النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها بصائرهم منورة بالإيمان في شرف النفس الناطقة، وأن صاحبها إن شقي بدخول النار فهو كمن يشقى هنا بأمراض النفس من هلاك ماله وخراب منزله وفقد ما يعزّ عليه ألماً روحانياً لا ألماً حسيّاً، فإن ذلك حظ الروح الحيواني، وهذا كله غير مؤثر في شرفها فإنها منفوخة من الروح المضاف إلى الله بطريق التشريف فالأصل شريف، ولما كانت من العالم الأشرف قام لها رسول الله الَّله بكونها نفساً فقيامه لعينها وهذا إعلام بتساوي النفوس في أصلها . وروى القشيري في رسالته عن بعض الصالحين أنه قال: من رأى نفسه خيراً من نفس فرعون فما عرف فذمّه وأخبر أنه ليس له أن يرى ذلك، وهذه مسألة من أعظم المسائل تؤذن بشمول الرحمة وعمومها لكل نفس وإن عمرت النفوس الدارين، ولا بدّ من عمارة الدارين كما ورد، وأن الله سيعامل النفوس بما يقتضيه شرفها بسر لا يعلمه إلاّ أهل الله فإنه من الأسرار المخصوصة بهم، فكما أن الحد يجمعهم كذلك المقام يجمعهم لذاتهم إن شاء الله تعالى، قال تعالى في الذين شقوا: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّلٌ لِّمَا يُرِيدٌ﴾ [سورة هود: الآية ١٠٧] ولم يقل عذاباً غير مجذوذ كما قال في السعداء فإنه قال: ﴿يَأَيُّهَا الْإِنِسَنُ﴾ [سورة الانفطار: الآية ٦] ولم يخص شخصاً من شخص، بل الظاهر أنه يريد من خالف أمره وعصاه مطلقاً لا من أطاعه ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ اُلْكَرِيِ﴾ [سورة الانفطار: الآية ٦] فنبّه الغافل عن صفة الحق التي هي كرمه فإنه من كرمه أوجده ولهذا قال له: ﴿الَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّنِكَ فَعَدَلَّكَ﴾ [سورة الانفطار: الآية ٧] يقول له: بكرمه أو جدك ليقول له العبد: يا رب كرمك غرّني فقد يقولها لبعض الناس هنا في خاطره وفي تدبره عند التلاوة، فيكون سبب توبته، وقد يقولها في حشره، وقد يقولها له وهو في جهنم فتكون سبباً في نعيمه حيث كان، فإنه ما يقولها له إلاَّ في الوقت الذي قد شاء أن يعامله بصفة الكرم والجود، فإن رحمته سبقت غضبه، ورحمة الله وسعت كل شيء منة واستحقاقاً، وبالأصل فكل ذلك منة منه سبحانه فإنه الذي كتب على نفسه الرحمة للمتقي والمتقي بمنته سبحانه اتقاه وجعله محلاً للعمل الصالح. وصل في فصل صفة الصلاة على الجنازة: فمنها عدد التكبير، واختلف الصدر الأوّل في ذلك من ثلاث إلى سبع وما بينهما لاختلاف الآثار، ورد حديث أن النبيّ مَّ كان يكبر على الجنازة أربعاً وخمساً وستاً وسبعاً وثمانية، وقد ورد أنه كبّر ثلاثاً، ولما مات النجاشيّ وصلّى عليه رسول الله وَيه كبر عليه أربعاً وثبت على أربع إلى أن توفاه الله تعالى. وصل الاعتبار في هذا الفصل: أكثر عدد الفرائض أربع، ولا ركوع في صلاة الجنائز بل هي قيام كلها، وكل وقوف فيها للقراءة له تكبير، فكبّر أربعاً على أتم عدد ركعات الصلاة المفروضة، فالتكبيرة الأولى للإحرام يحرم فيها أن لا يسأل في المغفرة لهذا الميت إلاَّ الله تعالى، والتكبيرة الثانية يكبّر الله تعالى من كونه حيّاً لا يموت إذا كانت ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ اٌلْوَّنِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٨٥] و ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [سورة القصص: الآية ٨٨]، والتكبيرة الثالثة لكرمه ورحمته في قبول الشفاعة في حق من يشفع فيه أو يسأل فيه مثل الصلاة على النبيّ وَّ لما مات، وقد كان عرفنا أنه من سأل الله له ٢٢٢ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها الوسيلة حلّت له الشفاعة، فإن النبيّ وَّ لا يشفع فيه من صلَّى عليه، وإنما يسأل له الوسيلة من الله لتحضيضه أمّته على ذلك، والتكبيرة الرابعة تكبيرة شكر لحسن ظنّ المصلي بربّه في أنه قبل من المصلي سؤاله فيمن صلَّى عليه، فإنه سبحانه ما شرع الصلاة على الميت إلاّ وقد تحققنا أنه يقبل سؤال المصلي في المصلّى عليه، فإنه أذن من الله تعالى في السؤال فيه فهو لا يأذن، وفي نفسه أنه لا يقبل سؤال السائل، قال تعالى في الشفاعة يوم القيامة: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ أَرْتَضَى﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٢٨] وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٥٥] وقال: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سورة سبأ: الآية ٢٣] وقد أذن لنا أن نشفع في هذا الميت بالصلاة عليه فقد تحققنا الإجابة بلا شك، ثم يسلم بعد تكبيرة الشكر سلام انصراف عن الميت أي لقيت من ربك السلام، ولهذا شرع النبيّ ◌َّ أن يكفوا عن ذكر مساوىء الموتى، فإن المصلي قد قال في آخر صلاته عليه السلام عليكم فأخبر عن نفسه أن الميت قد سلم منه، فإن ذكره بمساءة بعد هذا فقد كذب نفسه في قوله: السلام عليكم فإنه ما سلم منه من ذكره بسوء بعد موته، فإن ذلك يكرهه الميت ويكرهه الله للحيّ فإن الحيّ يذكره به ولا ينتهي عن فعل مثله فيؤدّيه ذلك إلى أن يكون قليل الحياء من ربّه. وصل في فصل - رفع الأيدي عند التكبير في الصلاة على الجنائز والتكتيف: وأمّا رفع الأيدي عند كل تكبيرة والتكتيف، فإنه مختلف فيهما، ولا شك أن رفع اليدين يؤذن بالافتقار في كل حال من أحوال التكبير يقول: ما بأيدينا شيء هذه قد رفعناها إليك في كل حال ليس فيها شيء ولا تملك شيئاً. وأمّا التكتيف فإنه شافع، والشافع سائل، والسؤال حال ذلّة وافتقار فيما يسأل فيه، سواء كان ذلك السؤال في حق نفسه أو في حق غيره، فإن السائل في حق الغير هو نائب في سؤاله عن ذلك الغير، فلا بدّ أن يقف موقف الذلّة والحاجة لما هو مفتقر إليه فيه، والتكتيف صفة الأذلاء، وصفته وضع اليد على الأخرى بالقبض على ظهر الكف والرسغ والساعد، فيشبه أخذ العهد في الجمع بين اليدين يد المعاهد والمعاهد، أي أخذت علينا العهد في أن ندعوك، وأخذنا عليك العهد بكرمك في أن تجيبنا فقلت: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٦] ولم يقل دعاني في حق نفسه ولا في حق غيره، ثم أذنت لنا في الدعاء للميت والشفاعة عندك فيه فلم يبق إلا الإجابة فهي متحققة عند المؤمن، ولهذا جعلنا التكبيرة الأخيرة شكراً والسلام سلام انصراف وتعريف بما يلقى الميت من السلام والسلامة عند الله، ومنا من الرحمة والكف عند ذكر مساويه . وصل في فصل - القراءة في صلاة الجنازة: فمن قائل: ما في صلاة الجنازة قراءة إنما هو الدعاء. وقال بعضهم: إنما يحمد الله ويثني عليه بعد التكبيرة الأولى، ثم يكبر الثانية فيصلي على النبيّ وَّ، ثم يكبر الثالثة فيشفع للميت، ثم يكبر الرابعة ويسلم. وقال آخر: يقرأ بعد التكبيرة الأولى بفاتحة الكتاب، ثم يفعل في سائر التكبيرات مثل ما تقدّم آنفاً وبه ٢٢٣ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها أقول، وذلك أنه إذ ولا بدّ من التحميد والثناء فبكلام الله أولى وقد انطلق عليها اسم صلاة، فالعدول عن الفاتحة ليس بحسن، وبه قال الشافعيّ وأحمد وداود. وصل الاعتبار في هذا الفصل: قال أبو يزيد البسطامي: اطلعت على الخلق فرأيتهم موتى فكبرت عليهم أربع تكبيرات، قال بعض شيوخنا: رأى أبو يزيد عالم نفسه هذه الصفة تكون لمن لا معرفة له بربه ولا يتعرّف إليه وتكون لأكمل الناس معرفة بالله، فالعارف المكمل يرى نفسه ميتاً بين يديّ ربّه عزّ وجلّ إذ كان الحق سمعه وبصره ويده ولسانه يصلي عليه، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلِّى عَلَيْكُمْ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٤٣] فإذا كان الحق هو المصلي فيكون كلامه القرآن، والعارفون لا بدّ لهم من قراءة فاتحة الكتاب يقرأها الحق على لسانهم ويصلي عليهم فيثني على نفسه بكلامه ثم يكبر نفسه عن هذا الاتصال في ثنائه على نفسه بلسان عبده في صلاته على جنازة عبده بين يدي ربّه عزّ وجلّ، ويكون الرحمن في قبلته وهو المسؤول، ويكون المصلي هو الحيّ القيوم، ثم يصلي بعد التكبيرة الثانية على نبيّه المبلغ عنه قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَبِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٥٦] فلو لم يكن من شرف الملائكة على سائر المخلوقات إلاّ جمع الضمير في يصلون بينهم وبين الله لكفاهم وما احتيج بعد ذلك إلى دليل آخر ونصب الملائكة بالعطف حتى يتحقق أنّ الضمير جامع للمذكورين قبل، ثم يكبر نفسه على لسان هذا المصلي من العارفين عن التوهّم الذي يعطيه هذا التنزّل الإلهيّ في تفاضل النسب بين الله وبين عباده من حيث ما يجتمعون فيه، ومن حيث ما يتميزون به في مراتب التفضيل، فربما يؤدّي ذلك التوهّم أن الحقائق الإلهية يفضل بعضها على بعض بتفاضل العباد، إذ كل عبد في كل حالة مرتبط بحقيقة إلهية، والحقائق الإلهية نسب تتعالى عن التفاضل فلهذا كبر الثالثة . ثم شرع بعد القراءة والصلاة على النبيّ ◌َّ في الدعاء للميت من قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِرَتْ بِهِ الْحِبَالُ أَوَ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْنَى﴾ [سورة الرعد: الآية ٣١] لكان هذا القرآن الذي أنزل عليك يا محمد، وإذا كان الأمر على هذا الحدّ والميت في حكم الجمادات في الظاهر لذهاب الروح الحسّاس فكان حكمه حكم الجماد، وقال تعالى: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى حَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ﴾ [سورة الحشر: الآية ٢١]. فوصفه بالخشية وعين وصفه بالخشية عين وصفه بالعلم بما أنزل عليه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَؤُاْ﴾ [سورة فاطر: الآية ٢٨] فالمعنى الذي أوجب له عدم الخشية إنما هو ارتباط الروح بالجسد، فحدث من المجموع ترك الخشية لتعشق كل واحد منهما بصاحبه، فلما فرق بينهما رجع كل واحد منهما إلى ربّه بذاته، فعلم ما كان قبل قد جهله بتركيبه فصحبته الخشية لعلمه، فأول ما يدعى به للميت في الصلاة عليه ويثني على الله به في الصلاة عليه القرآن، فإن الميت في مقام الخشية من جهة روحه ومن جهة جسمه، فإذا عرف العارف فلا يتكلم ولا ينطق إلاَّ بالقرآن، فإنّ الإنسان ينبغي له أن يكون في جميع أحواله كالمصلي على الجنازة فلا يزال يشهد ذاته جنازة بين يدي ربّه وهو يصلي على الدوام ٢٢٤ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها في جميع الحالات على نفسه بكلام ربّه دائباً، فالمصلي داع أبداً والمصلى عليه ميت أو نائم أبداً، فمن نام بنفسه فهو ميت، ومن مات بربه فهو نائم نومة العروس والحق ينوب عنه ولنا في هذا المعنى: [مجزوء الكامل] وأنت تُذْعَى فانتَبِه يا نائماًكم ذا الرقاذ ـكَ بما دعا لو نِمْتَ بِهْ كان الإلهُ يقوم عَنْ عمّا دعاك ومُنْتَبِه لكنَّ قلبَك نائمٌ يُزْديك مهما مُتَّ بهْ في عالم الكون الذي ـرك إنَّ زادك مُشْتَبِة فانظر لنفسك قبل سَيْـ اللهم أبدله داراً خيراً من داره يعني النشأة الأخرى فيقول الله: قد فعلت فإن نشأة الدنيا هي داره وهي دار منتنة كثيرة العلل والأمراض والتهدم تختلف عليها الأهواء والأمطار، ويخربها مرور الليل والنهار، والنشأة الآخرة التي بدّلها وهي داره كما قد وصفها الشارع من كونهم لا يبولون ولا يتغوّطون ولا يتمخطون نزّهها عن القذارات، وأن تكون محلاً تقبل الخراب أو تؤثر فيها الأهواء، ثم يقول: وأهلاً خيراً من أهله فيقول: قد فعلت فإن أهله في الدنيا كانوا أهل بغي وحسد وتدابر وتقاطع وغل وشحناء، قال تعالى في الأهل الذي ينقلب إليه الميت ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ عِلِ إِخْوَنًا عَلَى سُرُرٍ ◌ُنَقَبِلِينَ﴾ [سورة الحجر: الآية ٤٧]. ثم يقول: وزوجاً خيراً من زوجه، وكيف لا يكون خيراً وهنّ قاصرات الطرف مقصورات في الخيام ولا تشاهد في نظرها أحسن منه ولا يشاهد أحسن منها، قد زينت له وزيّن لها وطيبت له وطيب لها كما قال تعالى في الجنة: ﴿وَيُدْسِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [ سورة محمد: الآية ٦] أي طيبها من أجلهم فلا يستنشقون منها إلاَّ كل طيب ولا ينظرون منها إلاَّ كل حسن، فدعاؤهم في الصلاة على الميت مقبول لأنه دعاء بظهر الغيب، وما من خير يدعون به في حق الميت إلاَّ والملك يقول لهذا المصلي على جهة الخبر: ولك بمثله ولك بمثليه نيابة عن الميت ومكافأة له للمصلي على صلاته عليه خبر صدق وقول حق، فقد تحقّق حصول الخير للمصلي والمصلى عليه، فإنه ثبت عن رسول الله وَلَّ: ((إِنَّ الإِنْسَانَ الْمُؤْمِنَ إِذَا دَعَا لأَخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ قَالَ المَلَكُ لَهُ: وَلَكَ بِمِثْلَيْهِ)) إخباراً عن الله تعالى من هذا الملك لهذا الداعي، وخبر الملك صدق لا يدخله مين، فعلى الحقيقة إنما صلَّى على نفسه، وما أحسنها من رقدة بين ربّه عزّ وجلّ وبين المصلى عليه، فإن كان المصلّى عليه عارفاً بربه محبوباً عنده حبّ من يكون الحق سمعه وبصره ولسانه فليس المصلي سوى ربه وليستقبل في الصلاة الرب عزّ وجلّ فيكون الميت في رقدته بين ربّه وربّه فما أعلاها من رقدة ليتها إلى الأبد، فنسأل الله تعالى لنا ولإخواننا إذا جاء أجلنا أن يكون المصلي علينا عبداً يكون الحق سمعه وبصره ولسانه لنا ولإخواننا وأولادنا وآبائنا وأهلينا ومعارفنا وجميع المسلمين من الجن والإنس آمين بعزّته و کرمه . ٢٢٥ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها ولما كان حال الموت حال لقاء الميت ربه واجتماعه به لجمعه ما تفرّق في سائر الكتب والصحف المنزلة واختصّ من القرآن الفاتحة لكونها مقسمة بالخبر الإلهي بين الله وبين عبده وقد سمّاها الشرع صلاة وقال: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي بنصفين، وخصّ الفاتحة بالذكر دون غيرها من سور القرآن، فتعينت قراءتها بكل وجه في الصلاة على الميت لكونها تتضمن ثناء ودعاء، ولا بدّ لكل شافع أن يثني على المشفوع عنده بما يليق بالشفاعة، وأي ثناء أعظم من الرحمن الرحيم والمدح محمود لذاته، وثبت في الصحيح عن رسول الله وَلات: ((لاً شَيْءَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ أَنْ يُمْدَحَ)) والله تعالى قد وصف عباده المؤمنين بالحامدين، وذمّ ولعنٍ من ذمّ جناب الله ونسب إليه ما لا يليق به من الفقر والبخل إذ قالت اليهود: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةُ﴾ كنت بذلك عن البخل فأكذبهم الله بقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [سورة المائدة: الآية ٦٤] فعمّ الكرم يديه، فلا تيأسوا من روح الله فهذه عندنا من أرجى آية تقرأ علينا، فتعين على الشافع أن يمدح ربّه بلا شك، فإنه أمكن لقبول الشفاعة مع الإذن فيها فما ثم مانع من القبول. ورد في الخبر الصحيح: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَ﴿ إِذَا كَانَ غَداً يَوْمِ القِيَامَةِ وَأَرَادَ أَنْ يَشْفَعَ يَحمَدُ اللَّهَ أَوَّلاَ بَيْنَ يَدَي الشَّفَاعَةِ بِمَحَامِدَ لاَ يَعْلَمُهَا الآنَ)) يقتضيها ذلك الموطن بحاله، فإن الثناء على المشفوع عنده إنما يكون بحسب جنايات المشفوع فيهم، فيقدّم بين يدي شفاعته من الثناء على الله بحسب ما ينبغي له لذلك الموطن من مكارم الأخلاق، وموطن القيامة ما شوهد الآن ولا وقع فلهذا قال: لا أعلمها الآن. وصل في فصل - التسليم من الصلاة على الجنازة: اختلف الناس فيه هل هو تسليمة واحدة أو اثنتان؟ فالأكثر على أنه تسليمة واحدة. وقالت طائفة: يسلم تسليمتين. وكذلك اختلفوا هل يجهر فيها بالسلام أو لا يجهر؟ والذي أذهب إليه وأقول به أن حكم السلام من صلاة الجنازة في الإمام والمأموم حكم السلام من الصلاة سواء ولو كان وحده. الاعتبار: لما كان الشافع بين يدي المشفوع عنده وأقام المشفوع فيه بينه وبين ربّه ليعين المشفوع فيه كما يحضر الشفيع نازلة من يشفع من أجلها بالذكر عند من يشفع عنده فأقام حضور الجاني بين يديه مقام النازلة التي كان يحضرها بالذكر لو لم يحضر الجاني فهو في حال غيبة عن كل من دون ربّه بتوجّهه إليه، فإذا فرغ من شفاعته رجع إلى الحاضرين عنده من بشر وملك وجان مؤمن فسلم عليهم كما يفعل في الصلاة سواء، وهي بشرى من الله في حق الميت كأنه يقول لهم: ما ثم إلاَّ السلامة له ولكم، وأن الله قد قبل الشفاعة بما قررناه من الإذن فيها، وكل من قال إن الميت إذا كان من أهل الصلاة عليه وصلَّى عليه لا تقبل الشفاعة فما عنده خبر جملة واحدة لا والله بل ذلك الميت سعيد بلا شك ولو كانت ذنوبه عدد الرمل والحصى والتراب. أمّا المختصة بالله من ذلك فمغفورة. وأمّا ما يختص بمظالم العباد فإن الله يصلح بين عباده يوم القيامة، فعلى كل حال لا بدّ من الخير ولو بعد حين، ولهذا ينبغي للمصلي على الميت إذا شفع في صلاته عند الله أن لا يخصّ جناية بعينها، وليعم في ذكره كل ما ينطلق عليه به أنه مسيء إساءة تحول بينه وبين سعادته، وليسأل الله التجاوز عن سيئاته الفتوحات المكية ج٢ - م١٥ ٢٢٦ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها مطلقاً، وأن يعترف عن الميت بجميع السيئات، وإن لم يحضر المصلي التعميم في ذلك، فإن الله إن شاء عمّه بالتجاوز وإن شاء عامل الميت بحسب ما وقعت فيه الشفاعة من الشافع، ولهذا ينبغي للمصلي على الميت أن يسأل الله له في التخليص من العذاب لا في دخول الجنة لأنه ما ثم دار ثالثة إنما هي جنة أو نار، وذلك أنه إن سأل في دخول الجنة لا غير فإن الله يقبل سؤاله فيه، ولكن قد يرى في الطريق أهوالاً عظاماً، فلهذا ينبغي أن تكون شفاعة المصلي في أن ينجي الله من صلَّى عليه ممّا يحول بينه وبين العافية واستصحابها له، فإن ذلك أنفع في حق الميت، وإذا فعل هكذا صحّ التعريف بالسلام من الصلاة أي قد لقي السلامة من كل ما يكرهه . وصل في فصل - تعين الموضع الذي يقوم الإمام فيه المصلي من الجنازة: واختلفوا أين يقوم الإمام من الجنازة؟ فقالت طائفة: يقوم في وسطها ذكراً كان أو أنثى. وقال قوم: يقوم من الذكر عند رأسه ومن الأنثى عند وسطها. ومنهم من قال: يقوم منهما عند صدرهما. وقال قوم: يقوم منهما حيث شاء ولا حد في ذلك وبه أقول. وصل الاعتبار في ذلك: للخيال والوهم سلطان، ومقصود المصلي إنما هو سؤال الله تعالى والحديث معه في حق هذا الميت وإحضار الميت بين يديه فلا يبالي أين يقوم منه، فإن التردّد في ذلك يفصم الخاطر عن المقصود ولا سيما إن كانت الجنازة أنثى، فيتوهم الإمام إذا وقف عند وسطها أن يسترها عمّن خلفه فلم يسترها عن نفسه، ويقدح ذلك التوهم في حضوره في حقّها مع الله، فإن الحق إنما يستقبله على الحقيقة من الإنسان قلبه، فإذا كان قلب المصلي بهذه المثابة من التفرقة واستحضار ما لا ينبغي بالتوهّم فقد أساء الأدب في الشفاعة، ومن هذه حاله فليس بشفيع وكان هذا المصلي أولى باسم الميت من الميت لسوء أدبه مع الله ومع الموت ، فلا يحضر المصلي أين يقوم من الجنازة، وليستفرغ همّته في الله الذي دعاه إلى الشفاعة فيها عنده، وكم من مصلّ على جنازة والجنازة تشفع فيه جعلنا الله من الشافعين هنا وهناك. الإنسان مكلف من رأسه إلى رجليه وما بينهما، فإنه مأمور بأن لا ينظر إلى ما لا يحل له النظر إليه شرعاً وبجميع ما يختص برأسه من التكليف، ومأمور بأن لا يسعى بأقدامه إلى ما لا يحل له السعي إليه وفيه ومنه وما بينهما ممّا كلفه الله أن يحفظه في تصرفه من يد وبطن وفرج وقلب، فلو تمكن للمصلي أن يعم الميت بذاته كلها لفعل فليقم منها حيث ألهمه الله والقيام عند قلبه وصدره أولى، فإنه كان المستخدم لجميع الأعضاء بالخير والشرّ، فذلك المحل هو أولى أن يقوم المصلي الشافع عنده بلا شك ويجعله بينه وبين الله ويعينه، فإنه إذا غفر له غفر لسائر جسده فإن جميع الأعضاء تبع للقلب في كل شيء دنيا وآخرة، ويقول رسول الله وَاليه فيه: ((إِنَّ فِي الْجَسَدِ بَضْعَةً إِذَا صَلُحَتْ صَلْحَ سَائِرُ الْجَسَدِ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ سَائِرُ الْجَسَدِ أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ)). كذلك إذا قبلت الشفاعة فيها قبلت في سائر الجوارح، أراد الشرع بالقلب هنا المضغة ٢٢٧ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها التي يحوي عليها الصدر ولا يريد بالقلب لطيفته وعقله، وفي هذا التنبيه هنا سرّ لمن فهم وعلم لا يحصل إلاَّ بالكشف، يقول تعالى: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبُ﴾ [سورة ق: الآية ٣٧] وقال: ﴿ وَلَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ [سورة ص: الآية ٢٩] كما قال أيضاً: ﴿ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ اٌلَّى فِ الصُّدُورِ﴾ [سورة الحج: الآية ٤٦] وفي باب الإشارة عن الحق فيريد بالصلاح والفساد إذا أراد المضغة ما يطرأ في البدن من المرض والصحة والموت، فإن القلب الذي هو هذه المضغة هو محل الروح الحيواني، ومنه ينتشر الروح الحيواني في جميع ما يحس من الجسد وما ينمي وهو البخار الخارج من تجويف القلب الذي يعطيه الدم الذي أعطاه الكبد، فإذا كان الدم صالحاً كان البخار مثله فصلح الجسد وبالعكس، فهو تنبيه من الشارع لنا بما هو الأمر عليه، فإن العلم بما هو الأمر عليه في هذا الجسم الطبيعيّ العنصريّ الذي هو آلة للطيفة الإنسان المكلفة في إظهار ما كلّفه الشارع إظهاره من الطاعات التي تختص بالجوارح، فإذا لم يتحفظ الإنسان في غذائه ولم ينظر في صلاح مزاجه وروحه الحيواني المدبر لطبيعة بدنه اعتلت القوى وضعفت وفسد الخيال والتصوّر من الأبخرة الفاسدة الخارجة من القلب، وضعف الفكر، وقلّ الحفظ، وتعطل العقل بفساد الآلات التى بها يدرك الأمور، فإن الملك إنما هو بوزعته ورعاياه، وكذلك الأمر أيضاً إن صلح فاعتبر الشارع الأصل المفسد إذا فسد لهذه الآلات، والمصلح لهذه الآلات إذا صلح إذ لا طاقة للإنسان على ما كلفه ربّه إلاَّ بصلاح هذه الآلات واستقامتها وسلامتها من الأمور المفسدة لها ولا يكون ذلك إلاَّ من القلب، فهذا من جوامع الكلم الذي أوتيه بَّطهر، فلو أراد بالقلب العقل هنا ما جمع من الفوائد ما جمع بإرادته القلب الذي يحوي عليه الصدر، ولهذا جاء باسم المضغة والبضعة لرفع الشك حتى لا يتخيل خلاف ذلك ولا يحمله السامع على العقل، وكذلك قال الله: ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ آلَتِى فِى الصُّدُورِ﴾ [سورة الحج: الآية ٤٦] فإذا فسدت وعميت عن إدراك ما ينبغي فإن فساد عين البصيرة فيما يعطيه البصر إنما هو من فساد البصر، وفساد البصر إنما هو من فساد محله، وفساد محله إنما هو من فساد روحه الحيوانيّ الذي محله القلب، فقيام المصلي عند صدر الجنازة عند الصلاة عليها أولى وأحق لأجل قلبه الذي هو الأصل في صلاحه وفساده. وصل في فصل - ترتيب الجنائز عند الصلاة: واختلفوا في ترتيب جنائز إذا اجتمع الرجال والنساء عند الصلاة عليهنّ فقال قوم: يجعل الرجال ممّا يلي الإمام والنساء ممّا يلي القبلة. وقال قوم فيه بالعكس. وقال قوم: يصلى على الرجال على حدة مفردين وعلى النساء على حدّة مفردين، والذي أقول به: إن كان في الجنائز ذكران جعل أحدهما ممّا يلي الإمام والآخر ممّا يلي القبلة، ويجعل النساء فيما بينهما، وإن لم يكن إلاَّ رجل واحد جعل ممّا يلي الإمام وإن جعل ممّا يلي القبلة فهو أولى، وكل هذا ما لم يرد حدّ مشروع يوقف عنده، وقد بحثنا أن نجد في ذلك حدّاً للشرع فلم نجد، وقد ورد عن بعض الصحابة أنهم كانوا يجعلون الرجال ممّا يلي القبلة والنساء ممّا يلي الإمام، فإذا سئلوا عن ذلك قالوا هي السنّة وهو أولى عندي، ومثل هذا إذا وقع يدخل في المسند عندهم والتوقيف في الحكم أولى، ولهذا احتاط ٢٢٨ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها من فرّق في الصلاة بين الرجال والنساء، والذي يترجح عندي تقديم الرجال ممّا يلي القبلة، فإن النبيّ ◌َّ* لما دفن قتلى أحد كان يقدم الأفضل ممّا يلي القبلة ويدفن الجماعة في قبر واحد فكان تقديم الأفضل ممّا يلي القبلة أولى لأنه إلى الله أقرب شرعاً والله أعلم. الاعتبار: النساء محل التكوين فهنّ إلى المكوّن أقرب فهم أولى بالقبلة من الرجال، وإن وقع التكوين في الرجال مرّة واحدة ولم يكن سوى تكوين حواء من آدم فالحكم للغالب، ولا سيما وقد جعل في مقابلة تكوين حواء من آدم تكوين عيسى في مريم من غير فحل، وبقي الغالب في الإناث أنهنّ محل التكوين فهنّ أولى بالقبلة ليكون كل مولود يولد على الفطرة، فإنه إذا ولد خرج إلينا وهو حديث عهد بربه كما جاء عن رسول الله وَّر في الغيث أنه حديث عهد بربه، فكان الرجال أولى بأن يكونوا ممّا يلي الإمام. والاعتبار الآخر أن الرجل الميت إذا كان ممّا يلي الإمام كان سترة للإمام عن المرأة، فإن المرأة عورة ومجاورة الميت لها أولى لعدم الشهوة من مجاورة الحيّ، فالنساء أولى بالتقدّم ممّا يلي القبلة من الرجال، وكان الحق أولى بإمائه وسترهنّ عن الإمام أو المصلي عليهنّ، فإن كان الإمام عارفاً بحيث أن يعلم من نفسه أن الحق سمعه وبصره فلا يبالي أيقدم النساء إليه أو الرجال، وتقدم النساء أولى ممّا يلي من هو بهذه الصفة والرجال ممّا يلي القبلة فإنه أقوى في الاعتبار، لأن أكثر الأكوان الطبيعية إنما كوّنها الحق عند الأسباب، فتقديم النساء ممّا يلي الإمام الذي يكون بهذه المثابة أولى فإنه اعتبار محقّق، فإن الإمام الموصوف بهذه الصفة آلة والحق غالب على أمره ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة يوسف: الآية ٢١]. وفي هذه المسألة من الأسرار البديعة العجيبة ما لو وقف عليها العقلاء لتعجبوا وحاروا وعلموا حكمة الله في الأشياء، وما معنى حجابه النور والظلمة وماذا يحد هذا الحجاب والحق لا يقبل الحد ولا يحتجب عنه شيء ولا يحجبه شيء، إذ لو حجبه شيء لحكم عليه ذلك الحجاب بالحد، ولا يصحّ أن يقبل الحجاب فلا يصحّ أن يكون العبد محجوباً عن الله ولكن يكون محجوباً عن نسبة خاصة، قال تعالى في الفجار: ﴿إِنَّهُمْ عَن رَّبِهِمْ يَوْمَيِذٍ لََّحْجُوبُونَ﴾ [سورة المطففين: الآية ١٥] فأضاف الرب إليهم وهي النسبة التي يرجونها منه لم يجدوها لأنهم طلبوها من غير جهة ما تكون فيه، فكانوا كمن يقصد الشرق بنيته وهو يمشي إلى الغرب بجسمه ويتخيل أن حركته إلى جهة قصده وهو قوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾ [سورة الزمر: الآية ٤٧] فإنهم لما استيقظوا من نوم غفلتهم ووصلوا إلى منزل وحطّوا عن رحالهم طلبوا ما قصدوه فقيل لهم من أوّل قدم فارقتموه فما ازددتم منه إلا بعداً فيقولون: ﴿يَلَيْنَنَا نُرَدُ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٢٧] ولا سبيل إلى ذلك، فلهذا وصفوا بالحجاب عن ربهم الذي قصدوه بالتوجّه على غير الطريق الذي شرع لهم، فإذا علمت ما اعتبرناه فلترتب الجنائز على قدر مقامك ولا تحكم فالحكم ليس لك وإنما هو للشارع، فإن وقفت من الشارع في ذلك المقام من طريق الكشف على حكم صحيح ثابت في ذلك فاعمل به ولا تتعداه وقف عنده فماذا بعد الحق إلا الضلال. وصل في فصل - من فاته التكبير على الجنازة: اختلفوا في الذي يفوته بعض التكبير ٢٢٩ في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها على الجنازة في مواضع منها: هل يدخل بتكبير أم لا؟ ومنها: هل يقضي ما فاته أم لا؟ وإن قضى فهل يدعو بين التكبيرات أو لا؟ فمن قائل: يكبر أوّل دخوله. ومن قائل: ينتظر حتى يكبّر الإمام وحينئذ يكبّر. وأمّا قضاء ما فاته فمن قائل: يقضي ما فاته من التكبير والدعاء. ومن قائل: يقضي ما فاته من التكبير نسقاً من غير دعاء، والذي أذهب إليه أن الذي يدرك مع الإمام من التكبير هو أول له ثم يتم صلاته بتكبيراتها والدعاء. الاعتبار: التكبير تعظيم الحق فليسارع إليه ولا ينتظر الإمام ويقضي ما فاته من التكبير نسقاً من غير دعاء، فإن الله تعالى يقول: من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، والمدعو له هنا الميت فيعطي الميت بالذكر من المصلي أفضل ممّا يعطيه لو دعا له، والمقصود بالدعاء للميت إنما هو النفع والنفع الأعظم قد حصل بالذكر. وصل في فصل - الصلاة على القبر لمن فاتته الصلاة على الجنازة: فقال قوم: لا يصلى على القبر. وقال قوم: لا يصلي على القبر إلاَّ وليّها فقط إذا فاتته الصلاة عليها وكان قد صلّى عليها غير وليّها. وقال قوم: يصلي على القبر من فاتته الصلاة على الجنازة، واتفق القائلون بإجازة الصلاة على القبر أن من شرط ذلك حدوث الدفن، واختلف هؤلاء في المدة في ذلك فأكثرها شهر وبالصلاة على القبر أقول من غير مدة. وصل الاعتبار في هذا الفصل: لا يصلّى على الميت حتى يوارى عن الأبصار في أكفانه، فلا فرق أن يوارى بأكفانه أو يوارى بقبره، وقد ثبت عن النبي ◌َّة الصلاة على الميت بعدما دفن في قبره، فالاعتبار أن الجسم خلق من التراب وعاد إلى أصله، فلا فرق بينه في حال انفصاله وبروزه على وجه الأرض أو حصوله تحت التراب فهو منها، فإن كان المراد بتلك الصلاة الروح المدبر لهذا الجسم فالروح قد عرج به إلى بارئه وقد فارق الجسد فلا مانع من الصلاة عليه، وإن كان المراد بتلك الصلاة الجسد دون الروح فسواء كان فوق الأرض أو تحت الأرض فإنّ الشارع ما فرّق، فكل واحد من الإنسان قد رجع إلى أصله فالتحق الروح منه بالأرواح والتحق العنصريّ منه بالعنصر . فصول - من يصلى عليه ومن أولى بالتقديم: فمن ذلك: الصلاة على من هو من أهل لا إله إلاَّ الله. فمن قائل: يصلى عليهم مطلقاً ولو كانوا من أهل الكبائر والأهواء والبدع، وكره بعضهم الصلاة على أهل البدع وبالأوّل أقول، ولم يجز آخرون الصلاة على أهل الكبائر ولا على أهل البغي والبدع، ولو علم هذا القائل أن المصلي على الجنازة شفيع وقد ثبت أن النبيِّ لَّه قال: ((خَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِيَ)) . وصل اعتبار هذا الفصل: قال ◌َّمَ: ((صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّه)) ولم يفصل ولا خصّص وعمّ بقوله من وهي نكرة تعمّ، فالمفهوم من هذا الكلام الصلاة على أهل التوحيد، سواء كان توحيدهم عن نظر أو عن إيمان، أعني عن تقليد للرسول أو عن نظر وإيمان معاً، ومعنى الإيمان أن يقولها على جهة القربة المشروعة من حيث ما هي مشروعة، وهذا لا سبيل إلى الوصول إلى معرفته من القائل لها إلاَّ بوحي أو كشف فإنه غيب، وما كلّف الله نفساً إلاّ ٢٣٠ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها وسعها، ولهذا ربطه بالقول، ومن لا يتصوّر منه القول أو لم يسمع أنه قالها كالصبيّ الرضيع فإن الرضيع يحق بأبيه في الحكم فيصلى عليه، ومن لم تسمع منه يلحق بالدار والدار دار الإسلام وهو بين المسلمين ولم يعرف منه دين أصلاً لا الإسلام ولا غيره وكان مجهولاً فإنه يحكم له بالدار فيصلى عليه، فإذا كانت عناية الدار تلحقه بالمحقق إسلامه فما ظنّك بعناية الله؟ وهذا من عناية الله، وأهل لا إله إلاَّ الله بكل وجه، وعلى كل حال لا يقبلهم الخلود في النار إلاَّ من أشرك أو سنّ الشرك فإنهم لا يخرجون من النار أبداً، فالأهواء والبدع وكل كبيرة لا تقدح في لا إله إلاّ الله لا تعتبر مؤثرة في أهل لا إله إلاّ اللّه، فإن التوحيد لا يقاومه شيء مع وجوده في نفس العبد، ولولا النص الوارد في المشرك وفيمن سنّ الشرك لعمّت الشفاعة كل من أقرّ بالوجود وإن لم يوحد، فإن المشرك له ضرب من التوحيد أعني توحيد المرتبة الإلهية العظمى، فإن المشرك جعل الشريك شفيعاً عند الله ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَوُنَا عِندَ اللَّهِ﴾ [ سورة يونس: الآية ١٨] كما قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر: الآية ٣] فوحّد هذا المشرك الله في عظمته ليست للشريك عنده هذه الرتبة، إذ لو كانت له ما اتخذه شفيعاً والشفيع لا يكون حاكماً فلهم رائحة من التوحيد وبهذه الرائحة من التوحيد، وإن لم يخرجوا من النار لا يبعد أن يجعل الله لهم فيها نوعاً من النعيم في الأسباب المقرونة بها الآلام، وأدنى ما يكون من تنعيمهم أن يجعل المقرور في الحرور ونقيضه الذي هو المحرور في الزمهرير حتى يجد كل واحد منهما بعض لذة كما كانت لهم هنا بعض رائحة من التوحيد، فيخلقهم الله على مزاج يقبلون به نعيم هذه الأسباب المعتادة بوجود الألم عندها في المزاج الذي لا يلائمه ذلك ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [سورة إبراهيم: الآية ٢٠] فإنه ﴿فَعَّلٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [سورة البروج: الآية ١٦] وما ورد نص يحول بيننا وبين ما ذكرناه من الحكم فبقي الإمكان على أصله في هذه المسألة وفي الشريعة ما يعضده من قوله: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٥٦] وقوله: رحمتي سبقت غضبي. وصل في فصل - من قتله الإمام حدّاً: فمن الناس من لم ير أن يصلي عليه الإمام. ومنهم من رأى أنه يصلي عليه الإمام وبه أقول . اعتبار هذا الفصل: الغاسل غير ممنوع من الصلاة على من غسله والإمام هنا غاسل فإن القتل هنا للمقتول ظهور معنويّ مكفر، وقد ورد في ذلك الخبر، فللإمام أن يصلي عليه لتحقق طهوره، والعجب من صاحب هذا المذهب الذي يمنع من صلاة الإمام عليه وهو عنده لو مات من عليه هذا الحدّ صلَّى عليه الإمام مع تحقّقه بأنه مشغول الذمّة بهذا الحدّ الواجب عليه وأنه غير طاهر النفس فإن أمره إلى الله إن شاء آخذه به وإن شاء عفا عنه وبهذا وردت · الأخبار، فالأولى أن يصلي عليه الإمام إذا قتله حدّاً كالغاسل سواء فإنه لا معنى لإقامة الحدود على المؤمنين في الدنيا إلاّ إزالتها عنهم في الآخرة بخلاف من قتل سياسة أو كفراً لا حدّاً. وصل في فصل - من قتل نفسه هل يصلى عليه أم لا يصلى عليه؟: فقيل: يصلى عليه. ومن قائل: لا يصلى عليه وبالأوّل أقول. ٢٣١ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها وصل اعتبار هذا الفصل: لما أذن الله عزّ وجلّ في الشفاعة بالصلاة على الميت علمنا أنه عزّ وجلّ قد ارتضى ذلك وأن السؤال فيه مقبول، وأخبر أن الذي يقتل نفسه في النار خالداً مخلداً فيها أبداً وأنّ الجنة عليه حرام، وما ورد نهي عن الصلاة على من قتل نفسه فيحمل ذلك على من قتل نفسه ولم يصل عليه فيجب على المؤمنين الصلاة على من قتل نفسه لهذا الاحتمال، فيقبل الله شفاعة المصلي عليه فيه، ولا سيما والأخبار الصحاح والأصول تقضي بخروجه من النار، ويخرج الخبر الوارد بتأييد الخلود مخرج الزجر، والحكمة المشار إليها في هذه المسألة في قول الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه حرّمت عليه الجنة، ففيه إشارة حقيقة فالإشارة يسارعون وسابقوا، ومن تقرّب إليّ شبراً تقرّبت منه ذراعاً، والموت سبب لقاء الله، فكان الإنسان في حياته يسافر ويقطع المنازل بأنفاسه إلى لقاء ربه وقد جعل له حدّاً مخصوصاً فاستعجل اللقاء فبادر إليه قبل وصوله إلى ذلك الحدّ وهو السبب الذي لا تعمل له في لقائه، فإن كان عن شوق للقاء الحق فإنه يلقاه برفع الحجب ابتداء فإنه قال: حرمت عليه الجنة، والجنة الستر أي منعت عنه أن يستر عني فإنه بادرني بنفسه ولم يقل ذلك على التفصيل فحمله على وجه الخبر للمؤمن لما يعضده من الأصول أولى. وأمّا قوله عليه السلام فيمن قتل نفسه بحديدة وبسم وبالتردّي من الجبل فلم يقل في الحديث من المؤمنين ولا من غيرهم فتطرق الاحتمال، وإذا دخل الاحتمال رجعنا إلى الأصول فرأينا أن الإيمان قويّ السلطان لا يتمكن معه الخلود على التأبيد إلى غير نهاية في النار، فنعلم قطعاً أن الشارع أخبر بذلك عن المشركين في تعيين ما يعذبون به أبداً فقال: من قتل نفسه بحديدة منهم فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، أي هذا الصنف من العذاب هو حكمه في النار، وكذلك من شرب سماً فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، أي هذا النوع من العذاب يعذب به هذا الكافر، وقد ورد: ((مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذْبَ بِهِ)). وأمّا المؤمن فحاشى الإيمان بتوحيد الله أن يقاومه شيء، فتعين أن ذلك النص في المشرك وإن لم يخص الشارع في هذا الخبر صنفاً بعينه، فإن الأدلة الشرعية تؤخذ من جهات متعددة ويضم بعضها إلى بعض ليقوي بعضها بعضاً، لأن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، كذلك الإيمان بكذا يشدّ للإيمان بكذا فيقوي بعضه بعضاً، فإن أهل الجنة إنما يرون ربهم رؤية نعيم بعد دخولهم الجنة كما ورد في الخبر في الزيارة: ((إِذَا أَخَذَ النَّاسُ أَمَاكِنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ فَيُدعونَ إِلَى الرُّؤْيَةِ)) فيمكن أن الله قد خصّ هذا الذي بادره بنفسه فقتل نفسه أن يكون قوله: حرمت عليه الجنة قبل لقائي فيتقدم للقاتل نفسه لقاء الله رؤية نعيم وحينئذ يدخل الجنة، فإن القاتل نفسه يرى أن الله أرحم به ممّا هو فيه من الحال الموجبة له إلى هذه لمبادرة، فلولا ما توهم الراحة عند الله من العذاب الذي هو فيه لما بادر إليه والله يقول: أنا عند ظنّ عبدي بي فليظنّ بي خيراً، والقاتل نفسه إذا كان مؤمناً فظنّه بربه حسن، فظنّه بربه نحسن هو الذي جعله أن يقتل نفسه، وهذا هو الأليق أن يحمل عليه لفظ هذا الخبر الإلهي، ٢٣٢ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومهـ إذ لا نص بالتصريح على خلاف هذا التأويل وإن ظهر فيه بعد فلبعد الناظر في نظره من الأصول المقررة التي تناقض هذا التأويل بالشقاء المؤبّد، فإذا استحضرها ووزن عرف مـ قلناه . وفي الأخبار الصحاح: ((أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَذْنَى مِنْ مِثْقَالٍ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ)) فلم يبق إلاَّ ما ذكرناه، ولم يقل الله في هذا الخبر إلاّ أنه حرم عليه الجنة خاصة. فإن قلنا: ولا بدّ بالعقوبة فتكون الجنة محرمة عليه أن يدخلها دون عقاب مثل أهل الكبائر فيكون نصاً في القاتل نفسه وغيره من أهل الكبائر في حكم المشيئة، فإن صاحب السجلات لا يدخل النار مع أنه من أهل الكبائر إذ ليس معه سوى قول لا إله إلاّ الله في طول إسلامه مدة حياته في الدنيا، فغايته أن يتحقق إنفاذ الوعيد في القاتل نفسه قبل دخول الجنة وأنه لا يغفر له، والله أكرم أن ينسب إليه نفاذ الوعيد بل ينسب إليه المشيئة وترجيح الكرم كما وصف بعض الأعراب مع كونه من أهل الأغراض نفسه. [الطويل] المُخْلِفُ إِيعادي ومُنْجِزُ مَوْعَدِي وإني إذا أَوْعَذْتُه أو وَعَدْتُه ولذا ما ورد في الشرع نص في الإيعاد، وورد في الوعد: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ،﴾ [سورة إبراهيم: الآية ٤٧] فالإيعاد في الشرّ خاصة، والوعد يكون في الخير والشرّ معاً. وصل في فصل - حكم الشهيد المقتول في المعركة: فمن قائل: لا يصلى عليه ولا يغسل. ومن قائل: يصلّى عليه ولا يغسل. الاعتبار: الحياة المنسوبة إلى الشهيد في المعركة من رأى أن الله أخذ بأبصارنا عن إدراك حياة الشهيد وأنه حيّ يرزق كحياة زيد وعمرو في نفس الأمر وهذا ليس ببعيد، فإن الحيّ بهذه المثابة لا يصلّى عليه، ومن رأى أن الصلاة إنما هي الدعاء له بكونه انقطع عمله في الدنيا وإن كان حيّاً عند ربّه لكنه غير عامل قال: يصلّى عليه أي يدعى له مثل ما يدعى للميت لانقطاعه عن العمل المقرّب له إلى الدرجات التي لا تحصل إلاَّ بالعمل من العامل نفسه أو ممّن ينوب عنه في عمله، كمن يصوم عن وليّه إذا مات أو يحجّ عنه إذا مات أو لم يستطع، فتقوم الصلاة على الشهيد من المصلي مقام العمل منه لو كان في حال لم ينقطع العمل منه . وصل في فصل - حكم الصلاة على الطفل: فمن قائل: لا يصلّى عليه حتى يستهل صارخاً. ومن قائل: يصلّى عليه إذا كمل أربعة أشهر لوجود الروح عند هذه المدة. الاعتبار: أمرنا الله بالصلاة على الميت في السنة ولم يقل الميت عن حياة متقدمة، فنحن إذا رأينا صورة الجنين ولو كان أصغر من البعوضة بحيث تكون أعضاؤه مصوّرة حتى يعلم أنه إنسان وإن كان قبل نفخ الروح فيه فإنه ينطلق بالشرع على تلك الصورة أنها ميتة، قال تعالى: ﴿وَكُنتُمْ أَمْوَتًا فَأَخْيَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيَكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨] فأطلق علينا اسم الموت قبل نفخ الروح، فالمصلي على الجنين إذا خرج عينه بالطرح وشاهدناه صورة وإن لم ينفخ فيه روح للصورة الظاهرة وتحقق اسم الموت فلا مانع للصلاة عليه بوجه من ٢٣٣ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها الوجوه، ولم يقل رسول الله وَ ل# أنه لا يصلّى على ميت إلاَّ بعد أن تتقدمه حياة ما تعرض لذلك وإن كان لم يقع الأمر إلاَّ فيمن تقدمت له حياة، وما يدل عدم النقل على رفع الحكم، بل المفهوم من الشرع الصلاة على الميت من غير تخصيص إلاَّ ما خصّصه الشارع من النهي عن الصلاة على الكافر وغير ذلك ممّن نصّ على ترك الصلاة عليه وليس للطفل فيه مدخل، بل قد ذكر الترمذيّ عن جابر بن عبد الله عن رسول الله وَّه: ((إِنَّ الطَّفْلَ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلاَ يَرِثُ وَلاَ يُؤَرِّثُ حَتَّى يَسْتَهِلَّ صَارِخاً)) فقد حكم بالصلاة عليه، وما حكم بالميراث مثل ما حكم على من مات عن حياة، فهذا الخبر يقوّي ما ذهبنا إليه من وجود صورة الإنسان، وإن لم نعلم أن موته عن حياة ولا عن غير حياة، وحديث المغيرة عن النبيّ وَّر أن الطفل يصلّى عليه، وذهب بعضهم إلى أن الطفل لا يصلّى عليه أصلاً، واحتجٌ بأنّ النبيّ وَّ لم يصلّ على ابنه إبراهيم وهو ابن ثمانية أشهر، فيعارض هذا القائل بأنّ النبيّ و ◌َل ◌َّ صلَّى على ابنه إبراهيم، ويقوّي هذا الحديث حديث المغيرة وجابر. وصل في فصل - حكم الأطفال من أهل الحرب إذا ماتوا: فقيل: حكمهم حكم آبائهم لا يصلّى عليهم. ومن قائل: حكمهم حكم من سباهم من المسلمين، والذي أقول به إنه متى قدر المسلم على الصلاة على من مات من الأطفال الصغار الذين لم يحصل منهم التمييز ولا العقل أنه يصلّى عليهم فإنهم على فطرة الإسلام. الاعتبار: الطفل مأخوذ من الطفل وهو ما ينزّل من السماء من الندا غدوة وعشية وهو أضعف ما ينزل من السماء من الماء، فالطفل من الكبار كالرش والوبل والسكب وغير ذلك من أنواع نزول المطر، ولما كان بهذا الضعف والضعيف مرحوم أبداً والصلاة رحمة فالطفل يصلّى عليه إذا مات بكل وجه ولا معنى لترك الصلاة عليه . وصل في فصل - من أولى بالتقديم في الصلاة على الميت: واختلفوا فيمن أولى بالتقديم في الصلاة على الميت فقيل: وليّه. وقيل: الوالي وبه أقول، فإنه ثبت أنّ النبيّ وَّ صلَّى على الجنازة، ولم ينقل عنه قط أنه اعتبر الوليّ ولا سأل عنه، وقدم الحسين بن علي سعيد بن العاص وهو والي المدينة في الصلاة على الحسن بن علي وإلحاقه في هذه المسألة بصلاة الجمعة وصلاة الجماعة أولى من إلحاقه بالوليّ في مواراته ودفنه . الاعتبار: الوالي له إطلاق الحكم في العموم والخصوص فهو أقوى ممّن له الحكم في بعض الأمور، فهو أولى بالصلاة على الميت وبمناجاة الحق والشفاعة في الميت فإنه نائب الله، ونظر الحق إلى من استخلفه أعظم من نظره فيمن لم يجعل له ذلك المنصب العام في الخلافة وكلامه أقبل عنده فإنه فوض إليه الحكم فيما ولاه عليه، والوالي على الحقيقة هو الله تعالى، فمن ثبت له هذا الاسم بالوجه الأعمّ فالأعمّ فهو أولى بالصلاة على الميت، والوالي من له حكم الوقت من الأسماء الإلهية فيشفع عند من ولاه من الأسماء في الميت ممّن هو أعمّ تعلقاً منه وهو الرحمن، فإن رحمته ﴿وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٥٦]. وصل في فصل - وقت الصلاة على الجنازة: فقال قوم: لا يصلّى عليها في الوقت ٢٣٤ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومهـ المنهي عن الصلاة فيه. وقال قوم: لا يصلّى في الغروب والطلوع. وقال قوم: يصلّى عليه بعد صلاة الصبح ما لم يكن الإسفار، وبعد صلاة العصر ما لم يكن الإصفرار. وقال قوم : يصلّى عليها في كل وقت وبه أقول، غير أنه لا يقبر في ثلاث ساعات الميت، وإن أجز. الصلاة عليه فيها لورود النص أن لا نقبر فيها موتانا وهي الطلوع والغروب والاستواء. الاعتبار في هذا الفصل : الصلاة مناجاة وسؤال على حضور ومشاهدة فلا تتقيد بوقت مـ لم يقيدها الشرع، وما قيّد صلاة الجنازة فإنها ما فيها سجود، وأما الاستواء فإنه وقت تسعير النار، والقبر أوّل منزل من منازل الآخرة، ولم نقل الموت فإن الموت حال لا منزل والقبر منزل، فإن دفن في ذلك الوقت يشاهد الميت تسعير النار فربما أدركه رعب والله رفيق بالمؤمن، فلم يبح لنا أن نقبر في ذلك الوقت موتانا رحمة بهم. وأما الطلوع والغروب فإنهما ساعات يسجد فيهما الكفار، فجهنم تتقدم لأخذهم لصنيعهم ذلك، فإذا قبر الميت في ذلك الوقت ربما أبصر مبادرة النار لأخذ هذه الطوائف فيدركه رعب لإقبالها حتى يظنّ أنها تريده، كمن يكون ماشياً في طريق وخلفه من عليه طلب فيرى أمامه شخصاً يقصد طلب من يأتي خلفه يفرق منه لفظاعة منظره، فربما يتخيل هذا الشخص أنه المقصود لذلك المقبل فلا يأمن من يأتي حتى يجاوزه فيعلم أنه طالب غيره، فإن الكافر إذا سجد لغير الله بادرت جهنم لأخذه غيرة أن يسجد لغير الله، فإذا رفع رأسه من السجدة نكصت على عقبها عن أمر الله تعالى لعل هذا الساجد لا يعود إلى مثلها ويتوب فإنه في دار قبول التوبة فلهذا لم يتم إقبالها إليه، فالإنسان ما دام حياً إذا كان كافراً يرجى له الإسلام، وإذا كان مسلماً يخاف عليه الكفر فإنها ما هي دار طمأنينة لمخلوق ما لم يبشر، ومع البشرى يرتفع الخوف لصدق المخبر ويبقى الحكم للحياء والخشوع، فخوف المبشر واصفراره للحياء خاصة لا للخوف. وصل في فصل - في الصلاة على الجنازة في المسجد: فأجازها بعضهم وكرهها بعضهم. وأمّا إذا كانت الجنازة خارج المسجد والمصلي في المسجد ففي هذه الصلاة خلاف أيضاً. وأمّا الصلاة على الجنائز في المقابر ففيه خلاف وبالجواز أقول في ذلك كله. وصل الاعتبار في هذا الفصل: المصلي على الجنائز شفيع فحيث ما كان يشفع فإن الحق يقول: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنُهُمْ﴾ [سورة الحديد: الآية ٤] فنحن نعلم أنه مع الجنازة حيث كانت ومعي حيث كنت فلا يتقيد بالمكان، فالصلاة على الجنازة جائزة في كل مكان من غير تقييد ولا موضع أقذر من موضع فرعون فإن المشرك نجس ومع هذا فجاءه موسى وهرون وقال الله لهما: ﴿إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [سورة طه: الآية ٤٦] وكنت أقول بالصلاة على الجنائز حيث كانت في مسجد وغيره حتى رأيت رسول الله مُ لّ في المنام وهو ينهى عن دخول الجنائز المسجد وعن الصلاة عليها فانتهيت فما صليت بعد ذلك على جنازة في المسجد، فإن النبي بََّ يقول: ((مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَكَوَّنُنِي)). وصل في فصل - في شرط الصلاة على الجنازة: فقال الأكثرون: الطهارة شرط فيها كالقبلة سواء. واختلفوا في التيمم لها لمن خاف فواتها فقال قوم: يتيمم لها. وقال قوم: لا ٢٣٥ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها يتبهم لها ولا يصنّى عليها بتيمم، والذي أقول به: إنّ الطهارة لا تشترط ولكن أكره التوجّه إلى الله وذكره على غير طهارة شرعية. وصل في اعتبار هذا الفصل: قالت عائشة رضي الله عنها: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَخْيَانِهِ)) وهكذا ينبغي أن يكون الأمر فإنّ اللّه في كل حال مع العبد ولا سيما المؤمن. انتهى الجزء التاسع والأربعون. (الجزء الخمسون) بِسْمِ اللهِ الرَّغَنِ الرَّحَمَةِ وصل في فصل - في صلاة الاستخارة: ورد أن رسول الله مغل* كان يعلّم أصحابه الاستخارة كما يعلّمهم السورة من القرآن. وورد أنه وَ ال# كان يأمر أن يصلّى لها ركعتين ويوقع الدعاء عقيب الركعتين اللتين يصليهما من أجلها بعد السلام منهما، واستحبّ له أن يقرأ في الأولى فاتحة الكتاب وقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [سورة القصص: الآية ٦٨] ما كان لهم الخيرة، أو سورة: ﴿قُلٌ يَكَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾ وفي الركعة الثانية يقرأ فاتحة الكتاب و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ ويدعو بالدعاء المرويّ في ذلك عقيب السلام، يفعل ذلك في كل حاجة مهمة يريد فعلها وقضاءها، ثم يشرع في حاجته، فإن كان له فيها خيرة عند الله يسّر له أسبابها إلى أن تحصل فتكون عاقبتها محمودة، وإن تعذّر شيء من أسبابها عليه ولم يتفق تحصيلها بيسر فلا يضاد القدر ويعلم أنه لو كان له فيها خيرة عند الله ما تعذرت أسبابها، فيعلم أن الله قد اختار له تركها فلا يتألم لذلك وسيحمد عاقبة تركها. وينبغي لأهل الله أن يصلّوا صلاة الاستخارة في وقت معين يعنونه من ليل أو نهار في كل يوم، فإذا قالوا الدعاء بعد السلام من الركعتين يقولون في الموضع الذي أمر أن يسمي حاجته كما سنذكره يقول: اللهم إن كنت تعلم أن جميع ما أتحرّك فيه في حقي وفي حق غيري وجميع ما يتحرّك فيه غيري في حقي وفي حق أهلي وولدي وما ملكت يميني خير لي في ديني ودنياي وعاجل أمري وأجله من ساعتي هذه إلى مثلها من اليوم الآخر فيسره لي وأقدره ورحني به، وإن كنت تعلم أن جميع ما أتحرّك فيه في حقي وفي حق غيري وجميع ما يتحرّك فيه غيري في حقي وفي حق أهلي وولدي وما ملكت يميني من ساعتي هذه إلى مثلها من اليوم الآخر شرّ لي في ديني ودنياي وعاجل أمري وآجله، كما سيأتي في الدعاء بعد هذا إن شاء الله، فإنه إذا فعل ذلك ما يتحرك بحركة ولا يتحرك في حقّه بحركة إلاّ كان له فيها خير محقق فعلاً أو تركاً جربت هذا دائماً، يفعل هذا في كل يوم في وقت بعينه يلزمه لا يغيره. وصورة دعاء الاستخارة: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر وتسمي حاجتك خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال: عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسّره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر وتذكّر حاجتك شرّ ٢٣٦ في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال: عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه وأقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به، فالعارف إذا استخار ربّه في حاجة معينة كانت أو مبهمة فيحضر في قلبه عند قوله: اللهم أي يا الله أقصد فأدخل هنا الإرادة لأن القصد الإرادة، نحذف الهمزة واكتفى بالهاء من اللهم لقربها في المخرج والمجاورة وليدلك بذلك على عظيم الوصلة، فإن شرح اللهم أي يا الله أمنا بالخير أي اقصدنا، وقوله: إني آنية الشيء حقيقته كناية عن نفسه، وقوله: أستخيرك بعلمك يقول: أي يا الله أقصد حقيقتي بما اختاره علمك مما لي فيه خير فإنك تعلم ما يصلح لي من الخير، ولا أعلم هذا الذي توجهت في طلبه ونقدر على إيجاده ولا أقدر على ذلك، فإن كان لي في فعله وظهور عينه خير فقد علمته فأقدره لي أي افعله لي، وإن كان الخير لي في تركه وعدم ظهور عينه فاصرفه عني لكوني استحضرته في خاطري وتخيلته، فقد حصل ضرب من الوجود وهو تصوّره في خيالي فلا تجعله حاكماً عليّ بظهور عينه، فهذا معنى قوله: فاصرفه عني. ثم قال: واصرفني عنه أي حل بيني وبينه واجعل بيني وبينه الحجاب الذي بين الوجود والعدم حتى لا أستحضره ولا يحضرني عيناً وتخيّلاً. وقوله: وأستقدرك بقدرتك لأنّ القدرة صفة الإيجاد وهي أخصّ تعلقاً من العلم فيصرف بالعلم ويوجد بالقدرة ولا يصرف بها، فقدّم العلم على القدرة لأنه قد يكون له الخيرة في ترك ما طلب فعله ووجوده فكأنه يقول: وإن كان في تحصيل ما طلبت تحصيله خير لي فإني أستقدرك بقدرتك أي أقدرني على تحصيله، وإن كان ممّن يقول بنسبة الفعل للعبد كالمعتزلة وتكون الإضافة في قوله بقدرتك أي بالقدرة التي تخلقها في عبادك، وإن كان ممّن لا يقول بنسبة الفعل إلى العبد فقوله بقدرتك يعني قدرة الحق التي هيّ صفته المنسوبة إليه بحكم الصفة لا بحكم الخلق. وقوله: فإنك تقدر ولا أقدر يتّجه هذا قول من الطائفتين أي فإنك تقدر أن تخلق لي القدرة على فعله إن كان قد علمت أن لي فيه خيراً، وقد يريد الإخبار عن حقيقة نفي القدرة عن العبد فيقول: فإنك تقدر على إيجاده وتحصيل ما طلبته ولا أقدر أي مالي قدرة أحصله بها لعلمه أن القدرة الحادثة ما لها التكوين ولا تتعدّى محلها، وقوله: وأرضني به أي اجعل الفرح والسرور عندي بحصوله أو بعدم حصوله من أجل ما اخترته لي في سابق علمك، وأقدر لي الخير حيث كان وأنت أعلم بالأماكن والزمان والأحوال التي لي الخير فيها من غيرها، فإنك أنت علام الغيوب أي ما غاب عنّا من ذلك تعلمه أنت ولا أعلمه أنا . ثم لتعلم أن العلم بالأمر لا يتضمن شهوده فدل أن نسبة رؤيتك الأشياء غير نسبة علمك بها، فالنسبة العلمية تتعلق بالشهادة والغيب، فكل مشهود معلوم ما شهد منه وما كل معلوم مشهود، وما ورد في الشرع قط أن الله يشهد الغيوب وإنما ورد يعلم الغيوب ولهذا وصف نفسه بالرؤية فقال: ﴿أَلَّ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [سورة العلق: الآية ١٤] ووصف نفسه بالبصر وبالعلم، ففرّق بين النسب وميّز بعضها عن بعض ليعلم ما بينها. ولما لم يتصوّر أن يكون في حق الله ٢٣٧ في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها غيب علمنا أن الغيب أمر إضافيّ لما غاب عنّا فكأنه يقول من يقول وأنت علام الغيوب أي ما غاب عنّا، وكذلك عالم الغيب والشهادة أي ما غاب عنّا وما نشهده ويشهده وما يلزم من شهود الشيء العلم بحدّه وحقيقته، ويلزم من العلم بالشيء العلم بحدّه وحقيقته عدماً كان أو وجوداً وإلاَّ فما علمته، والأشياء كلها مشهودة للحق في حال عدمها، ولو لم تكن كذلك لما خصّص بعضها بالإيجاد عن بعض، إذ العدم المحض الذي ليس فيه أعيان ثابتة لا يقع فيه تمييز شهود بخلاف عدم الممكنات، فكون العلم ميّز الأشياء بعضها عن بعض وفصّل بعضها عن بعض هو المعبر عنه بشهوده إياها وتعيينه لها أي هي بعينه يراها، وإن كانت موصوفة بالعدم فما هي معدومة لله الحق من حيث علمه بها، كما أن تصوّر الإنسان المخترع للأشياء صورة ما يريد اختراعها في نفسه ثم يبرزها فيظهر عينها لها فاتصفت بالوجود العينيّ وكانت في حال عدمها موصوفة بالوجود في الوجود الذهنيّ في حقّنا والوجود العلميّ في حق الله، فظهور الأشياء من وجود إلى وجود، من وجود علم إلى وجود عين، والمحال الذي هو العدم المحض ما فيه أعيان تمييز، فهذا معنى بعض ما يتضمنه دعاء الاستخارة. وأمّا قوله : ويسّره لي يريد الأسباب التي هي علامات ودلائل على تحصيل المطلوب. فصول جوامع فيما يتعلق بالصلاة - وبها خاتمة الباب وصل في إقامة الصلاة: إقامة الصلاة ظهور نشأتها على أتم خلقها وخلقها يختلف باختلاف من تنسب إليه، فإذا نسبت الصلاة إلى الله فلها نشأة تخالف نشأة نسبتها إلى غير الله من ملك وبشر وغيرهما من المخلوقين، فالحق ينشئها نشأة تامّة ولهذا قال: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٥٦] لتمام خلقها، إذ كانت الصلاة المنسوبة إليه في قوله: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٤٣] رحمته بعباده، وسيأتي ذكر ذلك، ونسبة الصلاة إلى الملك أيضاً يخرجها ويقيمها تامّة النشأة أي صلاة أظهرها فما يظهرها إلا تامة فلا تكون صلاة الملك إلاَّ تامّة النشأة والخلق، وكذلك كل صلاة منسوبة إلى جماد ونبات وحيوان ما عدا الإنس والجن فإن صلاتهما إذا أنشآها قد تكون مخلقة أي تامّة الخلقة وغير مخلقة أي غير تامّة الخلق، فلنذكر أوّلاً صلاة الحق فنقول: وصل: قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ وَمَتَبِكَتُهُ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٤٣] عموماً. وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَبِّكَتَّهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٥٦] خصوصاً بخصوص صلاة، فإن الضمير في قوله: ﴿يصلّون﴾ يجمع الحق والملائكة ولا يتمكن للملائكة أن تلحق صلاة الله على عبده فإنها لا تتعدى مرتبتها فيكون الحق ينزل في هذه الصلاة إلى صلاة الملائكة لأجل الضمير الجامع، فتكون صلاة الله على النبيّ من مقام صلاة الملائكة على النبيّ، بخلاف قوله: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ﴾، فإنه هنا ما جاء بالملائكة إلاّ بعدما ذكرنا، وفصل بنا بين صلاته وبين الملائكة بقوله ﴿عَلَيْكُمْ﴾. ثم قال: ﴿لِيُخْرِحَكُمْ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٤٣] فأفرد الخروج إليه، وما جاء بضمير جامع يجمع بين الله وبين الملائكة في الصلاة على المؤمنين كما فعل في قوله : ٢٣٨ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها ﴿يُصَلُونَ عَلَى النَّبِيَّ﴾ فتميز النبيّ ◌ََّ على سائر البشر بمرتبة لم يعطها أحد سواه أي ما ذكر لنا ذلك فعمنا كلنا والنبيّ وَّ من جملتنا بقوله: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلِّى عَلَيْكُمْ﴾ وأفرد نفسه في ذلك، ثم قال: ﴿وَمَلَئِكَتُهُ﴾ فأفرد الملائكة بالصلاة على العباد وفيهم النبيّ، فلجميع الخلق توحيد الصلاة من الله وتوحيد الصلاة من الملائكة . وخصّ النبيّ وَّ﴾ وحده فيما أخبرنا به بأن جمع له بصلاة جامعة اشترك فيها الله وملائكته فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَبِكَتَّهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ ومعلوم أن الصلاة في الجمعية ما هي الصلاة التي في حال الإفراد فإن الحالتين متميزتان، ففاز النبيّ وَال بهذه الصلاة ثم أمرنا أن نصلي عليه ◌َّ بمثل هذه الصلاة الجامعة، وهو أن نصلّي عليه إذا كان الحق لساننا كما ورد في الخبر، فحينئذ تصحّ الصلاة التي أمرنا بها، وبهذه المثابة كانت صلاة الملائكة في هذا المقام الذي جمع بينهم وبين الله في الصلاة على النبيّ بََّ، فإن في تلك الصلاة كان نطقهم، فثبت شرفه ◌َّة على سائر البشر في هذه المرتبة فإنه شرف محقق الوجود بالتعريف، وإن ساواه أحد ممّن لم نعرف به فذلك شرف إمكانيّ فتعين فضله بالتعيين على من لم يتعين، وإن كان قد صلّى عليه مثل هذا في نفس الأمر ولم نخبر فثبت له الفضل بكل حال، فلما قال تعالى بعد قوله: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ﴾ بعد قوله: ﴿يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ ولم يقل بماذا هل بالوجود وبالتوحيد؟ فحمله على الوجود الذي هو أعمّ أولى لأنه أعمّ في الرحمة فقال لهم: ﴿أَذَّكُرُواْ اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٤١] أي في كل حال ﴿وَسَبِّحُوهُ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٤٢] أي صلّوا له، فسأل ابن عمر لو كنت مسبّحاً أتممت يريد مصلياً تماماً غير قصر ولهذا قال: ﴿بُّكَةُ وَأَصِيلًا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٤٢] يعني صلاة الغداة والعشيّ. وكذلك قال: ﴿فَسُبْحَنَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [سورة الروم: الآية ١٧] و﴿وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [سورة الروم: الآية ١٨] فجمع الصلوات الخمس في هذه الآية ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ أي الثناء المطلق ﴿ فِى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة الروم: الآية ١٨]. فأما تقدير الكلام فلما قال هذا وأمرنا بالذكر والصلاة قال: ﴿هُوَ اُلَّذِى يُصَلّى عَلَكُمْ﴾ فأخبر أنه يصلّي علينا، فالمفهوم من هذا أمران: الأمر الواحد أنه يصلّي علينا فينبغي لنا أن نذكره بالمدح والثناء ونصلي له بكرة وأصيلاً فإن في ذلك غذاء العقول والأرواح، كما أن غذاء الجسم في هذه الأوقات في قوله: ﴿وَّمْ رِزْقُهُمْ فَِهَا بُكْرَةُ وَعَشِيًّا﴾ [سورة مريم: الآية ٦٢] ورزق كل مخلوق بحسب ما تطلبه حقيقته فالأرواح غذاؤها في التسبيح فقيل لها سبّحه أي صلّ له في هذه الأوقات واذكره على كل حال فقيد التسبيح وما قيد الذكر بوقت، فعلمنا أن التسبيح ذكر خاص مربوط بهذه الأوقات. والأمر الآخر: أنكم إذا صليتم وذكرتم الله فإنه يصلي عليكم فصلاتنا وذكرنا له سبحانه بين صلاتين من الله تعالى: صلَّى علينا فصلينا له فصلّى علينا، فمن صلاته الأولى علينا صلينا له، ومن صلاته الثانية علينا كانت السعادة لنا بأن جنینا ثمرة صلاتنا له وذکرنا. ثم قال: ﴿وَمَلَتِكَتُهُ﴾ أيضاً تصلّي عليكم بما قد شرع لها من ذلك وهو قوله: ﴿رَبَّنَا ٢٣٩ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ زَّحْمَةُ وَعِلْمًا فَأَغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَأَنَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَفِهِمْ عَذَابَ الْحَيِ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّتِ عَدْنٍ الَّتِى وَعَدَتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآبِهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَقِهِمُ السَّيْئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَيِذٍ﴾ [سورة غافر: الآيات ٧، ٨، ٩] يعني القيامة والمعصومين من وقوع السيئات منهم ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ﴾ [سورة غافر: الآية ٩] فهذا كله قول الملائكة، فصلاة الملائكة علينا كصلاتنا على الجنازة سواء لمن عقل ثم قال : ﴿لِيُخْرِحَكُ﴾ بلام السبب ﴿مِّنَ الظُلُمَتِ إِلَى النُّورِّ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٤٣] ابتداء منه ومنة وبدعاء الملائكة وهو هذا الذي ذكرناه ولهذا قال: ﴿وَمَتِكَتُهُ﴾ وهو قولهم: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ فإن السيئات ظلمات، فمنهم من يخرجهم من ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومن ظلمات المخالفة إلى نور الموافقة، ومن ظلمات الضلال إلى نور الهدى، ومن ظلمات الشرك إلى نور التوحيد، ومن ظلمات الحجاب إلى نور التجلي، ومن ظلمات الشقاء والتعب إلى نور السعادة والراحة. ثم قال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ أي بالمصدّقين ﴿رَّحِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٤٣] أي رحمهم لما صدقوا به من وجوده الذي هو أعم من التصديق بالتوحيد. ثم يندرج بعد الإِيمان بالوجود الإلهيّ كل ما يجب به الإيمان على طبقاته، ثم قال: ﴿يَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَمٌ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٤٤] أي إذا وقع اللقاء بشر بالسلامة أنه لا يشقى بعد اللقاء أبداً، فللَّه رجال يلقونه في الحياة الدنيا ويبشرون بالسلام، وثم من يلقاه إذا مات، وثم من يلقاه عند البعث، وثم من يلقاه في تفاصيل مواقف القيامة على كثرتها، ومنهم من يلقاه بعد دخول النار وبعد عذابه فيها، ومتى وقع اللقاء حيّاه الله بالسلام فلا يشقى بعد ذلك اللقاء، فلذا جعل السلام عند اللقاء ولم يعين وقتاً مخصوصاً لتفاوت الطبقات في لقائه، فآخر لاق يلقاه المؤمن بوجوده خاصة فإنه قال: ﴿يِالْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يقيد فلا نقيد. وقوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٤٤] كل أجر على قدر ما عنده من الإيمان، وأقلّهم أجراً المؤمن بوجود الله إلهاً إلى ما هو أعظم في الإيمان، فصلاة الله رحمته بخلقه ولذا قال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه: الآية ٥] والعرش ما حوى ملكه كله ممّا وجد، ورحمتي وسعت كل شيء وعرشه وسع كل شيء، والنار ومن فيها من الأشياء، والرحمة سارية في كل موجود، فصلاة الحق كائنة على كل موجود والخلق صور خيالية محرّكهم الحق والناطق عنهم الحق فهم مصرّفون تجري عليهم أحكام القدرة، وهم محوفي عين ثبوتهم، وعدم في حال وجودهم، أولئك هم الصامتون الناطقون والميتون الأحياء كحياة الشهداء، فالعقل يشهد ما لا يشهد البصر، فإقامة الصلاة الإلهية عموم رحمته بمخلوقاته فهي مخلوقة قال تعالى: ﴿أَعْطَى كُلّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾ [سورة طه: الآية ٥٠] والرحمة شيء وخلقها تعميمها، وكذلك صلاة الملائكة تامة الخلقة فإنها دعت للذين تابوا كما ذكر، وقالت أيضاً: وقهم السيئات فعمّت فما بقي أمر إلا دخل في صلاة الملائكة من طائع وعاص على أنواع الطاعات والمعاصي. وصل: وأما صلاة الإنسان والجنّ وهو قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ﴾ [سورة المائدة: الآية ٢٤٠ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها ٥٥] فإقامة البشر لها أن تنسب إليهم بمعنى الرحمة كما نسبت إلى الحق، وبمعنى الدعاء والرحمة كما نسبت إلى الملائكة، وبمعنى الدعاء والرحمة وإتمام التكبير والقيام والركوع والسجود والجلوس كما ورد في الخبر، فمن أتمّ ركوعها وسجودها وما شرع فيها وإن كان في جماعة ممّا تستحقه صلاة الجماعة والائتمام فقد أكمل خلقها، وإن كان انتقص منها شيء كانت له بحسب ما انتقص منها والله لا يقبلها ناقصة فيضم بعض الصلوات إلى بعض، فإن كانت له مائة صلاة وفيها نقص كملت بعضها من بعض وأدخلت على الحق كاملة فتصير المائة صلاة مثلاً ثمانين صلاة أو خمسين أو عشرة أو زائداً على ذلك أو ناقصاً عنه هكذا هي صلاة الثقلين . وصل: قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَنْ فِ اَلْأَرْضِ﴾ [سورة الحج: الآية ١٨] ﴿ وَالطَّيْرُ صَنَّفَّتٍ كُلْ﴾ [سورة النور: الآية ٤١] أي كل هؤلاء ﴿قَدْ عَلِمَ صَلَائَهُ﴾ [سورة النور: الآية ٤١] الضمير يعود على الله من قوله صلاته أي صلاة الله عليه بنفس وجوده ورحمته به في ذلك، وقوله ﴿ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [سورة النور: الآية ٤١] الضمير يعود في تسبيحه على كل أي ما يسبح ربه به وهو صلاته له فوصف الحق نفسه بالصلاة وما وصف نفسه بالتسبيح فعمّ بهذه الآية العالم الأعلى والأسفل وما بينهما . وصل: من غيرة الله أن تكون لمخلوق على مخلوق منة لتكون المنة لله ما خلق مخلوقاً إلاَّ وجعل لمخلوق عليه يداً بوجه ما، فإن أراد الفخر مخلوق على مخلوق بما كان منه إليه نكس رأسه ما كان من مخلوق آخر إليه، فالعارفون مثل الأنبياء والرسل والكمل من العلماء بالله لا يخطر لهم ذلك لمعرفتهم بحقائق الأمور، وما ربط الله به العالم وما يستحقه جلاله ممّا ينبغي أن يفرد به ولا يشارك فيه، فنصب الأسباب وأوقف الأمور بعضها على بعض، وقد قال النبيّ وَّهِ للأنصار عند ما ذكر أن الله قد هداهم به قال: ((لَوْ شِئْتُمْ أَنْ تَقُولُوا لَقُلْتُمْ: وَجَدْنَاكَ طَرِيداً فَآَوَيْنَاكَ وَضَعِيفاً فَنَصْنَاكَ)) الحديث، فذكر ما كان منهم في حقّه وكان الله قادراً على نصره من غير سبب، ولكن فعل ما تقتضيه الحكمة لما جبل عليه من خلقه الله على صورته فقال لرسوله وَله: ﴿وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [سورة التوبة: الآية ١٠٣] فهذا فخر ويد ومنّة يتعرض فيها علة ومرض، لكن عصم الله نبيه من ذلك فجعل سبحانه في مقابلة هذه العلة دواء كما هي أيضاً دواء لما هو لها دواء فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٥٦] فإن افتخرنا بالصلاة عليه على طريق المنّة وجدناه قد صلَّى علينا حين أمر بذلك، وإن تصوّر في الجواز العقلي أن يمتن بصلاته علينا منعته من ذلك صلاتنا عليه أن يذكر هذا مع كونه السيد الأعظم، ولكن لم يترك له سبحانه المنّة على خلقه ليكون هو سبحانه المنعم الممتنّ على عباده بجميع ما هم فيه وما يكون منهم في حق الله من الوفاء بعهوده، فاجعل بالك لما نبهتك عليه فإنه من أسرار المعرفة بالله وبمراتب ما سوى الله إن كنت فطناً . وصل: اعلم أن الله قد ربط إقامة الصلاة بأزمان وهي الأوقات المفروض فيها إقامة الصلوات المفروضات فقال تعالى: ﴿فَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِشَبًا مَّوْقُوتًا﴾ [سورة النساء: الآية ١٠٣] وربطها بأماكن وهي المساجد قال تعالى: ﴿فِى بُوتٍ أَذِنَ اَللَّهُ أَنْ