النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
تُرْفَعَ﴾ أي أمر الله أن ترفع حتى تتميز البيوت المنسوبة إلى الله من البيوت المنسوبة إلى
المخلوقين ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ بالأذان والإقامة والتلاوة والذكر والموعظة ﴿يُسَيِّحُ﴾ يقول:
يصلي ﴿لَهُ فِهَا﴾ أي من أجل أن أمرهم الله بالصلاة فيها ﴿بِالْغُدُقِّ وَالْأَصَالِ الرِّجَالِ﴾ [سورة النور:
الآية ٣٦. ٣٧] ولم يذكر النساء لأن الرجل يتضمن المرأة فإن حوّاء جزء من آدم فاكتفى بذكر
الرجال دون النساء تشريفاً للرجال وتنبيهاً على لحوق النساء بالرجال فسمّى النساء هنا رجالاً،
فإنّ درجة الكمال لم تحجر عليهنّ بل يكملن كما تكمل الرجال، وثبت في الخبر كمال مريم
وآسية امرأة فرعون فقال: ﴿لَّا نُلْهِهِمْ تِحَرَةٌ﴾ أي لا تشغلهم تجارة ﴿وَلَا بَيْعُ﴾ [سورة النور: الآية
٣٧] فالتجارة أن يبيع ويشتري معاً، والبيع أن يبيع فقط، فمدحهم بالتجارة وهو البيع والشراء
في أي شيء كان ممّا أمر الله بالتجارة فيه قال تعالى: ﴿هَلْ أَدُّكُمْ عَلَى نِحَرَقِ ثُحِيَكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيم
تُؤْمِنُونَ بَِّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُّجَهِدُونَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [سورة الصف: الآية ١٠] وقال في البيع: ﴿إِنَّ
اَللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [سورة التوبة: الآية ١١١] وهو
الثمن وجعلها الثمن للحديث الوارد في الخصمين من الظالم والمظلوم: ((إِذَا أَصْلَحَ اللَّهُ بَيْنَ
خَلْقِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَأْمُرُ اللَّهُ المَظْلُومَ أَنْ يَزْفَعَ رَأْسَهُ فَيَنْظُرَ إِلَى عِلْيِينَ فَيَرَى مَا يَبْهَرُهُ حُسْنُهُ
فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لأَّ نَبِيُّ هَذَا؟ لأَيِّ شَهِيدِ هَذَا؟ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: لِمَنْ أَعْطَانِي الثَّمَنَ قَالَ: وَمَنْ
يَمْلِكُ ثَمَنَ هَذَا قَالَ: أَنْتَ بِعَفوٍكَ عَنْ أَخِيكَ هَذَا فَيَقُولُ: يَا رَبِّ قَدْ عَفَوْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ: خُذْ بِيَدِ
أَخِيكَ فَادْخُلِ الجَنَّةَ)) ولما أورد رسول الله وَّر هذا الحديث تلا: ﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ
﴾ [سورة الأنفال: الآية ١] فإن الله يصلح بين عباده يوم القيامة.
بَيْنِكُ
فالمؤمن ممدوح في القرآن بالتجارة والبيع فيما ملك بيعه وما صرّح الله فيه بأنه يشتري
خاصة، فإنّ التجارة معاوضة وقبضٍ ثمن، والبيع بيع ما يملكه، والشراء شراء ما ليس عندك،
وما وصف بالشراء في القرآن إلاَّ من أشهدهم الله عن جناية فقال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ
الضَّلَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٧٥] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ
وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَا قَلِيلًا﴾ [سورة آل عمران: الآية ٧٧] والسبب في أن المؤمن ما وصفه الله بالشراء فإنه
خلقه الله وملكه جميع ما خلق الله في أرضه الذي هو مسكنه ومحله فقال: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِ
اُلْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٩] فجميع ما في الأرض ملكه فما بقي له ما يشتريه، وحجر
عليه الضلالة وهي صفة عدمية فإنها عين الباطن وهو عدم ولم يأمرنا الله باتباعه فإنه من العدم
خرجنا إلى الوجود فلا نطلب ما خرجنا منه، هذا تحقيقه لأنه خلقنا لنعبده، فإذا اشترينا
الضلالة بالهدى فقد اخترنا العدم على الوجود والباطل على الحق الذي خلقنا له، فلم يصف
المؤمن بالشراء، وممّا ملكه الله ما هو مباح له وما هو واجب عليه أن لا يخرجه ولا يبيعه
وهي الواجبات والفرائض فيبيع صنف المباحات بالواجبات، فلهذا شرع له البيع فيما أبيح له
بيعه، فالمؤمن الكيس الفطن ينظر الوقت الذي يكون فيه بحكم الإباحة يقول: ما لي ربح في
هذا الملك والدنيا دار تجارة فلنبع هذا المباح بواجب فهو أولى بي ولا نخسر وقتي فيكون في
فرجة مع إخوانه فيقول: يا رب أحب أن أبيع هذا المباح بواجب، فيقول الله له: ذلك إليك،
الفتوحات المكية ج٢ - م١٦
٢٤٢
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
فيبيع الفرجة بالاعتبار فيما يعطيه ذلك المكان من الحسن والجمال من الدلالة على الله عزّ
وجلّ، فيفكر في حسن خلق الله وكماله وجماله، فتكون فرجته أتم وأفرح لقلبه، وليس من
المباح في شيء فإنه قد باعه بهذا الواجب، فاعتبر الحق جانب البيع ولم يعتبر في حق المؤمن
جانب الابتياع، فكان المؤمن ملك حلّة الإباحة وحلّة الوجوب فخلع عن نفسه حلّة الإباحة
وليس حلّة الوجوب وكلاهما له فسمّى خلعه لها بيعاً وما سمّى لباسه للوجوب شراء فإنها
ملکه ورحله ومتاعه والإنسان لا يشتري ما يملكه.
ولما حجر الله الضلال على خلقه ورجح من رجح منهم الضلال على الهدى اشتروا
الضلالة فإنهم لم يكونوا يملكونها بالهدى الذي ملكهم الله إياه ﴿فَمَا رَبِحَت ◌َتْحَرَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ
مُهْتَدِينَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٦] في ذلك الشراء، لأن الله ما شرع لعباده الشراء. ثم قال تعالى
بعد قوله: ﴿وَلَ بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [سورة النور: الآية ٣٧] أي لا يلهيهم شيء عن ذكر الله حين
سمعوا المؤذن في هذا البيت يدعو إلى الله وهو حاجب الباب فقال لهم: حيّ على الصلاة أي
أقبلوا على مناجاة ربكم فإنه قد تجلّى لكم في صدر بيته وهي القبلة فإن الله في قبلة العبد،
فبادر أهل الله من بيعهم وتجارتهم المعلومة في الدنيا إلى هذا الذكر عندما سمعوه، فأقاموا
الصلاة أي أتمّوا نشأتها حين أنشؤوها بحسن الائتمام بإمامهم وحسن الركوع والسجود، وما
تتضمنه من ذكر الله الذي هو أكبر ما فيها كما أخبر الله تعالى فقال: ﴿إِنَ الضَّلَوةَ تَنْهَى
عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [سورة العنكبوت: الآية ٤٥] بسبب تكبيرة الإحرام، فإنه حرم عليه
التصرّف في غير الصلاة ما دام في الصلاة، فذلك الإحرام نهاه عن الفحشاء والمنكر فانتهى
فصحّ له أجر من عمل بأمر الله وطاعته، وأجر من انتهى عن محارم الله في نفس الصلاة وإن
کان لم ينو ذلك.
وانظر ما أشرف الصلاة كيف أعطت هذه المسألة العجيبة وهي أن الإنسان إذا تصرّف
في واجب فإن له ثواب من تصرّف في واجب، ويتضمن شغله بذلك الواجب عدم التفرّغ لما
نهي عنه أن يأتيه من الفحشاء والمنكر، فيكون له ثواب من نوى أن لا يفعل فحشاء ولا
منكراً، فإن أكثر الناس تاركون ما لهم هذا النظر لعدم الحضور باستحضار الأولى، ولو لم
يكن الأمر كذلك لما أعطى فائدة في قوله: ﴿إِنَ الضَّلَوَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾
والصلاة فعل العبد فهو بصلاته ممّن ينهى عن الفحشاء والمنكر، فيكون له بالصلاة أجر من
ينهى عن الفحشاء والمنكر وهو لم يتكلم فله أجر عبادتين: أجر الصلاة وهي عبادة، وأجر
النهي عن الفحشاء وهو عبادة، وقليل من أصحابنا من يجعل ذهنه في عباداته إلى أمثال هذه
المراقبات في التعريف الإلهي على لسان الشارع في الكتاب والسنّة، ثم قال: ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ
أَكْبَرُ﴾ [سورة العنكبوت، الآية ٤٥] يعني فيها فهو أكبر من جملة أفعالها فإنها تشتمل على أقوال
وأفعال فقال: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ﴾ في الصلاة ﴿أَكْبَرُ﴾ أحوال الصلاة وما كل أقوال الصلاة ذكر فإن
فيها الدعاء .
وقد فرّق الحق بين الذكر والدعاء فقال: من شغله ذكري عن مسألتي وهي الدعاء فما
٢٤٣
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
هو الذكر هنا الذكر الخارج عن الصلاة حتى ترجحه على الصلاة، إنما هو الذكر الذي في
الصلاة، فهذا من ربط الصلاة بالمكان والحال، ومن أحوال إقامة الصلاة فيمن أمرٍ غيره بالبر
ونسي نفسه توبيخ الله من هذه صفته وجعله إياه بمنزلة من لا عقل له فقال: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ
بِالْبِرِ وَتَنْسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ نَتْلُونَ الْكِنَبَّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٤] والبر من جملة أحوال
الصلاة، فإن رسول الله وََّ يقول: (أُقِرَّتِ الصَّلاةُ بِالبِرِّ وَالسَّكِينَةِ)). ثم أمر من هذه صفته أن
يستعين بالصبر والصلاة يعني بالصبر على الصلاة فقدم حبس النفس عليها فإن الله يقول :
﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوْةِ وَأَصْطَيِرْ عَلَيْهاً﴾ [سورة طه: الآية ١٣٢] فأنث يريد الصلاة.
وأما قوله: ﴿وَأَنْتُمْ نَتْلُونَ الْكِنَبَّ﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٤] فإنكم تجدون فيه قوله: ﴿كَبُرَ
مَفْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [سورة الصف: الآية ٣] في أثر قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ
تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [سورة الصف: الآية ٢] وهذه حالة من أمر بالبر غيره ونسي نفسه ﴿أَفَلاَ
تَعْقِلُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٤] يقول: أما لكم عقول تنظرون بها قبيح ما أنتم عليه .
ثم ذكر الخشوع للصلاة فقال: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلَّا عَلَى الْخَشِعِينَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٥] فإنّ
الخشوع لله لا يكون إلاّ عن تجلّ إلهي والصلاة مناجاة فلا بدّ من تجلّ إن رأيته خاشعاً وإن لم
يخشع في صلاته فما صلَّى، فإن رسول الله وم لل قد جعل التجلّ الإلهي سبباً لوجود الخشوع
في القلب ولا سيما في الصلاة، والتجلّي لأكثر الناس إما بالحضور وهو لأفراد، وإما
بالاستحضار الخيالي وهو الغالب في عموم الخواص فإن الله في قبلة المصلي. وأما خشوع
الأكابر الذين التحقوا بالملأ الأعلى فخشوعهم عن التجّي الحقيقي فهم في صلاتهم دائمون،
وإن أكلوا وشربوا ونكحوا واتجروا فأمرهم الله تعالى إذا كانوا في مثل هذه الحال أن يستعينوا
بالصلاة والصبر عليها، فإن المصلي يناجي ربّه، فإذا حصل العبد في محل المناجاة مع ربّه
دائماً استلزمه الحياء من الله فلا يتمكن له أن يأمر أحداً ببر وينسى نفسه منه بل يبتدىء بنفسه،
والبر هو الإحسان والخير، ومن جملة ذلك أن يكون محتاجاً للقمة يأكلها ويرى غيره محتاجاً
إليها والحاجة على السواء فيعطي غيره وينسى نفسه وقد قال له ربه: ابدأ بنفسك، وشرع له
ذلك حتى في الدعاء إذا دعا الله لأحد أن يبدأ بنفسه أحق، وغذاء الأرواح الطاعات فهي
محتاجة إليها، ومن جملة طاعاتها الأمر بالطاعات فيقوم هذا الغافل القليل الحياء من الله فيأمر
غيره بالبرّ وهو على الفجور وينسى نفسه فلا يأمرها بذلك فهو بمنزلة من يغذي غيره ويترك
نفسه وهو في غاية الحاجة إلى ذلك الغذاء ونفسه أوجب عليه من ذلك الغير، والسبب في
ذلك ما أبينه لك إن شاء الله .
وصل: وذلك أن جميع الخيرات صدقة على النفوس أي خير كان حسّاً ومعنى، فينبغي
للمؤمن أن يتصرّف في ذلك بشرع ربّه لا بهواه فإنه عبد مأمور تحت أمر سيده، فإن تعدّى
شرع ربّه في ذلك لم يبق له تصرّف إلاَّ هوى نفسه فسقط عن تلك الدرجة العلمية إلى ما هو
دونها عند العامّة من المؤمنين. وأمّا عند العارفين فهو عاص، فإذا خرج الإنسان بصدقته فأول
محتاج يلقاه نفسه قبل كل نفس محتاجة وهو إنما أخرج الصدقة للمحتاجين، فإن تعدّى أول
٢٤٤
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
محتاج فذلك لهواه لا الله فإن الله قال له: ابدأ بنفسك وهى أول من يلقاه من أهل الحاجة،
وقد شرع له في الإحسان أن يبدأ بالجار الأقرب فالأقرب فإن رجح الأبعد في الجيران على
الأقرب مع التساوي في الحاجة فقد اتبع هواه وما وقف عند حدّ ربه، وهذا سار في جميع
أفعال البرّ، وسبب ذلك الغفلة عن الله تعالى فأمر بالصفة التي تحضره مع الله وهي الصلاة.
وصل: ومن تأثير الصلاة بالحال قول الله للمؤمنين: ﴿فَأَذْكُرُونِيِّ أَذْكُرْكُمْ وَأَشْكُرُواْ لِى وَلَا
تَكْفُرُونِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥٢] فأمرهم بالذكر والشكر أمرهم أن يستعينوا على ذلك بالصبر
والصلاة، وأخبرهم أنّ الله مع الصابرين عليها وعلى كل مشقة ترضي الله ممّا كلف عباده بها،
لأن الصبر من المقامات المشروطة بالمشقات والمكاره والشدائد المعنوية والحسيّة، وجعل
الصبر هنا لما ذكرناه وللتطابق في قوله: ﴿وَأَشْكُرُواْ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ والشكر من المقامات
المشروطة بالنعماء والمحبة ليس للبلاء في الشكر دخول ولا للصبر في النعم دخول كما يراه
من لا معرفة له بحقائق الأمور، فالصلاة هنا والصبر عليها وهو الدوام والثبات وحبس النفس
عليها مؤثرة في الذكر والشكر، فالصبر هنا هو قوله: ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ وَأَصْطَبِرْ عَلَهاً﴾
فلذلك ذكر الصبر مع الصلاة، فكما يؤثر الصبر على الذكر والشكر في الذكر والشكر كذلك
يؤثر في الصلاة سواء، وتؤثر الصلاة من حيث الصبر عليها في الذكر والشكر ومن حيث هي
صلاة، وذلك أن الصلاة مناجاة بين الله وبين عبده، فإذا ناجى العبد ربّه فأولى ما يناجيه به من
الكلام كلامه الذي شرع له أن يناجيه به وهو قراءة القرآن في أحوال الصلاة من قيام وهو قراءة
الفاتحة وما تيسّر معها من كلامه، ومن ركوع وهو قوله تعالى: ﴿فَسَيِّحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ﴾
[سورة الواقعة: الآية ٧٤] في ركوعه فهو ذاكر ربّه في صلاته بكلامه المنزّل وكذلك في سجوده
يقول: سبحان ربي الأعلى فإنه لما نزل قوله: ﴿سَيِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى﴾ [سورة الأعلى: الآية ١] قال
رسول الله وَّرُ: ((اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ)) فأمرنا الله بذكره وشكره، والفاتحة تجمع الذكر
والشكر وهي التي يقرأها المصلي في قيامه. فالشكر فيها قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾
وهو عين الذكر بالشكر إلى كل ذكر فيها وفي سائر الصلاة، فذكر الله في حال الصلاة وشكره
أعظم وأفضل من ذكره سبحانه وشكره في غير الصلاة، فإن الصلاة خير موضوع العبادات،
وقد أثرت هذه الصلاة في الذكر هذا الفضل وهو يعود على الذاكر.
وينبغي لكل من أراد أن يذكر الله تعالى ويشكره باللسان والعمل أن يكون مصلياً وذاكراً
بكل ذكر نزل في القرآن لا في غيره، وينوي بذلك الذكر والدعاء الذي في القرآن ليخرج عن
العهدة، فإنه من ذكره بكلامه فقد خرج عن العهدة فيما ينسب في ذلك الذكر إلى الله، وليكون
في حال ذكره تالياً لكلامه فيقول من التسبيحات ما في القرآن، ومن التحميدات ما في القرآن،
ومن الأدعية ما في القرآن، فتقع المطابقة بين ذكر العبد بالقرآن لأنه كلام الله، وبين ذكر الله
إياه في قوله ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥٢] فيذكر الله الذاكر له أيضاً وذكره كلامه فتكون
المناسبة بين الذاكرين، فإذا ذكره بذكر يخترعه لم تكن تلك المناسبة بين كلام الله في ذكره
للعبد وبين ذكر العبد، فإن العبد هنا ما ذكره بما جاء في القرآن ولا نواه وإن صادفه باللفظ
٢٤٥
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
ولكن هو غير مقصود. ثم إن هذا الذكر بالقرآن جاء في الصلاة فالتحق بالأذكار الواجبة،
والأذكار الواجبة عند الله أفضل، فإن العبد مأمور بقراءة الفاتحة في الصلاة ولهذا أوجبها من
أوجبها من العلماء، وكذلك العبد مأمور بالتسبيح في الركوع والسجود بما نزل في القرآن وهو
قوله {َله: ((اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ وَاجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ)) فأمر، والمصلي مأمور أن يسبح
الله ثلاثة فما زاد في ركوعه بما أمر به وفي سجوده ثلاثة فما زاد بما أمر به وذلك أدناه وأمره
محمول على الوجوب، ولهذا رأى بعض العلماء وهو إسحاق بن إبراهيم بن راهويه أن ذلك
واجب وأنه من لم يسبح ثلاث مرّات في ركوعه وسجوده لم تجز صلاته، وقال الله تعالى:
﴿وَأَسْتَعِينُوا﴾ على ذكري وشكري ﴿بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥٣] فلولا ما علم الحق
أن الصلاة معينة للعبد لما أمره بها فأنزلها منزلة نفسه فإن الله قال للعبد قل: ﴿وَإِيَّاكَ
نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة: الآية ٥] يعني في عبادتك، فجعل للعبد أن يستعين بربه، وأمره أن
يستعين في ذكره وشكره بالصلاة، فأنزل الصلاة منزلة نفسه وفي معونة العبد على ذكره
وشكره .
وناهيك يا وليّ الله من حالة وصفة وحركات وفعل أنزله الحق في أعظم الأشياء وهو
ذكر الله منزلة نفسه، فكأنه من دخل في الصلاة فقد التبس بالحق والحق هو النور ولهذا قال:
الصلاة نور، فأنزلها منزلة نفسه، قال رَّرَ: (وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاةِ)) وقرّة عيني ما تسرّ
به عند الرؤية والمشاهدة فالمصلي متلبس في صلاته بالحق مشاهد له مناج، فجمعت الصلاة
بين هذه الثلاثة الأحوال، وكذلك قوله في هذه الآية: ﴿وَأَشْكُرُوا إِى﴾ يقال: شكرته وشكرت
له فشكرته نص في أنه المشكور عينه. وقوله: وشكرت له فيه وجهان: الوجه الواحد: أن
يكون مثل شكرته. والوجه الثاني: أن يكون الشكر من أجله، فإذا كان الشكر من أجله يقول
له سبحانه: أشكر من أولاك نعمة من عبادي من أجلي ليكون شكره للسبب عين شكره لله فإنه
شكره عن أمره، وجعل المنعم هنا نائباً عن ربه وطاعة النائب طاعة من استخلفه ﴿مَّن يُطِيع
الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ﴾ [سورة النساء: الآية ٨٠] فلهذا قال سبحانه: ﴿وَأَشْكُرُواْ لِى﴾ ولم يقل:
واشكروني ليعم الحالتين. وقال في الوجهين: ﴿ وَأَسْتَعِينُواْ﴾ فى ذلك ﴿بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوْةِ﴾ كما
أمر بالمعونة فيما يوجب الشكر وهو الإحسان بالإنعام فقال: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِ﴾ وهو
الإحسان بالإنعام ﴿ وَاُلَّقْوَىّ﴾ [سورة المائدة: الآية ٢] أي اجعلوا ذلك وقاية وهي مناسبة للصلاة
فإن الصلاة وقاية عن الفحشاء والمنكر ما دام العبد متلبساً بها، فإن الله سمّى نفسه بالواقي
والصلاة واقية والعبد متلبس بصلاته وهي وقاية ممّا ذكرناه والله هو الواقي.
فانظر ما أشرف حال الصلاة لمن نظر واستبصر، فالسعيد من ثابر عليها وحافظ وداوم،
ومن شرفها أن الله ما علق الوعيد إلاَّ بمن سها عنها لا فيها فقال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينُّ الَّذِينَ هُمْ عَن
صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [سورة الماعون: الآية ٤، ٥] ولم يقل في صلاتهم، فإن العبد في صلاته بين مناج
ومشاهد، فقد يسهو عن مناجاته الاستغراقه في مشاهدته، وقد يسهو عن مشاهدته لاستغراقه
في مناجاته ممّا يناجيه به من كلامه .
٢٤٦
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
ولما كان كلامه سبحانه مخبراً عمّا يجب له من صفات التنزيه والثناء ومخبراً عمّا يتعلق
بالأكوان من أحكام وقصص وحكايات ووعد ووعيد حال الخاطر في الأكوان لدلالة الكلام
عليها وهو مأمور بالتدبر في التلاوة، فربما استرسل في ذلك الكون لمشاهدته إياه فيه، فيخرج
من كون ذلك الكون مذكوراً في القرآن إلى عينه خاصة لا من كونه مذكوراً لله على الحدّ الذي
أخبر به عنه فيسمّى مثل هذا إذا أثر شكاً له في صلاته فلا يدري ما مضى من صلاته فشرع أن
يسجد سجدتي سهو يرغم بهما الشيطان ويجبر بهما النقصان ويشفع بهما الرجحان فتتضاعف
صلاته فيتضاعف الأجر وذلك في النفل والفرض سواء، وما توعد الله بمكروه من سها في
صلاته، فمن تنبّه لما ذكرناه وأومأنا إليه يعلم فضل الله ورحمته بعباده والناس عن مثل هذا
غافلون، فلا يعرف شرف العبادات إلاَّ عباد الله الذين ليس للشيطان عليهم سلطان ولا برهان،
جعلنا الله وإياكم ممّن صبر وصلَّى رسبق وما صلَّى بمنّه ويمنه .
وصل في اختلاف الصلاة: والصلاة على النبيّ ◌َيّ في الصلاة يختلف حكمها باختلاف
أحوال المصلّي، إذا كان المصلي مخلوقاً والمصلّي له. وتختلف باختلاف المصلى عليه إذا كان
المصلي هو الله تعالى. فأما الأول فمعلوم أن الإنسان محل التغيير واختلاف الأحوال عليه
فتختلف صلاته لاختلاف أحواله، وقد تقدّم من اختلاف أحوال المصلين ما قد ذكرناه في هذا
الباب مثل صلاة المريض وصلاة الخائف، وأن اختلافها باختلاف حال المصلى من أجله مثل
صلاة الكسوف وصلاة الاستسقاء. وأما اختلافها باختلاف المصلى عليه فمثل صلاة الحق على
عباده قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَئِكَتَّهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُواْ عَلَيْهِ﴾ [سورة
الأحزاب: الآية ٥٦] فسأل المؤمنون رسول الله وَل عن كيفية الصلاة التي أمرهم الله أن يصلوها
عليه فقال لهم رسول الله وَّرَ: ((قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ
عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْراهِيمٌ)) أي مثل صلاتك على إبراهيم وعلى آل إبراهيم فهذا يدلك على
اختلاف الصلاة الإلهية لاختلاف أحوال المصلى عليهم ومقاماتهم عند الله، ويظهر من هذا
الحديث فضل إبراهيم على رسول الله و 8# إذ طلب أن يصلّى عليه مثل الصلاة على إبراهيم.
فاعلم أن الله أمرنا بالصلاة على رسول الله مَّ# ولم يأمرنا بالصلاة على آله في القرآن،
وجاء الإعلام في تعليم رسول اللّه ◌َ ل* إيانا الصلاة عليه بزيادة الصلاة على الآل، فما
طلب ية الصلاة من اللّه عليه مثل صلاته على إبراهيم من حيث أعيانهما، فإن العناية الإلهية
برسول الله ﴾ أتم، إذ قد خصّ بأمور لم يخصّ بها نبيّ قبله لا إبراهيم ولا غيره وذلك من
صلاته تعالى عليه، فكيف يطلب الصلاة من الله عليه مثل صلاته على إبراهيم من حيث عينه،
وإنما المراد من ذلك ما أبينه إن شاء الله وذلك أن الصلاة على الشخص قد تصلّى عليه من
حيث عينه ومن حيث ما يضاف إليه غيره، فكأن الصلاة من حيث ما يضاف إليه غيره هي
الصلاة من حيث المجموع، إذ للمجموع حكم ليس للواحد إذا انفرد.
واعلم أن آل الرجل في لغة العرب هم خاصته الأقربون إليه، وخاصة الأنبياء وآلهم هم
الصالحون العلماء بالله المؤمنون، وقد علمنا أن إبراهيم كان من آله أنبياء ورسل لله، ومرتبة
٢٤٧
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
النبوّة والرسالة قد ارتفعت في الشاهد في الدنيا، فلا يكون بعد رسول الله وسلّ في أمّته نبيّ
يشرّع الله له خلاف شرع محمد # ولا رسول وما منع المرتبة ولا حجرها من حيث لا
تشريع، ولا سيما وقد قال وَلَ﴾ فيمن حفظ القرآن: ((إِنَّ النُبُوَّةَ أُدْرِجَتْ بَيْنَ جَنْبَيْهِ)) أو كما
قال ◌َّ وقال في المبشرات: إنها جزء من أجزاء النبوّة، فوصف بعض أمّته بأنهم قد حصل
لهم المقام وإن لم يكونوا على شرع يخالف شرعه، وقد علمنا بما قال لنا وَ لّ أن عيسى عليه
السلام ينزل فينا حكماً مقسطاً عدلاً فيكسر الصليب ويقتل الخنزير، ولا نشك قطعاً أنه
رسول الله ونبيه وهو ينزل، فله عليه السلام مرتبة النبوّة بلا شك عند الله وما له مرتبة التشريع
عند نزوله فعلمنا بقوله {وَّيِ: ((إِنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي وَلاَ رَسُول)) وأن النبوّة قد انقطعت والرسالة إنما
يريد بهما التشريع، فلما كانت النبوّة أشرف مرتبة وأكملها ينتهى إليها من اصطفاه الله من عباده
علمنا أن التشريع في النبوّة أمر عارض بكون عيسى عليه السلام ينزل فينا حكماً من غير تشريع
وهو نبيّ بلا شك، فخفيت مرتبة النبوّة في الخلق بانقطاع التشريع، ومعلوم أن آل إبراهيم من
النبيين والرسل الذين كانوا بعده مثل إسحاق ويعقوب ويوسف ومن انتسل منهم من الأنبياء
والرسل بالشرائع الظاهرة الدالة على أن لهم مرتبة النبوّة عند الله أراد رسول الله وَ ◌ّر أن يلحق
أمّته وهم آله العلماء الصالحون منهم بمرتبة النبوّة عند الله وإن لم يشرعوا، ولكن أبقى لهم من
شرعه ضرباً من التشريع فقال قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد أي صلٌ عليه من
حيث ما له آل كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم أي من حيث إنك أعطيت آل إبراهيم
النبوّة تشريفاً لإبراهيم فظهرت نبوّتهم بالتشريع وقد قضيت أن لا شرع بعدي فصل عليّ وعلى
آلي بأن تجعل لهم مرتبة النبوّة عندك وإن لم يشرعوا، فكان من كمال رسول الله وَ الر أن ألحق
آله بالأنبياء في المرتبة، وزاد على إبراهيم بأنّ شرعه لا ينسخ، وبعض شرع إبراهيم ومن بعده
نسخت الشرائع بعضها بعضاً .
وما علمنا رسول الله ﴿ الصلاة عليه على هذه الصورة إلاَّ بوحي من الله وبما أراه الله،
وأن الدعوة في ذلك مجابة، فقطعنا أن في هذه الأمّة من لحقت درجته درجة الأنبياء في النبوّة
عند الله لا في التشريع، ولهذا بيّن رسول الله بَّرَ وأكّد بقوله: ((فَلاَ رَسُولَ بَعْدِي وَلاَ نَبِيّ))
فأكّد بالرسالة من أجل التشريع، فأكرم الله رسوله ول# بأن جعل آله شهداء على أمم الأنبياء
كما جعل الأنبياء شهداء على أممهم، ثم إنه خصّ هذه الأمّة أعني علماءها بأن شرع لهم
الاجتهاد في الأحكام وقرّر حكم ما أداه إليه اجتهادهم وتعبدهم به وتعبد من قّدهم به، كما
كان حكم الشرائع للأنبياء ومقلديهم، ولم يكن مثل هذا لأمّة نبيّ ما لم يكن نبيّ بوحي منزِّل،
فجعل الله وحي علماء هذه الأمّة في اجتهادهم كما قال لنبيّه رََّ: ((لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ
اللَّهُ)) فالمجتهد ما حكم إلاَّ بما أراه الله في اجتهاده، فهذه نفحات من نفحات التشريع ما هو
عين التشريع، فلآل محمد # وهم المؤمنون من أمته العلماء مرتبة النبوّة عند الله تظهر في
الآخرة، وما لها حكم في الدنيا إلاَّ هذا القدر من الاجتهاد المشروع لهم فلم يجتهدوا في
الدين والأحكام إلاَّ بأمر مشروع من عند الله، فإن اتفق أن يكون أحد من أهل البيت بهذه
٢٤٨
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
المثابة من العلم والاجتهاد ولهم هذه المرتبة كالحسن والحسين وجعفر وغيرهم من أهل
البيت فقد جمعوا بين الأهل والآل، فلا تتخيّل أن آل محمد وَّهم أهل بيته خاصة ليس هذا
عند العرب وقد قال تعالى: ﴿أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ﴾ [سورة غافر: الآية ٤٦] يريد خاصته، فإن الآل
لا يضاف بهذه الصفة إلاَّ الكبير القدر في الدنيا والآخرة، فلهذا قيل لنا قولوا: اللهمّ صلُ على
محمد وعلى آل محمد كما صلَّيت على إبراهيم أي من حيث ما ذكرناه لا من حيث أعيانهما
خاصة دون المجموع فهي صلاة من حيث المجموع، وذكرناه لأنه تقدّم بالزمان على
رسول الله وَله، فرسول الله وَلله قد ثبت أنه سيّد الناس يوم القيامة، ومن كان بهذه المثابة
عند الله كيف تحمل الصلاة عليه كالصلاة على إبراهيم من حيث أعيانهما، فلم يبق إلاَّ ما
ذكرناه، وهذه المسألة هي عن واقعة إلهية من وقائعنا فللَّه الحمد والمنّة.
روي عن النبيّ وَّ أنه قال: ((عُلَمَاءُ هَذِهِ الأُمَّةِ كَأَنْبِيَاءِ سَائِرِ الأُمَم)) وفي رواية: «أَنْبِيَاءُ
بَنِي إِسْرَائِيلَ)) وإن كان إسناد هذا الحديث ليس بالقائم ولكن أوردناه تأنيساً للسامعين أن علماء
هذه الأمة قد التحقت بالأنبياء في الرتبة .
وأما قول النبيّ مَّر في قوم يوم القيامة تنصب لهم منابر يوم القيامة ليسوا بأنبياء ولا
شهداء تغبطهم الأنبياء والشهداء ويعني بالشهداء هنا الرسل فإنهم شهداء على أممهم فلا نريد
بهؤلاء الجماعة من ذكرناهم وغبطهم إياهم فيما هم فيه من الراحة وعدم الحزن والخوف في
ذلك الموطن والأنبياء والرسل وعلماء هذه الأمّة الصالحون الوارثون درجات الأنبياء خائفون
وجلون على أممهم، وأولئك لم يكن لهم أمم ولا أتباع وهم آمنون على أنفسهم مثل الأنبياء
على أنفسهم آمنون وما لهم أمم ولا أتباع يخافون عليهم، فارتفع الخوف عنهم في ذلك اليوم
في حق نفوسهم وفي حق غيرهم كما قال تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [سورة الأنبياء:
الآية ١٠٣] يعني على نفوسهم وغيرهم من الأنبياء والعلماء، ولكن الأنبياء والعلماء يخافون
على أممهم وأتباعهم، ففي مثل هذا تغبطهم في ذلك الموقف، فإذا دخلوا الجنة وأخذوا
منازلهم تبينت المراتب وتعينت المنازل وظهور عليون لأولي الألباب، فهذه مسألة عظيمة
الخطر جليلة القدر لم نر أحداً ممّن تقدّمنا تعرض لها ولا قال فيها مثل ما وقع لنا في هذه
الواقعة إلاَّ إن كان، وما وصل إلينا فإن لله في عباده أخفياء لا يعرفهم سواه، والله يقول الحق
وهو يهدي السبيل.
فقد تبين لك أن صلاة الحق على عباده باختلاف أحوالهم، فالله يجعلنا من أجلهم عنده
قدراً ولا يحول بيننا وبين عبوديتنا، وتلخيص ما ذكرناه هو أن يقول المصلي: اللهم صلِّ على
محمد بأن تجعل آله من أمّته كما صليت على إبراهيم بأن جعلت آله أنبياء ورسلاً في المرتبة
عندك وعلى آل محمد كما صلَّيت على آل إبراهيم بما أعطيتهم من التشريع والوحي فأعطاهم
الحديث فمنهم محدّثون، وشرع لهم الاجتهاد وقرّره حكماً شرعياً، فأشبهت الأنبياء في ذلك،
فحقق ما أومأنا إليه في هذه المسألة تر الحق حقاً. انتهى الجزء الخمسون.
٢٤٩
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
(الجزء الحادي والخمسون)
باب الزكاة
بِسْمِ الهِ الرَّظَنِ الرَّحَمَةِ
الباب السبعون في أسرار الزكاة
[نظم : الكامل]
النَّصُ في هذي وتلك على السَّوَا
أختُ الصلاة هي الزكاةُ فلا تَقِسْ
قامَتْ على التَّثْمين نشأتُها لذا
ولذاك تُقْسَمُ في ثمانية من الأ
جاء الكتابُ بذكرهم وصفاتِهم
حَمَلَتْ على التَّقْسيم عرشَ الاسْتِوَا
صناف شرعاً وهو حكْمُ مَنِ اسْتَوَى
وعلى مقامِهِمِ العليّ قد اختَوَى
وتقدَّست بصلاة من أخذ اللّوَا
فزكَتْ بها أموالُهم وذواتُهم
في جنسه وله العلوُّ على السِّوَى
يشكو القطيعةَ والصَّبَابَةً والجَوَى
ذاك النبيُّ محمدٌ خير الورى
نال المحبَّةَ من عنايته فما
قال الله تعالى آمراً عباده: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَفْرِضُواْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [سورة المزمل:
الآية ٢٠] والقرض هنا صدقة التطوّع، فورد الأمر بالقرض كما ورد بإعطاء الزكاة، والفرق
بينهما أن الزكاة موقتة بالزمان والنصاب وبالأصناف الذين تدفع إليهم، والقرض ليس كذلك،
وقد تدخل الزكاة هنا في القرض فكأنه يقول: وآتوا الزكاة قرضاً لله بها فيضاعفها لكم، مثل
قوله تعالى في الخبر الصحيح: ((جعْتُ فَلَمْ تُطْعِمْنِى، فَقَالَ لَهُ العَبْدُ: وَكَيْفَ تَطْعَمُ وَأَنْتَ رَبُّ
العَالَمِينَ؟ فَقَالَ اللَّهُ لَهُ: إِنَّ فُلاناَ اسْتَطْعَمَكَ فَلَمْ تُطْعِمْهُ، أَما إِنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذُلِكَ
عِنْدِي)) والخبر مشهور صحيح، فالقرض الذي لا يدخل في الزكاة غير موقت لا في نفسه ولا
في الزمان ولا بصنف من الأصناف، والزكاة المشروعة والصدقة لفظتان بمعنى واحد قال
تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمَوَلِهِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكْبِهِم بِهَا﴾ [سورة التوبة: الآية ١٠٣] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا
الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ﴾ [سورة التوبة: الآية ٦٠] فسمّاها صدقة، فالواجب منها يسمّى زكاة وصدقة،
وغير الواجب فيها يسمّى صدقة التطوّع ولا يسمّى زكاة شرعاً، أي لم يطلق الشرعِ عليه هذه
اللفظة مع وجودِ المعنى فيها من النموّ والبركة والتطهير في الخبر الصحيح: ((أَنَّ الأَعْرَابِيَّ لَمَّا
ذَكَرَ لِلنبِيِّ وَّهِ أَنَّ رَسُولَهُ زَعَمَ أَنَّ عَلَيْنَا صَدَقَةً فِي أَمْوَالِنَا وَقَالَ لَهُ بِ لَّ صَدَقَ فَقَالَ لَهُ الأَعْرَابِيُّ:
هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لاَ إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ)) فلهذا سمّيت صدقة التطوّع، يقول: إنّ الله لم يوجبها
عليكم ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٤] ولهذا قال تعالى بعد قوله: ﴿وَأَفْرِضُواْ
اللَّهَ فَرْضًا حَسَنًا﴾ [سورة المزمل: الآية ٢٠] و﴿وَمَا نُقَدِّمُواْ لِأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ﴾ [سورة
البقرة: الآية ١١٠] .
وإن كان الخير كل فعل مقرّب إلى الله من صدقة وغيرها، ولكن مع هذا فقد انطلق
٢٥٠
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
على المال خصوصاً اسم الخير قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [سورة المعارج: الآية ٢١] أي
جبل على ذلك يؤيده: ﴿وَمَن يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ﴾ [سورة الحشر: الآية ٩] فالنفس مجبولة على حب
المال وجمعه، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِّ لَشَدِيدٌ﴾ [سورة العاديات: الآية ٨] يعني المال هنا،
فجعل الكرم فيه تخلقاً لا خلقاً ولهذا سمّاها صدقة أي كلفة شديدة على النفس لخروجها عن
طبعها في ذلك ولهذا آنسها الحق تعالى بقول نبيّه للأنفس: ((إِنَّ الصَّدَقَةَ تَقَعُ بِيَدِ الرَّحْمُنِ
فَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فُلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ)) وذلك لأمرين: أحدهما ليكون السائل يأخذها من يد
الرحمن لا من يد المتصدّق فإن النبيّ وََّ يقول: ((إِنَّهَا تَقَعُ بِيَدِ الرَّحْمْنِ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ بِيَدِ السَّائِلِ
فَتَكُونُ المِنَّةُ لِلَّهِ عَلَى السَّائِلِ لاَ لِلْمُتَصَدِّقِ))، فإن الله طلب منه القرض والسائل ترجمان الحق
في طلب هذا القرض فلا يخجل السائل إذا كان مؤمناً من المتصدق ولا يرى أن له فضلاً
عليه، فإن المتصدق إنما أعطى الله للقرض الذي سأل منه وليربيها له فهذا من الغيرة الإلهية
والفضل الإلهي.
والأمر الآخر: ليعلمه أنها مودعة في موضع تربو له فيه وتزيد هذا كله ليسخو بإخراجها
ويتقي شحّ نفسه، وفي جبلة الإنسان طلب الأرباح في التجارة ونموّ المال، فلهذا جاء الخبر
بأن الله يربي الصدقات ليكون العبد في إخراج المال من الحرص عليه الطبيعي لأجل
المعاوضة والزيادة والبركة بكونه زكاة كما هو في جمع المال وشحّ النفس من الحرص عليه
الطبيعي، فرفق الله به حيث لم يخرجه عمّا جبله الله عليه، فيرى التاجر يسافر إلى الأماكن
القاصية الخطرة المتلفة للنفوس والأموال ويبذل الأموال ويعطيها رجاء في الأرباح والزيادة
ونموّ المال وهومسرور للنفس بذلك فطلب الله منه المقارضة بالكل، إذ قد علم منه أنه
يقارض بالثلثين وبالنصف، ويكون فرحه بمن يقارضه بالكل أتمّ وأعظم، فالبخيل بالصدقة
بعد هذا التعريف الإلهي وما تعطيه جبلة النفوس من تضاعف الأموال دليل على قلة الإيمان
عند هذا البخيل بما ذكرناه، إذ لو كان مؤمناً على يقين من ربه مصدقاً له فيما أخبر به عن نفسه
في قرض عبده وتجارته لسارع بالطبع إلى ذلك كما يسارع به في الدنيا مع إشكاله عاجلاً
وآجلاً، فإن العبد إذا قارض إنساناً بالنصف أو بالثلث وسافر المقارض إلى بلد آخر وغاب
سنين وهو في باب الاحتمال أن يسلم المال أو يهلك أو لا يربح شيئاً وإذا هلك المال لم
يستحق في ذمّة المقارض شيئاً، ومع هذه المحتملات يعمى الإنسان ويعطي ماله وينتظر ما لا
يقطع بحصوله وهو طيب النفس مع وجود الأجل والتأخير والاحتمال. فإذا قيل له أقرض الله
وتأخذ في الآخرة أضعافاً مضاعفة بلا ثلث ولا نصف بل الربح ورأس المال كله لك وما تصبر
إلاَّ قليلاً وأنت قاطع بحصول ذلك كله تأبى النفس وما تعطي إلاَّ قليلاً، فهل ذلك إلاَّ من عدم
حكم الإيمان على الإنسان في نفسه حيث لا يسخو بما تعطيه جبلته من السخاء به ويقارض
زيداً وعمراً كما ذكرناه طيب النفس والموت أقرب إليه من شراك نعله كما كان يقول بلال:
[الرجز]
كلُّ امرىء مصبْحَ في أهله
والموتُ أدنى من شِراك نَعْلِهِ
٢٥١
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
ولهذا سمّاها الله صدقة أي هي أمر شديد على النفس، تقول العرب: رمح صدق أي
صلب شديد قويّ أي تجد النفس لإخراج هذا المال لله شدّة وحرجاً كما قال ثعلبة بن
حاطب .
وصل مؤيّد: قال تعالى في حق ثعلبة بن حاطب: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَهَدَ اللَّهَ لَإِنْ ءَاتَنْنَا مِن
فَضْلِهِ، لَنَصَّدَقَنَّ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الصَِّحِينَ﴾ [سورة التوبة: الآية ٧٥] وما أخبر الله تعالى عنه أنه قال إن
شاء الله فلو قال: إن شاء الله لفعل. ثم قال تعالى في حقه: ﴿فَلَمَّآ ءَاتَنْهُمْ مِن فَضْلِهِ، بَخْلُواْ بِهِ،
وَتَوَلَّواْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [سورة التوبة: الآية ٧٦] وذلك أن الله لما فرض الزكاة جاءه مصدق
رسول الله 8# يطلب منه زكاة غنمه فقال: هذه أخية الجزية وامتنع فأخبر الله فيه بما قال
﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِ قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمٍ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ [سورة
التوبة: الآية ٧٧] فلما بلغه ما أنزل الله فيه جاء بزكاته إلى رسول الله وحل فامتنع رسول الله ولو أن
يأخذها منه ولم يقبل صدقته إلى أن مات وَلّ، وسبب امتناعه بَّله من قبول صدقته أن الله
أخبر عنه أنه يلقاه منافقاً، والصدقة إذا أخذها النبيّ منه م * طهره بها وزكّاه وصلَّى عليه كما
أمره الله، وأخبر الله أن صلاته سكن للمتصدق يسكن إليها، وهذه صفات كلها تناقض النفاق
وما يجده المنافق عند الله، فلم يتمكن لهذه الشروط أن يأخذ منه رسول الله # الصدقة لما
جاءه بها بعد قوله ما قال.
وامتنع أيضاً بعد موت رسول الله وَل عن أخذها منه أبو بكر وعمر لما جاء بها إليهما
في زمان خلافتهما. فلما ولي عثمان بن عفان الخلافة جاءه بها فأخذها منه متأوّلاً أنها حق
الأصناف الذين أوجب الله لهم هذا القدر في عين هذا المال، وهذا الفعل من عثمان من جملة
ما انتقد عليه، وينبغي أن لا ينتقد على المجتهد حكم ما أداه إليه اجتهاده، فإن الشرع قد قرّر
حكم المجتهد، ورسول الله وَير ما نهى أحداً من أمرائه أن يأخذ من هذا الشخص صدقته،
وقد ورد الأمر الإلهيّ بإيتاء الزكاة، وحكم رسول الله وَّر في مثل هذا قد يفارق حكم غيره
فإنه قد يختص رسول الله عَليه بأمور لا تكون لغيره لخصوص وصف إما تقتضيه النبوّة مطلقاً
أو نبوّته وَ ل*، فإن الله يقول لنبيه ول﴿ في أخذ الصدقة: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِبِهِم بِهَا﴾ [سورة التوبة: الآية
١٠٣] وما قال: يتطهرون ولا يتزكون بها، فقد يكون هذا من خصوص وصفه وهو رؤوف
رحيم بأمته، فلولا ما علم أن أخذه يطهره ويزكيه بها وقد أخبره الله أن ثعلبة بن حاطب يلقاه
منافقاً فامتنع أدباً مع الله، فمن شاء وقف لوقوفه وَ ل# كأبي بكر وعمر، ومن شاء لم يقف
كعثمان لأمر الله بها العام، وما يلزم غير النبيّ وَّ ل أن يطهر ويزكي مؤدّي الزكاة بها، والخليفة
فيها إنما هو وكيل من عينت له هذه الزكاة أعني الأصناف الذين يستحقونها إذ كان
رسول الله وَلّ ما نهى أحداً ولا أمره فيما توقف فيه واجتنبه، فساغ الاجتهاد وراعى كل
مجتهد الدليل الذي أدّاه إليه اجتهاده، فمن خطأ مجتهداً فما وفاه حقّه، وأن المخطىء
والمصيب منهم واحد لا بعينه.
وصل: اعلم أن الله تعالى لما قال: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضََّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى
٢٥٢
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [سورة التوبة: الآية ٣٤] كان ذلك قبل فرض الزكاة التي فرض
الله على عباده في أموالهم، فلما فرض الله الزكاة على عباده المؤمنين طهر الله بها أموالهم
وزال بأدائها اسم البخل من مؤدّيها فإنه قال فيمن أنزلت الزكاة من أجله: ﴿فَلَمَآ ءَاتَنُهُم مِّن
فَضْلِهِ، بَخِلُواْ بِهِ، وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ تُعْرِضُونَ﴾ فوصفهم بعدم قبول حكم الله فأطلق عليهم صفة البخل
لمنعهم ما أوجب الله عليهم في أموالهم. ثم فسّر العذاب الأليم بما هو الحال عليه فقال
تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِ نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا حِبَاهُهُمْ﴾ [سورة التوبة: الآية ٣٥] وذلك أن
السائل إذا رآه صاحب المال مقبلاً إليه انقبضت أسارير جبينه لعلمه أنه يسأله من ماله فتكوى
جبهته فإن السائل يعرف ذلك في وجهه. ثم إن المسؤول يتغافل عن السائل ويعطيه جانبه كأنه
ما عنده خبر منه فيكوى بها جنبه، فإذا علم من السائل أنه يقصده ولا بدّ أعطاه ظهره وانصرف
فأخبر الله أنه تكوى بها ظهورهم، فهذا حكم ما نعي الزكاة أعني زكاة الذهب والفضة.
وأما زكاة الغنم والبقر والإبل فأمر آخر كما ورد في النص أنه يبطح لها بقاع قرقر
فتنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها وتعضه بأفواهها، فلهذا خصّ الجباه والجنوب والظهور بالذكر
في الكيّ والله أعلم بما أراد، فأنزل الله الزكاة كما قلنا طهارة للأموال، وإنما اشتدت على
الغافلين الجهلاء لكونهم اعتقدوا أن الذي عين لهؤلاء الأصناف ملك لهم وأن ذلك من
أموالهم وما علموا أن ذلك المعين ما هو لهم وأنه في أموالهم لا من أموالهم فلا يتعين لهم إلاّ
بالإخراج، فإذا ميّزوه حين ذلك يعرفون أنه لم يكن من مالهم، وإنما كان في مالهم مدرجاً
هذا هو التحقيق، وكانوا يعتقدون أن كل ما بأيديهم هو مالهم وملك لهم، فلما أخبر الله أن
لقوم في أموالهم حقاً يؤدونه وماله سبب ظاهر تركن النفس إليه لا من دين ولا من بيع إلاَّ ما
ذكر الله تعالى من ادّخار ذلك له ثواباً إلى الآخرة شقّ ذلك على النفوس للمشاركة في
الأموال .
ولما علم الله هذا منهم في جبلة نفوسهم أخرج ذلك القدر من الأموال من أيديهم بل
أخرج جميع الأموال من أيديهم فقال تعالى: ﴿وَأَنِفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُمْ تُسْتَخْلَفِينَ فِيَّهِ﴾ [سورة الحديد:
الآية ٧] أي هذا المال مالكم منه إلاَّ ما تنفقون منه وهو التصرّف فيه كصورة الوكلاء والمال لله
وما تبخلون به، فإنكم تبخلون بما لا تملكون لكونكم فيه خلفاء وعلى ما بأيديكم منه أمناء ،
فنبّههم بأنهم مستخلفون فيه وذلك لتسهل عليهم الصدقات رحمة بهم، يقول الله : كما أمرناكم
أن تنفقوا ممّا أنتم مستخلفون فيه من الأموال أمرنا رسولنا ونوّابنا فيكم أن يأخذوا من هذه
الأموال التي لنا بأيديكم مقداراً معلوماً سميناه زكاة يعود خيرها عليكم، فما تصرّف نوّابنا فيما
هو لكم ملك وإنما تصرّفوا فيما أنتم فيه مستخلفون، كما أيضاً أبحنا لكم التصرّف فيه، فلماذا
يصعب عليكم؟ فالمؤمن لا مال له وله المال كله عاجلاً وآجلاً، فقد أعلمتك أن الزكاة من
حيث ما هي صدقة شديدة على النفس، فإذا أخرج الإنسان الصدقة تضاعف له الأجر فإن له
أجر المشقة وأجر الإخراج وإن أخرجها عن غير مشقة، فهذا فوق تضاعف الأجر بما لا يقاس
ولا يحد، كما ورد في الماهر بالقرآن أنه ملحق بالملائكة السفرة الكرام، والذي يتتعتع عليه
٢٥٣
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
القرآن يضاعف له الأجر للمشقة التي ينالها في تحصيله ودرسه فله أجر المشقة وأجر التلاوة،
والزكاة بمعنى التطهير والتقديس، فلما أزال الله عن معطيها من إطلاق اسم البخل والشحّ عليه
فلا حكم للبخل والشحّ فيه وبما في الزكاة من النموّ والبركة سمّيت زكاة لأن الله يربيها كما
قال: ﴿وَيُرْبِىِ الضَدَفَتِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٧٦] فتزكوا فاختصت بهذا الاسم لوجود معناه فيها،
ففي الزكاة البركة في المال وطهارة النفس والصلابة في دين الله، ومن أوتي هذه الصفات فقد
أوتي خيراً كثيراً.
وأما قوله فيها: ﴿إِن تُفْرِضُواْ اللَّهَ قَرْضَا حَسَنًا﴾ [سورة التغابن: الآية ١٧] فالحسن في العمل أن
تشهد الله فيه فإنه من الإحسان، وبهذا فسّر الإحسان رسول الله وَ ل حين سأله عنه جبريل
عليه السلام وذلك أن تعلم أن المال مال الله وأن ملكك إياه بتمليك الله وبعد التمليك نزل
إليك في ألطافه إلى باب المقارضة يقول لك: لا يغيب عنك طلبي منك القرض في هذا المال
من أن تعرف أن هذا المال هو عين مالي ما هو لك، فكما لا يعزّ عليك ولا يصعب إذا رأيت
أحداً يتصرّف في ماله كيف شاء كذلك لا يعزّ عليك ولا يصعب ما أطلبه منك ممّا جعلتك
مستخلفاً فيه لعلمك بأنى ما طلبت منك إلا ما أمنتك عليه لأعطيه من أشاء من عبادي، فإن
هذا القدر من الزكاة ما أعطيته قط لك بل أمنتك عليه، والأمين لا يصعب عليه آداء الأمانة إلى
أهلها، فإذا جاءك المصدق الذي هو رسول رب الأمانة ووكيلها أدّ إليه أمانته عن طيب نفس
فهذا هو القرض الحسن، فإن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإنك إذا رأيته علمت أن المال
ماله والعبد عبده والتصرّف له ولا مكره له، وتعلم أن هذه الأشياء إذا عملتها لا يعود على الله
منها نفع، وإذا أنت لم تعملها لا يتضرّر بذلك، وأنّ الكل يعود عليك، فالزم الأحسن إليك
تكن محسناً إلى نفسك، وإذا كنت محسناً كنت متقياً أذى شحّ نفسك، فجمع لك هذا الفعل
الإحسان والتقوى فيكون الله معك ف﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَالَّذِينَ هُم تُحْسِنُونَ﴾ [سورة النحل:
الآية ١٢٨] ومن المتقين من يوق شحّ نفسه بأداء زكاته، ومن المحسنين من يعبدني كأنه يراني
ويشهدني، ومن شهوده إياي علمه أني ما كلفته التصرّف إلاَّ فيما هو لي وتعود منفعته عليه منّة
وفضلاً مع الثناء الحسن له على ذلك، والله ذو الفضل العظيم.
وصل إيضاح: واعلم أن الله فرض الزكاة في الأموال أي اقتطعها منها وقال لرب
المال: هذا القدر الذي عيّنته بالفرض من المال ما هو لك بل أنت أمين عليه، فالزكاة لا
يملكها رب المال. ثم إن الله تعالى أنزل نفوسنا منّا منزلة الأموال منّا في الحكم فجعل فيها
الزكاة كما جعلها في الأموال، فكما أمرنا بزكاة الأموال قال لنا في النفوس: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ
زَّكَّنَهَا﴾ [سورة الشمس: الآية ٩] كما أفلح من زكّى ماله، كما ألحقها بالأموال في البيع والشراء.
فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم﴾ [سورة التوبة: الآية ١١١] فجعل الشراء
والبيع في النفوس والأموال. وفي هذه الآية مسألة فقهية، كذلك جعل الزكاة في الأموال
والنفوس، فزكاة الأموال معلومة كما سنذكرها في هذا الباب على التفصيل إن شاء الله، وزكاة
النفوس بوجه أبيّنه لك إن شاء الله أيضاً على الأصل الذي ذكرناه أن الزكاة حق الله في المال
٢٥٤
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
والنفس ما هو حق لرب المال والنفس، فنظرنا في النفس ما هو لها فلا تكليف عليها فيه بزكاة
وما هو حق الله فتلك الزكاة فيعطيه الله من هذه النفس لتكون من المفلحين بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن
زَكَنهَا﴾ ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون.
فإذا نظرنا إلى عين النفس من حيث عينها قلنا ممكنة لذاتها لا زكاة عليها في ذلك، فإن
الله لا حقّ له في الإمكان يتعالى الله علواً كبيراً فإنه تعالى واجب الوجود لذاته غير ممكن بوجه
من الوجوه، ووجدنا هذه النفس قد اتصفت بالوجود، قلنا: هذا الوجود الذي اتصفت به
النفس هل اتصفت به لذاتها أم لا؟ فرأينا أن وجودها ما هو عين ذاتها ولا اتصفت به لذاتها،
فنظرنا لمن هو؟ فوجدناه لله كما وجدنا القدر المعين في مال زيد المسمّى زكاة ليس هو بمال
لزيد وإنما هو أمانة عنده، كذلك الوجود الذي اتصفت به النفس ما هو لها إنما هو الله الذي
أوجدها، فالوجود الله لا لها، ووجود الله لا وجودها، فقلنا لهذه النفس: هذا الوجود الذي
أنت متصفة به ما هو لك وإنما هو الله خلعه عليك فأخرجه لله وأضفه إلى صاحبه وابق أنت
على إمكانك لا تبرح فيه فإنه لا ينقصك شيء ممّا هو لك، وأنت إذا فعلت هذا كان لك من
الثواب عند الله ثواب العلماء بالله، ونلت منزلة لا يقدر قدرها إلاَّ الله، وهو الفلاح الذي هو
البقاء، فيبقي الله هذا الوجود لك لا يأخذه منك أبداً، فهذا معنى قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَّكَّنَهَا﴾ أي
قد أبقاها موجودة من زكاها وجود فوز من الشرّ أي من علم أن وجوده لله أبقى الله عليه هذه
الخلعة يتزيّن بها منعماً دائماً وهو بقاء خاص ببقاء الله، فإن الخائب الذي دساها هو أيضاً باق
ولكن بإبقاء الله لا ببقاء الله، فإن المشرك الذي هو من أهل النار ما يرى تخليص وجوده لله
تعالى من أجل الشريك وكذلك المعطل، وإنما قلنا ذلك لئلا يتخيل من لا علم له أن المشرك
والمعطل قد أبقى الله الوجود عليهما، فبينا أن إبقاء الوجود على المفلحين ليس على وجه
إبقائه على أهل النار، ولهذا وصف الله أهل النار بأنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، بخلاف
صفة أهل السعادة فإنهم في الحياة الدائمة .
وكم بيّن من هو باق ببقاء الله وموجود بوجود الله، وبين من هو باق بإبقاء الله
وموجود بالإيجاد لا بالوجود، وبهذا فاز العارفون لأنهم عرفوا من هو المستحق لنعت
الوجود وهو الذي استفادوه من الحق، فهذا معنى قوله: ﴿قَدْ أَفَحَ مَنْ زَّكْنَهَا﴾ فوجبت الزكاة
في النفوس كما وجبت في الأموال، ووقع فيها البيع والشراء كما وقع في الأموال، وسيرد
طرف من هذا الفصل عند ذكرنا في هذا الباب في الرقيق وما حكمه؟ ولماذا لم تلحق
النفس بالرقيق فتسقط فيه الزكاة؟ وإن كان الرقيق يلحق بالأموال من جهة ما، كما سنذكره
إن شاء الله في داخل هذا الباب، كما سأذكر أيضاً فيما تجب فيه الزكاة من الإنسان بعدد ما
تجب فيه من أصناف المال في فصله إن شاء الله من هذا الباب.
وصل: وأما قوله تعالى: ﴿فَلَ تُزَّكُواْ أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ أَنَّفَ﴾ [سورة النجم: الآية ٣٢] أي
إن الله لا يقبل زكاة نفس من أضاف نفسه إليه فإنه قال: ﴿فَلاَ تُرَّكُواْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ فأضافها إليكم
أي إذا رأيتم أن أنفسكم لكم لا لي، والزكاة إنما هي حقي وأنتم أمناء عليها، فإذا ادعيتم فيها
٢٥٥
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
فتزعمون أنكم أعطيتموني ما هو لكم وأني سألتكم ما ليس لي، والأمر على خلاف ذلك،
فمن كان بهذه المثابة من العطاء فلا يزكي نفسه فإني ما طلبت إلاَّ ما هو لي لا لكم حتى
تلقوني فينكشف الغطاء في الدار الآخرة فتعلمون في ذلك الوقت هل كانت نفوسكم التي
أوجبت الزكاة فيها لي أو لكم حيث لا ينفعكم علمكم بذلك ولهذا قال: ﴿فَلَ تُزَّكُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾
فأضاف النفوس إليكم وهي له، ألا ترى عيسى عليه السلام كيف أضاف نفسه إليه من وجه ما
هي له؟ وأضافها إلى الله من وجه ما هي لله فقال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَّ أَعْلَمُ مَا فِىِ نَفْسِكَ﴾
[سورة المائدة: الآية ١١٦] فأضافها إلى الله أي نفسي هي نفسك وملكك فإنك اشتريتها وما هي في
ملكي فأنت أعلم بما جعلت فيها وأضاف نفسه إليه فإنها من حيث عينها هي له، ومن حيث
وجودها هي الله لا له فقال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى﴾ من حيث عينها ﴿وَلَّ أَعْلَمُ مَا فِ نَفْسِكَ﴾ من
حيث وجودها، وهو من حيث ما هي لك، والنفس وإن كانت واحدة اختلفت الإضافات
لاختلاف النسب، فلا يعارض قوله: ﴿فَلَ تُزَكُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ ما ذكرناه من قوله ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن
زَّكَّنَهَا﴾ فإن أنفسكم هنا يعني أمثالكم، قال النبيّ وَّ: ((لاَ أَزَكْي عَلَى اللَّهِ أَحَدا)) وسيرد الكلام
إن شاء الله في هذا الباب في وجوب الزكاة، وعلى من تجب؟ وفيما تجب فيه؟ وفي كم
تجب؟ ومن كم تجب؟ ومتى تجب؟ ومتى لا تجب؟ ولمن تجب؟ وكم يجب له من تجب
له؟ باعتبارات ذلك كله في الباطن بعد أن نقرّرها في الظاهر بلسان الحكم المشروع كما فعلنا
في الصلاة لنجمع بين الظاهر والباطن لكمال النشأة، فإنه ما يظهر في العالم صورة من أحد
من خلق الله بأيّ سبب ظهرت من أشكال وغيرها إلاَّ ولتلك العين الحادثة في الحس روح
تصحب تلك الصورة والشكل الذي ظهر، فإن الله هو الموجد على الحقيقة لتلك الصورة
بنيابة كون من أكوانه من ملك أو جن أو إنس أو حيوان أو نبات أو جماد.
وهذه هي الأسباب كلها لوجود تلك الصورة في الحسّ، فلما علمنا أن الله قد ربط بكل
صورة حسيّة روحاً معنوياً بتوجّه إلهيّ عن حكم اسم ربانيّ لهذا اعتبرنا خطاب الشارع في
الباطن على حكم ما هو في الظاهر قدماً بقدم، لأن الظاهر منه هو صورته الحسيّة، والروح
الإلهيّ المعنوي في تلك الصورة هو الذي نسميه الاعتبار في الباطن من عبرت الوادي إذا
جزته وهو قوله تعالى: ﴿إِنَ فِ ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِى الْأَبْصَرِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٣]
وقال: ﴿فَأَعْتَيِرُواْ يَتَأُوْلِ الْأَبْصَرِ﴾ [سورة الحشر: الآية ٢] أي جوّزوا ممّا رأيتموه من الصور
بأبصاركم إلى ما تعطيه تلك الصور من المعاني والأرواح في بواطنكم فتدركونها ببصائركم
وأمر وحثّ على الاعتبار، وهذا باب أغفله العلماء ولا سيّما أهل الجمود على الظاهر فليس
عندهم من الاعتبار إلاَّ التعجّب، فلا فرق بين عقولهم وعقول الصبيان الصغار، فهؤلاء ما
عبّروا قط من تلك الصورة الظاهرة كما أمرهم الله، والله يرزقنا الإصابة في النطق والإخبار
عمّا أشهدناه وعلمناه من الحق علم كشف وشهود وذوق، فإنّ العبارة عن ذلك فتح من الله
تأتي بحكم المطابقة، وكم من شخص لا يقدر أن يعبّر عمّا في نفسه، وكم من شخص تفسد
عبارته صحة ما في نفسه والله الموفق لا ربّ غيره.
٢٥٦
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
واعلم أنه لما كان معنى الزكاة التطهير كما قال تعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِبِهِم بِهَا﴾ [سورة
التوبة: الآية ١٠٣] كان لها من الأسماء الإلهية الاسم القدوس وهو الطاهر وما في معناه من
الأسماء الإلهية، ولما لم يكن المال الذي يخرج في الصدقة من جملة مال المخاطب بالزكاة
وكان بيده أمانة لأصحابه لم يستحقه غير صاحبه وإن كان عند هذا الآخر ولكنه هو عنده
بطريق الأمانة إلى أن يؤدّيه إلى أهله كذلك في زكاة النفوس، فإن النفوس لها صفات تستحقها
وهي كل صفة يستحقها الممكن، وقد يوصف الإنسان بصفات لا يستحقها الممكن من حيث
ما هو ممكن، ولكن يستحق تلك الصفات الله إذا وصف بها ليميّزها عن صفاته التي
يستحقها، كما أن الحق سبحانه وصف نفسه بما هو حق للممكن تنزلاً منه سبحانه ورحمة
بعباده، فزكاة نفسك إخراج حق الله منها فهو تطهيرها بذلك الإخراج من الصفات التي ليست
بحق لها، فتأخذ مالك منه وتعطي ما له منك وإن كان كما قال تعالى: ﴿بَل لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًاً﴾
[سورة الرعد: الآية ٣١] وهو الصحيح، فإن نسبتنا منه نسبة الصفات عند الأشاعرة منه، فكل ما
سوى الله فهو الله بالله إذ لا يستحق أن يكون له إلاَّ ما هو منه.
قال ◌َ له: ((مَوْلَى الْقَومِ مِنْهُمْ)) وهي إشارة بديعة فإنها كلمة تقتضي غاية الوصلة حتى لا
يقال إلاَّ أنه هو، وتقتضي غاية البعد حتى لا يقال إنه هو إذ ما هو منك فلا يضاف إليك فإن
الشيء لا يضاف إلى نفسه لعدم المغايرة فهذا غاية الوصلة، وما يضاف إليك ما هو منك فهذا
غاية البعد لأنه قد أوقع المغايرة بينك وبينه، فهذه الإضافة في هذه المسألة كيد الإنسان من
الإنسان، وكحياة الإنسان من الإنسان، فإنه من ذات الإنسان كونه حيواناً، وتضاف الحيوانية
إليه مع كونها من عين ذاته وممّا لا تصحّ ذاته إلاَّ بها، فتمثل هذه الإصابة تعقل ما أومأنا إليه
من نسبة الممكنات إلى الواجب الوجود لنفسه، فإن الإمكان للممكن واجب لنفسه، فلا يزال
إنسحاب هذه الحقيقة عليه لأنها عينه وهي تضاف إليه وقد يضاف إليه ما هو عينه، فهذا معنى
قوله ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ [سورة الرعد: الآية ٣١] أي ما توصف أنت به ويوصف الحق به هو لله كله
فما لك لا تفهم مالك بما في قوله: أعطني مالك فهو نفي من باب الإشارة، واسم من باب
الدلالة أي الذي لك وأصليته من اسم المالية ولهذا قال: ﴿خُذّ مِنْ أَمْوَيِهِمْ﴾ [سورة التوبة: الآية
١٠٣] أي المال الذي في أموالهم ممّا ليس لهم بل هو صدقة مني على من ذكرتهم في كتابي
يقول الله: ألا تراه قد قال إن الله فرض علينا زكاة أو صدقة في أموالنا فجعل أموالهم ظرفاً
للصدقة والظرف ما هو عين المظروف فمال الصدقة ما هو عين مالك بل مالك ظرف له، فما
طلب الحق منك ما هو لك فالزكاة في النفوس آكد منها في الأموال ولهذا قدّمها الله في الشراء
فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ﴾ ثم قال: ﴿ وَأَمْوَلَهُم﴾ [سورة التوبة: الآية ١١١]
فالعبد ينفق في سبيل الله نفسه وماله، وسيرد من ذلك في هذا الباب ما تقف عليه إن شاء الله .
وصل في وجوب الزكاة: الزكاة واجبة بالكتاب والسنّة والإجماع، ولا خلاف في ذلك
أجمع كل ما سوى الله، على أن وجود ما سوى الله إنما هو بالله فردّوا وجودهم إليه سبحانه
لهذا الإجماع، ولا خلاف في ذلك بين كل ما سوى الله فهذا اعتبار الإجماع في زكاة
٢٥٧
في المعارف/ الباب السبعون في أسرار الزكاة
الوجود، فرددنا ما هو الله إلى الله، فلا موجود ولا موجد إلاَّ الله. وأمّا الكتاب فـ ﴿كُلُّ شَىْءٍ
هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [سورة القصص: الآية ٨٨] وليس الوجه إلاَّ الوجود وهو ظهور الذوات
والأعيان. وأمّا السنّة فلا حول ولا قوّة إلاَّ بالله فهذا اعتبار وجوب الزكاة العقلي والشرعي.
وصل في ذكر من تجب عليه الزكاة: اتفق العلماء على أنها واجبة على كل مسلم حرّ بالغ
عاقل مالك للنصاب ملكاً تاماً هذا محل الاتفاق، واختلفوا في وجوبها على اليتيم والمجنون
والعبد وأهل الذمّة والناقص الملك مثل الذي عليه الدين أو له الدين ومثل المال المحبس الأصل.
وصل: اعتبار ما اتفقوا عليه المسلم هو المنقاد إلى ما يراد منه، وقد ذكرنا أن كل ما
سوى الله قد انقاد في ردّ وجوده إلى الله، وأنه ما استفاد الوجود إلاَّ من الله ولا بقاء له في
الوجود إلاَّ بالله. وأمّا الحرية: فمثل ذلك فإنه من كان بهذه المثابة فهو حرّ أي لا ملك عليه
في وجوده لأحد من خلق الله جلّ جلاله. وأما البلوغ: فاعتباره إدراكه للتمييز بين ما يستحقه
ربّه عزّ وجلّ وما لا يستحقه، وإذا عرف مثل هذا فقد بلغ الحدّ الذي يجب عليه فيه ردّ الأمور
كلها إلى الله تعالى علوّاً كبيراً وهي الزكاة الواجبة عليه. وأما العقل: فهو أن يعقل عن الله ما
يريد الله منه في خطابه إياه في نفسه بما يلهمه أو على لسان رسوله وَ لّر، ومن قيد وجوده
بوجود خالقه فقد عقل نفسه، إذ العقل مأخوذ من عقال الدابة، وعلى الحقيقة عقال الدابة
مأخوذ من العقل، فإن العقل متقدم على عقال الدابة، فإنه لولا ما عقل أن هذا الحبل إذا
شدّت به الدابة قيدها عن السراج ما سمّاه عقالاً .
وأما قولهم: المالك للنصاب ملكاً تاماً فملكه للنصاب هو عين وجوده لما ذكرناه من
الإسلام والحرية والبلوغ والعقل. وأما قولهم: ملكاً تاماً إذ التام هو الذي لا نقص فيه
والنقص صفة عدمية قال: فهو عدم فالتام هو الوجود، فهو قول الإمام أبي حامد: وليس في
الإمكان أبدع من هذا العالم إذ كان إبداعه عينٍ وجوده ليس غير ذلك أي ليس في الإمكان
أبدع من وجوده فإنه ممكن لنفسه وما استفاد إلاَّ الوجود فلا أبدع في الإمكان من الوجود وقد
حصل، فإنه ما يحصل للممكن من الحق سوى الوجود، فهذا معنى اعتبار قولهم ملكاً تاماً.
وأما اعتبار ما اختلفوا فيه فمن ذلك الصغار فقال قوم: تجب الزكاة في أموالهم. وقال
قوم: ليس في مال اليتيم صدقة، وفرّق قوم بين ما تخرجه الأرض وبين ما لا تخرجه فقالوا
عليه الزكاة فيما تخرجه الأرض وليس عليه زكاة فيما عدا ذلك من الماشية والناض
والعروض، وفرّق آخرون بين الناض وغيره فقالوا عليه الزكاة إلاَّ في الناض خاصة.
اعتبار ما ذكرنا: اليتيم من لا أب له بالحياة وهو غير بالغ أي لم يبلغ الحلم بالسنّ أو
الإنبات أو رؤية الماء، قال تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ [سورة الإخلاص: الآية ٣] وقال سبحانه: أن
يكون له ولد فليس الحق بأب لأحد من خلق الله ولا أحد من خلقه يكون له ولداً سبحانه
وتعالى، فمن اعتبر التكليف في عين المال قال بوجوبها. ومن اعتبر التكليف في المالك
قال: لا يجب عليه لأنه غير مكلف، كذلك من اعتبر وجوده الله قال: لا تجب الزكاة فإنه ما
ثم من يقبلها لو وجبت فإنه ما ثم إلاَّ الله. ومن اعتبر إضافة الوجود إلى عين الممكن وقد كان
الفتوحات المكية ج٢ - م١٧
٢٥٨
في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة
لا يوصف بالوجود قال بوجوب الزكاة ولا بدّ إذ لا بدّ للإضافة من تأثير معقول، ولهذا تقسم
الموجودات إلى قسمين: إلى قديم وإلى حادث، فوجود الممكن وجود حادث أي حدث له
هذا الوصف ولم يتعرض للوجود في هذا التقسيم هل هو حادث أو قديم؟ لأنه لا يدل
حدوث الشيء عندنا على أنه لم يكن له وجود قبل حدوثه عندنا، وعلى هذا يخرج قوله
تعالى: ﴿مَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّيِّهِم تُحْدَثٍ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٢] وهو كلام الله القديم،
ولكن حدث عندهم كما تقول: حدث عندنا اليوم ضيف فإنه لا يدل ذلك على أنه لم يكن له
وجود قبل ذلك، فمن راعى أن الوجود الحادث غير حق للموصوف به وأنه حق لغير الممكن
قال بوجوب الزكاة على اليتيم لأنه حق للواجب الوجود فيما اتصف به هذا الممكن، كما
يراعي من يرى وجوبها على اليتيم في ماله أنها حق للفقراء في عين هذا المال فيخرجها منه
من يملك التصرف في ذلك المال وهو الولي، ومن راعى أن الزكاة عبادة لم يوجب الزكاة
لأن اليتيم ما بلغ حد التكليف وقد أشرنا إلى ذلك ولنا: [مخلع البسيط]
الربُّ حقٌّ والعبدُ حَقٌ
يا ليت شعري مَنِ المكلَّفْ
هذا في البالغ والصغير غير مكلف وهو اليتيم، وهكذا سائر العبادات على هذا النحو،
فإنّ الشيء لا يعبد نفسه، وإذا تحقق عارف مثل هذا وتبين أنه ما ثم إلاَّ الله خاف من الزلل
الذي يقع فيه من لا معرفة له ممّن ذمّه الشارع من القائلين بإسقاط الأعمال نعوذ بالله من
الخذلان، فنظر العارف عند ذلك إلى الأسماء الإلهية وتوقف أحكام بعضها على بعض
وتفاضلها في التعلقات، كما قد ذكرناه في غير ما موضع، فيوجب العبادات من ذلك الباب
وبذلك النظر ليظهر ذلك الفعل في ذلك المحل من ذلك الاسم الإلهيّ القائم به إذا خاطبه اسم
إلهيّ ممّن له حكم الحال والوقت، فتعين على هذا الاسم الإلهيّ الآخر إن تحرّك هذا المحل
لما طلب منه فسمّى ذلك عبادة وهو أقصى ما يمكن الوصول إليه في باب إثبات التكاليف في
عين التوحيد حتى يكون الآمر المأمور والمتكلم السامع .
وأما اعتبار من فرّق بين ما تخرجه الأرض وبين ما لا تخرجه الأرض فاعتباره ما يظهره
من الموصوف بالوجود الذي هو الممكن من الأشياء على يديه ممّا هو سبب ظهورها، فإن
أضاف وجود ذلك إلى ما أضاف إليه وجوده قال: لا زكاة، وإن لم يضف واعتبر ظهورها منه
قال بالواجب .
وأما من فرّق بين الناض وما سواه فالناض لما كان له صفة الكمال أو التشبه بالكمال ونزل
ما سوى الناض عن درجة الكمال أو التشبه بالكمال واتصف بالنقص أوجب الزكاة في الناقص
ليطهره من النقص ولم يوجبه في الكمال فإن الكمال لا يصحّ أن يكون في غيره إذ لا كمال إلاّ
في الوحدة ومن ذلك أهل الذمّة، والأكثر على أنه لا زكاة على ذميّ إلاَّ طائفة روت تضعيف
الزكاة على نصارى بني تغلب وهو أن يؤخذ منهم ما يؤخذ من المسلمين في كل شيء، وقال به
جماعة ورووه من فعل عمر بهم وكأنهم رأوا أن مثل هذا توقيف وإن كانت الأصول تعارضه،
والذي أذهب إليه أنه لا يجوز أخذ الزكاة من كافر وإن كانت واجبة عليه مع جميع الواجبات إلاَّ
٢٥٩
في المعارف/ الباب السبعون في أسرار الزكاة
أنه لا يقبل منه شيء ممّا كلف به إلاَّ بعد حصول الإيمان به، فإن كان من أهل الكتاب ففيه عندنا
نظر، فإن أخذ الجزية منهم قد يكون تقريراً من الشارع لهم دينهم الذي هم عليه فهو مشروع لهم
فيجب عليهم إقامة دينهم، فإن كان فيه أداء زكاة وجاؤوا بها قبلت منهم والله أعلم. وليس لنا
طلب الزكاة من المشرك وإن جاء بها قبلناها، يقول الله تعالى: ﴿ وَوَبٌِّ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ
الزَّكَوَةَ﴾ [سورة فصلت: الآية ٦، ٧] ويقول الله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ
لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [سورة الأنفال: الآية ٣٨] والكافر هنا المشرك ليس الموحد.
وصل الاعتبار: قال الله تعالى: ﴿لَا يَزَقُّبُونَ فِىِ مُؤْمِنٍ إِلَّ وَلَا ذِمَّةٌ﴾ [سورة التوبة: الآية ١٠]
الإلّ الله اسم من أسمائه والذمّة العهد والعقد فإن كان عهداً مشروعاً فالوفاء به زكاته، فالزكاة
على أهل الذمة فإن عليهم الوفاء بما عوهدوا عليه، من أسقط عنهم الزكاة رأى أن الذميّ إذا
عقد ساوى بين اثنين في العقد، ومن ساوى بين اثنين جعلهما مثلين وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ
كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] فلا يقبل توحيد مشرك فإن المشرك مقرّ بتوحيد الله في
عظمته لقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر: الآية ٣] فهذا توحيد بلا شك،
ومع هذا منع الشرع من قبوله. واعلم أن الدليل يضاد المدلول والتوحيد المدلول والدليل
مغاير فلا توحيد، فمن جعل الدليل على التوحيد نفس التوحيد لم يكن هنالك من تجب عليه
زكاة، فلا زكاة على الذميّ والزكاة طهارة فلا بدّ من الإيمان، فإن الإيمان طهارة الباطن وليس
الإيمان المعتبر عندنا إلاّ أن يقال الشيء لقول المخبر على ما أخبر به أو يفعل ما يفعل لقول
المخبر لا لعين الدليل العقليّ، وعلم الشرك من أصعب ما ينظر فيه لسريان التوحيد في
الأشياء إذ الفعل لا يصحّ فيه اشتراك البتة، فكل من له مرتبة خاصة به لا سبيل له أن يشرك
فيها وما ثم إلاَّ من له مرتبة خاصة، لكن الشرك المعتبر في الشرع موجود وبه تقع المؤاخذة.
وصل متمم: اعلم أن الكفار مخاطبون بأصل الشريعة وهو الإيمان بجميع ما جاء به
الرسول من عند الله من الأخبار وأصول الأحكام وفروعها وهو قوله وَ لير: ((وَتُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا
جِئْتُ بِهِ)) وهو العمل بحسب ما اقتضاه الخطاب من فعل وترك، فالإيمان بصدقة التطوّع إنها
تطوّع واجب وهو من أصول الشريعة، وإخراج صدقة التطوّع فرع، ولا فرق بينها وبين
الصدقة الواجبة في الإيمان بها وفي إخراجها وإن لم يتساويا في الأجر فإن ذلك لا يقدح في
الأصل، فإن افترقا من وجه فقد اجتمع من الوجه الأقوى، فالإيمان أصل والعمل فرع لهذا
الأصل بلا شك، ولهذا لا يخلص للمؤمن معصية أصلاً من غير أن يخالطها طاعة، فالمخلط
هو المؤمن العاصي، فإن المؤمن إذا عصى في أمر ما فهو مؤمن بأن ذلك معصية، والإيمان
واجب فقد أتى واجباً، فالمؤمن مأجور في عين عصيانه والإيمان أقوى ولا زكاة على أهل
الذمّة بمعنى أنها لا تجزي عنهم إذا أخرجوها مع كونها واجبة عليهم كسائر جميع فروض
الشريعة لعدم الشرط المصحح لها وهو الإيمان بجميع ما جاءت به الشريعة لا بها ولا ببعض
ما جاء به الشرع، فلو آمن بالزكاة وحدها أو بشيء من الفرائض أنها فرائض أو بشيء من
النوافل أنها نافلة، ولو ترك الإيمان بأمر واحد من فرض أو نفل لم يقبل منه إيمانه إلاَّ أن يؤمن
٢٦٠
في المعارف/ الباب السبعون في أسرار الزكاة
بالجميع، ومع هذا فليس لنا أن نسأل ذميّاً زكاته، فإن أتى بها من نفسه فليس لنا ردّها لأنه جاء
بها إلينا من غير مسألة فيأخذها السلطان منه لبيت مال المسلمين لا يأخذها زكاة ولا يردّها،
فإن ردّها عليه فقد عصى أمر رسول الله وَ له .
وأما العبد فالناس فيه على ثلاثة مذاهب: فمن قائل: لا زكاة في ماله أصلاً لأنه لا
يملكه ملكاً تاماً إذ للسيد انتزاعه، ولا يملكه السيد ملكاً تاماً أيضاً لأن يد العبد هي المتصرفة
فيه، إذن فلا زكاة في مال العبد. وذهبت طائفة إلى أن زكاة مال العبد على سيده لأن له
انتزاعه منه. وقالت طائفة: على العبد في ماله الزكاة لأن اليد على المال توجب الزكاة فيه
لمكان تصرفها فيه تشبيهاً بتصرف الحر، قال شيخنا وجمهور من قال لا زكاة في مال العبد
على أن لا زكاة في مال المكاتب حتى يعتق. وقال أبو ثور في مال المكاتب الزكاة، والذي
أقول به أنه لا يخلو الأمر إما أن يرى أن الزكاة حق في المال ولا يراعى المالك فيجب على
السلطان أخذها من كل مال بشرطه من النصاب وحلول الحول على من هو في يده، ومن رأى
أن وجوب الزكاة على أرباب المال جاء ما ذكرناه من المذاهب في ذلك، فالأولى كل ناظر في
المال هو المخاطب بإخراج الزكاة منه اعتبار ذلك العبد وما يملكه لسيده، فبأي شيء أمره
سيده وجبت عليه طاعته، والزكاة حق أوجبه الله في عين المال لأصناف مذكورين وهو بأيدي
المؤمنين، فإنه لا يخلو مال عن مالك أي عن يد عليه لها التصرّف فيه، فالزكاة أمانة بيد من
هو المال بيده لهؤلاء الأصناف وما هو مال للحر ولا للعبد، فوجب أداؤه لأصحابه ممن هو
عنده، وله التصرف فيه حراً كان أو عبداً من المؤمنين والكل عبيد الله، فلا زكاة على العبد
لأنه مؤدّ أمانة والزكاة عليه بمعنى إيصال هذا الحق إلى أهله ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُّكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ
إِلَىّ أَهْلِهَا﴾ [سورة النساء: الآية ٥٨] وتطهيره المال الذي فيه الزكاة بالزكاة أعني بإخراجها منه،
والزكاة على السيد لأنه يملكه من باب ما أوجبه الحق لخلقه على نفسه مثل قوله: ﴿كَتَبَ
رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٥٤] وقوله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٥٦]
وقوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الروم: الآية ٤٧] وقوله: ﴿أُوْفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [سورة
البقرة: الآية ٤٠] فكل من رأى أصلاً ممّا ذكرناه ذهب في مال العبد مذهبه.
وصل: ومن ذلك المالكون الذين عليهم الديون التي تستغرق أموالهم وتستغرق ما
تجب فيه الزكاة من أموالهم وبأيديهم أموال تجب الزكاة فيها. فمن قائل: لا زكاة في مال حباً
كان أو غيره حتى يخرج منه الدين، فإن بقي منه ما تجب فيه الزكاة زكّى وإلاَّ فلا. وقالت
طائفة: الدين لا يمنع زكاة الحبوب ويمنع ما سواها. وقالت طائفة: الدين يمنع زكاة الناض
فقط إلاَّ أن تكون له عروض فيها وفاء له من دينه فإنه لا يمنع. وقال قوم: الدين لا يمنع زكاة
أصلاً، الاعتبار في ذلك الزكاة عبادة فهي حق الله، وحق الله أحق أن يقضى، بذا ورد النص
عن رسول الله ◌َ، والله قد جعل الزكاة حقاً لمن ذكر من الأصناف في القرآن العزيز الذي
﴿لَّا يَأْنِيهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيِّنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [سورة فصلت: الآية ٤٢]. والدين
حق مترتب مقدّم فالدين أحق بالقضاء من الزكاة.