النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
لحصول إقامة الوزن لا للترجيح، ثم أثنينا عليه ثناء آخر بالترجيح، فالمرجح محمود من
وجهين فاعلم، وحمده من جهة الإقامة أعلى لأنه الحمد الوجوبيّ، فحمد الترجيح نافلة إلاّ
فيمن يحمل الأمر في ذلك على الوجوب وهو قوله {َّ في القاضي ما عليه: ((إِذَا وَزَنْتَ
فَأرْجِخ)) فأمره بالرجحان وأكّد في ذلك قولاً وفعلاً. وإذا لم يكن الأمر على الوجوب القرينة
حال كانت الإقامة بحسب ذلك فهذا اعتبار حكم الإقامة بوجه ينفع في دين الله، من وقف
على هذا الكتاب وعمل بما قرّرناه فيه فإنه ما قرّرنا فيه أمراً غير مشروع لله الحمد، وإن كنّا لم
نتعرّض لذكر الأدلة مخافة التطويل فما خرجنا بحمد الله عن الكتاب والسنّة فيه كما قال
الجنيد: علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنّة .
وأمّا صفة الإقامة: فعند قوم التكبير الذي في أولها مثنى وما بقي فيها فرد والتكبير الذي
بعد الإقامة مثنى وعند قوم مثل ذلك إلاّ الإقامة فإنها مثنى، وقوم خيّروا بين التثنية والإفراد،
وقوم قالوا بالتثنية في الكل وتربيع التكبير الأول مع الاتفاق في توحيد التهليل الآخر.
الاعتبار: أمّا من ثنى أي من زاد على الواحدة فللمراتب التي ذكرناها في الأذان على
السواء، ولم نعدل لاعتبار آخر لأنها جاءت في ظاهر الشريعة بلفظ الأذان لا بلفظ آخر إلاّ
الإقامة فانفردت بها الإقامة عن الأذان وهي قوله: قد قامت الصلاة فهو إخبار عن ماض
والصلاة مستقبلة فهي بشرى من الله لعباده لمن جاء إلى المسجد ينتظر الصلاة، أو كان في
الطريق يأتي إليها، أو كان في حال الوضوء بسببها، أو كان في حال القصد إلى الوضوء قبل
الشروع فيه ليصلي بذلك الوضوء فيموت في بعض هذه المواطن كلها فله أجر من صلاها،
وإن كانت ما وقعت منه فجاء بلفظ الماضي لتحقق الحصول، فإذا حصلت بالفعل فله أجر
الحصول بالفعل، وأجر الحصول الذي يحصل لمن مات في هذه المواطن قبل أن يدخل في
الصلاة، وقد ورد في الخبر: ((إِنَّ الإِنْسَانَ فِي صَلاَةٍ مَا دَامَ يَنْتَظِرُ الصَّلاَةَ)) فلهذا جاء بلفظ
الماضي وهو الحاصل في قوله: قد قامت الصلاة، وإقامة الصلاة تمام نشأتها وكمالها أي هي
لكم قائمة النشأة كاملة الهيئة على حسب ما شرعت، فإذا دخلتم فيها وأجرتم الأجر الثاني فقد
يكون مثل الأول في إقامة نشأتها وقد لا يكون، فإن المصلي قد يأتي بها خداجاً غير كاملة
فتكتب له خداجاً من حيث فعله بخلاف ما تكتب له قبل الفعل، فانظر ما أعظم فضل الله على
عباده وسبب ذلك قول الله تعالى؛ ﴿قُلْ فَلَّهِ الْحُبَّةُ الْبَلِغَةُ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٤٩] فإنه لو أثابه
عليها قبل وقوعه بحسب علمه به فيها من إخداجها ربما قال العبد: لو أحييتني حتى أؤذّيها
لأقمت نشأتها على أكمل الوجوه، فأعطى الله جلّ وعزّ سبحانه عبده ذلك الثواب على أكمل
الأداء، لله الحمد والمنة على ذلك.
فصل بل وصل في القبلة: اتفق المسلمون على أن التوّجه إلى القبلة أعني الكعبة شرط
من شروط صحة الصلاة، لولا أن الإجماع سبقني في هذه المسألة لم أقل به أنه شرط فإن
قوله تعالى: ﴿فَأَيَّنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الَّهِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١١٥] نزلت بعده وهي آية محكمة غير
منسوخة، ولكن انعقد الإجماع على هذا وعلى قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾
٤٢
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
محكماً في الحائر الذي جهل القبلة فيصلي حيث يغلب على ظنه باجتهاده بلا خلاف، وإن
ظهر له بعد ذلك أنه صلَّى لغير القبلة لم يعد بخلاف في ذلك بخلاف من لم يجد سبيلاً إلى
الطهارة، فإنه قد وقع الخلاف فيه هل يصلي أم لا؟ ثم إنه لا خلاف أن الإنسان إذا عاين البيت
أن الفرض عليه هو استقبال عينه، وأمّا إذا لم ير البيت فاختلف علماؤنا في موضعين من هذه
المسألة: الموضع الواحد هل الفرض هو العين أو الجهة؟ والموضع الثاني: هل فرضه
الإصابة أو الاجتهاد؟ أعني إصابة العين أو الجهة عند من أوجب العين. فمن قائل: أن
الفرض هو العين. ومن قائل: أن الفرض هو الجهة وبالجهة أقول لا بالعين فإن في ذلك
حرجاً والله يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجٌ﴾ [سورة الحج: الآية ٧٨] وأعني بالجهة إذا
غابت الكعبة عن الأبصار والصف الطويل قد صحّت صلاتهم مع القطع بأنّ الكل منهم ما
استقبلوا العين هذا معقول الاعتبار التحديد في القبلة إخراج العبد عن اختياره، فإن أصله
وأصل كل ما سوى الله الاضطرار والإجبار حتى اختيار العبد هو مجبور في اختياره، ومع أن
الله فاعل مختار فإن ذلك من أجل قوله: ﴿وَيَخْتَارٌ﴾ [سورة القصص: الآية ٦٨] وقوله: ﴿وَلَوْ
شِئْنَا﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٧٦] ولا يفعل إلاَّ ما سبق به علمه وتبدّل العلم محال يقول تعالى:
﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَنَّ وَمَآ أَنْ بِظَلَِّ لِلْمِيدِ﴾ [سورة ق: الآية ٢٩] وقال: ﴿فَلَّهِ الْحُبَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [سورة
الأنعام: الآية ١٤٩] وما رأيت أحداً تفطن لهذا القول الإلهي، فإن معناه في غاية البيان ولشدة
وضوحه خفي، وقد نبهنا عليه في هذا الكتاب وبيّناه فإنه سرّ القدر من وقف على هذه المسألة
لم يعترض على الله في كل ما يقضيه ويجريه على عباده وفيهم ومنهم ولهذا قال: ﴿لَا يُسْئَلُ
عَنَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٢٣] فلو كنت عاقلاً تفهم عن الله كفتك هذه الآية في
المقصود .
ثم نرجع إلى اعتبار ما كنّا بصدده فنقول: إن الصلاة دخول على الحق وجاء في الخبر
الصحيح: ((إِنَّ الصَّلاَةَ نُورٌ وَالإِنْسَانُ ذو بَصَرٍ فِي بَاطِنِهِ كَمَا هُوَ فِي ظَاهِرِهِ)) فلا بدّ له من الكشف
في صلاته، فمن جملة ما يكشفه في صلاته كونه مجبوراً في اختياره الذي ينسبه إليه، فشرع له
في هذا الموطن وفي العبادات كلها التحديد في الأشياء حتى يكون في تصرفاته بحكم
الاضطرار وهو أصل يشمل كل موجود، ولا أحاشي موجوداً من موجود لمن كان ذا بصر
حديد ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [سورة ق: الآية ٣٧] حتى في حكم المباح هو فيه غير مختار،
لأنه من المحال أن يحكم عليه بحكم غير الإباحة من وجوب أو ندب أو حظر أو كراهة،
فلهذا شرع له استقبال البيت إذا أبصره حين صلاته، واستقبال جهته إذا غاب عنه، وفرضه في
اجتهاده بالغيبة إصابة الاجتهاد لا إصابة العين، وذلك لو كان فرضه إصابة العين فإن العبد
مأمور بأن يستقبل ربه بقلبه في صلاته بل في جميع حركاته وسكناته لا يرى إلاَّ الله. وقد
علمنا أن ذات الحق وعينه يستحيل على المخلوق معرفتها، فمن المحال استقبال عين ذاته
بقلبه، أي من المحال أن يعلم العاقل ربه من حيث عينه، وإنما يعلمه من حيث جهة الممكن
في افتقاره إليه وتميّزه عنه بأنه لا يتصف بصفات المحدثات على الوجه الذي يتصف به
٤٣
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
المحدث الممكن لأنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] فلا يعرفه إلاَّ بالسلوب
وهذا سبب قولنا بالجهة لا بالعين، والإصابة إصابة الاجتهاد لا إصابة العين، ولهذا كان
المجتهد مأجوراً على كل حال، ولا سيما والاجتهاد في مذهبنا في الأصول كما هو في فروع
الأحكام لا فرق.
وأما قول رسول الله ◌َّ في المجتهد إنه مصيب ومخطىء فمعناه عندنا في هذه المسألة
وأمثالها أن المجتهد في الإصابة ما هي إصابة العين أو إصابة الجهة أن المصيب من قال :
إصابة الجهة، والمخطىء من قال: إصابة العين، فإن إصابة الجهة في غير الغيم المتراكم ليلاً
أو نهاراً في البراري لا يقع إلاَّ بحكم الاتفاق، فأحرى إصابة العين لا بحكم العلم، وما تعبدنا
الله بالأرصاد ولا بالهندسة المنبئة على الأرصاد المستنبط منها أطوال البلاد وعروضها، فإنا
بكل وجه إذا أخذنا نفوسنا بها على غير يقين فتبين أن الفرض على المكلف الاجتهاد لا
الإصابة، فلا إعادة على من صلّى، ولم يصب الجهة إذا تبين له ذلك بعدما صلَّى، كذلك
الاعتبار في الباطن إذا وفى الناظر النظر حقّه أصاب العجز عن الإدراك فاعتقده وما ثم إلاَّ
العجز، فالحق عند اعتقاد كل معتقد بعد اجتهاده، يقول تعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ
لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ١١٧] فافهم كما هو عند ظن عبده به إلاَّ أن المراتب
تتفاضل، والله أوسع وأجل وأعظم أن ينحصر في صفة تضبطه، فيكون عند واحد من عباده
ولا يكون عند الآخر، يأبى الاتساع الإلهيّ ذلك فإن الله يقول: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُثُمَّ﴾
[سورة الحديد: الآية ٤] ﴿فَأَيْنَمَا تُوَّلُواْ فَثَمَّ وَسْهُ الَّهِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١١٥] ووجه كل شيء حقيقته
وذاته، فإنه سبحانه لو كان عند واحد أو مع واحد ولا يكون عند آخر ولا معه كان الذي ليس
هو عنده ولا معه يعبد وهمه لا ربه والله يقول: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّهُ﴾ [سورة الإسراء:
الآية ٢٣] أي حكم ومن أجله عبدت الآلهة، فلم يكن المقصود بعبادة كل عابد إلاَّ الله، فما عبد
شيء لعينه إلاّ الله، وإنما أخطأ المشرك حيث نصّب لنفسه عبادة بطريق خاص لم يشرع له من
جانب الحق فشقي لذلك، فإنهم قالوا في الشركاء: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرُِّونَآ إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة
الزمر: الآية ٣] فاعترفوا به، وما يتصوّر في العالم من أدنى من له مسكة من عقل التعطيل على
الإطلاق، وإنما معتقدوا التعطيل إنما هو يعطل صفة ما اعتقدها المثبت، فمن استقبل عين
البيت إن كان يبصره أو الجهة إن غاب عنه بوجهه واستقبل ربه في قبلته كما شرع له في قلبه
وحسّه في خياله إن ضعف عن تعليق العلم به من حيث ما يقتضيه جلاله، فإن المصلي وإن
واجه الحق في قبلته كما ورد في النص فإنه كما قال؛ من ورائه محيط، فهو السابق والهادي
فهو سبحانه الذي نواصي الكل بيده الهادي إلى صراط مستقيم والذي يسوق المجرمين ﴿إِلَى
جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [سورة مريم: الآية ٨٦] وإليه يرجع الأمر كله ﴿فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا
تَعْمَلُونَ﴾ [سورة هود: الآية ١٢٣].
فصل بل وصل في الصلاة في داخل البيت: فمن قائل: بمنع الصلاة في داخل الكعبة
على الإطلاق. ومن قائل: بإجازة ذلك على الإطلاق، ومن العلماء من فرّق في ذلك بين
٤٤
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
النفل والفرض وكل له مستند في ذلك يستند إليه اعتبار ذلك في الباطن وبعد تقرير الحكم في
الظاهر الذي شرع لنا وتعبدنا به، ولم نمنع من الاعتبار بعد هذا التقرير فنقول: هذه حالة من
كان الحق سمعه، وبصره، ولسانه، ويده، ورجله، لكن في حال إجالة كل جارحة فيما
خلقت له هكذا قيد الصادق في خبره، وفي ذلك ذكرى لمن كان له قلب.
ولما كانت هذه الحالة الواردة من الشارع في الخبر الصحيح عنه وتأيّد الكشف بذلك
الخبر عند السامع حالة النوافل ونتيجتها لهذا تنفل في الكعبة رسول الله 8# لما دخلها كما
ورد، وكان يصلي الفريضة خارج البيت، كما كان يتنفل على الراحلة حيث توجهت به
﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١١٥] وقد علمنا أن الأمر في نفسه قد يكون كما نراه
ونشهده، وهذا هو الذي أعطى مشاهدة هذا المقام فهو يراه سمع غيره كما يراه سمع نفسه،
فالكرامة التي حصلت لهذا الشخص إنما هي الكشف والاطلاع لا أنه لم يكن الحق سمعه ثم
كان إلاَّ أن يتعالى الله عن العوارض الطارئة، وهذه المسألة من أعزّ المسائل الإلهية، فمن
استصحب هذا الحكم في الظاهر أجاز الصلاة كلها فرضها ونفلها داخل الكعبة، فإن كل ما
سوى الله لا يمكنه الخروج عن قبضة الحق فهو موجدهم بل وجودهم ومنه استفادوا الوجود،
وليس الوجود خلاف الحق ولا خارجاً عنه يعطيهم منه هذا محال بل هو الوجود وبه ظهرت
الأعيان، يقول القائل بحضرة رسول الله وَ ل# مرتجزاً وهو يسمع: [الرجز]
واللَّهِ لولا اللهُ ما اهتدينا
ولا تصدَّقُنا ولا صلَّيْنَا
ورسول الله ◌َلَه يعجبه ذلك ويصدقه في قوله فنحن به سبحانه وله كما ورد في الخبر
الصحيح، فإذا نظرنا إلى ذواتنا وإمكاننا فقد خرجنا عنه وإمكاننا يطلبنا بالنظر والافتقار إليه فإنه
الموجد أعياننا بجوده من وجوده وهو اعتبار قوله: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ
اُلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٤٩] فتفسيره من كل جهة خرجت مصلياً فاستقبل المسجد
الحرام، وفي الإشارة من حيث خرجت إلى الوجود أي من زمان خروجك من العدم إلى
الوجود، وفي الاعتبار يقول: بأي وجه خرجت من الحق إلى إمكانك ومشاهدة ذاتك ﴿فَوَلِ
وَجْهَكَ شَطْرَ اَلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ يقول: فارجع بالنظر والاستقبال مفتقراً مضطراً إلى ما منه
خرجت فإنه لا أين لك غيره فانظر فيه تجده محيطاً بك مع كونه مستقبلك فقد جمع بين
الإطلاق والتقييد، فأنت تظن أنك خرجت عنه وما استقبلت إلاَّ هو وهو من ورائك محيط.
وحيثما كنتم من الأسماء الإلهية والأحوال فولوا وجوهكم ذواتكم شطره أي لا تعرضوا عنه،
ووجه الشيء عينه وذاته، فإن الإعراض عن الحق وقوع في العدم وهو الشر الخالص، كما أن
الوجود هو الخير الخالص، والحق هو الوجود، والخلق هو العدم، قال لبيد: ألا كل شيء ما
خلا الله باطل. فقال رسول الله وَّ في هذا القول إنه أصدق بيت قالته العرب، ولا شك أن
الباطل عبارة عن العدم.
وأما حكم هذه الآية في الظاهر أن صلاة الفرض تجوز داخل الكعبة إذ لم يرد نهي في
ذلك ولا منع، وقد ورد وثبت: حيثما أدركتك الصلاة فصلّ، إلاَّ الأماكن التي خصّصها
٤٥
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
الدليل الشرعي من ذلك لا لأعيانها وإنما ذلك لوصف قام بها فيخرج بنصّه ذلك القدر لذلك
الوصف. وقوله: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ أي وإذ خرجت من الكعبة أو من غيرها وأردت
الصلاة ﴿فَوَّلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي لا تستقبل بوجهك في صلاتك جهة أخرى لا
تكون الكعبة فيها، فقبلتك فيها ما استقبلت منها، وكذلك إذا خرجت منها ما قبلتك إلاَّ ما
يواجهك منه سواء أبصرتها أو غابت عن بصرك، وليس في وسعك أن تستقبل ذاتها كلها
بذاتها لكبرها وصغر ذاتك جرماً، فالصلاة في داخلها كالصلاة خارجاً عنها ولا فرق، فقد
استقبلت منها وأنت في داخلها ما استقبلت، ولا تتعرض بالوهم لما استدبرت منها إذا كنت
فيها، فإن الاستدبار في حكم الصلاة ما ورد وإنما ورد الاستقبال، وما نحن مع المكلف إلاَّ
بحسب ما نطق به من الحكم، فلا يقتضي عندنا الأمر بالشيء النهي عن ضدّه فإنه ما تعرّض
في النطق لذلك، فإذا تعرّض ونطق به قبلناه، فإذا لم تعمل بما أمرك الله به فقد عصيته، ولو
كان الأمر بالشيء نهياً عن ضدّه لكان على الإنسان خطيئتين أو خطايا كثيرة بقدر ما لذلك
المأمور به من الأضداد وهذا لا قائل به، فإنما يؤاخذ الإنسان بترك ما أمر بفعله أو فعل ما أمر
بتركه لا غير، فهو ذو وزر واحد وسيئة واحدة فلا يجزى إلاَّ مثلها، وقد أخذت المسألة حقّها
ظاهراً وباطناً حقاً وخلقاً شرعاً واعتباراً، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
فصل بل وصل في ستر العورة: اتفق العلماء على أن ستر العورة فرض بلا خلاف،
وعلى الإطلاق أعني في الصلاة وفي غيرها، وسأذكر حدّها في الرجل والمرأة. اعتبار ذلك
في الباطن: وجب على كل عاقل ستر السرّ الإلهيّ الذي إذا كشفه أدّى كشفه من ليس بعالم
ولا عاقل إلى عدم احترام الجناب الإلهيّ الأعزّ الأحمى، فإن حقيقة العورة الميل ولهذا قال
من قال: ﴿إِنَّ بُوَتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ١٣] أي مائلة تريد السقوط لما استنفروا فأكذبهم
الله عند بغيه بقوله: ﴿وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٌ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ١٣] يعني بهذا القول
ممّا دعوتهم إليه، ومنه الأعور فإن نظره مال إلى جهة واحدة، وكذلك ينبغي أن يستر العالم
عن الجاهل أسرار الحق في مثل قوله ﴿مَا يَكُونُ مِن تَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [سورة
المجادلة: الآية ٧] وقوله: ﴿وَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [سورة ق: الآية ١٦] وقوله: كنت سمعه
وبصره ولسانه. فإن الجاهل إذا سمع ذلك أدّاه إلى فهم محظور من حلول أو تحديد، فينبغي
أن يستر ما تعطف الحق به على قلوب العلماء ومال عزّ وجلّ سبحانه وتقدّس بخطابه ممّا
يقتضيه جلاله من الغنى على الإطلاق عن العالمين إلى قوله تعالى على لسان رسوله وَلّى:
((جعْتُ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُذْنِي، ظَمِثْتُ فَلَمْ تَسْقِنِي))، فليستر علم هذا عن الجاهل
ولا يزيد على ما فسّره به قائله سبحانه شيئاً كما ستره الحق بقوله: أما إن فلاناً مرض فلو عدته
وجدتني عنده، وهذا أشكل من الأوّل، لكنه أعطى في هذا التفسير للعلماء بالله علماً آخر به
تعالى لم يكن عندهم وذلك أنه في الأول جعل نفسه سبحانه عين المريض والجائع، وفي
تفسيره تعالى جعل نفسه عائد المريض بكونه عنده، فإن من عاد مريضاً فهو عنده، وأين هذا
من جعله نفسه عين المريض، وكل قول من ذلك حق، ولكل حق حقيقة. وأما الستر الذي
٤٦
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
في ذلك للعامي أن يقال له في قوله: لوجدتني عنده أن حال المريض أبداً الافتقار والاضطرار
إلى من بيده الشفاء وليس إلاّ الله فالغالب عليه ذكر الله مع الأنات في دفع ما نزل به بخلاف
الأصحاء وهو سبحانه قد قال: أنا جليس من ذكرني، وهذا وجه صحيح ويقنع العامي به
ويبقى العالم بما يعلمه من ذلك على علمه، فهذا هو سرّ الميل الإلهيّ عن نظر العامي.
فصل بل وصل في ستر العورة في الصلاة: اختلف العلماء هل هي شرط في صحة
الصلاة أم لا؟ فمن قائل: إن ستر العورة من سنن الصلاة. ومن قائل: إنها من فروض
الصلاة. وأما اعتبار ذلك في النفس فقد أعلمناك ما مفهوم العورة آنفاً. وفي هذه المسألة لما
ثبت أن المصلي يناجي ربّه وأن الصلاة قد قسّمها الله نصفين بينه وبين عبده، فمن غلب أن
الحق هو المصلي بأفعال عبده أعني الأفعال الظاهرة من العبد في الصلاة كما ثبت أن الله قال
على لسان عبده في الصلاة: سمع الله لمن حمده عند الرفع من الركوع والعبد هو القائل بلا
شك وقال: فأجره حتى يسمع كلام الله والرسول وَل هو التالي بلا شك قال: إن ستر العورة
من فروض الصلاة أي مثل هذا لا يظهر في العامّة يريد معناه وسرّه الذي يعرفه العالم بل يؤمن
به العامّيّ كما جاء ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [سورة العنكبوت: الآية ٤٣] ومن رأى أن لا مرتبة
في هذه المسألة بين العالم والعاميّ وأنه ما فيها إلاَّ ما ورد النص به ولو أدّى عند السامع إلى ما
أدّاه إذا لم يخرج عن مقتضى اللسان في ذلك وإن تفاضلت درجاتهم كان ستر العورة عنده من
سنن الصلاة لا من فروضها، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
فصل بل وصل في حدّ العورة: فمن قائل: إن العورة في الرجال هي السوأتان. ومن
قائل: هي من الرجال من السرّة إلى الركبة وهي عندنا السوأتان فقط، الاعتبار في ذلك في
النفس ما يذم ويكره ويخبث من الإنسان هو العورة على الحقيقة، والسوأتان محل لما ذكرناه
فهو بمنزلة الحرام، وما عدا السوأتين ممّا يجاوزهما من السرّة علواً ومن الركبة سفلاً هو
بمنزلة الشبهات، فينبغي أن يتقى فإن الراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه.
فصل بل وصل في حدّ العورة من المرأة: فمن قائل: إنها كلها عورة ما خلا الوجه
والكفين. ومن قائل بذلك وزاد: إن قدميها ليستا بعورة. ومن قائل: إنها كلها عورة. وأما
مذهبنا فليست العورة في المرأة أيضاً إلاَّ السوأتين كما قال تعالى: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن
وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٢٢] فسوّى بين آدم وحوّاء في ستر السوأتين وهما العورتان، وإن
أمرت المرأة بالستر فهو مذهبنا، لكن لا من كونها عورة وإنما ذلك حكم مشروع ورد بالستر
ولا يلزم أن يستر الشيء لكونه عورة، اعتبار ذلك في النفس المرأة هي النفس والخواطر
النفسية كلها عورة، فمن استثنى الوجه والكفين والقدمين، فلأنّ الوجه محل العلم لأن
المسألة إذا لم تعرف وجهها فما علمتها، وإذا استتر عنك وجه الشيء فما علمته وأنت مأمور
بالعلم بالشيء، فأنت مأمور بالكشف عن وجه ما أنت مأمور بالعلم به، فلا يستر الوجه من
كونه عورة فإنه ليس بعورة، وأمّا اليدان وهما الكفان بهما محل الجود والعطاء وأنت مأمور
بالسؤال فلا بدّ للمعطي أن يمدّ يده بما يعطي فلا يستر كفّه فإنه المالك للنعمة التي تطلبها منه،
٤٧
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
فلا بدّ أن تتناولها إذا جاد عليك بها والجود والكرم مأمور بهما شرعاً، وقد ورد: ((إِنَّ اليَدَ
العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلى)) فعمّ يد السائل والمعطي، فلا بدّ للمعطي أن يناول وللسائل أن
يتناول. وأمّا القدمان فلا يجب سترهما وأنهما ليستا بعورة لأنهما الحاملتان للبدن كله ونقلاته
من مكان إلى مكان، ومن كان حكمه التصريف فيتعذر ستره واحتجابه فلا بدّ أن يظهر ويبرز
ضرورة فيبعد أن يكون عورة تستر .
فصل بل وصل في اللباس في الصلاة: اتفق العلماء على أنه يجزي الرجل من اللباس
في الصلاة الثوب الواحد، اعتباره في النفس الموحّد في الصلاة هو الذي لا يرى نفسه فيها بل
يرى أن الحق يقيمه ويقعده وهو كالميت بين يدي الغاسل، فهذا معنى الثوب الواحد.
فصل بل وصل في الرجل يصلي مكشوف الظهر والبطن: فذهب قوم إلى جواز صلاته،
وذهب قوم إلى أن لا تجوز صلاته اعتبار النفس في ذلك الظاهر والباطن وهو عمل القلب في
الصلاة وعمل الجوارح، فالرجل المصلي إذا انكشف له ظاهر أمره في صلاته وباطنه لم ير
نفسه مصلياً وإنما رأى نفسه يصلي بها، فهذا بمنزلة من قال بإبطال صلاته، فإن صاحب هذا
الكشف على هذا النظر بطلت إضافة الصلاة إليه مع وقوع الصلاة منه، ومن حصل له هذا
الكشف وقال: لا يمكن أن يكون الأمر إلاَّ هكذا، وبهذا القدر من الفعل يسمّى مصلياً قال
بجواز صلاته .
فصل بل وصل فيما يجزىء المرأة من اللباس في الصلاة: اتفق الجمهور على الدرع
والخمار، فإن صلّت مكشوفة فمن قائل: تعيد في الوقت وبعده. ومن قائل: تعيد في
الوقت. وأمّا المرأة المملوكة فمن قائل: أنها تصلي مكشوفة الرأس والقدمين. ومن قائل:
بوجوب تغطية رأسها. ومن قائل: باستحباب تغطية رأسها، اعتبار النفس في ذلك لا فرق بين
المملوكة والحرّة فإن الكل ملك لله فلا حريّة عن الله، فإذا أضيفت الحريّة إلى الخلق فهو
خروجهم عن رق الغير لا عن رق الحق، أي ليس لمخلوق على قلربهم سبيل ولا حكم،
فهذا معنى الحريّة في الطريق، وقد تقدم الكلام في الثوب الواحد وبقي الاعتبار في تغطية
الرأس هنا. واعلم أن المرأة لما كانت في الاعتبار النفس والرأس من الرياسة والنفس تحب
الظهور في العالم برياستها لحجابها عن رياسة سيدها عليها وطلب شفوفها على أمثالها ولهذا
قيل : آخر ما يخرج من قلوب الصدّيقين حب الرياسة أمرت النفس أن تغطي رأسها أي تستر
رياستها فإنها في الصلاة بين يدي ربها، ولا شك أن الرئيس بين يدي الملك في محل
الافتقار، فإذا خرج إلى من هو دونه أظهر رياسته عليه، فلهذا أمرت النفس المملوكة أن تغطي
رأسها في الصلاة .
فصل بل وصل في لباس المحرم في الصلاة: فمن قائل: بجواز صلاته وهو مذهبنا وإن
كنت أكره له ذلك. ومن قائل: لا تجوز. ومن قائل: باستحباب الإعادة في الوقت وهو عندنا
عاص بلباس ما لا يحل له وإن جازت صلاته فإنه عندنا من الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر
سيئاً: اعتبار النفس في ذلك ما في كل موطن يرزق الإنسان العصمة في أحواله والتوفيق في
٤٨
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
جميع أموره فهو فيما يوفق فيه موفق، وفيما يخذل فيه مخذول في الوقت الواحد كالذاكر لله
بقلبه ولسانه وهو يضرب بيده في تلك الحالة من يأثم بضربه، ومن حرم عليه ضربه فلا يقدح
ذلك في ذكره كما لا يرفع ذلك الذكر إثمه أو حكم أنه أتى حراماً فإن الذكر لا يحلله، ولهذا
عندنا تصح الصلاة في الدار المغصوبة فهو مأثوم من وجه مأجور من وجه.
فصل بل وصل في الطهارة من النجاسة في الصلاة: فمن قائل: إنها من فروض الصلاة
وأنها لا تصحّ إلاَّ بإزالتها. ومن قائل: إنها سنّة وقد مضى الكلام فيها في الطهارة. ومن
قائل: إن إزالة النجاسة فرض على الإطلاق، ومن هذا مذهبه لا يلزم منه أن يقول إن إزالتها
شرط في صحة الصلاة بل يكون مصلياً صحيح الصلاة وعاصياً من حمله النجاسة في الصلاة.
اعتبار ذلك في النفس: النجاسة عند من يرى إزالتها فرضاً تقتضي البعد عن الله والصلاة
تقضي بالقرب للمناجاة، فمن غلب القرب على البعد أزال حكمها، ومن غلب البعد على
القرب لم تصحّ عنده الصلاة، والأولى أن يقال: إن العبد متنوّع الأحوال وأنه بكلّه لله، وأنه
بما كان منه الله فإن الله ﴿لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [سورة النساء: الآية ٤٠] فصلاته مقبولة سواء صلَّى
بالنجاسة أو لم يصلّ، والأولى إزالتها بلا خلاف قلَّ ذلك أو كثر، ومنزلها أن الإنسان لا
يحضر مع الله في كل حال لما جبل عليه من الغفلة والضيق، فاعلم ذلك وبالله التوفيق.
فصل بل وصل في المواضع التي يصلى فيها: فمن الناس من ذهب إلى إجازة الصلاة
في كل موضع لا تكون فيه نجاسة. ومنهم من استثنى من ذلك سبعة مواضع: المزبلة،
والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، والحمام، ومعاطن الإبل، وفوق ظهر الكعبة. ومنهم
من استثنى من ذلك المقبرة، والحمام. ومنهم من استثنى المقبرة فقط. ومنهم من كره الصلاة
في هذه المواضع المنهي عنها وإن لم يبطلها .
اعتبار النفس في ذلك: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [سورة الحديد: الآية ٤]
والمصلي يناجي ربّه وقوله: ﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَابِعُونَ﴾ [سورة المعارج: الآية ٢٣] وقول عائشة
رضي الله عنها في رسول الله وَلَّ على ما علمت من أحواله: ((أَنَّهُ كَانَ وَهِ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلّ
أحيَانِهِ)) وليس للأماكن أثر في حجاب القلب عن ربّه إلاَّ لأصحاب الأحوال، وإنما الأثر في
ذلك للغفلة أو للجهل في العموم أو للحال في أصحاب الأحوال. وأمّا ذكر هذه الأماكن
المنهيّ عنها فإنها كلها تناقض الطهارة، وقد تقدّم الكلام في الطهارة من النجس واعتباره وما
بقي من هذه السبعة إلا الصلاة فوق ظهر البيت وذلك أنك مأمور بالاستقبال إليه في الصلاة
وأنت في هذه الحالة لا فيه ولا مستقبله فلم تصلّ الصلاة المشروعة فإن شطر المسجد الحرام
لا يواجهك، ومن أجاز ذلك حمل في الاعتبار الوجه على الذات، ولا شك أنك بذاتك
﴿شَظَرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٤٩] فإنك على ظهره والأرض كلها مسجد.
فصل بل وصل في البيع والكنائس: اختلف الناس في البيع والكنائس أعني في الصلاة
فيها، فكرهها قوم وأجازها قوم، وفرّق قوم بين أن تكون فيها صور أم لا تكون.
اعتبار النفس في ذلك: هل يناجي الحق شخصان من مرتبة واحدة ذلك عندنا لا يصحّ
٤٩
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
التوسّع الإلهيّ، قال تعالى: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجَأَ﴾ [سورة المائدة: الآية ٤٨] تفسيراً أو
إشارة، فإن صلينا في مثل هذه الأماكن فمن شرعنا لا من شرعهم فافهم والله الملهم.
فصل بل وصل في الصلاة على الطنافس وغير ذلك ممّا يقعد عليه: اتفق العلماء على
الصلاة على الأرض، واختلفوا في الصلاة على الطنفسة وغير ذلك ممّا يقعد عليه على
الأرض، فالجمهور على إباحة السجود على الحصير وما يشبهه ممّا تنبته الأرض والكراهة في
السجود على غير ذلك.
الاعتبار في النفس في ذلك: لما قال الحق تعالى: ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي
بنصفين)) فأثبتك في الصلاة وما نفاك، وله الوصف الأعلى الأنزه، ولك الوصف الأنزل
الأدنى، فكل نزول منك إلى أرض عبوديتك أو لوازمها فإنه قادح فيما أمرت بتعميمه فإنه
سمّاك عبداً في الصلاة والعبودة هي الذلّة، وقال تعالى في وصف الأرض أنه جعلها لنا ذلولاً
فنمشي في مناكبها فهي تحت أقدامنا، وهذا غاية الذلّة من يكون يطؤها الذليل، ولما كانت
بهذه المنزلة من الذلّة أمرنا أن نضع عليها أشرف ما عندنا في ظاهرنا وهو الوجه وأن نمرّغه في
التراب، فعل ذلك جبراً لانكسار الأرض بوطء الذليل عليها الذي هو العبد، فاجتمع بالسجود
وجه العبد ووجه الأرض فانجبر كسرها فإن الله عند المنكسرة قلوبهم، فكان العبد في ذلك
المقام بتلك الحالة أقرب إلى الله سبحانه من سائر أحوال الصلاة، لأنه سعى في حق الغير لا
في حق نفسه، وهو جبر انكسار الأرض من ذلّتها تحت وطء الذليل لها، فتنبّه لما أشرت
إليك فإن الشرع ما ترك شيئاً إلاَّ وقد أشار إليه إيماء علمه من علمه وجهله من جهله، ولهذا لم
يعلم أسرار هذه الأمور إلاَّ أهل الكشف والوجود، فإن جميع العالم يخاطبونهم ويعرفونهم
بحقائقهم، ولقد أخبرني أبو العباس الحريريّ بمصر سنة ثلاث وستمائة عن أبي عبد الله
القرياقيّ أنه كان يمشي معه في سويقة وردان وكان قد اشترى قصرية صغيرة لابن صغير كان
عنده ليبول فيها فضمهم منزل والقصرية عنده جديدة ومعهم رجال صالحون، فأرادوا أكل
شيء فطلبوا إداماً يأتدمون به فاتفق رأيهم على أن يشتروا قطارة السكر فقالوا: هذه القصرية ما
مسّها قذر وهي جديدة على حالها فملؤوها قطارة وقعدوا يأكلون إلى أن فرغوا وانصرف
الناس ومشى صاحب القصرية بها مع أبي العباس، قال أبو العباس: فوالله لقد سمعت بأذني
هذه وسمع معي الشيخ أبو عبد الله القرياقيّ القصرية وهي تقول: بعد أن أكل فيّ أولياء الله
أكون وعاء للقذر؟ والله لا كان ذلك، وانتفضت من يده وسقطت على الأرض فتكسرت، قال
أبو العباس: فأخذنا من كلامها حال، فلما قال لي ذلك قلت له: إنكم غبتم عن وجه موعظة
القصرية إياكم ليس الأمر كما زعمتم، وكم من قصرية أكل فيها من هو خير منكم وبعد ذلك
استعملت في القذر، وإنما قالت لكم: يا إخواني لا ينبغي لكم بعد أن جعل الله قلوبكم أوعية
لمعرفته وتجليه أن تجعلوها وعاء للأغيار، وما نهاكم الله أن تكون قلوبكم وعاء له ثم تكسرت
أي هكذا فكونوا مع الله، فقال لي: ما جعلنا بالنا لما نبهتنا عليه.
الفتوحات المكية ج٢ - م٤
٥٠
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
فصل بل وصل في اشتمال الصلاة على أقوال وأفعال: أمّا الشروط المشترطة في الصلاة
فمنها أقوال، ومنها أفعال. أما الأفعال: فجميع الأفعال المباحة التي ليست أفعال الصلاة إلاَّ
قتل الحية والعقرب في الصلاة فإنهم اختلفوا في ذلك واتفقوا على أن الفعل الخفيف لا يبطل
الصلاة .
الاعتبار في النفس في ذلك: عقرب الهوى وحيّة الشهوة تخطر للمناجي ربّه فهل
يقتلهما أو يصرفهما في مصرفهما الذي عيّن لهما الشارع لما علّم العارف أن قتلهما محال
فيهوى ما عند الله بهواه ويشتهي دوام مناجاته بشهوته فيرى بأن لا يقتلهما من هذا مذهبه،
ويرى قتلهما من يرى أنهما قد حالا بينه وبين مناجاته ربه. وأما الأقوال فإنها أيضاً التي ليست
من أقوال الصلاة، فلم تختلف العلماء في أنها تفسد الصلاة عمداً إلاَّ أن العلماء اختلفوا من
ذلك في موضعين: الموضع الواحد: إذا تكلم ساهياً. والموضع الآخر: إذا تكلم عامداً
الإصلاح الصلاة. ومن قائل وهو قول شاذ: إن من تكلم في الصلاة عامداً لإحياء نفس أو أمر
كبير أنه يبني على ما مضى من صلاته ولا يفسدها ذلك وهو مذهب الأوزاعيّ. ومن قائل: إن
الكلام عمداً لإصلاح الصلاة لا يفسدها. ومن قائل: إن الكلام يفسدها كيف كان إلاَّ مع
النسيان. ومن قائل: إن الكلام يفسدها مع النسيان ومع غير النسيان .
الاعتبار: المصلي يناجي ربّه فإذا ناجى غيره من أجله ما زال من مناجاة ربّه، وإذا ناجى
غيره لا من أجل ربّه فقد خرج عن صلاته، والنسيان في مناجاة الحق غير معتبر إلاَّ من غلب
من أصحابنا على المناجي مشاهدة الحجاب، فإن الله لا يناجي عبده إلاَّ من وراء حجاب كما
قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللَّهُ إِلَّا وَحْيَا أَوْ مِن وَرَآٍ حِجَابٍ﴾ [سورة الشورى: الآية ٥١]
وأقرب الحجب الصورة التي يقع فيها التجلي هذا أقرب الحجب فإنه ما هو الصورة ولا
غيرها، فمن شغلته الصورة عن نسبة ما هو الصورة أو شغله ما هو الصورة عن نسبة هو
الصورة فهو الناسي في الحالتين، فيكون حكمه في الاعتبار كحكمه في الظاهر من الخلاف
الواقع بين العلماء فافهم.
فصل بل وصلٍ في النية في الصلاة: فمن قائل: إنها شرط في صحة الصلاة، بل قد
اتفق العلماء عليها إلاَّ من شذّ.
اعتبار النفس في ذلك: قد يقصد العبد مناجاة ربّه وقد يأتيه الأمر بغتة، فإن موسى مشى
ليقبس ناراً فكلمه ربّه ولم يكن له قصد في ذلك، والأصل في العبادات كلها أنها من الله ابتداء
لا مقصودة للمكلفين إلاَّ ما شذّ من ذلك كآية الحجاب وغيرها في حق عمر بن الخطاب،
وإنما يمنع القصد في الباطن المعتبر لأن الحقيقة تعطي أن ما ثم شيء خارج عن الحق أو
تخلّى الحق عنه حتى يقصده في أمر يكون فيه بل هو في نسبة الكل إليه نسبة واحدة، فإلى أين
أقصد وهو معي حيث كنت وعلى أيّ حال كنت، فما بقي القصد جهة القربة إلى الله، وإنما
متعلق القصد حال مخصوص مع الله قصدته عن حال مخصوص مع الله خرجت منه به إليه
والأحوال مختلفة، فمن راعى اختلاف الأحوال قال بوجوب النية، وعلى هذا النحو تنوّعت
٥١
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
الشرائع وجاءت، ومن راعى الحضور ولم ينظر إلى الأحوال كان صاحب حال فلم يعرف
النية فإنه في العين قال تعالى في حق من هذا حاله من باب الإشارة لا التفسير: ﴿ فَتَنَ تَذْهَبُونَ﴾
[سورة التكوير: الآية ٢٦] ومثله: ﴿إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [سورة طه: الآية ٤٦]. انتهى الجزء
السابع والثلاثون.
(الجزء الثامن والثلاثون)
بِسْمِ الَّهِ الرَّظَنِ الرَّحَمَةِ
فصل بل وصل في نية الإمام والمأموم: اختلف علماء الشريعة في نية الإمام والمأموم
هل من شرط نية المأموم أن توافق نية الإمام في الصلاة أعني في تعيين الصلاة وفي الوجوب؟
فمن قائل: إنه يجب. ومن قائل: إنه لا يجب، ولكل قائل حجة ليس هذا موضعها .
اعتبار النفس في ذلك: الصحيح أنه لا يجب لأنه أمر غيبي، ولا يكون الائتمام إلاَّ بما
يتعلق به الحسّ من سماع أو مشاهدة، ولهذا فصل الشارع ما أجمله في الائتمام، فذكر
الأفعال المدركة بالحسّ بأي حسّ أدركها وما ذكر النية فإنها من عمل القلب فإنه تكليف ما لا
يوصل إلى معرفته، ومن علم أن الاتساع الإلهيّ يحيل أن يكرر الحق التجِّي لشخص أو
يتجلى لشخصين في صورة واحدة علم أن نية المأموم لا ترتبط بنية الإمام إلاَّ في الصلاة من
كونها ذات أفعال ولكل امرىء ما نواه، فإن القصد بالتجلي الامتنان من المتجلي على المتجلى
له، والقصد من المتجلى له العلم والالتذاذ بذلك التجلي.
فصل بل وصل في حكم الأحوال في الصلاة: اعلم أن الصلاة تشتمل على أقوال
وأفعال ويكون حكمها بحسب الأحوال، فإن جميع العبادات تنبني على الأحوال وهي
المعتبرة للشارع، فيكون الحكم يتوجه على المكلف من جهة الحال التي يكون عليها
والأسماء تابعة للأحوال، ولهذا يراعيها الشارع في الحكم على المكلف، قيل لمالك بن
أنس: ما تقول في خنزير الماء؟ فأفتى بتحريمه، فقيل له: أليس هو من سمك البحر؟ فقال
رضي الله عنه: أنتم سميتموه خنزيراً ما زادهم على ذلك. كذلك الخمر المحرم شربها إذا
تخللت زال عنها اسم الخمر لزوال الحال الذي أوجب له اسم الخمر فسمّي خلاً لحال آخر
طرأ عليه، والجوهر عين الجوهر، فانتقل الحكم من التحرّم إلى الحل، والظاهر والباطن في
هذا على السواء في الحكم فإن الاعتبار إنما هو من الشرع لمن عقل عنه .
فصل بل وصل في التكبير في الصلاة: اختلف علماء الشريعة في التكبير في الصلاة
على ثلاثة مذاهب: فمن ذاهب إلى أنه كله واجب في الصلاة. ومن ذاهب إلى أنه كله ليس
بواجب نقيض الأول. ومن ذاهب إلى أنه ليس بواجب إلاَّ تكبيرة الإحرام فقط .
اعتبار النفس في ذلك: تكبير الله واجب على كل حال، ولكن من شرطه مشاهدة
الإنسان نفسه، فإن لم يشاهد إلاَّ الله ولم ير لغير الله عيناً فلا يجب التكبير لأنه مأثم على من،
فإن الله لا يجب عليه شيء، وأن التكبير لا يعقل إلاَّ بوجود الأغيار أو تقدير وجود الأغيار،
ثم إن القائلين لا مشهود لهم إلاَّ الله شاهداً ومشهوداً وشهادة، وأعمّ من هذه الحالة في الفناء
٥٢
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
ما يكون، فإن شاهده من حيث أسمائه الإلهية الحسنى أوجب التكبير من حيث نسبها أي من
نسب بعضها لبعض، فإن الاسم الحيّ له مهيمنية على جميع الأسماء، والاسم العالم أعمّ في
التعلّقِ من الاسم المريد والقادر، فالتكبير لا بدّ منه، فإن حقائق الأسماء تطلبه لتفاضلها، وإن
نظر في الأسماء الإلهية من حيث ما تجتمع فيه وهو المسمّى بها فإنها موضوعة عن المتكلم
للدلالة على عين المسمّى، وإن كان لها حقائق في نفوسها ممّا يكون متعلقه التنزيه أو الأغيار
لم ير التكبير، ومن فرّق بين الصلاة وغيرها من العبادات رأى وجوب تكبيرة الإحرام فقط ينبّه
بها نفسه أنها ممنوعة محجور عليها التصرّف، فيما يخرجها عن هذه العبادة المختصة المسمّاة
صلاة، وقد انحصرت المذاهب في الاعتبار والحمد لله .
فصل بل وصل في لفظ التكبير في الصلاة: اختلف علماء الشريعة في صفة لفظ التكبير
في الصلاة، فمن قائل: لا يجزىء إلا لفظة الله أكبر. ومن قائل: يجزىء بغير الصيغة ولكن
فيه لا بدّ من حروف التكبير وهي الكاف والباء والراء. ومن قائل: يجوز التكبير على المعنى
كالأجل والأعظم، ومذهبنا في ذلك أن اتباع السنّة أولى فإن رسول الله وَل يقول: ((صَلُّوا
كَمَا رَأَنْتُمُونِي أُصَلّي)» وما نقل إلينا قط إلاَّ هذا اللفظ: الله أكبر تواتر ذلك عندنا.
الاعتبار في ذلك: ما عيّن الشرع لفظاً في عبادة نطقية دون غيره من الألفاظ ممّا في
معناه إلاَّ وقد أراد ما يمتاز به ذلك اللفظ من طريق المعنى عند العلماء بالله عمّا يقع فيه
الاشتراك، فالأولى بنا مراعاة الاقتداء ومراعاة المعنى الذي يقع به الامتياز علمنا ذلك المعنى
أو جهلناه، فإن علمناه فوجب أن لا نعدل عنه، وإن لم نعلمه فنأتي به على علم الذي شرّعه
فيه ولا نتحكم بسياق لفظ آخر، والله قد أمر نبيّه وَلّ بطلب الزيادة فقال له: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى
عِلْمًا﴾ [سورة طه: الآية ١١٤] والعالم إذا كان حكيماً لا يعدل إلى أمر دون غيره ممّا يقارب معناه
إلاَّ لخصوص وصف فيعتبر ذلك ولا يعدل عنه فعلاً كان أو قولاً، فإنه لا بدّ لمن يعدل عنه أن
يحرم فائدة ذلك الاختصاص ويتصف بالمخالفة بلا شك .
فصل بل وصل في التوجيه في الصلاة: فمن قائل بوجوبه، ومن قائل بعدم وجوبه،
وصورته أن يقول بعد التكبير: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ الشَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَآ أَنَأْ
مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٧٩] ﴿إِنَّ صَلَاتِ وَنُسُكِى وَيَحْيَاىَ وَمَمَانِى لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ لَا شَرِيكَ
◌َّ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْلِمِينَ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٦٢] الحديث. ومن قائل: له أن يسبح وإن لم
يقل هذا اللفظ بعينه. ومن قائل: يجمع بينهما بين التسبيح والتوجيه. وأمّا الذي أذهب إليه
فهو التوجيه في صلاة الليل في التهجّد لا في الفرائض، وأما في الفرائض فينبغي أن يقول بين
التكبير والقراءة في نفسه لا يسمع غيره إذا كبّر: اللهمّ باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين
المشرق والمغرب، اللهمّ نقّني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهمّ
اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد، هذا هو الذي اختاره وبه وردت السنّة، ومذهبنا
الوقوف عندها والعمل بها وإن لم نوجب ذلك إذ لم يوجبه الله ولكن الاتباع أولى.
الاعتبار في ذلك: عند أهل الله التوجيه في حال من حال إلى حال من الله بالله إلى الله
٥٣
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
مع الله في الله لله على الله من الله ابتداء بالله إعانة وتأييد إلى الله غاية وانتهاء مع الله صحبة
ومراقبة في الله رغبة لله قربة من أجله على الله توكلاً واعتماداً. ثم يعتبر ألفاظ ما ورد في
التوجيه، وكذلك تعتبر ما ذكرناه من الدعاء بين التكبير والقراءة والماء الحياة، فإنه جعل من
الماء كل شيء حيّ أي ممّا تحيي به قلبي بذكرك وجوارحي بطاعتك حتى لا تتصرف إلاَّ فيها،
فإنها شاهد مصدق يوم القيامة لمن تشهد عليه أو له كما ورد في القرآن العزيز من شهادة
الجوارح، واعتبر البرد من برد اليقين كبرد الأنامل الوارد في الخبر الصحيح، فحصل به من
العلم على يقين فيه فيبرد به ما يجده العبد المصطفى من حرارة الشوق إلى المراتب العلى عند
المسبّح الأعلى من العلم بالله، والثلج من ثلج القلب الذي هو سروره بما أكرمه الله به من
تجلّيه وشهوده .
فصل بل وصل في سكتات المصلي في الصلاة: وهي بعدما يكبر تكبيرة الإحرام وقبل
الشروع في القراءة هذه السكتة الأولى، وأما السكتة الثانية فعند الفراغ من قراءة الفاتحة، وأما
السكتة الثالثة فبعد الفراغ من القراءة وقبل الركوع سوى السكتات التي هي الوقوف على كل
آية ليتراذ إليه نفسه أو ليتدبّر فيما قرأ، وهذه السكتة الثالثة إنما هي لمن يقرأ قرآناً سوى الفاتحة
بعد الفاتحة، فإن اكتفى بالفاتحة فما هما إلاَّ سكتتان فاعلم .
اعتبار أهل الله في ذلك: من الناس من أنكر سكتات الإمام، ومنهم من استحبها، ولا
شك أن السكتات هي السنّة، فأما اعتبارها فالله يقول: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي
بنصفين. وقال ◌َ له: ((اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ))، فالمصلي يتأهب لمناجاة ربّه ويجعله نصب عينيه
في قبلته، وكذلك هو الأمر في نفسه لكن من غير تحديد ولا تشبيه بل كما يليق بجلاله، فإن
المصلي يواجه ربه في قبلته، كذا ورد عن الصادق صلَّى الله عليه وسلّم، والمناجاة مفاعلة،
والمفاعلة فعل فاعلين في بعض المواطن هذا منها، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين
فالله عند هذا القول من العبد سميع، فينبغي للعبد إذا فرغ من الآية أن يلقي السمع وهو شهيد
فيسكت حتى يرى ما يقول له الحق جلّ جلاله في ذلك أدباً مع الحق لا ينبغي له أن يداخله
في الكلام فإن ذلك من الأدب في المحاورات، والحق أحق أن يتأدب معه فيقول الله :
حمدني عبدي، فمن عبيد الله من يسمع ذلك القول بسمعه، فإن لم تسمعه بسمعك فاسمعه
إيماناً به فإنه أخبر بذلك، وهكذا يقول لك في كل آية بحسب ما تقتضيه تلك الآية، فمن
الأدب الإصغاء لما يقوله القائل لك من ناجيته، فإذا داخلته في كلامه أي في حال ما يكلمك
فقد أسأت الأدب، هذا عام في كل متكلم مع من يكلمه، فالأمر بين سامع ومتكلم لتحصيل
الفائدة، واعلم أنه من لا أدب له لا تتخذه الملوك جليساً ولا سميراً ولا أنيساً .
فصل بل وصل في البسملة في افتتاح القراءة في الصلاة: اختلف علماء الشريعة في
قراءة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّغَنِ الرَّحَةِ ﴾ في افتتاح القراءة في الصلاة، فمن قائل: بالمنع سرّاً
وجهراً لا في أمّ القرآن ولا في غيرها من السور وذلك في المكتوبة وأجازها في النافلة. ومن
قائل: تقرأ مع أمّ القرآن في كل ركعة سرّاً. ومن قائل: يقرأ بها ولا بدّ في الجهر جهراً وفي
٥٤
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
السرّ سرّاً، والذي أقول به أن التعوّذ بالله من الشيطان الرجيم عند افتتاح قراءة القرآن في صلاة
وفي غيرها فرض للأمر الإلهيّ الوارد في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ
الرَّحِيمِ﴾ [سورة النحل: الآية ٩٨] وقراءة البسملة في القراءة في الصلاة فرضاً كانت الصلاة أو نفلاً
في الفاتحة والسورة أولى من تركها، فإن الفرض على المصلي أن يقرأ ما تيسر من القرآن،
وقد عيّن الله الذي أراد من القرآن في الصلاة وهو الذي تيسّر فقد عرف بعدما نكر وذلك هو
الفاتحة، فإن تيسّر له قراءة البسملة قرأها، وإن لم تتيسر قراءتها في الفاتحة وغيرها فلا حرج.
وأما الفاتحة فلا بدّ منها في الصلاة، وإن لم يقرأ الفاتحة فما هي الصلاة التي قسمها الحق بينه
وبين عبده، والبسملة عندنا آية من القرآن حيثما وردت من القرآن وهي آية إلاَّ في سورة النمل
في كتاب سليمان فإنها جزء من آية ما هي آية كاملة والله أعلم.
الاعتبار عند أهل الله في ذلك: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١١٨]
﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٢١] والقرآن كلام الله. وقد ورد:
((إِذَا اسْتَطْعَمَ الإِمَامِ مَنْ خَلْفَهُ فَلْيُطْعِمْهُ)) فسمّاه طعاماً فناسب الأكل، فلهذا أتينا بآيات الأكل في
الاعتبار، ومن قرأ القرآن معتقداً أنه كلام الله فقد سمّى الله متكلماً وإن كان هذا الاسم ما ورد
فافهم فهمنا الله وإياك مواقع خطابه .
فصل بل وصل القراءة في الصلاة وما يقرأ به من القرآن فيها: من الناس من أوجب
القراءة في الصلاة وعليه الأكثر، ومن الناس من لم ير وجوب القراءة، ومن الناس من أوجبها
في بعض الصلاة ولم يوجبها في بعض، والذي أذهب إليه وجوب قراءة فاتحة الكتاب في
الصلاة وإن تركها لم تجزه صلاته. ثم اختلفوا أيضاً فيما يقرأ به من القرآن في الصلاة، فمنهم
من أوجب قراءة أمّ القرآن في الصلاة إن حفظها وبه أقول وما عداها من القرآن ما فيه توقيت،
ومن هؤلاء من أوجبها في كل ركعة، ومنهم من أوجبها في أكثر الصلاة، ومنهم من أوجبها
في نصف الصلاة، ومنهم من أوجبها في ركعة من الصلاة، ومنهم من أوجب قراءة القرآن أي
آية اتفقت، ومن هؤلاء من حدّ ثلاث آيات من قصار الآي وآية واحدة من طوال الآي كآية
الدين وهذا في الركعتين الأوليين، وأمّا في الركعتين الأخريين فاستحبّ قوم التسبيح دون
القراءة، واتفق الجمهور وهم الأكثرون على استحباب القراءة في الصلاة كلها وبه أقول.
اعتبار أهل الله في ذلك: المصلي يناجي ربه والمناجاة كلام، والقرآن كلام الله، والعبد
قاصر أن يعرف من نفسه ما ينبغي أن يكلم به ربه في وقت مناجاته التي دعاه إليها في صلاته،
فعلمه ربه كيف يناجيه وبماذا يناجيه به لما قال: ((قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ)). ثم
قال: ((يَقُولُ العَبْدُ: الحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ)) فَهَذَا إِخْبَارٌ مِنَ الحَقِّ يَتَضَمَّنُ تَعْلِيمَ العَبْدِ مَا يُنَاجِيَهُ
بِهِ، ((فَيَقُولُ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي)) الحديث. فما ذكر في حق المصلي إذا ناجاه أن يناجيه بغير
كلامه. ثم إنه تعالى عين له من كلامه أمّ القرآن إذ كان لا ينبغي أن يناجي إلاَّ بكلامه وبالجامع
من كلامه، والأمّ هي الجامعة وهي أمّ القرآن. وبعد أن علمنا كيف نناجيه سبحانه وبماذا
تناجيه؟ فالعالم العاقل الأديب مع الله إذا دخل في الصلاة أن لا يناجيه إلاَّ بقراءة أم القرآن،
٥٥
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
فكان هذا الحديث الصحيح عن رسول الله و الذي رواه عن ربه تعالى مفسّراً لما تيسر من
القرآن، وإذا ورد أمر مجمل من الشارع، ثم ذكر الشارع وجهاً خاصاً ممّا يكون تفسيراً لذلك
المجمل كان الواجب عند الأدباء من العلماء أن لا يتعدّوا في تفسير ذلك المجمل ما فسّره به
قائله وهو الله تعالى وأن يقفوا عنده، وشرع المناجاة بالكلام الإلهيّ في حال القيام في الصلاة
خاصة دون غيره من الأحوال، لوجود صفة القيومة من كون العبد قائماً في الصلاة، والله قائم
على كل نفس بما كسبت.
وهنا علم كبير في قيام العبد بكلام الرب وما له حديث إلاَّ مع ربّه بكلام ربّه ما دام
قائماً، فلمن يترجم؟ وعمن يترجم؟ ومن هو المترجم؟ وما تكسب النفس التي هو قائم
عليها؟ ومن هو العبد حتى يقول السيد جلّ جلاله يقول العبد كذا فيقول الله كذا لولا العناية
الإلهية والتفضّل الرباني. فإن قيل: قد فهمنا ما أشرت به من صفة القيام والرفع من الركوعٍ
قيام ولا قراءة فيه. قلنا: الرفع من الركوع إنما شرع للفصل بينه وبين السجود فلا يسجد إلاّ
من قيام، فلو سجد من ركوع لكان خضوعاً من خضوع، ولا يصحّ خضوع من خضوع لأنه
عين الخروج عمّا يوصف بالدخول فيه، فإن التواضع لا يكون إلاّ من رفعة، فإن المهين
النفس إذا ظهر منه التواضع فيما يرى فليس بتواضع وإنما ذلك مهانة نفس، فيكون لا خضوع
مثل عدم العدم هو عين الوجود، فلهذا فصل بين السجدتين برفع ليفصل بين السجدتين حتى
تتميز كل واحدة منهما بالفاصل الذي فصل بينهما فيعلم أن ثم أمراً آخر وإن اشتركتا في
الصورة مثل قوله: ﴿وَأَنُواْ بِهِ، مُتَشَبِهَاً﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٥] كما لا نشك في حقيقة كلمة لا إله
إلاَّ الله من حيث ما هي لا إله إلاّ الله، وقد ظهرت بالصورة في ستة وثلاثين موضعاً من
القرآن، ويعلم صاحب الذوق أن حكمها يختلف في الطعم باختلاف الموضع الذي ظهرت
فيه، فإن كنت تفهم كتشابه ركعات الصلاة في الصورة ولكل ركعة طعم ومذاق ما هو للأخرى
كانت ما كانت، ولا شكّ إذا فصّل بين المثلين بالنقيض تميزا.
ومن الآداب مع الملوك إذا حيّوا حيّوا بالانحناء وهو الركوع، أو بوضع الوجه على
الأرض وهو السجود تعظيماً لهم، وإذا توجهوا أو أثني عليهم قام المثني أو المكلم لهم بين
أيديهم لا يكلمهم جالساً ولا في غير حال من أحوال القيام، هذا هو الأدب المعروف ممّن هو
دون الملك مع الملك فكيف بمن هو عبد له لا يقبل الحرية؟
وأما القرآن فلما كان المعقول في اللسان المعروف من إطلاق هذا اللفظ الجامع
والصلاة حالة يجتمع العبد فيها على سيّده كما هي حالة أيضاً جامعة بين الله وبين عبده حيث
قسّمها الله بينه وبين عبده في الصلاة وقعت المناسبة بين القرآن وبين الصلاة فلم ينبغ أن يقرأ
فيها بغير القرآن، ولما كان القيام يشبه الألف من الحروف الرقمية وهو أصل الحروف اللفظية
وعنه ظهرت جميع الحروف بانقطاعه في مخارجها من الصدر إلى الشفتين فهو الجامع الأعيان
الحروف، وأعيان الحروف مراتبه ومنازله في خروجه وسفره من القلب الذي هو عالم الغيب
إلى الشهادة كان القيام جامعاً لأنواع الهيئات وأصولها من ركوع وسجود وجلوس، وإن كان
٥٦
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
الجلوس له من وجه شبه بالقيام لأنه نصف قيام، فكانت قراءة القرآن من كونها جمعاً في القيام
أولى، فإن القيام هو الحركة المستقيمة، والاستقامة هي المطلوبة من الله أن يوفق لها العبد،
فالعبد يقول: اهدنا الصراط المستقيم لكون الله تعالى قال له: ﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [سورة هود:
الآية ١١٢] فتعين بما ذكرناه في مجموعه وجوب قراءة أمّ القرآن في الصلاة في ركعة إذ كانت
أقل ما ينطلق عليه اسم صلاة شرعاً وهي الوتر، وقد أوتر رسول الله وَله بواحدة أو ترجيحها
على غيرها من آي القرآن، وإذا كان المتعين على المصلي في القيام قراءة أمّ القرآن إما
بالوجوب وإما بالأولوية فلنبين في ذلك صورة قراءة العلماء بالله لها في مناجاتهم في الصلاة.
وصل في وصف هذه الحال: اعلم أن المصلي لما كان ثانياً كما قرّرناه في الاشتقاق،
وأن كونه ثانياً ليس بأمر حقيقيّ وإنما كان ذلك بالإضافة إلى شهادة التوحيد في الإيمان فتلك
تثنية الإيمان أي ظهوره في موطنين: في موطن الشهادة وموطن الصلاة كما نثلثه مع الزكاة فما
زاد ولهذا ذكر الله الزيادة في الإيمان فقال: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [سورة التوبة: الآية ١٢٤] وهو عين
واحدة، والكثرة إنما هي في ظهوره في المواطن كالواحد المظهر للأعداد المكثر لها وهو في
نفسه لا يتكثر، ألا تراه إذا خلت مرتبة عنه لم يبق لتلك المرتبة حكم ولا عين؟ وفي معنى هذا
يقول الله فيمن قال: ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًاٌ أُوْلَكَ
هُمُ الْكَفِرُونَ حَقًّا﴾ [سورة النساء: الآية ١٥٠] فنفى عنهم الإيمان كله إذ نفوه من مرتبة واحدة، فهم
أولى باسم الكفر الذي هو الستر، فإن الكافر الأصلي هو الذي استتر عنه الحق، وهذا عرف
الإيمان وستره فإنه قال: ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ﴾ فهو أولى باسم الكفر من الذي لم يعرفه.
ولما لم تكن أوّلية الحق تقبل الثاني قال الله: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي، فذكر
نفسه وذكر العبد، وما ذكر الأوّلية هنا لا له ولا لعبده، بل ذكر البين له بالضمير ولعبده
بالصريح، وهو الحد الذي ينبغي أن يتميز به العبد من ربه، إلاّ أنه تعالى قدّم نفسه في البينية
فقال: بيني. ثم أخّر عن هذا التقدم بينية عبده فقال: وبين عبدي، فأضافه إليه تعالى ليعرفه أنه
عبد له لا لهواه، فإنه القائل: ﴿أَرَدَيْتَ مَنِ اَّخَذَ إِلَاهَهُ, هَوَئُهُ﴾ [سورة الفرقان: الآية ٤٣] فكان عنده
عبداً لهواه، وهو في نفس الأمر عبد ربه سبحانه، فالعبد ما له إرادة مع سيده بل هو بحكم ما
يراد به، فالحق سبحانه هو الواجب الوجود لذاته، والعبد هو الذي منه استفاد الوجود فإن
أصله العدم، فالحق يعطيه التقدّم في هذه المرتبة إذ البينية لا تعقل إلاَّ بين أمرين، والأمران
هنا : الرب والعبد.
ثم إن الحق جعل في مقابلة تقديم نفسه من قوله (بيني) تقديم العبد في القول على قول
الحق فقال سبحانه: يقول العبد: الحمد لله رب العالمين، فقدم قول العبد ثم قال: فيقول
الله، فجاء بقوله بعد قول العبد، وذلك ليتبين لنا أن له الأمر من قبل في قوله بيني، فقدّم ومن
بعد في قوله: فيقول الله فهو الأول الآخر، فأثبت للعبد الأولية في القول ليعلم أن الأولية
الإلهية في قوله بيني لا تقتضي قبول الثاني، فهذا الذي قد تخيّل أنه ثان قد رجع أولاً في
القول في المناجاة، فعرّفناك أن المقصود التعريف بالمراتب لا التركيب المولد فإنه لم يلد
٥٧
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
سبحانه في قوله: وبين عبدي، ولم يولد في قوله: فيقول الله حمدني عبدي، ولو أن العقل
يدركه حقيقة بنظره ودليله ويعرف ذاته لكان مولداً عن عقله بنظره، فلم يولد سبحانه للعقول
كما لم يولد في الوجود، ولم يلد بإيجاده الخلق لأن وجود الخلق لا مناسبة بينه وبين وجود
الحق، والمناسبة تعقل بين الوالد والولد، إذ كل مقدمة لا تنتج غير مناسبها ولا مناسبة بين الله
وبين خلقه إلاَّ افتقار الخلق إليه في إيجادهم وهو الغني عن العالمين.
فكما ثبت أن أولية الحق لا تقبل الثاني كذلك أولية العبد في القول لا يكون الحق ثانياً
لها، إذ ليست بأولية عدد إذ كان الذي في مقابلة العبد هو الحق فإنه الذي يناجيه وما تعرض
لذكر الغير، فمن كان في صلاته يشهد الغير معرى عن شهود الحق فيه أو شهوده في الحق أو
شهود صدوره عن الحق وهو قول أبي بكر الصديق: ما رأيت شيئاً إلاَّ رأيت الله قبله، فما هو
بمصلّ من ليست حالته ما ذكرناه من أنواع المشاهدة، وإذا لم يكن مصلياً لم يكن مناجياً،
والحق لا يناجى بالألفاظ في هذه الحالة وإنما يناجى بالحضور معه، فيكون القائل: الحمد لله
رب العالمين إذا لم يكن حاضراً مع الله لسان العبد لا عينه وحقيقته، فيقول الحق عند ذلك:
حمدني لسان عبدي لا عبدي المفروضة عليه مناجاتي، وإذا حضر القائل في قوله: يقول الله :
حمدني عبدي جبر له ما مضى بفضل الله، فإن العبد إذا حضر تضمن حضوره حضور اللسان
وسائر الجوارح لأن العين تجمعهم، وإذا لم يحضر عينه لم تقم عنه جارحة من جوارحه ولا
عن غير نفسها .
ولما تقدم نداء الحق عبده في الإقامة حيّ على الصلاة لهذا ابتدأ العبد بتكبيرة الإحرام،
فإن بقي على إحرامه إلى آخر صلاته وصدق في أنه أحرم ووفى وفى الله له فإنه قال: ﴿لِيَجْزِىَ
اللَّهُ الصَّدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٢٤] وقال: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىّ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [سورة البقرة:
الآية ٤٠] فإنه لا مكره له، وإن لم يف العبد في صلاته بإحرامه وأحضر أهله أو دكانه وما كان
من أغراضه معه فأمره إلى الله يفعل معه ما يقتضيه علمه فيه فقال العبد اقتداء في تكبيرة
الإحرام: الله أكبر لما خصّص حالاً من الأحوال سمّاها صلاة قال: الله أكبر أن يقيد ربي حال
من الأحوال بل هو في كل الأحوال لا بل هو كل الأحوال، بل الأحوال كلها بيده لم يخرج
عنه حال من الأحوال، فكبّره عن مثل هذا الحكم الوهم لا لحكم العقل، فإن للوهم حكماً
في الإنسان كما للعقل حكماً فيه، وجعلها تكبيرة إحرام أي تكبيرة منع يقول: تكبير لا يشاركه
في مثل هذا الكبرياء كون من الأكوان، وعلى الحقيقة التي أخبرنا بها كيف يشاركه من هو عينه
إذ قال له إنه سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله فالشيء لا يشارك نفسه فإنه ما ثم إلاَّ واحد فهو
المكبر والكبير وهو الكبرياء ليس غيره يتعالى ويتنزه ويتقدّس أن يكون متكبّراً بكبرياء ما هو
عينه، فإذا قام العارف بين يدي الله بهذه الصفة ولم ير في وقوفه ولا في تكبيره غير ربّه
وأصغى إلى نداء ربّه إذ قال له: حيّ على الصلاة في الإقامة أي أقبل على مناجاتي وقد قال
له: ﴿وَثَابَكَ فَطَّهِرْ﴾ [سورة المدثر: الآية ٤] فإن المصلي في هذا المقام يخلع على الحق حلل الثناء
يطلب بذلك البركة فيها، فإنه قد علم أن الله يرد عليه عمله كما يقول الشخص عندنا لأهل
٥٨
في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
الدين: البس لي هذا الثوب على طريق البركة ثم يخلعه اللابس عليه، يقول الحق لما ذكرناه
أثنى علي عبدي أي خلع علي حلل الثناء، والحق سبحانه على الحقيقة المثني على نفسه
بلسان عبده، كما أخبرنا أنه قال على لسان عبده: سمع الله لمن حمده، فانظر ما أشرف مرتبة
المصلي كيف وصفه الحق بأنه يخلع حلل الثناء على سيّده، وأين المصلي الذي تكون هذه
حالته؟ هيهات بل الناس استنابوا ألسنتهم لسوء أدبهم وعدم علمهم بمن دعاهم وبما دعوا له
من طلب الثناء فلم يجيبوا إلاّ بظواهرهم وراحوا بقلوبهم إلى أغراضهم، فهم المصلون
الساهون في صلاتهم لا عن صلاتهم للحالة الظاهرة من الإجابة لندائه، ولكونهم أقاموا
ظواهرهم نواباً عنهم بين يدي القبلة عن أمر الله، فلما دعاهم الحق إلى هذا المقام وجاء العالم
بالله وكبّر تكبيرة الإحرام كما ذكرناه ولم ير نفسه أهلاً لمناجاة ربّه إلاّ بعد تجديد طهارة لقوله:
﴿وَثِيَكَ فَطَهِّرْ﴾ والثوب في الاعتبار القلب، قال العربي: فسلي ثيابي من ثيابك تنسل. وقيل
في تفسير قوله : ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِرْ﴾ أنه أمر بتقصير ثيابه، يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه
في هذا المعنى : [المجتث]
أَنْقَى وأبْقَى وأتْقَى
تقصيرُك الثوبَ حَقًّا
ولا شك أن العبد فرض عليه رؤية تقصيره في طاعة ربه فإنه يقصر بذاته عمّا يجب
لجلال ربّه من التعظيم، فهو تنبيه إلهيّ على أن يطهر العبد قلبه، إذ كان ثوب ربّه الذي وسعه
في قوله: ((وسعني قلب عبدي)) فمثل هذا الثوب هو المأمور بتطهيره في هذا المقام. ثم إن
العارف رأى أن طهر قلبه لمناجاة ربّه إذا طهره بنفسه لا بربّه زاده دنساً إلى دنسه، كمن يزيل
النجاسة من ثوبه ببوله لكونه مائعاً، وأن التطهير المطلوب هنا إنما هو البراء من نفسه ورد
الأمر كله إلى الله فإن الله يقول: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّمُ فَأَعْبُدْهُ﴾ [سورة هود: الآية ١٢٣] ولهذا لا
يصحَ عندنا أن يناجيه في الصلاة بغير كلامه لأنه لا يليق أن يكون في الصلاة شيء من كلام
الناس، وكذا ورد في الخبر: ((إِنَّ الصَّلاةَ لاَ يَصِحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلاَمَ النَّاسِ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ)»
الحديث. ثم أيّد هذا القول بما أمر به حين نزل قوله تعالى: ﴿فَّسَبِّحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾
[سورة الواقعة: الآية ٧٤] قال {وَلَّ لنا: ((اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ)) ولما نزلت: ﴿سَيِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى﴾
[سورة الأعلى: الآية ١] قال رَّ لنا: (اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ)). فعمنا القرآن في أحوالنا من قيام
وركوع وسجود.
فما ذكره المصلي في شيء من صلاته إلاّ بما شرّعه له على لسان رسول الله وله وعرفنا
أنه ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْمَوَ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحِىٌ يُوحَى﴾ [سورة النجم: الآية ٣ - ٤] وإن لم نسم كل كلام إلهيّ
قرآناً مع علمنا أنه كلام الله، فالقرآن كلام الله، وما كل كلام الله قرآن، فالكل كلامه، فلا
نتاجيه في شيء من الصلاة إلاّ بكلامه، كذلك التطهير الذي أمر به سبحانه في قوله: ﴿وَثِيَكَ
فَطَّفِرْ﴾ فيقول العارف في صلاته بين تكبيرة الإحرام وقراءة فاتحة الكتاب امتثالاً لهذا الأمر:
اللهم باعد بيني وبين خطاياي - وهي النجاسات المتعلقة بثوبه - كما باعدت بين المشرق
والمغرب، والسبب في ذلك أن العبد العالم إذا دعاه الحق إلى مناجاته فقد خصّه بمحل القربة
٥٩
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
منه، فإذا أشهده خطاياه في موطن القرب وهي في ذاتها في كل البعد من تلك المكانة كان
العبد في محل البعد عمّا طلب الحق منه من القرب، فدعا الله قبل الشروع في المناجاة أن
يحول بينه وبين مشاهدة خطاياه أن تظهر له في قلبه في هذا الموطن الذي هو موطن القربة،
ولذلك قال بعضهم في حد التوبة: إن تنسى ذنبك فإن ذكر الجفا في موطن الصفا جفا، وما
رأيت فيمن رأيت أحداً تحقّق بهذا المقام ذوقاً إلاَّ بعض الملوك في مقامه مع الخلق، فلا يريد
أن يظهر له شيء من خطاياه بتخيّل أو تذكّر كما باعدت بين المشرق والمغرب، وفي هذا
التشبيه علم عزيز غزير، ولكنه أراد هنا البعد بين الضدين، إذ كان الضدان لا يجتمعان،
والعلم الذي نبهنا عليه مبطون في هذين الضدين إذ يجتمعان في حكم ما كالبياض والسواد
يجتمعان في اللون كالمحدث وغير المحدث في الوصف بالوجوب، فالمشرق وإن بعد عن
المغرب حسّاً فإنه يشاهد كل واحد صاحبه على التقابل، وهو بُعد حسّي بالموضعين، وبُعد
معنوي بالشروق والغروب، فإن الغروب يضاد الشروق، ومحل الشروق الذي هو المشرق
بعيد جداً من محل الغروب الذي هو المغرب، ولم يقل: كما باعدت بين السواد والبياض
فإن اللونية تجمع بينهما، فانظر ما أحكم هذا التعليم وما أحقّه وأذقه، وتأذب مع الله حيث
طلب البعد من خطاياه وما طلب إسقاطها عنه حتى لا يكون في ذلك الموطن في حظ نفسه
يسعى ويطلب فيكون بمنزلة من وجه الملك فيه ليدخل عليه، فلما دخل عليه طلب منه ابتداء
ما يصلح لنفسه فهذا سيىء الأدب، وإنما ينبغي له أن يطلب من الحق ما يليق ممّا تطلبه تلك
الحالة من التأهب لمناجاة سيده، فطلب البعد من الخطايا ما طلب الإسقاط .
وصل فيه ومنه: ثم قال: اللهم نقّني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس؛
وذلك لما قال له عزّ وجلّ: ﴿وَثَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [سورة المدثر: الآية ٤] فجاء في دعائه بلفظ الثوب
إعلاماً للحق لقوله: حتى تعلم، وهذا غاية الأدب حيث يترك علمه لإيمانه، أي ما دعوتك إلاَّ
بما أمرتني به أن أفعله من تطهير الثوب لمناجاتك، فلتكن أنت يا رب المتولي لذلك التطهير
فإنه لا حول لي ولا قوّة إلاَّ بك، وكل وصف لا يليق بجلالك فهو خطية من تخطيت وهو أن
يتجاوز العبد حدّه فيخطو في غير محله ويجول في غير ميدانه فهو كالماشي في الأرض
المغصوبة، فإذا خطأ العبد في غير ما أمره به سيّده سمّي مخطئاً وخاطئاً وسمّيت تلك الفعلة
والحركة خطيئة، فالعبد عبد والرب رب.
وصل لبقية الدعاء: ثم يقول: اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد؛ أي تولّ
أنت سبحانك غسل خطاياي، فأضاف الغسل إليه يقول: فإنك قد شرعت لي أن أقول: لا
حول ولا قوّة إلاَّ بالله، وشرعت لي أن أقول إذا قلت: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أقول: ﴿وَإِيَّاكَ
نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة: الآية ٥] أي على عبادتك، فإن لم تتولني بقوّتك ومعونتك فيما أمرتني
به من تطهير ذاتي لمناجاتك فكيف أناجيك في حالة جعلتها دنساً وأنت القائل: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ
اَلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيٍ ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٣٠] فاغسل خطاياي بالماء أي أحي قلبي بأن تبدّل سيئاته
حسنات بالتوبة والعمل الصالح، فهذه الحياة هنا على هذا الحال بورود الماء على النجاسة
٦٠
في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها
والدنس تطهير أي ما كان دنساً صار نقياً، وما كان نجساً صار طاهراً، فإن دنسه ونجاسته لم تكن
لذاته، وإنما كان بحكم شرعي انفرد به هذا الموطن، فلما اجتمع بالماء لورود الماء عليه كان
للاجتماع حكم آخر سمّى به نقاء وطهارة، فعاد القبيح حسناً والسيئة حسنة، فمثل هذا الفعل هو
المطلوب لا إزالة العين بل إزالة الحكم فإن العين موجودة في الجمع بينها وبين الماء .
وقوله: (والثلج) يقال في الرجل إذا سرّ قلبه بأمر ما: ثلج فؤاد الرجل أي هو في أمر
يسرّ به فيقول: يا رب إنك إذا فعلت مثل هذا الغسل سرّ قلبي حيث تطهر لما يرضيك بما
يرضيك فينقلب غمّه سروراً. وقوله: والبرد هو ما ينطفي من جمرة الاحتراق الذي قام بالقلب
من كونه حين دعاه ربّه لمناجاته على حالة لا يصلح أن يقف بها بين يدي ربّه فيحب ما يطفي
تلك النار فجاء بلفظ البرد من البرد، وفي رواية: بالماء البارد فهو المستعمل في كلام العرب،
كذا رويناه عنهم، قال شاعرهم: [الطويل]
سَتُبْرِدُ أكباداً وتبكي بَوَاكِيَا
وعطّلْ قَلُوصي في الرِّكابِ فإنها
يقول: إن من الناس من كان في نفسه من حياتي حرقة ونار حسداً وعداوة إذا رأوا
قلوصي معطلة عرفوا بموتي، فبرد عنهم ما كانوا يجدونه بحياتي من النار، وأبكت أوليائي
الذين كانوا يحبون حياتي، فانتقلت صفات هؤلاء إلى هؤلاء، وهؤلاء إلى هؤلاء، كما انتقل
ذلّ الأولياء وتعبهم ونصبهم ومكابدتهم وكدّهم في الدنيا في طاعة ربهم إلى الأشقياء من
الجبابرة في النار، وانتقل سرور الجبابرة وراحة أهل الثروة في الدنيا إلى أهل السعادة أهل
الجنة في الآخرة، فالذي ذكر هذا الشاعر في شعره هي حالة كل موجود، إذ كل موجود لا بدّ
له من عدو ووليّ، قال تعالى: ﴿لَا تَّخِذُواْ عَدُوِى وَعَدُؤَّكُمْ﴾ [سورة الممتحنة: الآية ١] فجعلهم أعداء
له، كما قال في جزائه إياهم: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾ [سورة فصلت: الآية ٢٨] فإذا كان لله أعداء
فكيف بأجناس العالم؟ وكذلك الولاية لله أولياء ولكل موجود، فالعالم بالله المشغول به من
يقول: ما ثم إلاَّ الله وأنا فيفنى الكل في جناب الحق وهو الأولى وهو الوليّ حقاً إذ كانت هذه
الحالة سارية حقاً وخلقاً، فإن الله عدو للكافرين كما هو وليّ للمؤمنين فهم عبيده أعداؤه
فكيف حال عبيده بعضهم مع بعض بما فيهم من التنافس والتحاسد؟ فإذا سأل العارف من الله
هذا التطهير بعد تكبيرة الإحرام عند ذلك يشرع في التوجيه .
وصل متمّم لأكمل صلاة في التوجيه: وإنما ذكرنا هذا لأن العالم بالله يعمد إلى أكمل
الصلوات عند الله في حالاتها من أقوال وأفعال وإن لم يكن بطريق الوجوب، ولكن أولياء الله
أولى بصورة الكمال في العبادات لأنهم يناجون من له الكمال المحقّق بما يجب له، فإن ذلك
واجب عليهم أوجبته معرفتهم وشهودهم ابتداء التوجيه فيقول العبد: وجهت وجهي فأضاف
العبد الوجه إلى نفسه عن شرع أبدله فيه أدباً مع الله بحضوره مع الحق في أنه لسانه الذي
يتكلم به ودعاه إلى هذه الإضافة قوله تعالى: بيني وبين عبدي فأثبته، وإنما هو بالحقيقة
مضاف إلى سيده، فإن العبد الأديب العارف هو وجه سيده، إذ لا ينبغي أن يضاف إلى العبد
شيء فهو المضاف ولا يضاف إليه، فإذا أضاف السيد نفسه إليه فهو على جهة التشريف