النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
والتعريف مثل قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ﴾ [سورة العنكبوت: الآية ٤٦] ومثل ذلك وأضاف فعل التوجيه إلى
نفسه لعلمه أن الله قد أضاف العمل إلى العبد فقال: يقول العبد: الحمد لله، والقول عمل من
الأعمال، فالعالم لا يزال أبداً يجري مع الحق على مقاصده كما قال: ﴿خَلَقَ الْإِنِسَنَ عَلَّمَهُ
اَلْبَيَانَ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٣، ٤] فعرفه بالمواطن، وكيف يكون فيها ولو تركه مع نفسه لعاد إلى
العدم الذي خرج منه فأعطاه الوجود ولوازمه وظهر فيه سبحانه بنفسه بما أظهر من الأفعال به،
وجعل للعبد أولاً معلوماً وجودياً وآخراً معلوماً في الوجود معقولاً في التقدير، وظاهراً ما ظهر
منه له، وباطناً بما خفي عنه منه، فلما حدّه بهذه الحدود وعراه عنها وقال له: ما أنت هو بل
﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالَهِرُ وَالْبَالِنُ﴾ [سورة الحديد: الآية ٣] فأبقى العبد في حال وجوده على إمكانه
ما برح منه ولا يصحّ أن يبرح وأضاف الأفعال إليه لحصول الطمأنينة بأن الدعوى لا تصحّ فيها
فإنه قال: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [سورة هود: الآية ١٢٣] وقال: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ أَفَلَاَ
تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل: الآية ١٧] فلهذا أضاف العالم التوجيه إلى نفسه ووجه الشيء ذاته
وحقيقته، أي نصبت ذاتي قائمة كما أمرتني، ثم قال: ﴿لِلَّذِى فَطَرَ الشََّوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ [سورة
الأنعام: الآية ٧٩] وهو قوله: ﴿فَفَتَقْنَهُمَا﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٣٠] أي الذي ميّز ظاهري من باطني،
وغيبي من شهادتي، وفصل بين القوى الروحانية في ذاتي كما فصل السموات بعضها من
بعض، فأوحى في كل سماء بما جعل في كل قوّة من قوى سمواتي، وقوله: ﴿وَاَلْأَرْضَ﴾
ففصل بين جوارحي فجعل للعين حكماً، وللأذن حكماً، ولسائر الجوارح حكماً حكماً وهو
قوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا﴾ [سورة فصلت: الآية ١٠] وهو ما يتغذى به العقل الإنسانيّ من العلوم
التي تعطيه الحواس بما يركبه الفكر من ذلك لمعرفة الله ومعرفة ما أمر الله بالمعرفة به، فهذا
وما يناسبه ينظر العالم في الله بالتوجيه بقوله: ﴿فَطَرَ السََّّوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ وهو بحر واسع لو
شرعنا فيما يحصل للعارف في نفسه الذي يوجب عليه أن يقول: ﴿ فَطَرَ السََّوَتِ وَالْأَرْضَ﴾
ما وسعه كتاب ولكلّت الألسن عن تعبير سماء واحدة منه ثم قال: ﴿حَنِيفًا﴾ [سورة الأنعام: الآية
٧٩] أي مائلاً، والحنف الميل يقول: مائلاً إلى جناب الحق من إمكاني إلى وجوب وجودي
بربي فيصحّ لي التنزه عن العدم فأبقى في الخير المحض فهذا معنى قوله حنيفاً. ثم قال:
﴿وَمَآ أَنَا﴾ في هذا الميل ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٧٩] يقول: ما ملت بأمري كما قال
العبد الصالح: ﴿وَمَا فَعَلْنُهُ عَنْ أَمْرِىٌ﴾ [سورة الكهف: الآية ٨٢] وإنما الحق علمني كيف أتوجه إليه
وبماذا أتوجه إليه وممّاذا أتوجه إليه وعلى أية حالة أكون في التوجّه إليه. هذا كله لا بدّ أن
يعرفه العلماء بالله في التوجيه وإن لم يكونوا بهذه المثابة فما هم أهل توجيه وإن أتوا بهذا
اللفظ، فنفى عن نفسه الشرك.
والعبد وإن أضاف الفعل إلى نفسه فما هو شريك في الفعل وإنما هو منفرد بما يصحّ أن
يكون له منفرداً من ذلك الفعل، ويكون الحق منفرداً بما يصحّ أن يكون به منفرداً من ذلك
الفعل، فالعبد لا يشاركه سيّده في عبوديته، فإن السيد لا يكون عبداً والعبد لا يكون سيداً لمن
هو له عبد من حيث ما هو عبد له. ثم قال: ﴿إِنَّ صَلَاتِ وَنُسُكِى وَيَحْيَاىَ وَمَمَاتٍِ﴾ [سورة الأنعام:
٦٢
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
الآية ١٦٢] فأضاف الكل إلى نفسه فإنه ما ظهرت هذه الأفعال ولا يصحّ أن تظهر إلاَّ بوجوب
العبد، إذ يستحيل على الحق إضافة هذه الأشياء إليه بغير حكم الإيجاد فتضاف إلى الحق من
حيث إيجاد أعيانها كما تضاف إلى العبد من كونه محلاً لظهور أعيانها فيه فهو المصلي، كما
أن المحرّك هو المتحرّك ما هو المحرّك فهو المتحرّك حقيقة، ولا يصحّ أن يكون الحق هو
المتحرّك، كما لا يصحّ أن يكون المتحرّك هو المحرّك لنفسه لكونه نراه ساكناً، فاعلم ذلك
حتى تعرف ما تضيفه إلى نفسك ممّا لا يصح أن تضيفه إلى ربك عقلاً، وتضيف إلى ربّك ما
لا يصحّ أن تضيفه إلى نفسك شرعاً ﴿وَنُسُكِ﴾ هنا معناه عبادتي أي إن صلاتي وعبادتي يقول:
ذلّتي ﴿وَيَحْيَاىَ وَمَمَانٍ﴾ أي وحالة حياتي وحالة موتي، ثم قال: ﴿اللَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ أي الله أي
إيجاد ذلك كله لله لا لي، أي ظهور ذلك فيّ من أجل الله لا من أجل ما يعود عليّ في ذلك
من الخير فإن الله يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٥٦] فجعل
العلة ترجع إلى جنابه لا إليّ، فلم يكن القصد الأوّل الخير لنا وإنما كان الإيثار في ذلك
لجناب الحق الذي ينبغي له الإيثار، فكان تعليماً لنا من الحق وتنبيهاً وهو قول رابعة: أليس
هو أهلاً للعبادة؟ فالعالم من عبد الله لله، وغير العالم يعبده لما يرجوه من الله من حظوظ نفسه
في تلك العبادة، فلهذا شرع لنا أن نقول: ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ أي سيد العالمين ومالكهم
ومصلحهم لما شرع لهم وبين حتى لا يتركهم في حيرة كما قال تعالى في معرض الامتنان
على عبده: ﴿وَوَجَدََ ضَالا فَهَدَى﴾ [سورة الضحى: الآية ٧] أي حائراً فبيّن لك طريق الهدى من
طريق الضلالة، فطريق الهدى هنا هو معرفة ما خلقك من أجله حتى تكون عبادتك على ذلك
فتكون على بينة من ربك، ثم قال: ﴿لَا شَرِكَ لَِّّ وَيِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْشُتْلِمِينَ﴾ [سورة الأنعام: الآية
١٦٣] أي لا إله في هذا الموضع مقصود بهذه العبادة إلاَّ الله الذي خلقني من أجلها أي لا
أشرك فيها نفسي بما يخطر له من الثواب الذي وعده الله لمن هذه صفته، وقد ذهب بعضهم
إلى الحضور مع الثواب في حال هذه العبادة وكفر من لم يقل به وهذا ليس بشيء وهو من
أكابر المتكلمين غير أنه لم يكن من العلماء بالله من طريق الأذواق، بل كان من أهل النظر
الأكابر منهم وردّ على العدوية فيما قالته.
ولا يعتبر عندنا ما يخالفنا فيه علماء الرسوم إلاَّ في نقل الأحكام المشروعة، فإن فيها
يتساوى الجميع ويعتبر فيها المخالف بالقدح في الطريق الموصل أو في المفهوم باللسان
العربي، وأمّا في غير هذا فلا يعتبر إلاَّ مخالفة الجنس، وهذا سار في كل صنف من العلماء
بعلم خاص. وقوله: ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ يعود على الجملة كلها وعلى كل جزء جزء منها بحسب
ما يليق بذلك الجزء فلا يحتاج إلى ذكره مفصلاً إذ قد حصل التنبيه على ما فيه ﴿لِمَن كَانَ لَهُ
قَلْبُ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [سورة ق: الآية ٣٧] ثم قال: ﴿ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُتِينَ﴾ أي من المنقادين
لأوامره في قوله: ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٦٣].
ثم قال: اللهم أنت الملك، وذلك أن الله تعالى لما دعاه إلى القيام بين يديه وذلك أنه
لا ينبغي أن يدعو إلى هذه الصفة إلاَّ الملوك فخصّ هذا الاسم في التوجيه دون غيره، ولهذا
٦٣
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
شرع التكتيف في الصلاة في حال الوقوف لأنه موطن وقوف العبد بين يدي الملك، ثم يقول
بالوصف الأخص: لا إله إلاَّ أنت ولم يقل لا ملك إلاَّ أنت أدباً مع الله، فإن الله قد أثبت
الملوك في الأرض في قوله: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ [سورة المائدة: الآية ٢٠] ونفى أن يكون في العالم
إله سواه لا بالحقيقة ولا بحكم الجعل، فقال العبد في التوجيه: لا إله إلاَّ أنت، ولو قال: لا
ملك إلاَّ أنت لكان نافياً لما أثبته الحق، وما أثبته الحق لا يلحقه الانتفاء، كما أنه إذا نفى شيئاً
لا يمكن إثباته أصلاً، فإن كان لفظ هذا التوجيه نقلاً عن الحق وهو من كلام الله فهو تصديق
لما أثبته ونفاه، وإن كان من لفظ النبيّ وَّ ر فهو من مقام الأدب مع الله حيث لم ينف ما أثبته
الله، وإن كان لا ملك إلاّ الله ولكن الله قد أثبت الملوك فهذا معنى لا إله إلاَّ أنت عقيب قوله:
أنت الملك فإنه يظهر فيه عدم المناسبة، فلما كانت الألوهية تتضمن الملك ولا يتضمن الملك
الألوهية أتى بلفظ يدل معناه على وجود الملك الذي سمّاه، وإن لم يظهر له لفظ فالإله ملك
وليس كل ملك إلهاً .
ثم يقول: أنت ربي وأنا عبدك، فقدّم ربه وأخّر نفسه وأضافها إلى ربه بحرف الخطاب
لأنه بين يديه. وانظر ما في هذا الكلام من الأدب يقول له: أنت ربي وأنا عبدك الذي قسمت
الصلاة بينك وبينه، فمن حيث هذه العبودية الخاصة وقفت بين يديك وهي حالة مناجاة لا
حالة أخرى، فإن أحوال العبد تتنوّع بتنوّع ما يدعوه السيد إليه وإن كان عبداً في كلٍ حالة، ثم
يقول: ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعاً إنه لا يغفر الذنوب إلاَّ أنت يقول
في هذا الكلام لما قال قبل التوجيه ذلك الدعاء الذي قدّمناه بعد التكبير من سؤاله البعد بينه
وبين خطاياه يقول: ظلمت نفسي بما اكتسبت من الخطايا واعترفت بين يديك بها قبل
مناجاتك فاغفر لي ذنوبي أي فاستر ذنوبي من أجلي إنه لا يقدر على سترها إلا أنت فلا تراني
فتأتيني فأكون بها مذنباً ولا أراها فتحلو لي فآتيها فأكون بها مذنباً وهو قوله: باعد بيني وبين
خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، يقول: إذا سترتها عني بهذا البعد لم أشهدها
حتى أكون متفرّغاً لقبول ما دعوتني إليه، فإنك إن أشهدتني ذنوبي ولم تسترها عني منعني
الحياء والدهش عند رؤيتها أن أعقل ما تريده مني ممّا دعوتني إليه، فلم يذكر أيضاً إسقاطها
عني حتى لا يكون يسعى في حظ نفسه، وأن المطلوب سترها في تلك الحال، ولهذا العالم
بالله مع توبته لا يزال متى ذكر ذنبه أثرت في نفسه وحشة المخالفة وإن لم يؤاخذ به فإن الحال
تعطي ذلك .
ثم يقول: واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلاَّ أنت، هو بمنزلة قوله في
الدعاء: اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد أي وفقني لاستعمال مكارم الأخلاق في هذا
الموطن ممّا يستحق أن أعاملك بها من الأدب في مناجاتك والأخذ عنك والفهم لما تورده
عليّ في كلامك، وفهم ما أناجيك به أنا من كلامك، هذا كله من أحسن الأخلاق وفي أفعالي
بهيئات وقوفي بين يديك ظاهراً وباطناً كما شرعت لي فلا يهدي لأحسن الأخلاق إلاَّ أنت،
أي أنت الموفق لهذه لا قوّة لي على إتيان ذلك، ولا تعيينه إلا بقوّتك وبتعريفك، إذ هذا ممّا
٦٤
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
لا يدرك بالاجتهاد، بل بما تشرعه وتبيّنه لما كان قدرك مجهولاً، وما ينبغي لجلالك غير
معلوم، ولا نقيس معاملتنا معك بمعاملة العبيد مع الملوك فإنك قلت: ليس كمثلك شيء
فالأدب الذي يخصّنا في معاملتك ما نعلمه إلاَّ منك.
ثم قال: واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلاّ أنت، ابتداء بالتعليم فتعرّفني ما
لا ينبغي أن يعامل به جلالك، وثانية أيضاً بالاستعمال في ترك ما لا يحسن بقدرك إذ بيدك
الأمر كله، فقد تعلم العبد ولا تستعمله فيما علمته، فاصرف عني سيىء الأخلاق بالعلم
والاستعمال. ثم يقول: لبيك وسعديك أي إجابة لك ومساعدة لما دعوتني إليه بقولك على
لسان حاجب الباب: حيّ على الصلاة ها أنا قد جئت مجيباً دعاءك لبيك ومساعدة لما تريده
مني على نفسي بالقبول. ثم يقول: والخير كله بيديك لما كان هو الخير المحض فإنه الوجود
الخالص المحض الذي لم يكن عن عدم ولا إمكان عدم ولا شبهة عدم کان الخیر کله بیدیه .
ثم يقول: والشر ليس إليك، يقول: ولا يضاف الشر إليك والشرّ المحض هو العدم أي لا
يضاف إليك عدم الخير ولا ينبغي لجلالك، وأتى بالألف واللام لشمول أنواع الشرّ أي الشرّ
المطلق والشرّ المقيد بالصور الخاصة، هذا كله ليس إليك أي ما سميته شرّاً أو هو شرّ لا
ينبغي أن يضاف إليك أدباً وحقيقة .
وأقوى ما يحتج به المخالف في هذه المسألة قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اَللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى
مَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة المدثر: الآية ٣١] وقوله: ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [سورة الرعد: الآية ٣٣] فاعلم
أن مطلق الضلالة الحيرة والجهل بالأمر وبطريق الحق المستقيم، فقوله: ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ﴾
أي من عرفه بطريق الضلالة فإنه يضل فيها، ومن عرفه بطريق الهداية فإنه يهتدي فيها، مثل
قوله في الهداية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] و: ﴿سُبْحَانَ رَيِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا
يَصِفُونَ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٨٠] ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِوٍ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٩١] ﴿وَلَمْ يَكُنْ
لَّمُ كُفُوا أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص: الآية ٤] فالعقل السليم يهتدي به عندما يسمع مثل هذا من
الحق ولذا قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبّلِ الْوَرِيدِ﴾ [سورة ق: الآية ١٦] وقوله ﴿وَغَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ
وَلَكِن لَّا نُصِرُونَ﴾ [سورة الواقعة: الآية ٨٥] وقوله: ومن أتاني يسعى أتيته هرولة. وأمثال هذه. فإن
العقل السليم يحار في مثل هذه الأخبار ويتيه، فهذا معنى يضلّ أي يحير العقول بمثل هذه
الخطابات الصادرة من الله على ألسنة الرسل الصادقة المجهولة الكيفية، ولا يتمكن للعقل أن
يهتدي إلى ما قصده الحق بذلك ممّا لا يليق بالمفهوم.
ثم يرى العقل أنه سبحانه ما خاطبنا إلاَّ لنفهم عنه، والمفهوم من هذه الأمور يستحيل
عليه سبحانه من كل وجه يفهمه العبد بضرب من التشبيه المحدث، أمّا من طريق المعنى
المحدث أو من طريق الحسّ، ولا يتمكن للعقل أن لا يقبل هذا الخطاب فيحار فثم حيرة
يخرج عنها العبد ويتمكن له الخروج منها بالعناية الإلهية، وثم حيرة لا يتمكن له الخروج عنها
بمجرد ما أعطى الله للعقل من أقسام القوّة التي أيّده الله بها فيحار الدال في المدلول لعزّة
الدليل، ثم يجيء الشرع بعد هذا في أمور قد حكم العقل بدليله على إحالتها فيثبت الشرع
٦٥
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
ألفاظاً تدل على وجوب ما أحاله فيقبل ذلك إيماناً ولا يدري ما هو، فهذا هو الحائر المسمّى
ضالاً. وقد روي أنه قال: زدني فيك تحيّراً أي أنزل إليّ نزولاً يحيله العقل من جميع وجوهه
ليعرف عجزه عن إدراك ما ينبغي لك ولجلالك من النعوت.
وأمّا الشقاء والسعادة المعبر بهما عن الأمور التي تتألم بها النفوس وتتنعم فذلك مطلب
عام للنفوس من حيث الحسّ والمحسوس، وهذا الذي نحن بصدده أمر آخر يرجع إلى معرفة
الحقائق، ثم يقول: أنا بك وإليك أي بك ابتداء لا بنفسي وهو قولنا: إن الإنسان موجود
بغيره. وقوله: وإليك أي وإليك يرجع عين وجودي فما أنا هو أنت هو فإنه ما استفدت منك
إلاَّ الوجود وأنت عين الوجود، وأنا على أصل ذاتي من العدم ما تغير عليّ حكم ولا حال في
إمكاني لا أبرح. ثم يقول: تباركت أي البركة والزيادة لك لا لي يقول: أنت الوجود لك، ثم
كسوتنيه ولم أكن، فكانت البركة والزيادة في الوجود حيث ظهر بنسبتين فظهر بي وهو
وجودك ونسب إليك وهو عينك. ثم يقول: وتعاليت أي فإنك تتعالى أن تظهر بغيرك فلا
يكون الوجود المنسوب إليك غير هويتك، هذا معنى قوله: تباركت وتعاليت.
ثم يقول: أستغفرك وأتوب إليك، يقول: أطلب التستر منك في اتصافي بالوجود لئلا
أغيب عن حقيقتي فأدعي الوجود وهو ليس أنا بل هو أنت، وما أنا أنت، فأنا أنا على ما أنا
عليه لذاتي، وأنت أنت على ما أنت عليه لذاتك، ومني فلك الظهور فيّ بما وصفتني به من
الوجود، وما لي ظهور فيك بما أنا عليه في حقيقتي من الإمكان. ثم يقول: وأتوب إليك أي
وأرجع إليك من حيث ما وصفت به من الوجود، إذ كنت أنت هو عين الوجود والموصوف به
أنا فرجوعه إليك هو قولي: وأتوب إليك. وفرغ ما يقوله العبد من الدعاء والتوجيه بين التكبير
والقراءة، فلنشرع إن شاء الله تعالى في قراءة الفاتحة بلسان العلماء بالله في حال الصلاة لا في
حال غيره.
وصل في اعتبار قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة: اعلم أن العالم بالله إذا فرغ من الذي
ذكرناه يشرع في القراءة على حدّ ما أمره الله به عند قراءة القرآن من التعوّذ لكونه قارئاً لا لكونه
مصلياً، ولما أعلمتك أن الله يقول عند قراءة العبد القرآن كذا جواباً على حكم الآية التي
يقرأها، فينبغي للإنسان إذا قرأ الآية أن يستحضر في نفسه ما تعطيه تلك الآية على قدر فهمه،
فإن الجواب يكون مطابقاً لما استحضرته من معاني تلك الآية، ولهذا ورد في الجواب أدنى
مراتب العامة مجملاً، إذ العامي والعجمي الذي لا علم له بمعنى ما يقرأ يكون قول الله له ما
ورد في الخبر، فإن فصلت في الاستحضار فصل الله لك الجواب، فلا يفوتنك هذا القدر في
القراءة فإن به تتميز مراتب العلماء بالله والناس في صلاتهم، فإذا فرغ الإنسان من التوجيه
فليقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هذا نص القرآن، وقد ورد في السنّة الصحيحة: ((أَعُوذُ
بِاللَّهِ السَّمِيعِ العَلِيم مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم)) قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرَْانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ
الرَّحِيمِ﴾ [سورة النحل: الآية ٩٨] فالعارف إذا تعوّذ ينظر في الحال الذي أوجب له التعوّذ، وينظر
في حقيقة ما يتعوّذ به، وينظر في ما ينبغي أن يعاذ به فيتعوّذ بحسب ذلك، فمن غلب عليه في
الفتوحات المکیة ج٢ - ٥٢
٦٦
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
حاله أن كل شيء يستعاذ منه بيد سيده، وأن كل ما يستعاذ به بيد سيده، وأنه في نفسه عبد
محل التصريف والتقليب فعاذ من سيده بسيده وهو قوله وَ له: ((وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ)) وهذه استعاذة
التوحيد فيستعيذ به من الاتحاد، قال تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [سورة الدخان:
الآية ٤٩] وقال: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اَللَّهُ عَلَى كُلّ قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [سورة غافر: الآية ٣٥] وقال:
((الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحداً منهما قصمته))، ومن نزل عن هذه الدرجة
في الاستعاذة استعاذ ممّا لا يلائم بما يلائم فعلاً كان أو صفة. هذه قضية كلية والحال يعين
القضايا والحکم یکون بحسبها .
ورد في الخبر: ((أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ)) أي بما يرضيك ممّا يسخطك، فقد خرج
العبد هنا عن حظ نفسه بإقامة حرمة محبوبه فهذا لله، ثم الذي لنفسه من هذا الباب قوله:
((وبمعافاتك من عقوبتك)) فهذا في حظ نفسه، وأي المرتبتين أعلى في ذلك نظر، فمن نظر
إلى ما يقتضيه جلال الله من أنه لا يبلغ ممكن أي ليس في حقيقة الممكن قبول ما ينبغي
لجلال الله من التعظيم وأن ذلك محال في نفس الأمر لم ير إلاَّ أن يكون في حظ نفسه فإن
ذلك عائد عليه، ومن نظر في قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٥٦] قال: ما يلزمني من
حق ربي إلاَّ ما تبلغه قوّتي، فأنا لا أعمل إلاَّ في حق ربي لا في حق نفسي، فشرع الشارع
الاستعاذتين في هذين الشخصين، ومن رأى أن وجوده هو وجود ربه إذ لم يكن له من حيث
هو وجود قال: ((أعوذ بك منك)) وهي المرتبة الثالثة، وثبت في هذه المرتبة عين العبد،
فالقارىء للقرآن إذا تعوّذ عند قراءة القرآن علمه المكلف وهو الله تعالى كيف يستعيذ؟ وبمن
يستعيذ؟ وممّن يستعيذ؟ فقال له: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرَْنَ فَاسْتَعِذْ بِلَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ﴾ فأعطاه
الاسم الجامع وذكر له القرآن، وما خصّ آية من آية لذلك لم يخص اسماً من اسم بل أتى
بالاسم الله، فالقارىء ينظر في حقيقة ما يقرأ وينظر فيما ينبغي أن يستعاذ منه في تلك الآية.
فيذكره في استعاذته، وينظر فيما ينبغي أن يستعاذ به من أسماء الله أي اسم كان فيعينه بالذكر
في استعاذته .
ولما كان قارىء القرآن جليس الله من كون القرآن ذكراً والذاكر جليس الله، ثم زاد أنه
في الصلاة حال مناجاة الله فهو أيضاً في حال قرب على قرب كنور على نور، كان الأولى أن
يستعيذ هنا بالله وتكون استعاذته من الشيطان لأنه البعيد، يقال: بئر شطون إذا كانت بعيدة
القعر، والبعد يقابل القرب، فتكون استعاذته في حال قربه ممّا يبعده عن تلك الحالة فلم يكن
أولى من اسم الشيطان، ثم نعته بالرجيم وهو فعيل، فأمّا بمعنى المفعول فيكون معناه من
الشيطان المرجوم يعني بالشهب وهي الأنوار المحرقة، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْتَهَا﴾ يعني الكواكب
﴿رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِّ﴾ [سورة الملك: الآية ٥] والصلاة نور ورجمه الله بالأنوار فكانت الصلاة ممّا تعطى
بعد الشيطان من العبد، قال تعالى: ﴿إِنَ الضَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [سورة
العنكبوت: الآية ٤٥] بسبب ما وصفت به من الإحرام وإن كان بمعنى الفاعل، فهو لما يرجم به
قلب العبد من الخواطر المذمومة واللمات السيئة والوسوسة، ولهذا كان رسول الله وَلأو إذا
٦٧
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
قام يصلي من الليل وكبّر تكبيرة الإحرام قال: الله أكبر كبيراً، الله أكبر كبيراً، الله أكبر كبيراً،
والحمد لله كثيراً، والحمد لله كثيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، وسبحان
الله بكرة وأصيلاً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من نفخه، ونفثه،
وهمزه، قال ابن عباس: همزه ما يوسوسه في الصلاة، ونفثه الشعر، ونفخه الذي يلقيه من الشبه
في الصلاة يعني السهو، ولهذا قال النبي ◌َّ: ((إِنَّ سُجُودَ السَّهْوِ تَرغِيمٌ لِلشَّيْطَانِ)) فوجب على
المصلي أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم بخالص من قلبه يطلب بذلك عصمة ربه.
ولما لم يعرف المصلي بما يأتيه الشيطان من الخواطر السيئة في صلاته والوسوسة لم
يتمكن أن يعين له ما يدفعها به فجاء بالاسم الله الجامع لمعاني الأسماء، إذ كان في قوّة هذا
الاسم حقيقة كل اسم دافع في مقابلة كل خاطر ينبغي أن يدفع، فهكذا ينبغي للمصلي أن
يكون حاله في استعاذته إن وفقه الله، ثم يقول بعد الاستعاذة: بسم الله الرحمن الرحيم فإذا
قالها يقول الله: يذكرني عبدي. فينبغي على هذا أن يكون العامل في بسم الله الرحمن الرحيم
أذكر فتتعلق الباء بهذا الفعل إن صحّ هذا الخبر، وإن لم يصحّ فيكون الفعل اقرأ بسم الله فإنه
ظاهر في اقرأ باسم ربك هذا يتكلفه لقولهم: إنّ المصادر لا تعمل عمل الأفعال إلاَّ إذا
تقدمت، وأما إذا تأخرت فتضعف عن العمل، وهذا عندنا غير مرضي في التعليل لأنه تحكم
من النحوي فإن العرب لا تعقل ولا تعلل، فيكون تعلق البسملة عندي بقوله: الحمد لله
بأسمائه فإن الله لا يحمد إلاَّ بأسمائه، غير ذلك لا يكون ولا ينبغي أن نتكلف في القرآن
محذوفاً إلاَّ لضرورة وما هنا ضرورة، فإن صحّ قول رسول الله وَلّر عن الله تبارك وتعالى أن
العبد إذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم في مناجاته في الصلاة يقول الله: يذكرني عبدي فلا
نزاع، هكذا روى هذا الخبر عبد الله بن زياد بن سمعان عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة عن
النبي ◌َّ قال: ((مَنْ صَلَّى صَلاةَ لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمّ القُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجْ ثَلاَث غَير تمام)) فقيل لأبي
هريرة: إنا نكون وراء الإمام، فقال: اقرأ بها في نفسك فإني سمعت رسول الله وَلو يقول:
((قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتِ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنٍ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ يَقُولُ عَبْدِي إِذَا افْتَتَحَ
الصَّلاَةَ: بِسْم اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فَيَذْكُرُنِي عَبْدِي، يَقُولُ العَبْدُ: الحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، قَالَ
اللَّه: حَمدْنِي عَبْدِي)). وسيأتي الحديث مفصلاً في كل كلمة إن شاء الله تعالى كما ذكرت
ألفاظ التوجيه إلى آخر الفاتحة .
وذكر مسلم هذا الحديث من حديث سفيان بن عيينة عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة
ولم يذكر البسملة فيه، فإذا قال العالم بالله: بسم الله الرحمن الرحيم علّق الباء بما في الحمد
من معنى الفعل كما قلنا يقول: لا يثنى على الله إلاَّ بأسمائه الحسنى فذكر من ذلك ثلاثة أسماء
الاسم الله لكونه جامعاً غير مشتق فينعت ولا ينعت به فإنه للأسماء كالذات للصفات فذكره
أوّلاً من حيث إنه دليل على الذات كالأسماء الأعلام كلها في اللسان وإن لم يقو قوّة الإعلام
لأنه وصف للمرتبة كاسم السلطان فلما لم يدل إلاّ على الذات المجرّدة على الإطلاق من
حيث ما هي لنفسها من غير نسب لم يتوهم في هذا الاسم اشتقاق ولهذا سميت بالبسملة وهو
٦٨
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
الاسم مع الله أي قولك: بسم الله خاصة مثل العبدلة وهو قولك: عبد الله، وكذلك الحوقلة
وهو الحول والقوّة مع الله .
ثم قال: إن العبد قال بعد بسم الله الرحمن الرحيم من حيث ما هو أعني الرحمن
الرحيم من الأسماء المركبة كمثل بعلبك ورام هرمز فسمّاه به من حيث ما هو اسم له لا من
حيث المرحومين ولا من حيث تعلق الرحمة بهم بل من حيث ما هي صفة له جلّ جلاله، فإنه
ليس لغير الله ذكر في البسملة أصلاً، ومهما ورد اسم إلهيّ لا يتقدمه كون يطلب الاسم، ولا
يتأخر كون يطلبه الاسم في الآية، فإن ذلك الاسم ينظر فيه العارف من حيث دلالته على
الذات المسمّاة به لا من حيث الصفة المعقولة منه، ولا من حيث الاشتقاق الذي يطلبه
الكون، بخلاف الاسم الإلهيّ إذا ورد في أثر كون أو في أثره كون أو بين كونين، فإنه إذا ورد
الكون في أثره فذلك الكون نتيجته وبه يتعلق وإياه يطلب، فإنه صادر عنه إذا تدبرته وجدته
مثل قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ اُلْقُرْءَانَ خَلَقَ الْإِنْسَنَ﴾ [سورة الرحمن: الآية ١ - ٣] وإذا تقدّم الكون
وجاء الاسم الإلهيّ في أثره فإنه الأوّل والآخر كان على العكس من الأوّل مثل: ﴿وَأَتَّقُواْ
اللَّهَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٢] وقوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ فأظهر التقوى ما يتقى منه وهو الاسم
الله، وفي الأوّل أظهر الاسم الإلهيّ عين الإنسان، وكذلك: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة البقرة: الآية
٢٨٢] أظهر التعليم الاسم الإلهيّ وهو الله، فإذا وقع الكون بين اسمين إلهيين كان الكون للأوّل
بحكم النتيجة، وللآخر بحكم المقدّمة مثلٍ وقوع العالمين بين الاسم الرب والرحمن في
قوله: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة الفاتحة: الآية ٢، ٣] ومثل قوله:
﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهُ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ فوقع ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ﴾ بين اسمين تقدّمه الاسم الله وتأخّر عنه الاسم
الله بمعنيين مختلفين، فأثر فيه الاسم الأوّل طلب التعليم، وقبل التعليم بالاسم الثاني،
وكذلك إذا وقع الاسم الإلهيّ بين اسم إلهيّ يتقدّمه وبين كون يتأخر عنه مثل الاسم الرب بين
الله والعالمين في قوله: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ في آخر الزمر، أو بين كون يتقدّمه واسم
إلهيّ يتأخر عنه مثل قوله: ﴿الْعَلَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مْلِكِ﴾ [سورة الفاتحة: ٢ - ٤] فالرحمن
الرحيم تقدّمه كلمة العالمين وتأخّر عنه ملك يوم الدين فأظهر عين العالمين الرحمن الرحيم
لافتقارهم إلى الرحمتين: الرحمة العامة والخاصة والواجبة والامتنانية، وطلب ﴿الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ليظهر من كونه ملكاً سلطان الرحمن الرحيم، فإن الرحمة من
جانب الملك هي رحمة عزّة وامتنان مع استغناء بخلاف رحمة غير الملك كرحمة الأم بولدها
للشفقة الطبيعية فتدفع الأم بالرحمة على ولدها ما تجده من الألم بسببه في نفسها فنفسها
رحمته، ولنفسها سعت واحتجبت عن علم ذلك بولدها، فالمنة لولدها عليها بالسببية لا لها،
ووقعت الرحمة بالولد تبعاً بخلاف رحمة الملك فإنها عن عزّ وغنى عن هذا المرحوم الخاص
من رعاياه .
وكذلك إذا وقع الاسم الإلهيّ بين اسمين إلهيين مثل قوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَلِقُ الْبَارِئُ﴾
[سورة الحشر: الآية ٢٤] فوقع الاسم الخالق بين الاسم الله والاسم البارىء، وكذلك الاسم
٦٩
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
البارىء بين الخالق والمصوّر وهذا كثير فالخالق صفة الله وموصوف للباري، فعلى هذا
الأسلوب تجري تلاوة العارفين في الكتابين في القرآن وكتاب العالم بأسره، فإنه كتاب مسطور
ورقه المنشور الذي هو فيه الوجود، وكذلك تجري أذكارهم، وهكذا في الأكوان إذا وقع كون
بين كونين يكون للأوّل إيناً والثاني بعده أباً في الذي يفهم من ذلك كان ما كان، فلهذا قال الله
في قول العبد: بسم الله الرحمن الرحيم: ذكرني عبدي، وما قيد هذا الذكر بشيء لاختلاف
أحوال الذاكرين أعني البواعث لذكرهم، فذاكر تبعثه الرغبة، وذاكر تبعثه الرهبة، وذاكر يبعثه
التعظيم والإجلال، فأجاب الحق على أدنى مراتب العالم وهو الذي يتلو بلسانه ولا يفهم بقلبه
لأنه لم يتدبر ما قاله إذا كان التالي عالماً باللسان ولا ما ذكره، فإن تدبر تلاوته أو ذكره كانت
إجابة الحق له بحسب ما حصل في نفسه من العلم بما تلاه فتدبر ما نصصناه لك.
ثم قال: قال الله تعالى: فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين في الصلاة، يقول الله:
حمدني عبدي، فيقول العارف: الحمد لله أي عواقب الثناء ترجع إلى الله، ومعنى عواقب
الثناء أي كل ثناء يثنى به على كون من الأكوان دون الله فعاقبته ترجع إلى الله بطريقين: الطريق
الواحدة الثناء على الكون إنما هو بما يكون عليه ذلك الكون من الصفات المحمودة التي
توجب الثناء عليه، أو بما يكون منه من الآثار المحمودة التي هي نتائج عن الصفات المحمودة
القائمة به، وعلى أيّ وجه كان فإن ذلك الثناء راجع إلى الله، إذ كان الله هو الموجد لتلك
الصفات والآثار لا لذلك الكون، فرجعت عاقبة الثناء إلى الله، والطريق الأخرى أن ينظر
العارف فيرى أن وجود الممكنات المستفاد إنما هو عين ظهور الحق فيها فهو متعلق الثناء لا
الأكوان .
ثم إنه ينظر في موضع اللام من قوله لله فيرى أن الحامد عين المحمود لا غيره فهو
الحامد المحمود، وينفي الحمد عن الكون من كونه حامداً ونفى كون الكون محموداً، فالكون
من وجه محمود لا حامد، ومن وجه لا حامد ولا محمود. فأما كونه غير حامد فقد بيناه فإن
الحمد فعل والأفعال لله، وأما كونه غير محمود فإنما يحمد المحمود بما هو له لا لغيره
والكون لا شيء له فما هو محمود أصلاً، كما ورد في مثل هذا المتشبع بما لا يملك كلابس
ثوبي زور فيحضر العارف في قوله: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ جميع ما ذكرناه وما يعطيه
الاسم الرب من الثبات، والإصلاح، والتربية، والملك، والسيادة، هذه الخمسة يطلبها
الاسم الرب ويحضر ما يعطيه العالم من الدلالة عليه تعالى، فلا يكون جواب الله في قوله :
حمدني عبدي إلاَّ لمن حمده بأدنى المراتب، لأنه لكرمه يعتبر الأضعف الذي لم يجعل الله له
حظاً في العلم به تعالى رحمة به، لعلمه أن العالم يعلم من سؤاله أو قراءته ما حضر معه في
تلك القراءة من المعاني فيجيبه الله على ما وقع له ويدخل في إجمال ما خاطب به عبده العامي
القليل العلم أو الأعجمي الذي لا علم له بمدلول ما يقرأه فافهم والله الملهم.
ثم قال عن الله: يقول العبد: ﴿الََّنِ الرَّحِيمِ﴾ يقول الله: أثنى عليّ عبدي يعني
بصفة الرحمة لاشتقاق هذين الاسمين منها ولم يقل فيما ذا لعموم رحمته، ولأنّ العاميّ ما
٧٠
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
يعرف من رحمة الله به إلاّ إذا أعطاه ما يلائمه في غرضه وإن غرّه أو ما يلائم طبعه ولو كان
فيه شقاؤه، والعارف ليس كذلك، فإن الرحمة الإلهية قد تأتي إلى العبد في الصورة
المكروهة، كشرب الدواء الكريه الطعم والرائحة للمريض والشفاء فيه مبطون، فإذا قال
العارف: ﴿الَرِ الرَّحِيمَةِ﴾ أحضر في نفسه مدلول هذا القول من حيث ما هو الحق
موصوفاً به، ومن حيث ما يطلبه المرحوم لعلمه بذلك كله، ويحضر في قلبه أيضاً عموم
رحمته الواحدة المقسمة على خلقه في الدار الدنيا إنسهم، وجنهم، ومطيعهم، وعاصيهم،
وكافرهم، ومؤمنهم، وقد شملت الجميع، ورأى أن هذه الرحمة الواحدة لو لم تعط حقيقتها
من الله أن يرزق بها عباده من جماد، ونبات، وحيوان، وإنس، وجانٌ، ولم يحجبها عن
كافر، ومؤمن، ومطيع، وعاصي، عرف أن ذاتها من كونها رحمة تقتضي ذلك. ثم جاء
الوحي من أثر هذه الرحمة الواحدة بأن هذه الرحمة الواحدة السارية في العالم التي اقتضت
حقيقتها أن تجعل الأم تعطف على ولدها في جميع الحيوان وهي واحدة من مائة رحمة، وقد
ادّخر سبحانه لعباده في الدار الآخرة تسعاً وتسعين رحمة، فإذا كان يوم القيامة ونفذ في العالم
حكمه وقضاؤه وقدره بهذه الرحمة الواحدة وفرغ الحساب ونزل الناس منازلهم من الدارين
أضاف سبحانه هذه الرحمة إلى التسع والتسعين رحمة فكانت مائة، فأرسلها على عباده مطلقة
في الدارين فسرت الرحمة فوسعت كل شيء، فمنهم من وسعته بحكم الوجوب، ومنهم من
وسعته بحكم الامتنان فوسعت كل شيء في موطنه وفي عين شيئيته، فتنعم المحرور بالزمهرير
والمقرور بالسعير، ولو جاء لكل واحد من هذين حال الاعتدال لتعذب، فإذا اطلع أهل
الجنان على أهل النار زادهم نعيماً إلى نعيمهم فوزهم، ولو اطلع أهل النار على أهل الجنان
لتعذبوا بالاعتدال لما هم فيه من الانحراف، ولهذا قابلهم بالنقيض من عموم المائة رحمة،
وقد كان الحكم في الدنيا بالرحمة الدنيا ما قد علمتم، وهي الآن أعني في الآخرة من جملة
المائة فما ظنك؟ وكفى.
فبمثل هذا النظر يقول العارف في الصلاة: الرحمن الرحيم، ومن هنا يعرف ما يجيبه
الحق به من هذا نظره. ثم قال الله: يقول العبد: ﴿ملِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يقول الله: مجدني
عبدي. وفي رواية: فوّض إليّ عبدي، هذا جواب عام ورد عام كما قرّرنا ما المراد به؟ فإذا
قال العارف: ملك يوم الدين لم يقتصر على الدار الآخرة بيوم الدين ورأى أنّ الرحمن الرحيم
لا يفارقان ملك يوم الدين فإنه صفة لهما فيكون الجزاء دنيا وآخرة، وكذلك ظهر بما شرع من
إقامة الحدود وظهور الفساد ﴿فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِى عَمِلُواْ
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الروم: الآية ٤١] وهذا هو عين الجزاء. فيوم الدنيا أيضاً يوم الجزاء، والله
ملك يوم الدين، فيرى العارف أن الكفارات سارية في الدنيا، وأن الإنسان في الدار الدنيا لا
يسلم من أمر يضيق به صدره ويؤلمه حسّاً وعقلاً حتى قرصة البرغوث والعثرة فالآلام محدودة
مؤقتة، ورحمة الله تعالى غير مؤقتة فإنها وسعت كل شيء، فمنها ما تنال وتحكم من طريق
الامتنان وهو أصل الأخذ لها الامتنان، ومنها ما يؤخذ من طريق الوجوب الإلهيّ في قوله:
٧١
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٥٤] وقوله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾ [سورة الأعراف:
"آية ١٥٦] فالناس يأخذونها جزاء، وبعض المخلوقات من المكلفين تنالهم امتناناً حيث كانوا
فافهم .
فكل ألم في الدنيا والآخرة فإنه مكفر لأمور قد وقعت محدودة مؤقتة، وهو جزاء لمن
يتألم به من صغير وكبير بشرط تعقل التألم لا بطريق الإحساس بالتألم دون تعقله، وهذا
المدرك لا يدركه إلاَّ من كشف له، فالرضيع لا يتعقل التألم مع الإحساس به إلاَّ أن أباه وأمه
وأمثالهما من محبيه وغير محبيه يتألم ويتعقل التألم لما يرى في الرضيع من الأمراض النازلة به
فيكون ذلك كفارة لمتعقل الألم، فإن زاد ذلك العاقل الترحم به كان مع التكفير عنه مأجوراً إذ
في كل كبد رطبة أجر وكل كبد فإنها رطبة لأنها بيت الدم والدم حار رطب طبع الحياة. وأمّا
الصغير إذا تعقّل التألم وطلب النفور عن الأسباب الموجبة للألم واجتنبها فإن له كفارة فيها لما
صدر منه ممّا آلم به غيره من حيوان أو شخص آخر من جنسه أو إباية عمّا تدعوه إليه أمّه أو
أبوه، أو سائل يسأله أمراً ما فأبى عليه فتألم السائل حيث لم يقض حاجته هذا الصغير، فإذا
تألم الصغير كان ذلك الألم القائم به جزاء مكفراً لما آلم به ذلك السائل بإبايته عمّا التمسه منه
في سؤاله، أو كان قد أذى حيواناً من ضرب كلب بحجر أو قتل برغوث وقملة أو وطىء نملة
برجله فقتلها أو كل ما جرى منه بقصد وبغير قصد، وسرّ هذا الأمر عجيب سار في
الموجودات حتى الإنسان يتألم بوجود الغيم ويضيق صدره به فإنه كفارة لأمور أتاها قد نسيها
أو يعلمها، فهذا كله يراه أهل الكشف محققاً في قوله: ﴿ملِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ فيقول الله :
فوّض إليّ عبدي أو مجدني عبدي أو كلاهما، إلاّ أن التمجيد راجع إلى جناب الحق من
حيث ما تقتضيه ذاته، ومن حيث ما تقتضي نسبة العالم إليه، والتفويض من حيث ما تقتضي
نسبة العالم إليه لا غير فإنه وكيل لهم بالوكالة المفوّضة، ففي حق قوم يقول: مجدني عبدي،
وفي المقصد وفي حق قوم يقول: فوّض إليّ عبدي، وفي المقصد أيضاً: فإن العبد قد يجمع
بين المقصدين فيجمع الله له في الرد بين التمجيد والتفويض، فهذا النصف كله مخلص
نجناب الله ليس للعبد فيه اشتراك.
ثم قال الله: يقول العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يقول الله: هذه بيني وبين
عبدي ولعبدي ما سأل، فهذه الآية تتضمن سائلاً ومسؤولاً مخاطباً وهو الكاف من إياك
فيهما، ونعبد ونستعين هما للعبد فإنه العابد والمستعين، فإذا قال العبد: إياك وحد الحق
بحرف الخطاب فجعله مواجهاً لا على جهة التحديد، ولكن امتثالاً لقول الشارع لمثل ذلك
نسائل في معرض التعليم حين سأله عن الإحسان فقال له رَّ: ((أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ)) فلا
بدّ أن تواجهه بحرف الخطاب وهو الكاف أو حرف التاء المنصوبة في المذكر المخفوضة في
المؤنث، فأنى قد أنّث الخطاب من حيث الذات، وهذا مشهد خيالي فهو برزخي، وجاءت
هذه الآية برزخية وقع فيها الاشتراك بين الحق وبين عبده، وما مضى من الفاتحة مخلص لله،
وما بقي منها مخلص للعبد، وهذه التي نحن فيها مشتركة وإنما وحده ولم يجمعه لأن المعبود
٧٢
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
واحد، وجمع نفسه بنون الجمع في العبادة والعون المطلوب، لأن العابدين من العبد
كثيرون، وكل واحد من العابدين يطلب العون، والمقصود بالعبادات واحد، فعلى العين
عبادة، وعلى السمع والبصر واللسان واليد والبطن والفرج والرجل والقلب فلهذا قال:
﴿نَعْبُدُ﴾ ﴿نَسْتَعِينُ﴾ بالنون وأن العالم نظر إلى تفاصيل عالمه، وأن الصلاة قد عمّ حكمها
جميع حالاته ظاهراً وباطناً لم ينفرد بذلك جزء عن آخر، فإنه يقف بكله، ويركع بكله،
ويجلس بكله، فجميع عالمه قد اجتمع على عبادة ربه وطلب المعونة منه على عبادته، فجاء
بنون الجماعة في ﴿ نَعْبُدُ﴾ ﴿نَسْتَعِينُ﴾ فترجم اللسان عن الجماعة كما يتكلم الواحد عن
الوفد بحضورهم بين يدي الملك، فعلم العبد من الحق لما أنزل عليه هذه الآية بإفراده نفسه
أن لا يعبد إلاَّ إياه ولما قيد العبد بالنون أنه يريد منه أن يعبده بكله ظاهراً وباطناً من قوى
وجوارح ويستعين على ذلك الحد، ومتى لم يكن المصلي بهذه المثابة من جمع عالمه على
عبادة ربّه كان كاذباً في قراءته إذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكُ نَسْتَعِينُ﴾ فإن الله ينظر إليه فيراه
متلفتاً في صلاته أو مشغولاً بخاطره في دكانه أو تجارته وهو مع هذا يقول: نعبد ويكذب
فيقول الله له: كذبت في كنايتك بجمعيتك على عبادتي، ألم تلتفت ببصرك إلى غير قبلتك؟
ألم تصغ بسمعك إلى حديث الحاضرين؟ ألم تعقل بقلبك ما تحدثوا به؟ فأين صدقك في
قولك ﴿نَعْبُدُ﴾ بنون الجمع فيحضر العارف هذا كله في خاطره فيستحيي أن يقول في مناجاته
في صلاته ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لئلا يقال له: كذبت، فلا بدّ أن يجتمع من هذه حالته على عبادة
ربه حتى يقول له الحق صدقت إذا تلاقى جمعيتك عليّ في عبادتك إياي وطلب معونتي.
روينا في هذا الباب على ما حدثنا به شيخنا المقري أبو بكر محمد بن خلف بن صاف
اللخمي عن بعض المعلمين من الصالحين أن شخصاً صبياً صغيراً كان يقرأ عليه القرآن فرآه
مصفرّ اللون فسأله عن حاله فقيل له: إنه يقوم الليل بالقرآن كله، فقال له: يا ولدي أخبرت
أنك تقوم الليل بالقرآن كله، فقال: هو ما قيل لك، فقال: يا ولدي إذا كان في هذه الليلة
فاحضرني في قبلتك واقرأ عليّ القرآن في صلاتك ولا تغفل عني، فقال الشاب؛ نعم، فلما
أصبح قال له: هل فعلت ما أمرتك به؟ قال؛ نعم يا أستاذ، قال: وهل ختمت القرآن البارحة؟
قال؛ لا ما قدرت على أكثر من نصف القرآن، قال: يا ولدي هذا حسن إذا كان في هذه الليلة
فاجعل من شئت من أصحاب رسول الله # أمامك الذين سمعوا القرآن من رسول الله وَل
واقرأ عليه واحذر فإنهم سمعوه من رسول الله وٍَّ فلا تزلّ في تلاوتك، فقال: إن شاء الله يا
أستاذ كذلك أفعل، فلما أصبح سأله الأستاذ عن ليلته فقال: يا أستاذ ما قدرت على أكثر من
ربع القرآن، فقال: يا ولدي اتل هذه الليلة على رسول الله * الذي أنزل عليه القرآن واعرف
بين يدي من تتلوه، فقال: نعم، فلما أصبح قال: يا أستاذ ما قدرت طول ليلتي على أكثر من
جزء من القرآن أو ما يقاربه، فقال: يا ولدي إذا كان هذه الليلة فلتكن تقرأ القرآن بين يدي
جبريل الذي نزل به على قلب محمد ول# فاحذر واعرف قدر من تقرأ عليه، فلما أصبح قال:
يا أستاذ ما قدرت على أكثر من كذا وذكر آيات قليلة من القرآن، قال: يا ولدي إذا كان هذه
٧٣
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
الليلة تب إلى الله وتأهب واعلم أن المصلي يناجي ربه وأنك واقف بين يديه تتلو عليه كلامه
فانظر حظك من القرآن وحظه وتدبر ما تقرأه فليس المراد جمع الحروف ولا تأليفها لا حكاية
الأقوال، وإنما المراد بالقراءة التدبير لمعاني ما تتلوه فلا تكن جاهلاً فلما أصبح انتظر الأستاذ
الشاب فلم يجىء إليه، فبعث من يسأل عن شأنه فقيل له: إنه أصبح مريضاً يعاد، فجاء إليه
الأستاذ فلما أبصره الشاب بكى وقال: يا أستاذ جزاك الله عني خيراً ما عرفت أني كاذب إلاَّ
البارحة لما قمت في مصلاي وأحضرت الحق تعالى وأنا بين يديه أتلو عليه كتابه فلما
استفتحت الفاتحة ووصلت إلى قوله: إياك نعبد نظرت إلى نفسي فلم أرها تصدق في قولها
فاستحييت أن أقول بين يديه إياك نعبد وهو يعلم أني أكذب في مقالتي، فإني رأيت نفسي
لاهية بخواطرها عن عبادته فبقيت أردّد القراءة من أول الفاتحة إلى قوله: ﴿ملِكِ يَوْمِ
الدِّينِ﴾ ولا أقدر أن أقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ إنه ما خلصت لي فبقيت أستحيي أن أكذب بين
يديه تعالى فيمقتني، فما ركعت حتى طلع الفجر وقد رضت كبدي وما أنا إلاّ راحل إليه على
حالة لا أرضاها من نفسي، فما انقضت ثالثة حتى مات الشاب، فلما دفن أتى الأستاذ إلى قبره
فسأله عن حاله فسمع صوت الشاب من قبره وهو يقول له: يا أستاذ: [مجزوء المديد]
لم يحاسبني بشَيّ
أنا حيٍّ عندحَيّ
قال: فرجع الأستاذ إلى بيته ولزم فراشه مريضاً ممّا أثر فيه حال الفتى فلحق به.
فمن قرأ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على قراءة الشاب فقد قرأ، ثم قال الله: يقول العبد: ﴿أَهْدِنَا
الصِّرَطَ الْمُسْتَفِمَ صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَ الضَّالِّينَ﴾
فيقول الله: هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال العارف: ﴿أَهْدِنَا﴾ أحضر الاسم الإلهيّ
الهادي وسأله أن يهديه الصراط المستقيم أن يبيّنه له ويوفقه إلى المشي عليه وهو صراط
التوحيدين: توحيد الذات وتوحيد المرتبة وهي الألوهية بلوازمها من الأحكام المشروعة
التي هي حق الإسلام في قوله {وَّرَ: ((إلاَّ بِحَقِّ الإِسْلاَم وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ)) فيحضر في
نفسه الصراط المستقيم الذي هو عليه الرب من حيث ما يقود الماشي عليه إلى سعادته،
أخبر الله تعالى عن هود أنه قال: ﴿إِنَّ رَبِّ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة هود: الآية ٥٦] فإن
العارف إذا مشى على ذلك الصراط الذي عليه الرب تعالى على شهود منه كان الحق
أمامه وكان العبد تابعاً للحق على ذلك الصراط مجبوراً، وكيف لا يكون تابعاً مجبوراً
وناصيته بيد ربّه يجرّه إليه فإن الله يقول: ﴿مَا مِن دَآبَةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَنِهَاْ إِنَّ رَبٍِّ عَلَى
صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فدخل في حكم هذه الآية جميع ما دبّ علواً وسفلاً دخول ذلة وعبودية،
والناس في ذلك بين مكاشف يرى اليد فى الناصية أو مؤمن، فكل دابة دخلت عموماً ما عدا
الإنس والجنّ فإنه ما دخل من الثقلين إلاّ الصالحون منهم خاصة، ولو دخل جميع الثقلين
لكان جميعهم على طريق مستقيم صراط الله من كونه رباً يقول تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ
بِخْدِهِ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٤٤] .
وقال في حق الثقلين خاصة على طريق الوعيد والتخويف حيث لم يجعلوا نواصيهم
٧٤
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
بيده وهو أن يتركوا إرادتهم لإرادته فيما أمر به ونهى: ﴿سَنَفْرُؤُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَاَنِ﴾ [سورة الرحمن:
الآية ٣١] ولهذا قال: ﴿صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ يريد الذين وفقهم الله وهم العالمون
كلهم أجمعهم والصالحون من الإنس مثل الرسل والأنبياء والأولياء وصالحي المؤمنين، ومن
الجانّ كذلك، فلم يجعل الصراط المستقيم إلاَّ لمن أنعم الله عليه من نبي وصديق وشهيد
وصالح، وكل دابة هو آخذ بناصيتها، فإذا حضر العارف في هذه القراءة جعل ناصيته بيد ربّه
في غيب هويته، ومن شذ شذّ إلى النار وهم الذين استثنى الله تعالى بقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ
عَلَيْهِمْ﴾ أي إلاَّ من غضب الله عليهم لما دعاهم بقوله: حيّ على الصلاة فلم يجيبوا ﴿ وَلَا
الضَّالِينَ﴾ فاستثنى بالعطف من حار وهم أحسن حالاً من المغضوب عليهم، فمن لم يعرف
ربه أنه ربه وأشرك معه في ألوهيته من لا يستحق أن يكون إلهاً كان من المغضوب عليهم، فإذا
أحضر العبد مثل هذا وأشباهه في نفسه عند تلاوته قالت الملائكة: آمين، وقال باطن الإنسان
الذي هو روحه المشارك للملائكة في نشأتهم وطهارتهم: آمين أي أمنا بالخير لما كان،
والتالي الداعي اللسان ثم يصغي إلى قلبه فيسمع تلاوة روحه فاتحة الكتاب مطابقة لتلاوة لسانه
فيقول اللسان مؤمّناً على دعائه أي دعاء روحه بالتلاوة من قوله: اهدنا فمن وافق تأمينه تأمين
الملائكة في الصفة موافقة طهارة وتقديس ذوات كرام بررة أجابه الحق عقيب قوله آمين
باللسانين، فإن ارتقى يكون الحق لسانه إلى تلاوة الحق كلامه، فإذا قال: آمين، قالت
الأسماء الإلهية: آمين، والأسماء التي ظهرت من تخلق هذا العبد بها آمين، فمن وافق تأمين
أسمائه أسماء خالقه كان حقاً كله، فهذا قد أبنت لك أسلوب القراءة في الصلاة فاجر عليها
على قدر اتساع باعك وسرعة حركتك وأنت أبصر، فما منا إلاَّ من له مقام معلوم، ومنا
الصافون والمسبحون .
فصل بل وصل في قراءة القرآن في الركوع: وأمّا قراءة القرآن في الركوع، فمن قائل
بالمنع. ومن قائل بالجواز، والذي اتفقوا عليه التسبيح في الركوع واختلفوا هل فيه قول
محدود أم لا؟ فمن قائل: لا حدّ في ذلك. ومن قائل بالحدّ في ذلك وهو أن يقول في
ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثاً. وفي السجود: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً. والقائل بهذا
منهم من يرى وجوبه وأن الصلاة تبطل بتركه وأدناه ثلاث مرات، ومنهم من لا يقول بوجوبه
وهم عامة العلماء. ومن قائل: ينبغي للإمام أن يقولها خمساً حتى يدرك من وراءه أن يقولها
ثلاثاً، فأقول في باب الإسرار: لما كان المصلي في وقوفه بين يدي ربّه في الصلاة له نسبة إلى
القيومية، ثم انتقل عنها إلى حالة الركوع الذي هو الخضوع وكذلك السجود لم تنبغ أن تكون
هذه الصفة لله فشرع النبي ◌َّ على ما فهم من كلام الله لما نزل عليه: ﴿فَسَبِّحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ
اٌلْعَظِيمِ﴾ [سورة الواقعة: الآية ٧٤] قال رسول الله وَلَّهُ: ((اجْعَلُوها فِي رُكُوعِكُمْ)). ثم نزل قوله
تعالى: ﴿َسَِّجِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [سورة الأعلى: الآية ١] قال رسول الله وَ لّ: ((اجْعَلُوهَا فِي
سُجُودِكُمْ)) فاقترن بهما أمر الله بقوله: ﴿سَيِّجٍ﴾ فأمر وأمر رسول الله وَّ لنا بمكانها من الصلاة
يقول: ((نَزْهُوا عَظَمَة رَبَّكُمْ عَن الخُضُوعِ فَإِنَّ الخُضُوعَ إِنَّمَا هُوَ للَّهِ لاَ بِاللَّهِ)) فإنه يستحيل أن
٧٥
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
تقوم به صفة الخضوع، وأضافه إلى الاسم الرب لأنه يستدعي المربوب وهو من الأمّهات
لثلاث وهو اسم كثير الدور والظهور في القرآن أكثر من باقي الأسماء، فإن أمهات الأسماء
في القرآن ثلاثة: الله، والرحمن، والرب.
ثم إنّ هذا الاسم لما تعلق التسبيح به لم يتعلق به مطلقاً من حيث ما يستحق لنفسه،
وإنما تعلق به مضافاً إلى نفس المسبح فقال: سبحان ربي العظيم، وإنما تعلق به مضافاً في
حق كل مسبح لأن العلم به من كل عالم يتفاضل فيعتقد فيه شخص خلاف ما يعتقد فيه غيره،
فكل شخص يسبح ربه الذي اعتقده رباً، وكم شخص ما يعتقد في الرب ما يعتقده غيره،
ويرى أن ذلك المعتقد الآخر فيما نسبه إلى ربه ممّا يستحيل عند هذا أن تكون له تلك الصفة
ويكفر من أجلها، فلو سبّحه مطلقاً باعتقاد كل معتقد لسبّح هذا الشخص من لا يعتقد أنه
ينزّه، فلهذا أضافه كل مسبّح لما يقتضيه اعتقاده، وحظ العارف أن يسبحه بلسان كل مسبّح
وينظر في عظمة الله وتنزيهها عن قيام الخضوع بها وعلوّه عن السجود، فإن العبد في سجوده
يطلب أصل نشأة هيكله وهو الماء والتراب ويطلب بقيامه أصل روحه فإن الله يقول فيهم:
﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٣٩] وصارت حالة الركوع برزخاً متوسطاً بين القيام
والسجود بمنزلة الوجود المستفاد للممكن برزخاً بين الواجب الوجود لنفسه وبين الممكن
لنفسه، فالممكن عدم لنفسه فإن العدم لا يستفاد فإنه ما ثم من يفيده، والواجب الوجود
وجوده لنفسه، وظهرت حالة برزخية وهي وجود العبد بمنزلة الركوع، فلا يقال في هذا
الوجود المستفاد هو عين الممكن ولا هو غير الممكن، ولا يقال فيه هو عين الحق ولا هو
غير الحق، فله نسبتان يعرفهما العارف، فيخطر للعارف في حال الركوع الحال البرزخي
الفاصل بين الأمرين وهو المعنى المعقول الذي به يتميز الرب من العبد، وهو أيضاً المعنى
المعقول الذي به يتصف العبد بأوصاف الرب، ويتصف الرب بأوصاف المربوب لا بالصفات
فإنه وصف لا صفة، وإنما قلنا وصف لا صفة فإن الصفة يعقل منها أمر زائد وعين زائدة على
عين الموصوف، والوصف قد يكون عين الموصوف بنسبة خاصة ما لها عين موجودة فافهم.
فصل بل وصل في الدعاء في الركوع: اختلفوا في الدعاء بعد اتفاقهم على جواز الثناء
على الله فيه ووجوبه في مذهب من يراه شرطاً في صحة الصلاة، فمنهم من كره الدعاء في
الركوع. ومنهم من أجازه وبه أقول. واختلفوا في الدعاء في الصلاة، فمنهم من قال: لا
يجوز أن يدعي في الصلاة بغير ألفاظ القرآن. ومنهم من أجاز ذلك فأقول: لما كانت الصلاة
معناها الدعاء صحّ أن يكون الدعاء جزءاً من أجزائها، ويكون من باب تسمية الكل باسم
الجزء. وأما من يكره الدعاء في الركوع فإن الحالة البرزخية لها وجهان: وجه إلى الحق،
ووجه إلى الخلق، فمن كان مشهده من الركوع الوجه الذي يطلب الحق كره الدعاء في الركوع
ولم يحرّمه لأن صفة القيومية قد يتصف بها الكون، قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾
[سورة النساء: الآية ٣٤] ومن رجح الوجه الذي يطلب الخلق من الركوع قال: يجوز الدعاء في
الركوع وبه جاءت السنّة وهو مذهب البخاري رحمه الله. وكذلك من رجح أن لا يدعي في
٧٦
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
الصلاة بغير ألفاظ القرآن فإنه نظر إلى أن الله تعالى قد شرع الأدعية في القرآن، فالعدول عنها
إلى ألفاظ من كلام الناس من مخالفة النفس التي جبلت عليها حتى لا توافق ربها وهو الأدب
الصحيح، فإني كما لم أناجه في الصلاة إلاَّ بكلامه كذلك لا ندعوه إلاَّ بما أنزل علينا وشرعه
لنا في القرآن أو في السنّة ممّا شرع أن يقال في الصلاة، ومن أطلق الدعاء في الصلاة بأي نوع
كان يغلب على قلبه أنه ما ثم إلاَّ الله ولا متكلم إلاَّ الله إما بفعل يفعله كما ورد أن الله قال على
لسان عبده: سمع الله لمن حمده يعني في الصلاة أو أمر آخر.
فصل بل وصل في التشهد في الصلاة: اختلف العلماء في وجوب التشهد في الصلاة
والمختار منه، فمن قائل: بوجوبه. ومن قائل: لا يجب، فأقول: لما كان التشهّد على
الحقيقة معناه الاستحضار فإنه تفعل من الشهود وهو الحضور، والإنسان مأمور بالحضور في
صلاته فلا بدّ من التشهّد وهو الأولى والأوجه. ولما كان الشاهد مخاطباً بالعلم بما يشهد به
بخلاف الحاكم لم يصحّ الحضور ولا الاستحضار من غير علم المتشهد بمن يريد شهوده، فلا
يحضر معه من الحق إلاَّ قدر ما يعلمه منه وما خوطب بأكثر من ذلك. واختلفت مقالات
الناس في الإله، وإذا اختلفت المقالات فلا بدّ للعاقل إذا انفرد في علمه بربه أن يكون على
مقالة من هذه المقالات التي أنتجها النظر وهي مختلفة، فالسليم العقل من يترك ما أعطاه نظره
في الله ونظر غيره من أصحاب المقالات بالنظر الفكريّ، ويرجع إلى ما قالته الأنبياء عليهم
السلام وما نطق به القرآن فيعتقده ويحضر معه في صلاته وفي حركاته وسكناته، فهو أولى به
من أن يحضر مع الله تعالى بفكره، وقد يطرأ لبعض الناس في هذا غلط، وذلك أنه يرى أن
الإنسان ما يثبت عنده الشرع إلاَّ حتى يثبت عنده بالعقل وجود الإله وتوحيده وإمكان بعثة
الرسل وتشريع الشرائع، فيرجح بهذا أن يحضر مع الحق في صلاته بهذا العلم وليس الأمر
كذلك، فإنه وإن كان نظره هو الصحيح في إثبات وجود الحق وتوحيده وإمكان التشريع
وتصديق الشارع بالدلالات التي أتى بها فيعلم أن الشارع قد وصف لنا نفسه بأمور لو وقفنا مع
العقل دونه ما قبلناها. ثم إنا رأينا أن تلك الأوصاف التي جاءت من الشارع في حق الله
ومعرفته تطلبها أفعال العبادات وهي أقرب مناسبة إليها من المعرفة التي تعطيها الأدلة النظرية
التي تستقل بها، فرأينا أن نحضر مع الحق في تشهدنا وصلاتنا بالمعرفة الإلهية التي استفدناها
من الشارع في القرآن والسنّة المتواترة أولى من الحضور معه بمقالات العقول، ثم ننظر فيما
ورد من التشهد في الصلاة حتى نجري على ذلك الأسلوب كما فعلنا في التوجيه والقراءة وما
يقال في الركوع والسجود. انتهى الجزء الثامن والثلاثون.
(الجزء التاسع والثلاثون)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ
فنقول: من ذلك (تشهد عمر رضي الله عنه) وهو: التحيات لله الزاكيات لله السلام
عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلاّ
٧٧
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
الله وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، أخذت به طائفة. (وأما تشهد عبد الله بن مسعود)
وهو: التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته السلام
علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلاَّ الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أخذ
به الأكثر من الناس لثبوت نقله. (وأمّا تشهد ابن عباس) وهو: التحيات المباركات الصلوات
الطيبات الله سلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين،
أشهد أن لا إله إلاَّ الله وأن محمداً رسول الله، أخذت به طائفة.
وكلها أحاديث مروية عن رسول الله بَّر. فالعارف إذا تشهد بهذا التشهد فإما أن يكون
في حال قبض وهيبة وجلال عن اسم إلهيّ، وإما أن يكون في حال أنس وجمال وبسط عن
اسم إلهيّ، وإما أن يكون في حال مراقبة وحضور لموازنة ذاته بما كلفته من العبادات في
الصلاة، فيعمر كل قوّة من قوى نفسه في صلاته، وكل جارحة من جوارح جسمه في صلاته
بما يليق بها ممّا طلبه الحق منه من الهيئات أن يكون عليها في صلاته بالنظر إلى كل جارحة
وقوّة فيعمرها سواء كان في حال هيبة أو أنس وهو أكمل الأحوال.
فانحصر الأمر في ثلاثة مقامات: مقام جلال، ومقام جمال، ومقام كمال، فيتشهد
بلسان الكمال وهو الأول للسالك فيقول: التحيات لله أي تحيات كل محيّ ومحيّ بها في
جميع العالم، والنسب الإلهية كلها لله أي من أجل الله الاسم الجامع الذي يجمع حقائقها،
وذلك لأن كل تحية في العالم إنما هي مرتبطة بحقيقة إلهية كانت ما كانت، فمتى ما لم يجمع
الإنسان بنيته وقلبه كما جمع بلفظة التحيات بقوّته من الحقائق الإلهية كلها إلاَّ الحقيقة الواحدة
المشروعة له في تحيته من حيث ما هو مقيد بها من جهة شرعه خاصة لم يستبر لنفسه في
كمال صلاته. وقوله: الزاكيات لله، يقول: التحيات المطهرات الناميات أي التي ينمي خيرها
على قائلها من الحقائق الإلهية التي أوجدت تلك التحيات بحسب ما تعطيه أسماؤها. ثم
يقول: السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته بالألف واللام التي للجنس لا التي للعهد
فيكون سلامه على النبيّ وَّ مثل تحياته للشمول والعموم أي بكل سلام، وهذا يؤذن بأنّ
العبد قد انتقل من مشاهدة ربّه من حيث الإطلاق أو أمر ما من الأمور التي كان فيها في
سجوده إلى مشاهدة الحق في النبيّ وَّر، فلما قدم عليه بالحضور سلّم عليه مخاطباً مواجهة
بالنبوّة لم يسلم عليه بالرسالة، فإن النبوّة في حق ذات النبيّ أعمّ وأشرف، فإنه يدخل فيها ما
اختص به في نفسه وما أمر بتبليغه لأمته الذي هو منه رسول، فعم وعرف ما ينبغي أن يخاطب
به رسول الله ◌ّ# في ذلك الحضور وأيه به من غير حرف نداء يؤذن ببعد لما هو عليه من حال
قربه ولهذا جاء بحرف الخطاب، ثم عطف بعد السلام عليه بالرحمة الإلهية لشمولها الامتنان
والوجوب فأضافها إلى الله لما رزقه وّل من السلامة من كل ما يشنوه في مقامه ذلك، وعطف
بالبركات المضافة إلى الهواية والبركات هي الزيادة، وقد أمر أن يقول: ﴿رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾
[سورة طه: الآية ١١٤] فكأن هذا المصلي في هذه التحيات يقول له: سلام عليك ورحمته تقتضي
الزيادات عندك من العلم بالله الذي هو أشرف الحالات عند الله كما جاء بالزاكيات في
٧٨
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
التحيات فناسب بين الزكاة والبركة، ولهذا جعل الله تعالى البركة في الزكاة التي هي الصدقات
لارتباطها بها، لأن الصدقة إخراج ما كان في اليد وهي الزكاة ولا تبقى في الوجود خلاء
فيعوّضه الله ويملأ يديه من الخير العلمي وغيره من الثواب المحسوس في دار الكرامة ما لا
يقدر قدره في مقابلة ما أخرجه .
ثم يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فسلّم على نفسه بشمول السلام
وأجناسه كما سلّم على النبي ◌ََّ يقول تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [سورة
النور: الآية ٦١] والدخول في كل حال من أحوال الصلاة كالبيوت في الدار الجامعة تحية من عند
الله مباركة طيبة، فجعلك رسولاً من عنده إلى نفسك بهذه التحية المباركة لما فيها من زوائد
الخير الطيبة فإنها حصلت له ذوقاً فاستطابها، كما أنها طيبة الأعراف بسيرانها من نفس
الرحمن، وجاء بنون الجمع في قوله: السلام علينا يؤذن أنه مبلغ سلامه لكل جزء فيه ممّا هو
مخاطب بعبادة خاصة، وإنما سلم عليهم لكونه جاء قادماً من عند ربه لغيبته عن نفسه حين
دعاه الحق إلى مناجاته، فكبّر تكبيرة الإحرام فمنعته هذه الحالة أن ينظر إلى غير من دعاه إليه،
فلهذا سلّم على نفسه بنون الجماعة، وذلك إذا كان هذا العبد قد دخل إلى بيت قلبه، ونزّه
الحق أن يكون حالاً فيه وإن وسعه كما قال الله لما يقتضيه جلال الله من عدم المناسبة بين ذاته
تعالى وبين خلقه ورأى بيت قلبه خالياً من كل ما سوى الله والحق لا يسلم عليه فإنه هو السلام
وقد نهوا عن ذلك لأنهم كانوا يقولون: السلام على الله في التشهد، فقال لهم
رسول الله بَّهِ: ((لاَ تَقُولُوا السَّلاَمُ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلاَمُ)) فلما دخل بيته ولم ير فيه أحداً
أو نزّه الحق أن يحوي عليه بيت قلبه فما بقي له أن يشهد سوى عالمه المكلف وليس سوى
نفسه، وقد أمره الله إذا دخل بيتاً خالياً من كل أحد أن يسلم على نفسه في قوله: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُم
بُنَا فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ فيكون العبد هنا مترجماً عن الحق في سلامه لأنه قال: تحية من عند
الله مباركة، كما جاء في: سمع الله لمن حمده، فكذلك يقولها في الصلاة نيابة عن الحق جلّ
جلاله وتقدّست أسماؤه لأنه ما ثم من حدث له حال دخول أو خروج فيكون السلام منه أو
عليه، فدلّ على أنه تجلّ خاص ولا بدّ، فافهم إن أردت أن تكون من أهل هذا المقام في
الصلاة .
ثم عطف من غير إظهار لفظ السلام على عباد الله الصالحين فشمل بالألف واللام
ليصيب سلامه كل عبد صالح لله في السموات والأرض، ولا ينوي من الصالحين ما هو
المعهود في العرف ما ثم إلاَّ صالح فإن الله يقول: ﴿وَإِن مِّنِ شَىْءٍ إِلَّا يُسَرِحُ بِهِ﴾ [سورة الإسراء:
الآية ٤٤] فكل شيء ينزّه ربه فهو إذن صالح، هذا من علوم الإيمان والكشف، فانو بالصالحين
الذين استعملوا فيما صلحوا له وليس سوى التسبيح، فإن الله أخبر عنهم أنهم بهذه الصفة فلم
يبق كافر ولا مؤمن إلاَّ وقد شملت تفاصيله هذه الآية: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة
الجاثية: الآية ٢٦] لأنهم لا يسمعون ولا يشهدون، ولهذا لم يذكر لفظة السلام في هذا العطف
واكتفى بالواو تنبيهاً، فإنه يدخل فيه من يستحق السلام عليه بطريق الوجوب، ومن لا يستحق
٧٩
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
ذلك بطريق الوجوب فسرّ حتى لا يتميز المستحق من غير المستحق رحمة منه بعباده ﴿إِنَّهُ
هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة القصص: الآية ١٦].
ولم يعطف السلام الذي سلّم به على نفسه على السلام الذي سلّم به على النبي ◌َّلَه بل
جعله مبتدأ، فإن النبوّة أعني نبوّة التشريع طور آخر متميز عن طور الاتباع، فإنه لو عطف عليه
لفظ السلام على نفسه لسلم على نفسه أيضاً من جهة النبوّة للواو الذي يعطي الاشتراك، وباب
النبوّة قد سدّه كما سدّ باب الرسالة، وأعني نبوّة التشريع، وما بقي بأيدينا إلاَّ الوراثة إلى يوم
القيامة، يقول رسول الله وَلَهُ: ((إِنَّ الرَّسَالَة والنبوةَ قَدِ انْقَطَعَتْ فَلاَ رَسُولَ بَعْدِي وَلاَ نَبِيَّ)) .
فعيّن بهذا أنه لا مناسبة بيننا وبين الرسل في هذا المقام، فحصل له الأولية وَير على التعيين،
وحصل له الآخرية و18َ لا على التعيين. فدخل بالسلام الثاني بحرف العطف في عباد الله
الصالحين فإنه من الصالحين بلا شك من كل وجه فهو في المرتبة التي لا تنبغي لنا فابتدأنا
بالسلام علينا في طورنا من غير عطف.
واعلم أنه لم نقف على رواية عن رسول الله وَّ في تشهّده الذي كان ◌َّ يتشهد به
بلسانه في تشهده في الصلاة في قولنا: السلام عليك أيها النبيّ هل كان يقوله بهذا اللفظ أو
يقوله بغير هذا اللفظ مثل عيسى عليه السلام إذ قال: ﴿وَالسَّلَمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدِتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ
أُبْعَثُ حَيَّ﴾ [سورة مريم: الآية ٣٣] أو لا يقول شيئاً من ذلك ويكتفي بقولنا: السلام علينا وعلى
عباد الله الصالحين، فإن كان قال مثل ما علمنا أن نقول من ذلك فله وجهان: أحدهما: أن
يكون المسلم عليه هو الحق وهو نائب مترجم عنه تعالى في ذلك كما جاء في: سمع الله لمن
حمده. والوجه الآخر: أن يقوم في دعائه في تلك الحالة في مقام غير مقام النبوّة ثم يخاطب
نفسه من حيث المقام الذي أقيم فيه نفسه أيضاً من كونه وَل# نبياً ويحضره من أجل كاف
الخطاب فيقول ◌َ# بلسانه للمقام الذي أحضره فيه أي أحضر نفسه فيه: السلام عليك أيها
النبيّ فعل الأجنبيّ. ثم يقول: أشهد أن لا إله إلاَّ الله وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله. فأمّا
معنى الشهادة فقد تقدّم في أوّل التشهد، وهذا التوحيد هنا إنما هو توحيد ما يقتضيه عمل
الصلاة عموماً وما يقتضيه حال كل مصل في صلاته خصوصاً، فإنّ أحوال المصلين تختلف
في الصلاة بلا شك من كل وجه من وجوه الأحكام، ومن وجوه المقامات، ومن وجوه
الأذواق .
فمن وجوه الأحكام: فإن صلاة الحنفي تخالف صلاة المالكي والشافعي في بعض
الأحكام. ومن وجوه المقامات: فإن صلاة المتوكل تخالف صلاة الزاهد. ومن وجوه
الأذواق: فإن صلاة الراضي تخالف صلاة الشكور، وصلاة الصاحي تخالف صلاة السكران
في الطريق الذوقي، فإن الصحو والسكر هو من علوم الأذواق.
ثم عطف الشهادة بالعبودية لله والرسالة على شهادة التوحيد ليعلم أنه: ﴿مَّن يُطِيعِ الرَّسُولَ
فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [سورة النساء: الآية ٨٠] فإنه وَّ: ﴿وَمَا يَنَطِقُ عَنِ الْمُوَ﴾ [سورة النجم: الآية ٣] وما
عليه إلاَّ البلاغ والإبلاغ لا يكون إلاَّ حال مبلغ من مبلغ عنه إلى مبلغ إليه وهو العطف بواو
٨٠
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
الاشتراك يؤذن بالقرب الإلهيّ من السيد بما فيه من العبودية لله، وبالقرب من المرسل بما فيه
من ذكر الرسالة المضافة إلى الهوية التي هي غيب لمن أرسلوا إليهم. وللرسول من حيث إن
الروح الأمين جاء بها إليه من عند ربّه فهو أقرب سنداً منّا إلى المرسل، وتلقاها
رسول الله ◌ّ من الروح بربه لا بنفسه كما يتلقى العارفون ما يأتيهم من ربهم على ألسنة
العالم وحركاتهم بربهم لا بأنفسهم، فإنه من يرى ربه في نفسه يراه في غيره بلا شك، كما
يقول أهل الله في حال المتوكل: من صحّ توكّله في نفسه صحّ توكله في غيره. وإنما قلنا :
تلقاها بربه لا بنفسه إذ لو تلقى المتلقي أمر ربه ووحيه بنفسه دون ربه لاحترق في موضعه من
سطوات أنوار الروح الأمين، ألا تراه مع القوّة الإلهية التي أيّده الله بها كيف جاء إلى بيت
خديجة ترجف بوادره يقول: زمّلوني زملوني دثروني لاضطراب مفاصله وتخلّل النور
الروحاني مسالك ذاته، فكان يسمع لها قضيض، فبدأ في الشهادة حين عطفها باسمه محمداً
لما جمع فيه من المحامد أي بها استحق العطف بحرف التشريك ثم قال: عبد الله فذكره
بعبودية الاختصاص ليعلم بحريته عن كل ما سوى الله وخلوص عبوديته لله ليس فيه شقص
لكون من الأكوان، ثم عطف بالرسالة على العبودية وعلى الله بالهوية فزاده في العبودية
اختصاصين وهما: النبوّة والرسالة، وذكر الرسالة دون النبوّة لتضمنها إياها، فلو ذكر النبوّة
وحدها كان يبقى علينا ذكر اختصاصه بالرسالة فيحتاج إلى ذكرها حتى نعلم بخصوص أوصافه
ونفرق بينه وبين من ليس له منزلة الرسالة من عباد الله النبيين، فهذا تشهد لسان الكمال.
التشهد بلسان الجمال: وأما تشهد لسان الجمال فهو تشهد عبد الله بن مسعود الذي
ذكرناه وهو على هذا الحدّ إلاَّ ما اختصّ به، فما أذكره وهو أن يقول صاحب هذا المقام
بلسانه والصلوات والطيبات، فأتى بالصلوات لعموم ما تدل عليه في الرحموتيات والدعاء
وأنواعه من الأحوال وكلها صلاة ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلِّى عَلَيْكُمْ وَمَلَبِكَتُهُ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٤٣]
وعطف عليها الطيبات من باب عطف النعوت فهي نعت معطوف للصلوات وعليها ليطيب بها
نفساً، واختصّ أيضاً في هذا التشهد بإضافة العبودية إلى الهوية لا إلى الله وهو مقام شريف في
حق رسول الله وَلّ حيث أخبر أنه وَّر في حال نظره في ربه من حيث ما تستحقه ذاته التي لا
يحاط بها علماً بل لا تعرف أصلاً بالصفة الثبوتية وليست سوى واحدة لا يصحّ أن تكون
اثنتين، لأن الفصل المقوم في حق ذاته يستحيل، فلا مناسبة بين الله وبين خلقه، فإنه من
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] كيف يصحّ أن يشبه شيئاً أو يشبهه شيء؟ وهذا
بخلاف اللسان الأوّل، فإن الإضافة بالعبودية كانت إلى الله لا إلى الهوية، وهو أن ينظر فيه
من حيث ما يطلبه الممكن ويليق وهو دون ما تشهد به ابن مسعود.
التشهد بلسان الجلال: أمّا التشهد بلسان الجلال فزاد على ما احتوى عليه التشهدان أن
نعت التحيات بالمباركات أي التحيات التي يكون معها البركات وأسقط الزاكيات وكذلك
أسقطها ابن مسعود فإنهما راعيا الاشتراك في الزيادة، وراعى عمر ما في الزكاة من التقديس
مع وجود الزيادة التي تشترك فيها مع البركة، فاكتفى بالزاكيات لذلك، وأنكر الزاكيات في