النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
كان وبأيّ صفة كان. ومنهم من اشترط فيه ضرباً من السير ونوعاً من أنواع السفر في الحديث
إذا عجل به السير فجعل العلة في الجمع التعجيل. وأما النوع فقد تقدم من سفر القربة والمباح
والمعصية .
وصل في الاعتبار في ذلك: لا يصحّ الجمع بين الصلاتين إلاَّ فيما ذكرناه في عرفة
وجمع. وأما السفر على الحقيقة وهو سفر الأنفاس فلا يصحّ فيه الجمع إذا كان الجمع عبارة عن
إخراج إحدى الصلاتين عن وقتها وما قال به في طريقنا بالاعتبار إلاّ من لا معرفة له بالذوق في
ذلك، ولو جعل صاحب هذا القول باله من حركاته الظاهرة ونظره وسمعه وجوارحه لرآها في
كل زمان تتغير وما عنده خبر لغفلته عن نفسه، ولهذا قال الله لنا: ﴿وَفِىّ أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [سورة
الذاريات: الآية ٢١] .
وصل في فصل - الجمع في الحضر لغير عذر: قال ابن عباس في جمع النبيّ وَّ بين
الصلاتين من غير عذر إنه أراد أن لا يحرج أمّته، وهو موافق لقول الله عزّ وجلّ: ﴿وَمَا جَعَلَ
عَلَيْكُمْ فِ الدِِّنِ مِنْ حَرَجْ﴾ [سورة الحج: الآية ٧٨] وقوله عليه السلام: ((دِيْنُ اللَّهِ يُسْرٌ)) وقال به
جماعة من أهل الظاهر وقال ما عداهم لا يجوز الجمع لغير عذر مبيح للجمع.
وصل الاعتبار في ذلك: الجمع لأهل الحجاب رفق بهم في التكليف وجائز لهم لرفع
الحرج، فإن الحرج في العبادة هو تضعيف التكليف، فإن العمل في نفسه كلفة، فإذا انضافت
إليه المشقة كان تكليفاً على تكليف، وأما أهل المشاهدة فلا جمع عندهم إلاَّ بجمع وعرفة وما
عدا ذينك فلا .
وصل في فصل - الجمع في الحضر بعذر المطر: فأجازه بعضهم ليلاً كان أو نهاراً،
ومنعه بعضهم في النهار وأجازه في الليل. وأجازه بعضهم في الطين دون المطر في الليل،
والذي أذهب إليه أن المصلي إذا كان مذهبه أن الصلاة لا تصحّ إلاَّ في الجماعة وما عنده
جماعة إلاَّ في المسجد فإنه يجمع بين الصلاتين ليلاً ونهاراً إذا كان في جماعة، وإن كان
مذهبه جواز صلاة الفذ مع وجود الجماعة فلا يجوز له الجمع إلا إن كان في المسجد، وجمع
الإمام على أي مذهب كان ذلك الإمام إذا كان الإمام مجتهداً لا مقلداً إلاَّ أن اليوم تقليد ذلك
المجتهد في جميع نوازله كما هم عليه عامّة الفقهاء في عصرنا هذا.
وصل الاعتبار في ذلك: الجمع للمقيم جائز فإنه محجوب عن شهود سفره، فإنه مسافر
من حيث لا يشعر في كل نفس باختلاف الأحوال والخواطر، وحديث النفس والحركات
الظاهرة والباطنة، فإذا انضاف إلى ذلك عذر المطر وهو العلم المنزل فهو علم ظاهر الشريعة
الذي جاء بالجمع جاز له الجمع لما دلّ عليه هذا العلم المشروع فينبغي أن لا يعدل عنه، فمن
راعى الحرج أضاف الطين إليه وأجاز ذلك في صلاة الليل، ومن لم يراع الحرج أجاز ذلك
ليلاً ونهاراً ولم يجزه في الطين .
وصل في فصل - الجمع في الحضر للمريض: فمنهم من أباح له الجمع. ومنهم من
منع وبالأول أقول لحديث ابن عباس الصحيح وقد تقدم ذكره.

١٤٢
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
وصل الاعتبار في ذلك: الكسل مرض النفس فلا يجوز الجمع لمن كان مرضه الكسل
وما في معناه، فإن كان مرضه استيلاء الأحوال عليه بحيث إنه يخاف أن يغلب عليه الحال كما
يخاف المريض أن يغمى عليه جاز له الجمع، فإن الحال مرض والمقال صحة، فالجهلاء من
أهل طريقنا يقولون بشرف الحال على العلم لجهلهم بالحال ما هو، فالأحوال يستعيذ منها
الأكابر من الرجال في هذه الدار وهي من أعظم الحجب، ولهذا جعلت الطائفة الأحوال
مواهب والمقامات مكاسب والدنيا عند الأكابر دار كسب لا دار حال، فإن الكسب يعليك
درجة، والحال يخسر صاحبه وقته فلا يرتقي به بل هو من بعض نتائج مقامه استعجله في
الدنيا، ولهذا كانت الأحوال مواهب ولو كانت مكاسب لوقع بها الترقي، فشرف الحال في
الآخرة لا في الدنيا، وشرف العلم والمقام في الدنيا والآخرة، أمر الله تعالى نبيه وَ ل بطلب
الزيادة من العلم فقال له: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [سورة طه: الآية ١١٤] ولم يأمره بطلب الزيادة
من الحال، فلو عرف هذا القائل شرف العلم وكان عنده منه ذوق صحيح لوافق الحق تعالى
في الذي شرّف العلماء به، ولما كان مطروداً من هذه الصفة التى وصف الحق بها نفسه
والخواص من ملائكته وعباده ولم يبلغ تلك الدرجة، أخذ يحامي عن نفسه بأن جعل الحال
أشرف من العلم وهو بحمد الله عريّ عن العلم والحال. وأما أصحاب الأحوال الإلهية
الصحيحة رضي الله عنهم فهم عالمون بشرف العلم على الحال ومطلوبهم العلم، فإن الحال
يحول بينهم وبين ما خلقوا له فيتبرّؤون منه، وممّا يدلك على ذلك أن أصحاب الحال وإن سرّ
به فتراه عند الموت يتبرأ منه ويزول عنه ويتمنى أنه لم يكن صاحب حال، فالحال ليس بأمر
مقرّب إلى الله، والدنيا محل أسباب التقريب، والآخرة محل القربة، فيجعل كل صفة تحكم
في موضعها، فالحال حكمه في الآخرة، والعلم حكمه في الدنيا والآخرة وفي كل موطن لأنّ
شرفه هو الأتم.
وصل في فصول - صلاة الخوف: أجمع الناس على أن صلاة الخوف جائزة، واختلفوا
في صورتها بحسب اختلاف الروايات الواردة فيها من صلاته وَ ل﴿ إياها إلاَّ أبا يوسف فإنه شذّ
عن الجماعة فقال: لا تجوز صلاة الخوف على صورة ما صلاّها رسول الله وَلَه بإمام واحد
إلاَّ لرسول الله بَّ فإن ذلك خاص به، وإنما تصلّى صلاة الخوف بإمامين كل إمام يصلي
ركعتين بطائفة ما دامت تحرس الأخرى، والذي أذهب إليه أن الإمام مخيّر في الصور التي
ثبتت عن رسول الله وَل فبأي صورة صلاها أجزاته صلاته وصحّت صلاة الجماعة إلاَّ الرواية
التي فيها الانتظار بالسلام فإن عندي فيها نظراً لكون الإمام يصير فيها تبعاً تابعاً وقد نصبه الله
متبوعاً، وسبب توقفي في ذلك دون جزم من طريق المعنى، فإن النبيّ بَّر أمر الإمام أن
يصلي بصلاة المريض وأضعف الجماعة، والتأويل الذي يحتمله اقتداء أبي بكر بصلاة
رسول الله المسيلة ذكره الطحاوي أن أبا بكر كان هو الإمام في صلاته بالناس وفيهم
رسول الله مَّر، قال الراوي: فكان الناس يقتدون بأبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان أبو
بكر يقتدي بصلاة رسول الله وَله، فقال: معنى الاقتداء هنا أنه كان يخفف لأجل مرض

١٤٣
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
رسول الله الله، وهذا التأويل ليس ببعيد، فقد يكون الإمام فى هذه الحالة إماماً مؤتماً وبلفظ
الإمامة وردت الرواية عن الصاحب فلهذا لم يترجح عندي نظر في رواية الانتظار، والاختلاف
في صور صلاة الخوف معلوم مسطور في كتب الحديث.
وصل الاعتبار في ذلك: الحق يكون مع العبد بحسب حال العبد: ((أَنَا عِنْدَ ظَنَّ عَبْدِي
بِي فَلْيَظُنَّ بِي خَيْراً) فأيّ شيء كان حال العبد كان الحق معه بحسبه يعامله به، قال الله تعالى:
﴿فَاذْكُرُونِيّ أَذْكُرَّكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥٢] إن ذكر العبد ربه في نفسه ذكره الله في نفسه، وإن ذكر
العبد ربه في ملأ ذكره الله في ملأ، فالعبد ينزل في هذه المسألة منزلة إمام، والحالة الأخرى
أن يكون حال العبد مع الله على صورة ما يكون حال الحق مع العبد مثل قوله: ﴿ُهُمْ
وَيُحِبُّونَهُ﴾ [سورة المائدة: الآية ٥٤] فأهل طريق الله على ما تقضي به الحقائق في هذه المسألة أن
حب العبد لولا ما أحبه الله أولاً ما رزقه محبته ولا وفقه إليها ولا استعمله فيها، وهكذا جميع
ما يكون فيه العبد من الأمور المقرّبة إلى الله عزّ وجلّ، فهذا المقام يحذر أهل الله من الغفلة
فيه فلهذا شبهناه بصلاة الخوف.
وصل في فصل - صلاة الخائف عند المسايفة: فمن الناس من قال: لا يصلي. ومن
الناس من قال: يصلي بعينيه إيماء، والذي أذهب إليه أنه مأمور في ذلك الوقت بالصلاة على
قدر ما يمكنه أن يفعله منها، وذلك أن كل حال ما عدا حال المسايفة فهو استعداد للجهاد والقتال
ما هو عين الجهاد ولا عين القتال، فإذا وقعت المسايفة ذلك هو عين الجهاد والقتال الذي أمر
الله عباده بالثبات فيه والاستعانة بالصبر والصلاة فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [سورة الأنفال: الآية ١٥] ثم توعد من لم يثبت فقال: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ
يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِفًا لِّقِنَالٍ أَوْ مُتَحَفِرًّا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَنَهُ جَهَنَّمٌ﴾ يعني
إن قتل في تلك الحالة ﴿وَبِئْسَ اْصَيرُ﴾ [سورة الأنفال: الآية ١٦] وقال في تلك الحالة: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ
بِالصَّبْرِ﴾ وهو حبس النفس عن الفرار في تلك الحال ﴿ وَالصَّلَوَةِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٥] فأمره
بالصلاة وأنها من المأمور المعينة له على خذلان العدو فجعلها من أفعال الجهاد فوجبت
الصلاة. والفرار في تلك الحال من الكبائر فأمره الله بالصبر وهو الثبات في تلك الحال،
والصلاة فوجبت عليه كما وجب الصبر فيصليها على قدر الإمكان فالله يقول: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا
اُسْتَطَعْتُمْ﴾ [سورة التغابن: الآية ١٦] وقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٦]
وقد كان رسول الله وَّ يوتر على الراحلة يومي إيماء مع الأمان، فأحرى إيقاع الفرض مع
الخوف، ووجود الأمن والبشرى أنها من أسباب النصر فيصلي على قدر استطاعته في ذلك
الوقت وعلى تلك الحال بحيث أن لا يترك القتال ولا يتوانى فيه فذلك استطاعة الوقت فإن
المكلف بحكم وقته، وسواء كان على طهارة أو على غير طهارة، والمخالف لهذا ما حقق النظر
في أمر الله ولا ما أراده الله برفع الحرج عن المكلف في دين الله في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ
فِ اٌلْدِينِ مِنْ حَرَجْ﴾ [سورة الحج: الآية ٧٨].
وبعد هذا فإني أقول: لا يخلو هذا المكلف إذا كان في هذا الموطن على هذه الحال إما

١٤٤
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
أن يكون مجتهداً أو مقلداً، فإن كان من أهل الاجتهاد فلا كلام فإنه يعمل بحسب ما يقتضيه
دليله ويحرم عليه مخالفة دليله، وإن كان مقلداً فالأولى به عندنا أن يقلد من قال بجواز الصلاة
في حال المسايفة وعلى غير طهارة فيها فإن القرآن يعضده، ولا حجة للمقلد في التخلّف عن
تقليد من يقول بالصلاة فإنه أبرأ لذمته وأولى في حقّه، ويكون ممّن ذكر الله على كل أحيانه
اقتداء برسول الله وَّ في الصحيح عن عائشة قالت: كان رسول الله وَلو يذكر الله على كل
أحيانه وما خصّت حالاً من حال.
وصل الاعتبار في ذلك: حال المسايفة هو حال العبد مع الشيطان في وسواسه وحين
توسوس إليه نفسه والله في تلك الحالة أقرب إليه من حبل الوريد فهو مع قربه في حرب
عظيم، فإذا نظر العبد في هذه الحال إلى هذا القرب الإلهي منه فإنه يصلي ولا بدّ من هذه
حالته، ولو قطع الصلاة كلها في محاربته فإنه إنما يحاربه بالله فإنه يؤدي الأركان الظاهرة كما
شرعت بالقدر الذي هو فيه من الحضور مع الله في باطنه في صلاته، كما يؤدي المجاهد
الصلاة حال المسايفة بباطنه كما شرعت بالقدر الذي يستطيعه من الإيماء بعينيه والتكبير بلسانه
في جهاد عدوه في ظاهره، فإن وسوسة الشيطان في ذلك الوقت لم تخرجه عما كلفه الله من
أداء ما افترضه عليه، وطهارته في وقت الوسوسة عين محاربته كإسباغ الوضوء على المكاره،
وإن أخطر له الشيطان إذا رأى عزمه في الجهاد في الله أن يقاتل ليقال رغبة منه وحرصاً أن
يحبط عمل هذا العبد وكان قد أخلص النية أولاً عند شروعه في القتال أنه يقاتل ذاباً عن دين
الله لتكون ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِى الْعُلْيَا﴾ [سورة التوبة: الآية ٤٠] و﴿كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
السُّفْلَى﴾ [سورة التوبة: الآية ٤٠] والكافر هنا هو المشرك من جهة الشريك خاصة، وإنما قلنا هذا
لأن أهل الله يعرفون ما أشرت به إليهم في هذا القول فلا يبالي بهذا الخاطر، فإن الأصل الذي
بني عليه صحيح والأساس قوي وهو النية في أول الشروع، فإن عرض الشيطان له بترك ذلك
العمل الذي قد شرع فيه على صحة ووسوس إليه أنه فاسد بما خطر له من الرياء فيرد عليه
بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [سورة محمد: الآية ٣٣] فتدفع بهذه الآية الشبهة التي ألقاها
إليك من ترك العمل.
وصل في فصل صلاة المريض: أجمع العلماء على أن المريض إذا بقي عليه عقل
التكليف أنه مخاطب بأداء الصلاة وأنه يسقط عنه منها ما لا يستطيعه من قيام وركوع وسجود،
واختلفوا فيمن استطاع أن يصلي جالساً، وفي هيئة الجلوس، وفي هيئة الذي لا يقدر على
الجلوس ولا على القيام. فأمّا المصلي جالساً فقال قوم: هو الذي لا يستطيع القيام أصلاً.
وقال قوم: هو الذي يشق عليه القيام من المرض. وأمّا صفة الجلوس فقال قوم: يجلس
متربعاً في الجلوس الذي هو بدل من القيام، وكره ابن مسعود الجلوس متربعاً. وأمّا الذي لا
يقدر على القيام ولا على الجلوس فقوم قالوا: يصلي مضطجعاً. وقوم قالوا: يصلي كيف
تيسّر له. وقوم قالوا: يصلي ورجلاه إلى القبلة. وقوم قالوا: يصلي على جنب من لا يستطيع
الجلوس، فإن لم يستطع على جنب صلَّى مستلقياً ورجلاه إلى القبلة، والذي أذهب إليه

١٤٥
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
وأقول به أن الله قد رفع عن المسلم المكلف الحرج في دين الله وأمره أن يتقي الله ما استطاع
فليصل المريض على قدر استطاعته وكما تيسّر له، ورفع الحرج عنه الذي يضر به في الزيادة
من مرضه ولا يترك الصلاة أصلاً، ولو سقط عن استطاعته الإتيان بجميع الأركان وجميع
الشروط المصححة لصلاة الصحيح فإن خطاب الشارع إنما يكلفه على حاله الذي يقدر عليه،
فإن الله ما كلف نفساً إلاَّ وسعها وما آتاها، وخفّف عنها أكثر من هذا بقوله تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ
اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ متصلاً بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّ مَآ ءَاتَنَهَا﴾ [سورة الطلاق: الآية ٧]
فكأنه يقول: وإن أعطاها وفعلته بمشقة هي عسر في حق المكلف فكان اليسر قوله: ﴿وَمَا
جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّنِ مِنْ حَرَجْ﴾ [سورة الحج: الآية ٧٨] فما أشدّ رفقه بعباده.
وصل الاعتبار في ذلك: الأمراض ثلاثة أنواع: بدنية ونفسية وعقلية لا رابع لها.
فالبدنية: هي التي كنّا بصددها وهي التي يعرفها علماء الرسوم. والأمراض النفسية: الهموم
المشتملة على أداء حق لله وجب عليها. والأمراض العقلية: الشبه المضلة القادحة في الأدلة
وفي الإيمان تحول بين العقل من العاقل وبين صحة الإيمان.
فأمّا الأمراض النفسية مع وجود الإيمان: فإن الإيمان في هذا المؤمن للنفس بمنزلة
وجود العقل للمريض المرض البدني فيؤدّي صلاته في مناجاة ربه ومشاهدته كما كان عمر بن
الخطاب رضي الله عنه كان يجهز الجيش في الصلاة، فإن المؤمن الصادق ما له حديث إلاَّ مع
ربه، ولا يناجي أحداً من عباد الله دون أن يرى في ذلك مناجاة ربه بحسب ما يليق، فصاحب
مرض النفس المؤمن يناجي ربه من حيث إيمانه في عين همومه فيكون شغله منه فيه به فلا
يبرح في همّه وإيمانه بالله يقول له: همّك هو الله ونظرك فيه إنما هو بالله، فإن الله هو الوجود
والموجود وهو المعبود في كل معبود وفي كل شيء، وهو وجود كل شيء، وهو المقصود
من كل شيء، وهو المترجم عنه كل شيء، وهو الظاهر عند ظهور كل شيء، وهو الباطن
عند فقد كل شيء شيئاً، وهو الأول من كل شيء، وهو الآخر من كل شيء، فلا تفوت
المؤمن عبادة الله في كل وجه وعلى كل حال، فإن الأمراض النفسية لا تقدح في الإيمان،
وأمّا الأمراض العقلية فهي القادحة في الإيمان، والإيمان له تعلقان: تعلق بوجود الحق وتعلق
بتوحيد الحق .
وأمّا الإيمان بأحدية الحق من حيث ذاته فذلك من مدارك النظر العقلي عند أهل النظر،
وعندنا من وجه أفكارنا. وأما من جهة الذكر والكشف فلا، وكذلك توحيد الحق يدرك
بالإيمان ويدرك بالنظر، ولم تتعرض شريعة لأحدية الذات بطريق التنصيص عليها وإن كانت
ترد مجملة فلهذا لا تدخل في سلك الإيمان، فإن كان المرض العقلي قد حال بينك وبين
صحة الإيمان بوجود الحق فقد حال بينك وبين العلم الضروري، فإن العلم بوجود الصانع
عند ظهور الصنعة للناظر ضروري، وإن لم يعلم حقيقة الصانع ولا ماهيته ولا ما يجب أن
يكون عليه، ويجوز ويستحيل إلاّ بعد نظر فكري وإخبار إلهي نبويّ فهذا مرض لا طب فيه،
ومن فقد العلم الضروريّ كان بمنزلة المريض الذي قد استفرغ المرض نفسه بحيث لا يعلم أنه
الفتوحات المكية ج٢ - م١٠

١٤٦
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
مريض ولا ما هو فيه فيرتفع عنه خطاب الشرع لأنه لا عقل له، وأما إذا كان معه الإيمان أو
العلم الضروريّ بوجود الحق الخالق نفى المرض المزيل لصحة التوحيد بأن يقلد فيكون مؤمناً
أو ينظر ويستدل فيكون عالماً، فإن حصل عن نظر واستدلال فمرضه أن إلا يقبل من الشارع ما
جاء به من صفات الحق القادحة في أحدية الذات مع صحة توحيد الإله عقلاً وشرعاً صلَّى وأقام
عبادته مع هذا المرض فإنه نافعه إذ عقله فيه من المرض بحيث أن لا يستطيع إلاَّ هذا القدر الذي
ذكرناه من توحيد الله تعالى، فإن المؤمن الصحيح الإيمان هو الذي يعبد الله الذي وصفه
الشارع، والمؤمن المريض في إيمانه هو الذي يعبد الله الذي دلّ عليه العقل لا غير، وقد نبهتك
على أمر يتضمن عذر كل من اعتذر، وإذا صحَّ التوحيد فهو المطلوب من كل موجود، فكيف إذا
انضاف إلى ذلك أداء العبادات المشروعة في الحركات الخارجة والداخلة.
وصل في فصل - الأسباب التي تفسد الصلاة وتقتضي الإعادة: فاتفقوا على أنه كل من
أخلّ بشرط من شروط صحة الصلاة عمداً أو نسياناً وجبت عليه الإعادة كاستقبال القبلة
والطهارة بذلك، أقول: إلاَّ أني أزيد في العمد من غير عذر.
الاعتبار: شروط السعادة التوحيد أعني عدم الخلود في النار، وشروط النجاة من كل
مقام مهلك من مقام الآخرة ما لا تصحّ النجاة منه إلا بوجوده من غير نظر إلى الرحمة التي
وسعت كل، فإن قلب العارف أوسع من رحمة الله، وإن كان وجوده من رحمة الله فإن رحمة
الله يستحيل أن تسع الله، فإنّ الله لا يتصف بأنه مرحوم، وقلب العارف بالله يسع الحق كما
قال: وسعني قلب عبدي المؤمن، فرحمة الله وسعت كل شيء، وقلب العبد العارف يسع
الحق والرحمة التي وسعت كل شيء ويسع كل شيء فهو الواسع المطلق، والعلة في ذلك
كون الوجود وجود الحق، فتنبّه يا غافل عن درك هذه المعاقل.
وصل في فصل - الحدث الذي يقطع الصلاة هل يقتضي الإعادة أم يبني على ما مضى
من صلاته: فذهب الأكثرون إلى أنه لا يبني لا في الحدث ولا في غيره ممّا يقطع الصلاة إلاّ
في الرعاف فقط. ومنهم من قال: ولا في الرعاف أيضاً. ومن قائل: يبني في الأحداث كلها،
والذي أقول به أن كل حدث يقطع الصلاة فلا يخلو إما أن يكون من الأحداث التي تنتقض
معه الطهارة، أو يكون من الأحداث التي تقطع الصلاة ولا تنتقض به الطهارة، فإن كان ممّا
يؤثر في الطهارة فإنه لا يبني، وإن لم يؤثر فإنه يبني، ولكن بشرط أن لا يزيد على ما لا بدّ من
فعله في إزالة ذلك السبب القاطع للصلاة، فإن زاد لم يبن وأعاد.
وصل الاعتبار في ذلك: القاطع للمناجاة والحائل بينك وبين المشاهدة هل يؤثر في
الدار الآخرة عند الرؤية بحيث أن يكون كالفواق بين الحلبتين أو لا يؤثر وتتصل الرؤية
والمشاهدة؟ فإن كان القاطع حدثاً وهو لا يؤثر في الإيمان فإنه لا يكون ثمرة لما تقدّم له قبل
هذا الحدث من المناجاة المشروعة فهو بمنزلة الذي لا يبني، وإن كان القاطع رؤية سبب
واستناد إليه فإنه يجني ثمرة ما تقدم له من المناجاة قبل طروء هذا القاطع السببيّ، وهو بمنزلة
الذي يبني بلا شك .
٠ ١٠٠٠

١٤٧
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
وصل في فصل - المصلي: إلى سترة أو إلى غير سترة فيمرّ بين يديه شيء هل يقطع
الصلاة عليه أو لا يقطع؟ فمن قائل: لا يقطع الصلاة شيء: ومن قائل: يقطعها المرأة
والكلب والحمار إذا مرّ بين يديه أو بينه وبين سترته، والذي أقول به: إن المار مأثوم وإن
المصلي مأمور بأن يحول بينه وبين المرور ويدفعه ما استطاع، فإن لم يفعل ولم يدفعه
فالمصلي مأثوم والصلاة صحيحة بكل وجه، والحدّ الذي يلزمه دفعه عنه هو حد موضع
جبهته في سجوده من الأرض، فإذا حال بينه وبين موضع سجوده فذلك المأمور بأن يدفعه
ويقاتله، وما زاد على ذلك فلا يلزم المصلي دفعه ولا قتاله، والإثم يتعلق بالمار في القدر
الذي يسمّى بين يديه عند العرب إذ لم يحد الشارع في ذلك شيئاً.
الاعتبار في ذلك: الحق قبلة العبد، فمن مرّ بين الله وبين عبده بنفسه لا بربه فوباله
يجور عليه، وللمصلي الذي هو المناجي أن ينبهه ويردّه عن رؤية نفسه في ذلك فإنه مأمور
بالنصيحة لله ولرسوله ولعامّة المسلمين ولأئمتهم ولكافة الناس أجمعين، فإن تعين عليه
موضع النصيحة ولم ينصح كان آئماً، والمناجي على حاله صحيح المناجاة على كل حال وإن
كان مأثوماً، فإن كان المار خاطراً يخطر له في حال صلاته بينه وبين ربّه، فإن كان في صلاة
صحيحة بقلبه فمن المحال أن يمرّ به خلاف ما هو به بحسب الآية التي يكون فيها أو الذكر،
وأما غير ذلك فلا يجد منفذاً. وأما إن كان ساهياً عن نفسه ومرّت الخواطر فلا يخلو في أول
العقد والاستحضار إن كان حاضراً مع ربّه، فلا يبالي بما خطر له وصلاته صحيحة فإنه حاضر
مع نفسه أنه مناج ربّه، فإن كان ممّن يناجي ربّه في كل شيء في حال صلاته كعمر بن
الخطاب، أو يرى أن كل شيء صادر عن الحق في حال مناجاته بينه وبين ربّه كأبي بكر
فصلاته في باطنه صحيحة، وذلك الصادر لا يخلو من أن يكون ذا إرادة أو لا يكون، فإن لم
يكن فلا شيء عليه، وإن كان ذا إرادة فلا يخلو إما أن يكون مجبوراً في مروره بين يديه في
عين اختياره عنده أو لا يكون إلاَّ مختاراً، فالمختار يأثم والمجبور ليس بآثم.
وصل في فصل - النفخ في الصلاة: فقوم كرهوه، وقوم أوجبوا منه الإعادة، وقوم فرّقوا
بين أن يسمع أو لا يسمع. فاعلم أن ذلك راجع إلى أنه كلام أو ليس بكلام وهو غير حسن بلا
خلاف .
وصل الاعتبار في ذلك: عيسى عليه السلام حاضر مع ربّه في كل حال ولم يقطع نفخه
الروح في الطائر حضوره مع ربه، ونفخه وقع بإذنه، و کیف یؤذن له فیما یحجبه عن حضوره
مع ربّه وهو مطلوب هو، وكل مخلوق أن لا يزال الحق بين أعينهم وفي سرائرهم كما لا يزال
بعينه وهو المراقبة في الطرفين، فمن اعتبر النفخ بدلاً من ﴿كُنْ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠] جعله
كلاماً، ومن اعتبره لا بمعنى ﴿كُنْ﴾ وإنما اعتبره سبباً لم يجعله كلاماً ويجعل قوله: ﴿بِإِذْنِ﴾
[سورة المائدة: الآية ١١٠] معمولاً لقوله: ﴿فَيَكُنُ طَيِرًا﴾ [آل عمران: الآية ٤٩] لا لقوله: ﴿فَتَنْفُخُ
فِيهَا﴾ [سورة المائدة: الآية ١١٠].
وصل في فصل - الضحك في الصلاة: اتفقوا على أنه يقطع الصلاة، واختلفوا في

١٤٨
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
التبسّم. فمن قائل: هو بمنزلة الضحك فقال: يقطع الصلاة. ومن قائل: لا يلحق بالضحك
فلا يقطع الصلاة.
وصل الاعتبار في ذلك: الضحك للمناجي يقدح في الهيبة والأدب وغير الأديب لا
يناجي، فإن تبسم لا يخلو إما أن يتبسم من أجل ضحك ربه في نازلة تقع كمثل عجوز موسى
عليه السلام وقصة هناد، فمن الأدب أن يتبسم العبد في مثل هذه النوازل لضحك الحق. وأما
إن كان في نازلة تعطي التبسم لنفسه فتبسم فإنه سيىء الأدب فلا يصلح للحضور ويحال بينه
وبين الحضور فيستأنف التوبة والعمل فهو بمنزلة من يقول: إن التبسم يقطع الصلاة.
وصل في فصل - صلاة الحاقن: فمن قائل: تبطل صلاته ويعيد. ومن قائل: بالكراهة،
والذي أذهب إليه أن النهي لا يدل على فساد المنهي وإنما يدل على تأثيم فاعله فقط، فتكون
صلاة الحاقن جائزة وهو مأثوم كالمصلي في الدار المغصوبة .
وصل الاعتبار في ذلك: الخبيث السريرة في حال الصلاة المفكر في سوء يفعله أو
يوقعه بأحد إذا فرغ من صلاته مع كونه مؤمناً فالصلاة صحيحة وهو ممن حدث نفسه بسوء
وقد عفي عن ذلك ما لم يعمل أو يتكلم به.
وصل في فصل - المصلي يردّ السلام على من يسلم عليه: فرخصت فيه طائفة وبه أقول
فإنه ذكر الله، وهو من الأذكار المشروعة في التشهد في الصلاة فله أصل يرجع إليه، والدعاء
في الصلاة جائز، وفيه ذكر الناس مثل قول المصلي: اغفر لي ولوالديّ. ومنع ذلك قوم
بالقول وأجازوه بالإشارة، ومنعه آخرون على الإطلاق، وأجاز قوم أن يردّه في نفسه، وقال
قوم: يردّ إذا فرغ من الصلاة.
وصل الاعتبار في ذلك: قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُبِّيْتُمْ بِنَحِيَّةٍ فَحَيُواْ﴾ [سورة النساء: الآية ٨٦] فجاء
بالفاء فلا يجوز التأخير ولم يخص صلاة من غيرها، فكل ذكر الله مشروع بدعاء أو غيره معين
كتشميت العاطس وردّ السلام فإنه يجوز التلفظ به في الصلاة وغيرها إذا لم يكن واجباً، فكيف
والوجوب مقرون بردّ السلام وتشميت العاطس إذا حمد الله. انتهى الجزء الثالث والأربعون.
(الجزء الرابع والأربعون)
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرّحمةِ
وصل في فصل - القضاء
اتفق المسلمون على وجوبه على الناسي والنائم، واختلفوا في العامد والمغمى عليه،
والذي أذهب إليه أن الناسي والنائم وجب على كل واحد منهما أداء الصلاة التي نام عنها أو
نسيها، فإن أراد الفقهاء بالقضاء وجوب الصلاة عليه كما يريدون بالأداء فيه أقول، وإن أرادوا
به الفرقان بين من أذاها في الوقت المعلوم المخاطب به اليقظان الذي يعصي العامد لتركها فيه
وبين أدائها في وقت تذكر الناسي ويقظة النائم بالقضاء فلا بأس، وإن أرادوا بالقضاء خلاف ما
ذكرناه وأنه غير مؤدّ للصلاة وأنه صلاها في غير وقتها على خلاف صورة ما ذكرناه فلا أقول

١٤٩
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
به، فإن الناسي والنائم غير مخاطب بتلك الصلاة في حال نسيانه ونومه وما ذلك وقتاً في
حقهما فإن الله ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٦] ولولا أن الشارع جعل
للناسي وللنائم وقتاً عند الذكرى واليقظة لسقطت تلك الصلاة عنهما مع خروج الوقت المعلوم
لها عند المتيقظين الذاكرين كما تسقط عن المغمى عليه.
وصل الاعتبار في ذلك: الناسي هو العارف بأنه ما في الوجود إلاَّ الله وصفاته وأفعاله
وأنه عين الوجود، فيلزم صاحب هذا المقام من المعرفة بالله من الأدب مع الله مع ما تقتضيه
هذه المعرفة وأساء الأدب مع الله الذي تعطيه هذه المعرفة لم يؤاخذ به، بل إن كان له ذکر
مقرر في حق من ليست له هذه المعرفة وهو معلوم مذكور في هذا الكتاب وفي علم طريق
الله، فإذا نسي هذا العارف هذه المعرفة فهو عند الله بحسب ما ذكره وقرّره في حق ذلك إن
خيراً فخير أو إن شراً فشرّ، فإن الناسي قد يكون سبب نسيانه استفراغه في شغل محرّم، أو في
شغل مباح، أو في شغل مندوب، فيكون مأجوراً في نسيانه من حيث ذلك المندوب لا من
حيث النسيان، ويكون مأثوماً من حيث ذلك المحرم، ويكون معرى عن الأجر والوزر من
حيث ذلك المباح، فإذا تذكر هذا الناسي معرفته عاملها بما يقتضيه أدبها وتعيّن عليه فيما
مضى من أحكامها وآدابها في حال نسيانه في حركاته وسكناته أن يحضرها في نفسه على الحد
الذي يقتضيه معرفته فيها، فإذا أحضرها أحضر في نفسه ما ينبغي لها من الآداب فذلك وقتها،
فإن لم يفعل آخذه الله بما كان فيها في حال نسيانه من سوء الأدب بسبب عدم استحضارها في
وقت الذكرى فإن الله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾ [سورة طه: الآية ١٤].
وأما اعتبار النائم العارف هذه المعرفة فهو الذي حجبه النظر في طبيعته وما لها من الحكم
فيه من غير نظر إلى مكوّنها وهو ضرب خاص من النسيان لأنه تارك للعمل أو غير موجود منه
العمل المطلوب في تلك الحالة، فإن كان نظره الذي هو نومه في حكم طبيعته من حيث ما
تقتضيه حقيقتها لذاتها غير ذاكر ولا مشاهد لموجد عينها لم يؤاخذه الله بما نقصه من الأدب الذي
يطلب به الحاضر مع معرفته، فمتى استيقظ هذا النائم أحضر الحق في نفسه موجداً لعين تلك
الطبيعة مع تقرير حكمها التابع لوجود عينها كالأحوال، فيتأذّب بالحضور الذي يليق بتلك
المسألة مع الله، فيكون بمنزلة من لم ينم في ذلك الاستحضار، فإن لم يفعل عوقب من كونه لم
يستحضره لا من كونه كان قد نام عنها، فإن كانت الأسباب الموجبة لنومه أموراً كان حظه فيها
على حكم وجه الشرع لها فيتعلق الإثم به من حيث ذلك السبب وحكم الشرع لا من حكم نومه،
أو يتعلق به الأجر إن كان حكم الشرع فيه الأجر من حيث ذلك السبب لا من حيث نومه سواء،
فهكذا ينبغي أن يكون نوم العارفين ونسيانهم في هذا الاعتبار في المعرفة بالله، فإن خطاب
الشرع إذا تعلق بالظاهر كان اعتباره في الباطن، وإذا تعلق خطاب الشرع بالباطن كان اعتباره في
الظاهر، فالعالم لا يزال ناظراً إلى الشارع بمن علّق الحكم فيما جاء به في هذه المسألة الخاصة،
هل بالظاهر مثل الحركات أو بالباطن مثل النية والحسد والغل وتمني الخير للمؤمنين والظنّ
الحسن والظنّ القبيح، فحيث ما علق الشارع خطاب اللسان الظاهر به كان الاعتبار في مقابله أو

١٥٠
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
في مقابل الحكم كالظنّ الحسن يقابله الظنّ القبيح، ويقابله الفعل الحسن في الظاهر، هذه
مقابلة الموطن كفعل الخير مع الذميّ من كونه مقرّاً بربه غير عارف بما ينبغي له .
وصل في فصل - العامد والمغمى عليه: اختلف العلماء فيه، فمن قائل: إن العامد
يجب عليه القضاء. ومن قائل: لا يجب عليه القضاء وبه أقول وما اختلف فيه أحد أنه آئم.
وأما المغمى عليه، فمن قائل: لا قضاء عليه وبه أقول. ومن قائل: بوجوب القضاء وهو
الأحسن عندي فإنه إن لم تكتب له في نفس الأمر فريضة كتبت له نافلة فهو الأحوط،
فالقائلون بوجوب القضاء منهم من اشترط القضاء في عدد معلوم فقالوا: يقضي في الخمس
فما دونها .
وصل الاعتبار في ذلك: أما العامد في ترك ما أمره الله به فلا قضاء عليه فإنه ممّن أضلّه
الله على علم، فينبغي أن يسلم إسلاماً جديداً فإنه مجاهر، وهذا لا يمكن أن يقع ممّن أخذ
علمه بالله عن ذوق وكشف، وإنما يقع هذا ممّن أخذ علمه بالله عن دليل ونظر فيقول:
الحركات والسكنات كلها بيد الله، فما جعل في نفسي أداء ما أمرني بأدائه يقول: وعلى
الحقيقة فهو الآمر والسامع والمخاطب فهو على بصيرة، والمخاطب تشقيه وتحول بينه وبين
سعادته فتضرّه في الآخرة وإن التذّ بها في الدنيا ولا يضر الله شيء، وهذه مجاهرة بحق لا
تنفع، فلو كان عن ذوق وكشف منعته هيبة الجلال وعظيم المقام وسلطان الحال الذوقيّ أن
يكون مثل هذا ويترك أداء حق الله على صحو فهو بمنزلة من يسبّ السلطان لعدم نظره إليه،
فإذا فاجأه حكمت الهيبة على قلبه فسارع إلى أمره فمثل هذا العلم لا ينفعه فإنه عن دليل
كأعمى يمشي بعصا لا عن بصيرة، كمن يقتدي ببصره في طريقه. وأما اعتبار المغمى عليه
فهو صاحب الحال الذي أفناه الجلال أو هيّمه الجمال فلا يعقل، فيكون الحق متوليه في تلك
الغيبة في حسّه بما شاء أن يجريه عليه، وقد أقمت أنا في هذه الحالة مدّة ولم أخلّ بشيء من
حركات الصلاة الظاهرة بالجماعة على أتم ما يمكن إماماً ولا علم لي بشيء من هذا كله، فلما
أفقت ورددت إلى حسّي في عالم الشهادة أعلمني الحاضرون أنه ما فاتني شيء ممّا توجّه عليّ
من التكليف كما يتوجّه على العاقل الذاكر، ومن أهل طريقنا من لا تكون له هذه الحالة وهي
حالة شريفة حيث لم يجر عليه لسان ذنب.
وحكي عن الشبليّ أنه كان يأخذه الوله ويرد في أوقات الصلوات فإذا فرغ من الصلاة
أخذه الوله فقال الجنيد حين قيل له عنه: الحمد لله الذي لم يجر عليه لسان ذنب، فقد يمكن
أن يكون الشبليّ في ذلك الوقت يصلي به وهو غير عالم بذلك، وحكم الناس الحاضرون
عليه بأنه مردود لما رأوه من أدائه الصلاة مثل ما اتفق لنا فقالوا بصورة الظاهر منه وهو في
نفس الأمر لا علم له، ومنهم من يرد وليس كلامنا إلاَّ فيمن أخذ عن نفسه في وقت أداء فرض
عليه في الظاهر، وأمّا في غير ذلك الوقت فما هي مسألتنا. وأما الذين اشترطوا الخمس فما
دونها لأنّ كل صلاة من الخمس أصل مغايرة للأخرى في الوقت وبعض الصفات، فإذا
انقضت الخمس كان ما بعد الخمس بصفة كل واحدة منهنّ فاعتبرهنّ لكونهنّ أصولاً، وما

١٥١
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
قصر هذا الفقيه في مثل هذا فإنها حكمة بالغة لمن عرف الحقائق من هذا الطريق، ومن عرف
أن الحقيقة تقتضي أن لا تكرار لم يقل بذلك وهو الأصل الأوّل والعارف بحسب ما يفتح عليه
في وقته .
وصل في فصل - صفة القضاء: القضاء نوعان: قضاء لجملة الصلاة وقضاء لبعضها .
أما قضاء الجملة فله صفة وشرط ووقت. فأما الصفة: فهي بعينها صفة الأداء فيما في نفس
الصلاة من الأعراض، فإن اختلفت الأحوال مثل أن يذكر صلاة نسيها في حال سفره في حال
حضره وبالعكس فهذا معنى اختلاف الأحوال، فمن قائل: يقضي مثل الذي عليه ولا يراعي
وقت الذكر. ومن قائل: يقضي أربعاً أبداً سفرية كانت أو حضرية. ومن قائل: يقضي أبدا
فرض الحال أعني وقت الذكر، فإن كان في سفر والذي نسيها حضرية قضاها سفرية وبالعكس
وبه أقول فإن ذلك وقتها عندنا .
وصل الاعتبار في ذلك: من رأى أن الحال له حكم في المقام قال بقولنا. ومن رأى أن
الحال لا حكم لها لأن الدنيا ليست بقوّة للحال عمل بحكم المقام فأدّى مثل ما عليه. ومن
رأى أن المقام الذي هو فيه الأصل الذي يعتمد عليه ولا حكم لمقام آخر مع تداخل المقامات
بعضها على بعض كالورع والزهد يجمعهما الترك والتسليم والتفويض والتوكل يجمع ذلك كله
عدم الاعتراض في المقدور والرضى بحكم الله في وارد الوقت فيعمل بالأتم الأعم وهو الذي
يقضي أربعاً أبداً، والشارع إنما يعتبر الأحوال وعليها تتوجه الأحكام والذوات محال للأحوال
تبعاً. فزيد المختار الميتة عليه حرام، وإذا اتصف زيد المختار بالاضطرار فالميتة له حلال وهو
زيد بعينه، وإنما اختلفت الأحوال فاختلفت الأحكام، فلهذا يقضي الحضرية سفرية إذا كان حاله
السفر في وقت الذكر، ويقضي السفرية حضرية إذا كان حاله الحضر في وقت الذكر.
وصل في الشرط: وأما شرطه الذي اختلف فيه فهو الترتيب، واختلفوا في وجوب
ترتيب القضاء في المنسيات من الصلاة مع الصلاة الحاضرة في وقت الذكر وترتيب المنسيات
بعضها مع بعض إذا كانت أكثر من واحدة، فذهب قوم إلى أن الترتيب واجب فيها في الخمس
صلوات فما دونها وأنه يبدأ بالمنسيات وإن فات وقت الحاضرة حتى لو ذكرها وهو في نفس
الصلاة الحاضرة فسدت عليه الصلاة التي هو فيها مع الذكرى، وقال بعضهم بمثل هذا القول
إلاّ أنهم رأوا وجوب الترتيب مع اتساع وقت الحاضرة، واتفق هؤلاء على سقوط وجوب
الترتيب مع النسيان. وقال آخر: لا يجب الترتيب ولكن إن كان في وقت الحاضرة اتساع
فالترتيب حسن .
وصل الاعتبار في هذا الشرط: الحكم عند المحققين للوقت لا لغيره، وذكر المنسي له
الوقت فالحكم له ولا اتساع للوقت عندنا فإنه زمن فرد، وإنما الاتساع في بعض الأوقات
المشروعة للأحكام، واتساع الأوقات عند العارفين إنما هو مثلاً من كونها صلاة أو هيئة
مخصوصة في عبادة، فتلك الهيئة وذلك الاسم يصحبها دائماً في وقتها، وفي تكرار تلك
الصورة في أوقات متعدّدة، فمن هنالك يقولون باتساع الوقت وهو أوقات، ومن لم يكن من

١٥٢
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
العارفين صاحب نفس قال باتساع الوقت وهم أهل الشرب والريّ، والأوّل أعرف بالحقائق
وأكشف لدقائق الأمور، فإن التجليات والأحوال تختلف مع الأنفاس، وما يعلم ذلك إلاَّ
القليل من العلماء بالله من أهل الله، فإن الحسّ والطبع يحجبان العقل عمّا تعطيه مرتبته من
النظر في دقائق الأمور ولطائفها وبسائطها .
وصل تنبيه: هذه المسألة ما ثم أصل يرجع إليه فيها فإن أوقات الصلوات المنسيات
مختلفة، ولا يكون الترتيب في القضاء إلاّ في الوقت الواحد الذي يكون بعينه وقتاً للصلاتين
معاً، وهذا يتصوّر في مذهب من يقول بالجمع بين الصلاتين فيكون له أصل يرجع إليه في
نظره .
وصل في فصل - القضاء الثاني الذي هو قضاء بعض الصلاة: فلهذا الفوات سببان:
الواحد: النسيان. والثاني: ما يفوت المأموم من صلاة الإمام.
اعتبار السببين: أمّا النسيان فيعلم ما يقتضيه المقام الذي هو فيه ممّا ينبغي أن يعامله به،
فينسى بعض الوجوه ممّا يقدح فيما ينتجه من المنازل والكرامات. والسبب الثاني: هو أن
يكون للإمام الذي هو الشرع المتبع فيه قول وحكم فما وصل إليه، فإذا أخذ في تحصيل
المقام وأكمله على حدّ ما علمه رأى نقصاً في نتيجته فطلب علم السبب فوجد نفسه قد ترك
منه ما ينبغي له أن يستعمله ولم يكن له علم بذلك، فعثر على حديث نبويّ أو آية من كتاب الله
تعالى فاته العمل بذلك فعمل على ذلك فصح له نتائج المقام، فهذا بمنزلة ما فاته من صلاة
الإمام كأبي يزيد البسطامي أوحشه السراج ليلة وكان حاله الورع فقال لأصحابه: إني أجد في
السراج وحشة، فقالوا: يا سيدنا استعرنا قارورة من البقال لنسوق فيها الدهن مرة واحدة
فسقناه فيها مرتين، فقال: عرفوا البقال وأرضوه، ففعلوا وزالت الوحشة، وكان رضي الله عنه
في حال كان وقته التجريد وعدم الادخار فقال يوماً لأصحابه: فقدت قلبي فاطلبوا البيت
فوجدوا فيه معلاق عنب فقال: رجع بيتنا بيت البقالين فتصدقوا به فوجد قلبه. واتفق لشيخنا
أبي مدين وكان وقته التجريد وعدم الادخار فنسي في جيبه ديناراً وكان كثيراً ما يرتب منقطعاً
في جبل الكواكب وكانت هناك غزالة تأتي إليه فتدرّ عليه فيكون ذلك قوّته، فلما جاء إلى
الجبل جاءت الغزالة وهو محتاج إلى الطعام فمدّ يده على عادته إليها ليشرب من لبنها فنفرت
عنه وما زالت تنطحه بقرونها وكلما مدّ يده إليها نفرت منه ففكر في سبب ذلك فتذكر الدينار
فأخرجه من جيبه ورمى به في موضع فقده ولا يجده فجاءت إليه الغزالة وآنست به ودرّت
عليه .
وصل في فصل - المأموم يفوته بعض الصلاة مع الإمام: إذا دخل الإنسان والإمام قد
هوى إلى الركوع فقال قوم: إذا أدرك الإمام ولم يرفع رأسه من الركوع وركع معه فهو مدرك
للركعة وليس عليه قضاؤها، وهؤلاء اختلفوا في شرط هذا الداخل هل من شرط هذا الداخل
أن يكبر تكبيرتين تكبيرة للإحرام وتكبيرة للركوع أو تجزيه تكبيرة الركوع؟ وإن كانت تجزيه
فهل من شرطها أن ينوي بها تكبيرة الإحرام أم ليس ذلك من شرطها؟ فقال بعضهم: تكفيه

١٥٣
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
تكبيرة واحدة إذا نوى بها تكبيرة الإحرام. وقال قوم: لا بدّ من تكبيرتين. وقال قوم: تجزيه
تكبيرة واحدة وإن لم ينو بها تكبيرة الافتتاح. وأما القول الثاني: فذهب قوم إلى أنه إذا رفع
الإمام فقد فاتته الركعة ما لم يدركه قائماً قاله أبو هريرة. وقول ثالث وهو إذا انتهى الداخل إلى
الصف الأخير وقد رفع الإمام رأسه ولم يرفع بعضهم فأدرك ذلك أنه يجزيه لأن بعضهم أئمة
لبعض، والذي أذهب إليه في ذلك أنه من راعى الركعة اللغوية قال: من أدركه في حال
الانحناء، ومن راعى الركعة الشرعية وهي القيام والانحناء والسجود قال: إنه لم يدركه إذا لم
يدركه قائماً في حال تكبيره ودخوله في الصلاة أعني هذا الداخل ومراعاة الركعة الشرعية
أولى، غير أن الشرع أيضاً قد سمّى الانحناء ركوعاً كما هو في اللغة في قوله وَلّ حين نزلت:
﴿فَسَيِّحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [سورة الواقعة: الآية ٧٤] قال: اجعلوها في ركوعكم يريد وقت
الانحناء. وبالجملة فهي مسألة فيها نظر، وكل ناظر بحسب ما أعطاه دليله الذي أدّاه إليه
اجتهاده، ومذهبنا في هذه المسألة ما كملته على ما هو عندي لما فيه من الطول، وما نعبد الله
الناس بنظريّ فهو حكم يخصني أعطانيه دليلي.
وصل الاعتبار في ذلك: إمام العلماء بالله هو الحق سبحانه، فإذا نزل إليهم في ألطافه
الخفية بأوصاف البشرية من الفرح بهم والضحك لهم والتبشّش لقدومهم عليه يريدون مناجاته
في بيته يا عبدي يا عبدي إن شردت عني دعوتك إليّ بالحال، وهو عبارة عن دخول وقت
الصلاة بالقول وهو عبارة عن الأذان، يا عبدي وإن عصيتني سترت عليك بأن سترتك عن
أعين من وليته إقامة حدودي فيك وفي أمثالك فلم أواخذك وتحببت إليك بالنعم وجررت على
خطيئتك ذيل الكرم فمحا آثارها كرمي ودعتك إليّ بالقدوم على نعمي، فإن رجعت إليّ قبلتك
على ما كان منك من يفعل معك ذلك مع غناه عنك وفقرك إليه غيري فهذا من الحق بمنزلة
الركوع من العبد، فإذا فات المصلي أن يدرك من الحق مثل هذا كما فاته أن يسمع قول الحق
في صلاته حمدني عبدي وأثنى عليّ عبدي ومجّدني عبدي وفوّض إليّ عبدي بسمعه لا
بإيمانه، وتملق العبد لمولاه وتحبّب إليه وعرف أنه ما نزل إليه سبحانه هذا النزول إلاَّ لسرّ
خفي أبطنه فيه، فينزّهه العبد عن كل ما نزل فيه إليه بأن يقول: سبحانك ليس كمثلك شيء.
ولهذا أمر العبد بالتنزيه في الركوع ليقابل بذلك نزول الحق إليه بمثل ما ذكرناه من كونه
سبحانه يصلي علينا فينزلنا في صلاته علينا على ثلاث مراتب: المرتبة الواحدة: أن يجعلنا في
صلاته علينا كالوطاء الذي نصلي عليه. والثانية: أن يصلي علينا صلاتنا على الجنازة.
والثالثة: كالصلاة على النبي ◌َّر، ولكل نوع طائفة معينة لها حال معين، فإنه سبحانه قد ذكر
أنه يصلي علينا فقال: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلِى عَلَيْكُمْ وَمَلَتَبِكْتُهُ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٤٣] كما قال فجمع
بينه وبين ملائكته في الصلاة على نبيه فقال: هوالذي يصلي عليكم وملائكته يصلون على
النبيّ ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ بصلاتنا عليه ﴿صَلُّواْ عَلَيْهِ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٥٦] وقد أمره بالجزاء
فقال: ﴿وَصَلّ عَلَيْهِمَّ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [سورة التوبة: الآية ١٠٣] فما أعجب القرآن لمن تدبر
آیاته و تذکر .

١٥٤
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
فينبغي للعبد أن يكون بين يدي الحق عند صلاته عليه كالجنازة ميتاً لا حراك له ولا
دعوى وهو في قبلة ربّه، فإن وافق ركوع العبد نزول الحق إليه بمثل قوله: ﴿قُلْ كُلِّ يَعْمَلُ
عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٨٤] فقد أدرك الركعة، ومن لم يقابل نزول الحق بركوعه عند
هذا النزول الإلهيّ بالاسم الكريم إليه فما أدرك الركعة لغوية كانت أو شرعية، فإن اعتباره في
إدراكه قائماً قبل أن يركع يعني قبل أن ينحني فهو قيامه بمصالح عباده ونظره لهم في قيامه
بهم، فإنه القائم على كل نفس بما كسبت بعين الرحمة فيرزقهم ويحسن إليهم وهم به
مشركون وكافرون، وقل عن الأدباء ما شئت ويدعوهم وهم عنه معرضون، وعلى هواهم
الذي اتخذوه إلهاً مقبلون، وكذلك في السجود في مذهب من يرى الركعة المعتبرة للشرع أنها
القيام من قيامه والانحناء من حنوّه على عباده باسمه الحنّان بما ذكرناه، والسجود الإلهيّ وهو
أعظم النزول الإلهيّ الذي أنزل الحق فيه نفسه منزلة عبده وهو قوله: مرضت فلم تُعدني،
وجعت فلم تطعمني، وظمئت فلم تسقني، وأكثر من هذا النزول الإلهيّ فلا يكون، ثم فسّر
ذلك بأنّ فلاناً مرض وفلاناً جاع وفلاناً ظمىء فأنزل نفسه منازلهم في أحوالهم وأضاف ذلك
إليه في كنايته عن نفسه بهذه الأحوال، فمن أدرك ذلك كله من الحق في صلاته فقد أدرك
الركعة الإلهية من حيث إنّ الحق إمامه فيقابله العبد بما يستحق هذا الإنعام الإلهيّ من الشكر
بالثناء بأوصاف السلب والتنزيه والكبرياء والعلوّ والعظمة والجبروت، فهذه هي الركعة
المشروعة، والخلاف في هذه المسألة يؤول إلى اختلاف العلماء في الأخذ ببعض دلالة
الأسماء أو بكلها، فقد يسمّى بعض الركعة ركعة كما يسمّى كلها بجميع أجزائها ركعة، كما
يقال في أمر النبيّ وَلّ في غسل الذكر فمن غسل رأس ذكره أجزأه فإنه ينطلق عليه اسم الذكر
فیقال في اللسان فیمن غسل رأس ذكره إنه غسل ذكره وإن لم یعمه کغسل اسم اليد.
وصل في فصل مما يتعلق بهذا الباب: إذا سها المأموم عن اتباع الإمام في الركوع حتى
يسجد فقال قوم: إذا فاته إدراك الركوع معه فقد فاتته الركعة ووجب عليه قضاؤها. وقال قوم:
يعتد بالركعة إذا أمكنه أن يتم من الركوع قبل أن يقوم الإمام إلى الركعة الثانية. وقال قوم:
يتبعه ويعتدّ بالركعة ما لم يرفع الإمام رأسه من الانحناء من الركعة الثانية. وهذه الأقوال
المختلفة تنبني عندي على مفهومهم من قوله بَّرَ: ((إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا
عَلَيْهِ)) الحديث، فهل من شرط المأموم أن يقارن فعله فعل الإمام أو ليس من شرطه؟ وهل هذا
شرط في جميع أجزاء الركعة المشروعة الثلاثة وهو: القيام والانحناء والسجود؟ أم إنما هو
شرط في بعضها؟ وإذا كان الإمام في فعل جزء من أجزاء الركعة والمأموم في جزء آخر وقد
قال: ((لاَ تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ)) فهو اختلاف عليه، وهذا الحديث إذا حققه الإنسان مع أحاديث أخر
معلومة في هذه المسألة عينها فإنه يبدو له أنّ كل قول في هذه المسألة ممّا حكيناه له متعلق
فجميع أقوالهم مشروعة وإن اختلفت فالحمد لله الذي جعل في الأمر سعة.
وصل الاعتبار في ذلك: سهو العبد عن اتباع الحق فيما أمره به ونهاه عنه أو فيما ينبغي
أن يتأذّب به معه في مقابلة إنعامه وإحسانه شكراً مؤثّر في إبطال ما فاته من علم ما كان يحصل

١٥٥
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
له من تجليه في ذلك القدر الذي فاته، واختلف أصحابنا في هذه المسألة على ما نذكره فقال
قوم: إذا فاتتك نظرة واحدة من الحق في وقتك وقد كنت تشهده قبل ذلك مستصحباً من وقت
معرفتك به الذوقية وكان ما فاتك منه في نظرة وقتك أكثر ممّا نلته ممّا تقدّم إلى وقتك، وأنا
أذكر ما السبب في ذلك وهو أن كل نظرة تكون من العبد إلى الحق في تجليه له تتضمن معرفة
كل نظرة ولذتها ممّا تقدّمتها وتزيد على ذلك بما تعطيه حقيقة نظرة الوقت فقد فاته خير كثير
فعليه قضاء ما فات ليحصل له هذا العلم، ووقع لهم في هذا غلط كبير من حيث لا يشعرون،
وذلك أن المصلي إذا فاته مع الإمام ما فاته فما أدرك فهي أوّل صلاته ويتم على ما هي الصلاة
المشروعة وما عندنا قاض إلاّ إذا كان القضاء بمعنى الأداء فهو صحيح، وأمّا غلط أصحابنا
فإنّ الذي تقدّم هذه النظرة الوقتية من نظرات التجلّي فهي هنا بحكم التبعية لهذه النظرة وكل
نظرة في وقتها في عين سلطانها، وأين تصرف الشيء في ملكه من تصرّفه في ملك غيره
فافهم .
ثم نرجع ونقول: وقال قوم من أصحابنا بأنّ هذا التجلّي الذي هو فيه يتضمن ما فاته
وما ناله فيعتدّ بما أدركه فإنه يناله فيه، والذي أذهب إليه هو ما ذكرناه من أن إدراك الأمر
بحكم التضمّن ما هو مثل إدراكه بحكم التصريح ومشاهدة العين، فإن الواحد الذي هو
سلطان الوقت هو إدراك تفصيليّ عينيّ له ذوق خاص، والآخر المضمن إدراك إجماليّ غير
عينيّ فله ذوق آخر متميز عن ذوقه في وقته، أين الرؤية لصاحب الورث الموسويّ منا؟ وإن
كان من مشكاة محمد ◌ّ# من الرؤية المحمدية من المحمديّ الخالص مع كونها تتضمن
الرؤية الموسوية لكنها هنا تبع وفي زمان سلطانها شيء آخر، فتتفاضل الورثة في الميراث
بحكم طبقاتهم، فمن الورثة من يحوز المال كله والوارث النصف والربع والثمن والثلث
والسدس إلى غير ذلك، فالجامع بين الإدراكين كل إدراك في مقامه لا يساوي ولا يماثل
المدرك لأحدهما دون الآخر من الطرفين، فإن الذائق العسل على حدة، ثم يذوقه في شراب
التفاح مثلاً فقد أدركه ذوقاً في الحالين، ولكن يجد فرقاناً بين الذوقين بلا شك، وأين حكمه
عسلاً من حكمه شراباً أو شراب تفاح؟
وصل في فصل - إتيان المأموم بما فاته من الصلاة مع الإمام هل هو قضاء أو أداء على
اصطلاح الفقهاء؟: فإن قلت: فهل إتيان المأموم بما فاته من الصلاة مع الإمام قضاء أو في
الظاهر؟ قلنا في الجواب: إن الشرع المقرّر فيه ثلاث مذاهب: مذهب أن ما يأتي به بعد سلام
الإمام فهو قضاء، وأن ما أدرك مع الإمام ليس هو أوّل صلاته. ومذهب آخر: أن الذي يأتي
به بعد سلام الإمام فهو أداء، وأن ما أدركه مع الإمام هو أوّل صلاته وبه أقول. ومذهب ثالث
فرّق بين الأقوال والأفعال فقال: يقضي في الأقوال يعني في القراءة ويكون مؤدّياً في الأفعال،
فمن أدرك ركعة من صلاة المغرب على المذهب الأوّل أعني مذهب القضاء قام إذا سلم الإمام
إلى ركعتين يقرأ فيهما بأمّ القرآن وسورة ولا يجلس بينهما. وعلى المذهب الثاني: يقوم إلى
ركعة واحدة يقرأ فيها بأمّ القرآن وسورة يجهر فيها ويجلس ثم يقوم إلى ركعة يقرأ فيها بأمّ

١٥٦
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
القرآن سرّاً فقط. وعلى المذهب الثالث: يقوم إلى ركعة يقرأ فيها بأمّ القرآن وسورة ثم يجلس
ثم يقوم إلى ركعة ثانية يقرأ فيها بأمّ القرآن وسورة. وهذه المذاهب الثلاثة قد وردت في
الحديث. ورد في الخبر : ((فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا)) والإتمام يقتضي أن يكون ما
أدركه هو أوّل صلاته، وفي رواية: ((فَمَّا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُوا وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا)) والقضاء يوجب أن
يكون ما أدرك فهو آخر صلاته، ومن استعمل الحديثين أعني الروايتين وجمع بين القضاء
والأداء فقال: يقضي في الأقوال ويكون مؤدّياً في الأفعال كما بيّناه قبل.
وصل اعتبار هذا الفصل: من اعتبر الحكم للاسم الإلهيّ الذي هو سلطان الوقت
وصاحبه فلا يخلو إن كان هو عين ذلك الاسم الذي له حكم تلك الصلاة كلها من أولها إلى
آخرها في حق الإمام والمأموم فإنه مؤدّ بلا شك، فإنّ ذلك الاسم لا ينفصل عن حكم وقته
بسلام الإمام بل حتى يسلم وينفصل كل من كان في حكم الإمام فإن تلك الحالة من ذلك
الاسم تستصحب لهذا الذي فاته ما فاته ولو أدركه في آخر جلوس في صلاته، ومن اعتبر
الحكم للاسم الذي يعطي الركوع وهو غير الاسم الذي يعطي القيام والقراءة وكل حركة في
الصلاة لها اسم إلهيّ مخصوص وإن شاركه اسم آخر أو أسماء أخر إلهية قال: القضاء ومن
اعتبر حكم الاشتراك بين الأسماء في الصلاة وأنّ لكل اسم فيها نصيباً قال: يؤدّي في كذا
ويقضي في كذا أي يأخذ من تجلي الاسم الفلانيّ ما يعطيه من المعارف، ومن الاسم الآخر
ما يعطيه من العلوم، وبالذوق في ذلك تتميز الأشياء عند العارفين ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّعِ وَالْأَرْضِ ذَاتٍ
الصَّدْعِ إِنَّهُ لَقَوَّلٌ فَضْلٌ﴾ [سورة الطارق: الآية ١١ - ١٣] وليس جهول بالأمور كمن درى فألق سمعك
واحضر بكلك عسى أن تكون من أهل التحصيل فتكون من المفلحين.
وصل في فصل - حكم سجود السهو: اختلفوا في سجود السهو هل هو فرض أو سنّة؟
فمن قائل: إنه سنّة. ومن قائل: إنه فرض لكن ليس هو من شرط صحة الصلاة. وفرّق مالك
بين سجود السهو في الأفعال وبين السجود للسهو في الأقوال وبين الزيادة والنقصان فقال:
سجود السهو الذي يكون للأفعال الناقصة واجب وهو عنده من شروط الصلاة .
وصل في اعتبار هذا الفصل: لما كان السهو سببه الشك أو النسيان والمطلوب اليقين
فلا يعبد الله إلاّ من كان على بيّنة من ربّه أزكاها وأعدلها وأقواها الإيمان الذي يجده المؤمن
بربه في نفسه ممّا لا يقدر على دفعه ودونه في القوّة والطهارة ما هو مبناه على الأدلة النظرية،
فإن انضاف إلى المؤمن أو إلى صاحب النظر الكشف كان أقوى من كل واحد من الاثنين على
انفراد بلا شك وهذا لا يدخله سهو في صلاته، وصاحب النظر وحده هو الذي يدخله السهو،
وكذلك المؤمن المتزلزل فسجود السهو عليه فرض واجب، وهو أنه يرجع في النظر إلى نفسه
وفقره وإمكانه وعجزه ليستدل بذلك على معبوده وغناه ووجوب وجوده ونفوذ اقتداره، فإن
في ذلك العلم ترغيماً للشيطان الذي ألقى إليه الشك في علمه أو عبادته. ولما كانت الصلاة
مناجاة الحق وشهوده وقد قيل له: اعبد الله كأنك تراه. وقيل له: إن الله في قبلة المصلي فإذا
توجه في صلاته وقيد الحق بجهة الاستقبال كما قيل له إلاّ أنه أخلاه عن الإحاطة به، ومثله

١٥٧
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
كالشخص القائم ينظر إليه ويناجيه في قبلته فقد سها عمّا يجب للإله من الإحاطة به والإطلاق
عن التقييد، وهو الذي أيضاً سمّاه الشرع بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١]
فينبغي لمن هذه حالته أن يسجد لسهوه وهو أن يرد ذلك التشبيه والتخيّل والتصوير إلى نفسه وهو
السجود ويقول: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً: واحدة لحسّه، والثانية لخياله، والثالثة لعقله،
فينزّهه عن أن يكون مدركاً لحسّه فيتقيد به أو لقيد خياله أو بقيد عقله فذلك ترغيم للشيطان.
وصل في فصل - في مواضع سجود السهو: فمن قائل: إن موضعه أبداً قبل السلام.
ومن قائل: بعد السلام أبداً. ومن قائل: إن كان النقصان فقبل السلام وإن كان لزيادة فبعد
السلام. ومن قائل: يسجد قبل السلام في المواضع التي سجد لها رسول الله وَلو قبل
السلام، ويسجد بعد السلام في المواضع التي سجد فيها رسول الله وَّر بعد السلام، فما كان
من سجود في غير تلك المواضع فإنه يسجد قبل السلام. ومن قائل: لا يسجد للسهو إلاَّ في
المواضع الخمسة التي سجد فيها رسول الله وَ﴿ فقط، وأمّا غير ذلك فإن كان فرضاً أتی به،
وإن كان ندباً لم يكن عليه شيء، والذي أقول به وأذهب إليه أن المواضع التي سجد فيها
رسول الله ◌َو يسجد فيها، فما سجد له قبل السلام يسجد له قبل السلام، وما سجد له بعد
السلام يسجد له بعد السلام، وأما غير ذلك ممّا سها فيه المصلي فهو مخيّر إن شاء سجد
لذلك قبل السلام وإن شاء سجد له بعد السلام.
وصل اعتبار هذا الفصل: قال الله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدٌ﴾ [سورة الروم:
الآية ٤] فإن قدّم نظره لله على نظره لنفسه فيما سها فيه كان كمن سجد قبل السلام وهو مقام
الصديق ما رأيت شيئاً إلاَّ رأيت الله قبله، وإن قدّم نظره في نفسه على نظره في ربّه كما
قال وَّ: ((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) كان كمن سجد بعد السلام وهو مقام من قال: ما رأيت
شيئاً إلاَّ رأيت الله بعده وهو مقام أصحاب الأدلة العقلية على وجود الصانع، أي ما رأيت شيئاً
إلاَّ وكان لي دليلاً على الله فهو يتقلب في الأدلة دائماً. وأمّا الزيادة والنقصان فهو للعقل ما
نقصه من حيث فكره من علمه بربه ممّا لا يستقل بدركه ممّا وصفه به الشارع بعد ذلك، ولم
يكن العقل يدل على أن ذلك الوصف يستحقه جلال الله بل كان يحيله عليه معنى وإطلاقاً.
وأما الزيادة فما يحكم به الخيال على ربه من التقييد والتحديد من غير اعتقاد تنزيه فيما قيده به
وحدّده، فهذا سهو الزيادة وذاك سهو النقصان، فإن الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] فليس كمثله شيء من هذه الآية هو دليل العقل، وهو
السميع البصير هو دليل السمع، فجمع معتقد هذا بين الدليلين: السمعيّ والعقلي. وأما
المواضع التي سجد فيها رسول الله وَير فهي خمسة: ١- شكّ فسجد. ٢- وقام من اثنتين ولم
يجلس فسجد. ٣- وسلم من اثنتين فسجد. ٤- وسلم من ثلاث فسجد. ٥- وصلَّى خمساً
ساهياً فسجد. واختلف الناس في سجوده هل سجد للزيادة والنقصان أو لسهوه؟ فمن قائل:
لسهوه. ومن قائل: للزيادة والنقصان، والذي أقول به: أنه سجد لهما السجدة واحدة لسهوه.
والثانية للزيادة والنقصان، فكان للنقص إتماماً وكان للزيادة خيراً نور على نور.

١٥٨
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
وصل في فصل - الأفعال والأقوال التي يسجد لها القائلون بسجود السهو: اتفق العلماء
على أن السجود يكون عن سنن الصلاة دون الفرائض ودون الرغائب، فالرغائب لا شيء
عندهم فيها إذا سها عنها المصلي في الصلاة ما لم تكن أكثر من رغبة واحدة مثل ما يرى
مالك أنه لا يجب سجود من نسيان تكبيرة واحدة ويجب بأكثر من واحدة. وأما الفرائض فلا
يجزي عنها إلاّ الإتيان بها وجبرها إذا كان السهو عنها ممّا لا يوجب إعادة الصلاة بأسرها.
وأما سجود السهو للزيادة فإنه يقع عند الزيادة في الفرائض والسنن جميعاً، فهذه الجملة لا
خلاف بينهم فيها، وكل ما يقول فيه علماء الشريعة مستحب فذلك هو المرغب فيه وما عداه
فهو سنّة أو فرض، والسنّة والرغيبة عندهم من باب الندب، ويختلف عندهم بالأقل والأكثر
في تأكيد الأمر بها وذلك بحسب قرائن أحوال تلك العبادة، حتى أن بعضهم يرى في بعض
السنن ما إذا تركت عمداً إن كانت فعلاً أو فعلت عمداً إن كانت تركاً أن حكمها في الإثم
حكم الواجب، مثل لو ترك الإنسان الوتر أو الفجر دائماً كان آئماً، فأما الجلسة الوسطى
فاتفقوا على سجود السهو لتركها، واختلفوا في الجلسة الوسطى هل هي فرض أو سنّة؟
واختلفوا هل يرجع الإمام إذ سبّح به إليها أو ليس يرجع؟ وإن رجع متى يرجع؟ فقال الأكثر:
يرجع ما لم يستو قائماً. وقال قوم: يرجع ما لم تنعقد الركعة التي قام إليها. وقال قوم: يرجع
إن فارق الأرض قيد شبر، وإذا رجع عند الذين لا يرون رجوعه فالأكثر على أن صلاته
جائزة. وقال قوم: تبطل.
وصل الاعتبار في هذا الفصل: فروض العبادات الحضور مع الحق عند الشروع فيها،
وسنن العبادات حضور المكلف فيها من حيث ما هو مكلف، والرغائب فيها حضور فنائه فيها
بتولي الحق أحكامها في جميع أفعالها، فمن سها عن الفرائض لم تصحّ العبادة ولم تجبر إلاَّ
بها لا بسجود السهو، وقد بينت لك ما معنى اعتبار سجود السهو، ومن سها عن السنن سجد
لها سجود السهو، ومن سها عن الرغائب فهو مخيّر إن شاء سجد وإن شاء لم يسجد. وأما
الجلسة الوسطى فقد تكلمنا في اعتبارها في فصل واحد مع السجدة الآخرة فيما تقدّم، فأما
سجود السهو لها فإن السجدة الأولى لسهوه والأخرى للنقص والجلوس لجبر عينها، فأشبهت
الفرائض التي تجبر بعينها لا بسجود السهو.
وصل في فصل - صفة سجود السهو: فقال قوم: إذا كانت بعد السلام فيتشهد فيها ويسلم
منها. وقال قوم: إذا كانت قبل السلام يتشهد لها فقط وأن السلام من الصلاة هو سلام منها .
وقال قوم ممّن يرى القبلية للنقصان والبعدية للزيادة أنه لا يتشهد للتي قبل السلام، وقد ثبت عن
النبيّ ◌َّ أنه سلم من سجود السهو بعد السلام ولم يثبت التشهد في السهو وإن كان قد روي.
وصل الاعتبار في هذا الفصل: أمّا قبل السلام فالسلام من الصلاة، والتشهد يغني عن
تكراره مثل الطواف والسعي أعني طواف القدوم للقارن، فإن العمرة تطلب طوافاً وسعياً.
والحج يطلب مثل ذلك، وفي مذهب من يرى أنه يجزىء من ذلك طواف واحد وسعي
واحد، ومن لا يرى ذلك ويرى أن الواجب عليه طوافان وسعيان يرى التشهد والسلام، ولكن

١٥٩
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
صاحب هذا المذهب لا يصحّ أن يقول بالفرق بين الزيادة والنقصان، كما أن صاحب المذهب
الأول لا يصحّ أن يقول بالسجود بعد السلام، إنما وقع الترغيم للشيطان في ذلك لكونه شرع
للسهو السجود دون غيره من أفعال الصلوات لكونه أمر بالسجود فلم يسجد، والسهو أغلبه
إنما يقع من الشيطان فلا يجبر إلاَّ بصفة لا يتمكن للشيطان أن يدنو من العبد إذا كان موصوفاً
بها فشرع له السجود لسهوه، فإنه ثبت في الخبر أن الإنسان إذا سجد اعتزل الشيطان يبكي
ويقول: أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار، فالإنسان
في حال سجوده محفوظ من الشيطان أن يقربه، ولو اقترب منه الشيطان في سجود سهوه لسها
في سجود سهوه في حال سجوده وكان يتسلسل الأمر، ولهذا لم يرد شرع فيمن سها في
سجود سهوه ولو وقع فليس من الشيطان، وإذا لم يكن من الشيطان فلا يكون ترغيماً له إلاَّ إذا
كان السهو من فعله، فالسهو لا يلزم أن يكون ولا بدّ من فعل الشيطان، وإنما سببه غيبوبة
المصلي عن عبادته فنفس غيبته عنها يكون عنها السهو، وأسباب الغيبة عن عقل المصلي نفسه
في أيّ جزء هو من صلاته كثيرة، فمنها شيطانية، ومنها غلب مشاهدته عليه تقتضيها آية من
كتاب الله في توحيد أو حكم من أحكام الدين أو جنة أو نار أو ما يستلزم إحداهما، فإذا كانت
من الشيطان كان سجود السهو له ترغيماً على ترغيم من كونه سجوداً ومن كونه ما أثر وسواسه
فيه بما جبر عليه سجوده لسهوه، ولهذا يستحب لكل مصلّ أن يسجد بعد كل صلاة سجدتي
السهو، إذ كان الإنسان لا يخلو أن يغيب لحظة في نفس صلاته عن كونه مصلياً، فما زاد
فيكون في ذلك ترغيم للشيطان، وهو مذهب الترمذي الحكيم، ورأيت جماعة الزيدية تقول
به في حق المأمومين ورأيتهم يفعلون ذلك واستحسنته منهم، وإن اختلفت المقاصد فهو
ترغيم للشيطان على كل حال.
قال ابن المنذر في هذه المسألة: اختلف العلماء فيها على ستة أقوال: فمن قائل: لا
تشهد فيها ولا تسليم وبه قال أنس والحسن وعطاء. ومن قائل: فيه تشهُّد وتسليم وبالقولين
أقول غير أني أقول: إن التشهد والتسليم فيها ولا بدّ إلاّ أنه إذا كان السجود قبل السلام اكتفى
بتشهّد الصلاة والسلام منها عن تشهّد السهو والسلام منه كالقارن وإذا كان بعد السلام تشهّد
وسلم. ومن قائل: فيها تشهّد دون تسليم وهو قول الحكم وحماد والنخعي. ومن قائل: فيها
تسليم وليس فيها تشهّد وهو قول ابن سيرين. ومن قائل: إن شاء تشهّد وسلم وإن شاء لم
يفعل قاله عطاء. ومن قائل: إن سجد قبل السلام لم يتشهد وإن سجد بعد السلام تشهّد وهو
قول ابن حنبل، قال ابن المنذر: قد ثبت أنه وَالر كبّر فيها أربع تكبيرات وأنه سلم وفي ثبوت
التشهّد نظر. انتهى الجزء الرابع والأربعون.
(الجزء الخامس والأربعون)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمَةِ
وصل في فصل - سجود السهو لمن هو: اتفق العلماء على أن سجود السهو إنما هو

١٦٠
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
للإمام وللمنفرد، واختلفوا في المأموم يسهو هل عليه سجود أم لا؟ فالجماعة أنه لا سجود
عليه ويحمل عنه الإمام، وقال مكحول: يسجد المأموم لسهوه وبه أقول فإنه ما رأينا أن
الشارع فرّق بين الإمام والمأموم حين ذكر سجود السهو وإنما ذكر المصلي خاصة ولم يخص
حالاً من حال .
الاعتبار في هذا الفصل: ﴿وَلَ نَزْرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَى﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٦٤] و﴿لَا تَجْزِى
نَفْسُ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٨] و﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [سورة المدثر: الآية ٣٨] فإذا
بحثت عن كشف هذا المعنى علمت أن الإمام لا يحمل سهو المأموم، وأن مكحولاً كحل
عينه في هذه المسألة بكحل الإصابة فانجلى عين بصيرته، والله الموفق لا رب غيره.
وصل في فصل - المأموم يفوته بعض الصلاة، وعلى الإمام سجود سهو متى يسجد
المأموم: اختلف العلماء فيمن هذه حاله، فمن قائل: يسجد مع الإمام ثم يقوم لقضاء ما عليه
وسواء سجد الإمام قبل السلام أو بعده. ومن قائل: يقضي ثم يسجد. ومن قائل: إذا
سجدهما قبل التسليم سجدهما معه، وإذا سجد بعد التسليم سجدهما بعد أن يقضي. ومن
قائل: يسجدهما مع الإمام ثم يسجدهما ثانية بعد القضاء، والذي أقول به لا يخلو المأموم أن
يعلم ما سهى فيه الإمام أو لا يعلم، فإن لم يعلم فلا يخلو الإمام إما أن يسجدهما قبل السلام
فيسجدهما معه، فإذا سلم الإمام قام لقضاء ما عليه، وإن سجدهما الإمام بعد السلام فلا يتبعه
ويقوم لقضاء ما عليه ولا سجود عليه لسهو الإمام، وإن سجد هذا المأموم بعد القضاء فهو
أحوط، بل استحب لكل مصلّ أن يسجدهما بعد القضاء كل صلاة يصليها دائماً منفرداً أو
خلف إمام بعد السلام، وإن علم المأموم بسهو الإمام فلا يخلو إما أن يكون سهوه فيما فات
هذا المأموم أو فيما أدرك معه من الصلاة، فإن كان فيما فاته فلا يتبعه في سجوده ولو سجد
قبل السلام، وإن كان يعلم أن سهو الإمام فيما أدرك معه من الصلاة، فإن سجد قبل السلام
اتبعه وإن سجد بعد السلام يقضي ما فاته ثم يسجد إلاَّ أن يكون سهو الإمام فيما سهى فيه
رسول الله ◌َيّ ممّا أدركه معه هذا الداخل فإنه يتبع الإمام في سجوده قبل السلام وبعده
وحينئذ يقوم لقضاء ما عليه.
وصل الاعتبار في هذا الفصل: يلزم الائتمام بالإمام ما دام يسمّى إماماً، فإذا زال عنه
اسم الإمام لم يلزم اتباعه، وإمامة الرسول لا ترتفع، فالاتباع لازم ومحبة الله لمن اتبعه لازمة
بلا شك، يقول الله: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٢١] وقيل له
قل: ﴿فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٣١] وإذا أحب الله عبده كان جميع قواه
وجوارحه، وهو لا يتصرّف إلاَّ بقواه وجوارحه فلا يتصرف إلاّ بالله، فيكون محفوظ التصرّف
في حركاته وسكناته. ثم لتعلم أنه من جهة اتصافه بها تكليف المكلف فقد زال عنه إما بالكلية
وإما بالتعليق عند جميع الفقهاء، وعندنا ليس كذلك لأنه ما ثم حال ولا صفة في مكلف
تخرج عن حكم الشرع ممّن غلب عليه الحال أو الجنون أو النسيان أو النوم أو الذي لم يبلغ
حدّ الحلم، فلم يخرج أحد من هؤلاء عن حكم الشرع، فإنه قد شرع لكل صاحب حال