النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها قائل: أوّل الوقت أفضل للمنفرد والجماعات إلاَّ في شدّة الحرّ. ومن قائل: أوّل الوقت أفضل بإطلاق في انفراد وجماعة وحرّ وبرد، ولكل قائل استدلال ليس هذا موضعه اعتباره الاستواء هو وقوف العبد المربوب في محل النظر من غير ترجيح فيما يعمل أي بأي نية يقصد العبادة هل يعتبر بذلك أداء ما يلزمه من حق العبودية وكونه مربوباً؟ أو يعتبر ما يلزمه بذلك من أداء حق سيده وربه؟ فهو في حال الاستواء من غير ترجيح، فإذا زالت الشمس ترجح عند ذلك الزوال عنده أن يعبده لما تستحقه الربوبية على العبودية من الإنعام على هذا العبد من وقت الطلوع إلى وقت الاستواء فيعبده شكراً لهذه النعمة، وإن نظر إلى زوالها بعين المفارقة لطلب الغروب عنه وإسدال الحجاب دونه عبده ذلّة وفقراً وانكساراً وطلباً للمشاهدة، فلا يزال يرقبها إلى الغروب، ومن الغروب يرقب آثارها بصلاة المغرب، والتنفّل بعدها إلى مغيب الشفق فيغيب أثرها فيبقى في ظلمة الليل سائلاً باكياً متضرّعاً يراعي نجوم الليل لاستنارتها بنور الشمس ويسأل ويتضرّع إلى طلوع الفجر فيرى آثار المجيء وقبول دعائه فيعبده شكراً على ذلك وهو يشاهد آثار القبول فيؤدّي فرض الصبح، ولا يزال مراقباً بالذكر إلى أن تنجلي طالعة فإذا ابيضت وزال عنها التغيّر الذي يحول بين البصر وبين بياضها من حجب أبخرة الأرض وهي الأنفاس الطبيعية قام إجلالاً على قدم الشكر إلى حد الاستواء، فلا يزال في عبادة الفرح والشكر إلى أن تزول فيرجع إلى عبادة الصبر والإفتقار وتوقّع المفارقة ما دام حياً فهو بين عبادتين، وذلك أنه لما سمع الرسول وَ ل يقول: (تَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ)» فاعتبر ذلك في عبادته في صلواته المفروضة والتطوّع شكراً وفقراً بين نعمة وبلاء وشدّة ورخاء، فإن المؤمن من استوى خوفه ورجاؤه فهو يدعو به خوفاً من حد الزوال إلى الغروب الشفقي وطمعاً بقية ليلته إلى طلوع الفجر إلى طلوع الشمس إلى حدّ الاستواء طمعاً أن لا يكون حجاب بعد ذلك، هكذا هي عبادات العارفين فافهم. فأما آخر الوقت الموسع فهو آخر أحكام الاسم الإلهي المخصوص بذلك الوقت وهو الاسم الظاهر، كما أن أول الزوال حكم الاسم الإلهي الأول في الظهور الخاص بالعبادة المشروعة إلى أن يكون ظل كل شيء مثله وهو آخر الوقت، كذلك حكم الاسم الإلهيّ إذا قام به هذا العبد في عبادته الخاصة به في هذا الوقت واستوفاه بحيث أن يكون إذا قابله به كان مثله أي لم يبق في الاسم الإلهي حكم يختص به بهذا الوقت إلاَّ وأثره ظاهر في هذا العبد، فقد انقضى حكم هذا الاسم الإلهي في هذا العبد، فخرج وقت الظهر ودخل وقت العصر وهو حكم اسم آخر بين الاسمين فرقان متوهم لا ينقسم معقول غير موجود وهو برزخ بينهما، قال رسول الله ◌َّ في الحديث الثابت عنه: ((لاَ يَخْرُجُ وَقْتُ صَلاَةٍ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الأُخْرَى)) . يعني في الأربع الصلوات لدليل آخر، فإنه إذا خرج وقت الصبح لم يدخل وقت الظهر حتى تزول الشمس بخلاف الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح فاعلم ذلك، فإن اليوم أربع وعشرون ساعة وهو أربعة أرباع كل ربع ست ساعات، فمن طلوع الشمس إلى الظهر ربع اليوم ست ساعات وليس بمحل لصلاة مفروضة بحكم التعيين، وإنما قلنا بحكم التعيين من ٢٢ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها أجل الناسي والنائم، فإن الوقت ما عين إيقاع الصلاة في ذلك الوقت وإنما عينه للناسي تذكره وللنائم تيقظه شرعاً، فسواء كان في ذلك الوقت أو في غيره، فلهذا حررنا القول في ذلك وقلنا بحكم التعيين، فإن مذهبي في كل ما أورده أني لا أقصد لفظة بعينها دون غيرها ممّا يدل على معناها إلاَّ لمعنى، ولا أزيد حرفاً إلاَّ لمعنى، فما في كلامي بالنظر إلى قصدي حشو، وإن تخيّله الناظر فالغلط عنده في قصدي لا عندي، وكان من زوال الشمس إلى طلوعها من اليوم الثاني وقتاً مستصحباً لصلوات معينة مفروضة فيها متى وقعت وقعت في وقتها المعين لها . كذلك الإنسان مقسم على أربعة أرباع الثلاثة الأرباع منه متعبدة لله بأعمال مخصوصة كالثلاثة الأرباع من اليوم، فأرباع الإنسان ظاهره وباطنه الذي هو قلبه ولطيفته التي هي روحه المخاطب منه وطبيعته، فظاهره وقلبه وروحه لا ينفك عن عبادة أصلاً تتعلق به، فإما أن يطيع وإما أن يعصي، والربع الواحد طبيعته وهو مثلٍ زمان طلوع الشمس إلى الزوال من اليوم فهو يتصرف بطبعه مباحاً له ذلك لا حرج عليه إلاَّ إن شاء أن يلحقها بسائر أرباعه في العبادات، فيعمل المباح له عمله من كونه مباحاً شرعاً ويحضر مع الإيمان به كالمصلي من طلوع الشمس وإضاءتها إلى أول الزوال أعني الاستواء فلا يمنع من ذلك وهو ليس بوقت وجوب لشيء من الصلوات الخمس معين فافهم . وأما اعتبار الوقت المرغب فيه على ما ذكرناه من الاختلاف، واتفق الكل على الأولية أو الأكثر واختلفوا في الأحوال، فاعلم أن الأول أفضل الأشياء وأعلاها لأنه لا يكون عن شيء بل تكون الأشياء عنه، فلو كان عن شيء لم تصحّ له الأولية على الإطلاق، فكذلك العبد يسعى في أن يعبد ربه من حيث أولية ربّه لا من حيث أولية عينه فإن أولية عينه عن أوليات كثيرة قبله وأعني بذلك الأسباب، فهو سبحانه السبب الأول الذي لا سبب لأوليته، فإذا عبده العارف في تلك الأولية المنزّهة عن أن يتقدمها أولية انسحبت عبادة هذا العارف من هناك على عبادة كل مخلوق خلقه الله من أول المخلوقات إلى حين وجوده وهي الأولية المؤثرة في إيجاد الكائنات، فقد عبده في الوقت المرغب فيه سواء عبده بصفة خاصة من أعضائه المكلفة كصلاة الفذ المنفرد، أو عبده بجميع أعضائه كصلاة الجماعة، أو في زمان الحرّ أي في شدة خوفه ومجاهدته وحرقة اشتياقه ووجده وولهه وكلفه، أو في برد أي في حال علمه وثلج يفينه وبرده على أي حالة كان فالأولية أفضل له فإن الله يقول آمراً سارعوا و ﴿سَابِقُواْ﴾ [سورة الحديد: الآية ٢١] وأثنى على من هذه حالته فقال: ﴿أُوْلَكَ يُسَرِعُونَ فِ اٌلََّْتِ وَهُمْ لَا سَبِقُونَ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ٦١] فالمبادرة إلى أول الأوقات في العبادات هو الأحوط والمطلوب من العباد في حال التكليف. ولهذا الاحتراز والاحتياط يحمل الأمر الإلهي إذا ورد معرى عن قرائن الأحوال التي يفهم منها الندب أو الإباحة على الوجوب، ويحمل النهي كذلك على الحظر إذا تعرى عن قرينة حال تعطيك الكراهة. ولا تتوقف عن حمل الأمر والنهي على ما قلناه إلاَّ بقرينة حال تخرجهما عن حكم ٢٣ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها الوجوب في الأمر وحكم الحظر في النهي، فقد بان لك يا أخي اعتبار الأوقات مطلقاً واعتبار الوقت المرغب فيه بعد أن عرفناك بمذاهب علماء الشريعة فيه للجمع بين العبادتين الظاهرة في حسّك والباطنة في عقلك فنكون من أهل الجمع والوجود، فإنك إذا طلبت الطريق إلى الله من حيث ما شرّعه الله كان الحق الذي هو المشرع غايتك، وإذا طلبته من حيث ما تعطيه نفسك من الصفاء والالتحاق بعالمها من التنزه عن الحكم الطبيعي عليها كان غايتها الالتحاق بعالم الروحاني خاصة، ومن هناك تنشأ لها شرايع الأرواح تسلك عليها وبها حتى يكون الحق غايتها، هذا إن فسح الله له في الأجل وإن مات فلن يدرك ذلك أبداً، وقد أفردنا لهذه الطريقة خلوة مطلقة غير مقيدة في جزء يعمل عليها المؤمن فيزيد إيماناً ويعمل بها وعليها غير المؤمن من كافر ومعطل ومشرك ومنافق، فإذا وفى العمل عليها وبها كما شرطناه وقررناه فإنه يحصل له العلم بما هو الأمر عليه في نفسه ويكون ذلك سبب إيمانه بوجود الله إن كان معطلاً، وبتوحيد الله إن كان مشركاً، وبحصول إيمانه إن كان كافراً، وبإخلاصه إن كان منافقاً أو مرتاباً، فمن دخل تلك الخلوة وعمل بتلك الشرائط كما قررنا أثمرت له ما ذكرنا، وما سبقني إليها أحد في علمي إِلاَّ إن كان وما وصل إليّ فإن الله لا تحجير عليه ﴿يُؤْتِ الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٦٩] فإني أعلم أن أحداً من أهل الطريق ما يجهلها إن كان صاحب كشف تام، ولكن ما ذكروها ولا رأيت أحداً منهم نبّه عليها إلاَّ الخلوات المقيدة، ولولا ما سألني فيها أخونا وولينا أبو العباس أحمد بن علي بن ميمون بن آب التوزري ثم المصري المعروف بالقسطلاني المجاور الآن بمكة ما خطر لنا الإبانة عنها، فربما اتفق لمن تقدمنا مثل هذا فلم ينبهوا عليها لعدم السائل. فصل بل وصل في وقت صلاة العصر: اختلف علماء الشريعة في أول وقتها مع آخر وقت صلاة الظهر وفي آخر وقت صلاة العصر، فمن قائل: إن أول وقت العصر هو بعينه آخر وقت الظهر وهو إذا صار ظل كل شيء مثله، واختلف القائلون بهذا القول، فمن قائل : إن ذلك الوقت مشترك للصلاتين معاً ومقداره أن يصلي فيه أربع ركعات إن كان مقيماً أو ركعتين إن كان مقصراً. ومن قائل: آخر وقت الظهر هو الآن الذي هو أول وقت العصر وهو زمان لا ينقسم، جاء الحديث الثابت في إمامة جبريل عليه السلام بالنبي ◌ََّ: «أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ فِي اليَوْمِ الثَّانِي فِي الوَقْتِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ العَصْرَ فِي الْيَوْمِ الأَوَّلِ)) وفي الحديث الثابت الآخر: أَنَّ رَسُوَلَ اللَّهِ وَ قَالَ: ((آخِرُ وَقْتِ الظّهْرِ مَا لَمْ يَدْخُلَ وَقْتُ العَصْرِ)) وحديث آخر ثابت: ((لاَ يَخْرُجُ وَقْتُ صَلاَةٍ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ صَلاَةٍ أُخْرَى)). فالحديث الأول يعطي الاشتراك في الوقت، والحديثان الآخران يعطي الزمان الذي لا ينقسم فيرفع الاشتراك، والقول هنا أقوى من الفعل لأن الفعل يعسر الوقوف على تحقيق الوقت به وهو من قول الصاحب على ما أعطاه نظره، وقول النبي # يخالف ما قال الصاحب وحكم به على فعل صلاة جبريل عليه السلام بالنبي مع، فيكون كلام رسول الله ولي مفسراً للفعل الذي فسّره الراوي، والأخذ بقول رسول اللّه ◌َ﴾ هو الذي أمرنا الله أن نأخذ به، قال الله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ ٢٤ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها [سورة الحشر: الآية ٧] فكان ينبغي في هذه المسألة وأمثالها أن لا يتصور خلاف ولكن الله جعل هذا الخلاف رحمة لعباده واتساعاً فيما كلفهم به من عبادته، لكن فقهاء زماننا حجروا وضيّقوا على الناس المقلدين للعلماء ما وسّع الشرع عليهم فقالوا للمقلّد: إذا كان حنفي المذهب لا تطلب رخصة الشافعي فيما نزل بك، وكذلك لكل واحد منهم، وهذا من أعظم الرزايا في الدين والحرج والله يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾ [سورة الحج: الآية ٧٨]. والشرع قد قرّر حكم المجتهد له في نفسه ولمن قلّده، فأبوا فقهاء زماننا ذلك وزعموا أن ذلك يؤدي إلى التلاعب بالدين وهذا غاية الجهل منهم، فليس الأمر والله كما زعموا مع إقرارهم على أنفسهم أنهم ليسوا بمجتهدين ولا حصلوا في رتبة الاجتهاد ولا نقلوا عن أئمتهم أنهم سلكوا هذا المسلك، فأكذبوا أنفسهم في قولهم إنهم ما عندهم استعداد الاجتهاد، والذي حجروه على المقلدين ما يكون إلاَّ بالاجتهاد نعوذ بالله من العمى والخذلان، فما أرسل الله رسوله ﴿إِلَّا رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ١٠٧] وأي رحمة أعظم من تنفيس هذا الكرب المهم والخطب الملم . وأما آخر وقت العصر، فمن قائل: إن آخر وقتها أن يصير ظل كل شيء مثليه. ومن قائل: إن آخر وقتها ما لم تصفر الشمس. ومن قائل: إن آخر وقتها قبل أن تغرب الشمس بركعة، وبه أقول الاعتبار قد تقدم الاعتبار في الوقت المشترك بالأسماء الإلهية في حق المتخلق بها من أهل الله وغير المشترك فليؤخذ في كل الصلوات مطلقاً، وما بقي من الاعتبار في هذا الفصل إلاَّ الاعتبار في الآن الذي لا ينقسم وفي الاصفرار، أما اعتبار الآن الفاصل بين الوقتين فهو المعنى الفاصل بين الاسمين اللذين لا يفهم من كل واحد منهما اشتراك، فظهر حكم كل اسم منهما على الانفراد وهو حد الواقف عندنا، فإن الإنسان السالك إذا انتقل من مقام قد احتكمه وحصله تخلقاً وذوقاً وخلقاً إلى مقام آخر يريد تحصيله أيضاً يوقف بين المقامين وقفة يخرج حكم تلك الوقفة عن حكم المقامين عن حكم المقام الذي انتقل عنه، وعن حكم المقام الذي يريد الانتقال إليه يعرف في تلك الوقفة بين المقامين وهو كالآن بين الزمانين آداب المقام الذي ينتقل إليه، وما ينبغي أن يعامل به الحق، فإذا أبين له عنه دخل في حكم المقام الذي انتقل إليه على علم، فإن المقامات في هذا الطريق كأنواع الأعمال في الشريعة مثل الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد وغير ذلك، فكما أن لكل نوع من هذه الأعمال علم يخصّه، كذلك لكل مقام آداب ومعاملة تخصّه، وقد بيّن ذلك محمد بن عبد الجبار النفري في كتابه الذي سمّاه بالمواقف والقول وقفت على أكثره وهو كتاب شريف يحوي على علوم آداب المقامات، يقول في ترجمة الموقف اسم الموقف يقول في انتقاله إلى موقف العلم مثلاً وهو من جملة مواقفه في ذلك الكتاب فقال: موقف العلم، ثم قال: أوقفني في موقف العلم وقال لي: يا عبدي لا تأتمر للعلم ولا خلقتك لتدل على سواي، ثم قال: قال لي الليل لي لا للقرآن يتلى الليل لي لا للمحمدة والثناء إلى أن ينتهي إلى جميع ما يوقفه الحق عليه، فإذا عرف حينئذ يدخل إلى ذلك المقام وهو يعرف كيف يتأذب مع الحق في ذلك المقام، ٢٥ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها قال رسول الله وَلّ: ((إِنَّ اللَّهَ أَدْبَنِي فَحَسَّنَ أَدَبِي)) فهذا هو الآن الذي بين الصلاتين، فأهل الأذواق من أهل الله يوقفون فيه فيعطون آداب الصلاة التي ينبغي أن يعامل الله بها في ذلك اليوم الخاص، هكذا في صلوات كل يوم مع الله في مقام العلم، فهذا هو الآن الذي بين الصلاتين . وأمّا اعتبار الاصفرار في أنه الحد الآخر وقت العصر فاعلم أولاً أن الاصفرار تغيير يطرأ في عين الناظر فيحكم به أنه في نور الشمس من أبخرة الأرض الحائلة بين البصر وبين إدراك خالص نور الشمس، فاعتباره ما يطرأ في نفس العبد في حكم الاسم الإلهيّ الحق من الخواطر النفسية العرضية في نفس ذلك الحكم فينسبه إلى الحق بوجه غير مخلص، وينسبه إلى نفسه بوجه غير مخلص، ويقع مثل هذا في الطريق من الأديب ومن غير الأديب. فأمّا وقوعه من الأديب فهو الذي يعرف أن النور في نفسه لم يصفرّ ولا تغير، وهو أن يعلم أن الحكم للاسم الإلهيّ مخلص لا حكم للنفس معه، وإنما هو ذلك الحكم ربما تعلق عنده اسم عيب عرفاً أو شرعاً، فينزّه جناب الحق تعالى عن ذلك الحكم بأن ينسبه إليه ولكن بمشيئة الله ويقول: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [سورة الشعراء: الآية ٨٠] هذا هو العيب عرفاً فأضاف المرض إلى نفسه إذ كان عيباً عنده، وأضاف الشفاء إلى ربه إذ كان حسناً، ومع هذا القصد فإن الظاهر في اللفظ إزالة حكم الاسم الإلهيّ الذي أمرضه، فلما علم الخليل عليه السلام هذا القدر نادى ذلك الاسم الذي أمرضه بقوله: ﴿وَلَّذِىّ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِ خَطِيَفَقِ يَوْمَ الذِّينِ﴾ [سورة الشعراء: الآية ٨٢] يقول: إنه أخطأ وإن كان قصد الأدب حيث نسب المرض لنفسه وما نسبه إلى حكم الاسم إلهيّ الذي أمرضه وما قصد إلاَّ الأدب معه حتى لا يضيف ما هو عيب عندهم عرفاً إلى حكم الاسم الإلهي. فيفهم من هذا الاعتراف أن الحكم كان للاسم الإلهي وهو كان مقصود الاسم، فجمع هذا العارف بين أدبين في هذه المسألة بين أدب نسبة المرض إلى نفسه، وبين الأدب في التعريف أن ذلك المرض حكم ذلك الاسم الإلهيّ من غير تصريح لكن بالتضمين والإجمال في قوله: ﴿وَلَّذِىّ أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِ خَطِيَّئَِىِ يَوْمَ الذِينِ﴾ ولم يسم الخطيئة ما هي يوم الدين، يقول: يوم الجزاء، وهكذا في قوله: ﴿وَمَّآ أَنَسَئِنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [سورة الكهف: الآية ٦٣] وهو قول يوشع فتى موسى لموسى عليهما السلام، وفي الحقيقة ما أنساه إلاّ اسم إلهيّ حكم عليه بذلك فأضافه إلى الشيطان أدباً مع ذلك الاسم الإلهي الذي أنساه أن يعرّف موسى عليه السلام بحياة الحوت لما أراد الله من تمام ما سبق به العلم الإلهيّ من زيادة الأقدام التي قدّر له أن يقطع بها تلك المسافة ويجاوز بها المكان الذي كان فيه خضر ﴿فَأَرْتَذَا عَلَى ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [سورة الكهف: الآية ٦٤] أي يتبعان الأثر إلى أن عادا إلى المكان فوجداه، تنبيهاً من الله وتأديباً لما جاوزه من الحدّ في إضافته العلم إلى نفسه بأنه أعلم من في الأرض في زمانه، فلو كان عالماً العلم دلالة الحق التي هي عين اتخاذ الحوت سرباً وما علم ذلك وقد علمه يوشع ونساه الله التعريف بذلك ليظهر لموسى تجاوزه الحدّ في دعواه ولم يردّ ذلك إلى الله في علمه في خلقه القصة إلى آخرها وفيها ما يتعلق باعتبار الصفرة التي دخلت على نور الشمس في قوله في قتل ٢٦ في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها الغلام: ﴿فَأَرَدْنَا﴾ [سورة الكهف: الآية ٨١] فجعل الضمير يعود على الاسم الإلهيّ وعليه على الاسم الإلهيّ بما كان في ذلك القتل من الرحمة بالأبوين وبالغلام وعليه بقتل ﴿نَفْسًا زَّكِيَّةٌ بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [سورة الكهف: الآية ٧٤] فظاهره جور فشرّك في الضمير بينه وبين الله فدخل في نسبة الفعل إلى الله في الظاهر اصفرار أي تغيير باشتراك اسم الخضر في الضمير معه مع قصد الأدب، ثم قال: ﴿وَمَا فَعَلَُّهُ عَنْ أَمْرِئَ﴾ [سورة الكهف: الآية ٨٢] أي الحق علمني الأدب معه . فهذا قد أبنت لك اعتبار الآن واصفرار الشمس فأطرده حيث وجدت معنى الآن الفاصل بين الزمانين، والصفرة التي دخل على النور الخالص من اسمه النور سبحانه مثل قوله تعالى بأنه ﴿نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرَضِّ﴾ فلما لم يطلق على نفسه اسم النور المطلق الذي لا يقبل الإضافة وقال: ﴿نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة النور: الآية ٣٥] ليعلمنا ما أراد بالنور هنا، فأثر حكم التعليم والإعلام في النور المطلق الإضافة فقيدته عن إطلاقه بالسموات والأرض فلما أضافه نزل عن درجة النور المطلق في الصفة فقال: ﴿مَثَلُ نُورِء﴾ أي صفة نوره يعني المضاف إلى السموات والأرض ﴿ كِشْكَوْقٍ﴾ إلى أن ذكر المصباح ومادّته وأين صفة نور السراج وإن كان بهذه المثابة من صفة النور الذي أشرقت به السموات والأرض، فعلمنا سبحانه في هذه الآية الأدب في النظر في أسمائه إذا أطلقناها عليه بالإضافة كيف نفعل، وإذا أطلقناها عليه بغير الإضافة كيف نفعل مثل قوله: ﴿يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِهِ، مَن يَشَاءُ﴾ فأضاف النور هنا إلى نفسه لا إلى غيره، وجعل النور المضاف إلى السموات والأرض هادياً إلى معرفة نوره المطلق، كما جعل المصباح هادياً إلى نوره المقيد بالإضافة، وتمّم ذلك بقوله: ﴿ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَلَ﴾ [سورة النور: الآية ٣٥] ثم نهانا عن مثل هذا فقال: ﴿فَلَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الْأَمْثَالَّ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل: الآية ٧٤] والله اسم جامع لجميع الأسماء الإلهية محيط بمعانيها كلها، وضرب الأمثال يخصّ اسماً واحداً معيناً، فإن ضربنا الأمثال لله وهو اسم جامع شامل فما طبقنا المثال على الممثل، فإن المثال خاص والممثل به مطلق، فوقع الجهل بلا شك فنهينا أن نضرب المثل من هذا الوجه إلاَّ أن نعين اسماً خاصاً ينطبق المثل عليه، فحينئذ يصحّ ضرب المثل لذلك الاسم الخاص كما فعل الله في هذه الآية فقال: ((الله)) وما ضرب المثل للاسم ﴿اللّهِ﴾ وإنما عيّن سبحانه اسماً آخر وهو قوله ﴿ نُورُ السَّمَنَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ فضرب المثل بالمصباح لذلك الاسم النور المضاف أي هكذا فافعلوا، ولا تضربوا الأمثال لله فإني ما ضربتها، فافهموا فهمنا الله وإياكم مواقع خطابه وجعلنا ممّن تأذّب بما عرفناه من آدابه إنه اللطيف بأحبابه . فصل بل وصل في وقت صلاة المغرب الشاهد: اختلف علماؤنا في وقت صلاة المغرب هل لها وقت موسع كسائر الصلوات أم لا؟ فمن قائل: إن وقتها واحد غير موسّع. ومن قائل: إن وقتها موسّع وهو ما بين غروب الشمس إلى مغيب الشفق وبه أقول: اعتبار الباطن في ذلك: اعلم أنه إنما وقع الاختلاف لما كانت صلاة المغرب وتراً والوتر أحديّ الأصل، فينبغي أن يكون لها وقت واحد من أجل المناسبة في الوترية، ولذلك ورد في إمامة جبريل عليه السلام برسول الله وّير أنه صلَّى المغرب في اليومين في وقت واحد في أوّل ٢٧ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها فرض الصلوات، لأن الملك أقرب إلى الوترية من البشر، والمغرب وتر صلاة النهار كما أخبرنا رسول الله ﴾ وذلك قبل أن يزيدنا الله وتر صلاة الليل أن الله قد زادكم صلاة إلى صلاتكم وذكر صلاة الوتر فأوتروا يا أهل القرآن، فشبهها بالفرائض وأمر بها، ولهذا جعلها من جعلها واجبة دون الفرض وفوق السنّة وأثم من تركها ونعم ما نظر وتفقه . ولما رأى النبيّ ◌َ # أن الله قد شرّع وتر صلاة الليل وزاده إلى الصلاة المفروضة وفيها المغرب وهو وتر صلاة النهار وقال: ((إِنَّ اللَّهَ وِثْرٌ يُحِبُّ الوِثْرَ) فقيد المغرب بوترية صلاة النهار، وقيد الوتر بوترية صلاة الليل، وقال: ((إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الوثْرَ)) يعني يحب الوتر لنفسه، فشرع لنا وترين ليكون شفعاً، لأن الوترية في حق المخلوق محال، قال تعالى: ﴿وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَلَفْنَا زَوْجَيِِّ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٤٩] حتى لا تنبغي الأحدية إلاَّ لله. ولما رأى رسول الله وَر أن الله قد شرع وتر صلاة الليل ليشفع به وتر صلاة النهار لينفرد سبحانه بحقيقة الوترية التي لا تقبل الشفعية فإنه ما ثم في نفس الأمر إله آخر يشفع وترية الحق تعالى كما شفعت وترية صلاة الليل وترية صلاة النهار فكان ممّا قال فيه: ﴿وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَلَفْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٤٩] فخلق وترين فكان كل واحد منهما يشفع وترية صاحبه ولهذا لم يلحقها رسول اللّه وَ ل﴿ بصلاة النافلة بل قال: ((زَادَكُمْ صَلاَةً إِلَى صَلاَئِكُمْ)) يعني الفرائض ثم أمر بها أمّته. فلما سُئِل رسول الله وَّه بعد إمامة جبريل عليه السلام به وَّر عن وقت الصلاة صلَّى بالناس يومين صلَّى في اليوم الأول في أول الأوقات وصلَّى في اليوم الثاني في آخر الأوقات الصلوات الخمس كلها وفيها المغرب ثم قال للسائل: ((الوقت ما بين هذين» فجعل للمغرب وقتين كسائر الصلوات وألحقها بالصلاة الشفعية وإن كانت وتراً ولكنها وتر مفيد شفعية وتر صلاة الليل فوسّع وقتها كسائر الصلوات، وهو الذي ينبغي أن يعوّل عليه فإنه متأخر عن إمامة جبريل فوجب الأخذ به، فإن الصحابة كانت تأخذ بالأحدث فالأحدث من فعل رسول الله وَّة، وإن كان ◌َّ كان يثابر على الصلاة في أول الأوقات فلا يدل ذلك على أن الصلاة ما لها وقتان وما بينهما فقد أبان عن ذلك وصرّح به وما عليه بَّر إلاّ البلاغ والبيان، وقد فعل ◌َّ، فهذا اعتبار وتعليل، يهدي إلى الحق وإلى سواء السبيل. فصل بل وصل في وقت صلاة العشاء الآخرة: اختلفت علماء الشريعة في وقتها في موضعين: في أول وقتها وآخر وقتها، فمن قائل: أن أول وقتها مغيب حمرة الشفق وبه أقول. ومن قائل: أن أول وقتها مغيب البياض الذي يكون بعد الحمرة . والشفق شفقان وهو سبب الخلاف، فالشفق الأول صادق والبياض الذي بعده هو الشفق الثاني تقع فيه الشبهة فإنه قد يشبه أن يكون شبه الفجر الكاذب الذي هو ذنب السرحان وهو المستطيل وجعله الشارع من الليل، ولا يجوز بظهوره صلاة الصبح، ولا يمنع مريد الصوم من الأكل، ويشبه أن يكون شبيه الفجر المستطير الذي يصلى بظهوره صلاة الصبح، ولا يجوز للصائم أن يأكل بظهوره، إلاَّ أن الأظهر عندي أنه شبيه الفجر المستطير الذي يصلي بظهوره الصبح وذلك لاتصاله بالحمرة إلى طلوع الشمس لا ينقطع بظلمة كما ينقطع الفجر الكاذب، كذلك البياض الذي في ٢٨ في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها أول الليل متصل بالحمرة فإذا غابت الحمرة بقي البياض، فلو كانت بين البياض والحمرة ظلمة قليلة كما يكون بين الفجر المستطيل وحمرة إسفار الصبح كنّا نلحقها بالفجر الكاذب ونلغي حكمها، فكان والله أعلم أن الذي يراعي مغيب البياض في أول وقت العشاء أوجه، ولكن إذا ثبت أن الشارع صلَّى في البياض بعد مغيب الشفق الأحمر فنقف عنده فللشارع أن يعتبر البياض والحمرة التي تكون في أول الليل بخلاف ما نعتبرها في آخر الليل، وإن كان ذلك عن آثار الشمس في غروبها وطلوعها. وأمّا قوله تعالى: ﴿وَأَلْصُّبْحِ إِذَا نَنَفَّسَ﴾ [سورة التكوير: الآية ١٨] فالأوجه عندي في تفسيره أنه الفجر المستطيل لانقطاعه كما ينقطع نفس المتنفس ثم بعد ذلك تتصل أنفاسه. وأمّا آخر وقتها، فمن قائل: أنه ثلث الليل. ومن قائل: أنه إلى نصف الليل ومن قائل: أنه إلى طلوع الفجر وبه أقول، ولقد رأيت قولاً ولا أدري من قاله ولا أين رأيته أن آخر وقت صلاة العشاء ما لم تنم ولو سهرت إلى طلوع الفجر. الاعتبار في الباطن في ذلك الاعتبار في أول وقت هذه الصلاة وآخره: اعلم أن العالم قد قسمه الحق على ثلاث مراتب، وقسّم الحق أوقات الصلوات على ثلاث مراتب، فجعل عالم الشهادة وهو عالم الحسّ والظهور هو بمنزلة صلاة النهار، فأناجي الحق بما يعطيه عالم الشهادة والحسّ من الدلالة عليه وما ينظر إليه من الأسماء وقد قال رسول الله وَّ في مثل هذا: ((إِنَّ اللَّهَ قَالَ عَلَى لِسَانِ عَبْدِهِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)) يعني في الصلاة، فناب العبد هنا مناب الحق وهذا من الاسم الظاهر، فكأن الحق ظهر بصورة هذا القائل سمع الله لمن حمده، وكذلك قوله تعالى لنبيه محمد وَّلّ في حق الأعرابيّ: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة: الآية ٦] وهو ما سمع إلاَّ الأصوات والحروف من فم النبيّ ◌ََّ، وقال الله: إن ذلك كلامي وأضافه إلى نفسه، فكأن الحق ظهر في عالم الشهادة بصورة التالي لكلامه فافهم، وجعل عالم الغيب وهو عالم العقل وهو بمنزلة صلاة العشاء، وصلاة الليل من مغيب الشفق إلى طلوع الفجر، فيناجي المصلي ربّه في تلك الصلاة بما يعطيه عالم الغيب والعقل والفكر من الأدلة والبراهين عليه سبحانه وتعالى، وهو خصوص دلالة الخصوص معرفة يعرفها أهل الليل وهي صلاة المحبين أهل الأسرار وغوامض العلوم المكتنفين بالحجب، فيعطيهم من العلوم ما يليق بهذا الوقت وفي هذا العالم وهو وقت معارج الأنبياء والرسل والأرواح البشرية لرؤية الآيات الإلهية المثالية والتقريب الروحانيّ وهو وقت نزول الحق من مقام الاستواء إلى السماء الأقرب إلينا للمستغفرين والتائبين والسائلين والداعين فهو وقت شريف، ومن صلّى هذه الصلاة في جماعة فكأنما قام نصف ليله، وفي هذا الحديث رائحة لمن يقول: إن آخر وقتها إلى نصف الليل. وجعل سبحانه عالم التخيّل والبرزخ الذي هو تنزّل المعاني في الصور الحسيّة فليست من عالم الغيب لما لبسته من الصور الحسيّة، وليست من عالم الشهادة لأنها معاني مجرّدة وأن ظهورها بتلك الصور أمر عارض عرض للمدرك لها لا للمعنى في نفسه، كالعلم في صورة اللبن والدين في صورة القيد، والإيمان في صورة العروة هو من أوقات الصلوات وقت المغرب ووقت صلاة الصبح فإنهما وقتان ما هما من الليل ولا من النهار، فهما برزخان بينهما ٢٩ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها من الطرفين لكون زمان الليل والنهار دورياً ولهذا قال تعالى: ﴿يُكَوّرُ الَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوّرُ النَّهَارَ عَلَى أَلَيْلِ﴾ [سورة الزمر: الآية ٥] من كوّر العمامة فيخفي كل واحد منهما بظهور الآخر كما قال: ﴿يُغْشِىِ اَلَيْلَ النَّهَارَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٥٤] أي يغطيه، وكذلك النهار يغشي الليل فيناجي المصلي ربه في هذا الوقت بما يعطيه عالم البرزخ من الدلالات على الله في التجليات وتنوّعاتها والتحوّل في الصور كما ورد في الأخبار الصحاح، غير أن برزخية صلاة المغرب هو خروج العبد من عالم الشهادة إلى عالم الغيب فيمرّ بهذا البرزخ الوتري فيقف منه على أسرار قبول عالم الغيب لعالم الشهادة وهو بمنزلة الحسّ الذي يعطي للخيال صورة فيأخذها الخيال بقوّة الفكر فيلحقها بالمعقولات، لأن الخيال قد لطف صورتها التي كانت لها في الحسّ من الكثافة فتروحنت بوساطة هذا البرزخ وسببه وتر صلاة المغرب فإن الفعل للوتر فهو الذي لطف صورتها على الحقيقة ليقبلها عالم الغيب والعقل، لأن العقل لا يقبل صور الكثيف والغيب لا يقبل الشهادة، فلا بدّ أن يلطف البرزخ صورتها حتى يقبلها عالم الغيب، وكذلك برزخ الفجر وهو خروج عالم الغيب إلى عالم الشهادة والحسّ فلا بد أن يمر ببرزخ الخيال وهو وقت صلاة الصبح من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فما هو من عالم الغيب ولا من عالم الشهادة، فيأخذ البرزخ الذي هو الخيال المعبّر عنه بوقت الفجر إلى طلوع الشمس المعاني المجرّدة المعقولة التي لها الليل فيكثفها الخيال في برزخه، فإذا كساها كثافة من تخيّله بعد لطافتها حينئذ وقعت المناسبة بينها وبين عالم الحسّ، فتظهر صورة كثيفة في الحسّ بعدما كانت صورة روحانية لطيفة غيبية، فهذا من أثر البرزخ يرد المعقول محسوساً في آخر الليل، ويردّ المحسوس معقولاً في أول الليل، مثاله أن لصورة الدار في العقل صورة لطيفة معقولة إذا نظر إليها الخيال صوّرها بقوّته وفصلها وكثفها عن لطافتها في العقل. ثم صرف الجوارح في بنائها بجمع اللبن والطين والجص وجميع ما تخيّله البناء المهندس فأقامها في الحسّ صورة كثيفة يشهدها البصر بعدما كانت معقولة لطيفة تتشكل في أيّ صورة شاءت، فزالت عنها في الحسّ تلك القوّة بما حصل لها من التقييد، فتبقى النهار كله مقيدة بتلك الصورة على قدر طول النهار، فإن كان النهار لا انقضاء له كيوم الدار الآخرة فتكون الصورة لا ينتهي أمدها، وإن كان النهار ينقضي كيوم الدنيا وأيامها متفاضلة فيوم من أربع وعشرين ساعة، ويوم من شهر، ويوم من سنة، ويوم من ثلاثين سنة، ودون ذلك، وفوق ذلك، فتبقى الصورة مقيدة بتلك المدّة طول يومها وهو المعبر عنه بعمرها إلى الأجل المسمّى إلى أن يجيء وقت المغرب فيلطف البرزخ صورتها وينقلها من عالم الحسّ ويؤدّيها إلى عالم العقل، فترجع إلى لطافتها من حيث جاءت، هكذا حركة هذا الدولاب الدائر، فإن فهمت وعقلت هذه المعاني التي أوضحنا لك أسرارها علمت علم الدنيا وعلم الموت وعلم الآخرة والأزمنة المختصة بكل محل وأحكامها، والله يفهمنا وإياك حكمه، ويجعلنا ممّن ثبت في معرفته قدمه، فالليل ثلاثة أثلاث، والإنسان ثلاثة عوالم: عالم الحسّ وهو الثلث الأول، وعالم خياله وهو الثاني، وعالم معناه وهو الثلث الآخر من ليل نشأته وفيه ينزل الحق وهو ٣٠ في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها قوله: وسعني قلب عبدي. وقوله: إن الله لا ينظر إلى صوركم وهو الثلث الأول، ولا إلى أعمالكم وهو الثلث الثاني، ولكن ينظر إلى قلوبكم وهو الثلث الآخر، فقد عمّ الليل كله، فمن قال: إن آخر الوقت الثلث الأول فباعتبار ثلث الحسّ، ومن قال: آخره إلى نصف الليل وهو وسط الثلث الثاني فباعتبار الثلث الثاني وهو عالم خياله لأنه محل العمل في التلطيف أو التكثيف، ومن قال: إلى طلوع الفجر فباعتبار عالم المعنى من الإنسان وكل قائل بحسب ما ظهر له، وقد وقع الإجماع بطلوع الفجر أنه يخرج وقت صلاة العشاء، فالظاهر أن آخر الوقت إلى طلوع الفجر لمحل الإجماع والاتفاق على خروج الوقت بطلوع الفجر، وبقولنا يقول ابن عباس: إن آخر وقتها إلى طلوع الفجر. فصل بل وصل في وقت صلاة الصبح: اتفق الجميع على أن أول وقت الصبح طلوع الفجر وآخره طلوع الشمس واختلفوا في وقتها المختار، فمن قائل: إن الإسفار بها أفضل. ومن قائل: إن التغليس بها أفضل وبه أقول. الاعتبار في الباطن في ذلك: اعلم أنه من غلب على فهمه من قوله ◌َله وقول الله تعالى في رؤية الله أن ذلك راجع إلى العلم والعقل لا إلى البصر، وبه قال جماعة من العقلاء النظار من أهل السنّة فهم بمنزلة من يرى التغليس، ومن غلب على فهمه ممّا ورد في الشرع من الرؤية أن ذلك بالبصر وأنه لا يقدح في الجناب الإلهيّ وأن الجهة لا تقيد البصر وإنما تقيد الجارحة فهو بمنزلة من يرى الإسفار بصلاة الصبح بحيث أن يبقى لطلوع الشمس قدر ركعة أو يسلم مع ظهور حاجب الشمس، والعجب من هذا أن الذي ذهب إلى أن الرؤية الواردة في الشرع محمولة على العلم لا على البصر يرى الإسفار بالصبح، وأن الأكثر من الذين يرون أن الرؤية الواردة في الشرع يوم القيامة محمولة على البصر لا على العلم يرون التغليس بالصبح فهذا أحسن وجه في اعتبار هذا الوقت وأعمّه وأعلاه، وله اعتبارات غير هذا ولكن يجمعها كلها ما ذكرناه، ولا يجمع تلك الاعتبارات التي تركناها حقيقة هذا الاعتبار الذي ذكرناه فلهذا اقتصرنا عليه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. انتهى الجزء السادس والثلاثون. (الجزء السابع والثلاثون) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمَةِ فصل بل وصل في أوقات الضرورة والعذر: فقوم أثبتوها وقوم نفوها والخلاف مشهور بينهم في ذلك اعتبار الباطن في ذلك من نسب الأفعال إلى الله نفاها، ومن أثبت الفعل للعبد كسباً أو خلقاً بأيّ وجه كان من هذين أثبتها . فصل بل وصل في أوقات الضرورة عند مثبتيها: اتفق العلماء بالشريعة على أنها لأربع: للحائض تطهر في هذه الأوقات أو تحيض في هذه الأوقات وهي لم تصل، والمسافر يذكر الصلوات في هذه الأوقات وهو حاضر أو الحاضر يذكرها فيها وهو مسافر، والصبي يحتلم فيها، والكافر يسلم. واختلفوا في المغمى عليه، فمن قائل: هو كالحائض لا يقضي الصلاة. ومن قائل: يقضي فيما دون الخمس. الاعتبار في الحائض تطهر في وقت الضرورة، التائب ٣١ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها من الكذب لضرورة، والطاهر تحيض، الصادق يكذب للضرورة، اعتبار الباطن في ذلك المسافر والحاضر المسافر بفكره أو بذكره يذكر ما فاته في وقت سفره في حصوله في المقام لنقص يشاهده فيه يعلم أنه نسي ذلك في وقت سفره، والحاضر يعني صاحب المقام يذكر في حال سفره ما فاته في وقت إقامته من الأدب مع الحق كقولهم: اقعد على البساط، وإياك والانبساط، لخلل يراه في سفره فيعلم أن ذلك من آثار ما فاته من الأدب في مقامه قال تعالى: ﴿لَقَدْ لَفِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [سورة الكهف: الآية ٦٢] ولم يكن قبل ذلك أصابه نصب ليتذكر دلالة الحوت، اعتباره في الصبي يبلغ فيها العبد يكون تحت الحجر فإذا كان الحق سمعه وبصره ويده وقواه وجوارحه كما ورد فقد خرج عن الحجر، فإذا أدركه هذا الحال وهو في حكم اسم إلهيّ لماذا يكون الحكم فيه هل للاسم الذي كان تحت حكمه أو للاسم الذي انتقل إليه فإن الوقت مشترك، وكذلك الاعتبار في الكافر يسلم في وقت الضرورة والكافر هو صاحب الستر والغيرة تغلب عليه، والغيرة على الحق لا تصحّ وفي الحق تصحّ وللحق تصحَ، ويغلب عليه أن لا غير ولا سيما إن عرف معنى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَاَلَّهِرُ وَالْبَاِنٌ﴾ [سورة الحديد: الآية ٣] وما ثم إلاَّ هذه الأحوال وهو الكل إذ هو عينها، فمن يغار أو ممن يغار أو على من يغار أو فيمن يغار أخبروني أخبروني إنني حرت في الله فما أصنعه؟ وأمّا اعتبار المغمى عليه فهو صاحب الحال ما حكمه إذا أفاق في هذا الوقت؟ أو أخذه الحال في هذا الوقت؟ هو مع الاسم المهيمن على ذلك الوقت الحاکم فیه . فصل بل وصل في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها: الأوقات المنهي عن الصلاة فيها هي بالاتفاق والاختلاف خمسة أوقات: وقت طلوع الشمس، ووقت غروبها، ووقت الاستواء، وبعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر، اعتبار ذلك في الباطن ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [سورة النحل: الآية ٦٠] الشمس الحق والصلاة المناجاة، فإذا تجلّى الحق كان البهت والفناء فلم يصحّ الكلام ولا المناجاة فإن هذا المقام الإلهيّ يعطي أنه تعالى إذا أشهدك لم يكلمك وإذا كلمك لم يشهدك إلاَّ أن يكون التجلّي في الصورة عند ذلك تجمع بين الكلام والمشاهدة، وإذا غاب المشاهد عن نفسه لم تصحّ المناجاة لأن رسول الله وَلَّ يقول: ((اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ)) بلا شك، وقد علمت أن العبد غائب عند الشهود لاستيلاء المشهود عليه فلا مناجاة، وفي وقت الاستواء يغيب عنك ظلّك فيك وظلّك حقيقتك والنور قد صف بك من جميع الجهات وغمرك، فلا يتعين لك أمر تسجد له إلاَّ وعينه من خلفك كما هو من أمامك، ومن عن يمينك وشمالك وفوقك، فلا يجذبك من جميع جهاتك لأنك نور من جميع جهاتك، والصلاة نور فاندرجت الأنوار في الأنوار، والصلاة لا تصلى لها، وأما بعد الصبح إلى طلوع الشمس فهو وقت خروجك من عالم البرزخ إلى عالم الشهادة، والصلاة لم يفرض وقتها إلاّ في الحسّ لا في البرزخ، وكذلك بعد صلاة العصر فإن السفل بضم الحبيب يغني عن مخاطبته لسريان اللذة في ذلك الضم. فصل في الصلوات التي لا تجوز في هذه الأوقات المنهيّ عن الصلاة فيها: فمن قائل: ٣٢ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها هي الصلاة كلها بإطلاق. ومن قائل: هي ما عدا المفروض من سنّة أو نفل. ومن قائل: هي النفل دون السنن. ومن قائل: هي النفل فقط بعد الصبح والعصر، والنفل والسنن معاً عند الطلوع والغروب. وأما عندنا فإن هذه الأوقات هي الفرائض للنائم والناسي يتذكر أو يستيقظ فيها، ولقضاء النوافل إذا شغل عنها أن يصليها في الوقت الذي كان عينه لها اعتبار الباطن في ذلك المناجاة الإلهية بين الله وبين عبده على أربعة أقسام: مناجاة من حيث إنه يراك، ومناجاة من حيث إنك تراه، ومناجاة من حيث إنه يراك وتراه، ومناجاة لبعض أهل النظر في الاعتقادات بالأدلة من حيث إنك لا تراه علماً في اعتقاد، ولا تراه بصراً في اعتقاد، ولا يراك بصراً في اعتقاد، ولا علماً في اعتقاد من نفي عنه العلم بالجزئيات، لكن تراه علماً لاندراج الجزء في الكل، وهذا ما هو اعتقادنا ولا اعتقاد أهل السنّة بل هو سبحانه ﴿يَكُلِّ شَىٍّ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣١] وقال: ﴿أَّ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [سورة العلق: الآية ١٤] وقال النبي بَّ في الخبر الصحيح عنه: ((إِنَّهُ يَرَاك)). وقد نبهناك على مأخذ الاعتبارات في هذه الأقسام وأنت تعرف قسمك منها، ومن عرف قسمه فمن هناك يثبت مناجاته أو يحيلها . فصول بل وصول الأذان والإقامة: الأذان: الإعلام بدخول الوقت والدعاء للاجتماع إلى الصلاة في المساجد. والإقامة: الدعاء إلى المناجاة الإلهية الاعتبار في الباطن في ذلك الأذان الإعلام بالتجلّي الإلهيّ لتتطهر الذوات لمشاهدته، والإقامة: للقيام لتجليه إذا ورد يوم يقوم الناس لرب العالمين. فصل بل وصل في صفات الأذان: اعلم أن الأذان على أربع صفات، الصفة الأولى: تثنية التكبير وتربيع الشهادتين وباقيه مثنى، وبعض القائلين بهذه الصفة يرون الترجيع في الشهادتين وذلك أن يثني الشهادتين أوّلاً خفياً، ثم يثنيها مرة ثانية مرفوع الصوت بها، وهذا الأذان أذان أهل المدينة. الصفة الثانية: تربيع التكبير الأول والشهادتين وتثنية باقي الأذان وهذا أذان أهل مكة. الصفة الثالثة: تربيع التكبير الأول وتثنية باقي الأذان وهذا أذان أهل الكوفة. الصفة الرابعة: تربيع التكبير الأول وتثليث الشهادتين وتثليث الحيعلتين يبتدىء بالشهادة إلى أن يصل إلى حيّ على الفلاح ثم يعيد ذلك على هذه الصفة ثانية ثم يعيدها أيضاً على تلك الصورة ثالثة الأربع الكلمات نسقاً ثلاث مرات وهذا أذان أهل البصرة. اعتبار الباطن في ذلك تثنية التكبير للكبير والأكبر، وتربيعه للكبير والأكبر، ولمن تكبّر نفساً وحسّاً مشروعاً كان ذلك التكبّر كحديث أبي دجانة أو غير مشروع والتربيع في الشهادتين للأوّل والآخر والظاهر والباطن وتثنية ما بقي لك وله تعالى، وتثليث الأربع الكلمات على نسق واحد في كل مرة وهو كما قلنا مذهب البصريين إعلام بالمرّة الواحدة: لعالم الشهادة، وبالثانية: لعالم الجبروت، وبالثالثة: لعالم الملكوت. وعند أبي طالب المكيّ: الثانية: لعالم الملكوت. والثالثة: لعالم الجبروت تحقيق ذلك هو أن الإنسان إذا نظر بعين بصره وعين بصيرته إلى الأسباب التي وضعها الله تعالى شعائر وإعلاماً لما يريد تكوينه وخلقه من الأشياء لما سبق في علمه أن يربط الوجود بعضه ببعضه. ٣٣ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها ودلّ الدليل على توقف وجود بعضه على وجود بعضه، وسمع ثناء الحق تعالى على من عظم شعائر الله، وأن ذلك التعظيم لها من تقوى القلوب في قوله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَمَن يُعَظِمْ شَعَكِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَ الْقُلُوبِ﴾ [سورة الحج: الآية ٣٢] قال عند ذلك: الله أكبر، يقول: وإن كانت عظيمة في نفسها بما تدل عليه وعظيمة من حيث إن الله أمر بتعظيمها فموجدها وخالقها الآمر بتعظيمها أكبر منها، وهذه هي أكبر للمفاضلة وهي أفعل من، فلما أتمّها كوشف هذا الإنسان الناطق بها على حقارة الأسباب في أنفسها لأنفسها، وافتقارها إلى موجدها لإمكانها افتقار المسببات على السواء، ورآها عيناً وكشفاً عند كشف الغطاء عن بصره ناطقة بتسبيح خالقها وتعظيمه فإنه القائل: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَيْحُ بِّدِهِ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٤٤] تسبيح نطق يليق بذلك الشيء لا تسبيح حال ولهذا قال: ﴿لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٤٤] لاختلاف ما يسبحون به إلاَّ لمن سمعه ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٤٤] حيث لم يؤاخذ ولم يعجل عقوبة من قال إنه تسبيح حال غفوراً ساتراً نطقهم عن أن تتعلق به الأسماع إلاَّ لمن خرق الله له العادة، فقد ورد: أن الحصى سبّح بحضور من حضر من الصحابة في كف رسول الله * وما زال الحصى مسبحاً وما خرق اسم العادة إلاَّ في إسماع السامعين ذلك بتعلقها بالمسموع وما قال: ﴿وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ إلاّ في معرض الردّ على من يقول: إنه تسبيح حال فإن البكاء قد تبدى في الدلالة فيما يقول بتسبيح الحال فقد أكذب الله في قوله تعالى: ﴿لَّا نَفْقَهُونَ﴾ وأما قوله تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهٍ﴾ [سورة الحج: الآية ٣٠] يعني خيراً له ممن يعظم شعائر الله إذا جعلنا خير بمعنى أفعل من ليميز بين تعظيم الشعائر وتعظيم حرمات الله، فإن حرمة الله ذاتية فهو يقتضي التعظيم لذاته، بخلاف الأسباب المعظمة فإن الناظر في الدليل ما هو الدليل له مطلوب لذاته فينتقل عنه ويفارقه إلى مدلوله، فلهذا العالم دليل على الله لأنا نعبر منه إليه تعالى، ولا نبغي أن نتخذ الحق دليلاً على العالم فكنا نجوز منه إلى العالم وهذا لا يصحّ، فما أعلى كلام النبوّة حيث قال: ((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَنَظُرُونَ﴾ [سورة الغاشية: الآية ١٧] إلى كذا وعدد المخلوقات لتتخذ أدلة عليه لا ليوقف معها . فهذا الفرق بين حرمات الله وشعائر الله فنقول ثاني مرّة: الله أكبر تعظيماً لحرمة الله لا بمعنى المفاضلة وذلك معروف في اللسان فمعناه الله الكبير لا أفعل من فهو الكبير واضع الأسباب، وأمرنا بتعظيمها ومن لا عظمة له ذاتية لنفسه فعظمته عرض في حكم الزوال، فالكبير على الإطلاق من غير تقييد ولا مفاضلة هو الله، فهذه التكبيرة الثانية المشروعة في الأذان وأنها لهاتين الصورتين، فإن ربع التكبير فيكون تثنية التكبيرة الواحدة على الحدّ الذي ذكرناه حسّاً وعقلاً أي كما كبره اللسان بلفظ المفاضلة كذلك كبره عقلاً كأنه يقول : الله أكبر باللسان كما هو أكبر بالعقل، أي هو أكبر بدليل الحسّ ودليل العقل، ثم يثني التكبيرة الأخرى أيضاً حسّاً وعقلاً فيقول: الله أكبر أي هو الكبير لا بطريق المفاضلة حسّاً الله أكبر أي هو الكبير لا بطريق المفاضلة عقلاً حرمة وشرعاً، فهذا مشهد من ربع التكبير في الأذان الذي هو الإعلام بالإعلان. الفتوحات المكية ج٢ - م٣ ٣٤ في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها ثم قال: أشهد أن لا إله إلاَّ الله أشهد أن لا إله إلاَّ الله خفياً يسمع نفسه وهو بمنزلة من يتصور الدليل أولاً في نفسه، ثم بعد ذلك يتلفظ به وينطق معلناً في مقابلة خصمه أو ليعلم غيره مساق ذلك الدليل، وذلك أن يشهد هذا المؤذن في هذه الشهادة أنه يرى الأسباب المحجوبة عن المعرفة بالله التي أعطيت قوّة النطق وحجبت عن إدراك الأمر في نفسه بالجهل، أو عن إدراك ما ينبغي لجلال الله من إضافة الكل إليه بحجاب الغفلة فيقول الجاهل : أنا ربكم الأعلى أو المستخف وهو ضرب من الجهل، أو يقول: ما علمت لكم من إله غيري وقد يمكن أن يكون كاذباً عند نفسه عالماً بأنه كاذب لكنه استخف قومه فأطاعوه، ويقول: أنا أنعمت على فلان أنا وليت فلاناً أنا علمت فلاناً العلم الذي عنده والقرآن ولولا أنا ما علم شيئاً ممّا علمه وسمع الله يقول: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُّ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل: الآية ١٧] وقال: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢١]. وهي الأسباب التي وجدتم عندها. ثم قال لمن يرى أنا وجدنا بالأسباب لا عندها: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢] أنه أوجد الأسباب وأوجدكم عندها لا بها فيقول عند ذلك: أشهد أن لا إله إلاَّ الله أي لا خالق إلاَّ الله، فينفي ألوهية كل من ادعاها لنفسه من دون الله وأثبتها لمستحقها لو ادعاها مع الله كالمشرك فشهد بذلك لله عقلاً وشرعاً وحسّاً، ومعنى هذا كله مع نفسه كمتصور الدليل أولاً . ثم يرفع بها صوته ليسمع غيره من متعلم ومدّع وجاهل وغافل عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْءَانَ﴾ [سورة الرحمن: ١، ٢] وأمثاله مثل: ﴿خَلَقَ الْإِنِسَنَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [سورة الرحمن: ٣، ٤] فقطع حكم الأسباب فهذا معنى الشهادة وتثنيتها وتربيعها، وكذلك قوله: أشهد أن محمداً رسول الله وهو أنه لما تشهد بالتوحيد بما أعطاه الدليل شهد به علماً لا على طريق القربة لأن الإنسان من حيث عقله لا يعلم أن التلفظ بذلك وأن النظر في معرفة ذلك يقرب من الله، وإنما حظّه أن يعلم أن نفسه تشرف بصفة العلم على من يجهل ذلك، وأن التصريح به وبكل دليل على مثل هذا العلم على جهة تعليم من لا يعلم وإرداع المعاند تشريفاً لهذا النفس على نفس من ليس له ذلك لأنه لا حكم للعقل في اتخاذ شيء قربة إلى الله، فجاء الرسول من عند الله فأخبره أن يقول ذلك وأن ينظر في ذلك إن يخفيه في نفسه ويسره، وفي التعليم والإرداع للغير إذا أعلن به أن يكون ذلك على طريق القربة إلى الله، فيكون مع كونه علماً عبادة فيقول العالم المؤمن إذا أذن أو قال مثل ما يقول المؤذن: أشهد أن محمداً رسول الله علماً وعبادة، ويقولها العاميّ تقليداً وتعبداً، والتثنية في هذه الشهادة الرسالية والتربيع والحكم فيها على حكم شهادة التوحيد سواء في المراتب التي ذكرناها سواء، فإن ثلث كأذان البصريين الأربع الكلمات على نسق واحد في كل مرة فهو أن يقولها في المرة الأولى علماً وفي المرّة الثانية تعليماً لأنه معلن، وفي المرّة الثالثة عبادة فهي كلها علم وتعليم وعبادة فافهم. وما خالف البصريون الكوفيين والحجازيين والمدنيين إلاَّ في هذا، أعني التثليث والنسق ٣٥ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها وكل سنّة، والإنسان مخيّر يؤذن بأي صفة شاء من ذلك كله وهو مذهبنا كالروايات المختلفة في صلاة الكسوف وغير ذلك. ثم إن الله شرّع لنا في الأذان بعد الشهادتين أن نقول: حيّ على الصلاة مثنى ندعو بالواحدة نفسي وندعو بالثانية غيري ومعناه أقبلوا على مناجاة ربكم فتطهروا وائتوا المساجد بالمّة الواحدة، ومن كان في المسجد يقول له في المرة الثانية حين يثنيها: طهروا قلوبكم واحضروا بين يدي ربكم فإنكم في بيته قصدتموه من أجل مناجاته . وكذلك قوله: حيّ على الفلاح بالاعتبارين أيضاً والتفسيرين في المرتين، يقول للخارج والكائن في المسجد ولنفسه ولغيره: اقبلوا على ما ينجيكم فعله من عذابه بنعيمه ومن حجابه بتجليه ورؤيته، واقبلوا بالثانية من حيّ على الفلاح على ما يبقيكم في نعيمكم ولذة مشاهدتكم. ثم يقول: الله أكبر الله أكبر لنفسه ولغيره ولمن هو ينتظر الصلاة كالحاضر في المسجد ومن هو خارج في أشغاله يقول: الله أكبر ممّا أنتم فيه أي الله أولى بالتكبير من الذي يمنعكم من الإقبال الذي أمرناكم به على الصلاة وعلى الفوز والبقاء في الحيعلتين، وإنما لم يربع الثاني فإنه ليس مثل الأول، فإن الثاني أعني التكبير والحيعلتين إنما المقصود بذلك القربة والعقل لا يستقل بإدراكها فهي للشرع خاصة، فلهذا لم يربع الحيعلتين ولا التكبير الثاني، وثنى لكونه خاطب نفسه وغيره والكائن في المسجد وغير الكائن، ثم قال: لا إله إلاَّ الله فختم الأذان بالتوحيد المطلق لما كان الأذان يتضمن أموراً كثيرة فيها أفعال منسوبة إلى العبد، فربما يقع في نفس المدّعو أنه ما دعي إلى أن يفعلها إلاَّ والفعل له حقيقة والداعي أيضاً كذلك، فيخاف عليه أن يضيف الفعل إلى نفسه خلقاً كما يراه بعضهم. وما جعله الله دليلاً عليه من جملة الأدلة على توحيده إلاَّ انفراده بالخلق مثل قوله: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَنْ لَّا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل: الآية ١٧] فهي ألوهية خفية في نفس كل إنسان وهو الشرك الخفي المعفو عنه، فختم الأذان بالتوحيد من غير تثنية ولا تثليث ولا تربيع، وهذا هو التوحيد المطلق الذي جاءت به الأنبياء من عند الله عن الله، وهي أفضل كلمة قالها رسول الله وَل والنبيون من قبله، فيتنبّه السامعون كلهم أنه لا إله إلاَّ الله فوحد لطلبه التوحيد على الإطلاق وما زاد على التوحيد في كل أذان مشروع من الأربعة مذاهب في ذلك. وأمّا التثويب في أذان صلاة الصبح وهو قولهم: الصلاة خير من النوم، من الناس من يراه من الأذان المشروع فيعتبره، ومن الناس من يراه من فعل عمر فلا يعتبره ولا يقول به. وأما مذهبنا فإنا نقول به شرعاً وإن كان من فعل عمر، فإن الشارع قرّره بقوله: ((مَنْ سَنَّ سُنّةً حَسَنَةَ)) ولا شك أنها سنّة حسنة ينبغي أن تعتبر شرعاً، وهي بهذا الاعتبار من الأذان المسنون إلاَّ في مذهب من يقول: إن المسنون هو الذي فعل في زمان النبي رَّ وعرّفه وقرّره، أو يكون هو الذي سنّه وَل# فيكون حاصله عند صاحب هذا القول أنه لا يسمّى سنّة إلاَّ ما كان بهذه الصفة فما هو خلاف يعتبر ولا يقدح. وأما من زاد: حيّ على خير العمل فإن كان فعل في زمان رسول الله وَ س# كما روي أن ذلك دعا به في غزوة الخندق إذا كان الناس يحفرون ٣٦ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها الخندق فجاء وقت الصلاة وهي خير موضوع كما ورد في الحديث فنادى المنادي: أهل الخندق حيّ على خير العمل، فما أخطأ من جعلها في الأذان بل اقتدى إن صح هذا الخبر أو سنّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، وما كرهها من كرهها إلاَّ تعصباً فما أنصف القائل بها، نعوذ بالله من غوائل النفوس. فصل بل وصل في حكم الأذان: فمن قائل: إنه واجب. ومن قائل: إنه سنّة مؤكدة. والقائل بوجوبه منهم من يراه فرضاً على الأعيان. ومنهم من يراه فرض كفاية. ومن قائل: إن الأذان فرض على مساجد الجماعات وهو مذهب مالك، وفي رواية عنه أنه سنّة مؤكدة ولم يره على المنفرد لا فرض ولا سنّة. ومن قائل: إنه هو واجب على الأعيان. ومن قائل: إنه واجب على الأعيان على الجماعات سفراً وحضراً. ومن قائل: سفراً لا غير. ومن قائل: إنه سنّة للمنفرد والجماعة إلاَّ أنه آكد في حق الجماعة، واتفق الجميع على أنه سنّة مؤكدة، وفرض على المصر، وبه كان يقول شيخنا أبو عبد الله بن العاص الدلال بإشبيلية سمعته من لفظه غير مرة وكان يقول: إذا اجتمع أهل مصر على ترك الأذان أو ترك سنّة وجب غزوهم واحتجّ بالحديث الثابت: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ كَانَ إِذَا غَزَا قَوْماً صَبَّحَهُمْ فَإِنْ سَمِعَ نِدَاءٌ لَمْ يُغِرْ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ نِدَاءَ أَغَارَ)) الاعتبار في الباطن في ذلك حق كل نفس أن تدعو نفسها وغيرها إلى طاعة الله بعد وضع الشريعة، قال رسول الله وَلّ لمالك بن الحويرث ولصاحبه: ((إِذَا كُنْتُمَا فِي سَفَرٍ فَأَذْنَا وَأَقِيمًا)) الحديث، والإنسان مسافر مع الأنفاس منذ خلقه الله دنيا وآخرة لا يصحّ له أن يكون مقيماً أبداً، ولو أقام زائداً على نفس واحد لتعطل فعل الإله في حقّه، فالحق سبحانه في كل نفس في الخلق في شأن، وهو أثره في كل عين موجودة بكيفية خاصة أشهدنا الله دقيقها وجليلها فما أعزّ صاحبها عند الله، فمن فاته مراعاة أنفاسه في الدنيا والآخرة لقد فاته خير كثير . فصل بل وصل في وقت الأذان: اتفق العلماء على أنه لا يؤذن للصلاة قبل دخول وقتها ما عدا الصبح فإن فيه خلافاً، فمن قائل: بجواز ذلك أنه يؤذن لها قبل الفجر. ومن قائل: بالمنع وبه أقول، فإن الأذان قبل الوقت إنما هو عندي ذكر بصورة الأذان ما هو الأذان على جهة الإعلام بدخول وقت الصلاة، فقد كان بلال يؤذن بليل وكان رسول الله وَ ل﴿ يقول: ((لاَ يَمْنَعِكُم أَذَانُ بِلالٍ عَنِ الأُكْلِ والشُّرْبِ» يعني في رمضان ولمن يريد الصوم فإنه يؤذن بليل: ((فَكُلُواَ واشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابنُ أُمْ مَكْتوم)) وكان رجلاً أعمى فكان لا يؤذن حتى يقال له أصبحت أصبحت. فالمؤذن عندي لا يجبّ إلاَّ بعد دخول الوقت، ومن قائل لا بدّ للصبح من أذانين. أذان قبل الوقت وأذان بعده. وقال أبو محمد بن حزم: لا بدّ للصبح من أذان بعد الوقت. اعتبار الباطن في ذلك: دعاء النفوس إلى الله من الله في نفس الأمر، ودعاؤها من الأكوان بالنظر إلى الغافلين أو الجهلاء الذين هم تحت حكم الأسماء الإلهية، أو التصريف الإلهيّ ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُونَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٩٥] فلهذا قلنا في نفس الأمر. فاعلم أن للوقت ٣٧ في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها سلطاناً لا يحكم فيه غيره، فلا بدّ أن يتعين عند المحكوم عليه سلطان الوقت وهو الاسم الإلهيّ الخاص بذلك الوقت، فلا يمكن أن يدعى لها بطريق الوجوب إلاَّ بعد دخول الوقت، فعند ذلك يكون ممّن دعا إلى الله على بصيرة فإنه دعاء خاص في كل وقت بما يليق بذلك الوقت، فإن دعا في غير وقته وقع الإنسان في الجهل، فإنه يدعوه بما يخرجه عن سلطان حکمه الذي يرتقبه السامع في نفسه، فلا بدّ من الدعاء له بعد دخول وقته حتى يتعين من هو صاحب الوقت من هذه الأسماء الإلهية. انظر هل يصحّ منك الشكر قبل دخول حكم الاسم المنعم؟ فإذا كان وقتك النعمة ودخل وقتها بوجودها عندك دعيت إلى شكر المنعم، وإنما دخل الخلاف في الصبح لجهل السامع بمقصود الشارع بذلك الذكر فإنه دعاء لصاحب الوقت بخلاف سائر الصلوات، فإن الليل لما كان محلاً للنوم ونام الناس شرع النداء الآخر الذي هو الأول لإيقاظ النائمين، فهو دعاء للانتباه والاستعداد لإيقاع صلاة الصبح في أوّل الوقت فهو نداء تحضيض وتحريض، وجعل بصورة الأذان المشروع للصلاة أي من أجل الصلاة دعوناكم لتتذكروها فتتأهبوا لها فإذا دخل وقتها وجب الإعلام بدخول الوقت لجهل السامعين بدخول أول الوقت فإنه يخفى على أكثر الناس ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ أَلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ سورة الأعراف، الآية: ١٨٧]، فيعلمون بالأذان المشروع لدخول الوقت أن الوقت قد دخل، وكذلك الحكم في الإعتبار الغافل عن حكم الاسم الإلهيّ فيه ينبّهه الداعي من نومة الغفلة بأنه تحت حكم اسم إلهيّ يصرّفه وأنه لا حول ولا قوّة له إلاّ به، فإذا انتبه من نوم غفلته وتذكّر بعقله عرف عند ذلك أي اسم هو صاحب الوقت فأذعن له بحسب ما تقتضيه حقيقة ذلك الاسم الإلهيّ في حق هذا الشخص، قال تعالى: ﴿ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ اٌلْأَلْبَبِ﴾ [سورة إبراهيم: الآية ٥٢] وقال: ﴿وَذَّكْرٌ فَإِنَّ الذِّكْرَى نَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٥٥]. وإنما ذهبنا إلى أن الأذان قبل الصبح هو ذكر ونداء بصورة الأذان ما هو الأذان المشروع بالإعلام لدخول الوقت أن النبي ◌َّ قال: ((إِنَّ بِلالاً يُنَادِي بِلَيْلٍ)) ولم يقل يؤذن، وكذا قال في ابن أم مكتوم ينادي لموضع الشبهة فإنه كان أعمى فكان لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت أي قاربت الصباح. قال الراوي: وكان بين نداء بلال ونداء ابن أم مكتوم قدر ما ينزل هذا ويصعد هذا فسمّاه نداء لهذا الاحتمال أعني أذان ابن أم مكتوم، فإن الفصاحة في لسان العرب تطابق الألفاظ في سبق لما قال في بلال: ((إِنَّهُ يُنَادِي بِلَيْلِ)) ويؤيّد ما ذهبنا إليه حديث ابن عمر: إن بلالاً أذّن قبل طلوع الفجر فسمّاه ابن عمر أذاناً لما عرف من قرينة الحال فأمره رسول الله ◌ّ# أن يرجع فينادي: ألا إن العبد نام ليعرف الناس أن وقت الصلاة ما دخل، فإن الأذان المشروع إنما هو لدخول وقت الصلاة، فلما عرف من بلال أنه قصد الأذان وأن السامعين ربما أوقعوا الصلاة في غير وقتها أمره أن يعرّف الناس أنه قد غلط في أذانه، ولهذا يكون من المؤذنين بالليل الدعاء والتذكير وتلاوة آيات من القرآن والمواعظ وإنشاد الشعر لمزهد في الدنيا المذكر الموت والدار الآخرة ليعلم الناس إذا سمعوا الأذان منهم أنهم يريدون بذلك ذكر الله كما تقدم، وأنه لإيقاظ النائمين لا لدخول الوقت، ويكون لدخول ٣٨ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها الوقت مؤذن خاص يعرف بصوته، وكذا هو في الاعتبار لتنوّع الأحوال على أهل الله لا بذ لهم من علامات يفرقون بها بين الأحوال التي تعطيها الأسماء الإلهية فافهم. فصول في الشروط في هذه العبادة: قال بعض العلماء: وهي ثمانية شروط وعددها فقال إن منها: هل من شرط من أذّن أن يكون هو الذي يقيم أم لا؟ الثاني: هل من شرط الأذان أن لا يتكلم المؤذن في أثنائه أم لا؟ الثالث: هل من شرطه أن يكون المؤذن على طهارة أم لا؟ الرابع: هل من شرطه أن يتوجه المؤذن إلى القبلة أم لا؟ الخامس: هل من شرطه أن يكون المؤذن قائماً أم لا يكون؟ السادس: هل يكره الأذان للراكب أم ليس يكره؟ السابع: هل من شرطه البلوغ أم لا؟ الثامن: هل من شرطه أن لا يأخذ أجراً على الأذان أم يأخذ الأجر؟ اختلف علماء الشريعة في هذه الشروط وأدلتهم ما بين قياس ومعارضة أخبار بين صحيح وسقيم، ومذهبنا أن الأذان يصحّ بوجودها وعدمها والعمل بها أولى إن اتفق ولا يمنع من ذلك مانع، وأما الاعتبار في ذلك في الشروط كلها التي ذكرناها فاعلم أن الداعي قد يكون الاسم الإلهيّ الذي يدعو به الحق إلى الحق وهو عين الداعي الذي يقوم به بين يدي الحق في أي شيء دعا إليه من الأحوال، وقد يكون غيره من الأسماء، فلا يشترط من أذن فهو يقيم فإن فيه حرجاً الداعي إلى الحق قد يتكلم في أثناء دعائه إلى الحق لحال يطلبه بذلك لا يجوز له التأخّر عنه، إما الأدب إلهيّ أو لفرض تعين عليه، وقد لا يتكلم ما لم يقدح في فهم السامع ما يخرجه عن أن يكون داعياً له، وهذا اعتبار الشرط الثاني الداعي قد يدعو بحاله وهو طهارته وهو أفضل، وقد يدعو بما ليس هو عليه في حاله وهو خير بكل وجه كما قال الحسن بن أبي الحسن البصري وكان من أهل طريق الله العلية منهم: لو لم يعظ أحد أحداً حتى يعظ نفسه ما وعظ أحد أحداً أبداً، ولفاعل المنكر أن ينهى عن المنكر وإن لم يفعل اجتمع عليه إثمان فاعلم ذلك، وهذا هو اعتبار الشرط الثالث الداعي إن قصد بدعائه وجه الله فهو أولى، وإن قصد بذلك دنيا فلا يمنعه ذلك من الدعاء إلى الله والأول أفضل، ويرجى للآخر أن ينتفع بدعوته سامع فيدعو له فيسعد بدعائه، فهذا بمنزلة استقبال القبلة بالأذان وهو الشرط الرابع الداعي إن كان قائماً بحقوق ما يدعو إليه فهو أولى من قعوده عن ذلك في دعائه وهذا اعتبار الشرط الخامس الداعي هل يكون في دعائه حاضراً مع عبوديته وذلته أو يكون في حال نظره لعزّة نفسه وتكبّرها وعجبها وهو الذي يؤذن راكباً وحضوره مع ذلّته أولى وهو اعتبار الشرط السادس الداعي هل ينبغي له أن يدعو قبل بلوغه إلى المعرفة بمن يدعو إليه كدعاء المقلد أو لا يدعو حتى يعرف من يدعو إليه وهو اشتراط البلوغ في الأذان، وهذا اعتبار الشرط السابع الداعي إلى الله هل من شرطه أن لا يأخذ أجراً على دعائه فهو عندنا أفضل أنه لا يأخذ وإن أخذ جاز له ذلك، فإن مقام الدعوة إلى الله يقتضي الأجرة فإنه ما من نبيّ دعا قومه إلاَّ قيل له: ﴿وَيَقَوْمِ لَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالَا إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [سورة هود: الآية ٢٩] فأثبت الأجرة على دعائه وسألها من الله لا من المدعو، حتى أنّ رسول الله وَليّ ما سأل منّا في الأجر على تبليغ الدعاء ﴿إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِ الْقُرْبِى﴾ [سورة الشورى: الآية ٢٣] وهو حب أهل البيت وقرابته # وأن يكرموا من أجله كانوا ما كانوا. ٣٩ في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها وقال رسول الله وَلَهُ: ((إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ كِتَابُ اللَّهِ)) في حديث الذي رقى اللديغ بفاتحة الكتاب واستراح فقال رسول اللّه رَّ: ((اضْرِبُوا لِي فِيهَا بِسَهْم)) يعني في الغنم التي أخذوها أجراً على ذلك، فالإنسان الداعي بوعظه وتذكيره عباد الله إن آخذ أجراً فله ذلك فإنه في عمل يقتضي الأجر بشهادة كل رسول، وإن ترك أخذه من الناس وسأله من الله فله ذلك، وسبب ترك الرسل لذلك وسؤالهم من الله الأجر كون الله هو الذي استعملهم في التبليغ فكان الأجر عليه تعالى لا على المدعو، وإنما أخذ الراقي الأجر من اللديغ لأن اللديغ استعمله في ذلك، ولذلك قال النبي ◌ِّرَ: ((اضْرِبُوا لِي بِسَهْم)) لأن الرسول عليه السلام هو الذي أفاد الراقي ما رقى به ذلك اللديغ. وينظر إلى قريب منّ هذا حديث بريرة في قوله: ((هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ)) لأنها بلغت محلها وهذا هو الشرط الثامن. واعلم أن هذا الأجر أجر تفضل إلهيّ عيّنه السيد لعبده، فإن العبد لا ينبغي له استحقاق الأجر على سيده فيما يستعمله فيه فإنه ملكه وعين ماله، ولكن تفضل سيده عليه بأن عيّن له على عمله أجراً وسرّه خلقه على الصورة فإن عبيدنا إخواننا فافهم. وأما العلماء بالله عزّ وجلّ فأجرهم مشاهدة سيدهم إذا رجعوا إليه من التبليغ الذي أمرهم به فإنهم حزنوا لمفارقة ذلك المشهد الأقدس ومشاهدة الأكوان فوعدهم بأنهم إذا رجعوا إليه كان لهم المزيد في المشاهدة فأخبروا الناس أن أجرهم على الله . فصل بل وصل فيمن يقول مثل ما يقول من يسمع الأذان: واختلف علماء الشريعة في ذلك، فمن قائل: إنه يقول مثل ما يقول المؤذن كلمة بكلمة إلى آخر النداء. ومن قائل: إنه يقول مثل ما يقول المؤذن إلا إذا جاء بالحيعلتين فإن السامع يقول: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله وبالقول الأول أقول فإنه أولى، إلاَّ أن يثبت عن رسول الله مَلّ ذكر الحوقلة في ذلك فأنا أقول به، ولا أشترط أن يمشي السامع مع المؤذن في كل كلمة، ولكن إن شاء قال مثل ما يقول المؤذن في أثر كل كلمة، وإن شاء إذا فرغ يقول مثله، وذلك في المؤذن الذي يؤذن للإعلام في المنارة أو على باب المسجد أو في نفس المسجد ابتداء عند دخول الوقت من قبل أن يعلم من في المسجد أن وقت الصلاة دخل فهذا هو المؤذن الذي شرع له الأذان. وأما المؤذنون في المسجد بين الجماعة الذين يسمعون الأذان فهم ذاكرون الله بصورة الأذان فلا يجب على السامع أن يقول مثله فإن ذلك عندنا بمنزلة السامع يقول مثل ما قال المؤذن ولم يشرع لنا ولا أمرنا أن نقول مثل ما يقول السامع إذا قال ما يقول المؤذن. اعتبار ذلك في الباطن: قال تعالى فيما يقوله الرسول وَله: ﴿أَدْعُواْ إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ أَتَّبَعَنِى﴾ [سورة يوسف: الآية ١٠٨] والمؤذن داع إلى الله بلا شك ثم قال: ﴿وَمَنِ أَتَّبَعَنِّ﴾ وهو غير النبيّ يدعو بمثل دعوة النبيّ عليه السلام عباد الله إلى توحيد الله والعمل بطاعته، وهو بمنزلة السامع للمؤذن الذي أمره الشارع أن يقول مثل ما يقول المؤذن لا يزيد على ذلك ولا ينقص، كذلك ينبغي للداعي إلى الله أن يدعو بشرعه المنزل المنطوق به حاكياً لا يزيد على دعاء رسول الله وَّ وهو قوله وَلّ: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرءاً سَمِعَ مِنِّي كَلِمَةً فَوَعَاهَا فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَها فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ)). وهذه مسألة اختلف الناس فيها أعني في هذا الخبر في نقله على ٤٠ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها المعنى، والصحيح عندي أن ذلك لا يجوز جملة واحدة إلاَّ أن يبين الناقل أنه نقل على المعنى، فإن الناقل على المعنى إنما ينقل إلينا فهمه من كلام رسول الله وَله، وما تعبدنا الله بفهم غيرنا إلاَّ بشرط في الأخبار بالاتفاق وفي القرآن بخلاف في حق الأعجميّ الذي لا يفهم اللسان العربيّ، فإن هذا الناقل على المعنى ربما لو نقل إلينا عين لفظه وَل# ربما فهمنا مثل ما فهم أو أكثر أو أقل أو نقيض ما فهم، فالأولى نقل الحديث كما ننقل القرآن، فالداعي إلى الله لا يزيد على ما جاء به رسول الله وسلّر من الأخبار بالأمور المغيبة إلاَّ إن أطلعه الله على شيء من الغيب ممّا علمه الله، فله أن يدعو به مما لا يكون مزيلاً لما قرّره الشرع بالتواتر عندنا أي على طريق يفيد العلم لا بدّ من هذا، فعلى هذا الحد يكون الاعتبار في القول مثل ما يقول المؤذن حتى لو قال السامع: سبحان الله عند قول المؤذن: الله أكبر لم يمتثل أمر رسول الله وَّلله، ومن لم يمتثل أمر رسول الله وَ له لم يمتثل أمر الله فإن الله يقول: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [سورة النساء: الآية ٥٩] وقال: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [سورة النساء: الآية ٨٠] وأمرنا رسول الله # أن نقول مثل ما يقول المؤذن وإن كان قال هذا السامع خيراً، وكذلك لو قال الله الكبير لم يقل مثله إلاَّ إن قال المؤذن الله الكبير وفيه خلاف في حق المؤذن بهذا اللفظ، فمن أجاز ذلك أوجب على السامع أن يقول مثله، فلو قال السامع: الله أكبر فقد قال الأذان المشروع المنصوص عليه المنقول بالتواتر، وبين قول الإنسان: الله الكبير، وقوله: الله أكبر فرقان عظيم، فإذن لا ينبغى أن تنقل الأخبار إلاّ كما تلفّظ بها قائلها إلا في مواضع الضرورة وذلك في الترجمة لمن ليس من أهل ذلك اللسان، فأمّا في القرآن فينبغي أن ينقل المسطور ويقرّر لفظه كما ورد، وبعد ذلك يترجم عنه حتى يخرج من الخلاف ويكون في الترجمة مفسراً لا تالياً، وأمّا في غير القرآن فله أن يترجم على المعنى بأقرب لفظ يكون بحكم المطابقة على المعنى كما كان في الخبر النبويّ . فصل بل وصل في الإقامة: للإقامة حكم وصفة، أمّا حكمها فاختلف الناس فيه فقوم قالوا: إنها سنّة مؤكدة في حق الأعيان والجماعات أكثر من الأذان. وقوم قالوا: هي فرض وهو مذهب بعض أهل الظاهر، فإن أرادوا أنها فرض من فروض الصلاة تبطل الصلاة بسقوطها، وإن لم يقولوا ذلك صحّت الصلاة ويكون عاصياً بتركها، على أني رأيت لبعضهم أن الصلاة فتبطل بتركها. ومن قائل: إنه من تركها عامداً بطلت صلاته وهو مذهب ابن كنانة، اعتبار ذلك في الحكم الإقامة لأجل الله فرض لا بدّ منه، والإقامة لما أمرنا الله أن أقيم له فنحن فيه بحسب قرائن الأحوال، فإذا أعطت قرينة الحال أن ذلك الأمر على الوجوب أوجبناها مثل قوله: ﴿أَقِيمُوْ اَلِّينَ وَلَا نَنَفَرَّقُواْ فِيَّهِ﴾ [سورة الشورى: الآية ١٣] ومثل قوله: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ﴾ [سورة النساء: الآية ٧٧] ومثل قوله: ﴿وَأَقِيمُواْ أَلْوَزْنَ بِالْقِسْطِ ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٩] فهذا هو حد الواجب، فإن رجحت الوزن في القضاء فهو أفضل فإنك قد امتثلت أمر الله، فإنه ما رجح الميزان حتى اتصف بالإقامة التي هي حدّ الواجب ثم رجح، والذي يخسر الميزان ما بلغ بالوزن حد الإقامة حتى يحصل الواجب مثل ما فعل المرجح فما حمدنا المرجح إلاَّ