النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
في المعارف/ الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
الأعمال بالنيات وهي القصد والوضوء عمل قلنا: سلمنا ما تقول ونحن نقول به ولكن النية هنا
متعلقها العمل لا الماء، والماء ما هو العمل، والقصد هنالك للصعيد، فيفتقر الوضوء بهذا
الحديث للنية من حيث ما هو عمل لا من حيث ما هو عمل بماء، فالماء هنا تابع للعمل
والعمل هو المقصود بالنية، وهنالك القصد للصعيد الطيب والعمل به تبع يحتاج إلى نية
أخرى عند الشروع في الفعل، كما يفتقر العمل بالماء في الوضوء والغسل وجميع الأعمال
المشروعة إلى الإخلاص المأمور به وهو النية بخلاف، قال تعالى: ﴿وَمَّ أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة البينة: الآية ٥] وفي هذه الآية نظر، وهذه مسألة ما حققها الفقهاء على
الطريقة التي سلكنا فيها وفي تحقيقها فافهم.
ولم يقل في الماء تيمموا الماء فيفتقر إلى روح من النية والماء في نفسه روح فإنه يعطي
الحياة من ذاته، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلُّ شَىْءٍ حَيٍّ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٣٠] فإن كل
شيء يسبح بحمد الله ولا يسبح إلاَّ حيّ، فالماء أصل الحياة في الأشياء، ولهذا وقع الخلاف
بين علماء الشريعة في النيّة في الوضوء هل هي شرط في صحته أو ليست بشرط في صحته
والسرّ ما ذكرناه. فإن قيل: إن الإمام الذي لا يرى النية في الوضوء يراها في غسل الجنابة
وكلا العبادتين بالماء وهو سرّ الحياة فيهما، قلنا: لما كانت الجنابة ماء وقد اعتبر الشرع
الطهارة منها لدنس حكميّ فيها لامتزاج ماء الجنابة بما في الأخلاط وكون الجنابة ماء مستحيلاً
من دم فشاركت الماء في سرّ الحياة فتمانعا فلم يقو الماء وحده على إزالة حكم الجنابة لما
ذكرنا فافتقر إلى روح مؤيد له عند الاغتسال فاحتاج إلى مساعدة النية، فاجتمع حكم النية
وهي روح معنويّ وحكم الماء فأزالا بالغسل حكم الجنابة بلا شك كأبي حنيفة ومن قال بقوله
في هذه المسألة ومن راعى كون ماء الجنابة لا يقوى قوّة الماء المطلق لأنه ماء استحال من دم
كماء الجنابة إلى ممازجته بالأخلاط ومفارقته إياه بالكثافة واللونية، قال: قد ضعف ماء
الجنابة عن مقاومة الماء المطلق فلم يفتقر عنده إلى نية كالحسن بن حي والمخالف لهما من
العلماء ما تفطنوا لما رأياه هذان الإمامان ومن ذهب مذهبهما، فاجهل بالك لما بينته لك
ورجح ما شئت .
وصل: وبعد أن تحققت هذا فاعلم أن الماء ماءان ماء ملطف مقطر في غاية الصفاء
والتخليص وهو ماء الغيث فإنه ماء مستحيل من أبخرة كثيفة قد أزال التقطير ما كان تعلق به من
الكثافة، وذلك هو العلم الشرعي اللدني فإنه عن رياضة ومجاهدة وتخليص، فطهر به ذاتك
المناجاة ربك، والماء الآخر ما لم يبلغ في اللطافة هذا المبلغ وهو ماء العيون والأنهار فإنه ينبع
من الأحجار ممتزجاً بحسب البقعة التي ينبع بها ويجري عليها فيختلف طعمه، فمنه عذب
فرات، ومنه ملح أجاج، ومنه مرّ زعاق، وماء الغيث على حالة واحدة ماء نمير خالص
سلسال سائغ شرابه، وهذه علوم الأفكار الصحيحة والعقول، فإن علوم العقل المستفادة من
الفكر يشوبها التغيّر لأنها بحسب مزاج المتفكّر من العقلاء لأنه لا ينظر إلاَّ في مواد محسوسة
كونية في الخيال، وعلى مثل هذا تقوم براهينها فتختلف مقالاتهم في الشيء الواحد، أو

٥٠٢
في المعارف/ الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
تختلف مقالة الناظر الواحد في الشيء الواحد في أزمان مختلفة لاختلاف الأمزجة والتخليط
والأمشاج الذي في نشأتهم، فاختلفت أقاويلهم في الشيء الواحد وفي الأصول التي يبنون
عليها فروعهم، والعلم اللدني الإلهيّ المشروع ذو طعم واحد وإن اختلفت مطاعمه، فما
اختلفت في الطيب فطيب وأطيب فهو خالص ما شابه كدر لأنه تخلص من حكم المزاج
الطبيعي وتأثير المنابيع فيه، فكانت الأنبياء والأولياء وكل مخبر عن الله على قول واحد في الله
إن لم يزد فلا ينقص ولا تخالف يصدق بعضهم بعضاً، كما لم يختلف ماء السماء حال
النزول، فليكن اعتمادك وطهورك في قلبك بمثل هذا العلم، وليس إلاَّ العلم بالشرع المشبه
بماء الغيث، وإن لم تفعل فما نصحت نفسك وتكون في ذاتك وطهورك بحسب ما تكون
البقعة التي نبع منها ذلك الماء، فإن فرقت بين عذبه وملحه فاعلم أنك سليم الحاسة، وهذه
مسألة لم أجد أحداً نبّه عليها، فإن آكل السكر بالحلاوة في السكر كذلك وفي مرارة الصبر
ليس بصحيح ولا يقتضيه الدليل العقلي وقد نبهناك إن تنبهت، فانظر ثم يا وليي استدرك
استعمال علوم الشريعة في ذاتك وعلوم الأولياء والعقلاء الذين أخذوها عن الله بالرياضات
والخلوات والمجاهدات والاعتزال عن فضول الجوارح وخواطر النفوس، وإن لم تفرّق بينِ
هذه المياه فاعلم أنك سيء المزاج قد غلب عليك خلط من أخلاطك فما لنا فيك من حيلة إلاَّ
أن يتدارك الله برحمته نفسك، فإذا استعملت من ماء هذه العلوم في طهارتك ما دللتك عليه
وهو العلم المشروع، طهرت صفاتك وروحانيتك به كما طهرت أعضاءك بالماء ونظفتها،
فأوّل طهارتك غسل يديك قبل إدخالهما في الإناء عند قيامك من نوم الليل بلا خلاف
ووجوب غسلهما من نوم النهار بخلاف، واليد محل القوّة والتصريف فطهورهما بعلم لا
حول في اليسرى ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم في اليمنى، واليدان محل القبض والإمساك
بخلاً وشحاً فطهرهما بالبسط والإنفاق كرماً وجوداً وسخاء.
ونوم الليل غفلتك عن علم عالم غيبك، ونوم النهار غفلتك عن علم عالم شهادتك،
فهذا عين تخلقك وتحققك بعالم الغيب والشهادة من الأسماء الحسنى المضافة، ثم بعد هذا
الاستنجاء والاستجمار والجمع بينهما أفضل من الإفراد فهما طهارتان نور في نور مرغب
فيهما سنّة وقرآناً، فإن استنجيت وهو استعمال الماء في طهارة السوأتين لما قام بهما من الأذى
وهما محل الستر والصوم كما هما محل إخراج الخبث والأذى القائم بباطنك وهو ما تعلق
بباطنك من الأفكار الرديئة والشبه المضلة كما ورد في الصحيح: ((إن الشيطان يأتي إلى
الإنسان في قلبه فيقول له: من خلق كذا ومن خلق كذا حتى يقول فمن خلق الله ))فطهارة هذا
القلب من هذا الأذى ما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستعاذة والانتهاء وهما
عورتان أي مائلتان إلى ما يوسوس به نفسه من الأمور القادحة في الدين أصلاً وفرعاً فإن الدبر
هو الأصل فى الأذى فإنه ما وجد إلا لهذا والفرجان الآخران في الرجل والمرأة فرعان عن
هذا الأصل ففيهما وجه إلى الخير ووجه إلى الشرّ وهو النكاح والسفاح، ألا ترى النجاسة إذا
وردت على الماء القليل أثرت فيه فلم يستعمل وإذا ورد الماء على النجاسة أذهب حكمها،

٥٠٣
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
كذلك الشبه إذا وردت على القلوب الضعيفة الإيمان الضعيفة الرأي أثرت فيها، وإذا وردت
على البحر استهلكت فيه، كذلك القلوب القوية المؤيدة بالعلم وروح القدس، كذلك الشبه إذا
جاء بها شيطان الإنس والجنّ إلى المتضلّع من العلم الإلهيّ الريان منه قلب عينها وعرف كيف
يردّ نحاسها ذهباً وقزديرها فضة بإكسير العلم اللدنيّ الذي عنده من عناية الرحمة الإلهية التي
أتاه الله بها وعرف وجه الحق منها وآثر فيها، فهذا سرّ الاستنجاء الروحانيّ.
فإن استجمر هذا المتوضىء ولم يستنج فاعلم أن ذلك طهور المقلد فإن الجمرة
الجماعة ويد الله مع الجماعة، ولا يأكل الذئب إلا القاصية وهي التي بعدت عن الجماعة
وخرجت عنها وذلك مخالفة الإجماع، والاستجمار معناه جمع أحجار أقلها ثلاثة إلى ما
فوقها من الأوتار لأن الوتر هو الله فلا يزال الوتر مشهودك، والوتر طلب الثأر وهو هنا ما ألقاه
الشيطان من الشبه في إيمانك فتجمع الأحجار للإنقاء من ذلك الخبث القائم بالعضو، فالمقلد
إذا وجد شبهة في نفسه هرب إلى الجماعة أهل السنّة فإنّ يد الله كما جاء مع الجماعة ويد الله
تأييده وقوّته، وقد نهى رسول الله وَل ◌ّر عن مفارقة الجماعة، ولهذا قام الإجماع في الدلالة
على الحكم المشروع مقام النص من الكتاب أو السنّة المتواترة التي تفيد العلم فهذا يكون
استجمارك في هذه الطهارة.
ثم مضمض بالذكر الحسن لتزيل به الذكر القبيح من النميمة والغيبة والجهر بالسوء من
القول، فلتكن مضمضتك بالتلاوة وذكر الله وإصلاح ذات البين والأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، قال تعالى: ﴿لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِلُّوْءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [سورة النساء: الآية ١٤٨] وقال: ﴿مَّشَِّ
بِنَمِيمٍ﴾ [سورة القلم: الآية ١١] وقال: ﴿لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَئُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ
مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [سورة النساء: الآية ١١٤] وما أشبه ذلك، فهذه طهارة فيك، وقد
فتحت لك الباب فأجر في وضوئك وغسلك وتيممك في أعضائك على هذا الأسلوب فهو
الذي طلبه الحق منك، وقد استوفينا الكلام على هذه الطهارة في التنزلات الموصلية فانظرها
هنالك نثراً ونظماً وقد رميت بك على الطريق، ولتصرف هذه الطهارة بكمالها في كل مكلف
منك، فإن كل مكلف منك مأمور بجميع العبادات كلها من طهور وصلاة وزكاة وصيام وحج
وجهاد وغير ذلك من الأعمال المشروعة ، وكل مكلف فيك تصرفه في هذه العبادات بحسب
ما تطلبه حقيقة ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّ مَآ ءَاتَنَهَا﴾ [سورة الطلاق: الآية ٧] وقد ﴿ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ
ثُمَّ هَدَى﴾ [سورة طه: الآية ٥٠] أي بين كيف تستعمله فيها وهم ثمانية أصناف لا يزيدون لكن قد
ينقصون في بعض الأشخاص وهم: العين والأذن واللسان واليد والبطن والفرج والرجل
والقلب لا زائد في الإنسان عليهم، لكن قد ينقصون في بعض أشخاص هذا النوع الإنساني
كالأكمة والأخرس والأصم وأصحاب العاهات، فمن بقي من هؤلاء المكلفين منك فالخطاب
يترتب عليه .
ومن خطاب الشارع تعلم جميع ما يتعلق بكل عضو من هؤلاء الأعضاء من التكاليف
وهم كالآلة للنفس المخاطبة المكلفة بتدبير هذا البدن وأنت المسؤول عنهم في إقامة العدل

٥٠٤
في المعارف/ الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
فيهم، فلقد كان رسول الله وَئية إذا انقطع شسع نعله خلع الأخرى حتى يعدل بين رجليه ولا
يمشي في نعل واحد، وقد بيناها بكمالها وما لها من الأنوار والكرامات والمنازل والأسرار
والتجليات في كتابنا المسمّى مواقع النجوم ما سبقنا في علمنا في هذا الطريق إلى ترتيبه أصلاً
وقيدناه في أحد عشر يوماً في شهر رمضان بمدينة المرية سنة خمس وتسعين وخمسمائة يغني
عن الأستاذ بل الأستاذ محتاج إليه فإن الأستاذين فيهم العالي والأعلى، وهذا الكتاب على
أعلى مقام يكون الأستاذ عليه ليس وراءه مقام في هذه الشريعة التي تعبدنا بها، فمن حصل
لديه فليعتمد بتوفيق الله عليه فإنه عظيم المنفعة، وما جعلني أن أعرفك بمنزلته إلاَّ أني رأيت
الحق في النوم مرّتين وهو يقول لي: انصح عبادي وهذا من أكبر نصيحة نصحتك بها والله
الموفق وبيده الهداية وليس لنا من الأمر شيء. ولقد صدق الكذوب إبليس رسول الله وله
حين اجتمع به فقال له رسول الله وَهر: ما عندك؟ فقال إبليس: لتعلم يا رسول الله أن الله
خلقك للهداية وما بيدك من الهداية شيء، وأن الله خلقني للغواية وما بيدي من الغواية شيء
لم يزده على ذلك وانصرف، وحالت الملائكة بينه وبين رسول الله وَ له.
وصل: وبعد أن نبهتك على ما نبهتك عليه ممّا تقع لك به الفائدة فاعلم أن الله خاطب
الإنسان بجملته، وما خصّ ظاهره من باطنه ولا باطنه من ظاهره، فتوفرت دواعي الناس
أكثرهم إلى معرفة أحكام الشرع في ظواهرهم، وغفلوا عن الأحكام المشروعة في بواطنهم إلاَّ
القليل وهم أهل طريق الله فإنهم بحثوا في ذلك ظاهراً وباطناً، فما من حكم قرّروه شرعاً في
ظواهرهم إلاَّ ورأوا أن ذلك الحكم له نسبة إلى بواطنهم أخذوا على ذلك جميع أحكام
الشرائع فعبدوا الله بما شرع لهم ظاهراً وباطناً، ففازوا حين خسر الأكثرون، ونبغت طائفة ثالثة
ضلّت وأضلت فأخذت الأحكام الشرعية وصرفتها في بواطنهم وما تركت من حكم الشريعة
في الظواهر شيئاً تسمى الباطنية وهم في ذلك على مذاهب مختلفة، وقد ذكر الإمام أبو حامد
في كتاب المستظهري له في الردّ عليهم شيئاً من مذاهبهم وبين خطأهم فيها، والسعادة إنما
هي مع أهل الظاهر وهم في الطرف والنقيض من أهل الباطن، والسعادة كل السعادة مع
الطائفة التي جمعت بين الظاهر والباطن وهم العلماء بالله وبأحكامه، وكان في نفسي إن أخّر
الله في عمري أن أضع كتاباً كبيراً أقرّر فيه مسائل الشرع كلها كما وردت في أماكنها الظاهرة
وأقرّرها، فإذا استوفينا المسألة المشروعة في ظاهر الحكم جعلنا إلى جانبها حكمها في باطن
الإنسان فيسري حكم الشرع في الظاهر والباطن، فإن أهل طريق الله وإن كان هذا غرضهم
ومقصدهم ولكن ما كل أحد منهم يفتح الله له في الفهم حتى يعرف ميزان ذلك الحكم في
باطنه، فقصدنا في هذا الكتاب إلى الأمر العام من العبادات وهي الطهارة والصلاة والزكاة
والصيام والحج والتلفظ بلا إله إلاَّ الله محمد رسول الله، فاعتنيت بهذه الخمسة لكونها من
قواعد الإسلام التي بني الإسلام عليها وهي كالأركان للبيت.
فالإيمان هو عين البيت ومجموعه وباب البيت الذي يدخل منه إليه، وهذا الباب له
مصراعان وهما: التلفظ بالشهادتين. وأركان البيت أربعة وهي: الصلاة والزكاة والصيام

٥٠٥
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
والحج، فجردنا العناية في إقامة هذا البيت لنسكن فيه ويقيناً من زمهرير نفس جهنم
وحرورها. قال النبي وَّ: ((اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: يَا رَبّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضاً، فَأَذِنَ لَهَا
بِنَفَسَيْنِ: نَفَس في الشِّتَاءِ وَنَفَسَ فِي الصَّيْفِ، فَمَا كَانَ مِنْ سَمومٍ وَحَرُورٍ فَهُوَ مِنْ نَفَسِهَا، وَمَا
كَانَ مِنْ بَرْدٍ وَزَمْهَرِيرٍ فَهُوَ مِنْ نَفَسِهَا)). فاتخذ الناس البيوت لتقيّهم حرّ الشمس وبرد الهواء،
فينبغي للعاقل أن يقيم لنفسه بيتاً يكنه يوم القيامة من هذين النفسين في ذلك اليوم لأن جهنم
في ذلك اليوم تأتي بنفسها تسعى إلى الموقف تفور تكاد تميز من الغيظ على أعداء الله، فمن
كان في مثل هذا البيت وقاه الله من شرّها وسطوتها. ولما كانت الطهارة شرطاً في صحة
الصلاة أفردنا لها باباً قدّمناه بين يدي باب الصلاة، ثم يتلوها الزكاة، ثم الصوم، ثم الحج،
ويكفي في هذا الكتاب هذا القدر من العبادات، فأتتبع أمهات مسائل كل باب منها وأقرّرها
بالحكم الكلي باسمها في الظاهر، ثم أنتقل إلى حكم تلك المسألة عينها في الباطن إلى أن
أفرغ منها والله يؤيد ويعين.
بيان وإيضاح: فأوّل ذلك تسميتها طهارة، وقد ذكرنا ذلك في أوّل الباب ظاهراً وباطناً،
فلنشرع إن شاء الله في أحكامها وهو أن ننظر في وجوبها وعلى من تجب ومتى تجب، وفي
أفعالها وفيما به تفعل، وفي نواقضها، وفي صفة الأشياء التي تفعل من أجلها كما فعلته علماء
الشريعة وقرّرته في كتبها، وقد انحصر في هذا أمر الطهارة ولننظر ذلك ظاهراً وباطناً، وإنما
نومىء إليه ظاهراً حتى لا يفتقر الناظر فيها إلى كتب الفقهاء فيغنيه ما ذكرناه، ولا نتعرّض
للأدلة التي للعلماء على ثبوت هذا الحكم من كتاب أو سنّة أو إجماع أو قياس في مذهب من
يقول به لطرد علة جامعة يراها بين المنطوق عليه والمسكوت عنه، لا أتعرض إلى أصول الفقه
في ذلك ولا إلى الأدلة إذ العامّة ليس منصبها النظر في الدليل، فنحن نذكر أمهات فروع
الأحكام ومذاهب الناس فيها من وجوب وغير وجوب.
وصل: نقول أوّلاً: أجمع المسلمون قاطبة من غير مخالف على وجوب الطهارة على
كل من لزمته الصلاة إذا دخل وقتها، وأنها تجب على البالغ حدّ الحلم العاقل، واختلف
الناس هل من شرط وجوبها الإسلام أم لا؟ هذا حكم الظاهر، فأمّا الباطن في ذلك وهي
الطهارة الباطنة فنقول: إن باطن الصلاة وروحها إنما هو مناجاة الحق تعالى حيث قال:
((قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَينٍ)) الحديث، فذكر المناجاة، يقول العبد: كذا، فيقول
الله: كذا فمتى أراد العبد مناجاة ربه في أيّ فعل كان تعينت عليه طهارة قلبه من كل شيء
يخرجه عن مناجاة ربه في ذلك الفعل، ومتى لم يتصف بهذه الطهارة في وقت مناجاته فما
ناجاه وقد أساء الأدب فهو بالطرد أحق، وسأذكر في أفعالها تقاسيم هذه الطهارة في الحكم إن
شاء الله .
وأمّا قول العلماء: أنها تجب على البالغ العاقل بالإجماع واختلفوا في الإسلام،
فكذلك عندنا تجب هذه الطهارة على العاقل وهو الذي يعقل عن الله أمره ونهيه وما يلقيه الله
في سرّه ويفرّق بين خواطر قلبه فيما هو من الله أو من نفسه أو من لمة الملك أو من لمة

٥٠٦
في المعارف/ الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
الشيطان وذلك هو الإنسان، فإذا بلغ في المعرفة والتمييز إلى هذا الحدّ وعقل عن الله ما يريد
منه وسمع قول الله تعالى: وسعني قلب عبدي، وجب عليه عند ذلك استعمال هذه الطهارة
في قلبه وفي كل عضو يتعلق به على الحدّ المشروع، فإن طهارة البصر مثلاً في الباطن هو
النظر في الأشياء بحكم الاعتبار وعينه، فلا يرسل بصره عبثاً، ولا يكون مثل هذا إلاَّ لمن
تحقق باستعمال الطهارة المشروعة في محلها كلها، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَعِبْرَةٌ لِأُوْلِىِ
اَلْأَبْصَرِ﴾ [سورة النور: الآية ٤٤] فجعلها للأبصار والاعتبار إنما هو للبصائر، فذكر الأبصار لأنها
الأسباب المؤدّية إلى الباطن ما يعتبر فيه عين البصيرة وهكذا جميع الأعضاء كلها.
وأمّا قول العلماء في هذه الطهارة: هل من شرط وجوبها الإسلام؟ فهو قولهم: هل
الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟ وأنّ المنافق إذا توضأ هل أدّى واجباً أم لا؟ وهي مسألة
خلاف تعم جميع الأحكام المشروعة، فمذهبنا أن جميع الناس كافة من مؤمن وكافر ومنافق
مكلفون مخاطبون بأصول الشريعة وفروعها، وأنهم مؤاخذون يوم القيامة بالأصول وبالفروع،
ولهذا كان المنافق في الدرك الأسفل من النار وهو باطن النار، وأن المنافق معذب بالنار التي
تطلع على الأفئدة إذ أتى في الدنيا بصورة ظاهر الحكم المشروع من التلفظ بالشهادة وإظهار
تصديق الرسل والأعمال الظاهرة وما عندهم في بواطنهم من الإيمان مثقال ذرة، فبهذا القدر
تميزوا من الكفار وقيل فيهم إنهم منافقون، قال تعالى: ﴿أَنْ الْمُنَفِقِينَ وَالْكَفِرِينَ فِ جَهَنَّمَ
جَمِيعًا﴾ [سورة النساء: الآية ١٤٠] فذكر الدار، فالمنافقون يعذبون في أسفل جهنم، والكافرون لهم
عذاب في الأعلى والأسفل، فإن الله قد رتب مراتب وطبقات للعذاب في نار جهنم لأعمال
مخصوصة بأعضاء مخصوصة على ميزان معلوم لا يتعداه، فالمؤمن ليس للنار اطلاع على
محل إيمانه البتة فما له نصيب في النار التي تطلع على الأفئدة وإن خرج عنه هناك، فإن عنايته
سارية في محله من الإنسان، وإنما يخرج عنه ليحميه ويردّ عنه من عذاب الله ما شاء الله كما
خرج عنه في الدنيا إذا أوقع المعصية، قال رسول الله وَّر في المؤمن يشرب الخمر ويسرق
ويزني أنه لا يفعل شيئاً من ذلك وهو مؤمن حال فعله وقال: ((إِنَّ الإِيمانَ يَخْرُجُ عَنْهُ فِي ذُلِكَ
الوَقْتِ حَالُ الفِعْلِ)) وتأوّل الناس هذا الحديث على غير وجهه لأنهم ما فهموا مقصود الشارع،
وفسّروا الإيمان بالأعمال فقالوا: إنه أراد العمل فأبان النبيّ ◌َ# مراده بذلك في الحديث
الآخر فقال ◌َّ: ((إِنَّ العَبْدَ إِذَا زَنَى خَرَجَ عَنْهُ الإِيمَانُ حَتَّى يَصِيرَ عَلَيْهِ كَالظّلَّةِ فَإِذَا أَقْلَعَ رَجِعَ
إِلَيْهِ الإِيمَانُ».
فاعلم أن الحكمة الإلهية في ذلك أن العبد إذا شرع في المخالفة التي هو بها مؤمن أنها
مخالفة ومعصية فقد عرض نفسه بفعله إياها لنزول عذاب الله عليه وإيقاع العقوبة به، وأن ذلك
الفعل يستدعي وقوع البلاء به من الله فيخرج عنه إيمانه الذي في قلبه حتى يكون عليه مثل
الظلة، فإذا نزل البلاء من الله يطلبه تلقاه إيمانه فيردّه عنه، فإن الإيمان لا يقاومه شيء ويمنعه
من الوصول إليه رحمة من الله، وما بعد بيان رسول الله (384 بيان، ولهذا قلنا: إن العبد
المؤمن لا يخلص له أبداً معصية لا تكون مشوبة بطاعة وهي كونه مؤمناً بها أنها معصية فهو

٥٠٧
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
من الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً فقال الله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة التوبة: الآية
١٠٢] والتوبة الرجوع فمعناه أن يرجع عليهم بالرحمة فإنه تعالى تمّم الآية بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ﴾ وقال العلماء إن (عسى) من الله واجبة فإنه لا مانع له.
ثم نرجع ونقول: إنّه لما كان الإيمان عين طهارة الباطن لم يتمكن أن يتصوّر الخلاف فيه
كما تصوّر في الطهارة الظاهرة إلاّ بوجه دقيق يكون حكم الظاهر فيه في الباطن حكم الباطن في
طهارة الظاهر، فنقول من ذلك الوجه: هل من شرط طهارة الباطن بالإيمان التلفظ به فينطق
اللسان بما يعتقده القلب من ذلك أم لا؟ فيكون في عالم الغيب إذا لم يظهر بما يعتقده في الباطن
منافقاً كمنافق الظاهر في عالم الشهادة، فإن المؤمن يعتقد وجوب الصلاة مثلاً ولا يصلي ولا
يتطهر، كما أن المنافق يصلي ويتطهر ولا يؤمن بوجوبها عليه بقلبه ولا يعتقده أو لا يفعله لقول
ذلك الرسول الذي شرعه له، فهذا معنى ذلك إذا حققت النظر فيه حتى يسري الحكم في الظاهر
والباطن على صورة ما هو في الظاهر من الخلاف والإجماع فاعلم ذلك.
وصل: وأما أفعال هذه الطهارة فقد ورد بها الكتاب والسنّة وبيّن فرضها من سننها من
استحباب أفعال فيها، ولهذه الطهارة شروط وأركان وصفات وعدد وحدود معينة في محالها.
فمن شروطها النية وهي القصد بفعلها على جهة القربة إلى الله تعالى عند الشروع في الفعل،
فمن الناس من ذهب إلى أنها شرط في صحة ذلك الفعل الذي لا يصحّ إلاَّ بوجودها وما لا
يتوصل إلى الواجب إلاّ به فهو واجب ولا بدّ وهو مذهبنا، وبه نقول في الطهارة الظاهرة
والباطنة، وهي عندنا في الباطن آكد وأوجب لأن النية من صفات الباطن أيضاً، فحكمها في
طهارة الباطن أقوى لأنها تحكم في موضع سلطانها والظاهر غريب عنها، فلهذا لم يختلف في
علمنا في الباطن واختلف في ذلك في الظاهر، وقد تقدّم من الكلام في النية طرف يغني،
وذهب آخرون إلى أنها ليست بشرط صحة، وأغنى ما ذكرناه في طهارة الوضوء بالماء.
وصل: اختلف علماء الشريعة في غسل اليد قبل إدخالها في الإناء الذي نريد الوضوء
منه على أربعة أقوال: فمن قائل: إن غسلهما سنّة بإطلاق. ومن قائل: إن ذلك مستحب لمن
يشك في طهارة يده. ومن قائل: إن غسل اليد واجب على القائم من النوم في الإناء الذي
يريد الوضوء منه. ومن قائل: إن ذلك واجب على المنتبه من نوم الليل خاصة، وهذا حصر
مذاهب العلماء في علمي في هذه المسألة، ولكل قائل حجة من الاستدلال يدل بها على
قوله، وليس كتابنا هذا موضع إيراد أدلتهم. وتتميم حكم هذه المسألة في الباطن غسل اليد
هو طهارتها بما كلفه الشارع فيها بتركه وذلك على قسمين: منه ما هو واجب، ومنه ما هو
مندوب إليه، والواجب عندنا والفرض على السواء لفظان متواردان على معنى واحد، فلا فرق
عندنا إذا قلت: أوجب أو فرض. ثم نقول: فالواجب إذا كانت اليد على شيء يحكم الشرع
فيه عليها أنها غاصبة أو بكونه مسروقاً أو بكونه وقعت فيه خيانة وكل ما لم يجوّز لها الشارع
أن تتصرف فيه، والفروق في هذه الأحوال بينة فواجب طهارتها عن هذا كله، وسيرد بماذا
تطهر في موضعه إن شاء الله فواجبة عليها هذه الطهارة.

٥٠٨
في المعارف/ الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
وأمّا الطهارة المندوب إليها فهي ترك ما في اليد من الدنيا ممّا هو مباح له إمساكه، فندبه
الشرع إلى إخراجه عن يده رغبة فيما عند الله وذلك هو الزهد وهي تجارة فإنّ لها عوضاً عند
الله على ما تركته والترك أعلى من الإمساك، وهذه مسألة إجماع في كل ملة ونحلة شرعاً
وعقلاً، فإن الناس مجمعون على أن الزهد في الدنيا وترك جمع حطامها والخروج عمّا بيده
منها أولى عند كل عاقل، هذا هو المندوب إليه في طهر اليد وهو السنّة. وأما المذهب في
الاستحباب في طهارة اليد عند الشاك في طهارتها فهو الخروج عن المال الذي في يده لشبهة
قامت له فيه قدحت في حلّه فليس له إمساكه، وهذا هو الورع ما هو الزهد وإن كان له وجه
إلى الحل فالمستحب تركه ولا بدّ فإن مراعاة الحرمة أولى، فإنك في إمساكه مسؤول، وفي
تركه للشبهة التي قامت عندك فيه غير مسؤول بل أنت إلى المثوبة على ذلك أقرب، وهذا في
الطهارة المندوب إليها أولى، والاستحباب في الترك للمباح أولى.
وأمّا اختلافهم في وجوب غسلها من النوم مطلقاً وفيمن قيد ذلك بنوم الليل، فاعلم أن
الليل غيب لأنه محل الستر ولذلك جعل ﴿الَّلَ لِبَاسًا﴾ [سورة النبأ: الآية ١٠] و﴿النَّهَارَ﴾ شهادة
لأنه محل الظهور والحركة ولذلك جعله ﴿مَعَاشًا﴾ [سورة النبأ: الآية ١١] لابتغاء الفضل، يعني
طلب الرزق هنا من وجهه، فالفضل المبتغى فيه من الزيادة ومن الشرف وهو زيادة الفضائل
فإنه يجمع ما ليس له برزق فهو فضول لأنه يجمعه لوارثه أو لغيره، فإن رزق الإنسان ما هو ما
يجمعه وإنما هو ما يتغذى به. فاعلم أن النائم في عالم الغيب بلا شك، وإذا كان النوم بالليل
فهو غيب في غيب فيكون حكمه أقوى، والنوم بالنهار غيب في شهادة فيكون حكمه أضعف،
ألا تراه جعل ﴿النّوْمَ سُبَاتًا﴾ [سورة الفرقان: الآية ٤٧] فهو راحة بلا شك وهو بالليل أقوى فإنه فيه
أشدّ استغراقاً من نوم النهار والغيب أصل فالليل أصل والشهادة فرع فالنهار فرع ﴿وَءَايَةٌ لَّهُمُ
الَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [سورة يس: الآية ٣٧] فالنهار مسلوخ من الليل، فالليل لما كان يستر الأشياء
ولا يبيّن حقائق صورها للأبصار أشبه الجهل فإنّ الجهل بالشيء لا یبین حكمه، فمن جهل
الشرع في شيء لم يعلم حكمه فيه، ولما كان النائم في حال نومه لا يعلم شيئاً من أمور
الظاهر في عالم الشهادة في حق الناس كان النوم جهلاً محضاً إلاّ في حق من تنام عينه ولا ينام
قلبه كرسول الله وَّل ومن شاء الله من ورثته في الحال.
ولما كان النهار يوضح الأشياء ويبيّن صور ذواتها ويظهر للمتقي ما يتقي من الأمور
المضرّة وما لا يتقيه أشبه العلم فإن العلم هو المبين حكم الشرع في الأشياء. ولما كان النائم
بالنهار متصفاً بالجهل لأجل نومه لأن النوم من أضداد العلم ربما مدّ يده وهو لا علم له أو
رجله فيفسد شيئاً ممّا لو كان مستيقظاً لم يتعرّض إلى فساده أوجب عليه الشرع الطهارة بالعلم
من نوم الجهل إذا استيقظ فيعلم بيقظته حكم الشرع في ذلك، فإنه ما كان يدري في حال نوم
جهالته حيث جالت يده هل فيما أبيح له ملكه أو في ما لم يبح له ملكه كالمغصوب وأمثاله
كما ذكرنا، كما راعى المخالف قوله: أين باتت يده واشتركا في النوم، وإنما ذكر الشارع
المبيت لأن غالب النوم فيه وهو أبداً يراعي الأغلب، فجعل هذا الحكم في نوم الليل ومراعاة

٥٠٩
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
النوم أولى من مراعاة نوم الليل ويقول مراعي نوم الليل لذكر المبيت، فإنه لما كان الإنسان إذا
نام بالنهار قد يكون هناك إنسان أو جماعة إذا رأوا النائم يتحرك بيده أو برجله فتؤذيه حركته
تلك إلى كسر جرّة أو غيرها، أو صبيّ صغير رضيع تحصل يده على فمه فتؤذيه أو يمسك عنه
خروج النفس فيموت وقد رأينا ذلك فيكون المستيقظ الحاضر يمنع من ذلك بإزالة الطفل
القريب منه أو الجرّة أو ما كان من أجل ضوء النهار الذي كشفه به ويقظته، كذلك العالم مع
الجاهل إذا رآه يتصرّف بما لا علم له به بحكم الشرع فيه نبّهه، أو حال الشرع بينه وبين ذلك
الفعل، فوجب غسل اليد عندنا ولا بدّ باطناً على الغافل وهو النائم بالنهار الجاهل وهو النائم
بالليل. وأما اعتبارنا بالطهارة قبل إدخالها في الإناء فإنه بالعلم والعمل خوطبنا فالعلم الماء
والعمل الغسل وبهما تحصل الطهارة، فغسلها قبل إدخالها في إناء الوضوء هو ما يقرّره في
نفسه من القصد الجميل في ذلك الفعل إلى جناب الحق الذي فيه سعادته عند الشروع في
الفعل على التفصيل، فهذا معنى غسل اليد قبل إدخالها في إناء الوضوء في طهارة الباطن .
وصل: المضمضة والاستنشاق: اختلف علماء الشريعة فيهما على ثلاثة أقوال: فمن
قائل: إنهما سنتان. ومن قائل: إنهما فرض. ومن قائل: إن المضمضة سنّة والاستنشاق
فرض، هذا حكمهما في الظاهر قد نقلناه. فأما حكمهما في الباطن: فمنهما ما هو فرض.
ومنهما ما هو سنّة. فأما المضمضة فالفرض منها التلفظ بلا إله إلاَّ الله فإنّ بها يتطهر لسانك
من الشرك وصدرك فإنّ حروفها من الصدر واللسان، وكذلك في كل فرض أوجب الله عليك
التلفظ به ممّا لا ينوب فيه عنك غيرك فيسقط عنك كفرض الكفاية، كرجل أبصر أعمى على
بعد يريد السقوط في حفرة يتأذى بالسقوط فيها أو يهلك فيتعين عليه فرضاً أن ينادي به يحذره
من السقوط بما يفهم عنه لكونه لا يلحقه، فإن سبقه إنسان إلى ذلك سقط عنه ذلك الفرض
الذي كان تعين عليه، فإن تكلم به فهو خير له وليس بفرض عليه، فإذا تمضمض في باطنه
بهذا وأمثاله فقد أصاب خيراً وقال خيراً، وهو حسن القول وصدق اللسان، طهور من
الكذب، والجهر بالقول الحسن، طهور من الجهر بالسوء من القول وإن كان جزاء بقوله إلاَّ
من ظلم ولكن السكوت عنه أفضل .
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر طهور من نقيضيهما، فمثل هذا فرض المضمضة
وسننها، وكذلك الاستنشاق فاعلم أن الاستنشاق في الباطن لما كان الأنف في عرف العرب
محل العزّة والكبرياء ولهذا تقول العرب في دعائها: أرغم الله أنفه، وقد اتفق هذا على رغم
أنفه، والرغام: التراب أي حطك الله من كبريائك وعزّك إلى مقام الذلّة والصغار فكنى عنه
بالتراب فإن الأرض سمّاها الله ذلولاً على المبالغة، فإن أذلّ الأذلاء من وطئه الذليل، والعبيد
أذلاء وهم يطؤون الأرض بالمشي عليها في مناكبها فلهذا سمّاها ببنية المبالغة ولا يندفع هذا
ولا تزول الكبرياء من الباطن إلاَّ باستعمال أحكام العبودية والذلّة والافتقار، ولهذا شرع
الاستئثار في الاستنشاق فقيل له: اجعل في أنفك ماء ثم استنثر، والماء هنا علمك بعبوديتك
إذا استعملته في محل كبريائك خرج الكبرياء من محله وهو الاستنثار ومنه فرض واستعماله

٥١٠
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
في الباطن بلا شك ، وأما كونه سنة فمعناه أنك لو تركته صح وضوءك ، ومحله في هذا القدر
أنك لو تركت معاملتك لعبدك أو لمن هو تحت أمرك وهنا سر خفي يتضمنه رب أعطني كذا،
أو لمن هو دونك بالتواضع وأظهرت العزة وحكم الرياسة لمصلحة تراها أباحها لك الشارع
فلم تستنشق جاز حكم طهارتك دون استعمال هذا الفعل ، وإن كان استعمالها أفضل فهذا
موضع سقوط فرضها فلهذا قلنا قد يكون سنة وقد يكون فرضاً لعلمنا أنه لو أجمع أهل مدينة
على ترك سنة وجب قتالهم ولو تركها واحد لم يقتل فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا
يغير على مدينة إذا جاءها ليلاً حتى يصبح فإن سمع أذاناً أمسك وإلاَّ أغار، وكان يتلو إذا لم
يسمع أذاناً إنّا إذا نزلنا بساحة قوم ﴿فَسَآءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٧٧] وما من حكم
من أحكام فرائض الشريعة وسننها واستحباباتها إلاَّ ولها في الباطن حكم أو أزيد على قدر ما
يفتح للعبد في ذلك فرضاً كان أو سنّة أو مستحباً لا بدّ من ذلك، وحد ذلك في سائر العبادات
المشروعة كلها، وبهذا يتميز حكم الظاهر من الباطن، فإن الظاهر يسري في الباطن وليس في
الباطن أمر مشروع يسري في الظاهر بل هو عليه مقصور، فإن الباطن معان كلها، والظاهر
أفعال محسوسة، فينتقل من المحسوس إلى المعنى ولا ينتقل من المعنى إلى الحسّ .
باب التحديد في غسل الوجه
لا خلاف أن غسل الوجه فرض وحكمه في الباطن المراقبة، والحياء من الله مطلقاً،
وذلك أن لا تتعدّى حدود الله تعالى. واختلف علماء الرسوم في تحديد غسل الوجه في
الوضوء في ثلاثة مواضع: منها البياض الذي بين العذار والأذن. والثاني: ما سدل من
اللحية. والثالث: غسل اللحية. فأمّا البياض المذكور فمن قائل: إنه من الوجه. ومن قائل:
إنه ليس من الوجه. وأمّا ما انسدل من اللحية فمن قائل: بوجوب إمرار الماء عليه. ومن
قائل: بأن ذلك لا يجب. وأمّا تخليل اللحية فمن قائل: بوجوب تخليلها. ومن قائل: أنه لا
یجب .
وصل في حكم ما ذكرناه في الباطن: أما غسل الوجه مطلقاً من غير نظر إلى تحديد
الأمر في ذلك فإن منه ما هو فرض ومنه ما ليس بفرض. فأما الفرض فالحياء من الله أن يراك
حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك. وأما السنّة منه الحياء من الله أن تكشف عورتك في خلوتك
فالله أولى أن تستحيي منه مع علمك أنه ما من جزء فيك إلاَّ وهو يراه منك، ولكن حكمه في
أفعالك من حيث أنت مكلف ما ذكرناه وقد ورد به الخبر. وكذلك النظر إلى عورة امرأتك
وإن كان قد أبيح لك ذلك ولكن استعمال الحياء فيها أفضل وأولى، فيسقط الفرض فيه أعني
في الحياء في مثل قوله: ﴿لَا يَسْتَحِى، مِنَ اُلْحَقِّ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٥٣] فما يتعين منه فهو
فرض عليك، وما لا يتعين عليك فهو سنّة واستحباب، فإن شئت فعلته وهو أولى، وإن شئت
لم تفعله فيراقب الإنسان أفعاله، وترك أفعاله ظاهراً وباطناً، ويراقب آثار ربّه في قلبه فإن وجه
قلبه هو المعتبر، ووجه الإنسان وكل شيء حقيقته وذاته وعينه، يقال: وجه الشيء، ووجه

٥١١
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
المسألة، ووجه الحكم، ويريد بهذا الوجه حقيقة المسمّى وعينه وذاته، قال تعالى: ﴿وُجُوهُ
يَوْمَيِذٍ نَاضِرَةُ إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ﴾ [سورة القيامة: ٢٢، ٢٣] و﴿وَرُجُوهٌ يَوْمَيِذٍ بَاسِرَةٌ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَافِرَةٌ ﴾ [سورة
القيامة: ٢٤، ٢٥] والوجوه التي هي في مقدم الإنسان ليست توصف بالظنون وإنما الظنّ لحقيقة
الإنسان، فالحياء خير كله، والحياء من الإيمان، والحياء لا يأتي إلاَّ بخير.
وأما البياض الذي بين العذار والأذن وهو الحدّ الفاصل بين الوجه والأذن فهو الحد بين
ما كلف الإنسان من العمل في وجهه والعمل في سمعه، فالعمل في ذلك إدخال الحد في
المحدود، فالأولى بالإنسان أن يصرف حياءه في سمعه كما صرفه في بصره، فكما أنه من
الحياء غض البصر عن محارم الله قال تعالى لرسوله وَ له: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ﴾
[سورة النور: الآية ٣٠] ﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ﴾ [سورة النور: الآية ٣١] باطن هاتين
الآيتين خطاب النفس، والعقل كذلك يلزمه الحياء من الله أن يسمع ما لا يحل له سماعه من
غيبة وسوء قول من متكلم بما لا ينبغي ولا يحل له التلفظ به، فإن ذلك البياض بين العذار
والأذن وهو محل الشبهة، وصورة الشبهة في ذلك أن يقول: إنما أصغيت إليه لأردّ عليه وعن
الشخص الذي اغتيب وهذا من فقه النفس، فقوله هذا هو من العذار فإنه من العذر أي الإنسان
إذا عوتب في ذلك يعتذر بما ذكرناه وأمثاله ويقول: إنما أصغيت لأحقق سماعي قوله حتى
أنهاه عن ذلك على يقين، فكنى عنه بالعذار، ويكون فيمن لا عذار له موضع العذار، فمن
رأى وجوب ذلك عليه غسله بما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَبِكَ
الَّذِينَ هَدَهُمُ اللَّهُ﴾ أي بيّن لهم الحسن من ذلك من القبيح ﴿وَأُوْلَكَ هُمْ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ [سورة
الزمر: الآية ١٨] أي عقلوا ما أردنا وهو من لب الشيء المصون بالقشر، ومن لم ير وجوب ذلك
عليه إن شاء غسل وإن شاء ترك، كمن يسمع ممّن لا يقدر على ردّ الكلام في وجهه من ذي
سلطان يخاف من تعديه عليه، فإن قدر على القيام من مجلسه انصرف فذلك غسله إن شاء،
وإن ترجح عنده الجلوس لأمر يراه مظنوناً عنده جلس ولم يبرح، وهذا عند من لا يرى
وجوب ذلك عليه .
وأما غسل ما انسدل من اللحية وتخليلها فهي الأمور العوارض، فإن اللحية شيء
يعرض في الوجه ما هي من الوجه، ولا تؤخذ في حدّه مثل ما يعرض لك في ذاتك من
المسائل الخارجة عن ذاتك فأنت فيها بحكم ذلك العارض، فإن تعين عليك طهارة نفسك من
ذلك العارض فهو اعتبار قول من يقول بوجوب غسل ذلك، وإن لم يتعين عليك طهارته
فطهرته استحباباً أو تركته لكونه ما تعين عليك ولكن هو نقص في الجملة، فهذا قول من
يقول: ليس بواجب وهو مذهب الآخرين، وقد بينا لك فيما تقدم من مثل هذا الباب أن حكم
الباطن في هذه الأمور بخلاف حكم الظاهر فيما فيه وجه إلى الفرضية ووجه إلى السنّة
والاستحباب، فالفرض لا بدّ من العمل به فعلاً كان أو تركاً، وغير الفرض فيه أن تنزله في
الامتثال منزلة الفرض وهو أولى فعلاً وتركاً، وذلك سار في سائر العبادات.

٥١٢
في المعارف/ الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
باب في غسل اليدين والذراعين في الوضوء إلى المرافق
أجمع العلماء بالشريعة على غسل اليدين والذراعين في الوضوء بالماء، واختلفوا في
إدخال المرافق في الغسل، ومذهبنا الخروج إلى محل الإجماع في الفعل، فإن الإجماع في
الحكم لا يتصوّر، فمن قائل: بوجوب إدخالها في الغسل. ومن قائل: بترك الوجوب، ولا
خلاف عند القائلين بترك الوجوب في استحباب إدخالها في الغسل.
وصل حكم الباطن في ذلك: أقول بعد تقرير حكم الظاهر الذي تعبدنا الله: إن غسل
اليدين والذراعين وهما المعصمان، فغسل اليدين بالكرم والجود والسخاء والإيثار والهبات
وأداء الأمانات وهو الذي لا يصحّ عنده الإيثار كما يغسلهما أيضاً مع الذراعين بالاعتصام إلى
المرافق بالتوكل والاعتضاد فإن المؤمن كثير بأخيه: «فإن رسول الله ◌َ و كان إذا غسل ذراعيه
في الوضوء يجوز المرفقين حتى يشرع في العضد)) وإن هذا وأشباهه من نعوت اليدين،
والخلاف في حد اليدين أكثره إلى الآباط وأقله إلى الفصل الذي يسمّى منه الذراع، فبقي
إدخال المرافق والمرافق في الباطن هي رؤية الأسباب التي يرتفق بها العبد وتأنس بها نفسه،
فإن الإنسان في أصل خلقه ﴿خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [سورة المعارج: الآية ١٩] يخاف الفقر الذي تعطيه
حقيقته من حيث إمكانه، فيجنح إلى ما يرتفق به ويميل إليه، فمن رأى إدخال المرافق في
غسله واجباً رأى أن الأسباب إنما وضعها الله حكمة منه في خلقه لما علم من ضعف يقينهم،
فيريد أن لا يعطل حكمة الله لا على طريق الاعتماد عليها فإن ذلك يقدح في اعتماده على الله،
ومن رأى أنه لا يوجبها في الغسل رأى سكون النفس إلى الأسباب أنه لا يخلص له مقام
الاعتماد على الله حالاً مع وجود رؤية الأسباب، وكل من يقول إنها لا تجب يستحب إدخالها
في الغسل، كذلك رؤية الأسباب مستحبة عند الجميع وإن اختلفت أحكامهم فيها فإن الله ربط
الحكمة بوجودها .
باب في مسح الرأس
اتفق علماء الشريعة على أن مسحه من فرائض الوضوء واختلفوا في القدر الواجب منه،
فمن قائل: بوجوب مسحه كله. ومن قائل: بوجوب مسح بعضه. واختلفوا في حد البعض،
فمن قائل: بوجوب الثلث. ومن قائل: بوجوب الثلثين. ومن قائل: بالربع. ومن قائل: لا
حد للبعض. وتكلم بعض هؤلاء في حد القدر الذي يمسح به من اليد، فمن قائل: أن مسحه
بأقل من ثلاثة أصابع لم يجزه. ومن قائل: لا حد للبعض لا في الممسوح ولا فيما يمسح به،
وأصل هذا الخلاف وجود الباء في قوله تعالى: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ [سورة المائدة: الآية ٦].
وصل حكم المسح في الباطن: فأما حكم مسح الرأس في الباطن اعتباراً فإن الرأس من
الرياسة وهي العلوّ والارتفاع، ومنه رئيس القوم أي سيدهم الذي له الرياسة عليهم، ولما كان
أعلى ما في البدن في ظاهر العين وجميع البدن تحته سمّي رأساً إذ كان الرئيس فوق المرؤوس
بالمرتبة وله جهة فوق، وقد وصف الله نفسه بالفوقية لشرفها قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن

٥١٣
في المعارف/ الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
فَوْقِهِمْ﴾ [سورة النحل: الآية ٥٠] وقال: ﴿وَهُوَ اُلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ،﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٨] فكان
الرأس أقرب عضو في البدن إلى الحق لمناسبة الفوق، ثم له شرف آخر بالمعنى الذي رأس به
على أجزاء البدن كلها وهو كونه محلاً جامعاً حاملاً لجميع القوى كلها المحسوسة والمعقولة
المعنوية. فلما كانت له أيضاً هذه الرياسة من هذه الجهة سمّي رأساً.
ثم إن العقل الذي جعله الله أشرف ما في الإنسان جعل محله أعلى ما في الرأس وهو
اليافوخ فجعله مما يلي جهة الفوقية. ولما كان الرأس محلاً لجميع القوى الظاهرة والباطنة،
ولكل قوّة منها حكم وسلطان وفخر يورثه ذلك عزّة على غيره كقصر الملك على سائر دور
السوقة وجعله الله محال هذه القوى من الرأس مختلفة حتى عمّت الرأس كله أعلاه ووسطه
ومقدّمه ومؤخّره، وكل قوّة كما ذكرنا لها عزّة وسلطان وكبرياء في نفسها ورياسة، فوجب أن
يمسحه كله وهو اعتبار من يقول بوجوب مسح الرأس كله لهذه الرياسة السارية فيه كله من
جهة حمله لهذه القوى المختلفة الأماكن فيه بالتواضع والإقناع لله، فيكون لكل قوّة إذا عمّ
المسح مسح مخصوص من مناسبة دعواها فيردعها بما يخصّها من المسح فيعم بالمسح جميع
الرأس، ومن يرى أن للرأس رأساً عليه كما أن الولاة من جهة السلطان يرجع أمرهم إليه فإنه
الذي ولاهم رأى كل والٍ أن فوقه وال عليه هو أعلى منه له سلطان على سلطانه، كالقوّة
المصوّرة لها سلطان على القوّة الخيالية فهي رئيسة عليها وإن كانت لها رياسة أعني القوّة
الخيالية، فمن رأى هذا من العلماء قال بمسح بعض الرأس وهو التهمم بالأعلى.
ثم اختلف أصحابنا في هذا البعض، فكل عارف قال بحسب ما أعطاه الله من الإدراك
في مراتب هذه القوى فهو بحسب ما يراه ويعتبره، فأخذ يمسح في هذه العبادة وهي التذلل
وإزالة الكبرياء والشموخ بالتواضع والعبودية لأنه في طهارة العبادة يطلب الوصلة بربّه لأن
المصلي في مقام مناجاة ربه وهي الوصلة المطلوبة بالطهارة، والعزيز الرئيس إذا دخل على
من ولاه تلك العزّة والرياسة نزل عن رياسته وذلّه عن عزّه بعزّ من دخل عليه وهو سيده الذي
أوجده فيقف بين يديه وقوف غيره من العبيد الذين أنزلوا نفوسهم بطلب الأجرة منزلة
الأجانب، فوقف هذا العبد في محل الإذلال لا بصفة الإدلال بالدال اليابسة، فمن غلب على
خاطره رياسة بعض القوى على غيرها وجب عليه مسح ذلك البعض من أجل الوصلة التي
يطلبها بهذه العبادة، ولهذا لم يشرع مسح الرأس في التيمم لأن وضع التراب على الرأس من
علامة الفراق وهو المصيبة العظمى، إذ كان الفاقد حبيبه بالموت يضع التراب على رأسه،
فلما كان المطلوب بهذه العبادة الوصلة لا الفرقة لهذا لم يشرع مسح الرأس في التيمم،
فامسح على حدّ ما ذكرناه لك ونبهناك عليه، وتفصيل رياسات القوى معلوم عند الطائفة لا
أحتاج إلى ذكره. وأمّا التبعيض في اليد التي يمسح بها واختلافهم في ذلك فاعمل فيه كما
تعمل في الممسوح سواء، فإن المزيل لهذه الرياسة أسباب مختلفة في القدرة على ذلك ومحل
ذلك اليد، فمن مزيل بصفة القهر، ومن مزيل بسياسة وترغيب، كما يمسح الإنسان بيده رأس
اليتيم جبراً لانكساره بلطف وحنان، فلهذا ترجع بعضية اليد في المسح وكليته فاعلم ذلك .
الفتوحات المکیة ے١ - ٣٣٣

٥١٤
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
ولما كان الموجب لهذا الخلاف عند العلماء وجود الباء في قوله: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ [سورة
المائدة: الآية ٦] فمن جعلها للتبعيض بعض المسح، ومن جعلها زائدة للتوكيد في المسح عمّ
بالمسح جميع الرأس، وأن الباء في هذا الموضع هو وجود القدرة الحادثة، فلا يخلو إما أن
يكون لها أثر في المقدور فتصحّ البعضية وهو قول المعتزليّ وغيره، وإمّا أن لا يكون لها أثر
في المقدور بوجه من الوجوه فهي زائدة كما يقول الأشعريّ، فيسقط حكمها فتعمّ القدرة
القديمة مسح الرأس كله لم تبعض مسحه القدرة الحادثة، ويكون حدّ مراعاة التوكيد من كونها
زائدة للتوكيد هو الاكتساب الذي قالت به الأشاعرة وهو قوله تعالى في غير موضع من كتابه
بإضافة الكسب والعمل إلى المخلوق، فلهذا جعلوا زيادتها لمعنى يسمّى التوكيد، ألا ترى
العرب تقابل الزائد بالزائد في كلامها؟ تريد بذلك التوكيد، وتجيب به القائل إذا أكّد قوله يقول
القائل: إن زيداً قائم، أو يقول: ما زيد قائماً. فيقول السامع في جواب: إن زيداً قائم، ما زيد
قائماً. وفي جواب ما إن زيداً قائم، فيثبت ما نفاه القائل أو ينفي ما أثبته القائل، فإن أكّد
القائل إيجابه فقال: إن زيداً لقائم فأدخل اللام لتأكيد ثبوت القيام أدخل المجيب الباء في
مقابلة اللام لتأكيد نفي ما أثبته القائل فيقول: ما زيد بقائم، ويسمّى مثل هذا زائداً لأن الكلام
يستقل دونه، ولكن إذا قصد المتكلم خلاف التبعيض وأتى بذلك الحرف للتأكيد، فإن قصد
التبعيض لم يكن زائداً ذلك الحرف جملة واحدة والصورة واحدة في الظاهر ولكن تختلف في
المعنى، والمراعاة إنما هي لقصد المتكلم الواضع لتلك الصورة.
فإذا جهلنا المعنى الذي لأجله خلق سبحانه لتمكن من فعل بعض الأعمال نجد ذلك
من نفوسنا ولا ننكره وهي الحركة الاختيارية، كما جعل سبحانه فينا المانع من بعض الأفعال
الظاهرة فينا، ونجد ذلك من نفوسنا كحركة المرتعش الذي لا اختيار للمرتعش فيها لم ندر لما
يرجع ذلك لتمكن الذي نجده من نفوسنا هل يرجع إلى أن يكون للقدرة الحادثة فينا أثر في
تلك العين الموجودة عن تمكننا أو عن الإرادة المخلوقة فينا، فيكون التمكن أثر الإرادة لا أثر
القدرة الحادثة، من هنا منشأ الخلاف بين أصحاب النظر في هذه المسألة، وعليه ينبني كون
الإنسان مكلفاً لعين التمكن الذي يجده من نفسه ولا يحقق بعقله لما ذا يرجع ذلك التمكن هل
لكونه قادراً أو لكونه مختاراً وإن كان مجبوراً في اختياره؟ ولكن بذلك القدر من التمكن الذي
يجده من نفسه يصحّ أن يكون مكلفاً ولهذا قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَآ ءَاتَنهَا﴾ [سورة
الطلاق: الآية ٧] فقد أعطاها أمراً وجودياً، ولا يقال: أعطاها لا شيء، وما رأينا شيئاً أعطاها بلا
خلاف إلاَّ التمكّن الذي هو وسعها ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٦].
وما يدرى لماذا يرجع هذا التمكن وهذا الوسع هل لأحدهما أعني الإرادة أو القدرة أو
لأمر زائد عليهما أو لهما؟ ولا يعرف ذلك إلاَّ بالكشف، ولا يتمكن لنا إظهار الحق في هذه
المسألة، لأن ذلك لا يرفع الخلاف من العالم فيه كما ارتفع عندنا الخلاف فيها بالكشف،
وكيف يرتفع الخلاف من العالم والمسألة معقولة؟ وكل مسألة معقولة لا بدّ من الخلاف فيها

٥١٥
في المعارف/ الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
لاختلاف الفطر في النظر، فقد عرفت مسح الرأس ما هو في هذه الطريقة وبقي من حكمه
المسح على العمامة وما في ذلك من الحكم.
وصل في المسح على العمامة: فمن علماء الشريعة من أجاز المسح على العمامة ومنع
من ذلك جماعة، فالذي منع لأنه خلاف مدلول الآية فإنه لا يفهم من الرأس العمامة فإن
تغطية الرأس أمر عارض والمجيز ذلك لأجل ورود الخبر الوارد في مسلم وهو حديث قد
تكلم فيه وقال فيه أبو عمر بن عبد البر إنَّه معلول.
وصل مسح العمامة في الباطن: وأما حكم المسح على العمامة في الباطن فاعلم أن
الأمور العوارض لا يعارض بها الأصول ولا تقدح فيها، فالذي ينبغي لك أن تنظر ما السبب
الموجب لطرد ذلك العارض، فلا يخلو إما أن يكون مما يستغنى عنه أو يكون مما يحصل
الضرر بفقده فلا يستغنى عنه، فإن استغني عنه فلا حكم له في إزالة حكم الأصل، وإن لم
يستغن عنه وحصل الضرر بفقده كان حكمه حكم الأصل وناب منابه، وإن بقي من الأصل
جزء ما ينبغي أن يراعى ذلك الجزء الذي بقي ولا بد ويبقى ما بقي من الأصل ينوب عنه هذا
الأمر العارض الذي يحصل الضرر بفقده، هذا مذهبنا فيه، ولهذا ورد في الحديث الذي ذكرنا
أنه معلول عند بعض علماء هذا الشأن أن المسح وقع على الناصية والعمامة معاً، فقد مسّ
الماء الشعر، فقد حصل حكم الأصل في مذهب من يقول بمسح بعض الرأس، فلو لبس
العمامة للزينة لم يجز له المسح عليها، بخلاف المريض الذي يشدّ العمامة على رأسه
لمرضه، فما ورد ما يقاوم نص القرآن في هذه المسألة.
إيضاح: فإذا عرض لأهل هذه الطريقة عارض يقدح في الأصل كفعل السبب للمتجرد
عن الأسباب أو التبختر والرياسة في الحرب فإن كلامنا في مسح الرأس وله التواضع والتكبر
ضرب المثل به أولى ليصل فهم السامع إلى المقصود ممّا يريده في هذه العبادة، فإن أثر ذلك
الزهو إظهار الكبر في عبودية الإنسان، فنسیان کبریاء ربّه عليه وعزّته سبحانه وحجبه عن ذلك
فلا يفعل ويطرح الكبرياء عن نفسه ولا بدّ، ولا يجوز له التكبّر في ذلك الموطن لقدحه في
الأصل وإن لم يؤثر في نفسه، بل ذلك أمر ظاهر في عين العدوّ، وهو في نفسه في ذلّته
وافتقاره جاز له صورة التكبّر في الظاهر لقرينة الحال بحكم الموطن فإنه لم يؤثر في الأصل،
هكذا حكم المسح على العمامة عندنا فاعلم ذلك، فقد علمت حكم المسح على العمامة في
الباطن ما هو، وكذلك المسح ببعض اليد على العمامة، وهو إن قدح أخذك للسبب في
اعتمادك على الله بقلبك فلا تأخذه ولا تستعمله ما لم يؤدّ إلى ما هو أعظم منه في البعد عن
الله، وإن لم يؤثر في الاعتماد عليه فامسح ببعض يدك ولا حرج عليك، فإن طرح السبب من
اليد بعض أفعال اليد لأن مجموع اليد في المعنى أمور كثيرة فإنها تتصرّف تصرّفات كثيرة
مختلفات المعاني في الأمور المشروعة والأحكام فإن لها القبض والبسط والاعتدال، قال
تعالى: ﴿وَلَا تَّجْعَلْ يَدَكَ مَعْلُولَةً إِلَى عُنُفِكَ﴾ وهو كناية عن البخل ﴿ وَلَا نَبْسُطُهَا كُلَّ الْبَسْطِ ﴾ [سورة

٥١٦
في المعارف/ الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
الإسراء: الآية ٢٩] وهو كناية عن السرف، وكذلك مدح قوماً بمثل هذا فقال تعالى: ﴿ وَأَلَّذِينَ إِذَآَ
أَنْفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [سورة الفرقان: الآية ٦٧] وهو العدل في
الإنفاق، وكذلك قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى النَُّكَةِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٩٥] وهو هنا البخل،
فنسب ذلك كله إلى الأيدي، فلهذا قلنا لها أفعال كثيرة، ولولا وجود الكثرة ما صحّت البعضية
لأن الواحد لا يتبعض .
وصل في توقيت المسح على الرأس: بقي من تحقيق هذه المسألة التوقيت في المسح
على الرأس هل في تكراره فضيلة أم لا؟ فمن الناس من قال: إنه لا فضيلة فيه. ومنهم من
قال: إن فيه فضيلة، وهذا يستحب في جميع أفعال الوضوء في جملة أعضائه سواء، غير أنه
يقوى في بعض الأعضاء، ويضعف في بعض الأعضاء أعني التكرار، ولا خلاف في وجوب
الواحدة إذا عمّت العضو، فأمّا مذهبنا في الأصل فلا تكرار في العالم للاتساع الإلهيّ فنمنع
هذا اللفظ ولا نمنع وجود الأمثال بالتشابه الصوريّ، فنعلم قطعاً أن الحركات يشبه بعضها
بعضاً في الصورة، وإن كانت كل واحدة منها ليست عين الأخرى، فمذهبنا أن ننظر حكم
الشارع في ذلك، فإن عدد بالأمثال عددنا بالأمثال كما تقول عقيب الصلاة: سبحان الله ثلاثاً
وثلاثين، فمثل هذا لا نمنعه، فقد يقع التعدّد في عمل الوضوء تأكيداً لإزالة حكم الغفلات
السريعة الحكم في الإنسان فعلى هذا يكون في التكرار فضيلة، فإن تيقن بالحضور فلا
فضيلة، فإن الفضل هو الزائد وما زاد هذا المتوضىء حكماً بوجود غفلة أو سهو فيكرر فلم
تصح الزيادة، ولكن الصحيح عندنا أن التكرار فيه فضيلة لأنه نور على قدر ما حدّه الشارع
المبين للأحكام، وقد ورد في الكتاب والسنّة في تشبيه نور الله بالمصباح في الزجاجة في
المشكاة الآية بكمالها، وقال في آخرها: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍّ﴾ [سورة النور: الآية ٣٥] أي ورد في نور
على نور كالدليلين والثلاثة على المدلول الواحد وقال رسول الله وَّهر في الوضوء على
الوضوء ﴿نُورٌّ عَلَى نُورِّ﴾ ولا فرق بين ورود الوضوء على الوضوء وبين ورود الغرفة الثانية
الواردة على الأولى في الوضوء، وتكرار العمل من العامل يوجب تكرار الثواب والتجلي،
فأما في الأعضاء كلها فالثابت التكرار، وما كان الخلاف إلاَّ في الرأس والأذنين والرجلين،
وقد أومأنا إلى ما ينبغي في ذلك.
باب مسح الأذنين وتجديد الماء لهما
اختلف الناس في مسح الأذنين وتجديد الماء لهما، فمن قائل: إنَّه سنّة. ومن قائل: إنه
فرض. ومن قائل: بتجديد الماء لهما. ومن قائل: لا يجدد لهما الماء. وهل تفرد بالمسح
وحدها أو تمسح مع الرأس خاصة؟ أو تمسح مع الوجه خاصة؟ أو يمسح ما أقبل منهما مع
الوجه وما أدبر منهما مع الرأس؟ ولكل حالة من هذه الأحوال قائل بها .
وصل في حكمهما في الباطن: فأما حكمهما في الباطن: فإنه عضو مستقل يجب
تجديد الماء له فيمسح باستماع القول الأحسن ولا بدّ، ويقع التفاضل في الأحسن فثم حسن

٥١٧
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
وأحسن، وأعلاه حسناً ذكر الله بالقرآن، فيجمع بين الحسنين، فليس أعلى من سماع ذكر الله
من القرآن مثل كل آية لا يكون مدلولها إلاَّ الله، هذا أعني بذكر الله من القرآن، وما كل آي
القرآن يتضمن ذكر الله فإن فيه الأحكام المشروعة، وفيه قصص الفراعنة وحكايات أقوالهم
وكفرهم، وإن كان فيه الأجر العظيم من حيث ما هو قرآن بالإصغاء إلى القارىء إذا قرأه أو
بإصغاء الإنسان إلى نفسه إذا تلاه، ولكن ذكر الله في القرآن أحسن وأتمّ من حكاية قول الكافر
في الله ما لا ينبغي له في القرآن أيضاً. وأما ما أقبل من ظاهر الأذن وما أدبر فهو ما ظهر من
حكم ذلك الذكر من القرآن وما بطن، وما أسرّ منه وما أعلن، وما فهم منه وما جهل، فسلم
كلمات المتشابه في حق الله إلى الله فهي ممّا أدبر من باطن الأذن، فتسلم إلى مراد الله تعالى
فيها حين تسمعها الأذن تتلى، وما علم كالآيات المحكمات في حق الله وما تدل عليه من
الأكوان فهي ممّا أقبل من ظاهر الأذن فيعلم مراد الله بها، فيكون الحكم بحسب ما تعلق به
العلم، فاعمل بحسب ما أشرنا به إليك في هذا التفصيل، والأولى أن يكون حكم الأذنين
حكم المضمضة والاستنشاق والاستنثار.
باب غسل الرجلين
اعلم أن صورتها في توقيت الغسل بالأعداد صورة الرأس وقد ذكرنا ذلك، اتفق العلماء
على أن الرجلين من أعضاء الوضوء، واختلفوا في صورة طهارتها هل ذلك بالغسل أو بالمسح
أو بالتخيير بينهما؟ فأيّ شيء فعل منهما فقد سقط عنه الآخر وأدّى الواجب هذا إذا لم يكن
عليهما خف، ومذهبنا التخيير والجمع أولى، وما من قول إلاَّ وبه قائل، فالمسح بظاهر
الكتاب والغسل بالسنّة ومحتمل الآية بالعدول عن الظاهر منها .
وصل حكم الرجلين في الباطن: وأما حكم ذلك في الباطن فاعلم أن السعي إلى
الجماعات وكثرة الخطى إلى المساجد والثبات يوم الزحف ممّا تطهر به الأقدام، فلتكن
طهارتك رجليك بما ذكرناه وأمثاله، ولا تمش بالنميمة بين الناس ﴿وَلَا تَمْشِ فِىِ الْأَرْضِ مَرَحّاً﴾
[سورة لقمان: الآية ١٨] ﴿ وَأَقْصِدْ فِى مَشْبِكَ﴾ [سورة لقمان: الآية ١٩] ومن هذا ما هو فرض أعني من
هذه الأفعال بمنزلة المرة الواحدة في غسل عضو الوضوء الرجل وغيره ومنه ما هو سنّة وهو
ما زاد على الفرض وهو مشيك، فيما ندبك الشرع إلى السعي فيه وما أوجبه عليك، فالواجب
عليك نقل الأقدام إلى مصلاك والمندوب والمستحب والسنّة وما شئت فقل من ذلك مثل نقل
الأقدام إلى المساجد من قرب وبعد، فإن ذلك ليس بواجب، وإن كان الواجب من ذلك عند
بعض الناس مسجداً لا بعينه وجماعة لا بعينها، فعلى هذا يكون غسل رجليك في الباطن من
طريق المعنى.
واعلم أن الغسل يتضمن المسح بوجه، فمن غسل فقد اندرج المسح فيه كاندراج نور
الكواكب في نور الشمس، ومن مسح فلم يغسل إلاَّ في مذهب من يرى وينقل عن العرب أن
المسح لغة في الغسل فيكون من الألفاظ المترادفة، والصحيح في المعنى في حكم الباطن أن

٥١٨
في المعارف/ الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
يستعمل المسح فيما يقتضي الخصوص من الأعمال والغسل فيما يقتضي العموم هذه هي الطريقة
المثلى، ولهذا ذهبنا إلى التخيير بحسب الوقت فإنه قد يكون يسعى إلى فضيلة خاصة في حاجة
معينة لشخص بعينه فذلك بمنزلة المسح، وقد يسعى إلى الملك في حاجة تعم جميع الرعايا، أو
حاجات فيدخل ذلك الشخص في هذا العموم، فهذا بمنزلة الغسل الذي اندرج فيه المسح .
بيان وإتمام: وأما القراءة في قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [سورة المائدة: الآية ٦] بفتح اللام وكسرها
من أجل حرف الواو على أن يكون عطفاً على الممسوح بالخفض وعلى المغسول بالفتح،
فمذهبنا أن الفتح في اللام لا يخرجه عن الممسوح، فإن هذه الواو قد تکون واو مع، وواو
المعية تنصب تقول: قام زيد وعمراً واستوى الماء والخشبةً، وما أنت وقصعةً من ثريد،
ومررت بزيد وعمراً تريد مع عمرو، وكذلك من قرأ: ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بفتح
اللام فحجة من يقول بالمسح في هذه الآية أقوى لأنه يشارك القائل بالغسل في الدلالة التي
اعتبرها وهي فتح اللام ولم يشاركه من يقول بالغسل في خفض اللام، فمن أصحابنا من
يرجح الخاص على العام، ومنهم من يرجح العام على الخاص كل ذلك مطلقاً، ومذهبنا نحن
على غير ذلك إنما نمشي مع الحق بحكم الحال، فنعمّم حيث عمّم، ونخصّص حيث
خصّص، ولا نحدث حكماً فإنه من أحدث حكماً فقد أحدث في نفسه ربوبية، ومن أحدث
في نفسه ربوبية فقد انتقص من عبوديته بقدر تلك المسألة، وإذا انتقص من عبوديته بقدر ذلك
ينقص من تجلي الحق له، وإذا انتقص من تجلي الحق له انتقص علمه بربه، وإذا انتقص علمه
بربّه جهل منه سبحانه وتعالى بقدر ما نقصه، فإن ظهر لذلك الذي نقصه حكم في العالم أو
في عالمه لم يعرفه فلهذا كان مذهبنا أن لا نحدث حكماً جملة واحدة.
باب في ترتيب أفعال الوضوء
اختلف العلماء في ترتيب أفعال الوضوء على ما ورد في نسق الآية، فمن قائل :
بوجوب الترتيب. ومن قائل: بعدم وجوبه، وهذا في الأفعال المفروضة. وأمّا في ترتيب
الأفعال المفروضة مع الأفعال المسنونة فاختلافهم في ذلك بين سنّة واستحباب .
وصل في حكم ذلك في الباطن: وأما حكم ذلك في الباطن فلا ترتيب، إنما تفعل من
ذلك بحسب ما تعين عليك في الوقت، فإن تعين عليك ما يناسب رأسك فعلت به وبدأت به
وكذلك ما بقي، وسواء كان ذلك في السنن من الأفعال أو في الفرائض فالحكم للوقت.
باب في الموالاة في الوضوء
فمن قائل: إن الموالاة فرض مع الذكر وعدم العذر ساقط مع النسيان ومع الذكر عند
العذر ما لم يتفاحش التفاوت. ومن قائل: إن الموالاة ليست بواجبة وهذا كله من حقيقة في
نسق الآية فقد يعطف بالواو في الأشياء المتلاحقة على الفور، وقد يعطف بها الأشياء
المتراخية، وقد يعطف بها ويكون الفعلان معاً وهذا لا يسوغ في الوضوء إلاَّ أن ينغمس في
نهر أو يصب عليه أشخاص الماء في حال واحدة لكل عضو.

٥١٩
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
وصل الموالاة في الباطن: ومذهبنا في حكم الموالاة في الباطن أنها ليست بواجبة
وذلك مثل الترتيب سواء، فإنا نفعل من ذلك بحسب ما يقتضيه الوقت، وقد ذكرنا نظير هذه
المسألة في رسالة الأنوار فيما يمنح صاحب الخلوة من الأسرار، فأعمالنا في هذه الطريق
بحسب حكم الوقت وما يعطي، فإن الإنسان قد كتبت عليه الغفلات فلا يتمكن له مع ذلك
الموالاة ولكن ساعة وساعة، فليس في مقدور البشر مراقبة الله في السرّ والعلن مع الأنفاس،
فالموالاة على العموم لا تحصل إلاَّ أن يبذل المجهود من نفسه في الاستحضار والمراقبة في
جميع أفعاله، قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَائِهِمْ دَآَبِسُونَ﴾ [سورة المعارج: الآية ٢٣] والمراد بها أنهم
كلما جاء وقتها فعلوها وإن كان بين الصلاتين أمور، فلهذا حصل الدوام في فعل خاص
مربوط بأوقات متباينة، وأما مع استصحاب الأنفاس فذلك من خصائص الملأ الأعلى الذين
﴿يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٢٠] فهذه هي الموالاة وإن حصلت لبعض
رجال الله فنادرة الوقوع. وأما قول عائشة: ((كان رسول الله وَّليه يذكر الله على كل أحيانه)) فإن
كانت نقلته عن رسول الله و # فلا نشك فيه، وإن كانت أرادت بذلك أن أفعاله الظاهرة كلها
ما وقع منه مباح قط وأنه لم يزل في واجب أو مندوب فذلك ممكن وهو ظاهر من مرتبته،
فإنه معلم أمّته بحركاته وسكناته للاقتداء فهو ذاكر على الدوام، وأمّا باطنه عليه السلام فلا علم
لها به إلاَّ بإخباره وَّر، ومع هذا يتصوّر تحصيله عندنا مع التصرّف في المباح مع حضوره فيه
أنه مباح، وكذا إذا أحضر حكم الشرع في جميع حركاته وسكناته بهذه المثابة فيكون ممّن
حصل الموالاة في عبادته. انتهى الجزء الحادي والثلاثون.
(الجزء الثاني والثلاثون)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحْمَةِ
باب في المسح على الخفين
أما المسح على الخفين فاختلف علماء الشريعة فيه، فمن قائل: بجوازه على الإطلاق.
ومن قائل: بمنع جوازه على الإطلاق كابن عباس ورواية عن مالك. ومن قائل: بجواز
المسح عليهما في السفر دون الحضر.
وصل في حكم الباطن فيه: فأما حكم الباطن في المسح على الخفين فاعلم أنه أمر
يعرض للشخص يشق على من عرض له انتزاعه كما يشق انتزاع الخف على لابسه، فانتقل
حكم الطهارة إليه فمسح عليه، ولما كانت الطهارة تنزيهاً وكان الحق هو الذي يقصده المنزّه
بالتنزيه كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَنَّا يَصِفُونَ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٨٠] والعزّة
المنع فذكر أنه امتنعت ذاته أن تكون محلاً لما وصفه به الملحدون، فالحق منزّه الذات لنفسه
ما تنزّه بتنزيه عبده إياه، فتنزيه العلماء بالله الحق سبحانه إنما هو علم لا عمل، إذ لو كان
التنزيه من الحق الههم عملاً لكان الله الذي هو المنزّه سبحانه محلاً لأثر هذا العمل، فتفطن
لهذه الإشارة فإنها في غاية اللطف والحسن، فهو سبحانه لا يقبل تنزيه عباده من حيث إنهم

٥٢٠
في المعارف/ الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
عاملون فإنه لا يرى التنزيه عملاً إلاَّ الجاهل من العباد، فإن العالم نراه علماً، وإذا تكلم به
إنما تكلم به على جهة التعريف ممّا هو الأمر عليه في نفسه الذي هو قوله وذكره، فأثر عمله
إنما هو في علمه بتنزيه خالقه، فأخرجه بالقول والذكر من القوّة إلى الفعل، فربما أثر ذلك في
نفوس السامعين ممّن كان لا يعتقد في الله أنه بذلك النعت من التنزيه فالعبد حجاب على
الحق، فإن ظاهر الآثار إنما تدرك في العموم وتنسب للأسباب التي وضعها الحق ولهذا يقول
العبد: فعلت وصنعت وصمت وصليت، ويضيف إلى نفسه جميع أفعاله كلها لحجابه عن
خالقها فيه ومنه ومجريها، فكما صار الخفّ حجاباً بين المتوضىء وبين إيصال الوضوء إلى
الرجل وانتقل حكم الطهارة إلى الخف كذلك تنزيه الإنسان خالقه وهو الطهارة والتقديس لما
لم يتمكن في نفس الأمر إيصال أثر ذلك التنزيه إلى الحق لأنه منزّه لذاته، انتقل حكم أثر ذلك
التنزيه إلى الإنسان المنزّه الذي هو حجاب على خالقه، من حيث أن للتنزيه العمليّ أثراً في
المنزّه وقبله الإنسان كما قبل الخف الطهارة بالمسح المشروع، فيكون العبد هو الذي نزّه
نفسه عن الجهل الذي قام بنفس الجاهل الذي نسب إلى الحق ما لا يليق به ولا تقبله ذاته،
يقول الله في الخبر الصحيح: إنه رجل العبد التي يسعى بها والحسّ إنما يبصر العبد يسعى
برجله فلما لبس الخف وهو عين ذات العبد انتقل حكم الطهارة إليه إنما هي أعمالكم ترد
عليكم، فمتعلق الحكم الخف.
ومن هذا الباب كان جواز المسح على الإطلاق سفراً وحضراً، فالحضر منه هو التنزيه
الذي يعود عليك فتقول: سبحاني في هذه الحالة كما نقل عن رجال الله فكان مشهد من قال:
سبحاني هذا المقام الذي ذكرناه، والسفر هو التنزيه الذي ينتقل من تلفظك به في التعليم إلى
سمع المتعلم السامع فيؤثر في نفس السامع حصول ذلك العلم فتطهر محله من الجهل الذي
كان عليه في تلك المسألة هذا القدر من انتقاله من العالم المعلم إلى المتعلم، يسمّى سفراً
لأنه أسفر له بهذا التعليم بما هو الأمر عليه فطهر محله.
ومن هذا الباب أيضاً أن لباس الخف وما في معناه من جرموق وجورب ممّا يلبس
ويستر حدّ الوضوء من الرجل عرفاً وعادة، ولما كان من أسماء الرجل في اللسان القدم كان
هذا ممّا يقوي القدمية في القدم إذ كان القدم يقال في اللسان بالاشتراك إذ هو عبارة عن
الثبوت، يقال: لفلان في هذا الأمر سابقة قدم يريد أن له أساساً ثابتاً قديماً في هذا الأمر، كما
يقال في الرجل بالاشتراك أيضاً أعني إطلاق هذه اللفظة في اللسان يقال: رجل من جراد أي
قطعة وجماعة من جراد، فإذا قال قائل: إنّ الرجل يسخن بالخف يعلم قطعاً أنه يريد العضو
الخاص المعروف، فقرائن الأحوال ودلالات الألفاظ بالصفات تعين ما كان مبهماً بالاشتراك،
فانتقل حكم الطهارة إلى الخف بعدما كان متعلقها الرجل، ولكن إذا كان ملبوساً فيطهر ممّا
يمكن أن يتعلق به ممّا يمنع من ذلك حكماً وعيناً، وكذلك لما نسب القدم إلى الله تعالى في
حديث يضع الجبار فيها قدمه ربما وقع في نفس بعض العقلاء أن نسبة القدم إلى الله تعالى ما
هو على حدّ ما ينسب إلى الإنسان أو لكل ذي رجل وقدم، وأن المراد به مثلاً أمر آخر،