النص المفهرس
صفحات 441-460
في المعارف / الباب الستون في معرفة العناصر وسلطان العالم العلويّ على العالم السفليّ ... الخ ٤٤١
أولها اليوم المعلوم في العرف وتفصله الساعات والساعات تفصلها الدرج والدرج تفصله
الدقائق وهكذا إلى ما لا يتناهى عند بعض الناس. فإنهم يفصلون الدقائق إلى ثوان، فلما
دخلها حكم العدد كان حكمها العدد والعدد لا يتناهى فالتفصيل في ذلك لا ينتهي، وبعض
الناس يقولون بالتناهي في ذلك وينظرونه من حيث المعدود، وهم الذين يثبتون أن للزمان عيناً
موجودة، وكل ما دخل في الوجود فهو متناه بلا شك، والمخالف يقول المعدود من كونه يعد
ما دخل في الوجود فلا يوصف بالتناهي، فإن العدد لا يتصف بالتناهي، وبهذا يحتج منكر
الجوهر الفرد، وأن الجسم ينقسم إلى ما لا نهاية له في العقل، وهي مسألة خلاف بين أهل
النظر، حدثت من عدم الإنصاف والبحث عن مدلول الألفاظ، وقد ورد في الخبر الصحيح أن
من أسماء الله الدهر ومعقولية الدهر معلومة نذكر ذلك إن شاء الله تعالى في هذا الكتاب، والله
يقول الحق وهو يهدي السبيل. انتهى الجزء السابع والعشرون.
(الجزء الثامن والعشرون)
بِسْمِ اللّهِ الرََّنِ الرَّحَمَةِ
الباب الستون
في معرفة العناصر وسلطان العالم العلويّ على العالم السفليّ، وفي أي دورة
كان وجود هذا العالم الإنسانيّ من دورات الفلك الأقصى وأية روحانية لنا
[نظم: الكامل]
وهي البناتُ لعالم الأفلاكِ
إن العناصرَ أمّهاتٌ أربعٌ
في عالم الأركان والأملاكِ
عنها تولَّدْنا فكان وجودُنا
من حُكْم سنبلةٍ بلا إشراكٍ
جعل الإلهُ غذاءنا بسنابل
سبع بقَولٍ ليس من أفَّاكِ
وكذاك ضاعفَ أجرنا بسنابل
بتَكَرُّرِ الأضواءِ والأخلاكِ
وزمانُنا سبعٌ من الآلاف جا
فانظرْ بعقلك سبعةٌ في سبعةٍ
من سبعةٍ ليسوا من الأملاكِ
واضربْ بسيفٍ صارم بَتَّاكِ
وانظرْ بفكرك في تَنَاسُب حُكْمِها
أراد بالأملاك الأوّل من الملائكة جمع ملك، وأراد بالأملاك الثاني من الملوك جمع
ملك، يقول: هم مسخرون والمسخر لا يستحق اسم الملك، والسبعة المذكورة هي السبعة
الدراري في السبعة الأفلاك الموجودة من السبعة الأيام التي هي أيام الجمعة وهي للحركة التي
فوق السموات وهي حركة اليوم للفلك الأقصى.
اعلم أن كل شيء من الأكوان لا بدّ أن يكون استناده إلى حقائق إلهية، فكل علم مدرج
في العلم الإلهيّ ومنه تفرّعت العلوم كلها وهي منحصرة في أربع مراتب، وكل مرتبة تنقسم
إلى أنواع معلومة محصورة عند العلماء وهو: العلم المنطقيّ، والعلم الرياضيّ، والعلم
الطبيعيّ، والعلم الإلهيّ. والعالم يطلب من الحقائق الإلهية أربع نسب: الحياة والعلم
٤٤٢ في المعارف / الباب الستون في معرفة العناصر وسلطان العالم العلويّ على العالم السفليّ ... الخ
والإرادة والقدرة، إذا ثبتت هذه الأربع النسب للواجب الوجود صحّ أنه الموجد للعالم بلا
شك، فالحياة والعلم أصلان في النسب والإرادة والقدرة دونهما، والأصل الحياة فإنها الشرط
في وجود العلم، والعلم له عموم التعلّق فإنه يتعلق بالواجب الوجود وبالممكن وبالمحال،
والإرادة دونه في التعلّق فإنه لا تعلّق لها إلاَّ بالممكن في ترجيحه بإحدى الحالتين من الوجود
والعدم، فكأن الإرادة تطلبها الحياة فهي كالمنفعلة عنها فإنها أعمّ تعلّقاً من القدرة والقدرة
أخصّ تعلقاً فإنها تتعلق بإيجاد الممكن لا بإعدامه، فكأنها كالمنفعلة عن العلم لأنها من
الإرادة بمنزلة العلم من الحياة، فلما تميزت المراتب في هذه النسب الإلهية تميز الفاعل عن
المنفعل خرج العالم على هذه الصورة فاعلاً ومنفعلاً، فالعالم بالنسبة إلى الله من حيث الجملة
منفعل محدث وبالنظر إلى نفسه فمنه فاعل ومنفعل، فأوجد الله سبحانه العقل الأول من نسبة
الحياة، وأوجد النفس من نسبة العلم، فكان العقل شرطاً في وجود النفس، كالحياة شرط في
وجود العلم، وكان المنفعلان عن العقل والنفس الهباء والجسم الكل، فهذه الأربعة أصل
ظهور الصور في العالم.
غير أن بين النفس والهباء مرتبة الطبيعة وهي على أربع حقائق: منها اثنان فاعلان واثنان
منفعلان وكلها في رتبة الانفعال بالنظر إلى من صدرت عنه، فكانت الحرارة، والبرودة،
والرطوبة، واليبوسة، فاليبوسة منفعلة عن الحرارة، والرطوبة منفعلة عن البرودة، فالحرارة من
العقل والعقل عن الحياة، ولذلك طبع الحياة في الأجسام العنصرية الحرارة والبرودة من
النفس والنفس من العلم، ولهذا يوصف العلم إذا استقر ببرد اليقين وبالثلج، ومنه قوله {قَ ال
حين وجد برد الأنامل بين ثدييه فعلم علم الأولين والآخرين. ولما انفعلت اليبوسة والرطوبة
عن الحرارة والبرودة طلبت الإرادة اليبوسة لأنها في مرتبتها، وطلبت القدرة الرطوبة لأنها في
مرتبتها، ولما كانت القدرة ما لها تعلق إلاَّ بالإيجاد خاصة كان الأحق بها طبع الحياة وهي
الحرارة والرطوبة في الأجسام، وظهرت الصور والأشكال في الهباء والجسم الكل فظهرت
السماء والأرض مرتوقة غير متميزة.
ثم إن الله تعالى توجّه إلى فتق هذا الرتق ليميز أعيانها وكان الأصل الماء في وجودها
ولهذا قال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيٍّ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٣٠] ولحياته وصف بالتسبيح
فنظم الله أولاً هذه الطبائع الأربع نظماً مخصوصاً فضم الحرارة إلى اليبوسة فكانت النار
البسيطة المعقولة فظهر حكمها في جسم العرش الذي هو الفلك الأقصى، والجسم الكل في
ثلاثة أماكن: منها المكان الواحد سمّاه حملاً، والمكان الثاني وهو الخامس من الأمكنة
المقدرة فيه سمّاه أسداً، والمكان الثالث وهو التاسع من الأمكنة المقدرة فيه سمّاه قوساً، ثم
ضمّ البرودة إلى اليبوسة وأظهر سلطانهما في ثلاثة أمكنة من هذا الفلك وهو التراب البسيط
المعقول، فسمّى المكان الواحد ثوراً، والآخر سنبلة، والثالث جذياً. ثم ضمّ الحرارة إلى
الرطوبة فكان الهواء البسيط وأظهر حكمه في ثلاثة أمكنة من هذا الفلك الأقصى: سمّى
المكان الواحد الجوزاء، والآخر الميزان، والثالث الدالي. ثم ضمّ البرودة إلى الرطوبة فكان
في المعارف/ الباب الستون في معرفة العناصر وسلطان العالم العلويّ على العالم السفليّ ... الخ ٤٤٣
الماء البسيط وأظهر حكمه فى ثلاثة أمكنة من الفلك الأقصى: سمّى المكان الواحد السرطان،
وسمّى الآخر بالعقرب، وسمّى الثالث بالحوت، فهذا تقسيم فلك البروج على اثني عشر
قسماً مفروضة تعينها الكواكب الثمانية والعشرون وذلك بتقدير العزيز العليم.
فلما أحكم صنعتها وترتيبها وأدارها فظهر الوجود مرتوقاً فأراد الحق فتقه ففصل بين
السماء والأرض كما قال تعالى: ﴿كَانَنَا رَتْقًا فَفَنَقْنَهُمَا﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٣٠] أي ميّز بعضها
عن بعض، فأخذت السماء علواً دخاناً فحدث فيما بين السماء والأرض ركنان من المركبات:
الركن الواحد الماء المركب ممّا يلي الأرض لأنه بارد رطب فلم يكن له قوّة الصعود فبقي
على الأرض تمسكه بما فيها من اليبوسة عليها، والآخر النار وهي أكرة الأثير ممّا يلي السماء
لأنه حار يابس فلم يكن له طبع النزول إلى الأرض فبقي ممّا يلي السماء من أجل حرارته
واليبوسة تمسكه هناك، وحدث ما بين النار والماء ركن الهواء من حرارة النار ورطوبة الماء
فلا يستطيع أن يلحق بالنار فإن ثقل الرطوبة يمنعه أن يكون بحيث النار وإن طلبت الرطوبة
تنزله إلى أن يكون بحيث الماء تمنعه الحرارة من النزول، فلما تمانعا لم يبق إلاَّ أن يكون بين
الماء والنار لأنهما يتجاذبانه على السواء فذلك المسمّى هواء. فقد بان لك مراتب العناصر
وماهيتها ومن أين ظهرت وأصل الطبيعة .
ولما دارت الأفلاك ومخضت الأركان بما حملته ممّا ألقت فيها في هذا النكاح
المعنوي، وظهرت المولدات من كل ركن بحسب ما يقتضيه حقيقة ذلك الركن فظهرت أمم
العالم وظهرت الحركة المنكوسة والحركة الأفقية، فلما انتهى الحكم إلى السنبلة ظهرت
النشأة الإنسانية بتقدير العزيز العليم، فأنشأ الله عزّ وجلّ الإنسان من حيث جسمه خلقاً سوياً
وأعطاه الحركة المستقيمة، وجعل الله لها من الولاية في العالم العنصري سبعة آلاف سنة،
وينتقل الحكم إلى الميزان وهو زمان القيامة، وفيه يضع الله ﴿ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَمَةِ فَلَا
نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئًا﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٤٧]. ولما لم يكن الحكم له بما أودع الله فيه من العدل في
الدنيا شرع الموازين فلم يعمل بها إلاَّ القليل من الناس وهم النبيون خاصة ومن كان محفوظاً
من الأولياء. ولما كانت القيامة محل سلطان الميزان لم تظلم نفس شيئاً قال الله تعالى:
﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْفِسْطَ لِيَّؤْمِ الْقِيَامَةِ فَلَ نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ﴾
يعني من العمل ﴿أَنَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَسِينَ﴾.
ولما كان للعذراء السبعة من الأعداد كانت لها السبعة والسبعون والسبعمائة من الأعداد
في تضاعف الأجور وضرب الأمثال في الصدقات فقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى
سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلٍ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُتْلَةٍ مِّئَةُ حَبَّقْ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءٌ﴾ [سورة
البقرة: الآية ٢٦١] إلى سبعة آلاف، إلى سبعين ألفاً، إلى سبعمائة ألف، إلى ما لا نهاية له،
ولكن من حساب السبعة. وإنما كانت الفروض المقدّرة في الفلك الأطلس اثني عشر فرضاً
لأن منتهى أسماء العدد إلى اثني عشر اسماً وهو من الواحد إلى العشرة إلى المائة، وهو
الحادي عشر إلى الألف، وهو الثاني عشر وليس وراءه مرتبة أخرى، ويكون التركيب فيها
٤٤٤ في المعارف/ الباب الستون في معرفة العناصر وسلطان العالم العلويّ على العالم السفليّ ... الخ
بالتضعيف إلى ما لا نهاية له بهذه الأسماء خاصة، ويدخل الناس الجنة والنار وذلك في أول
الحادية إحدى عشرة درجة من الجوزاء، وتستقرّ كل طائفة في دارها ولا يبقى في النار من
يخرج بشفاعة ولا بعناية إلهية، ويذبح الموت بين الجنة والنار، ويرجع الحكم في أهل الجنة
بحسب ما يعطيه الأمر الإلهيّ الذي أودع الله في حركات الفلك الأقصى، وبه يقع التكوين في
الجنة بحسب ما تعطيه نشأة الدار الآخرة فإنّ الحكم أبداً في القوابل، فإن الحركة واحدة
وآثارها تختلف بحسب القوابل، وسبب ذلك حتى لا يستقل أحد من الخلق بفعل ولا بأمر
دون مشاركة فيتميّز بذلك فعل الله الذي يفعل لا بمشاركة من فعل المخلوق، فالمخلوق أبداً
في محل الافتقار والعجز والله الغنيّ العزيز.
ويكون الحكم في أهل النار بحسب ما يعطيه الأمر الإلهيّ، الذي أودعه الله تعالى في
حركات الفلك الأقصى، وفي الكواكب الثابتة، وفي سباحة الدراريّ السبعة المطموسة الأنوار
فهي كواكب لكنها ليست بثواقب، فالحكم في النار خلاف الحكم في الجنة، فيقرب حكم
النار من حكم الدنيا، فليس بعذاب خالص ولا بنعيم خالص، ولهذا قال تعالى: ﴿لَا يَمُوتُ
فِيَهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [سورة طه: الآية ٧٤] فلم يخلصه إلى أحد الوجهين، وكذلك قال رَله: ((أَمَّا أَهْلُ
النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا فَإِنَّهُمْ لاَ يَمُوتُونَ فِيهَا وَلاَ يَحْيَوْنَ)) .
وقد قدّمنا في الباب الذي قبل هذا صورة النعيم والعذاب، وسبب ذلك أنه بقي ما أودع
الله عليهم في الأفلاك وحركات الكواكب من الأمر الإلهيّ، وتغيّر منه على قدر ما تغيّر من
صور الأفلاك بالتبديل، ومن الكواكب بالطمس والانتثار، فاختلف حكمها بزيادة ونقص لأن
التغيير وقع في الصور لا في الذوات.
واعلم أن الله تعالى لما تسمّى بالملك رتّب العالم ترتيب المملكة، فجعل له خواص
من عباده وهم الملائكة المهيمة جلساء الحق تعالى بالذكر ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَلَا
يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ الَتْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ١٩] ثم اتخذ حاجباً من الكروبيين
واحداً أعطاه علمه في خلقه وهو علم مفصل في إجمال فعلمه سبحانه كان فيه مجلى له
وسمّى ذلك الملك نوناً فلا يزال معتكفاً في حضرة علمه عزّ وجلّ وهو رأس الديوان الإلهيّ
والحق من كونه عليما لا يحتجب عنه. ثم عيّن من ملائكته ملكاً آخر دونه في المرتبة سمّاه
القلم وجعل منزلته دون النون واتخذه كاتباً فيعلمه الله سبحانه من علمه ما شاءه في خلقه
بوساطة النون ولكن من العلم الإجماليّ. وممّا يحوي عليه العلم الإجماليّ علم التفصيل وهو
من بعض علوم الإجمال لأن العلوم لها مراتب من جملتها علم التفصيل، فما عند القلم
الإلهيّ من مراتب العلوم المجملة إلاَّ علم التفصيل مطلقاً وبعض العلوم المفصلة لا غير،
واتخذ هذا الملك كاتب ديوانه وتجلّى له من اسمه القادر فأمده من هذا التجلي الإلهي وجعل
نظره إلى جهة عالم التدوين والتسطير فخلق له لوحاً وأمره أن يكتب فيه جميع ما شاء سبحانه
أن يجريه في خلقه إلى يوم القيامة خاصة وأنزله منه منزلة التلميذ من الأستاذ، فتوجهت عليه
هنا الإرادة الإلهية فخصصت له هذا القدر من العلوم المفصلة، وله تجليان من الحق بلا
في المعارف / الباب الستون في معرفة العناصر وسلطان العالم العلويّ على العالم السفليّ ... الخ ٤٤٥
واسطة، وليس للنون سوى تجلّ واحد في مقام أشرف، فإنه لا يدلّ تعدّد التجليات ولا كثرتها
على الأشرفية وإنما الأشرف من له المقام الأعم، فأمر الله النون أن يمدّ القلم بثلاثمائة وستين
علماً من علوم الإجمال تحت كل علم تفاصيل ولكن معينة منحصرة لم يعطه غيرها، يتضمن
كل علم إجمالي من تلك العلوم ثلاثمائة وستين علماً من علوم التفصيل، فإذا ضربت ثلاثمائة
وستين في مثلها فما خرج لك فهو مقدار علم الله تعالى في خلقه إلى يوم القيامة خاصة، ليس
عند اللوح من العلم الذي كتبه فيه هذا القلم أكثر من هذا لا يزيد ولا ينقص.
ولهذه الحقيقة الإلهية جعل الله الفلك الأقصى ثلاثمائة وستين درجة، وكل درجة
مجملة لما تحوي عليه من تفصيل الدقائق والثواني والثوالث إلى ما شاء الله سبحانه ممّا يظهره
في خلقه إلى يوم القيامة، وسمّى هذا القلم الكاتب، ثم إن الله سبحانه وتعالى أمر أن يولى
على عالم الخلق اثني عشر والياً يكون مقرّهم في الفلك الأقصى منافي بروج، فقسم الفلك
الأقصى اثني عشر قسماً جعل كل قسم منها برجاً لسكنى هؤلاء الولاة مثل أبراج سور المدينة
فأنزلهم الله إليها فنزلوا فيها كل وال على تخت في برجه، ورفع الله الحجاب الذي بينهم وبين
اللوح المحفوظ فرأوا فيه مسطراً أسماءهم ومراتبهم وما شاء الحق أن يجريه على أيديهم في
عالم الخلق إلى يوم القيامة، فارتقم ذلك كله في نفوسهم وعلّموه علماً محفوظاً لا يتبدّل ولا
يتغيّر، ثم جعل الله لكل واحد من هؤلاء الولاة حاجبين ينفذان أوامرهم إلى نوابهم، وجعل
بين كل حاجبين سفيراً يمشي بينهما بما يلقي إليه كل واحد منهما، وعيّن الله لهؤلاء الذين
جعلهم الله حجاباً لهؤلاء الولاة في الفلك الثاني منازل يسكنونها وأنزلهم إليها وهي الثمانية
والعشرون منزلة التي تسمى المنازل التي ذكرها الله في كتابه فقال: ﴿ وَاُلْقَمَرَ قَذَّرْنَهُ مَنَازِلَ﴾
[سورة يس: الآية ٣٩] يعني في سيره ينزل كل ليلة منزلة منها إلى أن ينتهي إلى آخرها، ثم يدور
دورة أخرى لتعلموا بسيره، وسير الشمس فيها والخنس عدد السنين والحساب، وكل شيء
فصّله الحق لنا تفصيلاً، فأسكن في هذه المنازل هذه الملائكة وهم حجاب أولئك الولاة
الذين في الفلك الأقصى.
ثم إن الله تعالى أمر هؤلاء الولاة أن يجعلوا نوّاباً لهم ونقباء في السموات السبع في كل
سماء نقيباً كالحاجب لهم ينظر في مصالح العالم العنصريّ بما يلقون إليهم هؤلاء الولاة
ويأمرونهم به وهو قوله: ﴿وَأَوْحَى فِى كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [سورة فصلت: الآية ١٢] فجعل الله أجسام
هذه الكواكب النقباء أجساماً نيرة مستديرة ونفخ فيها أرواحها، وأنزلها في السموات السبع في
كل سماء واحد منهم وقال لهم: قد جعلتكم تستخرجون ما عند هؤلاء الاثني عشر والياً
بوساطة الحجاب الذين هم ثمانية وعشرون، كما يأخذ أولئك الولاة عن اللوح المحفوظ، ثم
جعل الله لكل نقيب من هؤلاء السبعة النقباء فلكاً يسبح فيه هو له كالجواد للراكب، وهكذا
الحجاب لهم أفلاك يسبحون فيها إذا كان لهم التصرّف في حوادث العالم والاستشراف عليه،
ولهم سدنة وأعوان يزيدون على الألف، وأعطاهم الله مراكب سمّاها أفلاكاً فهم أيضاً
يسبحون فيها وهي تدور بهم على المملكة في كل يوم مرة فلا يفوتهم من المملكة شيء أصلاً
٤٤٦ في المعارف / الباب الستون في معرفة العناصر وسلطان العالم العلويّ على العالم السفليّ ... الخ
من ملك السموات والأرض، فيدور الولاة وهؤلاء الحجاب والنقباء والسدنة كلهم في خدمة
هؤلاء الولاة، والكل مسخّرون في حقّنا إذ كنّا المقصود من العالم، قال تعالى: ﴿وَسَخَرَ لَكُ مَّا
فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [سورة الجاثية: الآية ١٣].
وأنزل الله في التوراة: يا ابن آدم خلقت الأشياء من أجلك وخلقتك من أجلي. وهكذا
ينبغي أن يكون الملك يستشرف كل يوم على أحوال أهل ملكه يقول تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِ
شَأْنٍ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٢٩] لأنه ﴿يَسْثَلُّمُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٢٩] بلسان حال
ولسان مقال ﴿وَلَا يَتُدُهُ﴾ حفظ العالم ﴿وَهُوَ اُلْعَلِىُّ الْعَظِيمُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٥٥] فما له شغل
إلاَّ بها، يقول تعالى: ﴿يُدَبِرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَآءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [سورة السجدة: الآية ٥] ﴿يُدَبِّرُ اُلْأَمْرَ
يُفَصِّلُ الْآَيَتِ﴾ [سورة الرعد: الآية ٢] ولولا وجود الملك لما سمّي الملك ملكاً، فحفظه لملكه
حفظه لبقاء اسم الملك عليه وإن كان كما قال: و ﴿ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [سورة آل عمران: الآية
٩٧] فما جاء باسم الملك فإن أسماء الإضافة لا تكون إلاّ بالمضاف، فكل سلطان لا ينظر في
أحوال رعيته ولا يمشي بالعدل فيهم ولا يعاملهم بالإحسان الذي يليق بهم فقد عزل نفسه في
نفس الأمر.
ويقول الفقهاء إن الحاكم إذا فسق أو جار فقد انعزل شرعاً، ولكن عندنا انعزل شرعاً
فيما فسق فيه خاصة لأنه ما حكم بما شرع له أن يحكم به فقد أثبتهم رسول الله وَ الر ولاة مع
جورهم فقال عليه الصلاة والسلام: ((فَإِنْ عَدَلُوا فَلَكُمْ وَلَّهُمْ وَإِنْ جَارُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ)) ونهى أن
نخرج يداً من طاعة، وما خصّ بذلك والياً من وال، فلذلك زدنا في عزله شرعاً إنما ذلك فيما
فسق فيه، فالملك مأمور أن يحفظ نفسه من الخروج ممّا حدّ له من الأحكام في رعاياه وفي
نفسه فإنه وال على نفسه: ((كُلَّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)) فالإنسان راع على نفسه فما
زاد ولذلك قال وَج﴿ر: ((إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيَّكَ حَقّاً وَلِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقّا)) الحديث، فمن لم يف لمن
بايعه بما بايعه عليه فقد عزل نفسه وليس بملك وإن كان حاكماً، فما كل حاكم يكون سلطاناً،
فإن السلطان من تكون له الحجة لا عليه، ولهذا جعل الله الأفلاك تدور علينا كل يوم دورة
لتنظر الولاة ما تدعو حاجة الخلق إليهم فيسدّون الخلل وينفذون أحكام الله تعالى من كونه
مريداً في خلقه لا من كونه آمراً، فينفذون أحكامه التي أمرهم سبحانه أن ينفذوها فيهم وهو
القضاء والقدر في أزمان مختلفة، فكل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس، وكل صغير
وكبير مستطر في اللوح المحفوظ، فما فيه إلاّ ما يقع، ولا ينفذ هؤلاء الولاة في العالم إلاَّ ما
فيه ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ زَّقِيبًا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٥٢] ومع هذا كله فإن الله له مع كل واحد
من المملكة أمر خاص في نفسه يعلمه الولاة والحجاب والنقباء فهم لا يفقدون مشاهدة ذلك
الوجه ذلك ليعلموا ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ [سورة الطلاق: الآية ١٢] وأنه رقيب ﴿عَلَى كُلِّ
نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [سورة الرعد: الآية ٣٣] و﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَىءٍ تُحِيطٌ﴾ [سورة فصلت: الآية ٥٤].
ولما جعل الله زمان هذه الأمور بأيدي هؤلاء الجماعة من الملائكة وأقعد من أقعد منهم
في برجه ومسكنه الذي فيه تخت ملكه، وأنزل من أنزل من الحجاب والنقباء إلى منازلهم في
في المعارف / الباب الستون في معرفة العناصر وسلطان العالم العلويّ على العالم السفليّ ... الخ ٤٤٧
سمواتهم، وجعل في كل سماء ملائكة مسخرة تحت أيدي هؤلاء الولاة، وجعل تسخيرهم
على طبقات: فمنهم أهل العروج بالليل والنهار من الحق إلينا ومنا إلى الحق في كل صباح
ومساء وما يقولون إلاَّ خيراً في حقنا. ومنهم المستغفرون لمن في الأرض. ومنهم
المستغفرون للمؤمنين لغلبة الغيرة الإلهية عليهم كما غلبت الرحمة على المستغفرين لمن في
الأرض. ومنهم الموكلون بالإلهام وهم الموصلون العلوم إلى القلوب. ومنهم الموكلون
بالأرحام. ومنهم الموكلون بتصوير ما يكوّن الله في الأرحام. ومنهم الموكلون بنفخ الأرواح.
ومنهم الموكلون بالأرزاق. ومنهم الموكلون بالأمطار ولذلك قالوا: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ
مَّعْلُومٌ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٦٤].
وما من حادث يحدث الله في العالم إلاَّ وقد وكّل الله بإجرائه ملائكة ولكن بأمر هؤلاء
الولاة من الملائكة، كما منهم أيضاً: الصافات، والزاجرات، والتاليات، والمقسمات،
والمرسلات، والناشرات، والنازعات، والناشطات، والسابقات، والسابحات، والملقيات،
والمدبرات. ومع هذا فما يزالون تحت سلطان هؤلاء الولاة إلاّ الأرواح المهيمة فهمٍ
خصائص الله، ومن دونهم فإنهم ينفذون أوامر الله في خلقه. ثم إن العامة ما تشاهد إلا
منازلهم، والخاصة يشهدونهم في منازلهم، كما أيضاً تشاهد العامة أجرام الكواكب ولا تشاهد
أعيان الحجاب ولا النقباء.
وجعل الله في العالم العنصريّ خلقاً من جنسهم، فمنهم الرسل والخلفاء والسلاطين
والملوك وولاة أمور العالم. وجعل الله بين أرواح هؤلاء الذي جعلهم الله ولاة في الأرض من
أهلها بينهم وبين هؤلاء الولاة في الأفلاك مناسبات ورقائق تمتدّ إليهم من هؤلاء الولاة
بالعدل، مطهرة من الشوائب مقدسة عن العيوب، فتقبل أرواح هؤلاء الولاة الأرضيين منهم
بحسب استعداداتهم، فمن كان استعداده قوياً حسناً قبل ذلك الأمر على صورته طاهراً مطهراً،
فكان والي عدل وإمام فضل، ومن كان استعداده رديئاً قبل ذلك الأمر الظاهر وردّه إلى شكله
من الرداءة والقبح فكان والي جور ونائب ظلم ويخل فلا يلومنّ إلاَّ نفسه.
فقد أبنت لك سلطنة العالم العلويّ على العالم السفليّ، وكيف رتّب الله ملكه هذا
الترتيب العجيب، وما ذكرنا من ذلك إلاّ الأمهات لا غير، يقول الله تعالى: ﴿وَأَوْحَى فِىِ كُلِّ
سَمَآٍ أَمْرَهَا﴾ وقال: ﴿يَنَغَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [سورة الطلاق: الآية ١٢]. ويكفي هذا القدر من هذا
الباب، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
وفي كتاب التنزلات الموصلية ذكرنا حديث هؤلاء الولاة والنوّاب والحجاب وما ولاهم
الله عليه من التأثير في العالم العنصريّ الروحاني من ذلك ما تعرضنا لما تعطيه من الطبيعة
والأمور البدنية، وتكلمنا فيها على ما ذكرناه مفصلاً في باب يوم الأحد وهو باب الإمام، وبيّنا
ما بيد كل نائب من السبعة النقباء في باب يوم الأحد وسائر الأيام إلى يوم السبت، وبيّنا
مقامات أرواح الأنبياء عليهم السلام في ذلك، وجعلنا هذه الألقاب الروحانية لأرواح الأنبياء
عليهم السلام، وبيّنا مراتبهم في الرؤية والحجاب يوم القيامة، وما يتكلمون به في أتباعهم من
٤٤٨
في المعارف / الباب الحادي والستون في معرفة جهنم وأعظم المخلوقات فيها عذاباً ... الخ
أهل السعادة والشقاء وذلك منه في باب يوم الاثنين بلسان آدم وترجمة القمر، وجاء بديعاً في
شأنه، والله المؤيد والموفق لا رب غيره.
الباب الحادي والستون
في معرفة جهنم وأعظم المخلوقات فيها عذاباً ومعرفة بعض العالم العلوي
[نظم: الكامل]
كانت وأنجمُها يزول ضياؤُهَا
إن السماءَ تعودُ رَثْقاً مثل ما
وعليه قام عمادُها وبناؤهَا
هذا ليُنْصفك المقيمُ بأرضها
من كان منها خَلْقُه فسماؤهَا
فَأَشَدُّ خلق الله آلاماً بها
فلذاك يَغْظُم في النفوس بلاؤهَا
تكسوه حلَّةَ ناره من نورها
اعلم عصمنا الله وإياك أن جهنم من أعظم المخلوقات وهي سجن الله في الآخرة يسجن
فيه المعطلة والمشركون وهي لهاتين الطائفتين دار مقامة، والكافرون والمنافقون وأهل الكبائر
من المؤمنين، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَفِرِينَ حَصِيرًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٨] ثم يخرج
بالشفاعة ممّن ذكرنا وبالامتنان الإلهيّ من جاء النص الإلهي فيه، وسمّيت جهنم لبعد قعرها،
يقال: بئر جهنام إذا كانت بعيدة القعر وهي تحوي على حرور وزمهرير، ففيها البرد على
أقصى درجاته، والحرور على أقصى درجاته، وبين أعلاها وقعرها خمس وسبعون مائة من
السنين .
واختلف الناس في خلقها هل خلقت بعد أم لم تخلق؟ والخلاف مشهور فيها، وكل
واحد من الطائفتين يحتج فيما ذهب إليه بما يراه حجة عنده، وكذلك اختلفوا في الجنة، وأما
عندنا وعند أصحابنا أهل الكشف والتعريف فهما مخلوقتان غير مخلوقتين، فأما قولنا مخلوقة
فكرجل أراد أن يبني داراً فأقام حيطانها كلها الحاوية عليها خاصة فيقال: قد بنى داراً فإذا
دخلها لم ير إلاَّ سوراً دائراً على فضاء وساحة، ثم بعد ذلك ينشىء بيوتها على أغراض
الساكنين فيها من بيوت وغرف وسراديب ومهالك ومخازن، وما ينبغي أن يكون فيها ممّا
يريده الساكن أن يجعل فيها من الآلات التي تستعمل في عذاب الداخل فيها وهي دار حرورها
هواء محترق لا جمر لها سوى بني آدم والأحجار المتخذة آلهة والجنّ لهبها. قال تعالى:
﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٤] وقال: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ
حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٩٨] وقال تعالى: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيَهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ وَهُنُودُ إِيْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾
[سورة الشعراء: ٩٤، ٩٥].
وتحدث فيها الآلات بحدوث أعمال الجنّ والإنس الذين يدخلونها، وأوجدها الله
بطالع الثور ولذلك كان خلقها في الصورة صورة الجاموس سواء، هذا الذي يعوّل عليه
عندنا، وبهذه الصورة رآها أبو الحكم بن برجان في كشفه، وقد تمثل لبعض الناس من أهل
الكشف في صورة حية فيتخيل أن تلك الصورة هي التي خلقها الله عليها كأبي القاسم بن قسي
٤٤٩
في المعارف / الباب الحادي والستون في معرفة جهنم وأعظم المخلوقات فيها عذاباً ... الخ
وأمثاله. ولما خلقها الله تعالى كان زحل في الثور وكانت الشمس والأحمر في القوس وكان
سائر الدراري في الجدي، وخلقها الله تعالى من تجلي قوله في حديث مسلم: ((جِعْتُ فَلَمْ
تُطْعِمْنِي، وَظَمِثْتُ فَلَمْ تَسْقِنِي، ومَرِضْتُ فَلَمْ تَعُذْنِي)). وهذا أعظم نزول نزله الحق إلى عباده
في اللطف بهم، فمن هذه الحقيقة خلقت جهنم أعاذنا الله وإياكم منها، فلذلك تجبرت على
الجبابرة، وقصمت المتكبرين، وجميع ما يخلق فيها من الآلام التي يجدها الداخلون فيها.
فمن صفة الغضب الإلهيّ ولا يكون ذلك إلاَّ عند دخول الخلق فيها من الجنّ والإنس
متى دخلوها، وأما إذا لم يكن فيها أحد من أهلها فلا ألم فيها في نفسها ولا في نفس
ملائكتها، بل هي ومن فيها من زبانيتها في رحمة الله منغمسون ملتذون ﴿يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَاَلنَّهَارَ
لَا يَفْتُرُونَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٢٠] يقول تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْ فِيهِ فَيَحِلَ عَلَيْكُمْ غَضَبِىٌّ وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ
غَضَِى فَقَدْ هَوَى﴾ [سورة طه: الآية ٨١] أي ينزل بكم غضبي فأضاف الغضب إليه، وإذا نزل بهم
كانوا محلاً له، وجهنم إنما هي مكان لهم وهم النازلون فيها وهم محل الغضب وهو النازل
بهم، فإن الغضب هنا هو عين الألم، فمن لا معرفة له ممّن يدعي طريقتنا ويريد أن يأخذ
الأمر بالتمثيل والقوّة والمناسبة في الصفات فيقول: إن جهنم مخلوقة من القهر الإلهيّ، وإن
الاسم القاهر هو ربها والمتجلي لها، ولو كان الأمر كما قاله لشغلها ذلك بنفسها عمّا وجدت
له من التسلّط على الجبابرة ولم يتمكن لها أن تقول: ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [سورة ق: الآية ٣٠] ولا أن
تقول: أكل بعضي بعضاً. فنزول الحق برحمته إليها التي وسعت كل شيء، وحنانه وسع لها
المجال في الدعوى والتسلّط على من تجبّر على من أحسن إليها هذا الإحسان وجميع ما تفعله
بالكفار من باب شكر المنعم حيث أنعم عليها فما تعرف منه سبحانه إلاَّ النعمة المطلقة التي لا
يشوبها ما يقابلها، فالناس غالطون في شأن خلقها .
ومن أعجب ما روينا عن رسول الله وَ الر: أن رسول الله مَلَ كان قاعداً مع أصحابه في
المسجد فسمعوا هدة عظيمة فارتاعوا فقال رسول الله و الجر: ((أَتَعْرِفُونَ مَا هذِهِ الهِدَّةُ؟» قالوا:
الله ورسوله أعلم، قال: ((حَجَرٌ أَلْقِيَ مِنْ أَعْلَى جَهَنَّمَ مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً الآنَ وَصَلَ إلَى قَعْرِهَا
فَكَانَ وُصُولُهُ إِلَى قَعْرِهَا وَسُقُوطُهُ فِيهَا هَذِهِ الهِدَّةِ)) فما فرغ من كلامه بَّهَ إلاَّ والصراخ في دار
منافق من المنافقين قد مات وكان عمره سبعين سنة فقال رسول الله وَالر: ((اللَّهُ أَكْبَرُ)) فعلم
علماء الصحابة أن هذا الحجر هو ذاك المنافق وأنه منذ خلقه الله يهوي في نار جهنم وبلغ
عمره سبعين سنة فلما مات حصل في قعرها. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْتُفِقِينَ فِ الذَّرّكِ الْأَسْفَلِ مِنَ
النَّارِ﴾ [سورة النساء: الآية ١٤٥] فكان سماعهم تلك الهدة التي أسمعهم الله ليعتبروا. فانظر ما
أعجب كلام النبوّة وما ألطف تعريفه، وما أحسن إشارته، وما أعذب كلامه وَل .
ولقد سألت الله أن يمثل لي من شأنها ما شاء فمثل لي حالة خصامهم فيها وهو قوله
تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقُّ تَخَصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [سورة ص: الآية ٦٤] وقوله تعالى: ﴿قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا
يَخْتَصِمُونُّ ◌َلَّهِ إِن كُنَّا لَفِى ضَلَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سورة الشعراء: ٩٦، ٩٧] لضلالهم وآلهتهم ﴿إِذْ نُوِّيَكُمْ بِرَبِّ
اَلْعَلَمِينَ وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ [سورة الشعراء: ٩٨، ٩٩] وهم أهل النار الذين هم أهلها الذين
الفتوحات المكية ج١ - م٢٩
٤٥٠
في المعارف / الباب الحادي والستون في معرفة جهنم وأعظم المخلوقات فيها عذاباً ... الخ
يقول الله فيهم: ﴿وَأَمْتَدُواْ أَلْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [سورة يس: الآية ٥٩] يريد بالمجرمين أهل النار الذين
يعمرونها ولا يخرجون منها، يمتازون عن الذين يخرجون منها بشفاعة الشافعين وسابق العناية
الإلهية في الموحدين، فهذا مثل لي في وقت منها فما شبهت خصامهم فيها إلاّ كخصام
أصحاب الخلاف في مناظرتهم إذا استدل أحدهم فإذا رأيت ذلك تذكرت الحالة التي أطلعني
الله عليها، ورأيت الرحمة كلها في التسليم والتلقي من النبوّة والوقوف عند الكتاب والسنّة .
ولقد عمي الناس عن قوله ◌َّة ((عند نبيّ لا ينبغي تنازع)) وحضور حديثه { لآر كحضوره
لا ينبغي أن يكون عند إيراده تنازع ولا يرفع السامع صوته عند سرد الحديث النبويّ فإن الله
يقول: ﴿لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِ﴾ [سورة الحجرات: الآية ٢] ولا فرق عند أهل الله بين
صوت النبي أو حكاية قوله، فما لنا إلاّ التهيؤ لقبول ما يرد به المحدث من كلام النبوّة من غير
جدال، سواء كان ذلك الحديث جواباً عن سؤال أو ابتداء كلام، فالوقوف عند كلامه في
المسألة أو في النازلة واجب، فمتى ما قيل قال الله أو قال رسول الله (ص84* ينبغي أن يقبل
ويتأدّب السامع ولا يرفع صوته على صوت المحدّث إذا قال ما قال الله أو سرد الحديث عن
رسول الله وَلّ، يقول الله تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اَللَّهِ﴾ [سورة التوبة: الآية ٦] وما تلاه إلا
رسول الله مي٣ وما سمعه السامع إلاّ منه، ثم إذا شاركه السمع في حال كلامه فهو ليس
بسامع، فإنه من الآداب التي أدّب الله نبيه وَلَّ قوله: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى
إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [سورة طه: الآية ١١٤] والله يقول: ﴿لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِ وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ
بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ وتوعد على ذلك بحبط العمل من حيث لا يشعر الإنسان، فإنه
يتخيل في ردّه وخصامه أنه يذب عن دين الله وهذا من مكر الله الذي قال فيه : ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ
حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٨٢] وقال: ﴿وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [سورة
النمل: الآية ٥٠]. فالعاقل المؤمن الناصح نفسه إذا سمع من يقول: قال الله تعالى، أو قال
رسول الله الية فلينصت، ويصغ، ويتأدّب، ويتفهم ما قال الله أو ما قال رسوله وَل، يقول
الله: ﴿وَإِذَا قُرِىَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٢٠٤] فأوقع
الترجي مع هذه الصفة وما قطع بالرحمة فكيف حال من خاصم ورفع صوته وداخل التالي
وسارد الحديث النبويّ في الكلام، وأرجو أن يكون الترجي الإلهيّ واجباً كما يراه العلماء.
ولما عاينت هذا المحل رأيت عجباً، وفي هذه الرؤية رأيت اعتماد الماء على الهواء وهو
من أعجب الأشياء في عمارة الأحياز وأن جوهرين لا يكونان في حيّز واحد وأن الحيّز لن
يشغله، وفي هذه الرؤية علمت إبطال التوالد وأن المحرك للأشياء هو الله تعالى، وأن السبب لا
أثر له في الفعل جملة واحدة، وفي هذه الرؤية علمت أن الألطف أقوى من الأكثف، فإنّ الهواء
ألطف من الماء بلا شك وقد منعه ولم يقاومه الماء في القوّة ومنعه من النزول، فإني رأيت نفسي
في الهراء والماء فوقي ويمنعه الهواء من النزول إلى الأرض، وفي هذه الرؤية علمت علوماً جمة
كثيرة، وفي هذه الرؤية رأيت من دركات أهل النار من كونها جهنم لا من كونها ناراً ما شاء الله أن
يطلعني منها، ورأيت فيها موضعاً يسمّى المظلمة نزلت في درجة نحو خمسة أدراج ورأيت
٤٥١
في المعارف/ الباب الحادي والستون في معرفة جهنم وأعظم المخلوقات فيها عذاباً ... الخ
مهالكها ثم زجّ بي في الماء علواً فاخترقته وقد رأيت عجباً وعلمت في أحوال مخاصمتهم حيث
يختصمون في الجحيم، وأن ذلك الخصام هو نفس عذابهم في تلك الحال، وأن عذابهم في
جهنم ما هو من جهنم وإنما جهنم دار سكناهم وسجنهم والله يخلق الآلام فيهم متى شاء،
فعذابهم من الله وهم محل له، وخلق الله لجهنم سبعة أبواب لكل باب جزء من العالم ومن
العذاب مقسوم، وهذه الأبواب السبعة مفتحة وفيها باب ثامن مغلق لا يفتح وهو باب الحجاب
عن رؤية الله تعالى، وعلى كل باب ملك من الملائكة ملائكة السموات السبع عرفت أسماءهم
هنالك وذهبت عن حفظي إلا إسماعيل فهو بقي على ذكري .
وأمّا الكواكب كلها فهي في جهنم مظلمة الأجرام عظيمة الخلق، وكذلك الشمس
والقمر والطلوع والغروب لهما في جهنم دائماً، فشمسها شارقة لا مشرقة، والتكوينات عن
سيرها بحسب ما يليق بتلك الدار من الكائنات وما تغير فيها من الصور في التبديل والانتثار
ولهذا قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [سورة غافر: الآية ٤٦] والحالة مستمرة،
ففي البرزخ يكون العرض، وفي الدار الآخرة يكون الدخول، فذوات الكواكب فيها صورتها
صورة الكسوف عندنا سواء، غير أن وزن تلك الحركات في تلك الدار خلاف ميزانها اليوم،
فإن كسوفها ما ينجلي وهو كسوف في ذاتها لا في أعيننا، والهواء فيها فيه تطفيف فيحول بين
الأبصار وبين إدراك الأنوار كلها، فتبصر الأعين الكواكب المنتثرة غير نيرة الأجرام كما يعلم
قطعاً أن الشمس هنا في ذاتها نيرة، وأن الحجاب القمري هو الذي منع البصر أن يدركها أو
يدرك نور القمر أو ما كان مكسوفاً، ولهذا في زمان كسوف شيء منها في موضع يكون في
موضع آخر أكثر من ذلك، وفي موضع آخر لا يكون منه شيء، فلما اختلفت الأبصار في
إدراك ذلك لاختلاف الأماكن علمنا قطعاً أن ثم أمراً عارضاً عرض في الطريق حال بين البصر
وبينها، أو بين نورها كالقمر يحول بينك وبين إدراك جرم الشمس، وظل الأرض يحول بينك
وبين نور القمر لا بينك وبين جرمه مثل ما حال القمر بينك وبين جرم الشمس، وذلك بحسب
ما يكون منك ويكون منه، وهكذا سائر الكواكب ولكن أكثر الناس لا يعلمون، كما أن أكثر
الناس لا يؤمنون .
فإن ذلك الكسوف كله على اختلاف أنواعه خشوع من المكسوف عن تجلُ إلهيّ حصل
له وحدّ جهنم بعد الفراغ من الحساب ودخول أهل الجنة الجنة من مقعر فلك الكواكب الثابتة
إلى أسفل سافلين، فهذا كله يزيد في جهنم ممّا هو الآن ليس مخلوقاً فيها، ولكن ذلك معدّ
حتى يظهر، إلاّ الأماكن التي قد عيّنها الله من الأرض فإنها ترجع إلى الجنة يوم القيامة مثل
الروضة التي بين منبر رسول الله وَ# وبين قبره وَلّر، وكل مكان عيّنه الشارع وكل نهر فإن
ذلك كله يصير إلى الجنة، وما بقي فيعود ناراً كله وهو من جهنم، ولهذا كان يقول
عبد الله بن عمر إذا رأى البحر يقول: يا بحر متى تعود ناراً وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِرَتْ﴾
[سورة التكوير: الآية ٦] أي أجّجت ناراً من سجرت التنور إذا أوقدته وكان ابن عمر يكره الوضوء
بماء البحر ويقول: التيمّم أعجب إليّ منه ولو كشف الله عن أبصار الخلق اليوم لرأوه يتأجّج
٤٥٢
في المعارف / الباب الحادي والستون في معرفة جهنم وأعظم المخلوقات فيها عذاباً ... الخ
ناراً، ولكن الله يظهر ما يشاء ويخفي ما يشاء ليعلم أن الله على كل شيء قدير ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ
أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ [سورة الطلاق: الآية ١٢].
وأكثر ما يجري هذا لأهل الورع، فيرى الطعام الحرام صاحب الورع المحفوظ خنزيراً
أو عذرة والشراب خمراً لا يشك فيما يراه ويراه جليسه قرصة خبز طيبة ويرى الشراب ماء
عذباً، فيا ليت شعري من هو صاحب الحسّ الصحيح من صاحب الخيال؟ هل الذي أدرك
الحكم الشرعيّ صورة؟ أو هل الذي أدرك المحسوس في العادة على حاله؟ وهذا ممّا يقوي
مذهب المعتزلة في أن القبيح قبيح لنفسه والحسن حسن لنفسه، وأن الإدراك الصحيح إنما هو
لمن أدرك الشراب الحرام خمراً، فلولا أنه قبيح لنفسه ما صحّ هذا الكشف لصاحبه، ولو كان
فعله عين تعلّق الخطاب بالحرمة والقبح ما ظهر ذلك الطعام خنزيراً، فإن الفعل ما وقع من
المكلف، فإن الله أظهر له صورته وأنه قبيح حتى لا يقدم على أكله وهذا بعينه يتصوّر فيمن
يدركه طعاماً على حاله في العادة ولكن هذا أحق في الشرع، فعلم قطعاً أن الذي يراه طعاماً
على عادته قد حيل بينه وبين حقيقة حكم الشرع فيه بالقبح، ولو كان الشيء قبيحاً بالقبح
الوضعيّ لم يصدق قول الشارع في الإخبار عنه أنه قبيح أو حسن، فإنه خبر بالشيء على
خلاف ما هو عليه، فإن الأحكام أخبار بلا شك عند كل عاقل عارف بالكلام، فإن الله أخبرنا
أن هذا حرام وهذا حلال، ولذا قال تعالى في ذم من قال عن الله ما لم يقل: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا
تَصِفُ أَلْسِنَنُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبُّ﴾ [سورة النحل: الآية ١١٦] فإنه
ألحق الحكم بالخبر لأنه خبر بلا شك، إلاَّ أنه ليس في قوّة البشر في أكثر الأشياء إدراك قبح
الأشياء ولا حسنها، فإذا عرّفنا الحق بها عرفناها، ومنها ما يدرك قبحه عقلاً في عرفنا مثل
الكذب وكفر المنعم، وحسنه عقلاً مثل الصدق وشكر المنعم، وكون الإثم يتعلق ببعض
أنواع الصدق والأجر يتعلق ببعض أنواع الكذب فذلك الله يعطي الأجر على ما شاءه من قبح
وحسن. ولا يدل ذلك على حسن الشيء ولا قبحه كالكذب في نجاة مؤمن من هلاك يؤجر
عليه الإنسان، وإن كان الكذب قبيحاً في ذاته والصدق كالغيبة يأثم بها الإنسان، وإن كان
الصدق حسناً في ذاته فذاك أمر شرعيّ يعطي فضله من شاء ويمنعه من شاء كما قال: ﴿يَخَْصُ
بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاَللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٠٥].
واعلم أن أشد الخلق عذاباً في النار إبليس الذي سنّ الشرك وكل مخالفة، وسبب ذلك أنه
مخلوق من النار فعذابه بما خلق منه، ألا ترى النفس به تكون حياة الجسم الحساس فإذا منع
بالشنق أو الخنق خروج ذلك النفس العكس راجعاً إلى القلب فأحرقه من ساعته فهلك لحینه،
فبالنفس كانت حياته وبه كان هلاكه، وهلاكه على الحقيقة بالنفس من كونه متنفساً لا من كونه ذا
نفس، ولا من كونه متنفساً فقط بل من كونه يجذب بالقوّة الجاذبة نفس الهواء البارد إلى قلبه
ويخرج بالقوّة الدافعة النفس الحار المحرق من قلبه، فسبب هذه الأحوال بها تكون حياته، فإن
الذي يرمى في النار هو متنفس، ولكن لا يخلو من أحد الوجهين: إمّا أنه لا يتنفس في النار
فتكون حالته حالة المشنوق الذي يخنق بالحبل فيقتله نفسه. وإمّا أن يتنفس فيجذب بالقوّة
٤٥٣
في المعارف / الباب الحادي والستون في معرفة جهنم وأعظم المخلوقات فيها عذاباً ... الخ
الجاذبة هواء نارياً محرقاً إذا وصل إلى قلبه أحرقه، فلهذا قلنا في سبب الحياة هذه الأمور كلها،
فعذاب إبليس في جهنم بما فيها من الزمهرير فإنه يقابل النار الذي هو أصل نشأة إبليس فيكون
عذابه بالزمهرير، وبما هو نار مركبة فيه من ركن الهواء والماء والتراب فلا بدّ أن يتعذب بالنار
على قدر مخصوص، وعامّة عذابه بما يناقض ما هو الغالب عليه في أصل خلقه، والنار ناران:
نار حسيّة وهي المسلطة على إحساسه وحيوانيته وظاهر جسمه وباطنه، ونار معنوية وهي التي
تطلع على الأفئدة وبها يتعذب روح المدبر لهيكله الذي أمر فعصى، فمخالفته عذبته وهي عين
جهله بمن استكبر عليه، فلا عذاب على الأرواح أشدّ من الجهل فإنه غبن كله ولهذا سمّي يوم
التغابن يريد يوم عذاب النفوس فيقول: ﴿بَحَسْرَتَ عَلَى مَا فَرَّطَتُ﴾ [سورة الزمر: الآية ٥٦] وهو يوم
الحسرة، يقول يوم الكشف من حسرت عن الشيء إذا كشفت عنه فكأنه يقول: يا ليتني حسرت
عن هذا الأمر في الدنيا فأكون على بصيرة من أمري فيغتبن في نفسه والتغابن يدرك في ذلك اليوم
الكل الطائع والعاصي، فالطائع يقول: يا ليتني بذلت جهدي ووفيت حق استطاعتي وتدبرت
كلام ربي فعملت بمقتضاه مع كونه سعيداً. والمخالف يقول: يا ليتني لم أخالف ربي فيما أمرني
به ونهاني فذلك يوم التغابن. وسيأتي هذا في باب يوم القيامة إن شاء الله .
ولما أعلمناك بمرتبة النفس والتنفس إنما جئنا به لتعلم أن جهنم لما اختص بآلام أهلها
صفة الغضب الإلهيّ واختص بوجودها التنزّل الرحمانيّ الإلهيّ، وجاء في الخبر الصحيح
نفس الرحمن مشعراً بصفة الغضب فكان التنفّس ملحقاً صفة الغضب بمن حلّ به، ولهذا لما
أتى نفس الرحمن من قبل اليمن حلّ الغضب الإلهيّ بالكفار بالقتل والسيف الذي أوقعت بهم
الأنصار، فنفس الله بذلك عن دينه ونبيه ول*، فإن ذا الغضب إذا وجد على من يرسل غضبه
تنفس عنه ما يجده من ألم الغضب وأكمل الصورة في محمد بنسل﴿ فقام به على الكفار لأجل
ردّهم كلمة الله صفة الغضب، فنفس الرحمن عنه بما أمره به من السيف، ونفس عنه بأصحابه
وأنصاره فوجد الراحة فإنه وجد حيث يرسل غضبه، فافهم من هذا آلام أهل النار والصورة
الحجابية المحمدية على الغضب الإلهيّ على أعداء الله، وأن الآلام أرسلت على الأعداء
فقامت بهم، ونفس الله عن دينه وهو أمره وكلامه وهو عين علمه في خلقه وعلمه ذاته جلّ
وتعالى.
وقد بيّنا لك أمر جهنم من حيث ما هي دار، فلنبين إن شاء الله في الباب الذي يلي هذا
الباب مراتب أهل النار. ثم اعلم أن الله قد جعل فيها مائة درك في مقابلة درج الجنة، ولكل
درك قوم مخصوصون لهم من الغضب الإلهي الحال بهم آلام مخصوصة وأن المتولي عذابهم
من الولاة الذين ذكرناهم في الباب قبل هذا من هذا الكتاب: القائم، والإقليد، والحامد،
والنائب، والسادن، والجابر، فهؤلاء الأملاك من الولاة هم الذين يرسلون عليهم العذاب بإذن
الله تعالى ومالك هو الخازن. وأمّا بقية الولاة مع هؤلاء الذين ذكرناهم وهم: الحائر،
والسائق، والماتح، والعادل، والدائم، والحافظ، فإن جميعهم يكونون مع أهل الجنان
وخازن الجنان رضوان، وأمدادهم إلى أهل النار مثل أمدادهم إلى أهل الجنة، فإنهم يمدونهم
٤٥٤
في المعارف / الباب الثاني والستون في مراتب أهل النار
بحقائقهم وحقائقهم لا تختلف فيقبل كل طائفة من أهل الدارين منهم بحسب ما تعطيهم
نشأتهم، فيقع العذاب بما به يقع النعيم من أجل المحل كما قلنا في المبرود: إنه يتنعم بحر
الشمس والمحرور يتعذب بحر الشمس، فنفس ما وقع به النعيم به عينه وقع به الألم عند
الآخر، فالله ينشئنا نشأة النعماء كما قال تعالى في حق الأبرار: ﴿تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾
[سورة المطففين: الآية ٢٤] أي هم في خلقهم على هذه الصفة، ونشأة أهل النار تخالف نشأة أهل
الجنان، فإن نشأة الجنة إنما هو من الحق سبحانه على أيدي الولاة خاصة، ونشأة أهل النار
على أيدي الولاة والحجاب والنقباء والسدنة على كثرتهم فإنه لا يحصي عددهم إلاّ الله،
ولكل ملك منهم في هذه النشأة الدنياوية، ونشأة النار ونشأة أهلها حكم سخره الله في ذلك،
فهم كالفعلة في المملكة وإنشاء الدار المبنية، وسيأتي إن شاء الله ذكر الجنة وما فيها، والله
يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الثاني والستون
في مراتب أهل النار
[نظم: البسيط]
مراتبُ النار بالأعمال تمتازُ
بوزن أفعال قد جاء العذابُ له
لا يخرجون من النار ولو خرجوا
فذلُهم كونُهم في النار ما برحوا
وليس فيها اختصاصاتٌ وإنْجازٌ
بُشْرَى وإن عُذْبوا فيها بما حازوا
تعذَّبوا فلهم ذلِّ وإعزازٌ
وعزّهم ما لهم حدٍّ إذا جازوا
محقَّقٍ في علوم الوهب إعجازٌ
في قولنا إن تأمَّلْتُمْ لذي نَظَرٍ
فيه اختصارٌ بديعٌ لفظُه حَسَنٌ
قال الجليلُ لأهل الحق بينهُمُو
مثل الملوك تراهم في نعيمِهِمُ
ومن جُسومِهمُو في النار تحسبهم
فيه لطائفُ آيات وإيجازٌ
يا أيها المجرمون اليوم فامتازوا
ولبْسُهم عند أهل الكشفِ أَخْزَازٌ
كأنهم مثل ما قد قال أَعجازُ
قولنا: بوزن أفعال أريد قوله تعالى: ﴿لَِّثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [سورة النبأ: الآية ٢٣] وهو من
أوزان جمع القلة، فإن أوزان جمع القلة أربعة أفعل مثل أكلب، وأفعال مثل أحقاب، وفعلة
مثل فتية، وأفعلة مثل أحمرة، وجمع ذلك بعض الأدباء في بيت من الشعر فقال:
وفعلة يجمع الأدنى من العدد
بأفعل وبأفعال وأفعلة
يقول الله تعالى من كرمه لإبليس وعموم رحمته حين قال له: ﴿أَرَيْنَكَ هَذَا الَّذِى
كَرَّمْتَ عَلَى لَبِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ اٌلْقِيَامَةِ لَأَحْتَفِكَنَّ ذُرِيَّنَهُ إِلَّا قَلِيلًا قَالَ أُذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ
فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَآءُ مَّوْفُورًا وَأَسْتَفْرِزْ مَنِ أُسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ
وَشَارِكْهُمْ فِ الْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ وَعِدْهُمْ﴾ [سورة الإسراء: ٦٢، ٦٣، ٦٤] فما جاء إبليس إلاَّ بأمر الله
تعالى، فهو أمر إلهيّ يتضمن وعيداً وتهديداً، وكان ابتلاء شديداً في حقّنا ليريه تعالى أن في
٤٥٥
في المعارف / الباب الثاني والستون في مراتب أهل النار
ذريته من ليس لإبليس عليه سلطان ولا قوّة. ثم إنّ الذين خذلهم الله من العباد جعلهم
طائفتين: طائفة لا تضرّهم الذنوب التي وقعت منهم وهو قوله: ﴿وَاَللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ
وَفَضْلًا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٦٨] فلا تمسهم النار بما تاب الله عليهم واستغفار الملأ الأعلى لهم
ودعائه لهذه الطائفة. وطائفة أخرى أخذهم الله بذنوبهم، والذين أخذهم الله بذنوبهم قسّمهم
بقسمين : قسم أخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين وهم أهل الكبائر من المؤمنين وبالعناية
الإلهية وهم أهل التوحيد بالنظر العقليّ. وقسم آخر أبقاهم الله في النار وهذا القسم هم أهل
النار الذين هم أهلها وهم المجرمون خاصة الذين يقول الله فيهم: ﴿وَأَمْتَزُواْ أَلْيَّوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾
[سورة يس: الآية ٥٩] أي المستحقون بأن يكونوا أهلاً لسكنى هذه الدار التي هي جهنم يعمرونها
ممّن يخرج منها إلى الدار الآخرة التي هي الجنة وهؤلاء المجرمون أربع طوائف كلها في النار
لا يخرجون منها وهم المتكبرون على الله كفرعون وأمثاله ممّن ادعى الربوبية لنفسه ونفاها عن
الله فقال: ﴿يَأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِّمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِى﴾ [سورة القصص: الآية ٣٨] وقال: ﴿أَنَّا
رَبِّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [سورة النازعات: الآية ٢٤] يريد أنه ما في السماء إله غيري، وكذلك نمرود وغيره.
والطائفة الثانية: المشركون وهم: ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ [سورة الحجر: الآية ٩٦]
فقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر: الآية ٣] وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِمَةَ إِلَهَا وَحِدٌّ
إِنَّ هَذَا لَشَىْء ◌ُجَابٌ﴾ [سورة ص: الآية ٥]. والطائفة الثالثة: المعطلة وهم الذين نفوا الإله جملة
واحدة، فلم يثبتوا إلهاً للعالم ولا من العالم. والطائفة الرابعة: المنافقون وهم الذين أظهروا
الإسلام من إحدى هؤلاء الطوائف الثلاثة للقهر الذي حكم عليهم فخافوا على دمائهم
وأموالهم وذراريهم وهم في نفوسهم على ما هم عليه من اعتقاد هؤلاء الطوائف الثلاث .
فهؤلاء أربعة أصناف هم الذين هم أهل النار لا يخرجون منها من جن وإنس. وإنما
كانوا أربعة لأن الله تعالى ذكر عن إبليس أنه يأتينا من بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وعن
شمائلنا. فيأتي للمشرك من بين يديه، ويأتي للمعطل من خلفه ويأتي إلى المتكبر من عن
يمينه، ويأتي إلى المنافق من عن شماله وهو الجانب الأضعف فإنه أضعف الطوائف، كما أن
الشمال أضعف من اليمين، وجعل المتكبر من اليمين لأنه محل القوّة فتكبر لقوّته التي أحسّها
من نفسه، وجاء للمشرك من بين يديه فإنه رأى إذا كان بين يديه جهة عينية فأثبت وجود الله
ولم يقدر على إنكاره فجعله إبليس يشرك مع الله في ألوهيته، وجاء للمعطل من خلفه فإن
الخلف ما هو محل النظر فقال له ما ثم شيء أي ما في الوجود إله .
ثم قال الله تعالى في جهنم ﴿لَا سَبْعَةُ أَبْوَبٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَفْسُومُ﴾ [سورة الحجر:
الآية ٤٤] فهذه أربع مراتب لهم من كل باب من أبواب جهنم جزء مقسوم وهي منازل عذابهم
فإذا ضربت الأربعة التي هي المراتب التي دخل عليهم منها إبليس في السبعة الأبواب كان
الخارج ثمانية وعشرين منزلاً، وكذلك جعل الله المنازل التي قدّرها الله للإنسان المفرد وهو
القمر وغيره من السيارة الخنس الكنس تسير فيها وتنزلها لإيجاد الكائنات، فيكون عند هذا
السير ما يتكون من الأفعال في العالم العنصريّ، فإن هذه السيارة قد انحصرت في أربع طبائع
٤٥٦
في المعارف/ الباب الثاني والستون في مراتب أهل النار
مضروبة في ذواتها وهن سبعة فخرج منها منازلها الثمانية والعشرون ذلك بـ ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ
اَلْعَلِيمِ﴾ [سورة يس: الآية ٣٨] كما قال: ﴿وَّكُلٌ فِ فَلَكِ يَسْبَحُونَ﴾ [سورة يس: الآية ٤٠].
وكان ممّا ظهر عن هذا التسيير الإلهيّ في هذه الثمانية والعشرين وجود ثمانية وعشرين
حرفاً ألّف الله الكلمات منها وظهر الكفر في العالم والإيمان بأن تكلم كل شخص بما في نفسه
من إيمان وكفر وكذب وصدق، لتقوم الحجة لله على عباده ظاهراً بما تلفظوا به، ووكّل بهم
ملائكة يكتبون ما تلفظوا به، قال تعالى: ﴿كِرَامًا كَئِينَ﴾ [سورة الانفطار: الآية ١١] وقال: ﴿مَا
يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبُ عِيدٌ﴾ [سورة ق: الآية ١٨] فجعل منازل النار ثمانية وعشرين منزلاً،
وجهنم كلها مائة درك من أعلاها إلى أسفلها نظائر درج الجنة التي ينزل فيها السعداء، وفي
كل درك من هذه الدركات ثمانية وعشرون منزلاً، فإذا ضربت ثمانية وعشرين في مائة كان
الخارج من ذلك ألفين وثمانمائة منزل، فهي الثمانية والعشرون مائة فما برحت الثمانية
والعشرون تصحبنا وهذه منازل النار فلكل طائفة من الأربع سبعمائة نوع من العذاب وهم أربع
طوائف فالمجموع ثمان وعشرون مائة نوع من العذاب، كما لأهل الجنة سواء من الثواب يبيّن
ذلك في صدقاتهم ﴿كَمَثَلِ حَيَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَائِلَ فِى كُلِّ سُتْلَةٍ مِّئَةُ حَبَّْ﴾ [سورة البقرة: الآية
٢٦١] فالمجموع سبعمائة وهم أربعة طوائف: رسل وأنبياء وأولياء ومؤمنون، فلكل متصدق
من هؤلاء الأربعة سبعمائة ضعف من النعيم في عملهم، فانظر ما أعجب القرآن في بيانه
الشافي وموازنته في خلقه في الدارين الجنة والنار لإقامة العدل على السواء في باب جزاء
النعيم وجزاء العذاب، فبهذا القدر يقع الاشتراك بين أهل الجنة وأهل النار للتساوي في عدد
الدرج والدرك، ويقع الامتياز بأمر آخر وذلك أن النار امتازت عن الجنة بأنه ليس في النار
دركات اختصاص إلهيّ ولا عذاب اختصاص إلهيّ من الله، فإن الله ما عرّفنا قط أنه اختصّ
بنقمته من يشاء كما أخبرنا أنه يختص برحمته من يشاء وبفضله، فالجنة في نعيمها مخالف
لميزان عذاب أهل النار، فأهل النار معذبون بأعمالهم لا غير، وأهل الجنة ينعمون بأعمالهم
وبغير أعمالهم في جنات الاختصاص.
فلأهل السعادة ثلاث جنات: جنة أعمال، وجنة اختصاص، وجنة ميراث، وذلك أنه
ما من شخص من الجنّ والإنس إلاَّ وله في الجنة موضع وفي النار موضع وذلك لإمكانه
الأصليّ، فإنه قبل كونه يمكن أن يكون له البقاء في العدم أو يوجد، فمن هذه الحقيقة له قبول
النعيم وقبول العذاب، فالجنة تطلب الجميع والجميع يطلبها، والنار تطلب الجميع والجميع
يطلبها، فإن الله يقول: ﴿وَلَوْ شَآءَ لَدَنكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة النحل: الآية ٩] أي أنتم قابلون
لذلك، ولكن حقّت الكلمة وسبق العلم ونفذت المشيئة فلا راد لأمره ولا معقب لحكمه،
فينزل أهل الجنة في الجنة على أعمالهم ولهم جنات الميراث وهي التي كانت لأهل النار لو
دخلوا الجنة ولهم جنات الاختصاص، يقول الله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِىِ نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ
تَقِيًّا﴾ [سورة مريم: الآية ٦٣] فهذه الجنة التي حصلت لهم بطريق الورث من أهل النار الذين هم
أهلها، إذ لم يكن في علم الله أن يدخلوها، ولم يقل في أهل النار أنهم يرثون من النار أماكن
٤٥٧
في المعارف / الباب الثاني والستون في مراتب أهل النار
أهل الجنة لو دخلوا النار، وهذا من سبق الرحمة بعموم فضله سبحانه، فما نزل من نزل في
النار من أهلها إلاَّ بأعمالهم ولهذا يبقى فيها أماكن خالية وهي الأماكن التي لو دخلها أهل
الجنة عمروها فيخلق الله خلقاً يعمرونها على مزاج لودخلوا به الجنة تعذبوا وهو قوله وَاليه :
((فَيَضَعُ الجَبَّارُ فِيهَا قَدَمَهُ فَتَقُولُ قَط قَط)) أي حسبي حسبي، فإنه تعالى يقول لها: هل امتلأت؟
فتقول: ﴿هَلْ مِن ◌َّزِيدٍ﴾ [سورة ق: الآية ٣٠] فإنه قال للجنة والنار: لكل واحدة منكما ملؤها، فما
اشترط لهما إلاَّ أن يملأهما خلقاً، وما اشترط عذاب من يملأها بهم ولا نعيمهم، وأن الجنة
أوسع من النار بلا شك فإن عرضها السموات والأرض فما ظنك بطولها؟ فهي للنار كمحيط
الدائرة ممّا يحوي عليه.
وفي التنزلات الموصلية رسمناها وبيّناها على ما هي عليه في نفسها في باب يوم
الاثنين، والنار عرضها قدر الخط الذي يميز قطري دائرة فلك الكواكب الثابتة فأين هذا الضيق
من تلك السعة؟ وسبب هذا الاتساع جنات الاختصاص الإلهيّ فورد في الخبر: ((أَنَّهُ يَبْقَى
أَيْضاً فِي الجَنَّةِ أَمَاكِنُ مَا فِيها أَحَدٌ فَيَخْلُقُ اللَّهُ خَلْقاً لِلنَّعِيمِ يَعْمُرُهَا بِهِمْ)) وهو أن يضع الرحمن
فيها قدمه وليس ذلك إلاَّ في جنات الاختصاص ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ أَلْكَبِيرِ﴾ [سورة غافر: الآية
١٢] ﴿يَخْنَصُّ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَآءُ وَاَللَّهُ ذُو الْفَضَّلِ الْعَظِيمِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٧٤].
فمن كرمه أنه تعالى ما أنزل أهل النار إلاَّ على أعمالهم خاصة. وأمّا قوله تعالى:
﴿زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [سورة النحل: الآية ٨٨] فذلك لطائفة مخصوصة وهم الأئمة المضلون
يقول تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَ أَنْقَالَهُمْ وَأَنْقَالًا مَّعَ أَنْقَالِهِمٌ﴾ [سورة العنكبوت: الآية ١٣] وهم الذين أضلوا
العباد، وأدخلوا عليهم الشبه المضلة فحادوا بها عن سواء السبيل، فضلوا وأضلوا وقالوا لهم:
﴿أَنَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَيَكُمْ﴾ [سورة العنكبوت: الآية ١٢] يقول الله: ﴿وَمَا هُم بِحَمِلِينَ مِنْ
خَطَيَهُم مِّنْ شَىْءٍ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ [سورة العنكبوت: الآية ١٢] في هذا القول بل هم حاملون
خطاياهم، والذين أضلوهم يحملون أيضاً خطاياهم وخطايا هؤلاء مع خطاياهم، ولا ينقص
هؤلاء من خطاياهم من شيء يقول بَّرَ: ((مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيْئَةً فَلَهُ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا»
دون أن ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً، فهو قوله: ﴿ثُمَّ أَزْدَادُوا كُغْرًا﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٠]
فهؤلاء قيل فيهم: ﴿زِدْتَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [سورة النحل: الآية ٨٨] فما أنزلوا من النار إلاَّ
منازل استحقاق، بخلاف الجنة فإن أهل الجنة أنزلوا فيها منازل استحقاق مثل الكفار في النار
بأعمالهم، وأنزلوا أيضاً منازل وراثة ومنازل اختصاص وليس ذلك في أهل النار، ولا بدّ لأهل
النار من فضل الله ورحمته في نفس النار بعد انقضاء مدّة موازنة أزمان العمل، فيفقدون
الإحساس بالآلام في نفس النار لأنهم ليسوا بخارجين من النار أبداً فلا يموتون فيها ولا
يحيون، فتتخدّر جوارحهم بإزالة الروح الحساس منها.
وثم طائفة يعطيهم الله بعد انقضاء موازنة المدد بين العذاب والعمل نعيماً خيالياً مثل ما
يراه النائم وجلده كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِحَتْ جُلُودُهُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ٥٦] هو كما قلنا
خدرها، فزمان النضج والتبديل يفقدون الآلام لأنه إذا انقضى زمان الإنضاج خمدت النار في
٤٥٨
في المعارف / الباب الثالث والستون في معرفة بقاء الناس في البرزخ بين الدنيا والبعث
حقهم فيكونون في النار كالأمّة التي دخلتها وليست من أهلها، فأماتهم الله فيها إماتة فلا
يحسّون بما تفعله النار في أبدانهم، الحديث بكماله ذكره مسلم في صحيحه وهذا من فضل
الله ورحمته .
وأما أبواب جهنم فقد ذكر الله من صفات أصحابها بعض ما ذكر، ولكن من هؤلاء
الأربع الطوائف الذين هم أهلها ومن خرج بالشفاعة أو العناية ممّن دخلها، فقد جاء ببعض ما
وصف الله به من دخلها من الأسباب الموجبة لذلك وهي: باب الجحيم، وباب سقر، وباب
السعير، وباب الحطمة، وباب لظى، وباب الحامية، وباب الهاوية، وسميت الأبواب بصفات
ما وراءها ممّا أعدّت له، ووصف الداخلون فيها بما ذكر الله تعالى في مثل قوله في لظى : إنها
﴿تَدْعُواْ مَنْ أَذْبَرَ وَتَوَى وَجَمَعَ فَأَوْعَ﴾ [سورة المعارج: ١٨،١٧] وقال ما يقول أهل سقر: إذا قيل لهم ﴿مَا
سَلَكَكُمْ فِ سَقَرَ قَالُوْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّيْنَ وَلَوْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَايِضِينَ وَكُنَا تُكَذِّبُ بِيَوْمِ
اُلِّينِ﴾ [سورة المدثر: ٤٢ - ٤٦] وقال في أهل الجحيم: إنه يكذب بيوم الدين ﴿ وَمَا يُكَذِّبُ بٍِ إِلَّا كُلُّ
مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ [سورة المطففين: الآية ١٢] فوصفه بالإثم والإعتداء، ثم قال فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ
ثُمَّ بُقَالُ هَذَا الَّذِى كُتُ بِ تُكَذِّبُونَ﴾ [سورة المطففين: ١٦، ١٧]. وهكذا في الحطمة والسعير، وغير
ذلك مما جاء به القرآن أو السنّة، فهذا قد ذكرنا الأمهات والطبقات.
وأما مناسبات الأعمال لهذه المنازل فكثيرة جداً يطول الشرح فيها، ولو شرعنا في ذلك
طال علينا المدى، فإن المجال رحب ولكن الأعمال مذكورة والعذاب عليها مذكور، فمتى
وقفت على شيء من ذلك وكنت على نور من ربك وبينة فإن الله يطلعك عليه بكرمه. والذي
شرطنا في هذا الباب وترجمنا عليه إنما كان ذكر المراتب وقد ذكرناها وبيّناها ونبهنا على
مواضع يجول فيها نظر الناظر من كتابي هذا من الآيات التي استشهدنا بها في هذا الباب من
أوله من أمر الله إبليس -ما ذكر له فهل له من امتثال ذلك الأمر الإلهيّ أمر يعود عليه منه من
حيث ما هو ممتثل أم لا؟ وأشباه هذه التنبيهات إن وفقت لذلك عثرت على علوم جمة إلهية
ممّا يختص بأهل الشقاء والنار، وهذا القدر في هذا الباب كاف، والله يقول الحق وهو يهدي
السبيل.
الباب الثالث والستون
في معرفة بقاء الناس في البرزخ بين الدنيا والبعث
[نظم: البسيط]
بين القيامة والدنيا لذي نّظَرٍ
تحوي علی حکم ما قد كان صاحبُها
لها على الكل أقدامٌ وسلطنةٌ
لها مجالٌ رحيبٌ في الوجود بلا
تقول للحق كنْ والحقُّ خالِقُها
مراتبٌ برزخياتٌ لها سُوَرُ
قبل الممات عليه اليوم فاعتبِرُوا
تبدي العجائبَ لا تُبْقي ولا تَذَرُ
تقَيُّدٍ وهي لا عينٌ ولا أثرُ
فكيف يخرج عن أحكامها بَشَرُ
٤٥٩
في المعارف / الباب الثالث والستون في معرفة بقاء الناس في البرزخ بين الدنيا والبعث
فيها الدلائلُ والإعجازُ والعبَرُ
فيها العلومُ وفيها كلُّ قاصمةٍ
ولا انقضى غرضٌ فينا ولا وطَرُ
لولا الخيالُ لكنا اليومَ في عدم
كأنّ سلطانَها إن كنت تعقلهاً
الشرعُ جاء به والعقلُ والنَّظَرُ
تنفكُ عن صور إلاَّ أتت صُوَرُ
من الحروف لها كافُ الصفاتِ فما
قولنا: كأنّ سلطانها برفع سلطانها أي سلطان الخيال هو عين كأنّ، وهو معنى
قوله {وَلَّ: ((اعْبُدِ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ)) فهي خبر وسلطانها مبتدأ، تقدير الكلام سلطان حضرة الخيال
من الألفاظ هو كأن .
اعلم أن البرزخ عبارة عن أمر فاصل بين أمرين لا يكون متطرفاً أبداً كالخط الفاصل بين
الظل والشمس، وكقوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلَْقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَتَغِيَانِ﴾ [سورة الرحمن: ١٩-٢٠]
ومعنى لا يبغيان أي لا يختلط أحدهما بالآخر، وإن عجز الحسّ عن الفصل بينهما، والعقل
يقضي أن بينهما حاجزاً يفصل بينهما فذلك الحاجز المعقول هو البرزخ، فإن أدرك بالحسّ
فهو أحد الأمرين ما هو البرزخ، وكل أمرين يفتقران إذا تجاورا إلى برزخ ليس هو عين
أحدهما وفيه قوّة كل واحد منهما. ولما كان البرزخ أمراً فاصلاً بين معلوم وغير معلوم، وبين
معدوم وموجود، وبين منفيّ ومثبت، وبين معقول وغير معقول، سميّ برزخاً اصطلاحاً وهو
معقول في نفسه وليس إلاَّ الخيال، فإنك إذا أدركته وكنت عاقلاً تعلم أنك أدركت شيئاً
وجودياً وقع بصرك عليه، وتعلم قطعاً بدليل أنه ما ثم شيء رأساً وأصلاً، فما هو هذا الذي
أثبت له شيئية وجودية ونفيتها عنه في حال إثباتك إياها؟ فالخيال لا موجود ولا معدوم ولا
معلوم ولا مجهول ولا منفيّ ولا مثبت، كما يدرك الإنسان صورته في المرآة يعلم قطعاً أنه
أدرك صورته بوجه، ويعلم قطعاً أنه ما أدرك صورته بوجه لما يرى فيها من الدقة إذا كان جرم
المرآة صغيراً ويعلم أن صورته أكبر من التي رأى بما لا يتقارب. وإذا كان جرم المرآة كبيراً
فيرى صورته في غاية الكبر ويقطع أن صورته أصغر ممّا رأى ولا يقدر أن ينكر أنه رأى
صورته، ويعلم أنه ليس في المرآة صورته ولا هي بينه وبين المرآة، ولا هو انعكاس شعاع
البصرة إلى الصورة المرئية فيها من خارج سواء كانت صورته أو غيرها، إذ لو كان كذلك
لأدرك الصورة على قدرها وما هي عليه. وفي رؤيتها في السيف من الطول أو العرض يتبين
لك ما ذكرنا، مع علمه أنه رأى صورته بلا شك فليس بصادق ولا كاذب في قوله إنه رأى
صورته ما رأى صورته .
فما تلك الصورة المرئية وأين محلها وما شأنها؟ فهي منفية ثابتة موجودة معدومة معلومة
مجهولة، أظهر الله سبحانه هذه الحقيقة لعبده ضرب مثال ليعلم ويتحقق أنه إذا عجز وحار في
درك حقيقة هذا وهو من العالم ولم يحصل عنده علم بحقيقته فهو بخالقها أعجز وأجهل وأشدّ
حيرة، ونبّهه بذلك أن تجليات الحق له أرق وألطف معنى من هذا الذي قد حارت العقول فيه
وعجزت عن إدراك حقيقته إلى أن بلغ عجزها أن تقول: هل لهذا ماهية أو لا ماهية له؟ فإنها
لا تلحقه بالعدم المحض وقد أدرك البصر شيئاً ما، ولا بالوجود المحض وقد علمت أنه ما ثم
٤٦٠
في المعارف/ الباب الثالث والستون في معرفة بقاء الناس في البرزخ بين الدنيا والبعث
شيء ولا بالإمكان المحض، وإلى مثل هذه الحقيقة يصير الإنسان في نومه وبعد موته، فيرى
الأعراض صوراً قائمة بنفسها تخاطبه ويخاطبها أجساداً لا يشك فيها، والمكاشف يرى في
يقظته ما يراه النائم في حال نومه والميت بعد موته، كما يرى في الآخرة صور الأعمال توزن
مع كونها أعراضاً، ويرى الموت كبشاً أملح يذبح والموت نسبة مفارقة عن اجتماع فسبحان
من يجهل فلا يعلم ويعلم فلا يجهل ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَبِزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٨].
ومن الناس من يدرك هذا المتخيل بعين الحسّ. ومن الناس من يدركه بعين الخيال وأعني في
حال اليقظة. وأمّا في النوم فبعين الخيال قطعاً .
فإذا أراد الإنسان أن يفرّق في حال يقظته حيث كان في الدنيا أو يوم القيامة فلينظر إلى
المتخيّل وليقيده بنظره، فإن اختلفت عليه أكوان المنظور إليه لاختلافه في التكوينات وهو لا
ينكر أنه ذلك بعينه ولا يقيده النظر عن اختلاف التكوينات فيه كالناظر إلى الحرباء في اختلاف
الألوان عليها فذلك عين الخيال بلا شك ما هو عين الحسّ، فأدركت الخيال بعين الخيال لا
بعين الحسّ، وقليل من يتفطن إلى هذا ممّن يدعي كشف الأرواح النارية والنورية إذا تمثلت
لعينه صوراً مدركة لا يدري بما أدركها هل بعين الخيال أو بعين الحسّ؟ وكلاهما أعني
الإدراكين بحاسة العين، فإنها تعطي الإدراك بعين الخيال وبعين الحسّ وهو علم دقيق أعني
العلم بالفصل بين العينين وبين حاسة العين وعين الحس، وإذا أدركت العين المتخيّل ولم
تغفل عنه ورأته لا تختلف عليه التكوينات ولا رأته في مواضع مختلفات معاً في حال واحدة
والذات واحدة لا يشك فيها ولا انتقلت ولا تحوّلت في أكوان مختلفة فتعلم أنها محسوسة لا
متخيلة، وأنه أدركها بعين الحسّ لا بعين الخيال، ومن هنا يعرف إدراك الإنسان في المنام ربّه
تعالى وهو منزَّه عن الصورة والمثال وضبط الإدراك إياه وتقييده، ومن هنا تعرف ما ورد في
الخبر الصحيح من كون الباري يتجلى في أدنى صورة من التي رأوه فيها، وفي تحوّله في
صورة يعرفونها وقد كانوا أنكروه وتعوّذوا منه فيعلم بأي عين تراه، فقد أعلمتك أن الخيال
يدرك بنفسه نريد بعين الخيال أو يدرك بالبصر، وما الصحيح في ذلك حتى نعتمد عليه ولنا في
ذلك : [المجتث]
بأيّ عينِ أراهُ
إذا تجلّى حبيبي
فـا يـراه سواء
بعينه لا بعـيـنـي
تنزيهاً لمقامه، وتصديقاً بكلامه فإنه القائل: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ [سورة الأنعام: الآية
١٠٣] ولم يخص داراً من دار، بل أرسلها آية مطلقة، ومسألة معينة محققة، فلا يدركه سواه،
فبعينه سبحانه أراه، وفي الخبر الصحيح: ((كُنْتُ بَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ)) فتيقظ أيها الغافل النائم
عن مثل هذا وانتبه، فلقد فتحت عليك باباً من المعارف لا تصل إليه الأفكار لكن تصل إلى
قبوله العقول، إمّا بالعناية الإلهية أو بجلاء القلوب بالذكر والتلاوة، فيقبل العقل ما يعطيه
التجلي، ويعلم أن ذلك خارج عن قوّة نفسه من حيث فكره، وأن فكره لا يعطيه ذلك أبداً،