النص المفهرس
صفحات 1-20
الفُتَوْحَاتُ المَكْتَة للشيخ الإمام خاتم الأولياء أبي بكر محيي الدين محمّد بن علي بن محمّد بن أحمد بن عبدالله الحاتي "المعروف بابن عرب" المتوفىّ سنة ٦٣٨ هـ حَبَةٍ وَصَحّه وَ وَضَ فَارَسَه أحمد مر الدّين المجلد الثاني مشوَوَاتْ وأد على بيضوت دار الكتب العلمية بسبرات -ليـ الفَتَوَانِيُ المَكِيَ تأليف الشيخ الإمَام خاتم الأولياء أبي بكر محي الدين مُحَمَد بن عليّ بن محمّد بن أحمد بن عَبْد اللّه الحاتي المعروف بابن عَرَبي المتوفى سنة ٦٣٨هـ ضَبَطَهٍ وَصَّهُ وَوَضِعَ فَهَارِسَه أحمد مر الدين الجُزء الثَّاني منشورات محمد عَلى بيضون دار الكتب العلمية بيروت- لبنان بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ أبواب الطهارة من النجس اعلم أن الطهارة طهارتان: طهارة غير معقولة المعنى وهي الطهارة من الحدث المانع من الصلاة. وطهارة من النجس وهي معقولة المعنى فإن معناها النظافة. وهل هي شرط في صحة الصلاة كطهارة المحدث من الحدث أم هي غير شرط؟ فمن قائل: إن الطهارة من النجس فرض مطلق وليست شرطاً في صحة الصلاة. ومن قائل: إنها واجبة كالطهارة من الحدث التي هي شرط في صحة الصلاة. ومن قائل: إنها سنّة مؤكدة. ومن قائل: إن إزالتها فرض مع الذكر ساقط مع النسيان . وصل اعتبار ذلك في الباطن: اعلم أن الطهارة في طريقنا طهارتان: طهارة غير معقولة المعنى وهي الطهارة من الحدث والحدث وصف نفسي للعبد فكيف يمكن أن يتطهر الشيء من حقيقته؟ فإنه لو تطهر من حقيقته انتفت عينه، وإذا انتفت عينه فمن يكون مكلفاً بالعبادة؟ وما ثم إلاّ الله. فلهذا قلنا: إن الطهارة من الحدث غير معقولة المعنى، فصورة الطهارة من الحدث عندنا أن يكون الحق سمعك وبصرك وكلك في جميع عباداتك فأثبتك ونفاك، فتكون أنت من حيث ذاتك، ويكون هو من حيث تصرفاتك وإدراكاتك، فأنت مكلف من حيث وجود عينك محل للخطاب وهو العامل بك من حيث أنه لا فعل لك، إذ الحدث لا أثر له في عين الفعل ولكن له حكم في الفعل، إذ كان ما كلفه الحق من حركة وسكون لا يعمله الحق إلا بوجود المتحرّك والساكن إذ ليس إذ لم يكن العبد موجوداً لا لحق والحق تعالى عن الحركة والسكون، أو يكون محلاً لتأثيره في نفسه، فلا بدّ من حدوث العبد حتى يكون محلاً لأثر الحق، فمن كونه حدثاً وجبت الطهارة على العبد منه، فإنّ الصلاة التي هي عين الفعل الظاهر فيه لا يصحّ أن تكون منه لأنه لا أثر له بل هو سبب من حيث عينيته لظهور الأثر الإلهيّ فيه، فبالطهارة من نظر الفعل لحدثه صحّت الأفعال أنها لغيره مع وجود العين لصحة الفعل الذي لا تقبله ذات الحق، وليست هكذا الطهارة من النجس، فإن النجس هو سفساف الأخلاق وهي معقولة المعنى فإنها النظافة، فالطهارة من النجاسات هي الطهارة بمكارم الأخلاق، وإزالة سفسافها من النفوس فهي طهارة النفوس، وسواء قصدت بذلك العبادة أو لم تقصد، فإن قصدت العبادة ففضل على فضل ونور على نور، وإن لم تقصد ففضل لا غير، فإن مكارم الأخلاق مطلوبة لذاتها، وأعلى منزلتها استعمالها عبادة بالطهارة من النجاسات، وإزالة النجاسات من النفوس التي قلنا هي الأخلاق المذمومة فرض عندنا ما هي شرط في صحة العبادة، فإن الله قد جعلها عبادة مستقلة مطلوبة لذاتها، فهي كسائر الواجبات فرض مع ٣ ٤ في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة الذكر ساقطة مع النسيان، فمتى ما تذكرها وجبت كالصلاة المفروضة، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ لِذِكْرِىّ﴾ [سورة طه: الآية ١٤] ثم نذكر الكلام في الأحكام المتعلقة بأعيانها فنقول: باب في تعداد أنواع النجاسات اتفق العلماء رضي الله عنهم من أعيانها على أربع: على ميتة الحيوان ذي الدم الذي ليس بمائي. وعلى لحم الخنزير بأي سبب اتفق أن تذهب حياته. وعلى الدم نفسه من الحيوان الذي ليس بمائي انفصل من الحيّ. أو من الميت إذا كان مسفوحاً أعني كثيراً. وعلى بول ابن آدم ورجيعه إلاّ الرضيع، واختلفوا في غير ذلك. وصل اعتبار الباطن في ميتة الحيوان ذي الدم البريّ: اعلم أن الموت موتان: موت أصليّ لا عن حياة متقدّمة في الموصوف بالموت وهو قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨] فهذا هو الموت الأصليّ وهو العدم الذي للممكن إذ كان معلوم العين الله ولا وجود له في نفسه، ثم قال تعالى: ﴿فَأَحْيَكُمْ﴾ وموت عارض وهو الذي يطرأ على الحيّ فيزيل حياته وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ وهذا الموت العارض هو المطلوب في هذه المسألة. ثم زاد وصفاً آخر فقال: ذي الدم الذي له دم سائل يقول أي الحيوان الذي له روح سائل أي سار في جميع أجزائه لا يريد من هي حياته عين نفسه التي هي لجميع الموجودات، ثم زاد وصفاً آخر فقال: الذي ليس بمائي يريد الحيوان البريّ أي الذي في البرّ ما هو حيوان البحر إذ البحر عبارة عن العلم فيقول: لا أريد بالحيوان الموجود في علم الله فإن في ذلك يقع الخلاف، وإنما أريد الحيوان الذي ظهرت عينه وكانت حياته بالهواء، فبهذه الشروط كلها ثبتت نجاسته بلا خلاف، فإذا زال شرط منها لم يكن المطلوب بالاتفاق، فإذا كانت حياة العبد عارضة لا ذاتية فينبغي أن لا يزهو بها ولا يدعي، فلما ادّعى وقال: أنا وغاب عن شهود من أحياه عرض له الموت العارض أي هذا أصلك فرّه إلى أصله، ولكن غير طاهر بسبب الدعوى ونسيان من أحياه، ثم إنا نظرنا في السبب الموجب لهذه الدعوى قال: كونه برّياً، فقلنا: ما معنى كونه برّياً؟ فقال: حياته من الهواء، فعلمنا أن الهوى هو الذي أرداه كما قال تعالى: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَى﴾ [سورة النازعات: الآية ٤٠] فكل متردّد بين هواءين لا بدّ من هلاكه كما قال صاحبنا بوزيد عبد الرحمن الفازازي رحمه الله : [السريع] صلاحُ حالي بهما مستحيل هوّى صحيحٌ وهواءٌ عليلْ أنشدنيها لنفسه بتلمسان سنة تسعين وخمسمائة، فكل عبد اجتمعت فيه هذه الشروط اتفق العلماء على أنه نجس. وأمّا اعتبار لحم الخنزير فإنّ لحمه مسرى الحياة الدمية، فإنّ اللحم دم جامد وصفة الخنزيرية وهي التولع بالقاذورات التي تستخبئها النفوس وهي مذام الأخلاق إذا ذهبت الحياة من ذلك اللحم كان نجساً، وذلك إذا اتفق أن يكون صاحب الخلق المذموم يغيب عن حكم الشرع فيه الذي هو روحه كان في حقّه ميتة، قال تعالى: ﴿وَجَزَّوُاْ ٥ في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة سَيْئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [سورة الشورى: الآية ٤٠] فقال مثلها ولم يقيد من وجه كذا فألحقها بمذام الأخلاق، ثم قال فيمن لم يفعلها ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ [سورة الشورى: الآية ٤٠] فنبّه على أن ترك الجزاء على السيئة من مكارم الأخلاق ولهذا قلنا بأي شيء ذهبت حياته إذ كانت التذكية لا تؤثر فيه طهارة، وقد قال رسول الله وَّر في الرجل الذي طلب القصاص من قاتل من هو وليّه فطلب منه رسول الله وَالله أن يعفو عنه أو يقبل الدية فأبى فقال: خذه فأخذه فلما قفى قال رسول الله وَّ﴾: ((أَمَا إِنَّهُ إِنْ قَتَلَهُ كَانَ مِثْلَهُ)) يريد قوله تعالى: ﴿وَحَزَّوْاْ سَمْثَةٍ سَفِئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [سورة الشورى: الآية ٤٠] فبلغ ذلك القول الرجل فرجع إلى النبيّ بِّر وخلى عن قتله. وينبني على هذا مسألة القبح والحسن وهي مسألة كبيرة خاض الناس فيها، وليس هذا الباب موضع الكشف عن حقيقة ذلك وإن كنّا قد ذكرناها في هذا الكتاب. والثالث من النجاسات المتفق عليها الدم نفسه من الحيوان البرّي إذا انفصل عن الحيّ أو عن الميت وكان كثيراً أعني بحيث أن يتفاحش، فقد أعلمناك أن الحيوان البريّ هو العين الموجودة لنفسها ما هي الموجود في علم الله كحيوان البحر وأن حياتها بالهواء وأن الدم هو الأصل الذي يخرج من حرارته ذلك البخار الذي تكون منه حياة ذلك الحيوان وهو الروح الحيوانيّ، فلما كان الدم أصلاً في هذه النجاسة كان هو أولى بحكم النجاسة ممّا تولد عنه، فالذي أورث العبد الدعوى هو العزّة التي فطر الإنسان عليها حيث كان مجموع العالم ومضاهياً لجميع الموجودات على الإطلاق، فلما غاب عن العناية الإلهية به في ذلك والموت الأصلي الذي نبّه الله عليه في قوله: ﴿وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨] وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [سورة مريم: الآية ٩] وقوله: ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ [سورة الإنسان: الآية ١] لذلك اتفق العلماء على نجاسته إذا تفاحش أي كثرت منه الغفلة عن هذا المقام، فإن لم يتفاحش لم يقع عليه الاتفاق في هذا الحكم. الرابع: بول ابن آدم ورجيعه اعتباره. اعلم أنه من شرفت مرتبته وعلت منزلته كبرت صغيرته، ومن كان وضيع المنزلة خسيس المرتبة صغرت كبيرته، والإنسان شريف المنزلة رفيع المرتبة نائب الحق ومعلم الملائكة، فينبغي أن يطهر من عاشره ويقدس من خالطه، فلما غفل عن حقيقته اشتغل بطبيعته فصاحبته الأشياء الطاهرة من المشارب والمطاعم أخذ طيبها بطبيعته لا بحقيقته، وأخرج خبيثها بطبيعته لا بحقيقته، فكان طيبها نجساً وهو الدم، وكان خبيثها نجساً وهو البول والرجيع، وكان الأولى أن لا يكسبه خبث الروائح فإنه من عالم الأنفاس فكانت نجاسته من حيث طبيعته وكذلك هي من كل حيوان، غير أن حقائق الحيوانات وأرواحها ليست في علو الشرف والمنزلة مثل حقيقة الإنسان فكانت زلته كبيرة، فاتفقوا بلا خلاف على نجاسته من مثل هذا، واختلفوا في سائر أبوال الحيوانات ورجيعها وإن كان الكل من الطبيعة، فمن راعى الطبيعة قال بنجاسة الكل، ومن راعى منزلة الشرف والانحطاط قال بنجاسة بول الإنسان ورجيعه، ولم يعف عنه لعظم منزلته وعفى عمّن هو دونه من الحيوانات، فقد أبنت لك عن سبب الاتفاق والاختلاف والحمد لله، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ٦ في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة باب في ميتة الحيوان الذي لا دم له وفي ميتة الحيوان البحري اختلف العلماء في هاتين الميتتين، فمن قائل: إنها طاهرة وبه أقول. ومن قائل : بطهارة ميتة البحر ونجاسة ميتة البر التي لا دم لها إلاَّ ما وقع الاتفاق على طهارتها لكونها ليست ميتة كدود الخل وما يتولد في المطعومات. ومن قائل: بنجاسة ميتة البر والبحر إلاَّ ما لا دم له. وصل اعتباره في الباطن: قد أعلمناك فيما تقدّم آنفاً من هذه الطهارة اعتبار الدم، فمن قائل : بطهارة ميتة الحيوان الذي لا دم له فهو البراءة من الدعوى لأن الحياة المتولدة من الدم فيها تقع الدعوى لا في الحياة التي لجميع الموجودات التي يكون بها التسبيح الله بحمده، فإن تلك الحياة طاهرة على الأصل لأنها عن الله من غير سبب يحجبها عن الله. ومن قال بطهارة ميتة البحر وإن كان ذا دم فإنه في علم الله، ولا حكم على الأشياء في علم الله وإنما تتعلق بها الأحكام إذا ظهرت في أعيانها وهو بروزها من العلم إلى الوجود الحسّي، وعلى مثل هذا تعتبر بقية ما اختلفوا فيه من ذلك في هذه المسألة. انتهى الجزء الرابع والثلاثون. (الجزء الخامس والثلاثون) بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ باب الحكم في أجزاء ما اتفقوا عليه أنه ميتة اختلف العلماء رضي الله عنهم في أجزاء ما اتفقوا عليه أنه ميتة مع اتفاقهم على أن اللحم من أجزاء الميتة ميتة، وقد بيّنا اعتبار اللحم في لحم الخنزير، واختلفوا في العظام والشعر، فمن قائل: إنهما ميتة. ومن قائل: إنهما ليستا بميتة وبه أقول. ومن قائل: إن العظم ميتة وإن الشعر ليس بميتة . وصل اعتبار الباطن في ذلك: لما كان الموت المعتبر في هذه المسألة هو الطارىء المزيل للحياة التي كانت في هذا المحل نظرنا إلى مسمّى الحياة، فمن جعل الحياة النمو قال: إنهما ميتة. ومن جعل الحياة الإحساس قال: إنهما ليستا بميتة. ومن فرّق قال: إن العظم يحسّ فهو ميتة، والشعر لا يحسّ فليس بميتة، فمن رأى نموّه بالغذاء وحسّه بالروح الحيوانيّ فهما ميتة، سواء عبّر بالحياة عن النموّ أو عن الحسّ، ومن كان يرى نموّه بربه لا بالغذاء وإدراكه المحسوسات بربه لا بالحواس لم يلتفت إلى الواسطة لفنائه بشهود الأصل الذي هو خالقه، وإن رأى أن الحق سمعه وبصره وهو عين حسّه لم يصح عنده أنه ميتة أصلاً، وسواء كانت الحياة عبارة عن النموّ أو عن الحسّ . باب الانتفاع بجلود الميتة فمن قائل: بالانتفاع بها أصلاً دبغت أم لم تدبغ. ومن قائل: بالفرق بين أن تدبغ وبين أن لا تدبغ، وفي طهارتها خلاف. فمن قائل: إن الدباغ مطهر لها. ومن قائل: إن الدباغ لا يظهرها ولكن تستعمل في اليابسات. ثم إن الذين ذهبوا إلى أن الدباغ مطهر اتفقوا على أنه ٧ في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة مطهر لما تعمل فيه الذكاة يعني المباح الأكل من الحيوان. واختلفوا فيما لا تعمل فيه الذكاة، فمن قائل: إن الدباغ لا يطهر إلاّ ما تعمل فيه الذكاة فقط وإن الدباغ بدل من الذكاة في إفادة الطهارة. ومن قائل: إن الدباغ يعمل في طهارة ميتات الحيوانات ما عدا الخنزير. ومن قائل : بأن الدباغ يطهر جميع ميتات الحيوان الخنزير وغيره، والذي أذهب إليه وأقول به: إن الانتفاع جائز بجلود الميتات كلها، وإن الدباغ يطهرها كلها لا أحاشي شيئاً من ميتات الحيوان. وصل الاعتبار في ذلك في الباطن: قد عرّفناك مسمّى الميتة، فالانتفاع لا يحرم بجلدها وهو استعمال الظاهر، فمن أخذ في الأحكام بالظاهر من غير تأويل ولا عدول عن ظاهر الحكم الذي يدل عليه اللفظ فلا مانع له من ذلك، ولا حجة علينا لمن يقول بما يدل عليه بعض الألفاظ من التشبيه فنقول: ما وقفت مع الظاهر فإنه ما جاء الظاهر بالتشبيه لأن المثل وكاف الصفة ليست في الظاهر، فما ذلك الخطأ في المسألة إلاَّ من التأويل واللفظ إذا كان بهذه النسبة مع اللفظ الصريح الذي لا يحتمل التأويل كان إذا قرنته به بمنزلة الميتة من الحيّ، فلما لم نجد من الشارع مانعاً من الانتفاع بقيتا على الأصل وهو قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٩] ولم يفصل طاهراً من غير طاهر فلا نحكم بطهارته، وإن انتفعنا به إلا إذا دبغ فهو إذ ذاك طاهر، واعتباره أن اللفظ الوارد من الشارع المحتمل فنحكم بظاهره ولا نقطع به أن ذلك هو المراد، فإذا اتفق أن نجد نصاً آخر في ذلك المحكوم به يرفع الاحتمال الذي أعطاه ذلك اللفظ الآخر طهر ذلك اللفظ الأوّل من ذلك الاحتمال وكان له هذا الخبر الثاني كالدباغ لهذا الجلد، فجمعنا بين الطهارة له في نفسه وهو صرفه بالخبر الثاني إلى أحد محتملاته على القطع وانتفعنا به مثل ما كنّا ننتفع به قبل أن يكون طاهراً من حيث انتفاعنا به لا من حيث انتفاعنا به من وجه خاص، فإنه قد يكون ذلك الخبر يصرفه عن الظاهر الذي كنّا نستعمله فيه إلى أمر آخر من محتملاته، فلهذا قلنا من حيث ما هو منتفع به لا من حيث ما هو منتفع به في وجه خاص إذ كان غيرنا لا يرى الانتفاع به أصلاً . باب في دم الحيوان البحريّ وفي القليل من دم الحيوان البريّ اختلف العلماء رضي الله عنهم في دم الحيوان البحريّ، وفي القليل من دم الحيوان البريّ، فمن قائل: دم السمك طاهر. ومن قائل: إنه نجس على أصل الدماء. ومن قائل: إن القليل من الدماء والكثير واحد في الحكم. ومن قائل: إن القليل معفوّ عنه، والذي أذهب إليه أن التحريم ينسحب على كلٍ دم مسفوح من أيّ حيوان كان ويحرم أكله. وأما كونه نجاسة فلا أحكم بنجاسة المحرّمات إلاَّ أن ينص الشارع على نجاستها على الإطلاق، أو يقف على القدر الذي نصّ على نجاسته، وليس النص بالاجتناب نصاً في كل حال فيفتقر إلى قرينة ولا بدّ، فما كلّ محرّم نجس، وإن اجتنبناه فما اجتنبناه لنجاسته، فإن كونه نجاسة حكم شرعيّ، وقد يكون غير مستقذر عقلاً ولا مستخبث. وصل اعتباره في الباطن: الحكم على الشيء الذي يقتضيه لنفسه لا يشترط فيه وجود ٨ في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة عينه ولا تقدير وجود عينه، فسواء كان معدوم العين أو موجوداً الحكم فيه على السواء، سواء كان بطهارته أو عدم طهارته، فلا يؤثر كونه في علم الله أو كونه موجوداً في عينه، ألا ترى إلى الممكن قد رجح المرجح وجوده على عدمه أو عدمه على وجوده ومع ذلك ما زال عن حكم الإمكان عليه وأن الإمكان واجب له لذاته، كما أنّ الإحالة للمحال واجبة له لذاته، كما أن الوجوب للواجب واجب له لذاته، فينسحب معقول الوجوب على الواجب لنفسه، وكذلك حكم الممكن والمحال لا يتغير حكمه وإن اختلفت المراتب. باب حكم أبوال الحيوانات كلها وبول الرضيع من الإنسان اختلف أهل العلم في أبوال الحيوانات كلها وأروائها ما عدا الإنسان إلاَّ بول الرضيع، فمن قائل: إنها كلها نجسة. ومن قائل: بطهارتها كلها على الإطلاق. ومن قائل: إن حكمها حكم لحومها، فما كان منها أكله حلالاً كان بوله وروثه طاهراً، وما كان منها أكله حراماً كان بوله وروثه نجساً، وما كان منها لحمه مكروهاً أكله كان بوله وروثه مكروهاً. وصل اعتباره في الباطن: الطهارة في الأشياء أصل والنجاسة أمر عارض، فنحن مع الأصل ما لم يأت ذلك العارض وهذا مذهبنا، فالعبد طاهر الأصل في عبوديته لأنه مخلوق على الفطرة وهي الإقرار بالعبودية للرب سبحانه، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِيّ ◌َادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٧٢] قال رسول الله وَّ في هذه الآية: ((إِنَّ اللَّه لَمَّا خَلَقَ آدَمَ قَبَضَ عَلَى ظَهْرِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ كَأَمْثَالِ الذَّرِ فَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ)) وكذلك العلم طاهر في تعلّقه بمعلومه، فمهما عرض تحجير من الحق في أمر ما وعلم ما وقفنا عنده وكذلك الحياة لذاتها طاهرة مطهرة، وكل ما سوى الله حيّ فكل ما سوى الله طاهر بالأصل، فباسمه القدّوس خلق العالم كله، وإنما قلنا: كل ما سوى الله حيّ فإنه ما من شيء والشيء أنكر النكرات إلاَّ وهو يسبح بحمد الله، ولا يكون التسبيح إلاّ من حيّ، وإن كان الله قد أخذ بأسماعنا عن تسبيح الجمادات والنبات والحيوان الذي لا يعقل، كما أخذ بأبصارنا عن إدراك حياة الجماد والنبات إلاَّ لمن خرق الله له العادة كرسول الله رَّل ومن حضر من أصحابه حين أسمعهم الله تسبيح الحصى، فما كان خرق العادة في تسبيح الحصى، وإنما انخرقت العادة في تعلّق أسماعهم به، وقد سمعنا بحمد الله في بدء أمرنا تسبيح حجر ونطقه بذكر الله، فمن الموجودات ما هي حيّ بحياتين: حياة مدركة بالحسّ وحياة غير مدركة بالحسّ، ومنها ما هو حيّ بحياة واحدة غير مدركة بالحسّ عادة، ومنها ما هو حيّ بثلاثة أنواع من الحياة وهو الإنسان خاصة: فإنه حيّ بالحياة الأصلية التي لا يدركها بالحسّ عادة، وهو أيضاً حيّ بحياة روحه الحيوانيّ وهو الذي يكون به الحسّ، وهو حىّ أيضاً بنفسه الناطقة فالعالم كله طاهر، فإن عرض له عارض إلهيّ يقال له نجاسة حكمنا بنجاسة ذلك المحل على الحدّ المقدر شرعاً خاصة في عين تلك النسبة الخاصة، فالنجاسة في الأشياء عوارض نسب، وأعظم النجاسات الشرك بالله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسُّ ٩ في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة فَلَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [سورة التوبة: الآية ٢٨] فالمشرك نجس العين، فإذا آمن فهو طاهر العين أي عين الشرك وعين الإيمان فافهم فإنه ما يصدر عن القدوس إلاَّ مقدس، ولذا قلنا في النجاسة إنها عوارض نسب، والنسب أمور عدمية، فلا أصل للنجاسة في العين إذ الأعيان طاهرة بالأصل الظاهرة منه، وهنا أسرار لا يمكن ذكرها إلاَّ شفاهاً لأهلها فإن الكتاب يقع في يد أهله وغير أهله، فمن فهم ما أشرنا إليه فقد حصل على كنز عظيم ينفق منه ما بقيت الدنيا والآخرة أي إلى ما لا يتناهى وجوده، والله المؤيّد معلم الإنسان البيان. باب حكم قليل النجاسات اختلف أهل العلم في قليل النجاسات، فمن قائل: إن قليلها وكثيرها سواء. ومن قائل: إن قليلها معفوّ عنه وهؤلاء اختلفوا في حدّ القليل. ومن قائل: إن القليل والكثير سواء إلاّ الدم، وقد تقدم الكلام في الدم، وعندنا أن القليل والكثير سواء إلاَّ ما لا يمكن الانفكاك عنه، ولا يعتبر في ذلك منع وقوع الصلاة بها أو وقوعها فإن ذلك حكم آخر، والتفصيل في ذلك قد ورد في الشرع فيوقف عنده ولا يتعدى فإنه لا يلزم من كونه نجاسة عدم صحة الصلاة بها، فقد يعفو الشرع عن بعض ذلك في موضع وقد لا يعفو في موضع، وللأحوال في ذلك تأثير، فقد أزال رسول الله وَ ﴿ نعله في الصلاة من دم حلمة أصاب نعله ولم يبطل صلاته ولا أعاد ما صلّى به. وصل اعتباره في الباطن: أما اعتباره في الباطن فمذام الأخلاق والجهالات وإساءة الظنون في بعض المواطن قليل ذلك وكثيره سواء، وفي ذلك حكايات وأقوال لأهل الله، والتفصيل الوارد في الخلاف في الظاهر يعتبر بحسبه فإنه قد تقدّم في الفصول قبل هذا كيف تؤخذ وجوه الاعتبار فيه في الباطن؟ باب حكم المنيّ اختلف علماء الشريعة في المنيّ هل هو طاهر أو نجس؟ فمن قائل: بطهارته. ومن قائل : بنجاسته . وصل اعتباره في الباطن: التكوين منه طبيعيّ ومنه غير طبيعيّ، وبينهما فرقان إن شئنا اعتبرنا وإن شئنا لم نعتبره، فإن التكوين الطبيعيّ لا فرق عندنا بينه وبين التكوين غير الطبيعيّ، فإنّ التكوين الطبيعيّ من حيث الوجه الخاص المعلوم عند أهل الله المنصوص عليه في القرآن صادر عن حضرة التقديس والاسم القدّوس، ومن غير ذلك الوجه الخاص فهو صادر عن مثله، وهو الذي أيضاً نقول فيه عالم الخلق وعالم الأمر، فكل موجود عند سبب مخلوق ممّا سوى الله هو عالم الخلق، وكل ما لم يوجد عند سبب مخلوق فهو عالم الأمر، والكل على الحقيقة عالم الأمر، إلاَّ أنا لا يمكننا رفع الأسباب من العالم فإن الله قد وضعها ولا سبيل إلى رفع ما وضعه الله، فأقول: إنه من احتجب بنفسه عن ربّه فليس بطاهر، ولما كان خروج المنيّ غالباً يستغرق لذته الإنسان بل الحيوان كله حتى يفنى عن ربّه إلاَّ عن حكم الخارج منه ١٠ في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة وهو المنيّ كان المنيّ غير طاهر، ولهذا أمرنا بالتطهير منه أي التطهير العام لجميع أجزاء البدن لأنه ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الْقُلْبِ وَالتَّآيِبِ﴾ [سورة الطارق: الآية ٧] ومن راعى أن الحق ما تولّى التكوين الطبيعيّ إلا به حكم بطهارته لأن الحال اختلف فيه فإنه دم مقصور قصرته المثانة فتغير عن الدمية فتغير الحكم وهو أولى، فالمنيّ عندنا طاهر إلاّ أن يخالطه شيء نجس لا يتمكن تخليصه منه، وحينئذ نحكم به أنه نجس بما طرأ عليه كما كان أصله وعينه دماً، فلو بقي على صورته في أصله من الدمية إذا خرج حكمنا بنجاسته شرعاً . باب في المحال التي تزال عنها النجاسة أما المحال التي تزال عنها النجاسة شرعاً فهي ثلاثة: الثياب والأبدان أبدان المكلفين والمساجد. وصل اعتباره في الباطن: فالثياب الباطنة الصفات فإن لباس الباطن صفاته، يقول امرؤ القيس لعنيزة: [الطويل] وإن كنت قد ساءتْكِ مني خَليقةٌ فسلْي ثيابي من ثيابِك تَنْسُلٍ أراد ما لبسه من ثياب مودتها في قلبه، يقول الله: ﴿وَلِبَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٢٦] وهو موجّه عندي لقرائن الأحوال مثل قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَىَّ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٩٧] سواء إن تفطنت لما أراد هنا بالتقوى واعتبار الأبدان القلوب والأرواح فاعلم، واعتبار المساجد مواطن المناجاة وأحوالها الإلهية . باب في ذكر ما تزال به هذه النجاسات من هذه المحال اتفق العلماء بالشريعة على أن الماء الطاهر المطهر يزيلها من هذه المحال الثلاثة، وعندنا كل ما يزيل عينها فهو مزيل من تراب وحجر ومائع، ويعتبر اللون في بقاء عينها إن كانت ذات لون يدركه البصر، ولا يعتبر بقاء الرائحة مع ذهاب العين لعلم عندنا آخر. وصل الاعتبار في ذلك: إن العلم الذي أنتجته التقوى في قوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهُ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٢] وقوله: ﴿إِن تَنَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [سورة الأنفال: الآية ٢٩] فذلك العلم هو المزيل المطهر، هذه المحال الثلاثة التي ذكرناها وهي في الباطن الصفات والقلوب والأحوال التي قلنا إنها الثياب والأبدان والمساجد، واتفق العلماء أيضاً أن الحجارة تزيلها من المخرجين وهو المعبر عنه في الشرع بالاستجمار، ولا يصحّ عندي الاستجمار بحجر واحد فإنه نقيض ما سمّي به الاستجمار فإن الجمرة الجماعة وأقل الجماعة اثنان، والاعتبار هنا في محل الاتفاق أن الحجارة لما أوقع الله النسبة بينها وبين القلوب في أمور منها: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِىَ كَلِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ ﴾ [سورة البقرة: الآية ٧٤] والقسوة ممّا ينبغي أن يتطهر منها كانت ما كانت فإنها من نجاسات القلوب المأخوذ بها والمعفو عنها ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرْ مِنْهُ الْأَنْهَرْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٧٤] وهي من القلوب العلوم الغزيرة الواسعة المحيطة بأكثر المعلومات، وتفجرها خروجها على ألسنة العلماء للتعليم في الفنون المختلفة ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا ١١ في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة ٠ يَشَقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءً﴾ [سورة البقرة: الآية ٧٤] وهي القلوب التي تغلب عليها الأحوال فتخرج في الظاهر على ألسنة أصحابها بقدر ما يشقق منها وبقدر العلم الذي فيها فينتفع بها الناس. ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِظُ مِنْ خَشِيَةِ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٧٤] وهبوط القلوب المشبهة بالحجارة في هبوطها هو نزولها من عزّتها إلى عبوديتها ونظرها في عجزها وقصورها بالأصالة. وقد قلنا إن الماء هو المطهر المزيل للنجاسات من هذه المحال، فالأحجار التي هي منابع هذا الماء حكمها في إزالة النجاسة من المخرجين حكم ما خرج منها وهو العلم في الاعتبار، كما أن الخشية ممّا يتطهر بها فإن الخشية من خصائص العلماء بالله المرضيين عنهم المطلوب منهم الرضى عن الله قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ اَلْعُلَمَوْأَ﴾ [سورة فاطر: الآية ٢٨] وقال: ﴿رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ﴾ [سورة البينة. الآية ٨] والعلم طاهر مطهر ولا سيّما العلم الذي هو تنتجه التقوى، فإن غيره من العلوم وإن كان طاهراً مطهراً فما هو في القوّة مثل هذا العلم الذي نشير إليه، فالخشية المنعوت بها الأحجار هي التي أدّتها إلى الهبوط وهو التواضع من الرفعة التي أعطاها الله، فإنه لما وصفها بالهبوط علمنا أن الأحجار التي في الجبال يريد والجبال الأوتاد التي سكن الله بها ميد الأرض فلما جعلها أوتاداً أورثها ذلك فخراً لعلوّ منصبها فنزلت هذه الأحجار هابطة من خشية الله لما سمعت الله يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَِّيْنَ لَا يُرِدُونَ عُلُوَّا فِ الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَاَلْعَقِبَةُ لِلْمُنَّقِينَ﴾ [سورة القصص: الآية ٨٣] والإرادة من صفات القلوب فنزلت من علوها وإن كان بربها هابطة من خشية الله حذراً أن لا يكون لها حظ في الدار الآخرة التي تنتقل إليها وأعني بالدار الآخرة هنا دار سعادتها، فإن في الآخرة منزل شقاوة ومنزل سعادة فكانت لهذا طاهرة مطهرة . وأما اختصاص تطهيرها المخرجين واعتبر المخرجين اللذين هما مخرج الكثيف وهو الرجيع واللطيف وهو البول، فاعلم أن للحق سبحانه في القلوب تجليين: التجلي الأول في الكثائف وهو نجليه في الصور التي تدركها الأبصار والخيال مثل رؤية الحق في النوم فأراه في صورة تشبه الصور المدركة بالحسّ وقد قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] فيزيل هذا العلم من قلبك تقيد الحق بهذه الصور التي تجلّى لك فيها في حال نومك أو في حال تخيلك في عبادتك إذ قال لك رسوله و # عنه تعالى لا عن هواه، فإنه ◌َّ ما ينطق عن الهوى: ((اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ» فجاء بكأنّ وهي تعطي الحقائق، فإن رسول الله صلّ لما قال لمن قال: أنا مؤمن حقاً ((فما حقيقة إيمانك؟)) فقال: كأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً فأتى بكأنّ والرؤية، وقال له رسول الله وَالر: ((عرفت فالزم)» فشهد له بالمعرفة، وهذا هو التجلّ الآخر، فإن تجلي الخيال ألطف من تجلّي الحسّ بما لا يتقارب، ولهذا يسرع إليه التقلّب من حال إلى حال كما هو باطن الإنسان هنا، كذلك يكون ظاهره في النشأة الآخرة، وقد ورد أن في الجنة سوقاً لا يباع فيه ولا يشترى لكنه مجلّى الصور، فمن اشتهى صورة دخل فيها كالذي هو باطن الإنسان اليوم، فإذا جعل العابد معبوده بحيث يراه كأنه أنزله من قلبه منزلة من يراه ببصره من غير أن يكون هناك صورة من خارج كما كانت في تجلّي المنام، فإذا حدّده هذا ١٢ في المعارف/ الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة التخيّل والحق لا حدّ له سبحانه يتقيد به فطهره علم الخشية وهو الحجر الذي ذكرناه من تقييد الحدود فطهر القلب إنما هو بالخشية من مثل هذا التشبيه والتقييد إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] فهذا اعتبار اتفاق العلماء بأن الحجارة تطهر المخرجين، واختلفوا فيما عدا ما ذكرناه من الاتفاق عليه من المائعات والجامدات التي تزيل النجاسات من المحال التي ذكرناها، فمن قائل: إن كل مائع وجامد في أي موضع كان إذا كان ظاهراً فإنه يزيل عين النجاسة وبه أقول. ومن قائل: بالمنع على الإطلاق إلاَّ ما وقع عليه الاتفاق من الماء والاستجمار وقد ذكرناهما. باب منه اختلفوا في الاستجمار بالعظم والروث اليابس، فمنع من ذلك قوم وأجازوا الاستجمار بغير ذلك ممّا ينقي، واستثنى من ذلك قوم ما هو مطعوم ذو حرمة كالخبز، وقد جاء في العظم أنه طعام إخواننا من الجن، واستثنت طائفة أن لا يستجمر بما في استعماله سرف كالذهب والياقوت، أما تقييدهم بأن في ذلك سرفاً فليس بشيء، فلو علّلوه بأمر آخر يعقل كان أحسن، ولكن ينبغي أن ينظر في مثل هذا، فإن كان الذهب مسكوكاً وعليه اسم الله أو اسم من الأسماء المجهولة عنده من طريق لسان أصحابها خوفاً من أن يكون ذلك من أسماء الله بذلك اللسان أو يكون عليه صورة فيجتنب الاستجمار به لأجل هذا لا لكونه ذهباً ولا ياقوتاً، وقوم قصروا الانقاء على الأحجار فقط، وقوم أجازوا الاستجمار بالعظم دون الروث وإن كان مكروهاً عندهم. ومن قائل: بجواز الاستجمار بكل طاهر ونجس، انفرد به الطبري دون الجماعة . وصل في اعتبار ما ذكرناه في الباطن: إذا صحّ الإنقاء من الأخلاق المذمومة والجهالات بأي شيء صحّ بخلق حسن أو بخلق آخر سفساف، وبعلم شريف لشرف معلومه، أو بعلم دون ذلك ممّا لا أثر له في المحل إلاَّ الإنقاء جاز استعماله في إزالة هذه النجاسة، وإلى هذا منزع الطبري فيما شذّ فيه دون الجماعة، ومن راعى في الإزالة ما يزال به لا ما يزال وتتبع الشرع وما فصله في ذلك المشرع فهو على حسب ما يفهم من الشارع في تفقهه في دين الله، فإن فطر الناس مختلفة في الفهم عن الله وهو محل الاجتهاد، فلا يزيل عين النجاسة إلاَّ بالذي يغلب على فهمه من مقصود الشارع ما هو وهو الأولى، وهذا يسري في الحكم الظاهر والباطن سواء فأغنى عن التفصيل . باب في الصفة التي بها تزال هذه النجاسات وهي غسل ومسح ونضح وصب وهو صب الماء على النجاسة كما ورد في الحديث لما بال الأعرابيّ في المسجد فصاح به الناس فقال رسول الله وَّرَ: ((لاَ تُزْرِمُوهُ)) حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ بَوْلِهِ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ أَوْ دَعَا بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ فهذه حالة لا تسمّى غسلاً ولا مسحاً ولا نضحاً، فلهذا زدنا الصب، ولم يأت بهذه اللفظة العلماء، وأدخلوا هذا الفعل تحت الغسل فاكتفوا بلفظ الغسل عن الصب، فرأينا أن الإفصاح به بلفظ الصب أولى لأن الراوي ١٣ في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة ذكره بلفظ الصب ولم يسمه غسلاً، واعلم أنه ما اختلفت هذه المراتب إلاَّ لاختلاف النجاسات تخفيفاً عن هذه الأمّة، فإن المقصود زوال عينها الموجود المعين أو المتوهم، فبأي شيء زال الوهم أو العين من هذه الصفات استعملت في إزالته، واستعمال الأعمّ منها يدخل فيه الأخص، فيغني عن استعمال الأخص إن فهمت كالغسل فإنه أعمّها فيغني عن الكل، والشارع قد صبّ وغسل ومسح ونضح وهو الرش، وقد وردت في ذلك كله أخبار محلها كتب الفقه . وصل اعتبار الباطن في ذلك: إن الخلق المذموم إن وجدنا صفة إذا استعملناها أزالت جميع الأخلاق المذمومة استعملناها فهي كالغسل الذي يعم جميع الصفات المزيلة لأعيان النجاسات وتوهمها وهو الأولى والأيسر، وإن تعذر ذلك فينظر في كل خلق مذموم، وينظر إلى الصفة المزيلة لعينه فيستعملها في إزالة ذلك الخلق لا غير، هذا هو ربط هذا الباب، وفي هذا الباب اختلاف كثير في المسح والنضح والعدد ليس هذا موضعه إلاّ إن فتح الله ويؤخر في الأجل فنعمل كتاباً في اعتبارات أحكام الشرع كلها في جميع الصور واختلاف العلماء فيه ليجمع بين الطريقتين ونظهر حكمة الشرع في النشأتين والصورتين أعني الظاهر والباطن ليكون كتاباً جامعاً لأهل الظاهر وأهل الاعتبار في الباطن والموازين الباحثين عن النسب والله المؤيد لا رب غيره. باب في آداب الاستنجاء ودخول الخلاء وقد وردت في ذلك أخبار كثيرة وأوامر مثل النهي عن الاستنجاء باليمين، ومسّ الذكر باليمين عند البول، وعدم الكلام على الحاجة، والتعوّذ عند دخول الخلاء وهي كثيرة جدّاً، فمن قائل: بأنها كلها محمولة على الندب وعليه جماعة الفقهاء، وأمّا في الاعتبار فهي كلها واجبة، فإن الباطن ما حكمه في أوامر الحق حكم الظاهر، فإن الله ما ينظر من الإنسان إلاَّ إلى قلبه، فيجب على العبد أن لا يزال قلبه طاهراً أبداً لأنه محل نظر الله منه، والشرع ينظر إلى ظاهر الإنسان ويراعيه في الدار الدنيا دار التكليف أكثر من باطنه وفي الآخرة بالعكس، هنالك ﴿ُبْلَى السََّآئِرُ﴾ [سورة الطارق: الآية ٩] وهنا يراعي الشرع أيضاً الباطن في أفعال مخصوصة أوجب الشرع عليه فعلها، وأفعال مخصوصة ندبه الشرع إليها، وأفعال مخصوصة خيّره الشرع بين فعلها وتركها، وأفعال مخصوصة حرّم الشرع عليه فعلها، وأفعال مخصوصة كره الشرع له فعلها، والحكم في الترك كذلك. واختلفوا من هذه الآداب في استقبال القبلة بالغائط والبول واستدبارها فكانوا فيها على ثلاثة مذاهب: فمن قائل: إلى أنه لا يجوز استقبال القبلة لغائط أو بول أصلاً في أي موضع كان. ومن قائل: إنه يجوز ذلك بإطلاق وبه أقول والتنزه عن ذلك أولى وأفضل. ومن قائل: إنه يجوز ذلك في الكنف المبنية ولا يجوز في الصحارى، ولكل قائل حجة من خبر يستند إليه ذكر ذلك علماء الشريعة في كتبهم. وصل اعتبار الباطن في ذلك: لما أخبر النبي ◌ّ أن الله في قبلة المصلي وأن العبد إذا صلَّى واجه ربه، فمن فهم من ذلك أن القبلة المعلومة إليها نسب كون الله أو نسب إليها في ١٤ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها حال صلاة المصلي خاصة، فمن فهم أن المراد القبلة بتلك النسبة لم يجز استقبال القبلة عند الحاجة لسوء الأدب، ومن فهم أن المراد حال المصلي أجاز استقبال القبلة عند الحاجة فإنه غير مصلّ الصلاة المخصوصة بالصفة المعلومة، ومن رأى روح الصلاة وهو الحضور مع الله دائماً ومناجاته كانت جميع أفعاله صلاة فلم يقل بالمنع من استقبال القبلة عند الحاجة فإنه في روح الصلاة لا ينفك دائماً، وهم أهل الحضور مع الله على الدوام والمشار إليهم بقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَائِهِمْ دَآبِعُونَ﴾ [سورة المعارج: الآية ٢٣] اعتباراً، فأمّا من لم يخطر له خاطر الحضور مع الله إلاّ في وقت الحاجة فذلك خاطر شيطاني لا يعوّل عليه ويجتنب استقبال القبلة، ولا بدّ عندنا من هذه حالته فإنه من عمل الشيطان، وقد أمرنا باجتناب عمل الشيطان في قوله : إنه ﴿يِجْسُ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَأَجْتِبُوهُ﴾ [سورة المائدة: الآية ٩٠] وأما من يرى الاستقبال في الكنف المبنية دون الصحارى فإن الكنف المبنية والمدن حال الجمعية فتشبه جمعية الأسماء الإلهية، فما من شيء إلاّ وهو مرتبط بحقيقة إلهية به كانت معقوليته، فإنّ المعدوم مرتبط بالتنزيه، فلا يخلو صاحب هذا الحال عن مشاهدة ربّه من حيث تلك الحقيقة، فإنّ البناء والمدن دلتاه على ذلك فجاز له أن يستقبل القبلة وأن يكون بحكم الوطن. وأما في الصحراء فهو وحده فلا مانع له من ترك استقبال القبلة بالحاجة فيتأذب ولا يستقبل احتراماً لقول الشارع فإنه ما في الصحراء حالة تقيده لرؤية حقيقة إلهية إلاَّ اختياره، ولا ينبغي للعبد أن يكون له اختيار مع سيده، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارٌ﴾ [سورة القصص: الآية ٦٨] فما اختار المدن والكنف المبنية ما كان لهم الخيرة فيما لم يختره لهم فليس لهم أن يختاروا بل يقفون عند المراسم الشرعية فإن الشارع هو الله تعالى، فيستعمل بهذا النظر جميع الأخبار الواردة في استقبال القبلة بالحاجة واستدبارها والنهي عن ذينك، فقد أثبتنا في هذا الباب من فصول الطهارة ما يجري مجرى الأصول، والقول الجامع في الطهارة هو أن نقول: الطهارة من الإنسان المعقولة المعنى بما يزيلها أي شيء كان من البراهين جدلية كانت أو وجودية، فإن الغرض إزالتها لا بما تزال ما لم يكن الذي تزال به يؤثر نجاسة في المحل فإذن ما زالت النجاسة. وأمّا التي هي غير معقولة المعنى فطهارتها موقوفة على ما ينص الله تعالى في ذلك أو رسوله فيزيلها بذلك، فإن شاء الحق عرفك بمعناه ونسبته فتكون إزالتها في حقك عن علم محقق، وإذ لم يكن ذلك فهو المسمّى بالتعبّد وهو المعنى المطلق في جميع التكاليف وهو العلة الجامعة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. انتهى الجزء الخامس والثلاثون. (الجزء السادس والثلاثون) بِسْمِ اللهِ الرََّنِ الرَّحَمَةِ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها [نظم: الطويل] وكم من مُصَلّ ما له من صلاتهِ سوى رؤيةِ المِخراب والكدِ والعَنَا ١٥ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها وآخرُ يحظى بالمناجاة دائماً وكيف وسرُّ الحق كان إمامَه فتحريمُها التكبيرُ إن كنت كابراً وتحليلُها التسليمُ إن كنتَ تابعاً وما بين هذين المقامين غايةٌ فمن نام عن وقت الصلاة فإنه وإن حلَّ سهوٌ في الصلاة وغَفْلَةٌ وإن كان في ركب إلى العين قاصداً صلاةُ انفجار الصبح حقاً ومغربٌ وحافِظُ على الشَّفْع الكريم لوَثْره وبين صلاة الفذّ والجمع سبعةٌ ولا تنسَ يومَ العيد واشهَدْ صلاته وبادر لتهجير العَرُوبة رائحاً وإن حلَّ خَسْفُ النيِّرين فإنه ومن كان يستسقي يُحَوّلْ رداءه فهذي عبادات المراد تخلّصت وإن كان قد صلَّى الفريضةً وابتَدَى وإن كان مأموماً فقد بلغ المَدَى وإلاَّ فحِلُّ المرء أو حُرْمُه سَوَا لرجعته العلياء في ليلة السُّرَى وأسرارُ غيب ما تُحَسُّ وما تُرَى وحيدٌ فريدُ الدهر قطبٌ قد استَوَى وذكَّره الرحمنُ يجْبُر ماسَهَا فشَطْرُ صلاة الفرض ينْقُصُ ما عَدَا لَسِرِّ خفيٍّ في الصباحِ وفي المَسَا تَفُزْ بالذي فاز الحَضَارِمَةُ الأولَى وعشرون إن كان المصلِّي على طوَى لدى مطلع الشمس المنيرة والسَّنَا تَحُزْ قَصَبَ السباق في حلبة العُلَى حجابُ وجود النفس دونك يا فَتَى تحوَّلْ عن الأحوال علَّك تُرْتَضَى وأن ليس للإنسان غيرُ الذي سَعَى اعلم أيّدك الله بروح القدس أن مسمّى الصلاة يضاف إلى ثلاثة وإلى رابع ثلاثة بمعنيين: بمعنى شامل وبمعنى غير شامل، فتضاف الصلاة إلى الحق بالمعنى الشامل، والمعنى الشامل هو الرحمة، فإن الله وصف نفسه بالرحيم ووصف عباده بها فقال: أرحم الراحمين. وقال رسول الله وَله: (إِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ))، قال تعالى: ﴿هُوَ اَلَّذِى يُصَلِى عَلَيْكُمْ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٤٣] فوصف نفسه بأنه يصلي أي يرحمكم بأن: ﴿لِيُخْرِحَكُم مِّنَ اُلُلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾ [سورة الأحزاب، الآية: ٤٣] يقول: من الضلالة إلى الهدى، ومن الشقاوة إلى السعادة، وتضاف الصلاة إلى الملائكة بمعنى الرحمة والاستغفار والدعاء للمؤمنين، قال تعالى: ﴿هُوَ اُلَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ وَمَلَبِّكَتُهُ﴾ فصلاة الملائكة ما ذكرناها قال الله عزّ وجلّ في حق الملائكة: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ يقولون: ﴿فَغْفِّرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَأَنَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَفِهِمْ عَذَابَ الْحَيِ﴾ [سورة غافر: الآية ٧] ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ [سورة غافر: الآية ٩] اللهم استجب فينا صالح دعاء الملائكة، وتضاف الصلاة إلى البشر بمعنى الرحمة والدعاء والأفعال المخصوصة المعلومة شرعاً على ما سنذكره، فجمع البشر هذه الثلاث المراتب المسماة صلاة قال تعالى أمراً لنا: ﴿ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٣] وتضاف الصلاة إلى كل ما سوى الله من جميع المخلوقات ملك وإنسان وحيوان ونبات ومعدن بحسب ما فرضت عليه وعيّنت له، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِىِ الََّوَّتِ وَالْأَرْضِ وَلَيْرُ صَغَّتِ كُلِّ قَدْ عَلِمَ صَلَائَهُ وَنَسِْسَةٌ﴾ [سورة النور: الآية ٤١] فأضاف الصلاة إلى الكل والتسبيح في لسان العرب الصلاة، قال ١٦ في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها عبد الله بن عمر وهو من العرب وكان لا يتنفل في السفر فقيل له في ذلك فقال: لو كنت مسبحاً أتممت. وقال تعالى: ﴿تُسَيُِّ لَهُ التَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِهِنَّ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِهِ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٤٤] وقال خطاباً لمحمد صاحب الكشف حيث يرى ما لا نرى: ﴿أَلَّ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَنْ فِىِ الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَاَلِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَآتُ﴾ [سورة الحج: الآية ١٨] فانظر إلى فقه عبد الله بن عمر رضي الله عنه لما تحقق أن الله يريد التخفيف عن عبيده بوضع شطر الصلاة عنهم لم ير أن يتنفل موافقة لمقصود الحق في ذلك فهذا تفقه روحانيّ. وأمّا من تنفل في السفر فرأى أن مقصود الحق إسقاط الفرضية لا إسقاط الصلاة التي يتطوّع الإنسان، فلو أتم المسافر لكان الغرض منها ركعتين والباقي نافلة، فإن الله ما فرض عليه إلاَّ ركعتين على لسان رسول الله وَّر، فلما لم ير هذا المتنفل إلاّ إسقاط الفرضية عنه لا التطوّع بالصلاة تنفل في السفر، وكان رسول الله ◌َيل يتنفل في السفر على الراحلة فعلم القائل بهذا أن الغرض هو الذي قصد إسقاطه عنه واقتدى برسول الله وَّ في التنفل في السفر، فإن الله قال لنا: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٢١]. فاعلم أن الصلوات المشروعة فرضاً وسنناً مؤكدة بين النافلة والفريضة ثمانية، كما أن الأعضاء المكلفة من الإنسان ثمانية، لأن الذات مع نسبها المعبر عنها بالصفات ثمانية، فهذه الثمانية هي: الذات والحياة والعلم والإرادة والكلام والقدرة والسمع والبصر، والإنسان المكلف ذات حية عالمة مريدة متكلمة قادرة سميعة بصيرة. وأما الأعضاء المكلفة أعني التي يفعل الإنسان بها ما كلّف أن يفعله أو يتركه فهي ثمانية: الأذن والعين واللسان واليد والبطن والفرج والرجل والقلب. وأما الصلوات الثمانية المشروع الفعل بها فرضاً وسنّة مؤكدة فالصلوات الخمس والوتر من الليل والجمعة والعيدان والكسوف والاستسقاء والاستخارة والصلاة على الجنائز. وأما الصلاة على رسول الله ﴿ فدخلت في الدعاء، فإن رسول الله وَّل قد علمنا كيف نصلي عليه أي كيف ندعو له، وقد أمرنا أن ندعو له بالوسيلة والمقام المحمود، ونحن إن شاء الله نذكر في هذا الباب فصول هذه الصلوات كلها مكملة بشروطها، وما أتتبع ما تحوي عليه من التفاصيل فإن ذلك يطول، وإنما أقصد إلى ذكر فصول تجري مجرى الأمهات كما عملنا في الطهارة إلى أن نستوفيها إن شاء الله. والصلاة وقعت في الرتبة الثانية من قواعد الإيمان التي بني الإسلام عليها في الخبر الصحيح عن رسول الله بَّر أنه قال: ((بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةٍ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَالحَجْ)) فعلم الصحابة أنه وَلّه راعى الترتيب لما يدخل الواو من الاحتمال، ولهذاً لما قال بعض رواة هذا الحديث من الصحابة لما سرده فقال: والحج وصوم رمضان أنكر عليه وقال له: وصوم رمضان والحج فقدمه، وعلمنا أنه أراد الترتيب، ونبّه على أن لا ننقل عنه ◌َ* إلاَّ عين ما تلفظ به، فإنه من العلماء من يرى نقل الحديث المتلفظ به من النبي ◌َّ على المعنى، فالصلاة ثانية في القواعد مشتقة من المصلي في الخيل وهو الذي يلي السابق في الحلبة، والسابق في القواعد الشهادة ١٧ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها والمصلّي هي الصلاة، وجعل الزكاة تلي الصلاة لأن الزكاة التطهير فناسبت الصلاة، فإن الصلاة لا يقبلها الله بغير طهور، والزكاة تطهير الأموال، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زََّّتِهَا﴾. [سورة الشمس: الآية ٩] يعني النفس التي سوّاها يريد قد أفلح من طهرها بامتثال أوامر الله . ومن شرط الصلاة: طهارة الثياب والأبدان والبقعة التي توقع الصلاة عليها وفيها كانت ما كانت، وجعل الصوم يلي الزكاة لما شرع الله في صوم رمضان عند انقضائه من زكاة الفطر فلم يبق الحج إلاَّ أن يكون آخراً، وقد ذكرنا الشهادة التوحيدية وذكرنا من الصلاة الطهارة التي لا تصحّ الصلاة إلاَّ بها، فلنذكر الطهارة إن شاء الله بهذا الباب ولنبدأ بالصلاة المفروضة وما يلزمها ويتبعها من اللوازم والشروط والأركان في أفعالها وأقوالها، ثم بعد ذلك أشرع في ذكر الصلوات التي تطلبها الأحوال، ومن الله نسأل التأييد والعون. فصل في الأوقات: ولا أعني بالكلام هنا في الأوقات أوقات الصلوات فقط، وإنما أريد الوقت من حيث ما هو وقت سواء كان لعبادة أو غير عبادة، فإذا عرّفناك بمعناه واعتباره حينئذ نشرع في ذكر الأوقات المشروعة للعبادات فنقول: الوقت عبارة عن التقدير في الأمر الذي لا يقبل وجود عين ما يقدّر وهو الفرض كما تقدّر، أو نفرض في الشكل الكريّ أولاً أو وسطاً أو نهاية، وهو في نفسه وعينه لا يقبل الأولية بالفعل ولا الوسط ولا الآخرية، فيجعل له من ذلك ما نجعله بحكم الفرض فيه والتقدير، فالوقت فرض مقدّر في الزمان لما كان الزمان مستديراً كما خلقه الله في ابتدائه فهو كالأكرة، قال رسول الله وَله: ((إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَهُ اللَّهُ)) فذكر أن الله خلقه مستديراً والأوقات فيه مقدّرة، فلما خلق الله الفلك الأطلس ودار لم يتعين اليوم ولا ظهر له عين فإنه مثل ماء الكوز في النهر قبل أن يكون في الكوز، فلما فرض فيه الاثني عشر فرضاً ووقتت معينة وسمّاها بروجاً في ذلك الفلك وهو قوله تعالى: ﴿وَلَّمَِّ﴾ لعلوها علينا ﴿ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [سورة البروج: الآية ١] وهي هذه الفروض الموقتة، ووقف شخص يدور عليه هذا الفلك، وجعل لهذا الشخص بصر عاين بها تلك الفروض بعلامات جعلت له فيها فتميز عنده بعضها عن بعض بتلك العلامات المجعولة دلالات عليها، فجعل عينه في فرض منها أعني في العلامة، ثم دار الفلك بتلك العلامة المفروضة التي جعل عينه عليها هذا الناظر وغابت عنه، وما برح واقفاً في موضعه ذلك حتى انتهت إليه تلك العلامة، فعلم عند ذلك أن الفلك قد دار دورة واحدة بالنسبة إلى هذا الناظر لا بالنسبة إلى الفلك فسمينا تلك الدورة يوماً. ثم بعد ذلك خلق الله في السماء الرابعة من السبع السموات كوكباً نيراً عظيم الجرم سمّاه باللسان العربي شمساً، فطلع له به في نظره ذلك الفلك من خلف حجاب الأرض الذي هذا الناظر عليها فسمّى ذلك المطلع مشرقاً والطلوع شروقاً لكون ذلك الكوكب المنير طلع منه وأضاء به الجو الذي هذا الناظر فيه، فما زال يتبع بصره حركة ذلك الكوكب إلى أن قارنه فسمّى تلك المقارنة استواء. ثم أخذ الكوكب نازلاً عن استوائه عند هذا الناظر يطلب جهة اليمين منه لا بالنظر إلى الكوكب في نفسه كما قلنا فسمّى أول انفصاله في عين الناظر عن الفتوحات المکیة ج٢ - م٢ ١٨ في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها الاستواء زوالاً ودلوكاً، ثم ما زال هذا الناظر يتبعه بصره إلى أن غاب جرم ذلك الكوكب فسمّي مغيبه غروباً، والموضع الذي رأى بصره أنه غاب فيه مغرباً، وأظلم عليه الجو فسمّى مدة استنارة الجو من مشرق ذلك الكوكب إلى مغربه نهاراً لاتساع النور فيه مأخوذ من النهر الذي هو اتساع الماء في المسيل الذي يجري فيه، فما زال الناظر في ظلمة إلى أن طلع الكوكب المسمّى شمساً من الموضع الذي سمّاه مشرقاً في عين الناظر من موضع آخر متصل بذلك الموضع الذي شرقت منه أمس المسمّى درجة فسمّي مدة تلك الظلمة التي بقي فيها من وقت غروب الشمس إلى طلوعها ليلاً، فكان اليوم مجموع الليل والنهار معاً، وسمّي المواضع التي يطلع منها هذا الكوكب كل يوم درجاً . ثم نظر إلى هذا الكوكب النّر المسمّى شمساً ينتقل في تلك الفروض المقدّرة في الفلك المحيط درجة درجة حتى يقطع ذلك بشروق تسمّى أياماً، فكلما أكمل قطع فرض من تلك الفروض شرع في قطع فرض آخر إلى أن أكمل الاثني عشر فرضاً بالقطع. ثم شرع يبتدىء كرة أخرى في قطع تلك الفروض فسمّى ابتداء قطع كل فرض إلى انتهاء قطع ذلك الفرض شهراً، وسمّى قطع تلك الفروض كلها سنة، فتبين لك أن الليل والنهار واليوم والشهر والسنة هي هذه المعبر عنها بالأوقات، وتدق إلى مسمّى الساعات ودونها وأن ذلك كله لا وجود له في عينه وأنه نسب وإضافات، وأن الموجود إنما هو عين الفلك والكوكب لا عين الوقت والزمان، وأنها مقدرات فيها أعني الأوقات. وتبين لك أن الزمان عبارة عن الأمر المتوهم الذي فرضت فيه هذه الأوقات، فالوقت فرض متوهم في عين موجودة وهو الفلك، والكوكب يقطع حركة ذلك الفلك والكوكب بالفرض المفروض فيه في أمر متوهم لا وجود له يسمّى الزمان، وقد أبنت لك حقيقة الزمان الذي جعله الله ظرفاً للكائنات المتحيزات الداخلة تحت هذا الفلك الموقت فيه المفروض في عينه تعيين الأوقات ليقال: خلق كذا وظهر كذا في وقت كذا ﴿ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السّنِينَ وَالْحِسَابَّ وَكُلَّ شَىْءٍ فَصَلْتَهُ تَفْصِيلًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ١٢] سبحانه لا إله إلا هو الحكيم القدير. وبعد أن علمت ما معنى الزمان والوقت فاعتبره أي جزّه واقطعه إلى معرفة الأزل الذي تنعت به خالقك وتجعله له كالزمان لك، وإذا كان الزمان لك بهذه النسبة أمراً نسبياً لا حقيقة له في عينه وأنت محدود مخلوق فالأزل أبعد، وأبعد أن يكون حدّاً لوجود الله في قولك وقول من قال: إن الله تكلم في الأزل، وقال في الأزل، وقدّر في أزله كذا وكذا، ويتوهم بالوهم فيه أنه امتداد كما تتوهم امتداد الزمان في حقّك فهذا من حكم الوهم لا من حكم العقل والنظر الصحيح، فإن مدلول لفظة الأزل إنما هو عبارة عن نفي الأوّلية لله تعالى أي: لا أوّل لوجوده بل هو عين الأوّل سبحانه لا بأولية تحكم عليه فيكون تحت إحاطتها ومعلولاً عنها، وفرّق بين ما يعطيه وهمك وعقلك، وأكثر من هذا البسط في هذه المسألة ما يكون، فالحق سبحانه يقدّر الأشياء أزلاً ولا يقال يوجد أزلاً فإنه محال من وجهين: فإن كونه موجداً إنما هو بأن يوجد، ولا يوجد ما هو موجود، وإنما يوجد ما لم يكن موصوفاً لنفسه بالوجود وهو ١٩ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها المعدوم، فمحال أن يتصف الموجود الذي كان معدوماً بأنه موجود أزلاً، فإنه موجود عن موجود أوجده، والأزل عبارة عن نفي الأولية عن الموصوف به، فمن المحال أن يكون العالم أزلي الوجود، ووجوده مستفاد من موجده وهو الله تعالى. والوجه الآخر من المحال الذي يقال في العالم أنه موجود أزلاً لأن معقول الأزل نفي الأوّلية والحق هو الموصوف به، فيستحيل وصف وجود العالم بالأزل لأنه راجع إلى قولك: العالم مستفيد الوجود من الله غير مستفيد الوجود من الله، لأن الأوّلية قد انتفت عنه بكونه أزلاً، فيستحيل على العالم أن يتصف بهذا الوصف السلبيّ الذي هو الأزل، ولا يستحيل الموصوف به وهو الحق أن يقال: خلق الخلق أزلاً بمعنى قدّر فإن التقدير راجع إلى العلم، وإنما يستحيل إذا كان خلق بمعنى أوجد فإن الفعل لا يكون أزلاً، فقد ثبت لك التقدير في الأزل كما ثبت لك التقدير في الزمان، وأن الزمان متوهم لا وجود له، وكذلك الأزل وصف سلبيّ لا وجود له فإنه ما هو عين الله وما ثم إلاَّ الله، وما هو أمر وجوديّ يكون غير الحق ويكون الحق مظروفاً له، فيحصره من كونه ظرفاً كما يحصرنا الزمان من كونه ظرفاً لنا على الوجه الذي ذكرناه فافهم، وبعد أن عرّفتك معنى الأوقات فلنرجع ونبيّن المراد بأوقات العبادات ومن العبادات أوقات الصلوات. فصل في أوقات الصلوات: فنقول: أوقات الصلاة منها معين وغير معين، فغير المعين وقت تذكر الناسي واستيقاظ النائم فإن وقته عندما يتذكر إن كان ناسياً، أو يستيقظ إن كان نائماً، والوقت المعين على قسمين: قسم مخلص وقسم مشترك، فالمخلص وسط الوقت الموسّع في الصلوات كلها وآخر وقت الصبح وأول وقت الظهر فإنه لا يقع فيما ذكرناه اشتراك لصلاة أخرى كما يقع في أواخر الصلوات الأربع. والمشترك هو الوقت الذي بين الصلاتين كالظهر والعصر وغيرهما بالخلاف المذكور المعلوم في ذلك عند علمائنا من علماء الشريعة نذكر ذلك في موضعه إن شاء الله عند كلامنا في أوقات الصلوات كلها صلاة صلاة على التفصيل . اعتباره: قلنا المصلي هو الثاني من السابق في الحلبة وأن الصلاة ثانية في المرتبة من شهادة التوحيد وقد قال الحق سبحانه: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين. فجعله في حال الصلاة ثانياً له في القسمة الإلهية فقال في الصلاة مطلقاً وما قيّد فرضاً من تطوّع. وقد قلنا: إن الوقت منه معين وهو في الاعتبار الفرض، وغير معين وهو في الاعتبار التطوّع، فالعارف الذي هو على صلاته دائم وفي مناجاته بين يدي ربه قائم في حركاته وسكناته، فما عنده وقت معين ولا غير معين بل هو صاحب الوقت، ومن ليس له هذا المشهد فهو بحسب ما يذكره ربه من الحضور معه، غير أن العارف الدائم الحضور إذا لم يفرّق بين الأوقات بما يجده من المزيد والفضل بين ما هو مفروض من ذلك الحضور وبين ما تطوّع به من نفسه فهو ناقص المقام كامل الحال لاستصحابه الحضور الدائم، فإن الحضور من الأحوال لا الحضور من وجه كذا، فإن الحضور من وجه كذا للكمل من الرجال، فالأول من أهل الحضور لا فرق عنده بين الوجوه لأنه مستغرق في الحال كاللذة المجهولة عند الإنسان التي لا يعرف سببها . ٢٠ في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها والثاني من أهل الحضور وهو الكامل الدائم الحضور بحكم الوجوه كالواجد للذة بما هي لذة فهو ملتذ دائماً، وبما هي لذّة عن طعم علم، أو طعم جماع أو طعم شيء ملائم للمزاج يعلم الذائق ذلك ما بينهنّ من التمييز والفرقان، فإن أسماء الحق تعالى تختلف على قلوب الأولياء بفنون المعارف مع الآيات والأنفاس، فيجد في كل نفس وزمان علماً لم يكن عنده بربه من حيث ما يعطيه ذلك النفس والزمان من تجلّي ذلك الاسم الخاص به . ولما قسمنا الأوقات إلى مخلص ومشترك فاعلم أن الوقت في هذا الطريق هو ما أنت به في حالك أيّ شيء كنت به من حسن وسيىء ومعرفة وجهل فلا يرتبط، وكذلك الأوقات الزمانية بحسب ما يحدث الله فيها في حق كل شخص، فالمخلص من الأوقات كل اسم إذا ورد عليك لم يقع في حكمه اشتراك، والمشترك كل اسم له وجهان فصاعداً، فالأوّل كالحيّ فإنه مخلص للحياة، وكذلك العالم مخلص للعلم. والثاني الذي هو المشترك نظير الوقت المشترك كالاسم الحكيم فإن له وجهاً إلى العالم ووجهاً إلى المدبر، فإن للاسم الحكيم حكمين: حكماً على مواضع الأمور وحكم وضعها في مواضعها بالفعل، فكم من عالم لا يضع الشيء في موضعه، وكم واضع للأشياء في مواضعها بحكم الاتفاق لا عن علم، فالحكيم هو العالم بمواضع الأمور ووضعها في أماكنها على بصيرة، فمن كان وقته الحكمة كان في الوقت المشترك، ومن كان في اسم لا يدل إلاَّ على أمر واحد كالقادر وأمثاله كان في الوقت المخلص، فهذه أوقات العارفين في صلواتهم المعنوية على مثال أوقاتهم الظاهرة في صلواتهم البدنية . فصل في وقت صلاة الظهر: قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَّوْقُوتًا﴾ : [سورة النساء: الآية ١٠٣] أي مفروضة في وقت معين، سواء كان موسعاً أو مضيقاً فإنه معين ولا بدّ بقوله موقوتاً، فمن أخرج صلاة مفروضة عن وقتها المعين له كان ما كان من ناس أو متذكر فإنه لا يقضيها أبداً ولا تبرأ ذمّته فإنه ما صلَّى الصلاة المشروعة إذ كان الوقت من شروط صحة تلك الصلاة، فليكثر النوافل بعد التوبة، ولا قضاء عليه عندنا لخروج وقتها الذي هو شرط في صحتها، ووقت الناسي والنائم وقت تذكره واستيقاظه من نومه وهو مؤدّ ولا بدّ لا يسمّى قاضياً على الاعتبار الذي يراه الفقهاء لا على ما تعطيه اللغة، فإن القاضي والمؤذّي لا فرق بينهما في اللسان، فكل مؤدّ للصلاة فقد قضى ما عليه فهو قاض بأدائه ما تعين عليه أداؤه من الله فلنقل . أمّا وقت صلاة الظهر فاتفق العلماء بالشريعة أن وقت الظهر الذي لا تجوز قبله هو الزوال، واختلفوا منها في موضعين في آخر وقتها الموسع وفي وقتها المرغب فيه. فأمّا آخر وقتها الموسّع فمن قائل: هو أن يكون ظل كل شيء مثله، ومن أصحاب هذا القول من يقول: إن ذلك المثل الذي هو آخر وقت الظهر هو أوّل وقت العصر، ومن قائل منهم: إنه آخر وقت الظهر خاصة، فإن أوّل وقت العصر إنما هو المثلان، وأن ما بين المثل والمثلين لا يصلح لصلاة الظهر. وأمّا وقتها المرغب فيه، فمن قائل: أوّل الوقت للمنفرد أفضل. ومن