النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
وصل في فصل شروط الجمعة: اتفق العلماء على أنها شروط الصلاة المفروضة
المتقدّمة وقد ذكرناها ما عدا الوقت والأذان فإنهم اختلفوا في ذلك، وكذلك اختلفوا في
الشروط المختصّة بها وسأذكرها.
وصل في فصل الوقت: فمن قائل: إن وقتها وقت الزوال يعني وقت صلاة الظهر.
ومن قائل: إن وقتها قبل الزوال، وأنا أقول بالتخيير بين الوقتين.
وصل الاعتبار في ذلك: قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَذَ اُلِظِّلَّ﴾ ثم قال: ﴿ثُمَّ
جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ [سورة الفرقان: الآية ٤٥] فأمرنا بالنظر إليه والنظر إليه معرفته ولكن من
حيث إنه مدّ الظل وهو إظهاره وجود عينك، فما نظرت إليه من حيث أحدية ذاته في هذا
المقام، وإنما نظرت إليه من حيث أحدية فعله في إيجادك في الدلالة وهو صلاة الجمعة فإنها
لا تجوز للمنفرد، فإن من شرطها ما زاد على الواحد، فمن راعى هذه المعرفة الإلهية قال
بصلاتها قبل الزوال لأنه مأمور بالنظر إلى ربه في هذه الحال، والمصلي يناجي ربه ويواجهه
في قبلته، والضمير في عليه يطلبه أقرب مذكور وهو الظل ويطلبه الاسم الرب وإعادته على
الرب أوجه، فإنه بالشمس ضرب الله المثل في رؤيته يوم القيامة فقال على لسان نبيه المنطقة:
(تَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ بِالظَّهِيرَةِ)) أي وقت الظهر، وأراد عند الاستواء بقبض الظل في
الشخص في ذلك الوقت لعموم النور ذات الرائي وهو حال فنائه عن رؤية نفسه في مشاهدة
ربه. ثم قال: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ [سورة الفرقان: الآية ٤٦] وهو عند الاستواء، ثم عاد
إلى مدّه بدلوك الشمس وهو بعد الزوال، فعرفه بعد المشاهدة كما عرفه الأول قبل المشاهدة
والحال الحال قال: إن وقت صلاة الجمعة بعد الزوال لأنه فى هذا الوقت ثبتت له المعرفة بربه
من حيث مدّه الظل، وهنا تكون إعادة الضمير من عليه على الرب أوجه فإنه عند الطلوع يعاين
مدّ الظل فينظر ما السبب في مدّه فيرى ذاته حائلة بين الظل والشمس فينظر إلى الشمس فيعرف
من مدّه ظلّه ما للشمس في ذلك من الأثر، فكان الظلّ على الشمس دليلاً في النظر، وكان
الشمس على مدّ الظل دليلاً في الأثر، ومن لم يتنبه لهذه المعرفة إلاَّ وهو في حد الاستواء.
ثم بعد ذلك بدلوك الشمس عاين امتداد الظل من ذاته قليلاً قليلاً، جعل الشمس على
مدّ الظل دليلاً فكان دلوكها نظير مدّ الظل، وكان الظلّ كذات الشمس، فيكون الدلوك من
الشمس بمنزلة المدّ من الظل، فالمؤثر في المدّ إنما هو دلوك الشمس، والمظهر للظلّ إنما
هو عين الشمس بوجودك، فقام وجودك في هذه المسألة مقام الألوهة لذات الحق لكونه ما
أوجد العالم من كونه ذاتاً وإنما أوجده من كونه إلهاً، فانظر يا وليّ مقامٍ ذاتك من حيث
وجودك تر ما أشرف نسبته، فوجودك وجود الحق إذ الله ما خلق شيئاً إلا بالحق، وبميل
الشمس عنك يمتدّ ظلّك فهي معرفة تنزيه جعل ذلك دليلاً لتعتقده، فإن الشمس تبعد عنك
وكلما بعدت عنك نبهتك أنك لست مثله ولا هو مثلك إلاَّ أن يحجبك عن رؤيتها، فهو التنزيه
المطلق الذي ينبغي لذات الحق، كما أنه في طلوعها وطلبها إياك بالإنقاء إلى الاستواء تشمر
ظلّك شيئاً بعد شيء لتعلمك أن بظهورها في علوّها تمحوك وتفنيك إلى أن لا تبقي منك شيئاً

١٢٢
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
من الظل خارجاً عنك وهو نفي الآثار بسببك، ولهذا لم تشرع الصلاة عند الاستواء لفناء
الظل، فلمن ذا الذي يصلي أو إلى من تواجه في صلاتك والشمس على رأسك؟ ولذا قال في
أهل المدينة: وما كان على خطها شرّقوا يعني في التوجه إلى القبلة في الصلاة، ولا تغرّبوا أي
راقبوا الشمس من حيث ما هي شارقة فإنها تطلع فتفنيكم عنكم فلا يبقى لكم مقام ولا أثر،
قال تعالى: ﴿يَّأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ١٣] فنبّه عليه السلام أن ذلك هو
المقام الأشرف بخلاف الدلوك، فإن الدلوك يمكن أن ينظر الإنسان فيه إلى امتداد ظلّه،
ويمكن أن ينظر إلى تنزيه الحق في ميله عنه، بخلاف الشروق في الدلالة فقال ◌َ له: ((شَرِّقُوا
وَلاَ تُغَرِّبُوا))، أي خذوا معرفتكم بالله من هذا الدليل فإنه أرفع للاحتمال من الغروب.
وبعد أن تبين هذا فمن صلَّى قبل الزوال الجمعة أصاب، ومن صلّها بعد الزوال
أصاب، والذي أذهب إليه أن صلاتها قبل الزوال أولى لأنه وقت لم يشرع فيه فرض، فينبغي
أن يتوجه إلى الحق سبحانه بالفرضية في جميع الأوقات، فكانت صلاتها قبل الزوال أولى،
وإن كان قد يتفق أن يكون ذلك وقت أداء فرض صلاة في حق الناسي والنائم إذا تذكرا ولكن
بحكم التبعية يكون ذلك، فإن المعتبر إنما هو التذكّر أو اليقظة في أي وقت كان، بخلاف
صلاة الجمعة إذا جعلناها قبل الزوال فتعين لها الوقت كما تعينت أوقات الصلوات
المفروضات، وأن الله قد أشار إلى نعيم مشاهدته ومصاحبته من غير تخصيص ولا تقييد
فقال: ﴿بِكُلِّ شَىْءٍ تُحِيطٌ﴾ [سورة فصلت: الآية ٥٤] وقال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [سورة
الحديد: الآية ٤] فاعلم ذلك .
وصل في فصل - الأذان للجمعة: قال تعالى: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْا
إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [سورة الجمعة: الآية ٩] ومن وقت النداء يكون الثواب من البدنة إلى البيضة وهو
حين يشرع الخطيب في خطبته، ومن جاء من وقت طلوع الشمس إلى وقت النداء فله من
الأجر بحسب بكوره وهي مسألة خلاف، فالبدنة من وقت تعيين السعي، فأما الأذان فإن
جمهور العلماء اتفقوا على أن وقته هو إذا جلس الإمام على المنبر، واختلفوا هل يؤذن بين
يدي الإمام مؤذن واحد فقط أو أكثر من واحد؟ فمن قائل: لا يؤذن بين يدي الإمام إلا واحد
فقط وهو الذي يحرم به البيع والشراء. وقال آخرون: بل يؤذن اثنان فقط. وقال آخرون:
يؤذن ثلاثة، ولكل قائل حجة واستناد إلى أثر، والذي أذهب إليه في هذه المسألة أن الأذان
لصلاة الجمعة كالأذان الصلوات المفروضة كلها، وقد تقدّم الكلام على الأذان في الصلوات
قبل هذا إلاّ أنه لا يجوز أن يؤذن اثنان ولا جماعة معاً بل واحد بعد واحد فإن ذلك خلاف
السنة .
وصل الاعتبار في ذلك: الأذان الإعلام وهو دعاء الحق عباده لمعرفته من حيث ما هو
إله الناس وربنا ورب آبائنا، وهو قوله {وَلَهُ: ((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) فذكره بالإضافة وما
قال ذلك مطلقاً فإن الحق سبحانه لا يعين لفظاً ولا يقيد أمراً إلاَّ وقد أراد من عباده أن ينظروا
فيه من حيث ما خصّصه وأفرده لتلك الحالة أو عيّنه بتلك العبارة، ومتى لم ينظر الناظر في

١٢٣
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
هذه الأمور بهذه العين فقد غاب عن الصواب المطلوب. ولما كانت الجمعة لا تصح إلاّ
بالجماعة علمنا أن الأذان الذي هو الإعلام بالإعلان للإتيان والسعي إلى هذا التجلي الخاص
لا بدّ أن يعطي ما لا يعطي المنفرد وقد بيّنا ذلك، وما بقي إلاّ اختلاف مقامات الناظرين في
ذلك بين مؤذن واحد واثنين وثلاثة، ولا توقيت عندنا في ذلك إلاَّ أنه لا بدّ من أذان والواحد
أدناه فإن زاد جاز ولكن واحد بعد واحد، فأما الأذان الواحد فيراه من يرى صلاة الجمعة من
حيث ما هي صلاة فقط، ومن يرى الاثنين فيرى كونها صلاة في جماعة فلا تجزي للمنفرد،
ومن رأى الثلاثة في الأذان لها فلكونها صلاة في جماعة ليوم خاص وحالة مخصوصة لا
تكون في سائر الأيام بخلاف الصلوات المفروضة في كل يوم، فمن اعتبر هذه الأحوال الثلاثة
قال بثلاثة مؤذنين فيقول الأول: حيّ على الصلاة، ويقول الثاني: حيّ على الصلاة في
الجماعة، ويقول الثالث: حيّ على الصلاة في الجماعة في هذا اليوم، فأعلم كل مؤذن بحالة
لم يعلم بها الآخر واعتبر العلماء ذلك ولو انفرد واحد جاز.
وصل في فصل الشروط المختصة بيوم الجمعة في الوجوب والصحة: فمن جملة
شروطها الجماعة، واختلفوا في مقدار الجماعة، فمن قائل: واحد مع الإمام وبه أقول حضراً
وسفراً عندي. ومن قائل: اثنان سوى الإمام. ومن قائل: ثلاثة دون الإمام. ومن قائل:
أربعون. ومن قائل: ثلاثون. ومن قائل: اثنا عشر. ومنهم من لا يشترط عدداً. ولكن رأى
أنه يجوز بما دون الأربعين ولا يجوز بالثلاثة والأربع، وهذا الشرط من شروط الوجوب
والصحة أي به تجب الجمعة وتصحّ.
وصل الاعتبار في ذلك: أما الواحد مع الإمام فهو حظ من يعرف أحدية الحق من أحدية
نفسه فيتخذ أحدية نفسه على أحدية ربه دليل قال الشاعر: [المتقارب]
وفي كلّ شيء له آيةٌ
تدلُّ على أنه واحِدُ
وآية كل شيء عنده أحديته، إذ كان كل موجود لا بدّ أن يمتاز عن غيره بأحدية لا تكون
لغيره، وتلك الأحدية هي على الحقيقة حقيقة أنيته وهويته، فيعلم من ذلك أن ربّه على
خصوص وصف في هويته لا يمكن أن يكون ذلك لسواه. وأما من قال اثنان فهو الذي يعرف
توحيده من النظر في شفعيته، فيرى كل ما سوى الحق لا يصحّ له الانفراد بنفسه وأنه مفتقر
إلى غيره فهو مركب من عينه ومن اتصافه بالوجود المستفاد الذي لم يكن له من حيث عينه .
وأما من قال بالثلاثة وهو أول الأفراد فهو الذي يرى أن المقدمتين لا تنتج إلاَّ برابط فهي أربعة
في الصورة وثلاثة في المعنى، فيرى أنه ما عرف الحق إلاَّ من معرفته بالثلاثة، فاستدل بالفرد
على الواحد وهو أقرب في النسبة من الاستدلال بالشفع على الأحدية. وأما من قال بالأربعين
فاعتبر الميقات الموسويّ الذي أنتج له معرفة كلام الحق من حيث ما قد عامتم من قصته
المذكورة في القرآن، وكذلك أيضاً من حصلت له معرفة ربه من إخلاصه أربعين صباحاً وهي
الخذوة المعروفة في طريق القوم فإنهم يتخذونها لتحصيل معرفة الله بما يحصل لهم فيها من
الإخلاص مع الله من المشوب.

١٢٤
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
وأما من قال بالثلاثين فنظر إلى الميقات الأول الموسويّ وعلم أن ذلك هو حدّ المعرفة
إلاَّ أنه طرأ أمر أخلّ به فزاد عشراً جبراً لذلك الخلل فهو بالمعنى ثلاثون، فمن سلم ميقاته من
ذلك الخلل فإن مطلوبه من العلم بالله يحصل بالثلاثين، قال تعالى: ﴿وَوَعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ
لَيْلَةُ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٤٢] ومن هذا الحدّ لما جرى من نساء رسول الله بَ ◌ّله ما جرى أدّاه
ذلك إلى الانفراد مع الله وهجرهم فآلى من نسائه شهراً لعلمه أن المقصود يحصل بهذا
التوقيت، فلما فرغ الشهر ناجاه الحق بآية التخيير فخيّر نساءه، فإنه كان المطلوب بذلك
التوقيت ما فتح له به، فإن الحق يجري مع العبد في فتحه على حسب قصده، والسبب الذي
أداه إلى الانفراد به، فمن أدّاه إلى الانفراد به إطلاق الأمر إليه فكانت نتيجته في خلوته مطلقة
فيرى سريانه في الإلهية سريان الوجود الإلهيّ في الموجودات وهو أتم الكشف الكيانيّ
وأعلاه، ومن هنا شرع التخلق بالأسماء الإلهية، وإلاّ فأيّ نسبة بين الممكن والواجب الوجود
لنفسه؟
وأما من قال بالاثنتي عشر فاعتبر نهاية الإنسان ومرتبته العلوية وهي اثنا عشر واعتبر
أيضاً أسماء الأعداد البسائط دون المركبات وهي اثنا عشر من واحد إلى تسعة والعقد ثلاثة
وهي العشر والمئون والآلاف فهذه اثنا عشر، وبعد هذا ما ثم عدد إلاَّ مركب في هذه الأصول
فهي جمعية البسائط فاعلم ذلك. وأما من لم يشترط عدداً وقال بدون الأربعين وفوق الأربعة
التي هي عشر الأربعين فإن الأربعين قامت من ضرب الأربعة في العشرة فهي عشر الأربعين
فكما أنه نزل عن الأربعين ارتفع عن الأربعة ولم يقف عندها فيقول: لا تصحّ المعرفة بالله إلاّ
بالزائد على الأربعة وأقل ذلك الخمسة وهي المرتبة من الفردية، والمرتبة الأولى هي الثلاثة
وهي للعبد فإنها هي التي نتجت عنها معرفة الحق فيمن قال : تجوز الجمعة بالثلاثة، ويرى
صاحب هذا القول أعني الذي يقول بالزائد على الأربعة أن الفردية الثانية هي للحق وهو ما
حصل للعبد من العلم بفرديته الثلاثية، فكان الحاصل فردية الحق لا أحديته لأنّ أحديته لا
يصح أن ينتجها شيء بخلاف الفردية، ولما كان أول الأفراد للعبد من أجلّ الدلالة فإن المعرفة
بنفس العبد مقدّمة على معرفة العبد بربه، والدليل يناسب المدلول بالوجه الرابط بين الدليل
والمدلول فلا ينتج الفرد إلاَّ الفرد، فأول فرد يلقاه بعد الثلاثة فردية الخمسة فجعلها للحق أي
لمعرفة الحق في الرتبة الخامسة، فما زاد إلى ما لا يتناهى من الأفراد فقد بان لك في الاعتبار
منازل التوقيت فيما تقوم به صلاة الجمعة من اختلاف الأحوال.
وصل في فصل الشرط الثاني وهو الاستيطان: اتفق كل من قال من العلماء أن الجمعة
لا تجب على المسافر على الاستيطان، واختلفوا فاشترط بعضهم المصر والسلطان ولم
يشترطه بعضهم لكن اشترط الاستيطان في قرية أو ما في معناها .
وصل الاعتبار في ذلك: أهل طريق الله على نوعين: منهم من يتغير عليه الحال مع
الأنفاس على علم منهم بذلك في قلوبهم وهم الأكابر من أهل الله فهم مسافرون على الدوام
فمن المحال عليهم الاستيطان، وهم في ذلك على نظرين: فمن كان نظره ثبوته في مقام

١٢٥
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
مراعاة الأنفاس وذوق تغيّرها وتنوّعات التجليات دائماً مع كل نفس كنى عن ثبوته في هذه
الحال بالاستيطان وهو في الحقيقة مقيم لا مقيم من وجهين مختلفين فإن لا مقام مقام جعل
استيطان من شرط صحة صلاة الجمعة ووجوبها وإن كان مسافراً في استيطانه كسفر صاحب
السفينة كما قال بعضهم في سير الإنسان في عمره: [الطويل]
فسَيْرُك يا هذا كسيرِ سفينةٍ
بِقَوْمِ جُلُوسٍ والقِلاعُ تَطِيرُ
ومن كان من رجال الله دون هذه المرتبة وأقامهم الحق في مقام واحد فيما يرونه في
نفوسهم وإن كان محالاً في نفس الأمر ﴿هُمْ فِ لَبْسٍ مِّنْ خَلْقِ جَدِيدٍ﴾ [سورة ق: الآية ١٥] فهم بهذا
الاعتبار من أهل الاستيطان فيقيمون الجمعة ويرون أن ذلك من شروط الصحة والوجوب،
ومن كان نظره في انتقاله في الأحوال والمشاهد ويرى أن الإقامة محال على حال واحد ذوقاً
وأن سفره مثل سفر صاحب السفينة فيما يظهر له والأمر في نفسه بخلاف ذلك لم يشترط
الاستيطان وقال بصحة الجمعة ووجوبها بمجرّد العدد لا بالاستيطان.
وصل في فصل جمعتين في مصر واحد: اختلف علماؤنا هل يقام جمعتان في مصر
واحد أم لا يقام؟ فمن قائل: بجواز ذلك. ومن قائل: بأنه لا يجوز، وبالجواز أقول إلاَّ أن فيه
ما لا يثلج الصدر به والأولى أن لا. وكذلك اشترط بعضهم المصر ولم يشترطه بعضهم
وبعدم هذا الشرط أقول. وكذلك اشترط بعضهم أن يكون المسجد ذا سقف ولم يره بعضهم
ولم يأت في شيء من هذه الأمور كلها نص من كتاب ولا سنّة، فإذا صحّت الجماعة وجبت
الجمعة لا غير .
وصل الاعتبار في ذلك: المصر الواحد ذات الإنسان في الاعتبار فإنه مدينة في نفسه بل
هو جميع العالم، وذات الإنسان تنقسم إلى قسمين: إلى لطيف وإلى كثيف، فإن اتفق أن
يختلف التجلي على الإنسان فيتجلى له في الاسم الظاهر حسّاً أو تمثلاً، وفي الاسم الباطن
معنى وتنزلها فإنه مأمور في هذه الحال بقبول التجليين، قيل لأبي سعيد الخراز: بم عرفت
الله؟ قال: بجمعه بين الضدّين ثم تلا: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَاَلَخِرُ وَالَِّهِرُ وَالْبَاطِنٌ﴾ [سورة الحديد: الآية
٣]. فجاز عنده إقامة جمعتين في مصر واحد وأكثر من جمعتين، فقد يشهد الحق في كل اسم
عنده من أسمائه، ولكل اسم منه عالم ليس للاسم الآخر، فيقام في ذات الإنسان جمعات
كثيرة لاختلاف عوالمه في نفسه، ولكل اسم حكم وسلطنة في عالمه وجماعته والمصر
واحد، فهذا قد حصل له المصر والسلطان والإقامة والسفر في حال واحد وعين واحدة وهو
مسمّى الإنسان، وهو عالم صغير الجرم كبير المعنى، ومن كان نظره في مثل هذه التجليات
المتنوعة في الأسماء الإلهية والأعيان الكونية وأن الحق هو الأول من عين ما هو آخر من عين
ما هو ظاهر من عين ما هو باطن إلى سائر الأسماء كانت ما كانت لاتساع الأمر في نفسه بتنوّع
معاني هذه الأسماء الإلهية والأعيان الكونية، وأنها وإن تعددت بالنسب فهي عين واحدة
وجوداً منع أن يقام جمعتان في المصر الواحد، وكل عارف من أهل الله يعمل بحسب وقته
ونظره ولهذا قالوا: إن الصوفي ابن وقته .

١٢٦
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
وصل في فصل الخطبة: اختلف علماء الشريعة في خطبة يوم الجمعة هل هي شرط في
صحة الصلاة وركن من أركانها أم لا؟ فذهب الأكثرون إلى أنها شرط وركن، وقال قوم: إنها
ليست بفرض وبه أقول وفي النفس من ذلك شيء، فإن رسول الله وَّ ما نصّ على وجوبها
ولا على خلافه بل نقل بالتواتر أنه لم يزل يخطب فيها، والوجوب حكم وتركه حكم، ولا
ينبغي لنا أن نشرع وجوبها ولا غير وجوبها فإن ذلك شرع لم يأذن به الله، فمذهبنا المحقق
التوقيف في الحكم عليها مع العمل بها ولا بدّ فإن رسول الله وَلو لم يزل يصليها بخطبة كما
لم يزل يصلي العيدين بخطبة، مع اجتماعنا على أنّ صلاة العيدين ليست من الفروض ولا
خطبتها وما جاء عيد قط إلاَّ وصلَّى بَّ صلاة العيد وخطب.
وصل الاعتبار في ذلك: الخطبة شرعت للموعظة، والخطيب داعي الحق وحاجب بابه
ونائبه في قلب العبد يرده إلى الله ليتأهب لمناجاته، ولذلك قدمها في صلاة الجمعة حتى
جعلتها عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها فيما روي عنها أن الخطبة في صلاة الجمعة بدل من
الركعتين، فإن صلاة الجمعة ركعتان كصلاة المسافر فسنّها قبل الصلاة لما ذكرناه من قصد
التأهب للمناجاة كما سنّ النافلة من أجل الفريضة ابتداء لأجل الذكرى والتأهّب فإن عناية
الشرع إنما هي بما فرض، فسنّ النافلة ابتداء في جميع الصلوات المفروضة، ألا تراه حين
فرض عليه قيام الليل كان يفتتحه بركعتين خفيفتين قبل الشروع في قيام الليل؟ كل ذلك ليتنبّه
القلب لمناجاة من دعاه إليه بما افترض عليه ومشاهدته ومراقبته، فإن الفريضة هي المطلوبة
منه وهو المطلوب بها، فمن رأى أن الانتباه أصل في الطريق كالهروي وغيره قال بوجوب
الخطبة كالوضوء للصلاة منبه، ومن رأى أن المقصود هو الصلاة وأن الإقامة فيها هو عين
الانتباه لمن كان خفيف النوم جعل الخطبة سنّة راتبة ينبغي أن تفعل وإن لم ينص عليها ولكن
ثابر عليها، فهكذا الانتباه قبل المناجاة للمناجاة أولى من أن يكون الانتباه في عين المناجاة
فربما أثرت في مناجاته نومته المتقدمة، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِن
يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [سورة الجمعة: الآية ٩] فيحتمل أن يريد هنا بالذكر الخطبة فإنه
مأمور بالإنصات في حال الخطبة ليسمع ما يقول، ألا ترى ما قيل في حق المؤذنين أنهم أطول
الناس أعناقاً؟ والعنق مجرى النفس وامتداده للإسماع برفع الصوت به كنى عنه بطول العنق،
ولما أشهدني الحق الأذان بنفسي رأيت لكل كلمة من الخبر المقيد بالحسّ مدّ البصر في كل
كلمة، فالمؤذنون أفضل جماعة دعت إلى الله عن أمر الله ورسوله، ولولا رفق الرسول وَل
بأمته لأذن فإنه لو أذن وتخلّف عن إجابته من سمعه إذا قال: حيّ على الصلاة كان عاصياً
فكان بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً وإنما قلنا إنه يريد هنا بالسعي إلى ذكر الله الخطبة لأن الصلاة
بذاتها ﴿تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ﴾ وهو ما ظهر من المخالفة ﴿ وَالْمُنكَرِ﴾ وهو ما تنكره القلوب
﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [سورة العنكبوت: الآية ٤٥] ما فيها يعني القول فيها أشرف أفعال المكلف
في الصلاة فإنها تشتمل على أفعال وأقوال، وقد روينا عن بعض العلماء أنه تأوّل ذكر الله الذي
يسعى إليه هو الخطبة.

١٢٧
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
وصل في فصل - اختلاف القائلين بوجوب الخطبة في المجزي منها ما حدّه: فمنهم من
قال: أدنى ما ينطلق عليه اسم خطبة شرعية. ومن قائل: لا بدّ من خطبتين. ومن قائل: أقل
ما ينطلق عليه اسم خطبة لغة في لسان العرب، والقائل بالخطبتين يرى أنه لا بدّ أن يجلس
الخطيب بينهما يعني بين الخطبتين ويكون في كل واحدة منهما قائماً يحمد الله في أولها
ويصلي على النبيّ وَّر ويوصي بتقوى الله ويقرأ شيئاً من القرآن في الأولى ويدعو في الثانية.
وصل الاعتبار في ذلك: اعتبار درجات المنبر المقامات والترقي فيها الترقي في مقامات
السلوك إلى الله تعالى حتى يكون الداعي على بصيرة، كما يعاين ببصره الخطيب الجماعة
ببصره وإن كان أعمى، فهو بمنزلة الداعي على غير بصيرة وهو المقلد. وأما الخطبة:
فالخطبة الأولى يذكر فيها ما يليق بالله من الثناء والتحريض على الأمور المقرّبة من الله
بالدلائل من كتاب الله. والخطبة الثانية بما يعطيه الدعاء والالتجاء من الذلة والافتقار والسؤال
والتضرّع في التوفيق والهداية لما ذكره وأمر به في الخطبة وقيامه في حال خطبته. أمّا في
الأولى فبحكم النيابة عن الحق فيما نذر به وأوعد ووعد فهو قيام حق بدعوة صدق. وأما
القيام في الثانية فقيام عبد بين يدي سيد كريم يسأل منه الإعانة فيما قال الله على لسانه في
الخطبة الأولى من الوصايا. وأمّا الجلسة بين الخطبتين ليفصل بين المقام الذي تقتضيه النيابة
عن الحق تعالى فيما وعظ به عباده على لسان هذا الخطيب وبين المقام الذي يقتضيه مقام
السؤال والرغبة في الهداية إلى الصراط المستقيم.
ولما لم يرد نص من الشارع بإيجاب الخطبة ولا بما يقال فيها إلاَّ مجرد فعله لم يصحّ
عندنا أن نقول يخطب شرعاً ولا لغة إلاَّ أنا ننظر ما فعل فنفعل مثله على طريق التأسّي لا على
طريق الوجوب ويقبله الله على ما يعلمه من ذلك، قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ
أُشْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٢١] وقال: ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْيِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة
آل عمران: الآية ٣١] فنحن مأمورون باتباعه فيما سنّ وفرض، فنجازى من الله تعالى فيما فرض
جزاء فرضين: فرض الاتباع وفرض الفعل الذي وقع فيه الاتباع، ونجازى فيما سنّ ولم
يفرضه جزاء فرض واحد وسنّة فرض الاتباع وسنّة الفعل الذي لم يوجبه، فإن حوى ذلك
الفعل على فرائض جوزينا جزاء الفريضة بما فيه من الفرائض كنافلة الصلاة ونافلة الحج فإنها
عبادة تحوي على أركان وسنن ونوافل صدقة التطّوع ما فيها شيء من الفرائض، فنجازى في
كل عمل بحسب ما يقتضيه ذلك العمل ممّا وعد الله للعامل به من الخير، ولا بدّ من فرضية
الاتباع فاعلم ذلك .
فالعارف يحمل درجات المنبر على الترقي في الأسماء الإلهية بالتخلق، وفيها درج عال
كالقادر والعالم، ودرج دونه كالمقتدر وحتى نعلم. وكان لمنبر رسول اللّه مَّ ثلاث أدراج،
وكذلك الأسماء على ثلاث مراتب لكل درج مرتبة، فأسماء تدل على الذات لا تدل على أمر
آخر، وأسماء تدل على صفات تنزيه، وأسماء تدل على صفات أفعال، وما ثم مرتبة رابعة،
وكل هذه الأسماء قد ظهرت في العالم، فأسماء الذات يتعلق بها ولا يتخلق، وأسماء صفات

١٢٨
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
التنزيه يقدس بها جناب الحق تعالى ويتخلق بها العبد بحسب ما تعطيه ممّا يليق به، فكما أن
العبد يقدس جلال الله أن تقوم به صفات الحدوث، كذلك يقدس العبد بهذه الأسماء في
التخلق بها نفسه أن تقوم به صفات القدم والغنى المطلق، وأسماء صفات الأفعال يوحد العبد
بها ربه فلا يشرك في فعله تعالى أحداً من خلقه، وما فى الحضرة الإلهية سوى ما ذكرناه، ولا
في الإنسان سوى ما ذكرناه، ولا في الإمكان سوى ما ذكرناه، فالعبد لا يكون رباً لمن هو
عبد له، والرب لا يكون عبداً تعالى الله، فليس في الإمكان أبدع من هذا العالم لكماله في
الدلالة عليه واستيعابه ما نسب الحق إلى نفسه وإلى العالم. فإن قلت: فقول رسول الله وَله
في دعائه بالأسماء الإلهية حين قال أو استأثرت به في علم غيبك فلعله يدل على أمر آخر قلنا
لا بدّ أن يدل ذلك الاسم: إما على الله، وإما على ما سوى الله، وإما على الله وعلى ما سوى
الله بوجهين واعتبارين، وما ثم قسم ثالث، وكل هذه الأقسام قد حصلت في هذه الأسماء
التي بأيدينا من جهة معانيها، فإن الذي يدل من ذلك الاسم الذي لم نعرفه على الله إما أن يدل
على صفة تنزيه وقد وجدت عندنا، وإما على صفة فعل وقد وجدت، وإما على صفة يعقل
معناها في المحدثات كالفرح والتعجب، فغاية الأمر أن يكون العالم في الدلالة، كما أن في
الإمكان مثل هذا العالم ممّا لا يتناهى، فقد انحصر الأمر فيما قد وجد من العالم من جهة
الحقائق فاعلم ذلك .
وصل في فصل الإنصات يوم الجمعة عند الخطبة: اختلف الناس في الإنصات يوم
الجمعة والإمام يخطب على ثلاثة أقوال: فمن قائل: إنّ الإنصات واجب على كل حال وإنه
حكم لازم من أحكام الخطبة. ومن قائل: إن الكلام جائز في حال الخطبة إلاَّ حين قراءة
القرآن فيها. ومن قائل: بالتفريق في ذلك بين من يسمع الخطبة وبين من لا يسمعها، فإن
سمع أنصت، وإن لم يسمع جاز له أن يسبح أو يتكلم في مسألة من العلم، والجمهور على
أنه إن تكلم لم تفسد صلاته. وروي عن ابن وهب أنه قال: من لغا فصلاته ظهر أربع. وأمّا
القائلون بوجوب الإنصات وهم الجمهور فانقسموا ثلاثة أقسام: قسم أجازوا التشميت وردّ
السلام في وقت الخطبة وبه قال الأوزاعيّ والثوريّ. ومنهم من لم يجزردّ السلام ولا
التشميت. وبعضهم فرّق فقال بردّ السلام ولا يشمت.
وصل الاعتبار في ذلك: إنما شرع الوعظ والتذكير للإصغاء إلى ما يقول الواعظ
والمذكر وهو الخطيب الداعي إلى الله والإنصات له في حال كلامه ليرى ما يجري الله على
لسان عبده، فالخطيب نائب الحق فكأنّ الحق هو المكلم عباده فوجب الإنصات والإصغاء إلا
فيما أمر به مثل ردّ السلام وتشميت العاطس إذا حمد الله، فمن رأى أن الحق هو المتكلم
وجب عليه الإنصات ولكن مع السماع ولا سيما عند قراءة القرآن في الخطبة، فإن لم يسمع
فينبغي له في تلك الحال أن يكون مشغولاً بما هو الخطيب به مشتغل من ذكر الله والثناء عليه
ووعظ نفسه وزجره إياها وتقريره نعم الله على نفسه وقراءة القرآن، ولكن كل ما وقع من هذا
كله فليكن كما قال: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [سورة طه: الآية ١٠٨] فهكذا

١٢٩
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
يكون ذكره، ولا يسمع الخطبة لبعده عن الخطيب أو لصمم قام بسمعه فالإنسان واعظ نفسه.
وصل في فصل من جاء يوم الجمعة والإمام يخطب هل يركع أم لا؟: اختلف العلماء
فيمن هذه حاله، فمن قائل: يركع وبه أقول. ومن قائل: لا يركع.
وصل الاعتبار في ذلك: الركوع الخضوع لله وهو واجب أبداً على العالم كله ما دام
ذاكراً لله لم يغفل، وكل ما سوى الجنّ والإنس فهو ذاكر لله مسبّح بحمده، فإن ذكر الله الذاكر
منّا ولم يخشع قلبه ولا خضع عند ذكره إياه فلم يحترم الجناب الإلهيّ ولم يأت بما ينبغي له
من التعظيم وأول ما يمقته جوارحه وجميع أجزاء بدنه، ومعلوم قطعاً أن الآتي إلى الجمعة
سيحضر بدخول المسجد ورؤية الخطيب وقصده الصلاة أنه ذاكر لله، وقد أمره الله على لسان
الترجمان رسول الله وَّ الذي قال تعالى في حق من أطاعه: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اَللَّهُ﴾
[سورة النساء: الآية ٨٠] وقد أمر بتحية المسجد قبل أن يجلس، وما ورد نهي برفع هذا الأمر غير
أنه إذا ركع لا يجهر بتكبير ولا بقراءة بل يسرّ ذلك جهد الطاقة، ولا يسرّه ولا يزيد على التحية
شيئاً، ولا سيّما إن كان بحيث يسمع الإمام والداخل والإمام يخطب قد أبيح له أن يسلم وما
خطأه أحد في ذلك، ولم يؤمر الداخل بالسلام وإنما الأمر تعلق برد السلام لا بابتداء السلام،
فالركوع عند دخول السلام أولى أن يجوز له لورود الأمر بالصلاة للداخل قبل أن يجلس
والصلاة خير موضوع، ولكن لا يزيد على الركعتين شيئاً، فإن قدر أن لا يقعد فلا ركوع
عليه، فإن أراد الجلوس ركع ولا بدّ فإنه إذا أنصف الإنسان ما ثم ما يعارض الراكع إذا دخل
المسجد .
وصل في فصل ما يقرأ به الإمام في صلاة الجمعة: اختلف الناس في ذلك، فمن
قائل: إن صلاة الجمعة كسائر الصلوات لا يعين فيها قراءة سورة بعينها بل يقرأ بما تيسّر.
ومن الناس من اقتصر على ما قرأ به رسول الله وَلّ فيها غالباً ممّا قد ثبتت به الرواية عنه
وهي صورة الجمعة في الركعة الأولى والمنافقين فى الثانية، وقد قرأ سورة الغاشية بدلاً من
المنافقين، وقد قرأ في الأولى: بـ ﴿سَيِّجِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [سورة الأعلى: الآية ١] وفي الثانية
بالغاشية، والذي أقول به: أن لا توقيت والاتباع أولى.
وصل الاعتبار في ذلك: المناجى هو الله والمناجي اسم فاعل هو العبد، والقرآن كلام
الله وكل كلامه طيب، والفاتحة لا بدّ منها، والسورة منزل من المنازل من مائة وثلاثة عشر
منزلاً عند الله، والقرآن قد ثبت في الأخبار تفاضل سوره وآيه بعضه على بعض في حق
القارىء بالنسبة لما لنا فيه من الأجر، وقد ورد أن آية الكرسيّ سيدة آي القرآن لأنه ليس في
القرآن آية يذكر الله فيها بين مضمر وظاهر في ستة عشر موضعاً منها إلاّ آية الكرسيّ هذا في
الآيات، وجاء في السور أنّ سورة ﴿يسّ﴾ تعدل قراءتها قراءة القرآن عشر مرات وقراءة:
﴿َبَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلُْ﴾ تجادل عن قاريها في قبره، وسورة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ تعدل نصف القرآن
و﴿قُلْ يَأَيُهَ اُلْكَفِرُونَ﴾ ربع القرآن، وكذلك ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ وسورة الإخلاص تعدل
ثلث القرآن، ولكل واحدة من التي ذكرناها في المفاضلة معنى معقول، وأن الزهراوين البقرة
الفتوحات المكية ج٢ - م٩

١٣٠
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
وآل عمران يأتيان يوم القيامة ولهما عينان ولسانان وشفتان يشهدان لمن قرأهما بحق،
والأخبار النبويّة في ذلك كثير. وأما ما نعلمه من طريق الكشف فلا يتمكن لي أن أذكره، إلاَّ
أن سورة ﴿صَّّ﴾ منبع الأنوار عاينت ذلك مشاهدة. فيا أيها الإمام في صلاة الجمعة إن قصدت
المناسبة فاقرأ فيها سورة الجمعة، وما ثبت أنه قرأ به رسول الله وَ ل # فالله يقول: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ
فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٢١] واقرأ بـ ﴿سَيِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى﴾ تنزه الحق
عمّا يظهر في هذه العبادة من الأفعال من حيث أنه قال لنا عن نفسه أنه يصلّي علينا فنسبّحه
عن التخيّل الذي يتخيله الوهم من الإنسان من قوله يصلي بـ ﴿سَيِّجِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿ إِذَا
جَآءَكَ الْمُنَفِقُونَ﴾ و ﴿هَلْ أَتَنَكَ حَدِيثُ اُلْغَشِيَةِ﴾ مناسبتان لما تتضمنه الخطبة من الوعد
والوعيد، فتكون القراءة في صلاة الجمعة تناسب ما ذكر به الإمام في الخطبة فيجمع بين
الاقتداء والتناسب .
وصل في فصل الغسل يوم الجمعة: غسل الجمعة واجب على كل محتلم عندنا وهو
لليوم، وإن اغتسل فيه للصلاة فهو أفضل. أما الغسل يوم الجمعة فالجماعة على أنه سنّة،
وقوم قالوا: إنه فرض وبه أقول. والقائلون بوجوبه منهم من قال: إنه واجب لليوم وهو قولنا،
وإن اغتسل قبل الصلاة للصلاة فهو أفضل. ومنهم من قال: إنه واجب قبل صلاة الجمعة.
وصل الاعتبار في ذلك: الطهارة العامة لباطن الإنسان الذي هو قلبه بالحياة الباطنة
للمعرفة بالله التي فيها وبها حياة القلوب من حيث ما تعطيها صلاة الجمعة من جهة أنه سبحانه
واضع لهذه العبادة الخاصة بهذه الصورة، فإنه من أعظم الهداية التي هدى الله إليها هذه الأمة
خاصة فإنه اليوم الذي اختلفوا فيه فهدى الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، وذلك أن الله
اصطفى من كل جنس نوعاً ومن كل نوع شخصاً واختاره عناية منه بذلك المختار أو عناية
بالغير بسببه، وقد يختار من الجنس النوعين والثلاثة، وقد يختار من النوع الشخصين والثلاثة
والأكثر، فاختار من النوع الإنسانيّ المؤمنين، واختار من المؤمنين الأولياء، واختار من
الأولياء الأنبياء، واختار من الأنبياء الرسل، وفضلِ الرسل بعضهم على بعض، ولولا ورود
النهي من الرسول وَّر في قوله: ((لاَ تُفَضِّلُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ)) لعينت من هو أفضل الرسل، لكن
أعلمنا الله أنه فضل بعضهم على بعض، فمن وجد نصاً متواتراً فليقف عنده أو كشفاً محققاً
عنده، ومن كان عنده الخبر الواحد الصحيح فليحكم به إن تعلّق حكمه بأفعال الدنيا، وإن
كان حكمه في الآخرة فلا يجعله في عقده على التعيين وليقل: إن كان هذا عن الرسول في
نفس الأمر كما وصل إلينا فأنا مؤمن به وبكل ما هو من عند رسول الله وَلو وعن الله ممّا
علمت وممّا لم أعلم، فإنه لا ينبغي أن يجعل في العقائد إلاَّ ما يقطع به إن كان من النقل، فما
ثبت بالتواتر وإن كان من العقل فما ثبت بالدليل العقليّ ما لم يقدح فيه نص متواتر، فإن قدح
فيه نص متواتر لا يمكن الجمع بينهما اعتقد النص وترك الدليل، والسبب في ذلك أن الإيمان
بالأمور الواردة على لسان الشرع لا يلزم منها أن يكون الأمر الوارد في نفسه على ما يعطيه
الإيمان، فيعلم العاقل أنّ الله قد أراد من المكلف أن يؤمن بما جاء به هذا النص المتواتر الذي

١٣١
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
أفاده التواتر أنّ النبيّ وَلّ قاله، وإن خالف دليل العقل فيبقى على علمه من حيث ما هو علم
ويعلم أنّ الله لم يرد به بوجود هذا النص أن يعلق الإيمان بذلك المعلوم لا أنه يزول عن علمه
ويؤمن بهذا النص على مراد الله به، فإن أعلمه الحق في كشفه ما هو المراد بذلك النص
القادح في معلومه آمن به في موضعه الذي عيّنه الحق له بالنظر إلى من هو المخصوص بذلك
الخطاب، ومثل هذا الكشف يحرم علينا إظهاره في العامة لما يؤذي إليه من التشويش،
فلنشكر الله على ما منحه فهذه مقدمة نافعة في الطريق.
ولما اختصّ الله من الشهور شهر رمضان وسمّاه باسمه تعالى فإنّ من أسماء الله
رمضان، كذلك اختصّ الله من أيام الأسبوع يوم العروبة وهو يوم الجمعة وعرف الأمم أن الله
يوماً اختصّه من هذه السبعة الأيام وشرّفه على سائر أيام الأسبوع، ولهذا يغلط من يفضل بينه
وبين يوم عرفة ويوم عاشوراء، فإن فضل ذلك يرجع إلى مجموع أيام السنة لا إلى أيام
الأسبوع، ولهذا قد يكون يوم عرفة يوم الجمعة، ويوم عاشوراء يوم الجمعة، ويوم الجمعة لا
يتبدّل لا يكون أبداً يوم السبت ولا غيره، ففضل يوم الجمعة ذاتي لعينه، وفضل يوم عرفة
وعاشوراء لأمور عرضت إذا وجدت في أي يوم كان من أيام الأسبوع كان الفضل لذلك اليوم
لهذه الأحوال العوارض، فتدخل مفاضلة عرفة وعاشوراء في المفاضلة بين الأسباب العارضة
الموجبة للفضل في ذلك النوع .
كما أن رمضان إنما فضّله على سائر الشهور في الشهور القمرية لا في الشهور
الشمسية، فإن أفضل الشهور الشمسية يوم تكون الشمس في برج شرفها، وقد يأتي شهر
رمضان في كل شهور السنة الشمسية، فيشرف ذلك الشهر الشمسيّ على سائر شهور الشمس
بکون رمضان كان فيه وكونه فيه أمر عرض له في سيره، فلا يفاضل يوم الجمعة بيوم عرفة ولا
غيره، ولهذا شرع الغسل فيه لليوم لا لنفس الصلاة، فإن اتفق أن يغتسل في ذلك اليوم لصلاة
الجمعة فلا خلاف بيننا أنه أفضل بلا شك وأرفع للخلاف الواقع بين العلماء، فلما ذكر الله
شرف هذا اليوم للأمم ولم يعينه وكلهم الله في العلم به لاجتهادهم فاختلفوا فيه فقالت
النصارى: أفضل الأيام والله أعلم هو يوم الأحد لأنه يوم الشمس، وهو أول يوم خلق الله فيه
السموات والأرض وما بينهما، فما ابتدأ فيه الخلق إلاَّ لشرفه على سائر الأيام فاتخذته عيداً
وقالت: هذا هو اليوم الذي أراده الله ولم يقل لهم نبيهم في ذلك شيئاً ولا علم لنا هل أعلم
الله نبيهم بذلك أم لا؟ فإنه ما ورد بذلك خبر. وقالت اليهود: بل ذلك يوم السبت فإن الله فرغ
من الخلق في يوم العروبة واستراح يوم السبت واستلقى على ظهره ووضع إحدى رجليه على
الأخرى وقال: أنا الملك، قال الله تعالى في مقابلة هذا الكلام وأمثاله: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ
قَدْرِهِ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٩١] وتزعم اليهود أن هذا ممّا نزل في التوراة فلا نصدقهم في ذلك
ولا نكذبهم، فقالت اليهود: يوم السبت هو اليوم الذي أراده الله بأنه أفضل أيام الأسبوع،
فاختلفت اليهود والنصارى، وجاءت هذه الأمّة فجاء جبريل إلى محمد # بيوم الجمعة في
صورة مرآة مجلوّة فيها نكتة فقال له: هذا يوم الجمعة وهذه النكتة ساعة فيه لا يوافقها عبد

١٣٢
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
مسلم وهو يصلي إلاَّ غفر الله له، فقول النبي بَ له: «فَهَدَانَا اللَّهُ لِمَا اخْتَلَفَ فِيْهِ أَهْلُ الكِتَابِ)»
هو هذا التعريف الإلهيّ بالمرآة، وأضاف الهداية إلى الله وسبب فضله أنه اليوم الذي خلق الله
فيه هذه النشأة الإنسانية التي خلق المخلوقات من يوم الأحد إلى يوم الخميس من أجلها فلا
بدّ أن يكون أفضل الأوقات، وكان خلقه في تلك الساعة التي ظهرت نكتة في المرآة، ولما
ظهرت نكتة في المرآة دلّ ضرب المثل أنها لا تنتقل، كما لا تنتقل تلك النكتة التي في المرآة
فهي ساعة معينة في علم الله، فإن راعينا ضرب ذلك المثل في الحسّ ولا بدّ قلنا إن الساعة لا
تنتقل كما لا تنتقل في الحسّ، وإن راعينا ضرب المثل بها في الخيال ولا نخرجه بالحمل إلى
الحسّ قلنا: تنتقل الساعة في اليوم، فإن حكم الخيال للانتقال في الصورة لأنه ليس هو
بمحسوس فينضبط، وإنما هو معنى في صورة جسدية خيالية تشبه صورة حسيّة .
وكما أن المعنى الواحد ينتقل في صور ألفاظ كثيرة ولغات مختلفة في زمان واحد أشبه
الخيال فتنتقل الساعة في يوم الجمعة، وكلا الأمرين سائغ في ذلك، ولا يعرف ذلك إلاَّ
بإعلام الله، وهذه الساعة في يوم الجمعة كليلة القدر في السنة سواء، قال تعالى في هذا اليوم
أعني في شأنه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةٌ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيْنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنَزَلَ مَعَهُمُ الْكِنَبَ
بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيَّةٍ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَ تْهُمُ الْبَيِّنَتُ
بَغْيَُّ بَيْنَهُمَّ فَهَدَى اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا أَخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢١٣] هذه الآية
نزلت في الاختلاف في هذا اليوم، فغسل يوم الجمعة من هذا الاختلاف حتى يكون على يقين
في طهارته بما كشف الله عن بصيرته وهو علم الساعة التي في هذا اليوم فإن اليوم كان مبهماً،
ثم إن الله عرفنا به على لسان رسوله وبقي الإبهام في الساعة التي فيه، فمن علمها في كل
جمعة إن كانت تنتقل أو علمها في وقتها المعين إن كانت لا تنتقل فقد صح غسله يوم الجمعة
من هذا الجهل الذي كان فيه بها، ولهذا ينبغي أن يكون الغسل لليوم فإنه أعم.
وصل في فصل وجوب الجمعة على من خارج المصر: اختلف الناس في وجوب
الجمعة على من خارج المصر، فمن قائل: لا تجب الجمعة على من خارج المصر. ومن قائل :
إنها تجب على من هو خارج المصر. واختلفوا في قدر المسافة فمنهم من قال : مسيرة يوم وهو
قول شاذ. ومنهم من قال: ثلاثة أميال. ومنهم من قال: أن يكون على مسافة يسمع منها النداء
غالباً، والذي أقول به إذا كان الإنسان على مسافة بحيث إنه إذا سمع النداء يقوم للطهارة فيتطهر
ثم يخرج إلى المسجد ويمشي بالسكينة والوقار فإذا وصل وأدرك الصلاة وجبت عليه الجمعة،
فإن علم أنه لا يلحق الصلاة فلا تجب عليه لأنه ليس بمأمور بالسعي إليها إلاَّ بعد النداء وأما قبل
النداء فلا .
وصل الاعتبار في ذلك: الخارج عن الموطن الذي تعطيه معرفة الحق من حيث ما هو
آمر بها من دليل من عرف نفسه عرف ربه وهو الارتباط بالمعرفتين، فلا يخلو أن يكون
خروجه إلى معرفة ربه من حيث ما هو واجب الوجود، أو يكون خارجاً إلى حضرة الحيرة

١٣٣
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
والوقوف أو الكثرة فإن كان خارجاً إلي حكم معرفة كونه واجب الوجود لنفسه لا تجب عليه
الجمعة، وإن كان خروجه إلى ما سوى هذا وجبت عليه الجمعة بلا شك.
وصل في فصل الساعات التي وردت في فضل الرواح إلى الجمعة: فمن قائل: هي
نساعات المعروفة من أوّل النهار. ومن قائل: هي أجزاء ساعة واحدة قبل الزوال وبعده،
والذي أقول به أنها أجزاء من وقت النداء الأوّل إلى أن يبتدىء الإمام بالخطبة، ومن بكر قبل
ذلك فله من الأجر بحسب بكوره مما يزيد على البدنة ممّا لم يوقته الشارع.
وصل الاعتبار في ذلك: السعي سعيان: سعي مندوب إليه وهو من أوّل النهار إلى وقت
لنداء، وسعي واجب وهو من وقت النداء إلى أن يدرك الإمام راكعاً من الركعة الثانية،
والأجر الموقت للساعي إلى أول الخطبة، وما بعد ذلك فأجر غير موقت لأنه لم يرد في ذلك
شرع، فأمّا الأجر الموقت فهو من بدنة إلى بيضة وبينهما بقرة وهي تلي البدنة ويليها كبش
وتلي الكبش دجاجة والبيضة تأتي بعد الدجاجة آخراً وليس بعدها أجر مؤقت، ولما كانت
البيضة من الدجاجة وفيها تتكوّن الدجاجة وما في معناه من الحيوان الذي يبيض لهذا قرن
نبيضة مع الحيوان في توقيت القربة وقصد من الحيوانات في التمثيل ما يؤكل لحمه دائماً غالباً
ممّا لا خلاف في أكله، وبه تعظم قوّة الحياة في الشخص المتغذي، فكأنّ المتقرّب به تقرّب
بحياته، والتقريب بالنفس إلى الله أسنى القربات، ألا ترى الشهداء في سبيل الله لما تقربوا
بأنفسهم إلى الله في قتال أعداء الله كانت لهم الحياة الدائمة والرزق الدائم والفرح بما أعطاهم
ته؟ فلا يقال في الشهداء أموات لنهي الله عن ذلك لأن الله أخذ بأبصار الخلق عن إدراك
حياتهم، كما أخذ بأبصارهم عن إدراك الملائكة والجن مع معرفتنا أنهم معنا حضور، ولا نعتقد
أيضاً في الشهداء أنهم أموات بقوله: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ بَلْ أَحْيَاءُ﴾ [سورة آل
عمران: الآية ١٦٩] وخبر الله صدق، فثبتت لهم الحياة لما قصدوا القربة إلى الله بنفوسهم.
حكي عن بعض شباب الصالحين أنه كان بمنى يوم النحر وكان فقيراً متجرداً لا يقدر
على شيء من الدنيا، فنظر إلى الناس يتقرّبون إلى الله بنحر بدنهم وبالبقر والغنم وما قدروا
عليه من الحيوان فقال الشاب: إلهي إن الناس قد تقرّبوا إليك في هذا اليوم بما وصلت أيديهم
.نيه ممّا أنعمت به عليهم، وما لعبدك المسكين شيء يتقرّب به إليك في هذا اليوم سوى نفسه
فاقبلها، فما فرغ من كلامه حتى فارق الدنيا فقبضه الله قبض الشهداء سبيل الله، ولنا بيت من
قصيدة في هذا المعنى: [الطويل]
وهل رِيءَ خَلْقٌ بالعُيوب تقَرَّبَا
وأهدَى من القُزبان نفساً مَعِيبةً
وفي مثل هذا يقول بعضهم وقد رأى بمنى مثل ما رآه هذا الشاب من الحاج فأنشد:
البسيط]
تُهْدى الأضاحي وأُهدي مهجتي وَدَمِي
وصل في فصل البيع وقت النداء للصلاة من يوم الجمعة: اختلفوا في البيع في وقت
ننداء، فمن قائل: يفسخ. ومن قائل: لا يفسخ، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِى

١٣٤
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
لِلصَّلَوْةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعُ﴾ [سورة الجمعة: الآية ٩] فأمر بترك البيع في
هذا الوقت. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [سورة التوبة: الآية ١١١]
وقال عليه السلام في الجهاد: ((إِنَّهُ جِهَادُ النَّفْسِ وَهُوَ الْجِهَادُ الأُكْبَرُ)) وقال تعالى: ﴿قَائِلُواْ
الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [سورة التوبة: الآية ١٢٣] ولا أكفر من النفوس بنعم الله، ولا يلي
الإنسان أقرب إليه من نفسه، وجهاد النفس أعظم من جهاد العدو لأن الإنسان لا يخرج إلى
جهاد العدو إلاَّ بعد جهاده لنفسه، وجهاد العدو قد يقع من العبد للرياء والسمعة والحمية،
وجهاد النفس أمر باطن لا يطلع عليه إلاَّ الله كالصوم في الأعمال، وأحق بيع النفس من الله إذا
نودي للصلاة من يوم الجمعة فيترك جميع أغراضه ومراداته ويأتي إلى مثل هذا السوق فيبيع
من الله نفسه، ومثل هذا البيع لا يفسخ، هذا مذهب من يقول: بعدم الفسخ، ومن يقول
بالفسخ اعتباره هو أن يقول جميع أفعال العبادات أضافها إلى العباد إلاَّ عبادتين: العبادة
الواحدة: الصوم فأضافه إلى نفسه، والعلة في ذلك أنها صفة صمدانية سلبية لا تنبغي إلاَّالله
من حيث ذاته لا من حيث كونه إلهاً، وكل ما عدا ذات الحق فإنه متغذ بالغذاء الذي يليق به
ممّا يكون في استعماله بقاء ذلك المتغذي. والعبادة الثانية الصلاة فإنه قال: ((قَسَمْتُ الصَّلاةَ
بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنٍ فَنِصْقُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي)) فدل هذا الحديث على صحة ما يملكه
العبد، فإنه أضاف نصف الصلاة إلى نفسه تعالى وأضاف نصفها إلى عبده، فهو وإن كان عبده
فهو مالك لما أضافه الله إليه، فهو بالنظر إلى ما أضافه إليه في الصلاة غير مملوك فقال بفسخ
البيع، ومعنى فسخ البيع أنه لا يضيف إلى الله في هذه الحالة ما هو مضاف إليه، فإن في ذلك
منازعة الحق حيث أضاف أمراً إليك فرددته أنت عليه وهذا سوء أدب، فأي مصلّ ردّ على الله
هذا النصف الثاني الذي أضافه إلى العبد وملكه إياه في حال الصلاة فهو بيع مفسوخ، ولهذا
قال تعالى في هذا الحال: ﴿وَذَّرُواْ الْبَيْعُ﴾ [سورة الجمعة: الآية ٩] يقول: مرادي منكم في هذه
الحال أن يكون نصف الصلاة لكم، فالموفق هو الذي يتأدّب مع الله في كل حال.
وصل بل فصل في آداب الجمعة: اعلم أن آداب الجمعة ثلاثة وهو: الطيب، والسواك،
والزينة وهو اللباس الحسن ولا خلاف فيه بين أحد من العلماء.
وصل الاعتبار في ذلك: أمّا الطيب: فهو علم الأنفاس الرحمانية وهو كل ما يرد من
الحق ممّا تطيب به المعاملة بين الله وبين عبده في الحال والقول والفعل.
وأمّا السواك: فهو كل شيء يتطهر به لسان القلب من الذكر القرآني وهو أتم الطهارة،
وكل ما يرضي الله فإنه تنبعث ممّن هذه أوصافه روائح طيبة إلهية يشمّها أهل الروائح من
المكاشفين، قال رسول الله وَّر في السواك: ((إِنَّهُ مَظْهَرَةٌ لِلْفَم وَمَرْضَاةٌ لِلربِ)) وأن السواك
يرفع الحجب بين الله وبين عبده فيشاهده فإنه يتضمن صفتين عظيمتين: الطهور ورضى الله،
وقد أشار إلى هذا المعنى الخبر في قوله {وَله: ((صَلاةٌ بِسِوَاكِ خَيْرٌ مِنْ سَبْعِينَ صَلاةٍ بِغَيْرِ
سِوَاكِ)) وفي سواك إشارة للمصلين بربهم لا بأنفسهم، وقد ورد: ((إِنَّ اللَّهِ سَبْعِينَ حِجَابً»
فناسب بين ما ذكرته لك وبين هذه الأخبار تبصر عجائب.

١٣٥
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
وأما اللباس الحسن فهو التقوى، قال تعالى: ﴿وَلِبَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ﴾ [سورة الأعراف:
لآية ٢٦] أي هو خير لباس، وقال: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٣١] ولا
تقوى أقوى من الصلاة فإن المصلي مناج مشاهد ولهذا قال: ﴿ وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالضَلَوَةِ﴾
[سورة البقرة: الآية ١٥٣] وقال لعبده قل: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيْنُ﴾ [سورة الفاتحة: الآية ٥] فقد أقام الصبر
والصلاة مقام نفسه في المعونة، فكل مصلّ يتحدث في صلاته مع غير الله في قلبه فما هو
المصلي الذي يناجي ربّه ولا يشاهده، فإن حال المناجاة والشهود لا يجرأ أحد من
المخلوقات يقرب من عبد تكون حالته هذه خوفاً من الله، وهذا المصلي قليل فهو مصلّ
بصورته الظاهرة من قيام وركوع وسجود غير مصلّ بباطنه الذي هو المطلوب منه، ولكن
نرجو في هذا الموطن أن يشفع ظاهره في باطنه كما يشفع في بعض الأحوال باطنه في ظاهره،
وسبب ذلك أن الحركات الظاهرة إن لم يكن لها في الباطن حضور تثبت به وتظهر عنها وإلاَّ فما
تكون ولا يظهر لها وجود، فذلك القدر من الحضور المرعيّ شرعاً هو من الباطن فيتأيّد مع
نفعل الظاهر، فيقوى على ما يقع للمصلي من الوسوسة في الصلاة، فلا يكون لها تأثير في
نقص نشأة الصلاة عناية من الله ﴿إِنَّ اللَّهَ بِلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [سورة الحج: الآية ٦٥] ولما كان
اللباس الحسن من الزينة التي أمر بها العبد في الصلاة لم يكن أحسن زينة يلبسها العبد في مناجاة
ربه من زينته بالعبودية، والزينة الأخرى الزينة بربه في قوله: كنت سمعه وبصره ويده ورجله
ولسانه فأثبت العبد بالضمير وزيّنه به تعالى في عباداته كلها. انتهى الجزء الثاني والأربعون.
(الجزء الثالث والأربعون)
بِسْمِ الهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمَةِ
وصول بل فصول - صلاة السفر والجمع والقصر:
السفر يؤثر في الصلاة القصر باتفاقٍ وفي الجمع باختلاف. أما القصر: فإن العلماء
تفقوا على جواز قصر الصلاة للمسافر إلاَّ عائشة فإنها قالت: لا يجوز القصر إلاَّ للخائف
لقوله عزّ وجلّ: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْئِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [سورة النساء: الآية ١٠١] وقالوا: إن النبي وَد.
إنما قصر لأنه كان خائفاً، واختلفوا من ذلك في خمسة مواضع أنا أذكرها إن شاء الله .
وصل الاعتبار في ذلك: قد بيّنا لك في هذا الباب أن السفر حال لازم لكل ما سوى الله
في الحقائق الإلهية، بل لكل من يتصف بالوجود وهو سفر الأكابر من الرجال تخلقاً بقوله
تعالى: ﴿يَسْتَلُهُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِ شَأْنٍ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٢٩] وحديث النزول
بى السماء الدنيا كل ليلة في الثلث الباقي من الليل وهو الادلاج عند العرب بتشديد الدال،
فسفر الأكابر من الرجال بالعلم والتحقق، وسفر في الأسماء الإلهية بالتخلق وهو سفر حاله
ـ زل عن الحال الأول، وسفر ثالث في الأكوان بالاعتبار وهو حال دون الحالين، وسفر جامع
بهذه الأسفار كلها في أحوالها وهو أعظم أسفار الكون، والأوّل أعظم الأسفار وأجلها، فإذا
دعا الحق المسافر للصلاة قصر عن صلاة المقيم لموضع الفرق، فكما تميّز المقيم من

١٣٦
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
المسافر وحال الإقامة من حال السفر تميّز حكم صلاة المقيم من حكم صلاة المسافر. وأمّـ
قول عائشة وهو قول الله في الخوف فإن العبد مطلوب في كل نفس بمراقبة الحق في حكمه
تعالى في ذلك النفس بما شرع له تعالى فيه خاصة، وما كل أحد يقدر على مراعاة هذا المقام
مع الحق فلا يزال في خوف دائماً، فالعارف إذا حصل فيه وخاف أن يلتبس عليه مناجاة الحق
في الأنفاس اقتصر من المناجاة على ما يختص بذلك النفس، فكان الخوف سبباً للقصر وهو
قول الله تعالى الذي ذهبت إليه عائشة، وسيأتي تحقيق ما أومأنا إليه فيما بعد. ولما قلنا إن
العلماء اختلفوا من ذلك في خمسة مواضع تعين علينا أن نذكرها واعتباراتها موضعاً موضعاً إن
شاء الله تعالى، كما جرت عادتنا في عبادات هذا الكتاب.
وصل في فصل - الموضع الأول من الخمسة: وهو حكم القصر، اختلف علماء
الشريعة في ذلك على أربعة أقوال: فمن قائل: إن القصر للمسافر فرض متعين وبه أقول.
ومن قائل: إن القصر والإتمام كليهما فرض مخيّر له كالخيار في واجب الكفارة. ومن قائل :
إن القصر سنّة. ومن قائل: إن القصر رخصة والإتمام أفضل.
وصل الاعتبار في ذلك: من رأى أن التمكين في التلوين إقامة قال الإتمام أفضل، ومن
راعى التلوين مع الأنفاس سواء كان مشعوراً به أو غير مشعور به قال: إن القصر فرض
متعين، ومن راعى التلوين والتمكين خيره في القصر والإتمام بحسب صاحب الوقت
وحاكمه، فإن كان صاحب الوقت التلوين بالحال والتمكين بالعلم قصر، وإن كان صاحب
الوقت التمكين بالحال والتلوين بالعلم أتم، ومن لم يراع التلوين ولا التمكين وكان بحكم
الطريق لا بحكم السالك فيه قال: إن القصر سنّة .
وصل في فصل - الموضع الثاني من الخمسة المواضع: وهي المسافة التي يجوز فيها
القصر. اختلف العلماء في ذلك، فمن قائل: في أربعة برد. ومن قائل: مسافة ثلاثة أيام.
ومن قائل: في كل سفر قريباً كان أو بعيداً وبه أقول فإني أعتبر فيها مسمّى السفر باللسان.
وصل الاعتبار في ذلك: البريد اثنا عشر ميلاً، ولما كانت المسافة تطلب المقدار بذاتها
والعدد يلزم المقادير وكانت مراتب العدد اثنتي عشرة مرتبة لا يزاد عليها ولا ينقص وهي:
واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة، سبعة، ثمانية، تسعة، عشرة، مائة ألف، هذه
بسائط الأعداد وما زاد عليها فمركب منها، فإذا مشى الإنسان في طريق الله في الأربعة الأركان
التي قامت منها نشأته وهي أخلاطه يقطع كل ركن بهذه الاثني عشرة، وأما الأكابر فيقطعونها
في الأربعة الأسماء الإلهية التي هي أمهات الأسماء كلها، وعليها توقف وجود العالم وهو
الحيّ العالم المريد القادر لا غير، وبهذه الأسماء يثبت كونه إلهاً، فإذا نظر العبد في هذه
الأربعة مع الأربعة التي له كانت ثمانية ونظر إلى نفسه وعقله فكانت العشرة، ونظر إلى توحيد
ذاته وتوحيد ألوهيته كانت اثنتي عشرة وتمّ البريد، فنظر هذا أيضاً في الأربع المراتب وهو
قوله: الأول، والآخر، والظاهر، والباطن، حقاً وخلقاً، وصرّف في كل حال من هذه
الأحوال الاثني عشر تثبت بذلك أربعة برد فيقصر لها الصلاة. وأما الثلاثة الأيام فيوم كما قال

١٣٧
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
أبو يزيد حين سئل عن الزهد فقال: هو هين ما كنت زاهداً سوى ثلاثة أيام، اليوم الواحد:
زهدت في الدنيا. واليوم الثاني: زهدت في الآخرة. واليوم الثالث: زهدت في كل ما سوى
لله. ومن كانت هذه حاله قصر صلاته فإنه قد سافر أكمل الأسفار بلا خلاف وأما القصر في
مسافة ينطلق عليها اسم سفر ولا بدّ في اللسان ولا يراعي البعد ولا القرب فهو الذي يراعي
عالمه المكلفين، فمن سافر منهم قصر، فإذا سافر الإنسان ببصره للاعتبار قصر، وإن سافر
بسمعه أيضاً قصر، وإن سافر بفكره في المعقولات قصر، وصورة قصره قصور نظره على ما
يعطيه حاله في وقته، فإن أعطاه الكل كان بحسبه، وإن أعطاه البعض كان بحسبه، وهذا هو
مذهب الجماعة وعليه عوّلوا.
وصل في فصل - الموضع الثالث من الخمسة المواضع: وهو اختلافهم في نوع السفر
الذي تقصر فيه الصلاة، فمن قائل: إن ذلك مقصور على سفر الطاعات والأفعال المقرّبة إلى
الله. ومن قائل بهذا أو بالسفر المباح أي ذلك كان. ومن قائل: بكل سفر ممّا يسمّى سفراً
قربة كان أو مباحاً أو معصية وبه أقول.
وصل الاعتبار في ذلك: قال تعالى ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٤٥] هذا في
الأعيان وقال في الأعيان وفي الأحوال وقال: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ اُلْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [سورة هود: الآية ١٢٣]
وقال: ﴿أَلَّ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [سورة الشورى: الآية ٥٣] وقال: ﴿مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّ هُوَءَاخِذُ
بِنَاصِيَتِهَا﴾ [سورة هود: الآية ٥٦] فهذه الآيات كلها وأمثالها تدل على سفر الإنسان إلى الله فيقصر،
فإن الله هو الغاية لكل مسافر، سواء سافر منه أو من كون نفسه أو كون من الأكوان، وفيه أو
في أسماء ربه، والحق سبحانه غاية الطرق قصدت الطرق أو لم تقصد، فما هو غاية قصد
السالك؟ فإن السالك مقيد القصد ولا بد، والله لا يتقيد إلاَّ بالإطلاق فإن الإطلاق تقييد،
فلهذا أمرنا بالتقصير في كل ما ينطلق عليه اسم سفر قربة كان أو مباحاً أو معصية، ومن راعى
أو كان مشهده قوله تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّهُمْ عَنْ زَّبِهِمْ يَوْمَيِذٍ ◌ََّحْجُوبُونَ﴾ [سورة المطففين: الآية ١٥] وقوله:
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَأَتَّبِعُوهٌ وَلَا تَنَّبِعُواْ اْلُبُلَ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٥٣] لم ير التقصير إلاّ
في سفر الطاعة أو في سفر الطاعة والمباح، لأن الصلاة قربة إلى الله سعادية والمذهب الأول
أولى، فإن المعصية لم يثبت كونها معصية عند هذا المسافر فيها إلاَّ بكونه مؤمناً أو على
مذهب خاص بالمؤمن بها أنها معصية، فهو ممّن خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً وهو مسافر،
فلأيّ معنى نراعي حكم المعصية فنقول بأنه لا يقصر بكونه سافر في غير ما يرضي الله،
وغاب صاحب هذا القول عن حكم الإيمان بهذه المعصية من هذا المسافر أنه مؤمن بأنها
معصية فهو في طاعة، فإنه قد أرضى الرب سبحانه من كونه مؤمناً بأنها معصية، والإيمان في
حكمه أقوى من الفعل المعين المسمّى معصية، فما يمنعه أن يحكم له بجواز القصر وهو
مسافر بإيمانه بها في طاعة أيضاً، والحسنة بعشر والسيئة واحد ﴿إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ
يَغْلِبُواْ مِائَنَيْنٍ﴾ [سورة الأنفال: الآية ٦٥] فكيف إن كانوا مائتين والمعصية في عشرين، والآيات التي
احتج بها من تعيين الصراط والحجة إنما ذلك فيمن ليس بمؤمن ومن ليس بمؤمن، فما هو

١٣٨
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
مخاطب بتمام ولا قصر لأن الصلاة لا تجب عليه إلاَّ بعد الإيمان، وإن كان مخاطباً بالجملة
فمذهبنا أولى في هذه المسألة.
وصل في فصل - الموضع الرابع من الخمسة المواضع: وهو الموضع الذي منه يبدأ
المسافر بالقصر، قال بعض العلماء: لا يقصر حتى يخرج من بيوت القرية، ولا يتم حتى
يدخل أول بيوتها. ومن قائل: لا يقصر إذا كانت قرية جامعة حتى يكون منها بنحو ثلاثة
أميال .
وصل الاعتبار في ذلك: الإنسان جسم وروح، فما دام روح الإنسان مستوطناً في
جسمه وعالم حسّه يجري بحكم طبيعته فهو مقيم غير مسافر فيتم صلاته، فإذا سافر الروح عن
جسمه وتركه وراء بحال فناء فقد غاب عنه في أول قدم، وإذا غاب عنه فسنته القصر في
الصلاة، ومعنى القصر هنا ما يختص به الروح من حكم الصلاة من كونه روحاً لا من كونه
مدبراً لجسم، فإنه في هذه الحال غائب عن جسمه، فلا يبقى عليه من حكم الصلاة إلاَّ ما
يختص به، ومن راعى كون جسميته ذات ثلاث شعب وهو ما يحويه من الطول والعرض
والعمق وهو سار في كل مسمّى بالجسم إلاَّ في مذهب المتكلمين فإن الجسم عندهم طول بلا
عرض يعني أقل جسم، وفي مذهب غيرهم ثمانية جواهر هي أقل الأجسام، فإنه جمع بين
الطول من كونه جوهرين، والعرض من كونه أربعة جواهر وهو السطح والعمق من كونه ثمانية
جواهر وهو سطحان وأربعة خطوط، وسواء كان عند هذا الروح جسمه الخاص به أو انتقل
عن جسمه في غيبته المدبر له إلى جسم آخر طبيعي يشاهده فما زال من حكم الجسمية، فلا
يقصر حتى يغيب عنها بالكلية ويتجرد عن مشاهدة الجسمية ويبقى روحاً، فحينئذ يبتدىء
بصلاته الخاصة به وهو القصر، فهذا اعتبار صاحب الثلاثة الأيام.
والقرية الجامعة وهي الجسمية الشاملة لجسمه ولجسم غيره فإن من أصحابنا من يقول
إنه من انتقل في غيبته من صورة حسّه إلى صورة محسوسه فلا يسمى غائباً، كانت تلك
الصورة ما كانت روحانية أو أسمائية أو معنوية أو جسمية، مهما تجلّت له في الصور الجسمية
فهو مقيم في الجسم، فوجب عليه الإتمام في الصلاة التي يدخلها القصر والإتمام وهي
الرباعية، فإن الثنائية وهي الصبح لا يدخلها القصر، فإن الركعة الواحدة لوحدانية الحق
والركعة الثانية لوحدانية العبد فلا بدّ من مصلّ ومصلى له فلا قصر في صلاة الصبح. وأما
الثلاثية وهي المغرب فإن الركعتين اللتين يجهر فيهما فهما شفعية الإنسان وكونهما يجهر فيهما
بالقراءة لأنهما نصبتا دليلاً على الحق، والدليل لا يكون إلاَّ علانية ظاهراً معلوماً، ودليل بغير
مدلول لا يصحّ، فكانت الركعة الثالثة لوجود المدلول وهو الحق، وكانت القراءة فيها سرّاً
لكونه غيباً، فلا سبيل إلى القصر في المغرب فإنه دليل على العبد وشفعيته وعلى الحق
وأحديته، فلم يبق القصر إلاَّ في الرباعية لوجود الشفعيتين فيها، فألحقت بالصبح لحكم
الأحدية في جناب الحق وجناب العبد وهو قول من قال: [المتقارب]
تدل على أنه واحِدُ
وفي كل شيء له آيةٌ

١٣٩
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
فما قال اثنان ولا قال شيئان، فاعتبر أحدية كل شيء من كونه شيئاً ومن كونه آية على
أحدية الحق حتى لا يعرف الواحد إلاَّ بالواحد، ولهذا كان يقول الحسن بن هانىء شاعر
وقته: وددت أن هذا البيت الواحد لي بجميع شعري ثم عمل في معناه وما جاء مثله ولا أعطى
من حسن مساق المعنى ما أعطاه هذا البيت، وخرج عن علمي في هذا الوقت ما عمله الحسن
ولو كان في حفظي في هذا الوقت لسقته في هذا الموضع حتى يعرف فضل هذا البيت وإنه في
الكلام المعجز، وما أظن وقع لقائله وهو أبو العتاهية إلاّ بحكم الاتفاق.
وصل في فصل - الموضع الخامس من الخمسة المواضع: وهو اختلافهم في الزمان
الذي يجوز للمسافر إذا أقام فيه في بلد أن يقصر. حكى أبو عمر بن عبد البر في هذه المسألة
أحد عشر قولاً ما حضرتني في هذا الوقت فلينظرها في كتبه من أراد أن يقف عليها، فلنذكر
منها ما تيسر على ذكري، فمن قائل: إذا أزمع المسافر على إقامة أربعة أيام أتم، وقال غيره:
خمسة عشر يوماً، وقال غيره: عشرين يوماً، وقال غيره: إذا أزمع على أكثر من أربعة أيام،
والأولى عندي في هذه المسألة أن ينظر في مدة إقامة النبي ◌َ ◌ّه بمكة إلى أن رجع إلى المدينة
فإنه كان يقصر في تلك المدة.
وصل في الاعتبار في ذلك: إذا قام السالك في المقام بنية الإقامة فيه أتم من نفسين إلى
عشرين نفساً، فإن يوم العارف نفسه المكمل الإلهي وإن كان في كلٍ نفس يطلب الترقي
فيمسكه الله فيه فلا يعطيه حكمه ما مشى به في أنفاسه ولم يشعر بها إلاّ أن نيّته الرحلة في كل
نفس، فهو يقصر دائماً عمره كله، فهو بمنزلة من يتعرّض للفتح فلا يفتح له ويجمع له إلى أن
يموت فيرى عند موته ما أخفي له فيه من قرّة أعين فيعلم عند ذلك أنه كان مسافراً ولم يشعر
لكونه ما فتح له في حياته الأولى ولا شاهد ما شاهد غيره من السائرين إلى الله.
وصل في فصول - الجمع بين الصلاتين: اتفق العلماء كلهم على الجمع بين الظهر
والعصر في أول الظهر يوم عرفة بعرفة، وعلى الجمع بين المغرب والعشاء بتأخير المغرب إلى
وقت العشاء بالمزدلفة، واختلفوا فيما عدا هذين المكانين، فذهب أكثر الناس إلى الجمع
بينهما في المواضع التي يجوز الجمع والأحوال، ومنع بعضهم ذلك بإطلاق فيما عدا موضعٍ
الاتفاق. وأما الذي أذهب إليه فإن الأوقات قد ثبتت بلا خلاف فلا نخرج صلاة عن وقتها إلا
بنص غير محتمل، إذ لا ينبغي أن يخرج عن أصل ثابت بأمر محتمل، هذا لا يقول به من شم
رائحة من العلم، وكل حديث ورد في ذلك فمحتمل وتكلم فيه مع احتماله أو صحيح لكنه
ليس بنص. وأما إن أخّر صلاة الظهر إلى الوقت المشترك فجمع على هذا الحد وكذلك في
المغرب مع العشاء فقد صلَّى كل صلاة في وقتها وهو الصحيح الذي يعوّل عليه، فإن الحديث
الثابت الذي هو نص هو حديث أنس: (أَنَّ النَّبِيَ وَّلِكَانَ فِي سَفَرِهِ إِذَا ازْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ
الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يُصَلِيَهَا مَعَ الْعَصْرِ))فهو محتمل كما ذكرناه، وإذا ارتحل بعد أن تزيغ
الشمس صلَّى الظهر وحده ثم ركب ولم يكن يقدم العصر إليها لأنه ليس وقتها باتفاق، فيقوى
بهذا احتمال التأخير أنه صلَّى الظهر في آخر وقتها وأوقع بعضها في الوقت المشترك وهو الذي

١٤٠
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
يصلح لإيقاع الصلاتين معاً إلاّ أنه لا يتسع فيصلي من الظهر ثلاث ركعات فيه أو ما نقص عن
ذلك، ويصلي من العصر فيه بقدر ما أبقى من الوقت المشترك، وهذا هو الأولى والأحوط.
وصل الاعتبار في ذلك: الجمع في المعرفة بلا خلاف في توحيد الله في ألوهته وهو أن
لا إله إلاَّ هو، ولا يعرف هذا إلاّ بعد معرفة المألوه، فهو الجمع بين المعرفتين بالاتفاق وهذا
هو جمع عرفة، وأما جمع المزدلفة فهو موضع القربة وهو موضع جمع فحكم اسم الموضع
على من حلّ فيه بالجمع، ألا ترى قول رسول الله وَ الر؛ ((لاَ يُؤَمَّنَّ الرَّجُلُ فِي سُلْطَانِهِ وَلاَ يُقْعَد
فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ)) فجعل الحكم والإمامة لصاحب المنزل، وهذا المنزل يسمّى
جمعاً فالإمامة له والحكم، فجمع فيه بين الصلاتين لما تعطيه حقيقته بالاتفاق أيضاً، وجمع
النبيّ ◌َّ في هاتين بين التقدم والتأخر ولا واسطة بينهما في هذا الموضع حتى تكمل مراتب
الأشياء لأجل أهل القياس، فإن الله قد علم من عباده أنهم بعد رسول الله ولم يتخذون القياس
أصلاً فيما لا يجدون فيه نصاً من كتاب ولا سنّة ولا إجماع، فوفق رسول الله مَّة إلى الجمع
في هذا اليوم بتقديم صلاة العصر وتأخير صلاة المغرب ليقيس مثبتو القياس التأخير لهذا
التأخير والتقديم لهذا التقديم، وقد قرّر الشارع حكم المجتهد أنه حكم مشروع، فإثبات
المجتهد القياس أصلاً في الشرع بما أعطاه دليله ونظره واجتهاده حكم شرعيّ لا ينبغي يردّ
عليه من ليس القياس من مذهبه وإن كان لا يقول به، فإن الشارع قد قرّره حكماً في حق من
أعطاه اجتهاده ذلك، فمن تعرّض للردّ عليه فقد تعرّض للردّ على حكم قد أثبته الشارع،
وكذلك صاحب القياس إن ردّ على حكم الظاهريّ في استمساكه بالظاهر الذي أعطاه اجتهاده
فقد ردّ أيضاً حكماً قرّره الشارع، فليلزم كل مجتهد ما أدّاه إليه اجتهاده ولا يتعرّض إلى تخطئة
من خالفه فإن ذلك سوء أدب مع الشارع، ولا ينبغي لعلماء الشريعة أن يسيئوا الأدب مع
الشرع فيما قرّره.
وصل في فصل - صورة الجمع: اختلف القائلون في صورة الجمع في السفر، فمنهم
من رأى أن تؤخر الصلاة الأولى وتصلّى مع الثانية. ومنهم من رأى أن تقدّم الأخرى إلى
الأولى إن شاء، وأن يؤخّر الأولى إلى الآخرة إن شاء، فمن راعى تأخير الأولى فاعتباره
المعرفة بالله، فإن الله كان ولا شيء معه، وأن العالم متأخر عن وجود الحق بالوجود، فإن
وجوده مستفاد من وجود الحق، فلما أردنا المعرفة به من كونه إلهاً للعالم أخّرناه في المعرفة
إلى وقت معرفتنا بنا، فلما عرفنا أنفسنا عرفنا ربنا، قال رسول الله وَالَ: ((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ
عَرَفَ رَبَّهُ)) فصلينا الأولى في وقت الثانية، ومن راعى الوجود في الاعتبار قدم الآخرة إلى
الأولى وجعل وجود عين العبد هو وجود الحق، فالحق العالم بالله، فعلمه من الله وعلم الله
بالله، ومن راعى الأمرين معاً في الاعتبار قدّم إن شاء وأخّر إن شاء، ولكل طريقة طائفة،
والكامل منّا من عرف كل طريقة وكل طائفة وكان فيها خارجاً عنها وهم الأكابر من الرجال.
فصل: ومن الفصول المبيحة للجمع السفر بالاتفاق من القائلين به، واختلفوا في الجمع
في الحضر وفي شروط السفر المبيح له، فمنهم من جعل السفر نفسه مبيحاً للجمع أيّ سفر
الفتوحات المكية — pages 121-140 | ScribeTools Library