النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤١
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
أبواب الاغتسال
أحكام طهارة الغسل
هذا الغسل المشروع في هذا الباب هو تعميم الطهارة بالماء لجميع ظاهر البدن بغير
خلاف، وفيما يمكن إيصال الماء إليه من البدن وإن لم يكن ظاهراً بخلاف كداخل الفم وما
أشبهه، وسيأتي ذكره وذكر أسباب هذه الطهارة. ومنها: واجب وسنّة ومستحب.
الاعتبار في ذلك: فأمّا اعتبار هذه الطهارة تعميم طهارة النفس من كل ما أمرت بالطهارة
منه وبه من الأعمال ظاهراً مما يتعلق بالأعضاء وباطناً بما يتعلق بالنفس من مصارف صفاتها لا
من صفاتها، وإنما قلنا من مصارف صفاتها فإن صفاتها لازمة لها في أصل خلقتها لا تنفك
عنها، حتى أن بعض أصحابنا قد جعلها عين ذاتها وأنها صفات نفسية لها كالحرص والبخل
والنميمة وكل وصف مذموم، فمتعلق الذم الذي أمرنا بالطهارة منه ما هو عين الصفة وإنما هو
عين المصرف، فالإنسان لا يتطهر من الحرص وإنما يتطهر من صرف الحرص على جمع
حطام الدنيا وحرامها، فيتطهر بالحرص عينه على حكم ما تطهر منه بالمصرف أيضاً، وهو أن
يتطهر بالحرص على طلب العلم وتحصيل أسباب الخير والأعمال الصالحة، والحرص على
جمع أسباب سعادته، فإن عين الحرص ما يتمكن زواله، فالحرص بوجه تكون سعادة
الحريص بالحرص، وبوجه تكون شقاوة الحريص، فلهذا قلنا بالمصرف لا بعين الصفة،
وعلى هذا نأخذ جميع الصفات التي علّق الذم بها إنما علّق الذم بمصارفها لا بأعيانها، فعموم
طهارة الباطن والظاهر في هذا الاغتسال إنما متعلقه مصارف الصفات، ولا يعلم مصارف
الصفات إلاَّ من يعلم مكارم الأخلاق فيتطهر بها، ويعلم سفساف الأخلاق فيتطهر منها، وما
خفي منها ممّا لا يدركه يتلقاه من الشارع وهو كل عمل يرضي الله فيتطهر به من كل عمل لا
يرضيه فيتطهر منه، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرَّضَهُ لَكُمْ﴾ [سورة الزمر:
الآية ٧] ولهذا سقنا في هذا الكتاب أبواباً متقابلة كالتوبة وتركها والورع وتركه والزهد وتركه مما
سيأتي أبوابه إن شاء الله تعالى وهي كثيرة.
وهذه الطهارة أيضاً واجبة كالتطهير بإيتاء الزكاة مثلاً فهو غسل واجب، وكإعطائها
للفقراء من ذوي الأرحام وهو مندوب إليه، وكتخصيص أهل الدين منهم دون غيرهم من ذوي
الأرحام وهو مستحب، وهكذا يسري حكم هذه الطهارة في جميع باطن الإنسان وظاهره من
العلم، والجهل، والكفر، والإيمان، والشرك، والتوحيد، والإثبات، والتعطيل، وهكذا في
الأعمال كلها المشروعة يطهرها بالموافقة من المخالفة، فهذا معنى الاغتسال الواجب منه
وغير الواجب، وسأورد من تفصيل مسائل هذه الطهارة ما يجري مجرى الأمهات على حسب
ما يذكر منها في ظاهر حكم الشرع في الاغتسال بالماء، وإنما تفريع هذه الطهارة لا يحصى
ولا يسعه كتاب لو ذكرناها مسألة مسألة، وقد أعطينا فيها وبيّنا طريقة الأخذ بها فخذها على
ذلك الأنموذج إن أردت أن تكون من عباد الله الذين اختصهم لخدمته واصطنعهم لنفسه

٥٤٢
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
ورضي عنهم فرضوا عنه، جعلنا الله من العلماء العمال، ولا حال بيننا وبين الاستعمال بما
يرضيه سبحانه من الأعمال في الأقوال والأفعال والأحوال.
فأما الاغتسالات المشروعة: فمنها ما اتفق على وجوبه. ومنها ما اختلف في وجوبه.
ومنها ما اتفق على استحبابه وهي اغتسالات كثيرة كالغسل من التقاء الختانين، والغسل من
إنزال الماء الدافق على علم، والغسل من إنزاله على غير علم كالذي يجد الماء ولا يذكر
احتلاماً، والغسل من إنزال الماء الدافق على غير وجه الالتذاذ، والغسل من الحيض، وغسل
المستحاضة عند الصلوات، وغسل يوم الجمعة، والغسل لصلاة الجمعة، والغسل عند
الإسلام، والغسل للإحرام، والاغتسال لدخول مكة، والاغتسال للوقوف بعرفة، والاغتسال
من غسل الميت. وأما الاعتبارات في هذه الأغسال فأنا أذكرها قبل ذكر تفصيل أمهات
المسائل المشروعة في الاغتسال بالماء واعتباراتها فمن ذلك:
باب الاغتسال من غسل الميت
لما كان الميت شرع غسله وهو لا فعل له إذ كان غيره المكلف بغسله تنبيهاً لغاسله أن
يكون بين يدي ربه في تطهيره بتوفيقه واستعماله في طاعته وما يجري عليه من أفعال خالقه به
وفيه كالميت بين يدي غاسله، فلا يرى غسله بهذا الاعتبار بغسله للميت وإنما يرى أن الله هو
مطهره، ويرى نفسه كالآلة يفعل بها الله ذلك الفعل، كما يرى الغاسل الماء آلة في تحصيل
غسل الميت، إذ لولا الماء ما صحّ اسم الغاسل لهذا الذي يغسله، والماء لا يتصوّر منه
الدعوى في أنه غسل الميت، فإن الماء ما تحرّك إليه ولا قصد غسله وإنما قصد بالماء غسل
الميت غاسله، كذلك الغاسل لا يرى في قصده أنه قصد غسل الميت بالماء وإنما يرى نفسه
مع الماء آلتين قصد الله بهما غسل هذا الميت، فالله المطهر لا هو ولا الماء، ولكن الله طهّر
الميت بالغاسل وبالماء، فمثل هذا لا يغتسل من غسل الميت، فهذا اعتبار من يرى أنه لا
يجب الغسل من غسل الميت. وأمّا من غسل ميتاً وغاب في غسله عن أن الله هو مطهره
وادّعى ذلك الفعل لنفسه وأضافه إليها ورأى أنه لولاه ما طهر هذا الميت وجب عليه أن يغتسل
ويتطهر من هذه الدعوى بالتوجّه والحضور مع الله في المستأنف والتذكّر لما غفل عنه من
تطهير الله هذا الميت على يده، فمن اعتبر هذا أوجب الاغتسال من غسل الميت، وأما حكم
الاغتسال من غسل الميت بالماء في ظاهر حكم الشرع فليس مذهبي القول بوجوبه ولكن إن
اغتسل من ذلك فهو أولى وأفضل بلا خلاف .
باب الاغتسال للوقوف بعرفة
لما كان الوقوف بعرفة بصفة الذلّ والافتقار والدعاء والابتهال بالتعرّي من لباس المخيط
والموضع الذي يقف فيه الحاج يسمّى عرفة علمنا اعتبار أن ذلك موقف العلماء العارفين بالله
فإن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوُاْ﴾ [سورة فاطر: الآية ٢٨] وقال: ﴿تَرَىّ أَعْيُنَهُمْ
تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ مِمَا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [سورة المائدة: الآية ٨٣] وسيأتي الكلام إن شاء الله على هذا

٥٤٣
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
النوع في باب الحج من هذا الكتاب. ولما رأى هذا المعتبر العالم تجرّده عن المخيط اعتبر
في تأليف الأدلة وتركيبها لحصول المعرفة بالله من طريق النظر الفكري بتركيب المقدمات
وتأليفها، فتظهر من ذلك صورة المعرفة بربه، كالخائط الذي يؤلف قطع القميص بعضها إلى
بعض فتظهر صورة القميص، قيل له بتجريده المخيط حصل المعرفة بربك أو العلم بالله من
التجلي الإلهيّ أو الربانيّ واطرح عنك في هذا الموقف وهذا اليوم النظر العقلي بتأليف
المقدمات واشتغل اليوم بتحصيل المعرفة بربك من الامتنان الإلهيّ والوهب الربانيّ من
الواهب الذي يعطي لينعم، فإنه الذي يقذف في نفسك العلم به على كل حال، سواء نظرت
في تأليف المقدمات أو لم تنظر، فعامله سبحانه بالتجريد فإنه أولى بك، ولا تلتفت إلى
تأليفك المقدمات النظرية في العلم بالله فإن ذلك ظلمة في المعرفة لا يراها إلا البصير، إذ لا
مناسبة بين ما تؤلفه من ذلك وبين ما تستحقه ذاته جلّ وتعالى علوّاً كبيراً، ومن كان يطلب منه
هذه الحالة في ذلك الموقف الكريم والمشهد الخطير العظيم كيف لا يغتسل ويتطهر في باطنه
وقلبه عن التعلّق في معرفته بربه بغيره فيزيل عنه قذر مشاهدة الأغيار ودرنها بعلم الحق بالحق
دون علمه بنفسه، إذ لا دليل عليه إلا هو لأن المعرفة تتعدى إلى مفعول واحد وأنت في عرفة
والعلم يتعدّى إلى مفعولين، ولهذا يحصل لصاحب هذا المشهد عند العلمين إذا خرج من
عرفة يريد المزدلفة وهي جمع يحصل له علم آخر يكون معلومه الله كما كان معلومه في
عرفات الرب تعالى، وهذا المفعول الواحد الحاصل لك في هذا اليوم هو علمك بربك لا
بنفسك فتعرف الحق بالحق، فيكون الحق الذي اغتسلت به يعطي تلك المعرفة به، ويكون
المغتسل منه اسم مفعول عين نفسك في دعواها في معرفة ربها بنفسها من طريق التعمل في
تحصيلها، وأين الدليل من الدليل؟ هيهات وعزّته ما تعرفه إن عرفته إلاَّ به فافهم فهذا غسلك
للوقوف بعرفة إن وفقت له والله المؤيد والملهم.
باب الاغتسال لدخول مكة زادها الله تشريفاً
اعلم أن دخول مكة هو القدوم على الله في حضرته، فلا بدّ من تجديد طهارة لقلبك
ممّا اكتسبه من الغفلات من زمان إحرامك من الميقات ظاهراً بالماء وباطناً بالعلم والحضور،
فطهارة الظاهر الاغتسال بالماء عبادة وتنظيفاً، وطهارة الباطن وهو القلب بالتبرّي طلباً للولاء
فإنه لا ولاء للحق إلاَّ بالبراءة من الخلق حيث كان نظرك إليهم بنفسك لا بالله، فمن كان حاله
الحضور الدائم مع الله لم يغتسل لدخول مكة إلاَّ الغسل الظاهر بالماء لإقامة السنّة، وأما
الباطن فلا إلاَّ عند رؤية البيت فإنه يتطهر باطناً بحياء خاص لمشاهدة بيته الخاص كذا
والطواف به الذين هم الطائفون كالحافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم، إذ كان بيت
الله بلا واسطة منذ خلق الله الدنيا ما جرت عليه يد مخلوق بكسب، وليكن الاسم الإلهيّ الذي
يتطهر به الاسم الأوّل من الأسماء الحسنى فإنه من نعوت البيت فتحصل المناسبة، قال تعالى:
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٦] أي جعلت فيه البركة لعبادي

٥٤٤
في المعارف/ الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
والهدى، فمن رأى البيت ولم يجد عنده زيادة إلهية فما نال من بركة البيت شيئاً لأن البركة الزيادة
فما أضافه الحق فدلّ على أن قصده غير صحيح، فإن تعجيل الطعام للضيف سنّة، فليجعل
اغتساله أولاً لا يجعله ثانياً لما تقدمه من غسل الإحرام فإنه طهارة خاص تليق بمشاهدة البيت
والطواف به لا مناسبة بينه وبين الاغتسال للإحرام إلاَّ من وجه ما، فإذا زعم أنه تطهّر بهذا الطهر
وفرغ من طوافه يتفقد باطنه فإن الله ما جعل البركة فيه والهدى وهو البيان أي يتبين له ذلك الذي
زاده ربه من العلم به، فما جعلت البركة في البيت إلاَّ أن يكون يعطي خازنه للطائف به القادم
عليه من خلع البركة والقرب والعناية والبيان الذي هو الهدى في الأمور المشكلة في الأحوال
والمسائل المبهمات الإلهية في العلم بالله ما يليق بمثل ذلك البيت المصطفى محل يمين الحق
المبايع المقبل المسجود عليه، فإن هذا البيت خزانة الله من البركات والهدى.
وقد نبّه الشارع إشارة بذكر الكنز الذي فيه، وأي كنز أعظم ممّا ذكر الله من البركة
والهدى حيث جعلهما عين البيت فكنزه من أضيف إليه وهو الله فلينظر الطائف القادم إذا فرغ
من طوافه إلى قلبه فإن وجد زيادة من معرفة ربّه وبياناً في معرفته لم تكن عنده فيعلم عند ذلك
صحة اغتساله لدخول مكة، وإن لم يجد شيئاً من ذلك فيعلم أنه ما تطهر وما قدم على ربه ولا
طاف ببيته فإنه من المحال أن ينزل أحد على كريم غني ويدخل بيته ولا يضيفه، فإذا لم يجد
الزيادة فما زاد على غسله بالماء وقدومه على الأحجار المبنية فهو صاحب عناء وخيبة في قلبه
وما له سوى أجر الأعمال الظاهرة في الآخرة فى الجنان وهو الحاصل لعامة المؤمنين، فإن
جاور جاور الأحجار لا العين، وإن رجع إلى بلده رجع بخفي حنين، جعلنا الله من أصحاب
القلوب أهل الله وخاصته آمين بعزّته، فإن اعترف المصاب بعدم الزيادة وما رزىء به كان له
أجر المصاب من الأجور في الآخرة وحرم المعرفة في العاجل .
باب الاغتسال للإحرام
اعتباره تطهير الجوارح ممّا لا يجوز للمحرم أن يفعله، وتطهير الباطن من كل ما خلف
وراءه، فكما تركه حسّاً من أهل ومال وولد وقدم على بيت الله بظاهره فلا يلتفت بقلبه إلاّ إلى
ما توجّه إليه، ويمنع أن يدخل قلبه أو يخطر له شيء ممّا خلفه وراءه بالتوبة والرجوع إلى الله،
ولهذا سمّي غسل الإحرام لما يحرم عليه ظاهراً وباطناً، فإن لم تكن هذه حالته فليس بمحرم
باطناً، فإن البواب قد نام وغفل وبقي الباب بلا حافظ، فلم تجد خواطر النفوس ولا خواطر
الشياطين من يمنعها من الدخول إلى قلبه فهو يقول: لبيك بلسانه ويتخيل أنه يجيب نداء ربه
بالقدوم عليه وهو يجيب نداء خاطر نفسه أو شيطانه الذي يناديه في قلبه: يا فلان، فيقول:
لبيك، فيقول له الخاطر بحسب ما بعثه به صاحبه من نفس أو شيطان وما جاءه به من غير ما
شرع له من الإقبال عليه في تلك الحالة، فيقول له صاحب ذلك الخاطر عند قوله: لبيك اللهم
لبيك أهلاً وسهلاً لبيت من يعطيك الحرمان والخيبة والخسران المبين ويفرح بأن جعله إلها
ولباه ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ بلسان الباطن والحال وما تقدم من النية ﴿لَمَّكُمْ فِي مَآ

٥٤٥
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾ من وجودكم بقلوبكم إلى ما خلفتموه حسّاً وراء ظهوركم ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة
النور: الآية ١٤] فيغفر الله لهم ما حدّثوا به أنفسهم وما أخطر لهم الشيطان في تلك الحالة بعناية
التلبية الظاهرة لا غير، وما أعطاهم في قلوبهم ما أعطاه لأهل الاغتسال الباطن من المحرمين.
باب الاغتسال عند الإسلام وهو سنّة بل فرض
الاغتسال عند الإسلام مشروع وقد ورد به الخبر النبويّ. وأما اعتباره في الباطن فإن
الإسلام الانقياد، فإذا أظهر الإنسان انقياد الظاهر كان مسلماً ظاهراً فيجب عليه الانقياد بباطنه
حتى يكون مسلماً باطناً كما كان ظاهراً، فهو هنا تطهير الباطن عند الإسلام بالإيمان، قال
تعالى في حق طائفة قالت آمنا: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ اُلْإِيَمَنُ فِ قُلُوبِكُمْ﴾
[سورة الحجرات: الآية ١٤] وهو الطهارة الباطنة النافعة المنجية من التخليد في النار.
باب الاغتسال لصلاة الجمعة
اعتباره في الباطن طهارة القلب لاجتماعه بربه واجتماع همّته عليه لمناجاته برفع الحجاب
عن قلبه ولهذا قال: من يرى أن الجمعة تصحّ بالاثنين وتقام وبه أقول: يقول تعالى: قسمت
الصلاة بيني وبين عبدي نصفين الحديث. وما ذكر ثالثاً يقول العبد كذا فأقول له كذا، فلا بدّ من
طلب منه هذه الحالة أن يتطهر لها طهراً خاصاً، بل أقول: إن لكل حالة للعبد مع الله تعالى
طهارة خاصة، فإنه مقام وصلة، ولهذا شرعت الجمعة ركعتين: فالأولى من العبد لله بما يقول.
والثانية من الله للعبد بما يخبر به في إجابته قول عبده، أو يخبر به الملأ الأعلى بحسب ما يفوه به
العبد في صلاته، غير أنه في صلاة الجمعة بمقتضى ما شرع له أن يجهر بالقراءة ولا بدّ فيقول الله
للملأ الأعلى : حمدني عبدي أو ما قال من إجابة وثناء وتفويض وتمجيد.
باب الاغتسال ليوم الجمعة
الاعتبار الطهارة بالأزل للزمان اليوميّ من السبعة الأيام التي هي أيام الجمعة، فإن الله قد
شرّع حقاً واجباً على كل عبد أن يغتسل في كل سبعة أيام، فغسل يوم الجمعة لليوم لا للصلاة،
فكانت الطهارة لصلاة الجمعة طهارة الحال، وهذه طهارة الزمان، فإن العلماء اختلفوا، فمن
قائل: إن الغسل إنما هو ليوم الجمعة وهو مذهبنا، فإن أوقعه قبل صلاة الجمعة ونوى أيضاً
الاغتسال لصلاة الجمعة فهو أفضل. ومن قائل: إنه لصلاة الجمعة في يوم الجمعة وهو الأفضل
بلا خلاف حتى لو تركه قبل الصلاة وجب عليه أن يغتسل ما لم تغرب الشمس. ولما قلنا إن
جمع العبد على الحق في هذا اليوم الزمانيّ كانت نسبة هذا اليوم إلى جناب الحق ما يدخل الأزل
من التقديرات الزمانية فيه بتعيين توجهات الحق لإيجاد الكائنات في الأزمان المختلفات التي
يصحبها القبل والبعد والآن ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدٌ﴾ [سورة الروم: الآية ٤] فاعلم ذلك فإنه
دقيق جدّاً، فمن اغتسل لصلاة الجمعة فقد جمع بين الغسل للحال والزمان، ومن اغتسل ليوم
الجمعة بعد الصلاة فقد أفرد وهو قدح في مسمّى الجمعة فالأظهر أنه مشروع في يوم الجمعة
ولصلاة الجمعة وهو الأوجه وما يبعد أن يكون مقصود الشارع به ذلك.

٥٤٦
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
باب غسل المستحاضة
وسيرد ونبين فيه مذهبنا. وأما اعتباره فالاستحاضة مرض والعبد مأمور بتصحيح عبادته
لا يدخلها شيء من المرض، فمهما اعتلّ في عبادة ما من عباداته تطهر من تلك العلة وأزالها
حتى يعبد الله عبداً خالصاً محضاً لا تشوبه علة ولا مرض في عبادته ولا عبودته .
باب الاغتسال من الحيض
الحيض ركضة شيطان فيجب الاغتسال منه، قال تعالى: إنه ﴿رِجْسُ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ﴾
[سورة المائدة: الآية ٩٠] فيجب تطهير القلب من لمة الشيطان إذا نزلت به ومسّه في باطنه
وتطهيرها بلمة الملك، والقصة البيضاء هي العلامة أو من بعض العلامات على عناية الله بهذا
القلب حيث طرد عنه وأزال ركضة الشيطان فيستعمل لمة الملك عند ذلك وهو تطهير القلب،
وإن كنيت عن ذلك بالأصبعين وكلاهما رحمة فإنه أضافهما إلى الرحمن، فلولا رحم الله عبده
بتلك اللمة الشيطانية ما حصل له ثواب مخالفته بالتبديل في العدول عنه إلى العمل بلمة الملك
فله أجران، فلهذا قلنا إنه أضافهما إلى الاسم الرحمن، فإذا أزاغه جاهد نفسه أن لا يفعل ما
أماله إليه فجوزي أجر المجاهد، فإن عمل وتاب أثر الفعل بعد مجاهدة فساعد الشيطان عليه
القدر السابق بالفعل فوقع منه الفعل ورأى أن ذلك من الشيطان مؤمناً بذلك مصدّقاً كما قال
موسى عليه السلام: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِّ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلُّ مُبِينٌ﴾ [سورة القصص: الآية ١٥] وتاب
عقيب وقوع الفعل وأعني بالتوبة هنا الندم فإنه معظم أركان التوبة وقد ورد أن الندم توبة كان
له أجر شهيد لوقوع الفعل منه والشهيد حيّ ليس بميت، وأي حياة أعظم أو أكمل من حياة
القلوب مع الله في أي فعل كان، فإن الحضور مع الإيمان عند وقوع المخالفة يردّ ذلك العمل
حياً بحياة الحضور يستغفر له إلى يوم القيامة، فهذا من عناية الاسم الرحمن الذي أضاف
الأصبعين إليه، فالشيطان يسعى في تضعيف الخير للعبد وهو لا يشعر، فإن الحرص أعماه
ويحوز الوبال وإثم تلك المعصية عليه، وهذا من مكر الله تعالى بإبليس، فإنه لو علم أن الله
يسعد العبد بتلك اللمة من الشيطان سعادة خاصة ما ألقى إليه شيئاً من ذلك، وهذا المكر
الإلهيّ الذي مكر به في حق إبليس ما رأيت أحداً نبّه عليه، ولولا علمي بإبليس ومعرفتي
بجهله وحرصه على التحريض على المخالفة ما نبهت على هذا لعلمي بأنه لولا هذا المانع
لاجتنب لمة المخالفة، فهذا هو الذي حملني على ذكرها لأن الشيطان لا يقف عندها لحجابه
بحرصه على شقاوة العبد وجهله بأن الله يتوب على هذا العبد الخاص، فإن كل ممکور به إنما
يمكر الله به من حيث لا يشعر، وقد يشعر بذلك المكر غير الممکور به.
باب الاغتسال من المنيّ الخارج على غير وجه اللذة
اختلف فيه، فمن قائل: بوجوبه. ومن قائل: لا يجب عليه غسل وبه أقول.
وصل حكم الباطن فيه: اعتبار الجنابة الغربة والغربة لا تكون إلاَّ بمفارقة الوطن وموطن
الإنسان عبوديته، فإذا فارق موطنه ودخل في حدود الربوبية فاتصف بوصف من أوصاف

٥٤٧
في المعارف/ الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
السيادة على أبناء موطنه وأمثاله ولم يجد لذة لذلك فما وفى صفة السيادة حقّها، فإن الكامل
لذة كماله لا تقارنها لذّة أصلاً، والابتهاج الكماليّ لا يشبهه ابتهاج، فلما لم يوف الصفة حقّها
تعيّن عليه الاغتسال وهو الاعتراف بما قصر به في حق تلك الصفة الإلهية، فمن هنا أوجب
الغسل من أوجبه على من خرج منه المنيّ في اليقظة من غير التذاذ، ومن رأى أن صفة الكمال
التي تنبغي للواجب الوجود بنفسه إذا اتّصف بها العبد في غربته لم يكن لها حكم فيه لأنه ليس
بمحل لها لم يوجب عليه غسلاً .
باب الاغتسال من الماء يجده النائم إذا هو استيقظ ولا يذكر احتلاماً
في مثل هذا بقي حكم قوله وَّرَ: ((إِنَّمَا المَاءُ مِنَ المَاءِ)) فهو مخصص ما هو منسوخ كما
يراه بعضهم.
وصل اعتباره في الباطن: العارف يجد قبضاً أو بسطاً في حال من الأحوال لا يعرف
سببه، وهو أمر خطر عند أهل الطريق، فيعلم أن ذلك لغفلة منه عن مراقبة قلبه في وارداته
وقلة نفوذ بصيرته في مناسبة حاله مع الأمر الذي أورثه تلك الصفة، فيتعين عليه التسليم
لموارد القضاء حتى يرى ما ينتج له ذلك في المستقبل، فإذا عرفه وجب عليه الاغتسال
بالحضور التام مع الحق في علم المناسبات حتى لا يجهل ما يرد عليه من الحق من واردات
التقديس، وما الاسم الذي جاءه بذلك، وما الاسم الذي جيء به من عنده، وما الاسم الإلهيّ
الذي هو في الحال حاكم عليه وهو الذي استدعى ذلك الوارد فهذه ثلاثة: الاسم المستدعي،
والاسم المستدعى منه، والاسم الوارد به، فإن الحق من حيث ذاته لا سبيل لمناسبة تربطنا به
أو تربطه بنا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] فبأسمائه نتعلق،
وبها نتخلق، وبها نتحقق، والله الموفق.
باب الاغتسال من التقاء الختانين من غير إنزال
قال رسول الله وَ الّ: ((إِذَا الْتَقَى الخِتَانُ الخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ)) واختلف العلماء في
هذه المسألة، فمن قائل: بأنه يجب الغسل من التقاء الختانين. ومن قائل: بأنه لا يجب
الغسل من التقاء الختانين وبه أقول .
وصل: الاعتبار في ذلك إذا جاوز العبد حدّه ودخل في حدود الربوبية وأدخل ربّه في
الحدّ معه بما وصفه به ممّا هو من صفات الممكنات فقد وجب عليه الطهر من ذلك، فإن
تنزيه العبد أن لا يخرج عن إمكانه ولا يدخل الواجب لنفسه في إمكانه، فلا يقول: يجوز أن
يفعل الله كذا، أو يجوز أن لا يفعله، فإن ذلك يطلب المرجح والحق له الوجوب على
الإطلاق، والذي ينبغي أن يقال: يجوز أن توجد الحركة من المتحرّك ويجوز أن لا توجد
فيفتقر إلى المرجح، فإذا كان العالم بالله تعالى بهذه المثابة وجب عليه الاغتسال وهو الطهر
من هذا العلم بالعلم الذي لا يدخله تحت الجواز، وسترد هذه المسألة إن شاء الله .

٥٤٨
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
باب الاغتسال من الجنابة على وجه اللذة
قد قرّرنا أنّ الجنابة هي الغربة، وهي هنا غربة العبد عن موطنه الذي يستحقه، وليس
إلاَّ العبودية أو تغريب صفة ربانية عن موطنها فيتصف بها أو يصف بها ممكناً من الممكنات
فيجب الطهر في هذه المسألة بلا خلاف. واعلم أن هذا الغسل الواحد المذكور في هذا الباب
يتفرّع منه مائة وخمسون حالاً يجب الاغتسال على العبد في قلبه من كل حال منها، ونحن
نذكر لك أعيانها كلها إن شاء الله تعالى في عشرة فصول كل فصل منها يتضمن خمسة عشر
حالاً لتعرف كيف تلقاها إذا وردت على قلب العبد لأنه لا بدّ من ورودها على كل قلب من
العوام والخصوص، والله المؤيّد والملهم لا قوّة إلاَّ به، فمن ذلك:
الفصل الأوّل: الجبروت والألوهية والعزّة والمهيمنية والإيمان والقيام والشوق والولاء
والظلمة والسحر وعموم الرحمة وخصوصها والسلامة والطهارة والملك.
الفصل الثاني: الكبرياء والستر والصورة والخلق والبراءة والإخلاص والإقرار والبرا
والنصيحة والحب والقهر والهبة والرزق والفتوح والعلم.
الفصل الثالث: البسط والقبض والإعزاز ورفع الدرج وخفض الميزان والشرك
والإنصاف والطاعة والرضى والقناعة والإذلال والأصوات والرؤية والقضاء والعدالة.
الفصل الرابع: اللطف والاختبار ورفع الستور والعظمة والحلم والشكر والاعتلاء
والمحافظة والتقدير والزيادة والحدود والهوى والمنازعة والولاية والتمليك.
الفصل الخامس: الرحم وإدخال السرور والقطيعة والخداع والاستدراج والحسبان
والجلالة والكرم والمراقبة والإجابة والاتساع والحكمة والوداد والبعث والشرف.
الفصل السادس: الشهادة والحق المحلوف به والوكالة والقوّة والصلابة في كل شيء
والنصرة والثناء والإحصاء والابتداء والإعادة والصدقة والقول والعفو والأمر والنهي.
الفصل السابع: الأخلاق والمال والجاه والزيادة والإيمان والحياة والموت والإحياء
والقيومية والوجدان والاستشراف والوحدة والصمداني والقدرة والاقتدار.
الفصل الثامن: التقديم والتأخير والدار الأولى والآخرة والاختفاء وإشالة الحجب
والإحسان والرجوع والانتقام والصفح والحجر والنكاح والرياء والاختلاق والبهت.
الفصل التاسع: الرأفة وملك الملك والكرامات والآجال والتعالي والمغالطة والجمع
والاستغناء والتعدّي والكفاية والسخاء والكذب والتكذيب والسياسة والنواميس.
الفصل العاشر: المنع والهداية والانتفاع والضرر والنور والابتداع والبقاء والتوارث
والرشد والإيناس والأذى والامتنان والحماسة والمقاومة والجاسوس.
اعلم أيّدنا الله وإياك بروح منه أن جميع ما ذكرنا في هذه الفصول وما تتضمنه كل حالة
منها ممّا لم نذكره مخافة التطويل يجب على الإنسان طهارة باطنه وقلبه منه في مذهب أهل الله
وخاصته من أهل الكشف بلا خلاف بين أهل الأذواق في ذلك، ولكن يحتاج المتطهر من
أكثرها إلى علم غزير في كيفية الطهارة ممّا ذكرنا، وقد يكون بعضها طهور البعض، ثم نرجع

٥٤٩
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
إلى مقصودنا من إيراد الأحكام المشروعة في هذه الطهارة التي هي الاغتسال بالماء واعتباراتها
وأحكامها في الباطن فأقول: قد ذكرنا في الوضوء على من تجب طهارته ومتى يكون وجوبها
فلا نحتاج إلى ذكر ما يشترك فيه الطهارتان.
باب التدلّك باليد في الغسل في جميع البدن
اختلف الناس من علماء الشريعة في التدلّك باليد في جميع الجسد، فمن قائل: إن
ذلك شرط في كمال الطهارة. ومن قائل: ليس بشرط، وأمّا مذهبنا فإيصال الماء إلى الجسد
حتى يعمّه بأي شيء كان يمكن إيصاله.
وصل: حكم ذلك في الباطن الاستقصاء في طهارة الباطن لما فيها من الخفاء الذي
تضمره النفوس من حب المحمدة عند الناس بما يظهر عنها من الخير، فبأيّ وجه أمكن إزالة
هذه الصفة، وكل مانع يمنع من عموم طهارة الباطن فلم تحصل الطهارة.
باب النية في الغسل
اختلف العلماء في شرط النية في الغسل، فمن العلماء من اشترطها وبه أقول. ومنهم
من لم يشترطها .
وصل اعتبارها في الباطن: لا بدّ من شرطها في طهارة الباطن فإنها روح العمل وحياته
والنية من عمل الباطن فلا بدّ منها، وقد تقدّم الكلام عليها في أول الباب ظاهراً وباطناً.
باب المضمضة والاستنشاق في الغسل
اختلف العلماء علماء الشريعة في المضمضة والاستنشاق في الغسل، فمن قائل:
بوجوبها. ومن قائل: بعدم وجوبها. والذي نذهب إليه في ذلك أن الغسل لما كان يتضمن
الوضوء كان حكمها من حيث إنه متوضى في اغتساله لا من حيث إنه مغتسل، فإنه ما ورد:
أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ ◌ِّ مَا تَمَضْمَضَ وَلاَ اسْتَنْشَقَ فِي غُسْلِهِ إِلاَّ فِي الوُضُوءِ فِيهِ وما رأيت أحداً نبّه على
مثل هذا في اختلافهم في ذلك، فالحكم فيها عندي راجع إلى حكم الوضوء، والوضوء عندنا
لا بدّ منه في الاغتسال من الجنابة، وعندنا في هذه المسألة نظر في حالتين: الحالة الواحدة
فيمن جامع ولم ينزل فعليه وضوءان في اغتساله، فإن جامع وأنزل فعليه وضوء واحد، إلاَّ أن
مذهبنا أن التقاء الختانين دون إنزال لا يوجب الغسل ويوجب الوضوء، وبه قال أبو سعيد
الخدريّ وغيره من الصحابة والأعمش، وقد تقدّم الكلام في شرط الترتيب والفور في الوضوء
واعتباره.
باب في ناقض هذه الطهارة التي هي الغسل
فناقضها الجنابة والحيض والاستحاضة والتقاء الختانين فالحيض بلا خلاف، وكذلك
إنزال الماء على وجه اللذّة في اليقظة بلا خلاف، وما عدا هذين بخلاف، فإنّ بعض الناس
من المتقدّمين لا يرى على المرأة غسلاً إذا وجدت الماء من الاحتلام مع وجود اللذة.

٥٥٠
في المعارف/ الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
باب في إيجاب الطهر من الوطء
فمن قائل: بوجوبه أنزل أو لم ينزل إذا التقى الختانان. ومن قائل: بوجوبه مع إنزال
الماء وبه أقول. وبإنزال الماء من غير وطء وبه قال جماعة من أهل الظاهر أنه يجب الطهر من
الإنزال فقط .
وصل في اعتباره في الباطن: الوطء توجّه المؤثر على المؤثر فيه بضرب من الوهب،
فلا يخلو المؤثر فيه أن يكون حاضراً عارفاً بخصوص ذلك المؤثر من الأسماء الإلهية فلا
يجب عليه الطهر أو لا يكون فيجب عليه الطهر، وقد يعطي ذلك المؤثر نومة القلب، ثم لا
يخلو هذا الاسم الإلهيّ أن يؤثر علم كون من الأكوان أو علماً يتعلق بالله، وعلى الحالتين فإن
رأى نفسه موطأ ولم يأخذ بالله كالصدقة تقع بيد الرحمن وإن أخذها السائل والله المعطي
فيكون سبحانه المعطي والآخذ فلا طهارة عليه في الباطن، فإن بالحق تكون طهارة الأشياء،
فإن غاب عن هذا الشهود ورأى نفسه أنه هو الآخذ ما أنزله الله على قلبه من العلوم وجبت
عليه الطهارة من رؤية نفسه، وكذلك إذا وطىء غيره بمسألة يعلمه إياها بالحال أو بالقول، فإن
كان عن حضور فلا طهارة عليه فإنه ما زال على طهارته، وإن رأى نفسه في تعليمه غيره
بالحال أو بالقول وجبت عليه الطهارة من رؤية نفسه لا بدّ من ذلك، فإن رجال الله في هذه
الطريق بالله يتحركون وبه يسكنون عن مشاهدة وكشف وعامتهم عن حضور اعتقاد وإيمان بما
ورد بأن الأمر بيده وأن نواصي عباده وكل دابة بيده.
باب في الصفة المعتبرة في كون خروج المنيّ موجباً للاغتسال
اختلفت العلماء في الصفة المعتبرة في كون خروج المنيّ موجباً للاغتسال، فمن قائل :
باعتبار اللذة. ومن قائل: بنفس الخروج سواء كان عن لذة أو بغير لذة.
وصل: الاعتبار في هذا الباب اللذة من الملتذ بها. إمّا أن تكون نفسية أو إلهية، فإن
كانت نفسية طبيعية فقد وجب الغسل، وإن كانت غير نفسية فلا يخلو ذلك العلم الذي هو
بمنزلة الجنابة، إمّا أن يتعلق بالله أو يتعلق بكون من الأكوان، فإن تعلّق بالله ولذته غير نفسية
فلا طهر عليه، وإن تعلق بالأكوان فعليه الطهر سواء التذّ أو لم يلتذّ. ومعنى قولنا: اللذة
الإلهية أعني لذة الكمال لا لذة الوارد، ولذة الكمال في العبد أن يكون عبداً محضاً لا يتصف
بالغربة عن موطنه في باطنه، ولو خلع عليه الحق من صفات السيادة ما شاء من حضرته لا
يخرجه ذلك عن موطنه، وإذا كان كذلك فما هو ذو جنابة إذ لا غربة عنده فإنه ما برح في
موطنه، وهو غاية الكمال والطهارة معرفة للنقص.
باب في دخول الجنب المسجد
فمن قائل: بالمنع بإطلاق. ومن قائل: بالمنع إلاَّ لعابر فيه غير مقيم. ومن قائل:
بإباحة ذلك للجميع وبه أقول.
وصل: الاعتبار في ذلك العارف من كونه عارفاً لا يبرح عند الله دائماً في الحديث:

٥٥١
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
((جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدً)) ولا ينفك الجنب أن يكون في الأرض، وإذا كان في الأرض
فهو في المسجد العام المشروع الذي لا يتقيد بشروط المساجد المعلومة بالعرف، ثم إن
العارف بل العالم كله علوه وسفله لا تصحّ في حاله الإقامة له فهو عابر أبداً مع الأنفاس،
فالعلماء بالله يشاهدون هذا العبور، وغير العلماء بالله يتخيلون أنهم مقيمون، والوجود على
خلاف ذلك فإن الإله الموجد في كل نفس موجد يفعل فلا يعطل نفساً واحداً تتصف منه
بالإقامة كما قال: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأٍْ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٢٩] وقال تعالى: ﴿سَنَفْرُعُ لَكُمْ أَيُّهَ
الثَّقَلَآنِ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٣١] وقال بيده الميزان يخفض ويرفع، ومن قال بالمنع من ذلك
غلب عليه رؤية نفسه أنه ليس بمحل طاهر حيث لم يتخلق بالأسماء الإلهية، ولو تخلق بها
ولم يفن عن تخلّقه عنده فما تخلّق بها، وعندنا أن المتخلّق بالأسماء مهما فني عن تخلّقه بها
فليس بمتخلّق، فإن المعنى بكونه متخلقاً بها أي تقوم به كما يقوم الخلوق بالمتخلّق به، وقد
يخلقه غيره فيكون عند ذلك مخلّقاً بالأخلاق الإلهية، وذلك أن العبد مأمور والحق لا يأمر
نفسه، فالتخلّق امتثال أمر الله بقوّة الله وعونه، فمن الأدب أن يرى المتخلّق كونه متخلّقاً مكلفاً
وإن كان الحق سمعه وبصره، أليس الحق قد أثبت عين عبده بالضمير في سمعه وبصره؟ فأين
يذهب هذا العبد والعين موجودة وغايته أن يكون صورة في هيولى الوجود المطلق مقيدة
وليس له بعد هذا مرتبة إلاَّ العدم والعدم لا يقبل الصورة فافهم. انتهى الجزء الثالث
والثلاثون .
(الجزء الرابع والثلاثون)
بِسْمِ اللهِ الرَّغَنِ الرَّحَمَةِ
باب مس الجنب المصحف
اختلف علماء الشريعة في مس الجنب المصحف، فذهب قوم إلى إجازة مسّ الجنب
المصحف، ومنع قوم من ذلك.
وصل في اعتبار ذلك: العالم كله كلمات الله في الوجود، قال الله تعالى في حق عيسى
عليه السلام: ﴿وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنَهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [سورة النساء: الآية ١٧١] وقال تعالى: ﴿مَّا نَفِدَتْ
كَلِمَتُ اللهِ ﴾ [سورة لقمان: الآية ٢٧] وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّْلِحُ
يَرْفَعُهُ﴾ [سورة فاطر: الآية ١٠] والكلم جمع كلمة، ويقول تعالى للشيء إذا أراده ﴿كُنْ﴾ [سورة
النحل: الآية ٤٠] فيكسو ذلك الشيء التكوين فيكون، فالوجود فيه رق منشور، والعالم فيه كتاب
مسطور بل هو مرقوم لأن له وجهين: وجه يطلب العلوّ والأسماء الإلهية، ووجه يطلب السفل
وهو الطبيعة، فلهذا رجحنا اسم المرقوم على المسطور، فكل وجه من المرقوم مسطور، وفي
ذلك أقول : [البسيط]
فيه لناظره نَقْشٌ وَتَخبيرُ
إن الكيانَ عجيبٌ في تقلُّبه
إذ كلُّ وجهٍ من المرقوم مَسْطورُ
انظر إليه ترى ما فيه من بِدَعِ

٥٥٢
في المعارف/ الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
الكونُ مُرْتَقَمٌ والرقُّ منشورُ
إن الوجودَ لَسِرٌّ حار ناظِرُه
فالأمر كما قلنا رق منشور والأعيان فيه كتاب مسطور، فهو كلمات الله التي لا تنفد،
فبيته معمور، وسقفه مرفوع، وحرمه ممنوع، وأمره مسموع، فأين يذهب هذا العبد وهو من
جملة حروف هذا المصحف ﴿ أَغَيْرَ اَللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ بَلْ إِنَّاهُ تَّدْعُونَ﴾ [سورة الأنعام:
٤٠، ٤١] فيكشف ما تدعون، هل تدعون الشريك لعينه؟ لا والله إلاَّ لكونه في اعتقادكم إلهاً،
فالله دعوتم لا تلك الصورة، ولهذا أجيب دعاؤكم، والصورة لا تضرّ ولا تنفع، انظر في
قوله: ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ [سورة الرعد: الآية ٣٣] فإن سموهم بهم فهم عينهم فلا يقولون في معبودهم
حجر ولا شجر ولا كوكب ينحته بيده ثم يعبده فما عبد جوهره والصورة من عمله وإن
سموهم بالإله عرفت أن الإله عبدوا هذا تحقيق الأمر في نفسه، وقد أشارت الآية الواردة في
القرآن إلى ما ذهبنا إليه بقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٢٣]
فهو عندنا بمعنى حكم، وعند من لا علم له من علماء الرسوم بالحقائق بمعنى أمر، وبين
المعنيين في التحقيق بون بعيد، وفي قول محمد وَ لَ معلماً لنا: ((اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ)). وفي
حديث جبريل معه وَّله حين سأله عن الإحسان بحضور جماعة من الصحابة ما هو؟
فقال ◌َّهِ: ((أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ)) فجاء بكأنّ وقد علمت أن الخيال خزانة المحسوسات وأن
الحق ليس بمحسوس لنا وما نعقل منه إلاَّ وجوده، فجاء بكأنّ لندخله تحت قوّة البصر فنلحقه
بالوهم بالمحسوسات فقربنا من هؤلاء الذين عبدوه فيما نحتوه فتدبر ما أشرنا إليه فإن الأمر لا
يكون إلاَّ كما قرّره الشارع، فقرّر في موضع ما أنكره في موضع آخر، فالعالم منّا أن يقرر ما
قرّره الحق في الموضع الذي قرّره الحق، ولينكر ما أنكره الحق في الموضع الذي أنكره
الحق، فما ثم إلاَّ الإيمان الصرف فلا تأخذ من سلطان عقلك إلاَّ القبول، فانظر ما أشرف
حرف التمثيل الذي هو كأنّ: [البسيط]
فإنه خبرٌ عنها مع الخبَرِ
كأنَّ سلطانَنا فانظر له خبراً
إن كنت تعلم أن العلم في النّظَرِ
كأنّ حرفٌ له في الكون سَلْطَنةٌ
ولا يقاومه خلقٌ من البشَرِ
هو الإمامُ الذي فيه نصرِّفه
ولا شك أن أهل الله جعلوا القلب كالمصحف الذي يحوي على كلام الله، كما أن
القلب قد وسع الحق جلّ جلاله حين ضاق عنه السماء والأرض، فكما أمرنا بتنزيه القلب عن
أن يكون فيه دنس من دخول الأغيار فيه، ورأينا أن المصحف قد حوى على كلام الله وهو
صفته والصفة لا تفارق الموصوف، فمن نزّه الصفة نزّه الموصوف، ومن راعى الدليل على
أمر ما فقد راعى المدلول الذي هو ذلك الأمر، فعلى كلا المذهبين ينبغي أن ينزّه المصحف
أن يمسّه جنب، وقد نهينا أن نسافر بالقرآن إلى أرض العدوّ، فسمّي المصحف قرآناً لظهوره
فيه، وما نهى حملة القرآن عن السفر إلى أرض العدوّ، وإن كان القرآن في أجوافهم محفوظاً
مثل ما هو في المصحف وذلك لبطونه فيهم، ألا ترى النبيّ وَّ كان لا يحجزه شيء عن قراءة
القرآن ليس الجنابة لظهور القرآن عند القراءة بالحروف التي ينطق بها التي أخبرنا الحق أنها

٥٥٣
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
كلامه تعالى فقال لنبيه وَلِ: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَمَ اَللَّهِ﴾ [سورة التوبة: الآية ٦] فتلاه عليه
رسول الله ◌َلّ، فلا ينبغي للجنب وهو الغريب عمّا يستحقه الحق، فإن البعد بالحقائق
والحدود ما يكون فيه قرب أبداً، وبعد المسافة قد يقرب صاحبها من صاحبه الذي يريد قربه،
فكما لا يكون الرب عبداً كذلك لا يكون العبد رباً لأنه لنفسه هو عبد، كما أنّ الرب لذاته هو
رب فلا يتصف العبد بشيء من صفات الحق بالمعنى الذي اتصف بها الحق ولا الحق يتصف
بما هو حقيقة للعبد، فالجنب لا يمسّ المصحف أبداً بهذا الاعتبار، ولا ينبغي أن يقرأه في
هذه الحال، وينبغي للعبد أن لا تظهر عليه إلاَّ العبادة المحضة فإنه جنب كله فلا يمسّ
المصحف، فإن تخلق فحينئذ تكون يد الحق تمسّ المصحف فإنه قال عن نفسه في العبد إذا
أحبّه أنه يده التي يبطش بها، فانظر في هذا القرب المفرط وهذا الاتحاد أين هو من بعد
الحقائق؟ والله ما عرف الله إلاَّ الله، فلا تتعب نفسك يا صاحب النظر، ودر مع الحق كيفما
دار، وخذ منه ما يعرّفك به من نفسه ولا تقس فتفتلس لا بل تبتئس، وتعلم أن يد الحق طاهرة
على أصلها مقدّسة كطهارة الماء المستعمل في العبادة، فتنبه لما عرّفتك به في هذا الفصل.
باب قراءة القرآن للجنب
اختلف علماء الشريعة في ذلك، فمن الناس من منع قراءة القرآن للجنب بحدّ وبغير
حدّ، ومن الناس من أجاز ذلك. وأما الوارث عندي فلا يقرأ القرآن جنباً اقتداء بمن ورثه
﴿لَّقَدْ كَانَ لَّكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّهُ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٢١] ولم يكن يحجزه عن قراءة
القرآن شيء ليس الجنابة، ولكن الغالب عندي من قرينة الحال أنه كره أن يذكر الله تالياً إلاَّ
على طهارة كاملة فإنه تيمم لردّ السلام وقال: ((إني كرهت أن أذكر الله إلاَّ على طهر))، أو
قال: على طهارة. ومن الناس من أجاز للجنب قراءة القرآن بحدّ وبغير حدّ، وبه أقول بغير
حدّ أيضاً ولكن أكرهه اقتداء برسول الله وَله .
وصل الاعتبار في ذلك: المقتدي بأفعال رسول الله ولو يمنع من قراءة القرآن في
الجنابة بغير حدّ، وقد أعلمناك أن الجنابة هي الغربة، والغربة نزوح الشخص عن موطنه الذي
ربي فيه وولد فيه، فمن اغترب عن موطنه حرم عليه الاتصاف بالأسماء الإلهية في حال
غربته، قال تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [سورة الدخان: الآية ٤٩] كما كان عند نفسه
في زعمه فإنه تغرّب عن موطنه فهو صاحب دعوى، والذي أقول في هذه المسألة لأهل
التحقيق: إن القرآن ما سمّي قرآناً إلاَّ لحقيقة الجمعية التي فيه، فإنه يجمع ما أخبر الحق به عن
نفسه وما أخبر به عن مخلوقاته وعباده ممّا حكاه عنهم، فلا يخلو هذا الجنب في تلاوته إذا
أراد أن يتلو إما أن ينظر ويحضر في أن الحق يترجم لنا بكلامه ما قال عباده، أو ينظر فيه من
حيث المترجم عنه، فإن نظر من حيث المترجم عنه فيتلو وبالأوّل فلا يتلو حتى يتطهر في
باطنه، وصورة طهارة باطنه أن يكون الحق لسانه الذي يتكلم به كما كان الحق يده في مس
المصحف فيكون الحق إذ ذاك هو يتلو كلامه لا العبد الجنب، ثم إنه للعارف فيما يتلوه الحق

٥٥٤
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
عليه من صفات ذاته ممّا لا يخبر به عن أحد من خلقه ومن كونه كلّم عبده بهذا القرآن، فليس
المقصود من ذلك التعريف إلاَّ قبوله، وقبوله لا يكون إلاَّ بالقلب، فإذا قبله الإيمان لم يمتنع
من التلفظ به فإن القرآن في حقّنا نزل، ولهذا هو محدث الإتيان، والنزول قديم من كونه صفة
المتكلم به وهو الله، وإنما قول من قال عن رسول الله وَ﴿ إنه لا يحجزه عن قراءة القرآن
شيء ليس الجنابة فما هو قول رسول الله وَل# وإنما هو قول الراوي وما هو معه في كل
أحيانه، فالحاصل منه أن يقول: ما سمعته يقرأ القرآن في حال جنابته أي ما جهر به، ولا يلزم
قارىء القرآن الجهر به إلاَّ فيما شرع الجهر به، كتلقين المتعلم وكصلاة الجهر، والنهي ما
صحّ عن رسول الله بَ ير في ذلك وما ورد والخير لا يمنع منه.
باب الحكم في الدماء
اعلم أن الدماء ثلاثة: دم حيض، ودم استحاضة، ودم نفاس، وهذه كلها مخصوصة
بالمرأة لا حكم للرجل فيها، فليكن الاعتبار في ذلك للنفس فإن الغالب عليها التأنيث، فإن
الله قال فيها: النفس اللوامة والمطمئنة فأنّثها، ولا حظّ للقلب في هذه الدماء ولا للروح
فنقول: إن أهل الطريق من المتقدمين وجماعة من غيرهم ممّن اشترك مع أهل الله في
الرياضات والمجاهدات من العقلاء قد أجمعوا على أن الكذب حيض النفوس، فليكن الصدق
على هذا طهارة النفس من هذا الحيض، فدم الحيض ما خرج على وجه الصحة، ودم
الاستحاضة ما خرج على وجه المرض فإنه خرج لعلة ولهذا حكم ولهذا حكم، فاعتباره أن
حيض النفس وهو الكذب وهو كما قلنا دم يخرج على وجه الصحة فهو الكذب على الله الذي
يقول الله تعالى فيه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ أَقْتَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْجِىَ إِلَىَ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ﴾ [سورة
الأنعام: الآية ٩٣] وقول رسول الله وَّرَ: ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)) فقوله
متعمداً هو خروجه على وجه الصحة، وأما صاحب الشبهة فلا، فهذا يكذب ويعرف أنه
يكذب، وصاحب الشبهة يقول: إنه صادق عند نفسه وهو كاذب في نفس الأمر.
وأما اعتبار دم الاستحاضة وهو الكذب لعلة فلا يمنع من الصلاة ولا من الوطء، وهذا
يدلّك على أنه ليس بأذى، فإن الحيض هو أذى، فيتأذى الرجل بالنكاح في دم الحيض ولا
يتأذى به في دم الاستحاضة وإن كان عن مرض، فإن هذا الكذب وإن كان يدل على الباطل
وهو العدم فإن له رتبة في الوجود وهو التلفظ به، وكان المراد به دفع مضرة عمّا ينبغي دفعها
بذلك الكذب، أو استجلاب منفعة مشروعة ممّا ينبغي أن يظهر مثل هذا فيها وبسببها، فيكون
قربة إلى الله، حتى لو صدق في هذا الموطن كان بعداً عن الله، ألا ترى المستحاضة لا تمتنع
من الصلاة مع سيلان دمها، وأما دم النفاس فهو عين دم الحيض، فإذا زاد على قدر زمان
الحيض أو خرج عن تلك الصفة التي لدم الحيض خرج عن حكم الحيض، والعناية بدمٍ
النفاس أوجه من العناية بدم الحيض من غير نفاس، فإن الله ما أمسكه في الرحم ثم أرسله إلاّ
ليزلق به سبيل خروج الولد رفقاً بأمّه، فيسهل على المرأة به خروج الولد، وخروج الولد هو

٥٥٥
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
النشء الطاهر الخارج على فطرة الله وإلَقرار بربوبيته التي كانت له في قبض الذر، فكان الدم
النفاس بهذا القصد خصوص وصف كالمعين لبقاء ذكر الله بإبقاء الذاكر من جهة وصف
خاص، ولدم النفاس زمان ومدّة في الشرع كما لدم الحيض، ودم الاستحاضة ما له مدة
یوقف عندها .
باب في أكثر أيام الحيض وأقلها وأقل أيام الطهر
اختلف العلماء في هذا فمن قائل: أكثر أيام الحيض خمسة عشر يوماً ومن قائل :
أكثرها عشرة أيام. ومن قائل: أكثر أيام الحيض سبعة عشر يوماً، وأما أقل أيام الحيض فمن
قائل: لا حدّ له في الأيام وبه أقول فإن أقل الحيض عندنا دفعة. ومن قائل: أقلّه يوم وليلة.
ومن قائل: أقلّه ثلاثة أيام. وأمّا أقلّ أيام الطهر فمن قائل: عشرة أيام. ومن قائل: ثمانية أيام.
ومن قائل: خمسة عشر. ومن قائل: سبعة عشر. ومن قائل: ساعة، وبه أقول ولا حدّ
لأكثره.
وصل اعتبار هذا الباب: زمان كذب النفس النية فيمتد بامتداد ما نوته حتى يطهر بالتوبة
من ذلك، فلا حدّ لأكثره ولا لأقله، وكذلك زمان الطهر لا حدّ له جملة واحدة فإنه لا حدّ
للصدق غير أنه تحكم عليه المواطن الشرعية بالحمد والذمّ وأصله الحمد، كما أن الكذب
تحكم عليه المواطن بالحمد والذمّ وأصله الذمّ، فالواجب عليه أن يصدق دائماً إلاَّ أن يحكم
الحال، والواجب عليه ترك الكذب دائماً إلاَّ أن يحكم عليه حال ما وهو الكذب للعلة فأشبه
دم الاستحاضة .
باب في دم النفاس في أقله وأكثره
اختلف العلماء في هذه المسألة، فمن قائل: لا حدّ لأقله وبه أقول. ومن قائل: حدّه
خمسة وعشرون يوماً. ومن قائل: حدّه أحد عشر يوماً. ومن قائل: عشرون يوماً. وأما أكثر
زمانه فمن قائل: ستون يوماً. ومن قائل: سبعة عشر يوماً. ومن قائل: أربعون يوماً. ومن
قائل: للذكر ثلاثون يوماً، وللأنثى أربعون يوماً، والأولى أن يرجع في ذلك إلى أحوال النساء
فإنه ما ثبتت فيه سنّة يرجع إليها .
وصل اعتباره في الباطن: لا حدّ للنية من الزمان كما قلنا في اعتبار دم الحيض فإن دم
الحيض هو عين دم النفاس وقد اعتبرناه فإن النبيّ بَّ قال للحائض: ((أَنِفِسْتِ)) بهذا اللفظ.
باب في الدم تراه الحامل
اختلف فيه هل هو دم حيض أو هو دم استحاضة؟ وحكم كل قائل فيه بحكم ما ذهب
إليه .
وصل اعتبار حكمه في الباطن: الحامل صفة النفس إذا امتلأت بالأمر الذي تجده فتبديه
على غير وجهه وهو الكذب، وقد يكون ذلك عن عادة اعتادها كما قال بعضهم : [البسيط]
لا يكذب المرءُ إلاَّ من مَهَانَتِهِ أو عادةِ السُّوء أو من قلَّة الأدبِ

٥٥٦
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
أمّا قوله: من مهانته فإن الملوك لا تكذب. وقوله: من قلة الأدب لما جاء في الخبر أن
الشخص إذا كذب الكذبة تباعد منه الملك ثلاثين ميلاً من نتن ما جاء به، فالكاذب فيما لا
يجوز له الكذب فيه أساء الأدب مع الملك، فإن الملائكة تتأذّى ممّا يتأذى منه بنو آدم،
والإنسان يتأذّى بالنتن كذلك الملك لقرب الشبه بين نشء الملك ونشء روح الإنسان.
باب في الصفرة والكدرة هل هي حيض أم ليس بحيض
اختلف العلماء في الصفرة والكدرة هل هي حيض أم لا؟ فمن قائل: إنها حيض في أيام
الحيض. ومن قائل: لا تكون حيضاً إلاَّ بأثر الدم ومن قائل: ليست حيضاً وبه أقول.
وصل اعتباره في الباطن: الكذب بشبهة ليس صاحبه ممّن تعمد الكذب والأولى تركه
إذا عرف أن ذلك شبهة فإنها ما سمّيت شبهة إلاَّ لكونها تشبه الحق من وجه وتشبه الباطل من
وجه، فالأولى ترك مثل هذا إلاَّ أن يقترن معها دفع مضرة أو حصول منفعة دينية أو دنياوية،
بخلاف الكذب المحض الذي هو لعينه وهذا لا يقع فيه عاقل أصلاً. وأما الكذب الذي هو
بمنزلة دم الاستحاضة فيعتبر فيه صلاح الدين لصلاح الدنيا .
باب فيما يمنع دم الحيض في زمانه
اعلم أن الحيض في زمانه يمنع من الصلاة والصيام والوطء والطواف.
وصل اعتبار ذلك في الباطن: الكذب في المناجاة، وهو أن تكون في الصلاة بظاهرك،
وتكون مع غير الله في باطنك من محرّم وغيره واعتباره في الصوم، فالصوم هو الإمساك،
وأنت ما مسكت نفسك عن الكذب كالحائض لا تمسك عن الأكل والشرب وهو الكذب
الواجب إتيانه شرعاً وهو محمود، واعتباره في الطواف بالبيت وهو المشبه بأفضل الأشكال
وهو الدور فهو كذب إلى غير نهاية فهو الإصرار على الكذب واعتباره في الجماع، أما الجماع
فقصد المؤمن به كون الولد، والمقدّمات إذا كانت كاذبة خرجت النتيجة عن أصل فاسد وقد
تصدق النتيجة وقد تكون مثل مقدماتها، فالأذى يعود على فاعل الجماع، يقول في زمان
الكذب: لا تحضر الله تعالى بخاطرك فإنه سوء أدب مع الله وقلة حياء منه وجراءة عليه،
وكيف ينبغي للعبد أن يجرأ على سيده ولا يستحيي منه مع علمه وتحققه أنه يراه، قال تعالى:
لَمَّ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [سورة العلق: الآية ١٤].
باب في مباشرة الحائض
اختلف العلماء في صورة مباشرة الحائض، فقال قوم: يستباح من الحائض ما فوق
الإزار. وقال قوم: لا يجتنب من الحائض إلاَّ موضع الدم خاصة وبه أقول.
وصل اعتباره في الباطن: قلنا: إن الحيض كذب النفوس. قيل لرسول الله وَله:
(أَيَزْنِي المُؤْمِنُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: أَيَشْرَبُ المُؤْمِنُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: أَيَسْرِقُ المُؤْمِنُ؟ قَالَ:
نَعَمْ، قِيلَ لَهُ: أَيَكْذِبُ المُؤْمِنُ؟ قَالَ: لاَ) فإذا رأت نفسك نفساً أخرى تفعل ما لا ينبغي فأكّد
أن تجتنب من أفعالها الكذب على الله وعلى رسوله، والراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه،

٥٥٧
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
ومن عوّد نفسه الكذب على الناس يستدرجه الطبع حتى يكذب على الله فإن الطبع يسرقه، يقول
تعالى: ﴿وَلَوْ نَقَوَّ عَلَيْنَا بَعْضَ آلْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِلْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَنِينَ﴾ [سورة الحاقة: ٤٤ -٤٦] فتوعد
عباده أشدّ الوعيد إذا هم افتروا على الله الكذب، وهذا الحكم سار في كل من كذب على الله،
وقد ورد فيمن يكذب في حلمه أنه يكلف أن يعقد بين شعيرتين من نار لمناسبة ما جاء به من
تأليف ما لا يصحّ ائتلافه فلم يأتلف في نفس الأمر، وكذلك لا يقدر أن يعقد تلك الشعيرتين
أبداً، وهذا تكليف ما لا يطاق، فما عذّبه الله يوم القيامة إلاَّ بفعله لا بغير ذلك.
باب وطء الحائض قبل الاغتسال وبعد الطهر المحقق
قال تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَظْهُرْنَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٢] بسكون الطاء وضم الهاء
مخففاً، وقرىء بفتح الطاء والهاء مشدّداً. فمن قائل: بجوازه على قراءة من خفف. ومن قائل :
بعدم جوازه على قراءة من شدّد وهو محتمل وبالأوّل أقول. ومن قائل: أن ذلك جائز إذا طهرت
لأكثر أمد الحيض في مذهبه. ومن قائل: أن ذلك جائز إذا غسلت فرجها بالماء وبه أقول أيضاً .
وصل اعتباره في الباطن: ما يلقيه المعلم من العلم في نفس المتعلم إذا كان حديث عهد
بصفة الدعوى الكاذبة لرعونة نفسه، فله أن يلقي إليه من العلم المتعلق بالتكوين ما يؤدّيه إلى
استعمال غسل واحد فرد بنيّتين فيكون له الأجر مرّتين وإن لم يتب من تلك الدعوى إلاَّ أنه
غير قائل بها في الحال فهو طاهر المحل بالغفلة في ذلك الوقت، فإن خطر له خاطر الرجوع
عن تلك الدعوى فهو بمنزلة المرأة تغسل فرجها بعد رؤية الطهر وإن لم تغتسل فإن تاب من
الدعوى بالعمل بذلك الخاطر كان كالاغتسال للمرأة بعد الطهر.
باب من أتى امرأته وهي حائض هل يكفّر
فمن قائل: لا كفارة عليه وبه أقول. ومن قائل: عليه الكفارة.
وصل اعتباره في الباطن: العالم يعطي الحكمة غير أهلها فلا شك أنه قد ظلمها فمن
رأى أن لهذا الفعل كفارة فكفارته أن ينظر من فيه أهلية لعلم من العلوم النافعة عند الله الدينية
وهو متعطش لذلك فيبادر من نفسه إلى تعليمه وتبريد غلة عطشه فيضع في محلها وعند أهلها
فيكون ذلك كفارة لما فرط في الأوّل، ومن لم يرَ لذلك كفارة قال: يتوب ويستغفر الله وليس
عليه طلب تعليم غيره على جهة الكفارة.
باب حكم طهارة المستحاضة
اختلف علماء الشريعة في طهر المستحاضة ما حكمها؟ فمن قائل: ليس عليها سوى
طهر واحد إذا عرفت أن حيضتها انقضت ولا شيء عليها لا وضوء ولا غسل وحكمها حكم
غير المستحاضة وبه أقول. وقسم آخر ممّن يقول: إنه ما عليها سوى طهر واحد أن عليها
الوضوء لكل صلاة وهو أحوط. ومن قائل: إنها تغتسل لكل صلاة. ومن قائل: إنها تجمع
بين الصلاتين بغسل واحد.
وصل اعتبار الباطن في ذلك: في مذهبنا أنه ليس على المستحاضة من كونها مستحاضة

٥٥٨
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
طهر، كذلك النفس إذا كذبت لمصلحة مشروعة أوجب الشرع عليها فيها الكذب أو أباحه لا
بل يكون عاصياً إن صدق في تلك الحالة فلا توبة عليها من تلك الكذبة، فكما أن دم
الاستحاضة ليس عين دم الحيض وإن اشتركا في الدمية والمحل كذلك الكذب المشروع
إباحته الحلال ليس عين الكذب المحرّم وقوعه منه وإن اشتركا في كونه كذباً وهو الإخبار بما
ليس الأمر عليه في نفسه، فمن رأى التوبة من كون إطلاق اسم الكذب عليه بالحقيقة وإن كان
مباحاً أو واجباً كحبيب العجميّ في حديثه مع الحسن البصريّ لما طلبه الحجاج للقتل
والحكاية مشهورة قال بالتوبة منه كما قال بغسل المستحاضة للاشتراك في اسم الحيض، فإن
الاستحاضة استفعال من الحيض.
باب في وطء المستحاضة
اختلف علماء الشريعة فيه على ثلاثة أقوال: قول بجوازه وبه أقول. وقول بعدم جوازه.
وقول بعدم جوازه إلاَّ أن يطول ذلك بها .
وصل اعتباره في الباطن: لا يمتنع تعليم من تعلّم منه أنه لا يكذب إلاَّ لسبب مشروع
وعلة مشروعة، فإن ذلك لا يقدح في عدالته بل هو نص في عدالته، وقد وقع مثل هذا من
الأكابر الكمل من الرجال.
أبواب التيمم
التيمم القصد إلى الأرض الطيبة كان ذلك الأرض ما كان ممّا يسمّى أرضاً تراباً كان أو
رملاً أو حجراً أو زرنيخاً، فإن فارق الأرض شيء من هذا كله وأمثاله لم يجز التيمم بما فارق
الأرض من ذلك إلاَّ التراب خاصة لورود النص فيه وفي الأرض سواء فارقَ الأرض أو لم
يفارق .
وصل اعتباره في الباطن: القصد إلى الأرض من كونها ذلولاً وهو القصد إلى العبودية
مطلقاً لأن العبودية هي الذلّة والعبادة منها، فطهارة العبد إنما تكون باستيفاء ما يجب أن يكون
العبد عليه من الذلّة والافتقار والوقوف عند مراسم سيده وحدوده وامتثال أوامره، فإن فارق
النظر من كونه أرضاً فلا يتيمم إلاَّ بالتراب من ذلك لأنه من تراب خلق من نحن أبناؤه، وبما
بقي فيه من الفقر والفاقة من قول العرب: تربت يد الرجل إذا افتقر. ثم إن التراب أسفل
العناصر، فوقوف العبد مع حقيقته من حيث نشأته طهوره من كل حدث يخرجه من هذا المقام
وهذا لا يكون إلاَّ بعدم وجدان الماء والماء العلم، فإن بالعلم حياة القلوب كما بالماء حياة
الأرض، فكأنه حالة المقلد في العلم بالله، والمقلد عندنا في العلم بالله هو الذي قلّد عقله في
نظره في معرفته بالله من حيث الفكر، فكما أنه إذا وجد المتيمم الماء أو قدر على استعماله
بطل التيمم كذلك إذا جاء الشرع بأمر ما من العلم الإلهيّ بطل تقليد العقل لنظره في العلم بالله
في تلك المسألة، ولا سيما إذا لم يوافقه في دليله كان الرجوع بدليل العقل إلى الشرع، فهو
ذو شرع وعقل معاً في هذه المسألة فاعلم ذلك.

٥٥٩
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
باب كون التيمم بدلاً من الوضوء باتفاق ومن الكبرى بخلاف
اتفق العلماء بالشريعة أن التيمم بدل من الطهارة الصغرى واختلفوا في الكبرى، ونحن
لا نقول فيها أنها بدل من شيء، وإنما نقول إنها طهارة مشروعة مخصوصة بشروط اعتبرها
الشرع، فإنه ما ورد شرع من النبي ◌َّل# ولا من الكتاب العزيز أن التيمم بدل، فلا فرق بين
التيمم وبين كل طهارة مشروعة، وإنما قلنا مشروعة لأنها ليست بطهارة لغوية، وسيأتي
التفصيل في فصول هذا الباب إن شاء الله تعالى، فمن قائل: إن هذه الطهارة أعني طهارة
التراب بدل من الكبرى. ومن قائل: إنها لا تكون بدلاً من الكبرى وإنما نسب لفظة الصغرى
والكبرى للطهارة لعموم الطهارة في الاغتسال لجميع البدن وخصوصها ببعض الأعضاء في
الوضوء، فالحدث الأصغر هو الموجب للوضوء، والحدث الأكبر هو كل حدث يوجب
الاغتسال.
وصل اعتباره في الباطن: أن كل حدث يقدح في الإيمان يجب منه الاغتسال بالماء
الذي هو تجديد الإيمان بالعلم إن كان من أهل النظر في الأدلة العقلية، فيؤمن عن دليل
عقلي، فهو كواجد الماء القادر على استعماله وإن لم يكن من أهل النظر فى الأدلة وكان مقلداً
لزمته الطهارة بالإيمان من ذلك الحدث الذي أزال عنه الإيمان بالسيف أو حسن الظنّ، فهو
المتيمم بالتراب عند فقد الماء أو عدم القدرة على استعمال الماء، وهذا على مذهب من يرى
أن التيمم بدل أيضاً من الطهارة الكبرى فيرى التيمم للجنب. وأما على مذهب من يرى أن
الجنب لا يتيمم كابن مسعود وغيره هو الذي لا يرى التقليد في الإيمان بل لا بدّ من معرفة الله
وما يجب له ويجوز ويستحيل بالدليل النظري، وقال به جماعة من المتكلمين.
وأما كونه أعني التيمم بدلاً من الطهارة الصغرى فهو أن يقدح له حدث في مسألة معينة
لا في الإيمان لعدم النص من الكتاب أو السنّة أو الإجماع في ذلك، فكما جاز له التيمم في
هذه الطهارة الصغرى على البدل جاز له القياس في الحكم في تلك المسألة لعلة جامعة بين
هذه المسألة التي لا حكم فيها منطوقاً به، وبين مسألة أخرى منطوق الحكم فيها من كتاب أو
سنّة أو إجماع، ومذهبنا في قولنا أن التيمم ليس بدلاً بل هو طهارة مشروعة مخصوصة معينة
لحال مخصوص شرعها الذي شرع استعمال الماء لهذه العبادة المخصوصة وهو الله تعالى
ورسوله ◌َّر، فما هي بدل وإنما هو عن استخراج الحكم في تلك المسألة من نص ورد في
الكتاب أو في السنّة يدخل الحكم في هذه المسألة في مجمل ذلك الكلام وهو الفقه في
الدين، قال تعالى: ﴿لَّيَنَفَقَّهُواْ فِ الدِّينِ﴾ [سورة التوبة: الآية ١٢٢] ولا يحتاج إلى قياس في ذلك.
مثال ذلك: رجل ضرب أباه بعصا أو بما كان فقال أهل القياس: لا نص عندنا في هذه
المسألة ولكن لما قال تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَُّمَا أُنِّي وَلَا نَنْهُرْهُمَا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٢٣] قلنا: فإذا
ورد النهي عن التأفيف وهو قليل فالضرب بالعصا أشدّ، فكان تنبيهاً من الشارع بالأدنى على
الأعلى، فلا بدّ من القياس عليه، فإن التأفيف والضرب بالعصا يجمعهما الأذى، فقسنا
الضرب بالعصا المسكوت عنه على التأفيف المنطوق به وقلنا نحن: ليس لنا التحكم على

٥٦٠
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
الشارع في شيء ممّا يجوز أن يكلف به ولا التحكم ولا سيما في مثل هذا لو لم يرد في نطق
الشرع غير هذا لم يلزمنا هذا القياس ولا قلنا به ولا ألحقناه بالتأفيف وإنما حكمنا بما ورد وهو
قوله تعالى: ﴿وَيَأَلْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٢٣] فأجمل الخطاب فاستخرجنا من هذا
المجمل الحكم في كل ما ليس بإحسان، والضرب بالعصا ما هو من الإحسان المأمور به من
الشرع في معاملتنا لآبائنا، فما حكمنا إلاَّ بالنص وما احتجنا إلى قياس فإن الدين قد كمل ولا
تجوز الزيادة فيه كما لم يجز النقص منه، فمن ضرب أباه بالعصا فما أحسن إليه، ومن لم
يحسن لأبيه فقد عصى ما أمره الله به أن يعامل به أبويه، ومن ردّ كلام أبويه وفعل ما لا يرضي
أبويه ممّا هو مباح له تركه فقد عقهما، وقد ثبت أن عقوق الوالدين من الكبائر فلهذا قلنا: إنّ
الطهارة بالتراب وهو التيمم ليس بدلاً بل هي مشروعة كما شرع الماء ولها وصف خاص في
العمل، فإنه بين أنا لا نعمل به إلاَّ في الوجوه والأيدي، والوضوء والغسل ليسا كذلك،
وينبغي للبدل أن يحل محل المبدل منه، وهذا ما حلّ محل المبدل منه في الفعل، والله يقول
الحق وهو يهدي السبيل.
باب فيمن تجوز له هذه الطهارة
اتفق علماء الشريعة على أن التيمم يجوز للمريض والمسافر إذا عدما الماء، وعندنا أو
عدم استعمال الماء مع وجوده لمرض قام به يخاف أن يزيد به المرض أو يموت لورود النص
في ذلك.
وصل اعتباره في الباطن: المسافر صاحب النظر في الدليل فإنه مسافر بفكره في منازل
مقدماته وطريق ترتيبها حتى ينتج له الحكم في المسألة المطلوبة، والمريض هو الذي لا تعطي
فطرته النظر في الأدلة لما يعلم من سوء فطرته وقصوره عن بلوغ المقصود من النظر، بل
الواجب أن يزجر عن النظر ويؤمر بالإيمان تقليداً، وقد قلنا فيما قبل إن المقلد في الإيمان
كالمتيمم بالتراب لأن التراب لا يكون في الطهارة أعني النظافة مثل الماء ولكن نسميه طهوراً
شرعاً أعني التراب خاصة، بخلاف الماء فإني أسميه طهوراً شرعاً وعقلاً، فصاحب النظر وإن
آمن أوّلاً تقليداً فإنه يريد البحث عن الأدلة والنظر فيما آمن به لا على الشك ليحصل له العلم
بالدليل الذي نظر فيه فيخرج من التقليد إلى العلم، أو يعمل على ما قلّد فيه، فينتج له ذلك
العمل العلم بالله فيفرق به بين الحق والباطل عن بصيرة صحيحة لا تقليد فيها وهو علم الكشف،
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَنَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [سورة الأنفال: الآية ٢٩] وهو عين ما
قلناه. وقال: ﴿ وَأَتَّقُواْ اللَّهُ وَيُعَلِمُكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٢] وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْءَانَ
خَلَقَ الْإِنِسَنَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [سورة الرحمن: ١ -٤] وقال: ﴿عَانِيْنَهُ رَحْمَةٌ مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَّا
عِلْمًا﴾ [سورة الكهف: الآية ٦٥] وقد ورد أن العلماء ورثة الأنبياء فسمّاهم علماء، وأن الأنبياء ما
ورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورّثوا العلم، والأخذ للعلم بالمجاهدة والأعمال أيضاً سفر، فكما
سافر العقل بنظره الفكري في العالم سافر العامل بعمله واجتمعا في النتيجة، وزاد صاحب