النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
ويكون الليل بغروبها نسبوا وجود الليل والنهار إليها فعبدوها وهم الشمسية رأينا منهم خلقاً
كثيراً ببلاد يونان ونزلت عند واحد من علمائهم فسألته: لِمَ أشركتم مع الله في عبادته عبادة
الشمس؟ فقال لي: ما عبدنا الشمس لكونها أنها حاشى الله بل الله إله واحد وإنما نظر علماؤنا
فيما لهذا النير الأعظم من المنافع في العالم ثم عدد ما ربط الله به من المنافع فعرفنا أنه لو لم
يكن له عناية من الله به ما ولاّه على هذه الأمور فطلبنا القربة إليه بالتعظيم ليكون لنا أحسن
وساطة عند الله في تخليصنا، والشمس عندنا عبد فقير إلى الله تعالى إلاَّ أن لله به عناية. هذا
قوله لي ونحن على مائدته نأكل ضيافته، يقول الله تعالى في هذه السجدة: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ﴾
الضمير يعود على الله ﴿الَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ وإن حدث عن الشمس فما هو من آياتها بل هو من
آياتي، ثم قال: ﴿ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [سورة فصلت: الآية ٣٧] وأخبرهم أن الله ممحي آية الليل
وهو القمر فلا يظهر لنوره حكم في البصر إلاَّ بالليل ونوره معار فإنه انعكاس نور الشمس فإنه
لها كالمرآة، فالنور الذي يعطيك القمر إنما هو للشمس وهو موصل لا غير لأنه محو، وجعل
﴿ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [سورة الإسراء: الآية ١٢] يعني نورها ظاهراً للبصر، وجعلنا ذلك الطلوع
والغروب لمن يكون حسابه بالشمس ليعلم فصول سنته ومن يكون حسابه بالقمر عدد السنين
والحساب.
يقول الله في الأهلة: ﴿قُلْ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجْ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٩] فقال لهم:
إذا كانت عبادتكم للشمس والقمر لهذه العلة فأنا خالق هذه الآيات دلالات عليّ فاسجدوا لله
الذي خلقهم فجميع الليل والنهار والشمس والقمر في الضمير، وغلب هنا التأنيث على
التذكير لأن الليل والنهار والشمس والقمر منفعلون لا فاعلون فهو تشبيه واضح لمن عقل،
وجمعهن جمع من يعقل من المؤنث، ينبّه بذلك أيضاً على نقص الدرجة التي تنبغي للذكورية
ولم يقل خلقهم حتى لا يعظم قدرهم بتغليب التذكير عليهم، فإن العرب تغلب المذكر على
المؤنث في كلامها تقول: زيد والفواطم خرجوا ولا تقول خرجن، فالله الذي خلقهن أولى
بأن تعبدوه منهن لأن مرتبة الفاعل فوق مرتبة المنفعل فالحق أولى وأحق أن يعبد ممّن له
النقص من طريقين: من كونه مخلوقاً ومن كونه مؤنثاً. وقال: إن الذين عند ربك يعني العلماء
بالله من الملائكة الذين هم دون مقعر فلك القمر يسبحون له بالليل والنهار وهم أعلم بالله
منكم، فلو كان ما اتخذتموه من هؤلاء آلهة لكانت الملائكة أولى بالسجود لهن منكم لعلمكم
أنهم أعلم فهم يسجدون لله من غير سامة ولا فتور.
وصل - السجدة الثالثة عشرة: وهي سجدة الطرب واللهو تنبيه الغافلين عن الله، وهي
سجدة خاتمة سورة النجم، وفي السجود فيها خلاف، واقترن بسجودها الأمر الإلهيّ والذلّة
والمسكنة، لأن السامدين اللاهون فيقول لهم: وإن كنتم أهل غناء فتغنوا بالقرآن فهو أولى
بكم فاسجدوا لله واعبدوا. وقد ورد في الخبر: ما أذن الله لنبي كإذنه لنبي يتغنّى بالقرآن
يقول: ما استمع كاستماعه، وقال رسول الله وَّ: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ)) فجعل
التغني به من السنّة وهي لغة حميرية يقولون: اسمد لنا أي غنّ لنا في وقت حصادهم لينشطوا

٢٠٢
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومهـ
للعمل، وكانت العرب إذا سمعت القرآن عنت حتى لا تسمع القرآن، وكانوا يقولون ما أخبر
الله عنهم ﴿لَا تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [سورة فصلت: الآية ٢٦] كما يفعله اليوم
من لم يوفقه الله من العلماء إذا سمعوا كلام أهل الله بما يمنحهم الله من الأسرار يقولون: هـ
هذيان وفشار. وأما المتغالون فيقولون: هذا كفر. ولو سئلوا عن معنى ما سمعوا ما عرفٍ
فقال الله : ﴿أَفِنْ هَذَا اُلْحَدِيثِ﴾ يعني من القرآن فيما وعظهم به منهم وتوعدهم ووعدهم
﴿تَعْجَبُونَ﴾ [سورة النجم: الآية ٥٩] تكثرون العجب كيف جاء به مثل هذا وما أنزل على عظمائكم
كما قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْفَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [سورة الزخرف: الآية ٣١] ﴿ وَتَضْحَكُونَ﴾
[سورة النجم: الآية ٦٠] أي تهزؤون منه إذا أتى به، وهؤلاء هم الذين ذكرنا من جهلهم أنهم لا
يعرفون الحق إلاَّ بالرجال ﴿وَأَنْتُمْ سَمِدُونَ﴾ [سورة النجم: الآية ٦١] يقول: لاهون فلا تفعلوا ولا
تتكبروا واخضعوا لله الذي هذا كلامه بلغتكم وتذلّلوا لمنزله فإن في القرآن ما يبكي من
الوعيد، وما يضحك ويتعجب فيه من الفرح باتساع رحمة الله ولطفه بعباده ﴿وَلَا نَبَّكُونَ﴾ [سورة
النجم: الآية ٦٠] وفي القرآن من الوعيد والمخاوف ما يبكي بدل الدموع دماً لمن دبّر آياته ﴿وَأَنّ
سَئِدُونَ﴾ وفي القرآن هذا كله فما لكم عنه معرضون وموطن الدنيا موطن حذر ولا سيما
والموت فيكم رائح وغاد مع الأنفاس، ولا تتفكروا إلى أين تصيرون وإلى أين تسافرون وأين
تحطون؟ ما هي الدنيا موطن أمان، والعالم الحكيم هو الذي يعامل كل موطن بما يستحقه .
وصل - السجدة الرابعة عشرة: وهي سجدة الجمع والوجود، فمن سجد سجدة النجم
ولم ينتج له في علم النغمات والألحان المطربة الفلكية ورأى أن أصوات كل مصوت مزامير
من مزامير الحق في العالم ويشهد داود عليه السلام في هذا الكشف ويرى الأصوات
والحروف ناطقة بكل مغنى عجيب يهزّ الجبال الراسيات طرباً ويضحك الثكلى سروراً وفرحاً
فما سجدها، وهذه السجدة الأخرى في سورة ﴿ إِذَا السَّمَاءُ أُنشَقَّتْ﴾ [سورة الانشقاق: الآية ١] وفيها
خلاف وسجدها أبو هريرة خلف رسول الله وَّ﴾ ويسجد فيها عند قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيِهِمُ
اُلْقُرْءَانُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [سورة الانشقاق: الآية ٢١] فهذا سجود الجمع لأنه سجود عند القرآن، والجمع
يؤذن بالكثرة، وقد تكون الكثرة بالأمثال وغيرها، والأحدية وإن كانت لله تعالى فالمقطوع به
أحدية الألوهية أي لا إله إلاَّ الله، وأحدية الكثرة من حيث أسمائه الحسنى. وأما الحق فلا
يقال فيه من حيث ما هو عليه في نفسه كل ولا بعض، ويقال في الواحد منّا: رأيت زيداً نفسه
عينه كله لاحتمال أنك قد ترى وجهه دون سائر جسده، فأعطى التأكيد بالكل رؤية جميعه،
فلولا وجود الكثرة فيه ما قلت كله، يقول: فإذا سمع القرآن الذي هو جامع صفات الله من
التنزيه والتقديس كيف لا يتذكر السامع جمعيته فيسجد لمن له جميع صفات التنزيه، فمن
سجد في هذه السورة ولم يقف على علم الموالد وما تجنه الحاملات في بطونها من أنواع
الحوامل من العالم كالأرض والسحاب والنساء وجميع الأناثي وما تحمله الكتب في حروفها
من المعاني فإنها من جملة الحاملات، ولم يقف فيها على رجوعه من أين جاء ويرى صورة
حاله عياناً حالاً وعاقبة بحيث أن يحلف على ما رآه لقطعه به فما سجد .

٢٠٣
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
وصل - السجدة الخامسة عشرة: وهي سجدة العقل الأوّل سجود تعليم عن شهود
ورجوع إلى الله، وهذه سجدة سورة العلق عند قوله: ﴿وَأُسْجُدْ وَأَقْتَبِ﴾ [سورة العلق: الآية ١٩]
فهي سجدة طلب القرب من الله تعالى، وجاءت بعد كلمة ردع وزجر وهو قوله كلا لما جاء
به من: ﴿وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٦٤] يقول له ربه: ﴿وَأُسْجُدْ وَأَقْتِبِ﴾
[سورة العلق: الآية ١٩] لما تعتصم ممّا دعاك إليه فتأمن من غائلة ذلك. انتهى الجزء السابع
والأربعون .
(الجزء الثامن والأربعون)
بِسْمِ الَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمَةِ
وصل في فصل - وقت سجود التلاوة: منع قوم السجود في الأوقات المنهي عن الصلاة
فيها، وأجاز قوم السجود بعد صلاة العصر وبعد صلاة الصبح ما لم تدن الشمس إلى الغروب
أو الطلوع، والذي أقول به بالسجود في كل وقت لأن متعلق النهي الصلاة، وليس السجود
من الصلاة شرعاً إلاَّ في الصلاة، كما أن له أن يقرأ الفاتحة في كل وقت وإن كانت قراءتها في
الصلاة من الصلاة. اعتبار هذا الفصل السجود قربة تعريف وتنزيه بما يستحقه الإله من العلو
والرفعة عن صفات المحدثات، ومثل هذا لا يتقيد بوقت دون وقت بل نسبة تعظيمه وإجلاله
إلى الأوقات على السواء، كما أن للعبد أن يناجي ربه بتلاوته كتابه العزيز في كل وقت وهو
محمود في ذلك مأجور عند الله عزّ وجلّ.
وصل في فصل - من يتوجّه عليه حكم السجود: أجمعوا على أنه يتوجه على القارىء
في صلاة كان أو غير صلاة السجود، واختلفوا في السامع، فمن قائل: عليه السجود. ومن
قائل: عليه السجود بشرطين: أحدهما أن يسجد القارىء، والآخر أن يكون قعد ليسمع
القرآن، وأن يكون القارىء ممّن يصلح أن يكون إماماً للسامع. وقيل عن بعضهم: يسجد
السامع لسجود القارىء وإن كان القارىء لا يصلح للإمامة إذا جلس إليه ليسمع، والذي
أذهب إليه أنه لا سجود عليهما وإن كرهنا لهما ذلك.
الاعتبار: يجب السجود على القلب، وإذا سجد لا يرفع أبداً بخلاف سجود الوجه،
اتفق لسهل بن عبد الله في أوّل دخوله إلى هذا الطريق أنه رأى قلبه قد سجد وانتظر أن يرفع
فلم يرفع فبقي حائراً، فما زال يسأل شيوخ الطريق عن واقعته فما وجد أحداً يعرف واقعته،
فإنهم أهل صدق لا ينطقون إلاَّ عن ذوق محقق، فقيل له: إن في عبادان شيخاً معتبراً لو
رحلت إليه ربما وجدت عنده علم ما تسأل عنه، فرحل إلى عبادان من أجل واقعته فلما دخل
عليه سلم وقال: أيها الشيخ أيسجد القلب؟ فقال له الشيخ: إلى الأبد، فوجد شفاه فلزم
خدمته .
ومدار هذه الطريقة على هذه السجدة القلبية إذا حصلت للإنسان حالة مشاهدة عين
فقل: كمل وكملت معرفته وعصمته فلم يكن للشيطان عليه من سبيل، وتسمى هذه العصمة

٢٠٤
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
في حق الولي حفظاً، كما تسمى في حق النبي والرسول عصمة ليقع الفرق بين الوليّ والنبي
أدباً منهم مع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ليختصّوا باسم العصمة، ومع هذا فإني
أبين الفرق بينهما وذلك أن الأنبياء لهم العصمة من الشيطان ظاهراً وباطناً وهم محفوظون من
الله في جميع حركاتهم، وذلك لأنهم قد نصبهم الله للناس ولهم المناجاة الإلهية، فالأنبياء
المرسلون معصومون من المباح أن يفعلوه من أجل نفوسهم لأنهم يشرعون بأفعالهم
وأقوالهم، فإذا فعلوا مباحاً يأتونه للتشريع ليقتدى بهم ويعرفون الأتباع عين الحكم الإلهي
فيه، فهو واجب عليهم ليبيّنوا للناس ما أنزل إليهم، يقول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَا أُنزِلُ
إِلَيَلْكَ مِن رَّبِّكِّ وَإِن لَّ تَفْعَلْ فَا بَلَّغْتَ رِسَالَتْهُ، وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [سورة المائدة: الآية ٦٧].
وللورثة من هذا التبليغ حظ وافر، والوليّ محفوظ من الأمر الذي يقصد الشيطان عند
إنقائه في قلب الوليّ ما شاء الله أن يلقي إليه، فيقلب عينه بصرفه إلى الوجه الذي يرضي الله
فيحصل بذلك على منزلة عظيمة عند الله، ولولا حرص إبليس على المعصية ما عاد إلى هذا
الوليّ مرة أخرى، فإنه يرى ما جاءه به ليبعده بذلك من الله يزيده قرباً وسعادة، والأنبياء
معصومون أن يلقي الشيطان إليهم، فهذا الفرق بين العصمة والحفظ، وإنما جعلوا الحفظ
للوليّ أيضاً أدباً مع النبي، فإن الشيطان ما له سبيل على قلوب بعض الأولياء من أجل العلم
الذي أعطاه التجلّي الإلهي لقلوبهم يقول تعالى: ﴿وَحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ﴾ [سورة الصافات:
الآية ٧] وهو أعظم الشياطين فإنه لا يلقي إلى أحد إلاَّ ما يليق بمقامه، فيأتي إلى الوليّ فما يلقي
إليه إلاَّ فعل الطاعات وينوعه فيها ويخرجه من طاعة إلى طاعة أعلى، فلا يرى الوليّ فيها أثراً
لهذي نفسي فيبادر إلى فعلها ويقنع الشيطان المارد منه بهذا الأخذ عنه على جهالة، فلو كان
على بينة من ربه في ذلك لكان أولى، فالشيطان لا يقدر أن يقدح في علم التجّي الإلهي بوجه
من الوجوه، ولذلك قال رسول الله وَّه في حق شيطانه أعني قرينه الموكل: ((إِنَّ اللَّهَ أَعَانَهُ
عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ)) أي انقاد إليه فلا يأمره إلاَّ بخير، بخلاف من كان عنده العلم بالله عن نظر فكري
واستدلال فإن الشيطان يلقي إليه الشبهة في أدلته ليحيره ويرده إلى محل النظر ليموت على
جهل بربه أو شك أو حيرة أو وقفة .
والوليّ الحاصل عنده العلم عن التجلّي هو على بصيرة محفوظ من كل شبهة، فإن
الشيطان أعني شيطان الإنس والجن ليس له على قلب صاحب علم التجلّي الإلهي سبيل في
ربه، وهذا لا يكون لأحد من الأولياء إلا لمن سجد قلبه، فإن الشيطان لا يعتزل عن الإنسان
إلاَّ في حال سجوده في الظاهر والباطن، فإن لم يسجد قلب الوليّ فليس بمحفوظ، وهذه
مسألة دقيقة عظيمة في طرق أهل الله ما تحصل إلاَّ لأفراد يعزّ وجودهم وهم الذين هم على
بينة من ربهم والبينة تجليه تعالى، ويتلو تلك البيئة شاهد من العبد معدل وهو سجود القلب،
فإذا اجتمعت البينة الربانية والشاهد التالي عصم القلب وحفظ ودعا صاحبه الخلق إلى الله على
بصيرة، وعلى هذا المقام من طرق القوم أسباب حار فيها القوم مثل قول أبي يزيد: دعوت
الخلق إلى الله كذا وكذا سنّة ثم رجعت إليه فوجدتهم قد سبقوني، وقيل له في هذا المقام :

٢٠٥
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
أيعصي العارف؟ فقال: وكان أمر الله قدراً مقدوراً، وهذا غاية في الأدب حيث لم يقل نعم
ولا لا، وهذا من كمال حاله وعلمه وأدبه رضي الله عنه وعن أمثاله .
وصل في فصل - صفة السجود: فمن قائل: يكبر إذا خفض وإذا رفع. ومن قائل: لا
يكبر إلاَّ إذا كانت السجدة في الصلاة حينئذ يكبر لها في الخفض والرفع، والذي أذهب إليه
التكبير وإن كان لم ينقل ولا خلافه.
وصل في اعتبار هذا الفصل: تكبير الحق عن السجود محمود على أيّ حال كان، فإنه
تنزيه، وينبغي للعبد أن يعطي اللسان حظّه من هذا السجود وليس إلاَّ التلفظ بالتكبير كما سجد
سائر أعضائه كل عضو بحقيقته.
وصل في فصل - الطهارة للسجود: فمن قائل: لا يسجد إلاَّ على طهارة ومن قائل :
يسجد وإن لم يكن طاهراً وبه أقول، وعلى طهارة أولى وأفضل، فإن النبي وَّ تِيمّم لردّ
السلام وقال: ((إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إِلاَّ عَلَى طُهْرِ أَوْ قَالَ: عَلَى طَهَارَةٍ» .
الاعتبار في هذا الفصل: طهارة القلب شرط في صحة السجود لله عزّ وجلّ من كونه
ساجداً، وطهارة الجوارح في وقت السجود معقولة من طريق المعنى، فإنها في وقت السجود
غير متصرفة في أمر آخر بخلاف القلب، ولهذا إذا سجد قلب العبد لم يرفع أبداً، والجوارح
في حال السجود في غير الصلاة متصرفة في عبادة لم يشترط في فعلها استعمال ماء ولا
تراب، وإن كان على طهارة فهو أولى وأفضل، وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنه يسجد
للتلاوة على غير طهارة.
وصل في فصل - السجود للقبلة: اختلف العلماء رضي الله عنهم في السجود للتلاوة
للقبلة، فمن قائل: يسجد في التلاوة لأي وجهة كان وجهه، والأولى استقبال القبلة، ومن
قائل: لا بدّ من استقبال القبلة، والذي أقول به بالسجود لأي وجه كان فإن الله يقول: ﴿فَأَيْنَمَا
تُوَلُواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١١٥] وإذا قدر على القبلة فهو أولى للجمع بين الظاهر
والباطن.
وصل في اعتبار ذلك: الله جلّ جلاله عن التقييد فهو قبلة القلوب ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَتَمَّ وَجْهُ
اللَّهِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١١٥] حقيقة منزّهة بلا خلاف بين أهل الله، فإذا سجد العبد لله فقد سجد
للقبلة المعتبرة فإن الله ﴿بِكُلِّ شَىْءٍ تُحِيطٌ﴾ [سورة فصلت: الآية ٥٤] لا تقيده الجهات ولا تحصره
الأينيات، وهو بالعين في كل أين ليس ذلك لسواه، ولا يوصف به موجود إلاَّ إياه، فإن جمع
الساجد بين القبلتين كما جمع في خلقه بين النشأتين باليدين فيقيد من يقبل التقييد ويطلق من
يقبل الإطلاق، فيعطي كل ذي حقّ حقه، كما أن الله أعطى كل شيء خلقه .
وصل في فصل - صلاة العيدين حكماً واعتباراً: [نظم: الوافر]
بما يبدو عليَّ من الوجودِ
صلاةُ العيد تكرارُ الشُّهودِ
لنا منّي به في كل عيدِ
إذا جلَّى لنا ما كان منهُ
يَمَنُّ به عليَّ بلا مزيدٍ
فعيدي من وجودي يومُ جُودٍ

٢٠٦
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
عن القرب المقيَّد بالوريدِ
أكبره بسبع ثم خمسٍ
لذاك اليوم من لِبْسٍ جديدٍ
لميَّزتُ المرادَ من المُرِيدِ
بحالٍ في هُبُوطٍ أو صُعودٍ
ويحجبني بلذَّاتِ المزيدِ
فتُغْنيني المطالعُ عن وجودِي
يجِدْ ماءً تيمَّم بالصَّعيدِ
إليَّ بلا شُهودٍ في شهودٍ
وأطلب منه ما تعطيه ذاتي
ولو أني أقولُ بعين كَوْني
ولكنْ عنه أعني حين أُكْنِي
أُنَاجيه به في كل حالٍ
وأرفع سِتْرَه عن عين ذاتي
بماء حياته طُهْري ومن لم
وعيْنُ تيمُمي ردي بذاتي
صلاة العيدين سنّة بلا أذان ولا إقامة، هما يوما سرور، عيد الفطر لفرحته بفطره فيعجل
بالصلاة للقاء ربه فإن المصلي يناجي ربّه، قال رسول الله وَّ: ((لِلصَّائِم فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ
فِطْرِهِ وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ)) فأراد أن يعجل بحصول الفرحتين، فشرعت صلاة عيد الفطر وحرم
عليه صوم ذلك اليوم ليكون في فطره مأجوراً أجر الفرائض في عبودية الاضطرار لتكون
المثوبة عظيمة القدر. وفي صلاة عيد الأضحى مثل ذلك لصيامه يوم عرفة في حق من صامه،
فإنه صوم مرغب فيه في غير عرفة، وحرم عليه صوم يوم الأضحى ليؤجر أجر الواجبات فإنها
من أعظم الأجور. ولما كان يوم زينة وشغل بأحوال النفوس من أكل وشرب وبعال شرع في
حق من ليس بحاج في ذلك اليوم أن يستفتح يومه بالصلاة بمناجاة ربه لتحفظه سائر يومه، فإن
الصلاة في ذلك اليوم في أوّل النهار كالنية في الصلاة، فكما أن النية تحفظ عليه هذه العبادة
وإن صحبته الغفلة في أثناء صلاته فالنية تجبر له ذلك فإنها تعلقت عند وجودها بكمال الصلاة
فحكمها سار في الصلاة وإن غفل المصلي كذلك الصلاة في يوم العيد تقوم مقام النية واليوم
يقوم مقام الصلاة، فما كان في ذلك اليوم من الإنسان من لهو ولعب وفعل مباح فهو في حفظ
صلاته إلى آخر يومه ولهذا سميت صلاة العيد، أي تعود إليه في كل فعل يفعله من المباحات
بالأجر الذي يكون للمصلي حال صلاته وإن غفل لصحة نيته، ولهذا حرم عليه الصوم فيه
تشبهاً بتكبيرة الإحرام، وليقابل به نية الصوم في حال وجوب الصوم فيكون في فطره صاحب
فريضة، كما كان في صومه في رمضان صاحب فريضة، فجميع ما يفعله من المباحات في
ذلك اليوم مثل سنن الصلاة في الصلاة، وجميع ما يفعله من الفرائض في ذلك اليوم
والواجبات من جميع العبادات بمنزلة الأركان في الصلاة، فلا يزال العبد في يوم العيدين حاله
في أفعاله كلها حال المصلي فلهذا قلنا: سميت صلاة العيد بخلاف ما يقول من ليس من
طريقنا ولا شرب شربنا من أنه سمّي بذلك لأنه يعود في كل سنة، فهذه الصلوات الخمس
تعود في كل يوم ولا تسمّى صلاة عيد وإن كان لا يلزم هذا ولكن هو قول في الجملة. يقال:
فإن قيل: لارتباطه يوم العيد بالزينة، قلنا: والزينة مشروعة في كل صلاة فإن الله يقول:
﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٣١] للمؤمنين من بني آدم، فلما عاد الفطر
عبادة مفروضة سمّي عيداً وعاد ما كان مباحاً واجباً .

٢٠٧
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
فصول ــ ما أجمع عليه أكثر العلماء: الغسل مستحسن في هذا اليوم للخروج إلى
الصلاة بلا خلاف أعني في استحسانه، والسنّة ترك الأذان والإقامة إلاَّ ما أحدثه معاوية على ما
ذكره أبو عمر بن عبد البر في أصحَ الأقاويل عنه في ذلك، والسنّة تقدّم الصلاة على الخطبة
في هذا اليوم إلاَّ ما فعله عثمان بن عفان رضي الله عنه وبه أخذ عبد الملك بن مروان رحمه
الله نظراً واجتهاداً ومبني على ما فهم من الشارع من المقصود بالخطبة ما هو، وأجمعوا أن لا
توقيت في القراءة في صلاة العيدين مع استحباب قراءة ﴿سَيِّحِ أَسْمَ رَيِّكَ الْأَعْلَى﴾ في الأولى،
وفي الثانية: الغاشية، وكذلك سورة ﴿قَ﴾ في الأولى، وسورة القمر في الثانية، اقتداء
برسول الله وَل .
الاعتبار في هذا الفصل: الغسل وهو الطهارة العامّة، والطهارة تنظيف فليلبس أحسن
لباسه ظاهراً وهو الريش وباطناً وهو لباس التقوى، والمراد بالتقوى هنا ما يقي به الإنسان
كشف عورته أو ألم الحر والبرد وهو خير لباس من الريش، ولما توفرت الدواعي على
الخروج في هذا اليوم إلى المصلى من الصغير والكبير وما شرع من الذكر المستصحب
للخارجين سقط حكم الأذان والإقامة لأنهما للإعلام لينبّه الغافلين والتهيؤ هنا حاصل،
فحضور القلب مع الله يغني عن إعلام الملك بلمته التي هي بمنزلة الأذان والإقامة للإسماع،
والذي أحدث معاوية مراعاة للنادر وهو تنبيه الغافل فإنه ليس ببعيد أن يغفل عن الصلاة بما
يراه من اللعب بالتفرّج فيه، وكانت النفوس في زمان رسول الله وَالر متوفرة على رؤيته وَلّل
وفرجتها في مشاهدته وهو الإمام، فلم يكن يشغلهم عن التطلّع إليه شاغل في ذلك اليوم فلم
يشرع أذاناً ولا إقامة .
وأمّا تقديم الصلاة على الخطبة فإن العبد في الصلاة مناج ربه، وفي الخطبة مبلغ للناس
ما أنزل إليه من التذكير في مناجاته، فكان الأولى تقديم الصلاة على الخطبة وهي السنة، فلما
رأى عثمان بن عفان أن الناس يفترقون إذا فرغوا من الصلاة ويتركون الجلوس إلى استماع
الخطبة قدم الخطبة مراعاة لهذه الحالة على الصلاة تشبّهاً بصلاة الجمعة، فإنه فهم من الشارع
في الخطبة إسماع الحاضرين، فإذا افترقوا لم تحصل الخطبة لما شرعت له، فقدّمها ليكون
لهم أجر الاستماع، ولو فهم عثمان رضي الله عنه من النبيّ ◌ُّ خلاف هذا ما فعله واجتهد،
ولم يصدر من النبيّ ◌َّ في ذلك ما يمنع منه، ولقرائن الأحوال أثر في الأحكام عند من ثبتت
عنده القرينة، وتختلف قرائن الأحوال باختلاف الناظر فيها ولا سيما وقد قال بح﴾: ((صَلُّوا
كَمَا رَأَنْتُمُونِي أُصَنِّي)) وقال في الحج: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ)) فلو راعى ◌ُّ صلاة العيد مع
الخطبة مراعاة الحج ومراعاة الصلاة لنطق فيها كما نطق في مثل هذا.
وكذلك ما أحدثه معاوية كاتب رسول الله صلّ وصهره خال المؤمنين فالظنّ بهم جميل
رضي الله عن جميعهم ولا سبيل إلى تجريحهم، وإن تكلم بعضهم في بعض فلهم ذلك وليس
لنا الخوض فيما شجر بينهم فإنهم أهل علم واجتهاد وحديثو عهد بنبوّة، وهم مأجورون في
كلّ ما صدر منهم عن اجتهاد سواء أخطؤوا أم أصابوا. وأما التوقيت في القراءة فما ورد عن

٢٠٨
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
النبيّ ◌َّ في ذلك كلام وإن كان قد قرأ بسورة معلومة في بعض أعياده ممّا نقل إلينا في أخبار
الآحاد، وقد ثبت في القرآن المتواتر أن لا توقيت في القراءة في الصلاة بقوله: ﴿فَاقْرَهُواْ مَا تَيَشَرَ
مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ [سورة المزمل: الآية ٢٠] و﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَآ ءَاتَنَهَا﴾ [سورة الطلاق: الآية ٧] وهو
ما يتذكره في وقت الصلاة والقرآن كله طيب وتاليه مناج ربه بكلامه، فإن قرأ بتلك السورة فقد
جمع بين ما تيسّر والعمل بفعله وَ لّ فهو مستحب والتأسي به مشروع لنا وليس بفرض ولا
سنّة .
وصل في فصل - التكبير في صلاة العيدين: فقال قوم: يكبر بعد تكبيرة الإحرام وقبل
القراءة في الركعة الأولى سبع تكبيرات، وقيل: بتكبيرة الإحرام، ويكبر في الثانية بعد تكبيرة
القيام إلى الركعة الثانية خمس تكبيرات. وقال آخرون: يكبر في الأولى قبل القراءة وبعد
تكبيرة الإحرام ثلاث تكبيرات، ويكبر في الركعة الثانية بعد القراءة ثلاث تكبيرات ثم يكبر
للركوع. وحكى أبو بكر بن إبراهيم بن المنذر في التكبير اثني عشر قولاً .
وصل في اعتبار هذا الفصل: زيادة التكبير في صلاة العيدين على التكبير المعلوم في
الصلوات تؤذن بأمر زائد يعطيه اسم العيد فإنه من العودة فيعاد التكبير لأنها صلاة عيد فيعاد
كبرياء الحق تعالى قبل القراءة لتكون المناجاة عن تعظيم مقرّر مؤكّد، لأن التكرار تأكيد
للتثبيت في نفس المؤكد من أجله مراعاة لاسم العيد، إذ كان للأسماء حكم ومرتبة عظمى فإنّ
بها شرف آدم على الملائكة، فاسم العيد أعطى إعادة التكبير لأن الحكم له في هذا الموطن،
وبعد القراءة في مذهب من يراه لأجل الركوع في صلاة العيد، وسبب ذلك أن العيد لما كان
يوم فرح وزينة وسرور واستولت فيه النفوس على طلب حظوظها من النعيم وأيّدها الشرع في
ذلك بتحريم الصوم فيه وشرع لهم اللعب في هذا اليوم والزينة، وفي هذا اليوم لعبت الأحابشة
في مسجد رسول الله وَّ وهو واقف ينظر إليهم وعائشة رضي الله عنها خلفه وَّ، وفي هذا
اليوم دخل بيت رسول الله وَّ مغنيتان فغنتا في بيت رسول الله وَّه ورسول الله مَل يسمع،
ولما أراد أبو بكر الصديق رضي الله عنه حيث دخل أن يغير عليهما قاله له رسول الله وعليه:
((دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّهُ يَوْمُ عيدٍ)) .
فلما كان هذا اليوم يوم حظوظ النفوس شرع الله تضاعف التكبير في الصلاة ليتمكن من
قلوب عباده ما ينبغي للحق من الكبرياء والعظمة لئلا تشغلهم حظوظ النفوس عن مراعاة حقّه
تعالى بما يكون عليهم من أداء الفرائض في أثناء النهار أعني صلاة الظهر والعصر وباقي
الصلوات، قال الله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرٌ﴾ [سورة العنكبوت: الآية ٤٥] يعني في الحكم،
فمن رآه ثلاث تكبيرات فلعوالمه الثلاثة لكل عالم تكبيرة في كل ركعة، ومن رآه سبعاً فاعتبر
صفاته فكبّر لكل صفة تكبيرة فإن العبد موصوف بالصفات السبعة التي وصف الحق بها نفسه
فكبّره أن تكون نسبة هذه الصفات إليه سبحانه كنسبتها إلى العبد فقال: الله أكبر، يعني من
ذلك في كل صفة والمكبر خمساً فيها فنظره في الذات والأربع الصفات التي يحتاج إليها
العالم من الله أن يكون موصوفاً بها، وبها ثبت كونه إلهاً فيكبره بالواحدة لذاته: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ،

٢٠٩
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] ويكبره بالأربع لهذه الصفات الأربع خاصة على حد ما كبره
في السبع من عدم الشبه في المناسبة فاعلم ذلك. وأمّا رفع الأيدي فيها فإشارة إلى أنه ما
بأيدينا شيء ممّا ينسب إلينا من ذلك، وأمّا من لم يرفع يديه فيها فاكتفى برفعها في تكبيرة
الإحرام ورأى أن الصلاة أقرّت بالسكينة فلم يرفع إذ كانت الحركة تشوّش غالباً ليتفرّغ بالذكر
بالتكبير خاصة ولا يعلق خاطره بيديه ليرفعهما فينقسم خاطره، فكل عارف راعى أمراً ما فعمل
بحسب ما أحضره الحق فيه .
وصل في فصل في التنفل قبل صلاة العيد وبعدها: فمن قائل: لا يتنفل قبلها ولا
بعدها. ومن قائل: بالعكس. ومن قائل: لا يتنفل قبلها ويتنفل بعدها، والذي أقول به أن
الموضع الذي يخرج إليه لصلاة العيد لا يخلو إمّا أن يكون مسجداً في الحكم كسائر المساجد
فيكون حكم الآتي إليه حكم من جاء إلى مسجد، فمن يرى تحية المسجد فليتنفل كما أمر في
ركعتي دخول المسجد، وإن كان فضاء غير مسجد موضوع فهو مخيّر إن شاء تنفل وإن شاء
لم يتنفل .
وصل الاعتبار في هذا الفصل: المقصود في هذا اليوم فعل ما كان مباحاً على جهة
الفرض والندب، خلاف ما كان عليه ذلك الفعل في سائر الأيام فلا يتنفل فيه سوى صلاة
العيد خاصة، والفرائض إذا جاءت أوقاتها فإن حركة الإنسان في ذلك اليوم في أمور مقرّبة
مندوب إليها وفي فرض، ومن كان في أمر مندوب إليه مربوط بوقت فينبغي أن يكون له
الحكم من حيث إن الوقت لذلك المندوب المعين فهو أولى به فلا يتنفل وقد ندب إلى اللعب
والفرح والزينة في ذلك اليوم فلا يدخل مع ذلك مندوباً آخر يعارضه، فإذا أزال زمانه حينئذ له
أن يبادر إلى سائر المندوبات ويرجع ما كان مندوباً إليه في هذا اليوم مباحاً فيما عداه من
الأيام، وهذا هو فعل الحكيم العادل في القضايا، فإن لنفسك عليك حقاً، واللعب واللهو
والطرب في هذا اليوم من حق النفس، فلا تكن ظالماً نفسك فتكون كمن يقوم الليل ولا ينام
فإن تفطنت فقد نبهتك .
وصل في فصول - الصلاة على الجنازة: الصلاة على الميت شفاعة من المصلي عليه
عند ربه، ولا تكون الشفاعة إلاَّ لمن ارتضى الحق أن يشفع فيه، ولم يرتض سبحانه من عباده
إلَّ العصاة من أهل التوحيد، سواء كان ذلك عن دليل أو إيمان، ولهذا شرع تلقين الميت
ليكون الشفيع على علم بتوحيد من يشفع فيه، وآخر شافع حيث كان الاسم الرؤوف يشفع
عند الاسم الجبار المنتقم في نجاة من عنده علم التوحيد مع وصول الدعوة إليه وتوقفه في
القبول، فإن الموحد الذي لم تصل إليه الدعوة لا يدخل النار، فلا تكون الشفاعة إلاَّ في
العصاة الذين بلغتهم الدعوة، فمنهم من آمن، ومنهم من توقف إيمانه بهذا الشخص من أجل
ما جاء به لأنه استند إلى عظيم لا ينبغي أن يفترى عليه فاحتاج إلى دليل يقطع به على صدق
دعواه فيما يبلغه أنه من عند الله، فلهذا توقف إذ لم يرزقه الله العلم الضروريّ ابتداء بصدق
دعوى هذا الرسول قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ١٥] يعني
الفتوحات المكية ج٢ - م١٤

٢١٠
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
نبعثه بالآيات البينات على صدق دعواه، وكذا أخبر الله تعالى أنه أيّد الرسل بالبينات ليعذر
الإنسان من نفسه، والإيمان نور يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده، فإذا انضاف إلى نور
العلم فهو نور على نور، فلنشرع في حال الميت الذي يصلي عليه وما يجب له وما يجب من
أجله علينا من تجهيزه على الصفات التي أمرنا الشارع بها، فمن ذلك التلقين التلقين عند
الموت إذا احتضر، فإن الهول شديد والمقام عظيم وهو وقت الفتنة التي هي فتنة المحيا بما
يكشفه المحتضر عند كشف الغطاء عن بصره، فيعاين ما لا يعاينه الحاضر، ويتمثل له من سلف
من معارفه على الصور التي يعرفهم فيها وهم الشياطين تتمثل إليه على صورهم بأحسن زيّ
وأحسن صورة، ويعرفونه أنهم ما وصلوا إلى ما هم فيه من الحسن إلاَّ بكونهم ماتوا مشركين
بالله، فينبغي للحاضرين عنده في ذلك الوقت من المؤمنين أن يلقنوه شهادة التوحيد ويعرفوه
بصورة هذه الفتنة لينتبه بذلك فيموت مسلماً موحداً مؤمناً، فإنه عندما يتلفظ بشهادة التوحيد
ويتحرّك بها لسانه أو يظهر نورها من قلبه بتذكره إياها، فإن ملائكة الرحمة تتولاه وتطرد عنه تلك
الصور الشيطانية التي تحضره الحالة الثانية من التلقين .
وكذلك ينبغي أن يلقن إذا أنزل في قبره وستر بالتراب من أجل سؤال القبر، فإن
الملكين منظرهما فظيع، وسؤالهما عن رسول الله وَ# بكلام ما فيه تعظيم ولا تبجيل في حق
رسول الله وَّله، وذلك أن يقولا له: ما تقول في هذا الرجل؟ وهذه هي فتنة الممات المستعاذ
منها. وأمّا استعاذة الأنبياء عليهم السلام منها فإنهم مسؤولون عمّن أرسل إليهم وهو جبريل
عليه السلام كما نسأل نحن عن رسول الله وَّل، فكان النبيّ وَّه يستعيذ في التشهد في الصلاة
من فتنة المحيا والممات لعلمه بأن الأنبياء تفتن في الممات كما يفتن المؤمنون، فأمر المؤمنين
بالاستعاذة من ذلك في الصلاة، فإن الإنسان في الصلاة في مقام قربة من الله بمناجاته فيسأله
على الكشف .
وصل: وممّا يستحب من الشروط المخاطب بها أهل الميت أن يستقبلوا به القبلة عند
الاحتضار، فإن كان على قفاه فيستقبل القبلة برجليه وإن كان على جنبه فيستقبل القبلة بوجهه .
وصل: وممّا يستحب تعجيل دفنه والإسراع به إلى قبره، فإن كان سعيداً أسرعتم به إلى
خيره، وإن كان شقياً فشرّ تضعونه عن رقابكم، فيراعى الميت في السعادة، ويراعى الحيّ
الذي هو حامله بوضع الشرّ عنه، فهذا إسراع من أجل الميت، وهذا إسراعٍ من أجل حامله،
وإنما ورد التفسير من الشرع في الإسراع بهذا ليعلم أن الله ما كلف عباده إلاّ من أجل الخير لا
لينالوا بذلك شرّاً، فاعتبر في حق الشقيّ حامله فقال : أسرعوا بالجنازة فإنه شرّ تضعونه عن
رقابكم، واعتبر في حمل السعيد الميت فقال: أسرعوا به فإنه خير تقدّمونه إليه، فما ألطف
حكم الشارع، وقد ورد أنّ العجلة من الشيطان إلاَّ في ثلاث منها تجهيز الميت ومن تجهيزه
الإسراع به إلى دفنه فيقول الميت وهو على نعشه حين يحمل إذا كان سعيداً: قدّموني
قدّموني، وإذا كان شقياً يقول: إلى أين تذهبون بي؟ يسمع ذلك منه كل دابة إلاَّ الثقلين.
وصل: وممّا يتعلق بالحيّ من الميت أيضاً غسله وهو كالطهارة للصلاة وفعله مخاطب

٢١١
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
به الحيّ، واختلف الناس فيه أعني في حكمه، فمن قائل: إنه فرض على الكفاية. ومن قائل:
إنه سنّة على الكفاية. فمن قال بوجوبه فللأمر الوارد في قوله {وَلّ: ((اغْسِلْنَهَا ثَلاثاً أَوْ خَمْساً)).
وقوله في المحرم ((اغْسِلُوهُ)) فهذا أمر في الصيغة بلا شك، فإذا اقترنت معه قرينة حال تخرجه
مخرج التعليم لصفة الغسل جعلته سنّة، ومن رأى أنه يتضمن الأمر والصفة قال بالوجوب.
واعتبار: الميت الجاهل والموت الجهل فيجب على العالم تعليم الجاهل لأن من جهل
الجاهل أنه لا يعلم أنّ السؤال يجب عليه فيما لا يعلمه فيتعين على العالم أن يعلمه أن من لا
يدري حكم الشرع في حركاته أن يسأل أهل الذكر ومتى لم يفعل فقد عصى، ويعلمه ما يتعين
عليه تعليمه إياه فتلك طهارته، وهذا هو غسل الميت في الاعتبار مختصر.
فصل في الأموات الذين يجب غسلهم: فأمّا الأموات الذين يجب غسلهم فاتفقوا على
غسل الميت والمقتول الذي لم يقتل في معترك حرب الكفار، واختلفوا في الشهيد المقتول
في حرب الكفار، وفي غسل المشرك، وفي غسل من ينطلق عليه اسم شهيد، وفيمن قتله
مشرك في غير المعترك، فمن قائل: يغسل كل هؤلاء. ومن قائل: لا يغسلون، فمن راعى أن
الغسل عبادة يعود ما فيها من الثواب على المغسول قال: لا يغسل المشرك. ومن رأى أن
غسل الميت تنظيف قال: يغسل المشرك وأمر النبيّ وَلّ بغسل عمّه أبي طالب وهو مشرك.
وأمر النبيّ ◌َ ه بقتلى أحد أن يدفنوا في ثيابهم ولا يغسلون. فمن رأى أن الشهيد لا يغسل
لمطلق الشهادة قال: لا يغسل من نص النبيّ وَالر أنه شهيد. ومن رأى وفهم من النبيّ وَّل
بقرينة حال أن الشهيد الذي لا يغسل هو المقتول في المعترك في حرب الكفار قال: يغسل ما
عداه .
وصل اعتبار هذا الفصل: المقتول في سبيل الله في معترك حرب الكفار حيّ يرزق، وإنما
أمرنا بغسل الميت، وهذا الشهيد الخاص لا يقال فيه إنه ميت ولا يحسب أنه ميت بل هو حيّ
بالخبر الإلهيّ الصدق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولكنّ الله أخذ بأبصارنا
عن إدراك الحياة القائمة به، كما أخذ بأبصارنا عن إدراك أشياء كثيرة، كما أخذ أيضاً بأسماعنا
عن إدراك تسبيح النبات والحيوان والجماد وكل شيء قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى
سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [سورة آل عمران، الآية ١٦٩] وقال تعالى: ﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ
يُقْتَلُ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتُ بَلْ أَخْيٌَّ وَلَكِن لَّا تَشْعُرُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥٤] بحياتهم، كما يحيى
الميت عند السؤال ونحن نراه من حيث لا نشعر، ونعلم قطعاً أنه يسأل ولا يسأل إلاَّ من يعقل
ولا يعقل إلاَّ من هو موصوف بالحياة، فنهينا أن نقول فيهم أموات وأخبرنا أنهم أحياء ولكن لا
نشعر. وما ورد مثل هذا في من لم يقتل في سبيل الله فهو ميت وإن كان شهيداً أو هو حيّ مثله،
وما أخبرنا بذلك الشهيد هو الحاضر عند الله ولهذا قال: ﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٦٩]
وإنما يغسل الميت ويطهر ليحضر عند ربه طاهراً فيلقاه في البرزخ بعد الموت على طهارة
مشروعة، وهذا الشهيد حاضر عند ربه بمجرّد الشهادة التي هي القتل في سبيل الله فإنه لا يغسل
وهو عند ربه.

٢١٢
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
وصل في اعتبار غسِل المشرك: وهو القائل بالأسباب بالركون إليها والاعتماد عليها
والاعتقاد بأن الله يفعل الأشياء بها لا عندها، وذلك لعدم علمه لضعف نفسه واضطراب إيمانه
كما يضطرب في صدق وعده تبارك وتعالى في الرزق مع قسمه سبحانه عليه لعباده فقال:
﴿فَوَرَبِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌ مِثْلَ مَآ أَنَّكُمْ نَنطِقُونَ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٢٣] فهذا ضرب من الشرك
الصريح لا الخفي لغلبة الطبع عليه في مألوف العادة، قال بعضهم موبخاً لمن اضطرب
إيمانه : [الطويل]
وترضَى بصرَّافٍ وإن كان مُشْركاً
ضميناً ولا ترضى بربك ضامِنا
فيجب على العلماء بالله طهارة قلب هذا الميت وغسله باليقين والطمأنينة حتى يتنظف
قلبه فيجب غسل المشرك، ومن رأى أن مثل هذا الشرك لا يقدح في الإيمان بالرزق ويقول :
إنما اضطرب بالطبع لكون الحق ما عين الوقت ولا المقدار منه. فاعلم أنّ الله بحكمته قد ربط
المسببات بالأسباب، وأنّ ذلك الاضطراب ما هو عن تهمة من المؤمن في حق الله وأنه ربما
لا يرزقه، وإنما ذلك الاضطراب اضطراب البشرية والإحساس بألم الفقد وعدم الصبر، فإن
الله قد أعلمه أنه يرزقه ولا بدّ سواء كان كافراً أو مؤمناً لكونه حيواناً فقال تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآتَةِ
فِ الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [سورة هود: الآية ٦] ولكن ما قال له متى ولا من أين فما عين الزمان
ولا السبب، بل أعلمه أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فما يدري عند فقد السبب
المعتاد لحصول الرزق عند وجوده هل فرغ وجاء أجله أم لا؟ فيكون فزعه واضطرابه من
الموت فإن الموت فزع، أمّا للمؤمن فلما قدّم من إساءة، وإما للعارف فللحياء من الله عند
القدوم عليه، والكافر لفقد المألوفات، فالصورة في الخوف واحدة والأسباب مختلفة:
[الطويل]
تنوَّعَتِ الأسبابُ والداءُ واحِدُ
ومَنْ لم يمُتْ بالسيف مات بغيره
وإن كان لم يفرغ رزقه في علم الله فيكون اضطرابه لجهله بوقت حصول الرزق كما
قدمنا بانقطاع السبب، فيخاف من طول المدة وألم الجوع المتوقع والحاجة الداعية له إلى
الوقوف فيه لمن لا يسهل عليه الوقوف بين يديه في ذلك لعزّة نفسه عنده، وقد كان
رسول الله وَّير يتعوّذ من الجوع ويقول: إنه بئس الضجيع فإنه بلاء من الله يحتاج من قام
به إلى صبر، ولا علم له هل يرزقه الله الصبر عند ذلك أم لا؟ فإن القليل من عباد الله
من يرزقه الله الصبر عند البلاء، ولهذا شرع التطبّب لسكون النفس وخور الطبيعة بالاستناد
إلى سبب حصول الصحة المتوهمة وهو اختلاف الطبيب إليه، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَّنَّكُمْ
بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَلِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَتِ﴾ وهذه كلها أسباب بلاء يبتلي الله
به عباده حتى يعلم الصابرين منهم كما أخبر، وهو العالم بالصابر منهم وغير الصابر، ثم
قال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّبِينَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥٥] على ما ابتليتهم به من ذلك، ثم من فضله
ورحمته، نعت لنا الصابرين لنسلك طريقهم ونتصف بصفاتهم عند حلول الرزايا
والمصائب التي ابتلى الله بها عباده فقال في نعت الصابرين: ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُصِيبَةٌ

٢١٣
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّ إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥٦] يريد في رفعها عنهم. ثم أخبر بما
يكون منه لمن هذه صفته فقال: ﴿أُوْلَيْكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ يقول: إن الله يشكرهم
على ذلك ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ بإزالتها عنهم ﴿ وَأُوْلَبِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥٧] الذين
بانت لهم الأمور على ما هو الأمر عليه. فمن رأى هذا قال: لا يغسل المشرك أي هذا
المشرك لأن إيمانه بتوحيد الله صحيح فلا يطهر من حيث إنه مؤمن بل طهر وغسل، فمن
كونه ضعيف اليقين في الاعتماد على مراد الله فيما قطعه من الأسباب في حقه.
وصل في ذكر من يغسل ويغسل: اتفق العلماء رضي الله عنهم أن الرجل يغسل الرجل
والمرأة تغسل المرأة لاختلاف بينهم في ذلك إذا ماتت .
الاعتبار: الكامل في المرتبة يرى منه الكامل أيضاً فيها مع ما هم فيه من التفاضل فيها،
قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٥٣] مع اجتماعهم في الرسالة
والكمال وقال: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّيْعَنَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٥٥] مع اجتماعهم في درجة
النبوّة، فإذا رأى الكامل من الكامل أمراً يجب عليه تطهيره منه طهره منه، ولزم الكامل الآخر
اتباعه في ذلك لا يأنف من ذلك، يقول رسول الله وَّل# في حق موسى كليم الله عليه السلام
ولا نشك في كمالهما: (لَوْ كَانَ مُوسَى حَيّاً لَمَا وَسِعَهُ إِلاَّ أَنْ يَتبعَنِي)» وسبب ذلك مع وجود
الكمال أن الحكم لصاحب الوقت وهو الحكم الناسخ وهو الحيّ، والحكم المنسوخ هو
الميت، فللوقت سلطان ولو كان صاحبه ينقص عن درجة الكمال فله السلطان على الكامل
فكيف وهو كامل؟ فالنسخ له كالموت فينوب عنه في تطهيره، فإنه لو كان حياً لطهر نفسه،
كما أن الكامل لو كشف له عمّا نقصه لتعمل في تحصيله، وكذلك حكم من نقص عن درجة
الكمال في الطريق، فينبغي للمريد أن يغسل المريد إذا طرأ منه ما يوجب غسله، وينبغي
للآخر أن يقبل منه فإنهم أهل إنصاف مطلبهم واحد وهو الحق فإنا مأمورون بذلك فإن ذلك
موت في حقّه، والله يقول في هؤلاء: ﴿وَتَوَاصَوْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ﴾ [سورة العصر: الآية ٣].
وأمرنا بالتعاون على البر والتقوى، ونهانا عن التعاون على الإثم والعدوان، فإن
صاحب الشهوة الغالبة عليه في الطبع وصاحب الشبهة الغالبة عليه في العقل محجوبان عن
حكمهما فيها، لأن صاحب الشبهة يتخيل أنها دليل في نفس الأمر، وصاحب الشهوة يتخيل
أنها في الله في نفس الأمر، فيتعين على العالم بهذا وإن كان ليس محله الكمال، ويكونان
هذان أكمل منه أو لهما الكمال إلاَّ أنه يعلم تلك المسألة فيجب عليه أن يطهره من تلك الشبهة
الاتصاف صاحبها بالموت فيها لأنه لا علم له بها، وكذلك صاحب الشهوة فإن كانت تلك
الشبهة في معترك حرب النظر الفكري والاجتهاد في طلب الأدلة فغلبته كان قتيلاً بها ولها في
نفس الأمر في سبيل الله من يد مشرك فإنه ما قصد إلاّ الخير فهو في سبيل الله، فإن الشبهة
تشارك الدليل في الصورة فهو حيّ غير متصف بالموت فلا يجب غسله على الحيّ العالم
بكون ما هو فيه أنه شبهة، فليس للمجتهد أن يحكم على المجتهد، فإن الشرع قرّر حكمهما،
كمن يرى أن صفات الحق تعلق ذاته بما يجب لتلك النسب من الحكم، ويرى آخر أن صفات

٢١٤
في المعارف / الباب التاسع والسنون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
الحق أعيان زائدة على ذات الحق وقد اجتمعا في كون الحق حياً عالماً قادراً مريداً سميعاً
بصيراً متكلماً، هذا في العقائد، وذلك عن نظر واجتهاد، فهو قتيل ميت عند النافي صاحب
شبهة، وهو حيّ عند نفسه وعند ربّه صاحب دليل وإن أخطأ فلا يجب غسله، وكذلك في
الظنيات، ليس للشافعي مثلاً إذا كان حاكماً أن يرد شهادة الحنفي إذا كان عدلاً مع اعتقاد
تحليل النبيذ، ويحدّه عليه إن شربه الحنفي لكونه حاكماً يرى تحريمه لدليله فيجب عليه إقامة
الحد، وكالحنفي إذا كان حاكماً وقد رأى شافعياً تزوج بابنته المخلوقة من ماء الزنى منه
ويشهد عنده فلا يرد شهادته إذا كان عدلاً ويفرق بينه وبين زوجته التي هي ابنته لصلبه
المخلوقة من ماء الزنى لكونه حاكماً ذا سلطان فإنه صاحب الوقت، فهذا بمنزلة الشهيد لا
يغسل، وإن كنّا نشهد حسّاً أن روحه فارقت بدنه كسائر القتلى، والحكم الله ليس لغيره وقد
قرّر حكم المجتهد فليس لنا إزالة حكم اجتهاده فإن ذلك إزالة حكم الله في حقه، أصل هذا
الباب في قبول الكامل ما يشير به الأنقص في المسألة التي هو أعلم بها منه حديث تأبير النخل
قوله ◌َّ لأصحابه: ((أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِمَصَالِحٍ دُنْيَاكُمْ)) ورجع إلى قوله وكذلك رجوعه وَلَه إلى
قولهم يوم بدر في نزوله على الماء.
وصل في فصل - المرأة تموت عند الرجال والرجل يموت عند النساء وليسا بزوجين:
اختلف العلماء رضي الله عنهم في الرجل يموت عند النساء والمرأة تموت عند الرجال وليس
بزوجين على ثلاثة أقوال: فمن قائل: يغسل كل واحد منهما صاحبه، ومن قائل: ييممه ولا
يغسله. ومن قائل: لا يغسل واحد منهما صاحبه ولا ييممه. والذي أقول به: يغسل كل واحد
منهما صاحبه خلف ثوب يكون على الميت إن كان من ذوي المحارم أو ستر مضروب بين
الميت وبين غاسله، وصورة غسله: يصب الماء عليه من غير مدّ يد إلى عضو من أعضاء
الميت إلاَّ إن كان من ذوي المحارم فيجتنب مدّ اليد إلى الفرجين ويكتفي بصب الماء عليهما
بالحائل لا بدّ من ذلك هذا الذي أذهب إليه في مثل هذه المسألة.
الاعتبار في هذا الفصل: الموت في الاعتبار في هذا الطريق شبهة تطرأ على هذا
الشخص في نظره طرق الموت على الحيّ أو شهوة طبيعية تحكم عليه وتعميه فيأتيها بشبهة
عنده هي أنه يرى ربّه في الأشياء فهو ميت عند الجماعة بلا خلاف، كاملاً كان أو ناقصاً عن
درجة الكمال، فقد قال الله في الكامل: ﴿وَعَصَىّ ءَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [سورة ◌ُه: الآية ١٢١] أي خاف
وهو قد أكل بالتأويل وظنّ أنه مصيب غير منتهك للحرمة في نفس الأمر، وكان متعلق النهي
القرب لا الأكل فيقوى التأويل، وقال في الكمل الذين ﴿لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا
يُؤْمَرُونَ﴾ [سورة التحريم: الآية ٦] لما ألجأتهم الغيرة الإلهية التي نطقتهم بقولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا﴾
فقال: ﴿إِنَّّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٣٠] وأما غير الكامل فرتبته معروفة، والناقص
قد يكون مريداً بين يدي الكامل داخلاً تحت حكمه وطاعته شبيه الزوجين وهو كالواحد من
الأمة مع نبيه المبعوث إليه، فهذا العارف الكامل مع تلميذه فقد يموت الكامل في مسألة ما لا
يعلمها ويعلمها المريد فيشهدها الشيخ من التلميذ مثل ما تقدّم في الحديثين قبل هذا، فهكذا

٢١٥
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
حال التلامذة مع الشيوخ، فإنّ الشيوخ ما تقدّموا عليهم إلاَّ في أمور معينة هي مطلوبة للاتباع.
فإن كان المريد مريداً لغير ذلك الشيخ وأعني بالمريد التلميذ والرجل من الناس لغير
ذلك النبيّ في الزمان الذي قبل زمان رسول الله وَّر، فإن كانت المسألة التي جهلها هذا
الناقص ممّا تختص بالطريق العام من حيث ما هو طريق إلى الله فإن لغير شيخه أن يطهره منها
بما تبين له فيها، وله أن يقبل منه إن أراد الفلاح ووفى الطريق حقّه، وإن كانت المسألة التي
جهلها غير عامّة وتكون خاصة بالنظر إلى مقام ذلك الشيخ وإن كان نقصاً عند هذا الشيخ
الآخر فليس له أن يردّ ذلك المريد عن تلك المسألة، كما أنه ليس لمجتهد أن يرد مجتهداً آخر
إلى حكم ما أعطاه دليله، ولا لمقلد مجتهد أن يرد مقلداً مجتهداً آخر عن مسألته التي قلّد فيها
إمامه إذ قال له: هذا حكم الله، فإن كانت المسألة عامّة مثل أن يقدح في التوحيد أو في النبوّات
فله تطهيره منها سواء كان ذلك المريد تحت حكمه أو لم يكن، وصورة غسله وطهارته التي
يلزمه هو أن يعرفه وجه الحق في المسألة ولا يبالي أخذ بها أو لم يأخذ كغسل الميت، فإن كان
محلاً لقبول الغسل انتفع به، وإن لم يكن محلاً ولا أهلاً لقبول الغسل وأريد بالمحل الأهلية وإن
غسل فهو كغسل المشرك لم ينتفع به وقد أدّىٍ الحيّ ما عليه، فإن الداعي إلى الله ما يجب عليه
إلاَّ البلاغ كما قال: ﴿مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَغُ﴾ [سورة المائدة: الآية ٩٩] ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا
تَكْتُمُونَ﴾ [سورة المائدة: الآية ٩٩] ما يلزمه خلق القبول والهداية في نفس السامع.
فمن علم عدم القبول قال: لا يغسل واحد منهما صاحبه، وإن كانت المسألة في العقائد
قال بالغسل، وإن كانت في فروع الأحكام قال بالتيمم فإن موضع التيمم من الشخصين ليس
بعورة، فإن الوجه والكفين من المرأة ما هما عورة فله أن ييممها، وتيممه إذا مات كذلك
الحكم الشرعي العام لا يتوقف سماع المريد على أحد من أهل الفتوى بل يأخذه المريد من
كل شيخ والشيخ من كل مريد لأن الحكم ليس لواحد منهما بل هو الله بخلاف المباحات
والمندوبات في الرياضات والمجاهدات فليس للمريد أن يخرج عن حكم شيخه في ذلك .
وصل في فصل - غسل من مات من ذوي المحارم: اختلف قول بعض الأئمة في ذوي
المحارم فقول: إن الرجل يغسل المرأة والمرأة تغسل الرجل، وقول: لا يغسل أحد منهما
صاحبه، وقول: تغسل المرأة الرجل ولا يغسل الرجل المرأة، وقد تقدّم في الفصل قبل هذا
مذهبنا في هذا.
وصل في الاعتبار: ذوو المحارم أهل الشرع كلهم، فالرجل منهم الكامل هو الذي
أحكم العلم والعمل فجمع بين الظاهر والباطن والناقص منهم هم الفقهاء الذين يعلمون ولا
يعملون ويقولون بالظاهر ولا يعرفون الباطن، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَهِرًا مِّنَ اٌلْحَيَوْقِ الدُّنْيَا
وَهُمْ عَنِ الْأَخِرَةِ هُمْ غَفِلُونَ﴾ [سورة الروم: الآية ٧] فإذا وقع ذو محرّم في شبهة أو شهوة من الكمال
أو النقص فإن كانت في العقائد فيغسل كل واحد منهما صاحبه أي يعرفه بوجه الصحة في
ذلك سواء كان العالم بها ناقصاً أو كاملاً، وإن كانت في الأحكام لا يغسل كل واحد منهما
صاحبه فإنه حكم مقرّر في الشرع، وسواء كان كاملاً أو ناقصاً، ومن رأى أن المرأة تغسل

٢١٦
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
الرجل وهو غسل الناقص الكامل فللناقص أن يطهر الكامل إذا تحقق أن الكامل وقع في
شبهة، ولا بدّ مثل الفقيه يرى العارف قد زلّ بارتكاب محرّم شرعاً بلا خلاف، فله أن ينكر
عليه والعارف أعلم بما فعل، فإن كان كما علّمه الفقيه تعين عليه قبول ذلك التطهير بتوبة منه
ورجوع عنه وإن كان في باطن الأمر على صحة وأن الفقيه أفتى بالصورة ولم يعلم باطن الأمر
فقد وفى الفقيه ما يجب عليه فيغسل الناقص الكامل لا يغسل الكامل الناقص في مثل هذه
المسألة، وهو أن يكاشف الكامل ببراءة شخص ممّا ينسب إليه ممّا يوجب الحدّ، وقد حكم
الحاكم الناقص بإقامة الحدّ عليه، فليس للكامل أن يردّ حكم الفقيه في تلك المسألة لعلمه
ببراءة المحدود، فليس للكامل في مثل هذا أن يردّ على الناقص، كذلك ليس للرجل أن يغسل
المرأة إذا ماتت لأنها عورة، قال وَ لّ في المرأة التي لاعنت زوجها وكذبت وعرف ذلك وقد
حكم الله بالملاعنة، وفي نفس الأمر صدق الرجل وكذبت المرأة فقال وَل# لكان لي ولها شأن
فترك كشفه وعلمه لظاهر الحكم.
وصل في فصل - غسل المرأة زوجها وغسله إياها: أجمعوا على غسل المرأة زوجها
واختلفوا في غسله إياها فقال قوم: يغسلها ومنع قوم من ذلك.
الاعتبار في هذا الفصل: مريد الشيخ إذا رأى الشيخ قد فعل ما لا يقتضيه الطريق عند
الشيخ فللمريد أن ينبّه الشيخ على ذلك لموضع احتمال أن يكون غافلاً، وليس له أن يسكت
عنه وليس للشيخ إذا رأى المريد قد وقعت منه طاعة بالنظر إلى مذهبه وهي معصية بالنظر إلى
مذهب الشيخ وحكم الشرع بصحتها بالنظر إلى من وقعت منه فإنها وقعت عن اجتهاد فليس
للكامل وهو الشيخ وإن عرف أن ذلك المجتهد أو المقلد له قد أخطأ في اجتهاده أن يردّ عليه
فلا يغسل الرجل زوجته إذا ماتت، ومن ذهب إلى أنه يغسلها قال باعتباره يتعين على الشيخ
أن يعرّف المريد الذي هو الناقص أن ذلك الأمر قد أخطأ فيه المجتهد هذا حد غسله، فإن كان
المريد هو المقلد للمجتهد لزمه أن يرجع إلى كلام شيخه، وإن كان المريد هو المجتهد فيحرم
عليه الرجوع إلى كلام الشيخ في تلك المسألة، إلاَّ إن قام له كلام الشيخ مقام المعارض في
الدلالة، فحينئذ يكون كلام الشيخ أقوى من دليل المجتهد فيلزم المجتهد أن يرجع إلى كلام
شيخه وهو من اجتهاده أعني رجوعه لرجحان ذلك الدليل الذي هو تصديقه الشيخ على الدليل
الذي كان عنده لاحتمال كذب الراوي أو تخيّل الغلط منه في قياسه لما أثر في نفسه من صدق
الشيخ في ذلك.
وصل في فصل - المطلقة في الغسل: أجمعوا على أن المطلقة المبتوتة لا تغسل
زوجها، واختلفوا في الرجعية فقالوا: تغسل، وقالوا: لا تغسل.
الاعتبار: المريد يخرج عن حكم شيخه بالكلية فليس له أن يقدح في شيخه ولو قدح لم
يقبل منه فإنه في حال تهمة لارتداده وهو ناقص فكيف يطهر الكامل وهو في حال نقصه؟ فإن
كان تخلّف المريد عن شيخه حياء منه لزلّة وقع فيها أو فترة حصلت له فهو مثل الطلاق
الرجعيّ، فإن حكم الحرمة في نفس المريد للشيخ ما زالت، وإن تخلّف عنه أو هجره الشيخ
.......

٢١٧
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
تأديباً له لقي بعض الشيوخ تلميذاً له كان قد زلّ فاستحيى أن يجتمع بالشيخ فتركه فلما لقيه
استحيى وأخذ التلميذ طريقاً غير طريق الشيخ فلحقه الشيخ ومسكه وقال له: يا ولدي لا
تصحب من يريد أن يراك معصوماً، في مثل هذا الوقت يحتاج إلى الشيخ، فأزال ما كان أصابه
من الخجل ورجع إلى خدمته، فإذا كان المريد بمنزلة صاحبة الطلاق الرجعي فما خرجت عن
حكمه كان اعتباره كما ذكرناه فيما تقدم في الموضع الذي يغسل فيه الناقص الكامل .
وصل في فصل - حكم الغاسل: قال قوم: يجب الغسل على من غسل ميتاً. وقال
قوم: لا يجب على من غسل ميتاً غسل .
الاعتبار: العالم إذا علم غيره وطهره من الجهل بما حصل له من العلم فلا يخلو إمّا أن
علمه بربه أي وهو حاضر مع الله أن الله هو المعلم مثل قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ اٌلْقُرْءَانَ﴾ [سورة
الرحمن: الآية ١، ٢] فلا غسل عليه، فإن الله هو الغاسل لذلك الجاهل من جهله بما علمه الله
على لسان هذا الشيخ، وإن كان الغاسل علمه بنفسه وغاب في حال تعليمه عن شهود ربه أنه
معلمه على لسانه في ذلك الوقت وجب عليه الغسل من تلك الغفلة التي حالت بينه وبين
الحضور مع ربه في ذلك التعليم.
وصل في فصل - صفات الغسل: فمن ذلك هل ينزع عن الميت قميصه عند الغسل أم
لا؟ فمن قائل: تنزع ثيابه وتستر عورته. وقال بعضهم: يغسل في قميصه.
الاعتبار: صاحب الشبهة أو الشهوة الغالبة الطبيعية وإن كانت مباحة إذا اتصف صاحبها
بالموت تشبيهاً فإن الغاسل له إن كان قادراً على أن يظهر له الحق من نفس شبهته وشهوته فهو
كمن غسل الميت في قميصه ولم ينزعه عنه وإن لم يقدر على تطهيره إلاَّ بإزالة تلك الشبهة
لقصوره کان کمن نزع ثياب الميت وحينئذ غسله.
وصل في فصل - وضوء الميت في غسله: فذهب قوم إلى أن الميت يوضأ، وذهب قوم
إلى أنه لا يوضأ، وقال قوم: إن وضىء فحسن.
الاعتبار: الوضوء في الغسل طهر خاص في طهر عام إذا كانت المسألة تطلب بعض
عالم الشخص كزلة تقع من جوارحه فإنه يغسل تلك الجوارح الخاصة بما تستحقه من الطهارة
كالعين والأذن واليد والرجل واللسان والإيمان هو الغسل العام، فيجمع بين طهارة الجوارح
على الخصوص وبين الإيمان لا بدّ من ذلك فإن الغسل غير مختلف فيه والوضوء مختلف فيه
والجمع بين عبادتين إذا وجد السبيل إليهما أولى من الانفراد بالأعم منهما.
فصل في التوقيت في الغسل: فمن العلماء من أوجبه، ومنهم من لم يوجبه فاعلم ذلك.
الاعتبار: بأيّ شيء وقع التطهير من هذه الشبهة كان من غير تعيين ولا توقيت ما تقع
به، ومن قال بوجوب التوقيت قال: نحن مأمورون بالتخلق بأخلاق الله، والله يقول:
﴿وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [سورة الرعد: الآية ٨] وهو التوقيت ﴿وَمَا نُغَزِّلُهُ: إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾
[سورة الحجر: الآية ٢١] ولكن ينزل بقدر ما يشاء. وقال مَ لّ فيمن زاد على ثلاث مرّات في

٢١٨
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
الوضوء أنه قد أساء وتعدّى وظلم وجعله موقتاً من واحدة إلى ثلاث وكره الإسراف في الماء
في الغسل والوضوء، وكان رسول الله وَلَه يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمدّ.
وصل منه: والذين أوجبوا التوقيت فيه اختلفوا، فمنهم من أوجب الوتر أيّ وتر كان،
ومنهم من أوجب الثلاثة فقط، ومنهم من حدّ أقل الوتر في ذلك ولم يحدّ الأكثر فقال: لا
ينقص من الثلاث، ومنهم من حدّ الأكثر فقال: لا يتجاوز السبعة، ومنهم من استحب الوتر
ولم يحد فيه حدّاً.
الاعتبار: أمّا الوتر في الغسل فواجب لأنه عبادة، ومن شرطها الحضور مع الله فيها وهو
الوتر، فينبغي أن يكون الغسل وتراً لحكم الحال وهو من واحد إلى سبعة، فإن زاد فهو
إسراف إذا وقعت به الطهارة، فوتريته في الغسل بحسب ما يخطر له في حال الغسل وهي سبع
صفات أمّهات فيها وقع الكلام بين أهل النظر في الإلهيات وهي: الحياة، والعلم، والقدرة،
والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر، والعبد قد وصف بهذه الصفات كلها، وقد ورد أن
الحق قال في المتقرّب بالنوافل إن الله يكون سمعه وبصره وغير ذلك فقد تبدّلت نسبة هذه
الصفات المخلوقة للعبد بالحق، فبالله يسمع وبه يبصر وبه يعلم وبه يقدر وبه يكون حيّاً وبه
يريد، وبه يتكلم فقد غسل صفاته بربه فكان طاهراً مقدّساً بصفاته، فهذا توقيت غسل الميت
من واحد إلى سبعة بحسب ما ينقص ويزيد، وقد عمّ هذا جميع ما وقع من الخلاف في شفعه
ووتره وقليله وكثيره وحدّه وترك حدّه ففكر فيه واغسل الميت منك بمثل هذا الغسل والكامل
مع الناقص كالعاقل المؤمن مع العاقل وحده أو مع المؤمن.
وصل في فصل - ما يخرج من الحدث من بطن الميت بعد غسله: الحدث يخرج من
بطن الميت بعد غسله، فمنهم من قال يعاد، ومنهم من قال: لا يعاد الغسل، والذي قال بأنه
يعاد اختلفوا في العدد إلى سبع وأجمعوا على أنه لا يزاد على السبع.
الاعتبار: الشبهة تطرأ بعد حصول الطهارة لسرعة زوالها من خياله لضعف تصوّره فيعاد
عليه التعليم سبع مرات، فإن استنكحه ذلك كان كمن استنكحه سلس البول وخروج الريح لا
يعاد عليه التعليم فإنه غير قابل لثبوته، وإنما اجتمعنا على السبع لأنه غاية الكمال في العلم
الإلهيّ بكونه إلهاً، ولهذا ربط الله الحكمة في وجود الآثار في العالم العنصريّ عن سير السبعة
الدراري في الاثني عشر برجاً فجعل السائرين سبعة فعلمنا أنه غاية كمال الوجود، وجعل
كمال السير في اثني عشر لأنه غاية مراتب العدد من واحد إلى تسعة، ثم العشرات ثم المئون،
ثم الآلاف، فهذه اثنا عشر، وفيها يقع التركيب إلى ما لا يتناهى من غير زيادة، كذلك سير
السبعة في الاثني عشر برجاً ﴿ذَلِكَ نَقْدِيْرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [سورة يس: الآية ٣٨].
وصل: اختلفوا في عصر بطن الميت قبل أن يغسل فمنهم من رأى ذلك، ومنهم من لم
يره .
الاعتبار: العصر اختبار الكبير الصغير في حاله هل عنده شبهة فيما هو فيه يخاف عليه
منها أن تقدح في طهارته إذا طهره الكبير أم لا حتى يدعوه على بصيرة منه أنه صاحب شبهة

٢١٩
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
يتوقى ظهورها في وقت آخر فيحفظ المربيّ نفسه في أوّل الوقت قبل أن ينشب فيقع التعب
ويعظم. انتهى الجزء الثامن والأربعون بانتهاء السفر السابع يتلوه في الجزء التاسع والأربعين
وصل في الأكفان وهو كاللباس للمصلي.
[السفر الثامن]
(الجزء التاسع والأربعون)
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَى الرَّحَيَةِ
وصل في فصل في الأكفان: الكفن للميت كاللباس للمصلي وهو ما يصلى عليه لا فيه،
كالصلاة على الحصير والثوب الحائل بينك وبين الأرض لأنه في موضع سجودك لو سجدت
فأشبه ما يصلّى عليه، فأمّا المرأة فترتيب تكفينها أن تغطي الغاسلة أولاً الحقو وهو الأزرة التي
تشدّ على وسط الإنسان، ثم الدرع وهو القميص الكامل، ثم الخمار وهو الذي تغطي به
رأسها، ثم الملحفة ثم تدرج بعد في ثوب آخر يعم الجميع، فهذه خمسة أثواب هكذا على
الترتيب، أعطى رسول الله وَّلر ليلى الثقفية حين غسلت أم كلثوم بنت رسول الله وَله بيده
ثوباً بعد ثوب يناولها إياه ويأمرها بأن تفعل به ما ذكرناه على ذلك الترتيب، هذا هو السنّة في
تكفين المرأة، وأمّا الرجل فما لنا نص في صفة تكفينه إلاَّ أنه لما مات رسول الله وَّ كفن في
ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة بحضور من حضر من علماء الصحابة،
ولم يبلغنا أن أحداً منهم ولا ممّن بلّغه أنكر ذلك ولا تنازعوا فيه، ولكن في قول الراوي ليس
فيها قميص ولا عمامة احتمال ظاهر والنص في الثلاثة الأثواب من الراوي بلا شك، إلاَّ أن
الوتر مستحب في الأكفان، فمن الناس من رأى أن الرجل يكفن في ثلاثة أثواب والمرأة في
خمسة أثواب أخذاً بما ذكرناه، ومنهم من يرى أقل ما يكفن فيه الرجل ثوبان والسنّة ثلاثة
أثواب، وأقل ما تكفن فيه المرأة ثلاثة أبواب والسنّة خمسة أثواب، ومن الناس من لم ير في
ذلك حداً ولكن يستحب الوتر، قال رسول الله وَ # في الذي مات محرماً يكفن في ثوبين.
وصل في اعتبار هذا الفصل: المقصود من التكفين أن يوارى الميت عن الأبصار،
ولهذا لما كفن مصعب بن عمير يوم أحد في الثوب الواحد الذي كان عليه وكان نمرة قصيرة
لا تعمّه بالستر فأمر رسول الله وَّر أن يغطى بها رأسه ويلقى على رجليه من الإذخر حتى يستر
عن الأبصار، ولما خلق الإنسان من تراب كان من له حضور مع الله من أهل الله إذا شاهدوا
التراب تذكروا ما خلقوا منه فينظروا في قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَكُمْ وَفِيهَا نُعِيذُكُمْ وَمِنْهَا تُخْرِجُكُمْ تَارَةً
أُخْرَى﴾ [سورة طه: الآية ٥٥] يعني يوم البعث، والمصلي يناجي ربّه فإذا وقف المصلي في
المناجاة وليس بينه وبين الأرض حائل وكانت الأرض مشهودة لبصره ذكرته بنشأته وبما خلق
منه وبإهانته وذلّته، فإن الأرض قد جعلها الله ذلولاً مبالغة في الذلّة بهذه البنية، قال الشاعر:
[الطويل]
إذا عُدِمُوا زاداً فإنك عاقِرُ
ضَرُوبٌ بِنَصْلِ السيف سُوقَ سِمَانِها

٢٢٠
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
فجاء ببنية فعول للمبالغة في الكرم، ولا أذل ممّن يطأه الأذلاء ونحن نطأها وجميع
الخلائق، ونحن عبيد أي أذلاء، فربما شغل المصلي النظر في نفسه وما خلق منه عن مناجاة
ربّه بما يقرأ من كلامه فيغيب عمّا يقول للحق وما يقول له الحق وهو سوء أدب من التالي،
فكان الحائل أولى لما نهي المصلي أن يستقبل رجلاً مثله في قبلته أو يصمد إلى سترته صمداً
وليجعلها على حاجبه الأيمن أو الأيسر، هذا كله حتى لا يقوم له مقام الوثن غيرة إلهية فإنهم
كانوا يصوّرونه على صورة الإنسان فأمر يستره الميت لأنّ الميت بين يدي المصلي والمصلي
يناجي الحق في قبلته شفيعاً في هذا الميت، وسيأتي اعتباره في الصلاة على الميت إن شاء الله
تعالى.
وصل في فضل المشي مع الجنازة: المشي مع الجنازة كالسعي إلى الصلاة فقال
بعضهم: من السنّة المشي أمامها. وقال آخرون: المشي خلفها أفضل، والذي أذهب إليه أن
يمشي راجلاً خلفها قبل الصلاة عليها فيجعلها أمامه كما يجعلها في الصلاة وبعد الصلاة
يمشي أمامها خدمة لها بين يديها إلى منزلها وهو القبر ظناً بالله جميلاً أنّ الله قبل الشفاعة فيها
عند الصلاة عليها، وأن القبر لها روضة من رياض الجنة، فإن الله قد ندب إلى حسن ظنّ عبده
به فقال: أنا عند ظن عبدي بي فليظنّ بي خيراً. وروي أن الله سُئِل من أحبّ إليك عيسى أم
يحيى عليهما السلام؟ فقال الله تعالى للسائل: أحسنهما ظناً بي يعني عيسى، فإن الخوف كان
الغالب على يحيى، والأولى أن لا يركب أدباً مع الملائكة لا غير، فإن الملائكة تمشي مع
الجنازة ما لم يصحبها صراخ، فإن صحبها صراخ تركتها الملائكة، فعند ذلك أنت مخيّر بين
الركوب والمشي، فإن الميت على نعشه كالشخص في المحفة محمول، قال صاحبنا أبو
المتوكل وقد رأينا نعشاً يحمل وعليه الميت فأشار إليه وقال: [الكامل]
ما زال يحملنا وتحمله الوَرَى
عجباً له من حامل محمولا
وصل الاعتبار فيه: المشي أمام الجنازة لأن الماشي شفيع لها عند الله فيتقدم ليخلو بالله
في شأنها، فإن الشفيع لا يدري هل تقبل شفاعته فيها أم لا؟ حتى إذا وصلت إلى قبرها
وصلت مغفوراً لها بكرم الله في قبول سؤال الشافع، وإن كانت من المغفورين لها قبل ذلك
كان الماشي أمامها من المعرفين بقدومها لمن تقدم عليه في منزلها الذي هو قبرها فهو
كالحاجب بين يديها تعظيماً لها يشهد ذلك كله أهل الكشف، وأما الماشي خلفها فإنه يراعي
تقديمها بين يديه كما يجعلها بين يديه في الصلاة عليها ليعتبر بالنظر إليها فيها، فإن الموت
فزع وأن الملك معها وأن النبيّ وَله قام عندما رأى جنازة يهودي فقيل له: إنها جنازة يهودي
فقال: ((أليس معها الملك؟)) وقال مرة أخرى: ((إن الموت فزع))، وقال مرة أخرى: ((أليست
نفساً؟» ولكل قول وجه أرجى الأقوال أليست نفساً لمن عقل فكان قيامه مع الملك، وفي هذا
الحديث قيام المفضول للفاضل عندنا وعند من يرى أن الملائكة أفضل من البشر على
الإطلاق، وهكذا قال لي رسول الله وَّله في مبشرة أريتها، وأما قوله وَلّ في هذا ((أليست
نفساً)) في حق يهودي فإنه أرجى ما يتمسك به أهل الله إذا لم يكونوا من أهل الكشف وكانت