقدّس، كما شرع الله للإنسان أن يستعين بالله ويطلب العون منه

٢٧٠
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
في أفعاله التي كلفه سبحانه أن يعملها وهو العامل سبحانه لا هم، فكذلك ينبغي أن يجعل
الزكاة في زينة الحياة الدنيا وإن كانت زينة الله التي أخرج لعباده فأوجبوا الزكاة في تلك الزينة
كما أوجبها من أوجبها في الحليّ.
وصل في زكاة الخيل: اختلفوا في الخيل، فالجمهور على أنه لا زكاة في الخيل. وقال
قوم: إذا كانت سائمة وقصد بها النسل ففيها الزكاة أعني إذا كانت ذكراناً وإناثاً .
وصل الاعتبار في ذلك: هذا النوع من الحيوان وأمثاله من جملة زينة الله، قال تعالى:
﴿وَالْخَيَّلَ وَالِْغَالَ وَالْحَمِيرَ لِّكَبُهَا وَزِينَةٌ﴾ [سورة النحل: الآية ٨] وهي من زينة الله التي أخرج
لعباده، ثم إنه من الحيوان الذي له الكر والفر، فهو أنفع حيوان يجاهد عليه في سبيل الله
فالأغلب فيه أنه لله، وما كان لله فما فيه حق الله لأنه كلّه لله، النفس مركبها البدن، فإذا كان
البدن في مزاجه وتركيب طبائعه بحيث أن يساعد النفس المؤمنة الطاهرة على ما تريد منه من
الإقبال على طاعة الله والفرار عن مخالفة الله كان لله، وما كان لله فلا حق فيه لله لأنه كله لله،
وإذا كان البدن يساعد وقتاً ولا يساعد وقتاً آخر لخلل فيه، كان ردّ النفس بالقهر فيما لا يساعد
فيه من طاعة الله زكاة فيه كمن يريد الصلاة ويجد كسلاً في أعضائه وتكسّراً فيتثبط عنها مع
كونه يشتهيها، فأداء الزكاة في ذلك الوقت أن يقيمها ولا يتركها مع كسلها، وهي في ذلك
الوقت سائمة من السآمة اعتبار متخذة للنسل لأن فيها ذكراناً وإناثاً أي خواطر عقل وخواطر
نفس .
وصل في سائمة الإبل والبقر والغنم وغير السائمة: فإن قوماً أوجبوا الزكاة فيها كلها
سائمة وغير سائمة، وذهب الأكثرون إلى أن لا زكاة في غير السائمة من هذه الثلاثة الأنواع.
اعتبار هذا الوصل: السائمة الأفعال المباحة كلها وغير السائمة ما عدا المباح، فمن
قال: الزكاة في السائمة قال: إن المباح لما كانت الغفلة تصحبه أوجبوا أن يحضر الإنسان عند
فعله المباح أنه مباح بإباحة الشارع ولو لم يبح فعله ما فعله، فهذا القدر من النظر هو زكاته .
وأما غير السائمة فلا زكاة فيها لأنها كلها أفعال مقيدة بالوجوب أو الندب أو الحظر أو
الكراهة، فكلها لا تخيير على الإطلاق للعبد فيها فكلها لله تعالى، وما كان لله لا زكاة فيه فإن
الزكاة حق لله في هذا كله، وألحق بعض أصحابنا المندوب والمكروه بالمباح فجعل فيه الزكاة
كالمباح سواء. وقالت طائفة أخرى: ما هو مثل المباح فإن فيه ما يشبه الواجب والمحظور
وفيه ما يشبه المباح، فإن كان وقته تغليب أحد النظرين فيهما كان حكمه بحكم الوقت فيهما
وهو أن يحضر له في وقت إلحاقهما بالمباح، وفي وقت إلحاقهما بالواجب والمحظور،
والصورة في الشبه أن السائمة مملوكة وغير السائمة مملوكة فالجامع بينهما الملك ولكن ملك
غير السائمة أثبت لشغل المالك بها وتعاهده إياها، والسائمة ليست كذلك وإن كانت ملكاً،
وكذلك المندوب والمكروه هو مخير في الفعل والترك فأشبه المباح وهو مأجور في الفعل
فيهما والترك فأشبه الواجب والمحظور وهذا أسدّ مذاهب القوم عندنا .
ومن قال: الزكاة في الكل، قال: إنما أوجب ذلك في الكل سائمة وغير سائمة لأن

٢٧١
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
الأفعال الواقعة من العبد منسوبة للعبد نسبة إلهية وإن اقتضى الدليل خلافها، فوجبت الزكاة في
جميع الأفعال لما دخلها من النسبة إلى المخلوق، وصورة الزكاة فيها استحضارك أن جميع ما
يقع منك بقضاء وقدر عن مشاهدة وحضور تام في كل فعل عند الشروع في الفعل، وذلك القدر
هو زمان الزكاة بمنزلة انقضاء الحول وقدر ذلك الفعل الذي يمكن الردّ فيه إلى الله ذلك هو
نصاب ذلك الفعل، وهذا مذهب العلماء بالله أن الأفعال كلها لله بوجه وتضاف إلى العبد بوجه
فلا يحجبنهم وجه عن وجه كما لا يشغله شأن عن شأن .
وصل في زكاة الحبوب: وأما ما اختلفوا فيه من النبات بعد اتفاقهم على الأصناف
الثلاثة فمنهم من لم ير الزكاة إلاَّ في تلك الأصناف الثلاثة. ومنهم من قال: الزكاة في جميع
المدخر المقتات من النبات. ومنهم من قال: الزكاة في كل ما تخرجه الأرض ما عدا
الحشيش والحطب والقصب.
الاعتبار في كونه نباتاً: فهذا النوع مختص بالقلب فإنه محل نبات الخواطر وفيه يظهر
حكمها على الجوارح، فكل خاطر نبت في القلب وظهر عينه على ظاهر أرض بدنه ففيه الزكاة
لشهادة كل ناظر فيه أنه فعل من ظهر عليه فلا بدّ أن يزكيه بردّه إلى الله ذلك هو زكاته، وما لم
يظهر فلا يخلو صاحبه لما نبت في قلبه ما نبت هل كان ممّن رأى الله فيه أو قبله؟ فإن كان من
هذا الصنف فلا زكاة عليه فيه فإنه لله، ومن رأى الله بعده من أجله فتلك عين الزكاة قد أدّاها،
وإن لم ير الله بوجه وجبت عليه الزكاة عند العلماء بالله، ولم تجب عليه الزكاة عند الفقهاء من
أهل الطريق لأن الشارع لم يعتبر الهم حتى يقع الفعل فكان نباتاً سقطت فيه الزكاة كما سقطت
المؤاخذة عليه، فإن كان النبات من الخواطر التي فيها قوت للنفس وجبت الزكاة لما فيها من
حظ النفس، فإن كان حظ النفس تبعاً فلا زكاة فإن قوت هذا الذي هذه صفته فهو الله الذي به
يقوم كل شيء، قيل لسهل بن عبد الله: ما القوت؟ قال؛ الله، قيل له: سألناك عن قوت
الأشباح، قال: الله، فلما ألحوا عليه قال: ما لكم ولها دع الديار إلى مالكها وبانيها إن شاء
عمرها وإن شاء خربها .
وصل في النصاب بالاعتبار: وأما النصاب في الأعضاء فهو أن تتجاوز في كل عضو من
الأوّل إلى الثاني، ولكن من الأوّل المعفوّ عنه لا من الأول المندوب، فإن الأول المعفوّ عنه لا
زكاة فيه فإنه لله، والثاني لك ففيه الزكاة ولا بدّ، سواء كان في النظرة الأولى، أو السماع الأول،
أو اللفظة الأولى، أو البطشة الأولى، أو السعي الأول، أو الخاطر الأول، والجامع كل حركة
لعضو لا قصد له فيها فلا زكاة عليه، فإذا كانت الثانية التالية لها فإنها لا تكون إلا نفسية عن قصد
فوجبت الزكاة أي طهارتها، والزكاة فيها هي التوبة منها لا غير فتلتحق بالحركة الأولى في
الطهارة من أجل التوبة والتوبة زكاتها، هذا حدّ النصاب فيما تجب فيه الزكاة من جميع ما تجب
فيه الزكاة، ولا حاجة لتعدادها في الحكم الظاهر المشروع في تلك الأصناف لأن المقصود
الاعتبار وقد بان فاكتفينا بذلك عن تفصيله، وقد تقدم اعتبار وقت الزكاة وبقي لنا اعتبار من
أخرج الزكاة قبل وقتها فإن قوماً منعوا من ذلك وبه أقول وأجازه بعضهم.

٢٧٢
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
اعتباره: تطهير المحل للخاطر قبل وقوعه بالاستعداد له مع علمه بما يخطر له من جهة
الكشف الذي هو عليه، فإن قطع بحضوره ولا بدّ لم يجزه فإنه راجع إلى الطهارة الأولى،
وإذا وقع فلا بدّ من طهارة لوقوعه بلا شك فلا يتعدى بالأمور أوقاتها فإن الحكم للوقت،
ومن أخرجها قبل الوقت فقد عطل حكم الوقت.
وصل في ذكر من تجب لهم الصدقة: وهم الثمانية الذين ذكر الله في القرآن: الفقراء،
والمساكين، والعاملون عليها، والمؤلفة قلوبهم، والرقاب، والغارمون، والمجاهدون، وابن
السبيل، اعتبارهم الأعضاء المذكورة تخرج الزكاة من أفعالها وتردّ على أعيانها وهو المعبر عنه
بثوابها، ففي أفعال هذه الأعضاء الزكاة وعلى أعيانها تقسم الزكاة، فمن زكّى نظره بنفسه
أعطى الزكاة بصره فعاد يبصر بربه بعدما كان يبصر بنفسه، وكذلك من زكّى سمعه بنفسه
أعطى الزكاة سمعه فصار يسمع بربه وهو قوله: كنت سمعه وبصره، وكذلك يتكلم ويبطش
ويسعى كل ذلك بربه ويتقلب في أموره كلها بربه.
وصل في تعيين الأصناف الثمانية الذين تقسم الزكاة عليهم اعتباراً: فمنهم الفقراء، قال
الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ وَاَلْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ فُلُوبُهُمْ وَفِى الْرِّقَابِ وَالْغَرِمِينَ
وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةٌ مِّنَ اللَّهُ﴾ [سورة التوبة: الآية ٦٠] يقول: فرضها الله لهؤلاء
المذكورين فلا يجوز أن تعطى إلى سواهم وفي إعطائها لصنف واحد خلاف، والذي أذهب
إليه أنه من وجد من هؤلاء الأصناف قسمت عليهم الصدقة بحسب ما يوجد منهم لكن على
الأصناف لا على الأشخاص، ولو لم يوجد من صنف منهم إلا شخص واحد دفع إليه قسم
ذلك الصنف، وإن وجد من الصنف أكثر من شخص واحد قسم على الموجودين منه ما تعين
لذلك الصنف قلَّ الأشخاص أو كثروا، وكذلك العامل عليها قسمه في ذلك البلد بحسب ما
يوجد من الأصناف، فإن وجد الكل فلكل صنف ثمن الصدقة إلى سبع وسدس وخمس وربع
وثلث ونصف وللكل، ثم إنا نقدم من قدم الله بالذكر في العطاء، وكذلك أفعل هنا في تعيينهم
في هذا الباب فإن رسول الله و18َ لما جاء في حجة وداعه إلى السعي بين الصفا والمروة تلا
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥٨] أبدأ بما بدأ الله به،
وحدثني بحكايته في هذا بعض أشياخنا قال: أراد رجل من أهل القيروان الحجّ فبقي يتردّد هل
يمشي في البحر أو في البر وما ترجح عنده واحد منهما فقال: أسأل أول رجل أجتمع به
فحيث ما قال لي سلكت ذلك الطريق، قال: فأول من لقيه يهودي فحار في أمره هل أسأله
فعزم على سؤاله فشاوره فقال له: يا مسلم أليس الله يقول: ﴿هُوَ الَّذِى يُسَتِكُ فِىِ الْبَّ وَالْبَحْرِّ﴾
[سورة يونس: الآية ٢٢] فقدم البر فقدم ما قدم الله، وهذا هو الطريق نبدأ بما بدأ الله به ونقدم ما
قدم الله فإنه من التزم ذلك رأى خيراً في حركاته .
اعتبار الفقير: الذي يجب إعطاء الصدقة له لا أنه يجب عليه أخذها عند أهل الطريق إلاَّ
عندنا فإنه واجب عليه أخذها إذا أعطيته ولا يسألها أصلاً، ولو تحقق بالعبودية أسنى مرتبة فيها
وجاءته أخذها، فإن الزكاة وإن كانت لهؤلاء الأصناف فإنها حق الله في هذه الأموال وللعبد أن

٢٧٣
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
يأكل من مال سيده فإنه حقّه، وإنما حرمت على أهل البيت تخصيصاً لهذه الإضافة وسواء
تحققوا بالعبودية أو لم يتحققوا، فلو كان ذلك للتحقق بالعبودية ما حرمت إلاَّ على
رسول الله وَ﴿ ومن كان على قدمه الأمر وليس كذلك فأهل الله أولى من تصرّف في حقوق
الله. ثم نرجع فنقول: الفقير عندنا الذي ليس وراءه مرتبة للفقر هو الذي يفتقر إلى كل شيء
ولا يفتقر إليه شيء، وإلى الآن فما رأيت أحداً تحقق بهذه الصفة، يقول الله تعالى من باب
الغيرة الإلهية: ﴿يَّأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللّهِ﴾ فقد كنى عن نفسه في هذه الآية بكل ما
يفتقر إليه ﴿وَاَللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾ [سورة فاطر: الآية ١٥] فما افتقر فقير إلاّ إلى الله عرف ذلك
هذا الشخص أو لم يعرفه، فإن الفقير الإلهيّ يرى الحق عين كل شيء وهو في عبوديته
منغمس مغمور حين رأى الله تسمى له باسم كل شيء يفتقر إليه، وما في الوجود شيء إلاّ
ويفتقر إليه مفتقر ما من جميع الأشياء ولا يفتقر إليه شيء لوقوف هذا الفقير عند هذه الآية:
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاللّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾ فتحقق بهذه الآية، فأوجب الله له
الطهارة والزكاة حيث تأدّب مع الله وعلم ما أراد الله بهذه الآية فإنها من أعظم آية وردت في
القرآن للعلماء بالله الذين فهموا عن الله فلم يظهر عليه صفة غني بالله ولا بغير الله فيفتقر إليه
من ذلك الوجه فصحّ له مطلق الفقر، فكأن الله غناه بما هو من الأغنياء بالله، فإن الغنيّ بالله
من افتقر إليه الخلق وزها عليهم بغناه بربه فذلك لا يجب له أن يأخذ هذه الزكاة. فما قدّم
الحق الفقراء بالذكر وفوقهم من هو أشدّ حاجة منهم لا مسكين ولا غيره، فإن الفقير هو الذي
انكسر فقار ظهره فلا يقدر على أن يقيم ظهره وصلبه فلا حظ له في القيومية أبداً بل لا يزال
مطأطىء الرأس لانكساره فافهم هذه الإشارة.
والمساكين: المسكين من السكون وهو ضدّ الحركة والموت سكون فإذا تحرّك الميت
فبتحريك غيره إياه لا بنفسه فالمسكين من يدبره غيره، فلهذا فرض الله له أن يعطى الزكاة ولا
يقال فيه إنه آخذ لها وهو لا يتصف بالحاجة ولا بعدم الحاجة، ولهذا قلنا في الفقير إنه ما فوقه
من هو أشدّ حاجة منه، فإن المسكين هو عين المسلم المفوّض أمره إلى الله عن غير اختيار
منه بل الكشف أعطاه ذلك ولهذا ألحقناه بالميت، فالمسكين كالأرض التي جعلها الله لنا
ذلولاً، فمن ذلّ ذلة ذاتية تحت عزّ كل عزيز كان من كان فذلك المسكين لتحققه أن العزّة لله،
وأن عزّته هي الظاهرة في كل عزيز وهذه معرفة نبوية، يقول تعالى: ﴿أَمَّا مَنِ أُسْتَغْفَىٌّ فَأَنْتَ لَهُ
تَصَدَّى﴾ [سورة عبس: الآيتان ٥، ٦] فعند المحققين ضمير له لله وإن كانت الآية جاءت عتباً ولكن
في حق فهم العرب، ونحن مع شهود رسول الله صل* وذوقه ومرتبته، فإن العارفين منا ولهم
هذا المقام حسنة من حسنات رسول الله وَل# ولا تبالي بذاك العزيز فنقول: إنه ممّن أشقاه الله
بعزّه، فإن هذا المسكين ما ذلّ إلاَّ للصفة، وهذه الصفة لا تكون إلاَّ لله عنده حقيقة لم تدنسها
الاستعارة قط، فهذا المسكين لم ير بعينه إلاَّ الله إذ كان لا يرى العزّة إلاَّ عزّته تعالى لا بعينه
ولا بقلبه، ونظر إلى ذلّة كل ما سواه تعالى بالعين التي ينبغي أن ينظر إليهم بها، فتخيل
المخلوق الموصوف عند نفسه بالعزّة أنه ذلّ هذا المسكين لعزّه وإنما كان ذلك للعزّ خاصة
الفتوحات المکیة ج٢ - ١٨٣

٢٧٤
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
والعزّ ليس إلاَّ لله فوفى المقام حقّه، فمثل هذا هو المسكين الذي يتعين له إعطاء الصدقة.
والعاملين عليها: العامل المرشد إلى معرفة هذه المعاني والمبين لحقائقها والمعلم
والأستاذ والدال عليها، وهو الجامع لها بعلمه من كل من تجب عليه فله منها على قدر
عمالته، وليس الأمر في حقّه منها إلا كما قدمناه، والأولى بالمرشد أن يقول ما قالت الرسل :
﴿إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اَللَّهِ﴾ [سورة يونس: الآية ٧٢] فقد يكون هذا القدر الذي لهم من الزكاة الإلهية
فلهم أخذ زكاة الاعتبار لا زكاة المال، فإن الصدقة الظاهرة على الأنبياء حرام لأنهم عبيد،
والعبد لا يأخذ الصدقة من حيث ما تنسب إلى الخلق فاعلم ذلك .
والمؤلفة قلوبهم: فهم الذين تألفهم الإحسان على حب المحسن لأن القلوب تتقلب
فتألفها هو أن تتقلب في جميع الأمور كما تعطي حقائقها ولكن لعين واحدة وهي عين الله فهذا
تألفها عليه لا تملكها عيون متفرّقة لتفرّق الأمور التي تتقلب فيها، فإنَّ الجداول إذا كانت
ترجع إلى عين واحدة فينبغي مراعاة تلك العين والتألف بها، فإنه إن أخذته الغفلة عنها
ومسكت تلك العين ماءها لم تنفعه الجداول بل يبست وذهب عينها، وإذا راعى العين وتألف
بها تبخرت جداولها واتسعت مذانبها .
وفي الرقاب: فهم الذين يطلبون الحرية من رق كل ما سوى الله، فإن الأسباب قد
استرقت رقاب العالم حتى لا يعرفوا سواها، وأعلاهم في الرق الذين استرقتهم الأسماء
الإلهية، وليس أعلى من هذا الاسترقاق إلاَّ استرقاق أحدية السبب الأوّل من كونه سبباً لا من
حيث ذاته، ومع هذا فينبغي لهم أن لا تسترقهم الأسماء لغلبة نظرهم إلى أحدية الذات من
كونه ذاتاً لا من كونها إلهاً، ففي مثل هذه الرقاب تخرج الزكاة.
والغارمين: هم الذين أقرضوا الله قرضاً حسناً عن أمره وهو قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأَقْرَضُواْ اللَّهَ
قَرْضًا حَسَنًا﴾ [سورة الحديد: الآية ١٨] عطف على أمرين واجبين وهما قوله: ﴿وَأَقِيمُواْ الضَّلَوةَ
وَءَاتُوْ الزَّكَوَةَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٣] وثلث بقوله: ﴿وَأَقْرَضُواْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ فالقرض ثالث ثلاثة
ولكن ما عين ما تقرضه كما لم يعين ما تزكيه كما لم يعين صلاة بعينها فعمّت كل صلاة أمرنا
بإقامتها وكل زكاة وكل قرض إلاَّ أنه نعت قرضاً بقوله: ﴿حَسَنًا﴾ مع تأكيده بالمصدر، وسبب
ذلك أن الصلاة والزكاة العبد فيهما عبد اضطرار، وفي القرض عبد اختيار، فمن الناس من
أقرض الله قرض اختيار وهو الذي لم يبلغه الأمر به وبلغه أن تقرضوا الله، أو قوله: ﴿مَّن ذَا
الَّذِى يُفْرِصُ اللََّ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [سورة الحديد: الآية ١١] فيأخذ الزكاة الغارم الأول الذي أعطى على
الوجوب الصدقة بحكم الوجوب أي أنها تجب له، ويأخذها الثاني باختيار المصدق حيث
ميّزه دون غيره، ولا سيّما في مذهب من يرى في عدد هؤلاء الأصناف أنه حصر المصرف في
هؤلاء المذكورين أي لا يجوز أن تعطى لغيرهم، فإذا أعطيت لصنف منهم دون صنف فقد
برئت الذمّة وهي مسألة خلاف، فهذا المقرض بآية: ﴿مَن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ﴾ وإن تقرضوا الله
لا يأخذها بحكم الوجوب، والمقرض بآية الأمر يأخذها بحكم الوجوب، لأن المأمور أدى
واجباً فجزاؤه واجب ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الروم: الآية ٤٧] فإن الإيمان واجب

٢٧٥
في المغارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
﴿فَسَأَكْتُهَا لِلَّذِينَ يَثَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِثَايَئِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٥٦]
وهذه كلها واجبات، فأوجب الجزاء بالرحمة لهم بلا شك.
وفي سبيل الله: فيمكن أن يريد المجاهدين والإنفاق منها في الجهاد، فإن العرف في
سبيل الله عند الشرع هو الجهاد وهو الأظهر في هذه الآية مع أنه يمكن أن يريد بسبيل الله سبل
الخير كلها المقرّبة إلى الله، فأما هذا الصنف بحكم ما يقتضيه الطريق فسبيل الله ما يعطيه هذا
الاسم الذي هو الله دون غيره من الأسماء الحسنى الإلهية فيخرجها فيما تطلبه مكارم الأخلاق
من غير اعتبار صنف من أصناف المخلوقين كرزق الله عباده، بل ما تقتضيه المصلحة العامة
لكل إنسان بل لكل حيوان ونبات حتى الشجرة يراها تموت عطشاً فيكون عنده بما يشتري لها
ما يسقيها به من مال الزكاة فيسقيها بذلك فإنه من سبيل الله ولا قائل بهذا. وإن أراد
المجاهدين فالمجاهدون معلومون بالعرف من هم، والمجاهدون أنفسهم أيضاً في سبيل الله
فيعاونون بذلك على جهاد أنفسهم، قال رسول الله وَّله: ((رَجِعْتُمْ مِنَ الْجِهَادِ الأَصْغَرِ إِلَى
الْجِهَادِ الأَكْبَرِ)) يريد جهاد النفوس ومخالفتها في أغراضها الصارفة عن طريق الله تعالى.
وابن السبيل: وأبناء السبيل معلومون وهم في الاعتبار أبناء طريق الله لأن الألف واللام
للتعريف فهما بدل من الإضافة، ونصيب هؤلاء من الزكاة التي هي الطهارة الإلهية التي
ذكرناها فيما قبل.
وصل متمم: ثم لتعلم وفقك الله أن الأمور التي يتصرّف فيها الإنسان حقوق الله كلها،
غير أن هذه الحقوق وإن كانت كثيرة فإنها بوجه ما منحصرة في قسمين: قسم منهما حق
الخلق الله وهو قوله وَ﴿: ((إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَلِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَلزورك عَلَيكَ حَقّاً))
والقسم الآخر حق الله لله وهو قوله وَّه: ((لِي وَقْتٌ لاَ يَسَعُنِي فِيهِ غَيْرُ رَبِّي)) وهذا الحق الذي
لله هو زكاة الحقوق التي للخلق الله، وهذه الحقوق بجملتها في ثمانية أصناف: العلم والعمل
وهما بمنزلة الذهب والفضة، ومن الحيوان الروح والنفس والجسم في مقابلة الغنم والبقر
والإبل، ومن النبات الحنطة والشعير والتمر، وفي الاعتبار ما تنبته الأرواح والنفوس
والجوارح من العلوم والخواطر والأعمال الغنم للروح والبقر للنفس والإبل للجسم، وإنما
جعلنا الغنم للأرواح لأن الله جعل الكبش قيمة روح نبيّ مكرّم فقال: ﴿وَفَدَيْنَهُ بِذِيْجِ عَظِيمٍ﴾
[سورة الصافات: الآية ١٠٧] فعظمه وجعله فداء ولد إبراهيم نبيّ ابن نبيّ، فليس في الحيوان بهذا
الاعتبار أرفع درجة من الغنم وهي ضحايا هذه الأمة، ألا تراها أيضاً قد جعلت حق الله في
الإبل وهو في كل خمس ذود شاة، وجعلت مائة من الإبل فداء نفس ليس برسول ولا نبيّ،
فانظر أين مرتبة الغنم من مرتبة الإبل؟ ثم إن رسول الله ملل أمرنا بالصلاة على مرابض الغنم
والصلاة قربة إلى الله وأماكنها مساجد الله، فمرابض الغنم من مساجد الله فلها درجة القربة،
والإبل ليست لها هذه المرتبة وإن كانت أعظم خلقاً ولهذا جعلناها للأجسام، ألا ترى أنه من
أسمائها البدنة والجسم يسمى البدن والبدن من عالم الطبيعة والطبيعة بينها وبين الله درجتان
من العالم وهما: النفس والعقل فهي في ثالث درجة من القربة فهي بعيدة عن القرب الإلهيّ .

٢٧٦
في المعارف/ الباب السبعون في أسرار الزكاة
ألا ترى النبيّ 18 نهى عن الصلاة في معاطن الإبل؟ وعلّل ذلك بكونها شياطين والشيطنة
البعد، يقال: ركية شطون إذا كانت بعيدة القعر، والصلاة قرب من الله، والبعد يناقض
القرب، فنهى عن الصلاة في معاطن الإبل لما فيها من البعد، وكذلك الجسم الطبيعيّ أين هو
من درجة القربة التي للروح وهو العقل فإنه الموجود الأوّل وهو المنفوخ منه في قوله:
﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى﴾ [سورة الحجر: الآية ٢٩] فلهذا جعلنا الروح بمنزلة الكبش والجسم بمنزلة
الإبل.
وأما كون البقر في مقابلة النفوس وهي دون الغنم في الرتبة وفوق الإبل كالنفس فوق
الجسم ودون العقل الذي هو الروح الإلهيّ وذلك أن بني إسرائيل لما قتلوا نفساً وتدافعوا فيها
أمرهم الله أن يذبحوا بقرة ويضربوا الميت ببعضها فيحيى بإذن الله فلما حيي به نفس الميت
عرفنا أن بينها وبين النفس نسبة فجعلناها للنفس.
ثم إن الروح الذي هو العقل يظهر عنه ممّا زرع الله فيه من العلوم والحكم والأسرار ما
لا يعلمه إلاَّ الله، وهذه العلوم كلها منها ما يتعلق بالكون ومنها ما يتعلق بالله، وهو بمنزلة
الزكاة من الحنطة لأنها أرفع الحبوب، وأن النفس يظهر عنها ممّا زرع الله فيها من الخواطر
والشهوات ما لا يعلمه إلاّ الله تعالى، فهذا نباتها وهو بمنزلة التمر، وزكاة الله منها الخاطر
الأوّل، ومن الشهوات الشهوة التي تكون لأجل الله وإنما قرناها بالتمر لأن النخلة هي عمّتنا
فهي من العقل بمنزلة النخلة من آدم فإنها خلقت من بقية طينته.
وأما الجوارح: فزرع الله فيها الأعمال كلها فأنبتت الأعمال، وحظ الزكاة منها الأعمال
المشروعة التي يرى الله فيها، فهذه ثمانية أصناف تجب فيها الزكاة .
فأما العلم الذي هو بمنزلة الذهب فيجب فيها ما يجب في الذهب. وأما العمل الذي
هو بمنزلة الفضة فيجب فيه ما يجب في الورق. وأما الروح فيجب فيه ما يجب في الغنم.
وأما النفس فيجب فيها ما يجب في البقر. وأما الجوارح فيجب فيها ما يجب في الإبل. وأما
ما ينتجه العقل من المعارف وينبته من الأسرار فيجب فيها ما يجب في الحنطة. وأما ما تنتجه
النفس من الشهوات والخواطر وتنبته من الواردات فيجب فيه ما يجب في التمر. وأما ما تنتجه
الجوارح من الأعمال وتنبته من صور الطاعات وغيرها فيجب فيه ما يجب في الشعير.
وصل في اعتبار الأقوات بالأوقات: اعلم أن الأوقات في طريق الله للعلماء العاملين
بمنزلة الأقوات لمصالح الأجسام الطبيعية، وكما أن بعض الأقوات هو زكاة ذلك الصنف
كذلك الوقت الإلهيّ هو زكاة الأوقات الكيانية، فإن في الوقت أغذية الأرواح، كما أن في
الأقوات أغذية الأشباح الحيوانية والنباتية، وغذاء الجوارح الأعمال. والعلم والعمل معدنان
بوجودهما تنال المقاصد الإلهية في الدنيا والآخرة، كما أن بالذهب والفضة تنال جميع
المقاصد من الأعراض والأغراض، فلنبين ما يتعلق بهذا النوع وهذه الأنواع من حق الله الذي
هو الزكاة .
وصل في مقابلة وموازنة الأصناف الذين تجب لهم الزكاة بالأعضاء المكلفة من

٢٧٧
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
الإنسان: وهم الفقراء يوازنهم من الأعضاء الفرج، ويوازن المساكين البطن، ويوازن العاملين
القلب، ويوازن المؤلفة قلوبهم بالسمع، ويوازن الرقاب بالبصر، ويوازن الغارمين باليد،
ويوازن المجاهدين باللسان، ويوازن ابن السبيل بالرجل، فإن اعتبرت هذه الموازنة بين هؤلاء
الأصناف وبين هذه الأعضاء على ما ذكرناه تجد حكمة ما أشرنا إليه، فالفقر في الفرج
واضح، وكذلك المسكنة في البطن ظاهر، والعامل بالقلب صريح، والمؤلفة قلوبهم بالسمع
بين، والرقاب بالبصر واقع، والغارم باليد إفصاح، والمجاهد باللسان صحيح، وابن السبيل
بالرجل أوضح من الكل .
وصل في معرفة المقدار كيلاً ووزناً وعدداً: خرّج مسلم عن أبي سعيد الخدري أن
رسول الله وََّ قال: ((لَيْسَ فِي حَبِّ وَلاَ تَمْرٍ صَدَقَةٌ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةً أَوْسُقٍ، وَلاَ فِيمَا دُونَ
خَمْسٍ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلاَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ)) يريد من الورق، فجعل الوسق في
الحبوب وهي النبات وهو مكيال معروف وهو ستون صاعاً، فالخمسة الأوسق ثلاثمائة
صاع وهو ما ينبته التخلق بالأسماء أعني الأخلاق الإلهية من الأخلاق في الإنسان، لأنا
قد روينا أن الله ثلاثمائة خلق من تخلق بواحد منها دخل الجنة وكلها أخلاق يصرفها
الإنسان مع المخلوقات ومع من ينبغي أن تصرف معه على حدّ أمر الله، والزكاة منها هو
الخلق الذي يصرفه مع الله فإنه أولى من يتخلق معه، فإنه من المحال أن يبلغ الإنسان
بأخلاقه مرضاة العالم، وإيثار جناب الله أولى وهو أن يتخلق مع كل صنف بالخلق الإلهيّ
الذي صرفه الله معه فيكون موافقاً للحق. وقوله: ولا فيما دون خمس ذود صدقة فهذا
من عدد الأعيان ولا ينعدّ بالعين إلاَّ العمل لا العلم، فإن مقدار العلم معنويّ ومقدار
العمل حسيّ، ولا فيما دون خمس أواق صدقة، والأوقية أربعون درهماً والأربعون في
الأوقية نظير الأربعين صباحاً من أخلصها ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه، فإذا
ظهرت من العبد في خمسة أحوال كما هي في الزكاة خمس أواق حال في ظاهره له أوقية
وهو إخلاص ظاهر وحال في باطنه مثله وحال في حدّه مثله وحال في مطلعه مثله وحال
في المجموع مثله، فهذه خمسة أحوال مضروبة في أربعين يكون الخارج مائتين وهو حدّ
النصاب فيها خمسة دراهم من كل أربعين درهماً درهم، وهو ما يتعلق بكل أربعين من
التوحيد المناسب لذلك النوع، ومقادير المعاني والأرواح أقدار من قوله: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ
حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٩١] ومقادير المحسوسات من الأعمال أوزان وبالأوزان عرفت
الأقدار.
وصل في توقيت ما سقي بالنضح وما لم يسق به: ذكر البخاري عن رسول الله مَ ل# فيما
سقي بالنضح نصف العشر وما لم يسق بالنضح العشر.
واعتباره: أعمال المراد وأعمال المريد فالمريد مع نفسه لربّه فيجب عليه نصف العشر
وهو أن يزكي من عمله ما ظهرت فيه نفسه، والمراد مع ربه لا مع نفسه فيجب عليه العشر
وهو نفسه كله فإنه لا نفس له لرفع التعب عنه، وكذلك اعتباره في العلم الموهوب، والعلم

٢٧٨
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
المكتسب لم يخلص لله منه إلاَّ نصفه والموهوب كله لله والكل عبارة عن قدر الزكاة لا غير
وهو ما ينسب إلى الله من ذلك العلم أو العمل وما ينسب إلى العبد من حيث حضور العبد مع
نفسه في ذلك العلم أو العمل .
وصل في إخراج الزكاة من غير جنس المزكى: في كل خمس ذود من الإبل شاة.
اعتباره: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [سورة الزمر: الآية ٣] فزكاة الأعمال الإخلاص،
والإخلاص ليس بعمل لافتقاره إلى الإخلاص وهو النية .
وصل في فصل - الخليطان في الزكاة: ذكر الدارقطنيّ عن سعد بن أبي وقاص عن
النبيّ وَ لَ أنه قال: ((الْخَلِيطَانِ مَا اجْتَمَعَا عَلَى الْحَوْضِ وَالرَّاعِي وَالفَخْلِ)).
وصل الاعتبار في ذلك: قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَالنَّقْوَى﴾ [سورة المائدة: الآية ٢]
فالمعاونة في الشيء اشتراك فيه وهذا معنى الخليطين، فالحوض كل عمل أو علم يؤدّي إلى
حياة القلوب فيستعينا عليه بحسب ما يحتاج كل واحد منهما من صاحبه فيه، وهو في الإنسان
القلب والجارحة خليطان، فالجارحة تعين القلب بالعمل، والقلب يعين الجارحة بالإخلاص،
فهما خليطان فيما شرعا فيه من عمل أو طلب علم. وأما الراعي؛ فهو المعنى الحافظ لذلك
العمل وهو الحضور والاستحضار مثل الصلاة لا يمكن أن يصرف وجهه إلى غير القبلة ولا
يمكن أن يقصد بتلك العبادة غير ربّه، وهذا هو الحفظ لتلك العبادة، والقلب والحسّ خليطان
فيه. وأما الفحل: فهو السبب الموجب لما ينتجه ذلك العلم أو العمل عند الله من القبول
والثواب فهما شريكان في الأجر فتأخذ النفس ما يليق بها ممّا يعطيه العلم، ويأخذ الحسّ
الذي للجسم ما يليق به من حسن الصورة في الدار الآخرة، والمعنى الذي أنتج لهما هذا هو
الفحل وهما فيه خليطان .
وصل فيما لا صدقة فيه من العمل: قال رسول الله وَله: ((لَيْسَ فِي الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ وَلاَ
فِي الْجَبْهَةِ صَدَقَةٌ)) خرّج هذا الحديث الدارقطنيّ عن علي رضي الله عنه. والعوامل هي الإبل
التي يعمل عليها والجبهة الخيل وقد تقدم كلام الزكاة في الخيل .
وصل: الاعتبار في ذلك الهياكل عوامل الأرواح لأنها عليها تعمل ما كلفت من العمل
وبها يقع العمل منها ولا زكاة على العامل في بدنه وإنما الزكاة على الروح العامل بها، وزكاته
قصده وتقواه وهو الإخلاص لله في ذلك العمل، قال الله تعالى: ﴿لَن يَنَالَ اَللَّهَ لُومُهَا وَلَا
دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ النَّقْوَى مِنكُمْ﴾ [سورة الحج: الآية ٣٧].
وصل في فصل - إخراج الزكاة من الجنس: خرّج أبو داود عن معاذ بن جبل أن
رسول الله وَّل بعثه إلى اليمن فقال: ((خُذِ الْحَبَّ مِنَ الْحَبْ وَالشّاةَ مِنَ الْغَنَمِ وَالْبَعِيرَ مِنَ الإِبلِ
وَالْبَقَرَ مِنَ الْبَقَرِ)).
وصل الاعتبار في ذلك: زكاة الظاهر ما قيّده به الشرع من الأعمال الواجبة التي لها شبه
في المندوب، ففريضة الصلاة زكاة النوافل من الصلاة فإنها الواجبة أو صلاة ينذرها الإنسان
على نفسه أو أيّ عبادة كانت، وكذلك في الباطن زكاة من جنسه وهو أن يكون الباعث له على

٢٧٩
في المعارف/ الباب السبعون في أسرار الزكاة
العبادة خوف أو طمع والزكاة في الباعث الباطن من ذلك أن تكون ما تستحقه الربوبية من
امتثال أمرها ونهيها لا رغبة ولا رهبة إلاَّ وقاص.
وصل في ذكر ما لا يؤخذ في الصدقة: ذكر أبو داود في كتاب رسول الله وَ الَ: ((لاَ
تُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلاَ ذَاتُ عُوَارٍ وَلاَ تَيْسُ الغَنَمِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ المُصَدِّقُ)) .
وصل الاعتبار في ذلك: الهرمة مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوْ إِلَى الصَّلَوْةِ قَامُواْ كُسَالَى﴾
[سورة النساء: الآية ١٤٢] وقال: ((لِيُصَلُ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ)) ولا ذات عوار وهو العمل بغير نيّة أو نيّة
بغير عمل مع التمكن من العمل وارتفاع المانع. وأما مشيئة المصدق في تيس الغنم فاعتباره
أن لا يجحف على صاحب المال وهو الحضور في العمل من أوله إلى آخره فربما يقول: لا
يقبل العمل إلاَّ هكذا، ويكفي في العمل النيّة في أول الشروع ولا يكلف المكلف أكثر من
هذا، فإن استحضر المكلف النيّة في جميع العمل فله ذلك وهو مشكور عليه حيث أحسن في
عمله وأتى بالأنفس في ذلك، والجامع لهذا الباب اتقاء ما يشين العبادات مثل الالتفات في
الصلاة والعبث فيها والتحدث في الصلاة في النفس بالمحرّمات والمكروهات وتخيّلها وأمثال
هذا ممّا هو مثل الجعرور ولون الحبيق في زكاة التمر وأمثال ذلك من العيوب.
وصل في فصل زكاة الورق: قد تقدم أن الورق هو العمل، وأن الذهب هو العلم،
والزكاة في العمل الفرض منه، والزكاة في العلم أيضاً الفرض منه، فإن نوافل الأعمال والعلوم
كثيرة وهي التي زكاتها الفرائض لكون الزكاة واجبة، وما كان من النوافل صدقة تطوّع فهي
حضور العبد في ذلك العمل من الشروع فيه إلى آخره، وزكاة أخرى أعني زكاة تطوّع وهو أن
يقصد بعمله ذلك تكملة الفرائض فإنه ورد عن رسول الله وَ لي أنه قال: ((أَوَّلُ مَا يُنْظَرُ فِيهِ مِنْ
عَمَلِ الْعَبْدِ الصَّلاةُ، فَإِنْ كَانَتْ تَامَّةً كُتِبَتْ لَهُ تَامَّةً وَإِنْ كَانَ انْتَقَصَ مِنْهَا شَيْئاً قَالَ: انْظُرُوا هَلْ
لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعِ فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوَّعْ قَالَ اللَّهُ: أَكْمِلُوا لِعَبْدِي فَرِيضَتَهُ مِنْ تَطَوَّعِهِ، قَالَ: ثُمَّ تُؤْخَذُ
الأَعْمَالُ عَلَى ذَاكُمْ)) يَغْنِي الزَّكَاةُ وَالصَّوْمُ وَالحَجُّ وَمَا بَقِيَ مِنَ الأَعْمَالِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ، فَأَمَّا أَنْ
يَقْصُدَ بِعَمَلِهِ تِلْكَ النَّافِلَةُ تَكْمِلَةَ الْفْرَائِضِ أَوْ تَعْظِيمَ جَنَابِ الْحَقُّ بِدُخُولِهِ فِي عُبُودِيَّةِ الاخْتِيَارِ لاَ
يَحْمِلُهُ عَلَى ذُلِكَ طَمَعْ فِي جَنَّةٍ وَلاَ خَوْفٌّ مِنْ نَارٍ .
وصل في فصل زكاة الركاز: خرّح مسلم في صحيحه عن رسول الله ◌ٍَّ: «أَنَّ فِي
الرّكَازِ الخُمُس)) وهو ما يوجد من المال في الأرض من دفن الجاهلية أو الكفار.
وصل الاعتبار في ذلك: ما هو مركوز في طبيعة الإنسان هو الركاز وهو حب الرياسة
والتقدّم على أبناء الجنس وجلب المنافع ودفع المضار، والخمس فيه إذا وجد الرياسة في قلبه
فليقصد بها إعلاء كلمة الله على كلمة الذين كفروا كما هي في نفس الأمر، فإن في نفس الأمر
كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، والكفر هنا هو الشرك لا غيره، وكما ذكر
رسول الله 8 في الخيلاء في الحرب في شأن أبي دجانة حين أخذ السيف من
رسول الله ﴾ بحقّه فمشى به مصلتاً خيلاء بين الصفين، فلما رآه رسول الله وَالأول على تلك
الصورة قال: « هَذِهِ مِشْيَةٌ يَبْغُضُهَا الله وَرَسُولُهُ إِلاَّ فِي هَذَا المَوْطِنِ))، وزكاتها ما ذكرناه من

٢٨٠
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
قصد إهانة الكفار والحط من قدرهم وإعلاء كلمة الله التي هي الإسلام وعدم المبالاة
بالمشركين، وكذلك جلب المنافع ودفع المضار، فزكاة جلب المنافع أن يقصد بالمنفعة
المعونة له على القيام بطاعة الله من نوم أو أكل أو شرب أو راحة أو ادخار مال وأمثال ذلك،
وأما دفع المضار أن لا يدفعها إلاَّ من أجل أنها تحول بينه وبين ما يريده من إقامة طاعة الله
ودينه، وما يؤول إليه من السعادة في الآخرة فذلك خمس ركازها. فإن قلت: كيف يضرّ
بدينه؟ فأعني به إن لم يدفع تلك المضرّة عن نفسه وإلاّ حالت بينه وبين أداء فرض من فرائض
الله أو حالت بينه وبين أسباب الخير فدفعها خمس ركازها ما في جبلتها من دفع مضار لا
تؤدّي إلى تعطيل فرض تعين عليه أداؤه أو مرغب فيه، وقد سئل النبيّ وَّ عن الركاز فقال:
((هُوَ الذَّهَبُ الَّذِي يَخْلقُ اللَّهُ فِي الأَرْضِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمُواتِ وَالأَرْضَ)) يعني المعادن.
وصل في فصل - من رزقه الله مالاً من غير تعمل فيه ولا كسب: ورد في الخبر عن
رسول الله وَرَ أنه قال في حصول مثل هذا المال: «لاَ زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ وَهُوَ
فِي يَدِهِ)) وجه اعتبار ذلك ما يظهر على العبد من مكارم الأخلاق ممّا لا يأتيها على جهة القربة
إلى الله فإنه ينتفع بذلك في الدار الآخرة ولا يلزمه أن ينوي بها القربة إلى الله ولا بدّ ولكن بلا
خلاف، إن نوى بذلك القربة فهو أولى وأفضل في حقّه، والحديث الوارد في ذلك ما ذكره
أبو داود عن ضباعة بنت الزبير قالت: ذهب المقداد لحاجته فإذا جرذ يخرج من جحر ديناراً
ثم لم يزل يخرج ديناراً ديناراً حتى أخرج سبعة عشر ديناراً ثم أخرج ديناراً ثم أخرج خرقة
حمراء فيها دينار فكانت تسعة عشر ديناراً، فذهب بها إلى النبيّ وَ# فأخبره وقال له: خذ
صدقتها، فقال له النبيّ وَّر: ((هَلْ قَرَبْتَ الْجُحْرَ؟ قَالَ: لاَ، فَقَالَ لَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: بَارَكَ اللَّهُ
لَكَ فیھَا» .
وصل في فصل - زكاة المدير: قال الراوي رضي الله عنه: كان رسول الله وَ لَّ يأمرنا أن
نخرج الصدقة ممّا نعده للبيع .
وصل في الاعتبار فيه: إذا حدّث الإنسان نفسه في نفسه بأن يعمل خيراً أو يأتي خلقاً
كريماً من مكارم الأخلاق فلينو بما حدث به نفسه من ذلك القربة إلى الله .
وصل في فصل - الصدقة قبل وقتها: وقال به بعض الأئمة لحديث أبي داود عن
علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ((أَنَّ الْعَبَّاسَ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ وَ فِي تَعْجِيلٍ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ
تَحلَّ فَرَخَّصَ لَهُ)) وقال مرّة: ((فَأَذِنَ لَهُ)) تكلم في هذا الحديث ولو صحّ فهي رخصة في قضية
عين لا يقاس عليها .
وصل في اعتبار ذلك: نيّة الصلاة الواجبة على المكلف لا تجب إلاَّ عند الشروع فيها،
فإن نواها الإنسان قبل ذلك من حين شروعه في الوضوء ثم استصحب النية إلى أن شرع في
الصلاة جاز له ذلك وحصل على خير كثير، ولكن لا تجزيه الصلاة المقيدة بالوقت قبل دخول
الوقت إلاّ في مذهب من يرى الجمع بين الصلاتين في أوّل الوقت، فلا يبعد أن يجوز تعجيل
الصدقة والاسترواح في مثل هذا من قوله: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَرِعُونَ فِ الْخَيْرَتِ وَهُمْ لَا سَلِقُونَ﴾ [سورة