النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
في المعارف / الباب الخامس والأربعون في معرفة من عاد بعد ما وصل ومن جعله يعود
وبارىء، أو صفة صفة كالشكور والحسيب، أو صفة تنزيه كالغنيّ، فيكون بحسب ما تعطيه
حقيقة ذلك الاسم، ومن ثم يكون مشربه، وذوقه، وريّه، ووجوده لا يتعدّاه فيكون الغالب
عليه عندنا في حاله ما تعطيه حقيقة ذلك الاسم الإلهيّ فتضيفه إليه وبه تدعوه فتقول: عبد
الشكور، وعبد الباري، وعبد الغنيّ، وعبد الجليل، وعبد الرزاق، وإن كان وصولهم إلى
اسم غير الاسم الذي أوصلهم فإنه يأتي بعلم غريب لا يعطيه حاله بحسب ما تعطيه حقيقة
ذلك الاسم فيتكلم بغرائب العلم في ذلك المقام، وقد يكون في ذلك العلم ما ينكره عليه من
لا علم له بطريق القوم، ويرى الناس أن علمه فوق حاله وهو عندنا أعلى من الذي وصل إلى
مشاهدة الاسم الذي أوصله، فإن هذا لا يأتي بعلم غريب لا يناسب حاله، فيرى الناس أن
علمه تحت حاله ودونه. يقول أبو يزيد البسطامي رضي الله عنه: العارف فوق ما يقول والعالم
تحت ما يقول، فبهذا قد حصرنا لك مراتب الواصلين، فمنهم من يعود، ومنهم من لا يعود.
ثم إن الراجعين على قسمين: منهم من يرجع اختياراً كأبي مدين، ومنهم من يرجع
اضطراراً مجبوراً كأبي يزيد لما خلع عليه الحق الصفات التي بها ينبغي أن يكون وارثاً وراثة
إرشاد وهداية خطا خطوة من عنده فغشي عليه فإذا النداء: ردّوا عليّ حبيبي فلا صبر له عني.
فمثل هذا لا يرغب في الخروج إلى الناس وهو صاحب حال. وأمّا العالي من الرجال وهم
الأكابر وهم الذين ورثوا من رسول الله وَ الر عبوديته فإن أمروا بالتبليغ فيحتالون في ستر
مقامهم عن أعين الناس ليظهروا عند الناس بما لا يعلمون في العادة أنهم من أهل الاختصاص
الإلهيّ، فيجمعون بين الدعوة إلى الله وبين ستر المقام، فيدعونهم بقراءة الحديث وكتب
الرقائق وحكايات كلام المشايخ حتى لا تعرفهم العامّة، إلاَّ أنهم نقلة لا أنهم يتكلمون عن
أحوالهم من مقام القربة، هذا إذا كانوا مأمورين ولا بدّ، وإن لم يكونوا مأمورين بذلك فهم مع
العامّة التي لم تزل مستورة الحال لا يعتقد فيهم خير ولا شرّ.
ثم إن من الرجال الواصلين من لا يكشف لهم عن العلم بالأسماء الإلهية التي تدبرهم،
ولكن لهم نظر إلى الأعمال المشروعة التي يسلكون بها وهي ثمانية: يد، ورجل، وبطن،
ولسان، وسمع، وبصر، وفرج، وقلب، ما ثم غير ذلك فهؤلاء يفتح لهم عند وصولهم في
عالم المناسبات فينظرون فيما يفتح لهم عند الوصول إلى الباب الذي قرعوه، فعندما يفتح لهم
يعرفون فيما يتجلّى لهم من الغيب أي باب ذلك الباب الذي فتح لهم، فإن كان المشهود لهم
يطلب اليد بمناسبة تظهر لهم كان صاحب يد، وإن كان يطلب البصر بمناسبة كان صاحب
بصر وهكذا جميع الأعضاء، ومن ذلك الجنس تكون كراماته إن كان ولياً ومعجزاته إن كان
نبياً، ومن ذلك الجنس تكون منازله ومعارفه كما أشار إلى ذلك رسول الله وسلامه فيمن يتوضأ
فيسبغ الوضوء ثمٍ يركع ركعتين لا يحدّث نفسه فيهما بشيء: ((فُتِحَتْ لَهُ الثَّمَانِيَةُ الأَبْوابُ مِنَ
الجَنَّةِ يَدْخِلُ مِنْ أَيُّها شَاءَ)) كذلك هذا الشخص يفتح له من أعمال أعضائه إذا كملت طهارته
وصفا سرّه، أيّ شيء كان مما تعطيه أعمال أعضائه المكلفة، وقد بينًا هذه المراتب العملية
على الأعضاء في كتاب مواقع النجوم.

٣٨٢
في المعارف / الباب السادس والأربعون في معرفة العلم القليل ومن حصله من الصالحين
ثم إن الله سبحانه يمدّهم من الأنوار بما يناسبهم وهي ثمانية من حضرة النور: فمنهم
من يكون إمداده من نور البرق وهو المشهد الذاتي وهو على ضربين: خلب وغير خلب، فإن
لم ينتج مثل صفات التنزيه فهو البرق الخلب، وإن أنتج ولا ينتج إلاَّ أمراً واحداً لأنه ليس لله
صفة نفسية سوى واحدة هي عين ذاته لا يصحّ أن تكون اثنان، فإن اتفق أن يحصل له من هذا
النور البرقيّ في بعض كشف تعريف إلهيّ لا يكون برق خلب. ومنهم من يكون إمداده من
حضرة النور نور الشمس. ومنهم من يكون إمداده من نور البدر. ومنهم من يكون إمداده من
نور القمر. ومنهم من يكون إمداده من نور الهلال. ومنهم من يكون إمداده من نور السراج.
ومنهم من يكون إمداده من نور النجوم. ومنهم من يكون إمداده من نور النار، وما ثم نور
أكثر. وقد ذكرنا مراتب هذه الأنوار في مواقع النجوم أيضاً، فيكون إدراكهم على قدر مراتب
أنوارهم، فتتميز المراتب بتمييز الأنوار، وتتميز الرجال بتمييز المراتب.
ومن الرجال الواصلين من ليس لهم معرفة بهذا المقام ولا بالأسماء الإلهية ولكن لهم
وصول إلى حقائق الأنبياء ولطائفهم، فإذا وصلوا فتح لهم باب من لطائف الأنبياء على قدر ما
كانوا عليه من الأعمال في وقت الفتح، فمنهم من يتجلّى له حقيقة موسى عليه السلام فيكون
موسويّ المشهد. ومنهم من يتجلّى له لطيفة عيسى وهكذا سائر الرسل فينسب إلى ذلك
الرسول بالوراثة، ولكن من حيث شريعة محمد # المقرّرة من شرع ذلك النبيّ الذي تجلّى
له، فيجد هذا الواصل أنه كان محققاً في عمله الموجب لفتحه من جهة ظاهره أو باطنه شرع
نبيّ متقدّم مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾ [سورة طه: الآية ١٤] فإنّ ذلك من شرع
موسى وقرّره الشارع لنا، فيمن خرج عنه وقت الصلاة بنوم أو نسيان فهؤلاء يأخذون من
الطائف الأنبياء عليهم السلام ولقينا منهم جماعة وليس لهؤلاء في الأنوار، ولا في الأعضاء،
ولا في الأسماء الإلهية ذوق ولا شرب ولا شرب، ومن الواصلين أيضاً إلى الله تعالى الوصول
الذي بيناه من يجمع الله له الجميع. ومنهم من يكون له من ذلك مرتبتان وأكثر على قدر رزقه
الذي قسّمه الله له منه، وكل إنسان من هؤلاء إذا ردّ إلى الخلق بالإرشاد والهداية لا يتعدّى
ذوقه في أي مرتبة كان، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب السادس والأربعون
في معرفة العلم القليل ومن حصله من الصالحين
[نظم: الكامل]
والكُثْرُ في المعلوم لا في ذاتِهِ
العلمُ بالأشياء علمٌ واحدٌ
متعدِّدٌ في ذاته وصفاتِهِ
والأشعريُّ يرى ويزعمُ أنهُ
ولَوَ أَنَّه من فكره وهِبَاتِهِ
إن الحقيقةَ قد أبتْ ما قاله
متوحّدٌ في عينه وسِماتِهِ
الحقُّ أبْلَجُ لا خفاءَ بأنه
قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٨٥] فكان شيخنا أبو

٣٨٣
في المعارف / الباب السادس والأربعون في معرفة العلم القليل ومن حصله من الصالحين
مدين يقول إذا سمع من يتلو هذه الآية: القليل أعطيناه ما هو لنا بل هو معار عندنا، والكثير
منه لم نصل إليه فنحن الجاهلون على الدوام. وقال من هذا الباب خضر لموسى عليه السلام
لما رأى الطائر الذي وقع على حرف السفينة ونقر في البحر بمنقاره: أتدري ما يقول هذا
الطائر في نقره في الماء؟ قال موسى عليه السلام: لا أدري. قال: يا موسى يقول هذا الطائر:
ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلاَّ ما نقص من هذا البحر منقاري، والمراد المعلومات
بذلك لا العلم، فإن العلم لو تعدّد أذى أن يدخل في الوجود ما لا يتناهى وهو محال فإنّ
المعلومات لا نهاية لها، فلو كان لكل معلوم علم لزم ما قلناه، ومعلوم أن الله يعلم ما لا
يتناهى فعلمه واحد، فلا بدّ أن يكون للعلم عين واحدة لأنه لا يتعلق بالمعلوم حتى يكون
موجوداً، وما هو ذلك العلم؟ هل هو ذات العالم أو أمر زائد؟ في ذلك خلاف بين النظار في
علم الحق سبحانه، ومعلوم أنّ علم الله متعلق بما لا يتناهى فبطل أن يكون لكل معلوم علم،
وسواء زعمت أن العلم عين ذات العالم أو صفة زائدة على ذاته، إلاَّ أن تكون ممّن يقول في
الصفات أنها نسب، وإن كنت ممّن يقول: إنّ العلم نسبة خاصة فالنسب لا تتصف بالوجود
نعم ولا بالعدم كالأحوال، فيمكن على هذا أن يكون لكل معلوم علم، وقد علمنا أن
المعلومات لا تتناهى، فالنسب لا تتناهى ولا يلزم من ذلك محال، كحدوث التعلقات عند ابن
الخطيب، والاسترسال عند إمام الحرمين.
وبعد أن فهمت ما قررناه في هذه المسألة فقل بعد ذلك ما شئت من نسبة الكثرة للعلم
والقلة، فما وصف الله العلم بالقلة إلاَّ العلم الذي أعطى الله عباده وهو قوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ﴾
أي أعطيتم فجعله هبة. وقال في حق عبده خضر: ﴿وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَا عِلْمًا﴾ [سورة الكهف: الآية
٦٥] وقال: علّم القرآن. فهذا كله يدلّك على أنه نسبة لأن الواحد في ذاته لا يتصف بالقلة ولا
بالكثرة لأنه لا يتعدد وبهذا نقول: إن الواحد ليس بعدد وإن كان العدد منه ينشأ، ألا ترى أن
العالم وإن استند إلى الله ولم يلزم أن يكون الله من العالم كذلك الواحد، وإن نشأ منه العدد
فإنه لا يكون بهذا من العدد، فالوحدة للواحد نعت نفسي لا يقبل العدد وإن أضيف إليه، فإن
كان العلم نسبة فإطلاق القلة والكثرة عليه إطلاق حقيقي، وإن كان غير ذلك فإطلاق القلة
والكثرة عليه إطلاق مجازي، وكلام العرب مبني على الحقيقة والمجاز عند الناس وإن كنا قد
خالفناهم في هذه المسألة بالنظر إلى القرآن فإنا ننفي أن يكون في القرآن مجاز بل في كلام
العرب، وليس هذا موضع شرح هذه المسألة، والذي يتعلق بهذا الباب علم الوهب لا علم
الكسب، فإنه لو أراد الله العلم المكتسب لم يقل: ﴿أُوْتِيتُم﴾ بل كان يقول: أوتيتم الطريق إلى
تحصيله لا هو، وكان يقول في خضر: وعلمناه طريق اكتساب العلوم لم يقل شيئاً من هذا،
ونحن نعلم أن ثم علماً اكتسبناه من أفكارنا ومن حواسنا، وثم علماً لم نكتسبه بشيء من عندنا
بل هبة من الله عزّ وجلّ أنزله في قلوبنا وعلى أسرارنا فوجدناه من غير سبب ظاهر وهي مسألة
دقيقة، فإنّ أكثر الناس يتخيّلون أنّ العلوم الحاصلة عن التقوى علوم وهب وليست كذلك،
وإنما هي علوم مكتسبة بالتقوى، فإنّ التقوى جعلها الله طريقاً إلى حصول هذا العلم فقال:

٣٨٤
في المعارف/ الباب السادس والأربعون في معرفة العلم القليل ومن حصله من الصالحين
﴿إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [سورة الأنفال: الآية ٢٩] وقال: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهُ وَيُعَلِمُكُمُ اللَّهُ﴾
[سورة البقرة: الآية ٢٨٢] كما جعل الفكر الصحيح سبباً لحصول العلم لكن بترتيب المقدمات،
كما جعل البصر سبباً لحصول العلم بالمبصرات.
والعلم الوهبي لا يحصل عن سبب بل من لدنه سبحانه، فاعلم ذلك حتى لا تختلط
عليك حقائق الأسماء الإلهية، فإنّ الوهاب هو الذي تكون أعطياته على هذا الحدّ، بخلاف
الاسم الإلهيّ الكريم والجواد والسخيّ فإنه من لا يعرف حقائق الأمور لا يعرف حقائق
الأسماء الإلهية، ومن لا يعرف حقائق الأسماء الإلهية لا يعرف تنزيل الثناء على الوجه اللائق
به فلهذا نبّهتك لتنتبه ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٣٥] فالنبوّات كلها علوم وهبية
لأن النبوّة ليست مكتسبة، فالشرائع كلها من علوم الوهب عند أهل الإسلام الذين هم أهله،
وأريد بالاكتساب في العلوم ما يكون للعبد فيه تعمل، كما أن الوهب ما ليس للعبد فيه تعمل،
وإنما قلنا هذا من أجل الاستعدادات التي جعلت العالم يقبل هذا العلم الوهبي والكسبي فإنه
لا بدّ من الاستعداد، فإن وجد بعض الاستعدادات ممّا يتعمّل الإنسان في تحصيلها كان العلم
الحاصل عنها مكتسباً كمن عمل بما علم، فأورثه الله علم ما لم يكن يعلم وأشباه ذلك،
فالشرائع كلها علوم وهبية، وممّن حصل علوم وهب ممّا ليس بشرع جماعة قليلة من الأولياء
منهم الخضر على التعيين فإنه قال: ﴿مِّن لَُّنْهُ﴾ [سورة الكهف: الآية ٢] والذي عرفناه من الأنبياء
عليهم السلام آدم وإلياس وزكريا ويحيى وعيسى وإدريس وإسماعيل وإن كان قد حصله جميع
الأنبياء عليهم السلام، ولكن ما ذكرنا منهم إلاَّ من حصل لنا التعريف به وسمّوا لنا من الوجه
الذي نأخذ عن الله تعالى منه، فلهذا سمّينا هؤلاء ولم نذكر غيرهم.
فأمّا قوله تعالى: ﴿وَمَآ أُوتِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ فليس بنص في الوهب ولكن له
وجهان: وجه يطلبه أوتيتم، ووجه يطلبه قليلاً من الاستقلال، أي ما أعطيتم من العلم إلاَّ ما
تستقلون بحمله وما لا تطيقونه ما أعطيناكموه فإنكم ما تستقلون به، فيدخل في هذا العطاء
علوم النظر فإنها علوم تستقل العقول بإدراكها واختلف أصحابنا في العلم المحدث هل يتعلق
بما لا يتناهى من المعلومات أم لا؟ فمن منع أن تعرف ذات الله منع من ذلك، ومن لم يمنع
من ذلك لم يمنع حصوله، ولكن ما نقل إلينا أنه حصل لأحد في الدنيا وما أدري في الآخرة
ما يكون، فإنا قد علمنا أن محمداً وَ ل﴿لقد علم علم الأوّلين والآخرين وقد قال اَل عن
نفسه: إنه يحمد الله غداً يوم القيامة بمحامد عندما يطلب من الله عزّ وجلّ فتح باب الشفاعة
أخبر أنّ الله تعالى يعلمه إياها في ذلك الوقت لا يعلمها الآن، فلو علمها غيره لم يصدق
قوله: ((عَلِمْتُ عِلْمَ الأَوَّلِينَ والآخِرِينَ)) وهو ◌َّ الصادق في قوله، فحصل من هذا أنّ أحداً لم
يتعلق علمه بما لا يتناهى، ولهذا ما تكلم الناس إلاَّ في إمكانه هل يمكن أم لا؟ وما كل ممكن
واقع، ووقوع الممكنات من المسائل المغلقة، وكيف يكون؟ ثم ممكن ولا يقع وهو المعقول
عندنا في كل وقت، فإن ترجيح أحد الممكنين أو الممكنات يمنع من وقوع ما ليس بمرجح
في الحال، فإن كان الذي لم يقع في الوجود من الممكنات مرجحاً عدم وقوعه في الوجود

٣٨٥
في المعارف / الباب السابع والأربعون في معرفة أسرار وصف المنازل السفلية ومقاماتها
فيكون عدمه مرجحاً فقد وقع الممكن، فإنه لا يلزم فيه من حيث الإمكان إلاَّ اتصافه بكونه
مرجحاً سواء ترجح عدمه أو وجوده، وإذا كان كذلك فقد وقع كل ممكن بلا شك وإن لم
تتناه الممكنات فإن الترجيح ينسحب عليها وهي مسألة دقيقة، فإن الممكنات وإن كانت لا
تتناهى وهي معدومة فإنها عندنا مشهودة للحق عزّ وجلّ من كونه يرى، فإنا لا نعلّل الرؤية
بالوجود، وإنما نعلّل الرؤية للأشياء بكون المرئيّ مستعدّاً لقبول تعلّق الرؤية به سواء كان
معدوماً أو موجوداً، وكل ممكن مستعدّ للرؤية، فالممكنات وإن لم تتناه فهي مرئية الله عزّ
وجلّ لا من حيث نسبة العلم بل من نسبة أخرى تسمى رؤية كانت ما كانت، قال تعالى:
﴿أَ يَعْلَم ◌ِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [سورة العلق: الآية ١٤] ولم يقل هنا: ألم يعلم بأن الله يعلم، وقال: ﴿تَجْرِى
بِأَعْيُنَا﴾ [سورة القمر: الآية ١٤] أي بحيث نراها. وقال أيضاً لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِى مَعَكُمَاً
أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [سورة طُه: الآية ٤٦] والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. انتهى الجزء الرابع
والعشرون.
(الجزء الخامس والعشرون)
بِسْمِ الَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمَةِ
الباب السابع والأربعون
في معرفة أسرار وصف المنازل السفلية ومقاماتها، وكيف يرتاح العارف
عند ذكره بدايته فيحنّ إليها مع علوّ مقامه، وما السرّ الذي يتجلّى له حتى يدعوه إلى ذلك؟
[نظم: الطويل]
أتيتُ إلى بحر البداية أَغْترِفْ
فيشهدني في غاية الحال أعترف
على كَبدٍ حرَّاء فاعمل لها وقِفْ
ترى ربّها في الوقت بالعجب يتَّصِفْ
ولا ما يرى فيه من الزهو والصَّلَفْ
فما خلف إلاَّ ومثل لها سَلَفْ
بأسماءِ حقٌّ بالحقيقة مكْتَنَفْ
لقوم أتوا من بعدهم ما لهم خَلَفْ
له خَلَفٌ بل عنده الأمر قد وقَفْ
ولما رأيتُ الحقَّ بالأول اتَّصَفْ
بلذَّة ظمآن لأشربَ شُرْبَةً
فيا بردَها من شُربة مُسْتَلذّة
فإن لذاك الشُّرب في القلب لَذَّةً
ولا يحجبَنْهُ عُجْبُه عن شهوده
فإن له فيمن تقدّم أُسْوَةٌ
ورَاثَةُ مختار ونَعْتُ محقّقٍ
وإن نهاياتِ الرجال بدايةٌ
كمثل رسول الله في طوره فما
اعلم أن العالم لما كان أكريّ الشكل لهذا حنّ الإنسان في نهايته إلى بدايته، فكان
خروجنا من العدم إلى الوجود به سبحانه وإليه نرجع كما قال عزّ وجلّ: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ
كُلُّهُ﴾ [سورة هود: الآية ١٢٣] وقال: ﴿وَأَثَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨١]
وقال: ﴿وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [سورة المائدة: الآية ١٨] ﴿ وَإِلَى اللَّهِ عَلِقِبَةُ اُلْأُمُورِ﴾ [سورة لقمان: الآية ٢٢] ألا
الفتوحات المكية ج١ - م٢٥

٣٨٦
في المعارف/ الباب السابع والأربعون في معرفة أسرار وصف المنازل السفلية ومقاماتها
تراك إذا بدأت وضع دائرة فإنك عندما تبتدىء بها لا تزال تديرها إلى أن تنتهي إلى أولها
وحينئذ تكون دائرة، ولو لم يكن الأمر كذلك لكنا إذا خرجنا من عنده خطاً مستقيماً لم نرجع
إليه ولم يكن يصدق قوله وهو الصادق: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٤٥] وكل أمر
وكل موجود فهو دائرة يعود إلى ما كان منه بدؤه، وأنّ الله تعالى قد عيّن لكل موجود مرتبته
في علمه. فمن الموجودات من خلقت في مراتبها ووقفت ولم تبرح فلم يكن لها بداية ولا
نهاية بل يقال: وجدت فإن البدء ما تعقل حقيقته إلاَّ بظهور ما يكون بعده مما ينتقل إليه وهذا
ما انتقل، فعين بدئه هو عين وجوده لا غير، ومن الموجودات ما كان وجودها أولاً في مراتبها
ثم نزل بها إلى عالم طبيعتها، وهي الأجسام المولدة من العناصر ولا كلها بل أجسام الثقلين،
وأقام الله لها في تلك المرتبة المعينة لها التي أنزلت منها على غير علم منها بها داعياً يدعو كل
شخص إليها، فلا يزال يرتقي بالأعمال الصالحة حتى يصل إليها أو يطلبها بالأعمال التي لا
يرتضيها الحق، فداعي الحق إذا قام بقلب العبد إنما يدعوه من مقامه الذي تكون غايته إليه إذا
سلك، ولما كان كل وارد ملذوذاً لذيذاً فإنه جديد غريب لصيف لهذا يحنّ إليه دائماً ومن ذلك
حبّ الأوطان، قال ابن الروميّ: [الطويل]
مآربُ قضَّاها الشبابُ هنالكًا
وحبَّبَ أوطانَ الرجال إليهِمُو
إذا ذكروا أوطانهم ذكَّرَتْهُمُو
عهودَ الصبى فيها فحثّوا لذلكًا
ولما لم يتمكن للتائب أن يرد عليه وارد التوبة إلاَّ حتى ينتبه من سنة الغفلة فيعرف ما هو
فيه من الأعمال التي مآلها إلى هلاكه وعطبه، خاف ورأى أنه في أسر هواه وأنه مقتول بسيف
أعماله القبيحة، فقال له حاجب الباب: قد رسم الملك أنك إذا أقلعت عن هذه المخالفات
ورجعت إليه ووقفت عند حدوده ومراسمه أنه يعطيك الأمان من عقابه ويحسن إليك، ويكون
من جملة إحسانه أن كلّ قبيح أتيته تردّ صورته حسنة ثم أعطاه التوقيع الإلهيّ فإذا فيه مكتوب :
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اَللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِىِ حَرَّمَ اَللَّهُ
إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ، مُهَانًا
إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَكَ يُبَدِّلُ اَللَّهُ سَبِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [سورة الفرقان: ٦٨-
٦٩ - ٧٠] ولما قرأ وحشي هذا التوقيع قال: ومن لي بأن أوفق إلى العمل الصالح الذي اشترطه
علينا في التبديل؟ فجاء في الجواب توقيع آخر فيه مكتوب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ،
وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [سورة النساء: الآية ٤٨] فقال وحشيّ: ما أدري هل أنا ممّن شاء أن
يغفر له أم لا؟ فجاء في الجواب توقيع ثالث فيه مكتوب: ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا
نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الَّهَّ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة الزمر: الآية ٥٣] فلما
قرأ وحشي هذا التوقيع قال الآن فأسلم.
رجعنا إلى التوقيع الأول فنقول: فلما قرأ هذا التوقيع الصادق الذي: ﴿لَّ يَأْتِهِ
الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [سورة فصلت: الآية ٤٢] قال له حاجب

٣٨٧
في المعارف/ الباب السابع والأربعون في معرفة أسرار وصف المنازل السفلية ومقاماتها
الباب وهو الشارع: إن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، فلما ورد عليه هذا الأمان
عقيب ذلك الخوف الشديد وجد للأمان حلاوة ولذّة لم يكن يعرفها قبل ذلك، وقد قيل
في ذلك أحلى من الأمن عند الخائف الوجل، فعندما يحصل له طعم هذه اللذة وشرع
في الأعمال الصالحة وتطهر محله واستعدّ لمجالسة الملك فإنه يقول: أنا جليس من
ذكرني وتقوّت معرفته به سبحانه وعلم ما يستحقه جلاله وعلم قدر من عصاه استحيا كلّ
الحياء وذهبت لذته التي وجدها عند ورود وارد توبته عليه واطلع ورأى الحضرة الإلهية
تطالبه بالأدب والشكر على ما أولاه من النعم، فيكثر همّه وغمّه وتنتفي لذاته، ولهذا ترى
العلماء بالله لا يرون في نومهم ما يراه المريدون أصحاب البدايات من الأنوار، فإنّ
المبتدىء يستحضر مستحسنات أعماله وأحواله فيرى نتائجها، والعالمون ينامون على رؤية
تقصير وتفريط لما يستحقه الجناب العالي، فلا يرى في النوم إلاَّ ما يهمهم من ظلمات
ورعد وبرق وكل أمر مخوف فإن النوم تابع للحسّ.
ولما كانت النفس بطبعها تحبّ الأمور الملذوذة وقد فقدت لذة التوبة في حال معرفتها
ونهايتها لذلك حنت إلى بدايتها من أجل ما اقترن بذلك الموطن من اللذة مع علوّ مقامه،
ويكون هذا الحنان استراحة لهمّه وغمّه الذي أعطته معرفته بالله، فهو مثل الذي يلتذّ بالأمانيّ،
فهذا سبب حنين أصحاب النهايات إلى بدايتهم.
وأمّا المنازل السفلية فهي ما تعطيه الأعمال البدنية من المقامات العلوية كالصلاة
والجهاد والصوم وكلّ عمل حسيّ، وما تعطيه أيضاً الأعمال النفسية وهي الرياضات من
تحمّل الأذى والصبر عليه والرضى بالقليل من ملذوذات النفوس والقناعة بالموجود وإن لم
تكن به الكفاية وحبس النفس عن الشكوى، فإنّ كلّ عمل من هذه الأعمال الرياضية
والمجاهدات له نتائج مخصوصة، ولكلّ عمل حال ومقام، وقد أبان عن بعض ذلك الشارع
ليستدلّ بما ذكره على ما سكت عنه من حيث اختلاف النتائج لاختلاف الصفات، وتعريفاً بأن
النوافل من كلّ عبادة مفروضة صفتها من صفة فريضتها ولهذا تكمل له منها إذا كانت فريضته
ناقصة. ورد في الحديث الصحيح عن رسول الله وَّمَ أنه قال: ((أَوَّلُ مَا يُنْظَرُ فِيهِ مِنْ عَمَل
العَبْدِ الصَّلاةُ فَيَقُولُ اللَّهُ: انْظُرُوا فِي صَلاَةِ عَبْدِي أَتَمَّها أَمْ نَقْصَهَا؟ فَإِنْ كَانَتْ تَامَّةٌ كُتِبَتْ لَهُ تَامَّةٌ،
وَإِنْ كَانَ انتقَصَ مِنْهَا شَيْئاً قَالَ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعَ؟ فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوِعْ قَالَ: أَكْمِلوا
لِعَبْدِيَ فَرِيضَتَهُ مِنْ تَطَوُّعِهِ، ثُمَّ تُؤْخَذُ الأَعْمَالُ عَلَى ذَاكم)) .
وأمّا الحديث الآخر في صفات العبادات فإنه ورد في الصحيح أنّ رسول الله وَلَّه قال:
«الصَلاَةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِياءٌ، والقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيكَ كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو
فَبَائِعُ نَفْسِهِ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُها)) فجعل النور للصلاة، والبرهان للصدقة وهي الزكاة، والضياء
للصوم والحج وهو المعبر عنه بالصبر لما فيها من المشقة للجوع والعطش وما يتعلق بأفعال

٣٨٨
في المعارف/ الباب السابع والأربعون في معرفة أسرار وصف المنازل السفلية ومقاماتها
الحج ، وجعل لا إله إلاَّ الله في خبر آخر لا يزنها شيء، ونوافل كل فريضة من هذه الفرائض
من جنسها فصفتها كصفتها، ثم أدخل في قوله: كلّ الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها وهو الذي
باعها من الله قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [سورة التوبة: الآية ١١١] أو
موبقها وهو الذي اشترى ﴿الضَّلَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٧٥] فعمٌ
بقوله: (كل الناس يغدو فبائع نفسه) جميع أحكام الشريعة نافلتها وفريضتها ومباحها
ومكروهها، فما من عبادة شرعها الله تعالى لعباده إلاَّ وهي مرتبطة باسم إلهيّ أو حقيقة إلهية،
من ذلك الاسم يعطيه في عبادته تلك ما يعطيه في الدنيا في قلبه من منازله وعلومه ومعارفه،
وفي أحواله من كراماته وآياته، وفي آخرته في جناته في درجاته ورؤية خالقه في الكثيب في
جنة عدن خاصة في مراتبه، وقد قال الله عزّ وجلّ في المصلي إنه يناجيه وهو نور فيناجيه الله
تعالى من اسمه النور لا من اسم آخر، فكما أنّ النور ينفر كل ظلمة كذلك الصلاة تقطع كل
شغل، بخلاف سائر الأعمال فإنها لا تعم ترك كلّ ما سواها مثل الصلاة فلهذا كانت نوراً
يبشره الله بذلك أنه إذا ناجاه من اسمه النور انفرد به وأزال كلّ كون بشهوده عند مناجاته، ثم
شرعها في المناجاة سرّاً وجهراً ليجمع له فيها بين الذكرين: ذكر السرّ وهو الذكر في نفسه،
وذكر العلانية وهو الذكر في الملأ، العبد في صلاته يذكر الله في ملأ الملائكة ومن حضر من
الموجودات السامعين وهو ما يجهر به من القراءة في الصلاة، قال الله تعالى في الخبر الثابت
عنه: ((إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلٍ خَيْرٍ مِنْهُ)) قد يريد
بذلك الملائكة المقرّبين الكروبيين خاصة الذين اختصّهم لحضرته، فلهذا الفضل شرع لهم في
الصلاة الجهر بالقراءة والسرّ، فكلّ عبد صلّى ولم تزل عنه صلاته كل شيء دونها فما صلّى
وما هي نور في حقّه، وكل من أسرّ القراءة في نفسه ولم يشاهد ذكر الله له في نفسه فما أسرّ،
فإنه وإن أسرّ في الظاهر وأحضر في نفسه ما أحضره من الأكوان من أهل وولد وأصحاب من
عالم الدنيا وعالم الآخرة وأحضر الملائكة في خاطره فما أسرّ في قراءته ولا كان ممّن ذكر الله
في نفسه لعدم المناسبة، فإنّ الله إذا ذكر العبد في نفسه لم يطلع أحد من المخلوقين على ما
في نفس الباري من ذكره عبده، كذلك ينبغي أن يكون العبد فيما أسرَّه، فإنه ما يناجي في
صلاته إلاَّ ربّه في حال قراءته وتسبيحاته ودعائه، وكذلك إذا ذكره في ملأ في ظاهره وفي
باطنه، فأما في ظاهره فبيّن، وأما في باطنه فما يحضر معه في نفسه من المخلوقين وهو ما
يجهر به من القراءة في الصلاة والتسبيحات والدعاء.
ثم إنه ليس في العبادات ما يلحق العبد بمقامات المقرّبين وهو أعلى مقام أولياء الله من
ملك ورسول ونبيّ ووليّ ومؤمن إلاَّ الصلاة، قال تعالى: ﴿وَأَسْجُدْ وَأَقْتَّبِ﴾ [سورة العلق: الآية
١٩]. فإنّ الله في هذه الحالة يباهي به المقرّبين من ملائكته وذلك أنه يقول لهم: يا ملائكتي أنا
قرّبتكم ابتداء وجعلتكم من خواص ملائكتي، وهذا عبدي جعلت بينه وبين مقام القربة حجباً
كثيرة وموانع عظيمة من أغراض نفسية وشهوات حسيّة وتدبير أهل ومال وولد وخدم
وأصحاب وأهوال عظام فقطع كل ذلك وجاهد حتى سجد واقترب فكان من المقرّبين،

٣٨٩
في المعارف/ الباب السابع والأربعون في معرفة أسرار وصف المنازل السفلية ومقاماتها
فانظروا ما خصصتكم به يا ملائكتي من شرف المقام حيث ما ابتليتكم بهذه الموانع ولا
كلفتكم مشاقها، فاعرفوا قدر هذا العبد وراعوا له حق ما قاساه في طريقه من أجلي، فيقول
الملائكة يا ربنا لو كنّا ممّن يتنعم بالجنان وتكون محلاً لإقامتنا ألست كنت تعيّن لنا فيه منازل
تقتضيها أعمالنا، ربنا نحن نسألك أن تهبها لهذا العبد فيعطيه الله ما سألته فيه الملائكة،
فانظروا ما أشرف الصلاة وأفضل ما فيها ذكر الله من الأقوال والسجود من الأفعال، ومن
أقوالها: سمع الله لمن حمده فإنه من أفضل أحوال العبد في الصلاة للنيابة عن الحق، فإنّ الله
قال على لسان عبده: سمع الله لمن حمده، يقول تعالى: ﴿إِنَ الصَّلَوَةَ تَنْهَى عَنِ
الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِّ﴾ [سورة العنكبوت: الآية ٤٥] الظاهر للتحريم والتحليل الذي فيها ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ
أَكْبَرٌ﴾ [سورة العنكبوت: الآية ٤٥] يعني فيها من أفعالها.
وينبغي للمحقق أنه لا يذكر الله إلاَّ بالأذكار الواردة في القرآن حتى يكون في ذكره تالياً،
فيجمع بين الذكر والتلاوة معاً في لفظ واحد فيحصل على أجر التالين والذاكرين أعني
الفضيلة، فيكون فتحه في ذلك من ذلك القبيل، وعلمه، وسرّه، وحاله، ومقامه، ومنزله،
وإذا ذكره من غير أن يقصد الذكر الوارد في القرآن فهو ذاكر لا غير، فينقصه من الفضيلة على
قدر ما نقصه من القصد ولو كان ذلك الذكر من القرآن غير أنه لم يقصده، وقد ثبت أن
الأعمال بالنيات وإنما لامرىء ما نوى، فينبغي لك إذا قلت: لا إله إلاَّ الله أن تقصد بذلك
التهليل الوارد في القرآن مثل قوله تعالى: ﴿فَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [سورة محمد: الآية ١٩]
وكذلك التسبيح والتكبير والتحميد، وأنت تعلم أنّ أنفاس الإنسان نفيسة والنفس إذا مضى لا
يعود، فينبغي لك أن تخرجه في الأنفس والأعز، فهذا قد نبهتك على نسبة النورية من
الصلاة، وأما اقتران البرهان بالصدقة فهو أن الله تعالى جبل الإنسان على الشحّ وقال: ﴿إِنَّ
اُلْإِنِسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [سورة المعارج: الآية ١٩] يعني في أصل نشأته ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ
الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [سورة المعارج: الآيتان ٢٠ - ٢١] وقال: ﴿وَمَن يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ﴾ [سورة الحشر: الآية ٩]
فنسب الشحّ لنفس الإنسان، وأصل ذلك أنه استفاد وجوده من الله، ففطر على الاستفادة لا
على الإفادة، فما تعطي حقيقته أن يتصدّق، فإذا تصدّق كانت صدقته برهاناً، على أنه قد وقي
شحّ نفسه الذي جبله الله عليه فلذلك قال: الصدقة برهان.
ولما كانت الشمس ضياء يكشف به كل ما تنبسط عليه لمن كان له بصر، فإنّ
الكشف إنما يكون بضياء النور لا بالنور، فإن النور ما له سوى تنفير الظلمة وبالضياء يقع
الكشف، وأن النور حجاب كما هي الظلمة حجاب، قال رسول الله مَ ◌ّ في حق ربّه
تعالى: ((حِجَابُهُ النُّورُ)). وقال: ((إِنَّ اللَّهِ سَبْعِينَ حِجَاباً مِنْ نُورٍ وَظُلْمَةٍ أَوْ سَبْعِينَ أَلْفاً)).
وقيل له وَ ل: ((أَرَأَيْتَ رَبَّكَ؟ فقالَ وََّ: ((نُورٌ أنّى أَرَاهُ)). فجعل الصبر الذي هو الضوء
والحج ضياء، أي يكشف به إذا كنت متلبساً به ما تعطيه حقيقة الضوء من إدراك الأشياء،
قال رسول الله وَّل عن ربّه تعالى إنه قال: ((كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدَمَ لَهُ إِلاَّ الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا

٣٩٠
في المعارف/ الباب السابع والأربعون في معرفة أسرار وصف المنازل السفلية ومقاماتها
أَجْزِي بِهِ)). وقال ◌َ له الرجل: ((عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لاَ مِثْلَ لَهُ)). وقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ،
شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] فالصوم صفَة صمدانية وهو التنزّه عن التغذي وحقيقة
المخلوق التغذي، فما أراد العبد أن يتصف بما ليس من حقيقته أن يتصف به وكان
اتصافه به شرعاً لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾
[سورة البقرة: الآية ١٨٣] قال الله له: الصوم لي لا لك أي أنا هو الذي لا ينبغي لي أن أطعم
وأشرب، وإذا كان بهذه المثابة وكان سبب دخولك فيه كوني شرعته لك فأنا أجزي به، كأنه
يقول: وأنا جزاؤه لأن صفة التنزّه عن الطعام والشراب تطلبني وقد تلبست بها وما هي
حقيقتك وما هي لك وأنت متصف بها في حال صومك فهي تدخلك عليّ فإن الصبر حبس
النفس وقد حبستها بأمري عمّا تعطيه حقيقتها من الطعام والشراب فلهذا قال: ((لِلصَّائِم فَرْحَتَانِ
فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ) وتلك الفرحة لروحه الحيوانيّ لا غير، ((وَفَرْحَة عِندَ لِقَاء ربّه)) وتلكَ الفرحة
لنفسه الناطقة أي لطيفته الربانية، فأورثه الصوم لقاء الله وهو المشاهدة، فكان الصوم أتمّ من
الصلاة لأنه أنتج لقاء الله ومشاهدته.
والصلاة مناجاة لا مشاهدة والحجاب يصحبها فإنّ الله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ
اَللَّهُ إِلَّا وَحْيَا أَوْ مِن وَرَآٍ حِجَابٍ﴾ [سورة الشورى: الآية ٥١]. وكذلك: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى﴾ [سورة
النساء: الآية ١٦٤]، ولذلك طلب الرؤية، فقرن الكلام بالحجاب، والمناجاة مكالمة يقول الله :
((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل. يقول
العبد: الحمد لله ربّ العالمين، يقول الله: حمدني عبدي)). والصوم لا ينقسم فهو لله لا للعبد
بل للعبد أجره من حيث ما هو لله، وهنا سرّ شريف فقلنا: إن المشاهدة والمناجاة لا يجتمعان
فإن المشاهدة للبهت والكلام للفهم، فأنت في حال الكلام مع ما يتكلم به لا مع المتكلم أيّ
شيء كان فافهم القرآن تفهم الفرقان، فبهذا قد حصل لك الفرق بين الصلاة والصوم
والصدقة. وأمّا قولنا: إنّ الله جزاء الصائم للقائه ريّه في الفرح به الذي قرنه به فسّر ذلك في
قوله في سورة يوسف: ﴿مَن وُجِدَ فِ رَحْلِهِ، فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ [سورة يوسف: الآية ٧٥].
وأمّا الحج فلما فيه من الصبر وهو حبس الإنسان نفسه عن النكاح ولبس المخيط
والصفرة كما حبس الإنسان نفسه عن الطعام في الصوم والشراب والنكاح، ولما لم يعم
الحج مسك الإنسان نفسه عن الطعام والشراب إلاَّ عن النكاح والغيبة لذلك تأخّر في
القواعد التي بني الإسلام عليها فكان حكمه حكم للصائم، والمصلي حال صومه وصلاته
في التنزّه عن مباشرة السكن وذلك التنزّه، يقول الله: هو لي لا لك حيث كان. ولما كان
النكاح سبباً لظهور المولدات من ذلك أعطاه الله إذ تركه من أجله بدله: كن، في الآخرة
ولأوليائه في الدنيا بسم الله لمن أراد الله أن يظهر على يده أثراً فيقول العبد في الآخرة
للشيء يريده: كن فيكون ذلك الشيء، وليس قوله إلاَّ من كونه حاجاً أو صائماً، ولهذا
شرك بين الحج والصوم في لفظة الصبر فقال: والصبر ضياء هذا وإن لم يكن فيه صوم

٣٩١
في المعارف / الباب السابع والأربعون في معرفة أسرار وصف المنازل السفلية ومقاماتها
واجب، فإن ترك الطعام فيه لشغله بالدعاء في ذلك اليوم من الظهر وهو السنة في ذلك
اليوم في ذلك الموضع للحاج خاصة فالمشتغل فيه لا شك أن الجوع جوع العادة يلزمه،
والطائفة تسمّي الجوع في الموتات الأربعة: الموت الأبيض وهو مناسب للضياء فإنّ لأهل
الله أربع موتات: موت أبيض وهو الجوع، وموت أحمر وهو مخالفة النفس في هواها،
وموت أخضر وهو طرح الرقاع في اللباس بعضها على بعض، وموت أسود وهو تحمّل
أذى الخلق بل مطلق الأذى. وإنّما سمّيت لبس المرقعات موتاً أخضر لأن حالته حالة
الأرض في اختلاف النبات فيه والأزهار فأشبه اختلاف الرقاع. وأما الموت الأسود لاحتمال
الأذى فإن في ذلك غمّ النفس والغمّ ظلمة النفس والظلمة تشبه في الألوان السواد. والموت
الأحمر مخالفة النفس شبيه بحمرة الدم فإنه من خالف هواه فقد ذبح نفسه، وسيأتي إن شاء الله
في هذا الكتاب أبواب مفردات في شهادة التوحيد، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وهي
قواعد الإسلام التي بني عليها، ومن أراد أن يعرف من أسرار الصلاة شيئاً وما تنتج كل صلاة من
المعارف ومالها من الأرواح النبوية والحركات الفلكية فلينظر في كتابنا المسمّى بالتنزلات
الموصلية وهذا القدر في هذا الباب كاف في المقصود، ولنذكر بعض أسرار من المعارف كما
ترجمنا عليه بطريق الإيجاز.
فصل، بل وصل - سرّ إلهيّ :
قالت الملائكة: ﴿وَمَا مِنَّ إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُوٌ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٦٤] وهكذا كل موجود
ما عدا الثقلين، وإن كان الثقلان أيضاً مخلوقين في مقامهما، غير أن الثقلين لهما في علم الله
مقامات معينة مقدّرة عنده غيّبت عنهما إليها ينتهي كل شخص منهما بانتهاء أنفاسه، فآخر نفس
هو مقامه المعلوم الذي يموت عليه ولهذا دعوا إلى السلوك، فسلكوا علواً بإجابة الدعوة
المشروعة، وسفلاً بإجابة الأمر الإراديّ من حيث لا يعلمون إلاَّ بعد وقوع المراد، فكلّ
شخص من الثقلين ينتهي في سلوكه إلى المقام المعلوم الذي خلق له ومنهم شقي وسعيد،
وكل موجود سواهما فمخلوق في مقامه فلم ينزل عنه فلم يؤمر بسلوك إليه لأنه فيه من ملك
وحيوان ونبات ومعدن، فهو سعيد عند الله لا شقاء يناله، فقد دخل الثقلان في قول الملائكة :
﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ عند الله، ولا يتمكن لمخلوق من العالم أن يكون له علم بمقامه إلاَّ
بتعريف إلهيّ لا بكونه فيه، فإن كل ما سوّى الله ممكن، ومن شأن الممكن أن لا يقبل مقاماً
معيناً لذاته وإنما ذلك لمرجحه بحسب ما سبق في علمه به .
والمعلوم هو الذي أعطاه العلم به ولا يعلم هو ما يكون عليه، وهذا هو سرّ القدر
المتحكم في الخلق، إذ كان علم المرجح لا يقبل التغيير لاستحالة عدم القديم وعلمه بتعيين
المقامات قديم فلذلك لا ينعدم، وهذه المسألة من أغمض المسائل العقلية، وممّا يدلّك على
أن علمه سبحانه بالأشياء ليس زائداً على ذاته بل ذاته هي المتعلقة من كونها علماً بالمعلومات

٣٩٢
في المعارف/ الباب السابع والأربعون في معرفة أسرار وصف المنازل السفلية ومقاماتها
على ما هي المعلومات عليه خلافاً لبعض النظار فإن ذلك يؤدي إلى نقص الذات عن درجة
الكمال، ويؤدّي إلى أن تكون الذات قد حكم عليها أمر زائد أوجب لها ذلك الزائد حكماً
يقتضيه ويبطل كون الذات تفعل ما تشاء وتختار ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة آل عمران:
الآية ٦] فتحقق هذه المسألة وتفرّغ إليها فإنها غامضة جداً في مسائل الحيرة لا يهتدي إليها عقل
على الحقيقة من حيث فكره بل بكشف إلهيّ نبويّ.
ثم نرجع ونقول: إن جماعة من أصحابنا غلطت في هذه المسألة لعدم الكشف فقالت
بطريق القوّة والفكر الفاسد: إن الكامل من بني آدم أفضل من الملائكة عند الله مطلقاً، ولم
تقيد صنفاً ولا مرتبة من المراتب التي تقع عليها الفضلية لمن هو فيها على غيره، ثم علّلت
فقالت: إن لبني آدم الترّقي مع الأنفاس وليس للملائكة هذا فإنها خلقت في مقامها، وما
علمت الجماعة القائلة بهذا هذه الحقيقة التي نبهنا عليها، والصحيح الترّقي أن لنا وللملائكة
ولغيرهم وهو لازم للكل دنيا وبرزخاً وآخرة، هذا لكل متصف بالموت في العلم، ألا ترى
الملائكة مع كونها لها مقامات معلومة لا تتعداها وما حرمت مزيد العلم فإن الله قد عرفنا أنه
علّمهم الأسماء على لسان آدم عليه السلام، فزادهم علماً إلهياً لم يكن عندهم بالأسماء
الإلهية، فسبحوه وقدّسوه بها، فساوتنا الملائكة في الترّقي بالعلم لا بالعمل كما لا نترقّى نحن
بأعمال الآخرة لزوال التكليف، فنحن وإياهم على السواء في ذلك في الآخرة، فما ارتقينا
نحن في الدنيا إلى المقام الذي قبضنا عليه وهو المقام الذي خلق فيه غيرنا ابتداء لشرفنا على
غيرنا وإنما كان ذلك ليبلونا لا غير، فلم يفهم القائلون بذلك ما أراده الله مع وجود النصوص
في القرآن مثل قوله: ﴿لِيَبْلُكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [سورة هود: الآية ٧] ولا يقال كونهم خلقوا
على الصورة أدى إلى ذلك الابتلاء، فإن الجان شاركونا في هذه المرتبة وليس لهم حظّ في
الصورة فاعلم والله الموفق.
وصل - سرّ إلهيّ :
نهاية الدائرة مجاورة لبدايتها وهي تطلب النقطة لذاتها والنقطة لا تطلبها، فصح نهاية
أهل الترقّي من العالم، وصحّ افتقار العالم إلى الله وغنى الله عن العالم، وتبيّن أنه كل جزء من
العالم يمكن أن يكون سبباً في وجود عالم آخر مثله لا أكمل منه إلى ما لا يتناهى، فإن محيط
الدائرة نقط متجاورة في أحياز متجاورة ليس بين حيّزين حيّز ثالث، ولا بين النقطتين
المفروضتين أو الموجودتين فيهما نقطة ثالثة لأنه لا حيّز بينهما، فكل نقطة يمكن أن يكوّن
عنها محيط، وذلك المحيط الآخر حكمه حكم المحيط الأول إلى ما لا نهاية له، والنهاية في
العالم حاصلة، والغاية من العالم غير حاصلة، فلا تزال الآخرة دائمة التكوين عن العالم،
فإنهم يقولون في الجنان للشيء يريدونه: كن فيكون، فلا يتوهمون أمراً ما ولا يخطر لهم
خاطر في تكوين أمر ما إلاَّ ويتكوّن بين أيديهم، وكذلك أهل النار لا يخطر لهم خاطر خوف
من عذاب أكبر ممّا هم فيه إلاَّ تكوّن فيهم، أو لهم ذلك العذاب وهو عين حصول الخاطر،

٣٩٣
في المعارف/ الباب السابع والأربعون في معرفة أسرار وصف المنازل السفلية ومقاماتها
فإن الدار الآخرة تقتضي تكوين العالم عن العالم لكن حسّاً وبمجرد حصول الخاطر والهم
والإرادة والتمني والشهوة كل ذلك محسوس وليس ذلك في الدنيا أعني من الفعل بالهمة لكل
أحد، وقد كان ذلك في الدنيا لغير الوليّ كصاحب العين والغرانية بإفريقية، ولكن ما يكون
بسرعة تكوين الشيء بالهمة في الدار الآخرة، وهذا في الدار الدنيا نادر شاذ كقضيب البان
وغيره، وهو في الدار الآخرة للجميع، فصدق قول الإمام أبي حامد: ليس في الإمكان أبدع
من هذا العالم لأنه ليس أكمل من الصورة التي خلق عليها الإنسان الكامل، فلو كان لكان في
العالم ما هو أكمل من الصورة التي هي الحضرة الإلهية .
وصل - سرّ إلهيّ :
كل خط يخرج من النقطة إلى المحيط مساوٍ لصاحبه وينتهي إلى نقطة من المحيط،
والنقطة في ذاتها ما تعددت ولا تزيدت مع كثرة الخطوط الخارجة منها إلى المحيط وهي
تقابل كل نقطة من المحيط بذاتها، إذ لو كان ما تقابل به نقطة من المحيط غير ما تقابل به
نقطة أخرى لانقسمت ولم يصحّ أن تكون واحدة وهي واحدة، فما قابلت النقط كلها على
كثرتها إلاَّ بذاتها، فقد ظهرت الكثرة عن الواحد العين ولم يتكثر هو في ذاته، فبطل قول
من قال: إنه لا يصدر عن الواحد إلاَّ واحد، فذلك الخط الخارج من النقطة إلى النقطة
الواحدة من المحيط هو الوجه الحاصل الذي لكل موجود من خالقه سبحانه وهو قوله :
﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠]. فالإرادة هنا هو
ذلك الخط الذي فرضناه خارجاً من نقطة الدائرة إلى المحيط، وهو التوجّه الإلهيّ الذي
عيّن تلك النقطة في المحيط بالإيجاد، لأن ذلك المحيط هو عين دائرة الممكنات، والنقطة
التي في الوسط المعينة لنقطة الدائرة المحيطة هي الواجب الوجود لنفسه، وتلك الدائرة
المفروضة دائرة أجناس الممكنات وهي محصورة في جوهر متحيّز وجوهر غير متحيّز،
وأكوان وألوان، والذي لا ينحصر وجود الأنواع والأشخاص وهو ما يحدث من كل نقطة
من كل دائرة من الدوائر فإنه يحدث فيها دوائر الأنواع، وعن دوائر الأنواع دوائر أنواع
وأشخاص فاعلم ذلك، والأصل النقطة الأولى لهذا كله، وذلك الخط المتصل من النقطة
إلى النقطة المعينة من محيطها يمتد منها إلى ما يتولد عنها من النقط في نصف الدائرة
الخارجة عنها، وعن ذلك النصف تخرج دوائر كاملة، وعلّة ذلك الامتياز بين الواجب
الوجود لنفسه وبين الممكن، فلا يتمكن أن يظهر عن الممكن الذي هو دائرة الأجناس دائرة
كاملة فإنها كانت تدخل بالمشاركة فيما وقع به الامتياز وذلك محال، فتكوين دائرة كاملة من
الأجناس محال ليتبين نقص الممكن عن كمال الواجب الوجود لنفسه، وصورة الأمر فيها
هكذا صورة شكل الأجناس والأنواع من غير قصد للحصر، إذ للأنواع أنواع حتى ينتهي
إلى النوع الأخير كما ينتهي إلى جنس الأجناس :

٣٩٤
في المعارف/ الباب السابع والأربعون في معرفة أسرار وصف المنازل السفلية ومقاماتها
ركن النار
الحياة
العقل
النفس
التراب
العلم
الخضرة سخ القدرة الهواء
الطسعة
الارادة
النبات
الماء
واعلم أن لنفوس الثقلين ونفوس الحيوان قوّتين: قوّة علمية وقوّة عملية عند أهل
الكشف، وقد ظهر ذلك في العموم من الحيوان كالنحل والعناكب والطيور التي تتخذ الأوكار
وغيرهم من الحيوانات، ولنفوس الثقلين دون سائر الحيوان قوّة ثالثة ليست للحيوان ولا
للنفس الكلية وهي القوّة المفكرة، فيكتسب بعض العلوم من الفكر هذا النوع الإنسانيّ،
ويشارك سائر العالم في أخذ العلوم من الفيض الإلهيّ وبعض علومها كالحيوان بالفطرة،
كتلقي الطفل ثدي أمّه للرّضاعة وقبوله للبن، وليس لغير الإنسان اكتساب علوم تبقى معه من
طريق فكر، فالفكر من الإنسان بمنزلة الحقيقة الإلهية المنصوص عليها بقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ
اُلْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَتِ﴾ [سورة الرعد: الآية ٢] وقوله تعالى في الخبر الصحيح عنه: «مَا تَرَدَّدْتُ فِي
شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ)). وليس للعقل الأول هذه الحقيقة ولا للنفس الكلية، فهذا أيضاً مما اختصّ به
الإنسان من الصورة التي لم يخلق غيره عليها، ونحن نعلم أن الإنسان الكامل موجود على
الصورة، ونحن نقطع أنه ما أوجد الله غير الإنسان على ذلك، فإنه ما ورد وقوع ذلك ولا عدم
وقوعه لا على لسان نبيّ ولا في كتاب منزل، وإن غلط في ذلك جماعة فإنهم لم يستندوا فيه
إلى تعريف إلهيّ وإنما يحتجون بالخبر، وليس في الخبر ما يدل على أنّ غير الإنسان الكامل
ما خلق على الصورة ويمكن صحة ذلك ويمكن عدم صحته .
وصل - سرّ إلهيّ :
الطبيعة بين النفس والهباء. وهو رأي الإمام أبي حامد، ولا يمكن أن تكون مرتبتها إلاَّ
هنالك، فكل جسم قبل الهباء إلى آخر موجود من الأجسام فهو طبيعيّ، وكل ما تولد من
الأجسام الطبيعية من الأمور والقوى والأرواح الجزئية والملائكة والأنوار فللطبيعة فيها حكم
إلهيّ قد جعله الله تعالى وقدّره، فحكم الطبيعة من الهباء إلى ما دونه، وحكم النفس الكلية
من الطبيعة فما دونها وما فوق النفس، فلا حكم للطبيعة ولا للنفس فيه، وفيما ذكرناه خلاف
كثير بين أصحاب النظر من غير طريقنا من الحكماء، فإن المتكلم لا حظّ له في هذا العلم من
كونه متكلماً بخلاف الحكيم، فإن الحكيم عبارة عمّن جمع العلم الإلهيّ والطبيعيّ والرياضيّ
والمنطقيّ، وما ثم إلاَّ هذه الأربع المراتب من العلوم، وتختلف الطريق في تحصيلها بين
الفكر والوهب وهو الفيض الإلهيّ، وعليه طريقة أصحابنا ليس لهم في الفكر دخول لما

٣٩٥
في المعارف / الباب الثامن والأربعون في معرفة إنما كان كذا لكذا وهو إثبات العلة والسبب
يتطرّق إليه من الفساد والصحة فيه مظنونة فلا يوثق بما يعطيه، وأعني بأصحابنا أصحاب
القلوب والمشاهدات والمكاشفات، لا العباد ولا الزهاد ولا مطلق الصوفية إلاَّ أهل الحقائق
والتحقيق منهم، ولهذا يقال في علوم النبوّة والولاية أنها وراء طور العقل ليس للعقل فيها
دخول بفكر، لكن له القبول خاصة عند السليم العقل الذي لم يغلب عليه شبهة خيالية فكرية
يكون من ذلك فساد نظره وعلوم الأسرار كثيرة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الثامن والأربعون
في معرفة إنما كان كذا لكذا وهو إثبات العلة والسبب
[نظم: الخفيف]
عِلْمُ من حاز رُتْبَةَ الحِكَم
إنما كان هكذا لكذا
فيكُنْ سَيْركم إلى العَدَمِ
لا تعلِّلْ وجودَ خالقنا
أولّ في الحدوث والقِدَمِ
وهو الأولُ الذي ماله
أوّلٌ مسألة من هذا الباب: ما السبب الموجب لوجود العالم حتى يقال فيه: إنما وجد
العالم لكذا، وذلك الأمر المتوقف عليه صحة وجوده، إمّا أن تكون علة فتطلب معلولها
لذاتها، وإذا كان هذا فهل يصحّ أن يكون للمعلول علتان فما زاد أو لا يصحّ؟ وذلك في النظر
العقلي لا في الوضعيات، وإذا تعدّدت العلل فهل تعدّدها يرجع إلى أعيان وجودية؟ أو هل
هي نسب لأمر واحد؟ وثم أمور يتوقف صحة وجودها على شرط يتقدّمها أو شروط، ويجمع
ذلك كله اسم السبب، وللشرط حكم وللعلة حكم، فهل العالم في افتقاره إلى السبب
الموجب لوجوده افتقار المعلول إلى العلة؟ أو افتقار المشروط إلى الشرط؟ وأيهما كان لم
يكن الآخر، فإن العلة تطلب المعلول لذاتها والشرط لا يطلب المشروط لذاته، فالعلم
مشروط بالحياة، ولا يلزم من وجود الحياة وجود العلم، وليس كون العالم عالماً كذلك، فإن
العلم علة في كون العالم عالماً، فلو ارتفع العلم ارتفع كونه عالماً فهو من هذا الوجه يشبه
الشرط، إذ لو ارتفعت الحياة ارتفع العلم، ولو ارتفع كونه عالماً ارتفع العلم فتميز عن
الشرط، إذ لو ارتفع العلم لم يلزم ارتفاع الحياة، فهاتان مرتبتان معقولتان قد تميزتا تسمّى
الواحدة علة وتسمّى الأخرى شرطاً .
فهل نسبة العالم في وجوده إلى الحق نسبة المعلول أو نسبة المشروط؟ محال أن تكون
نسبة المشروط على المذهبين، فإنا لا نقول في المشروط يكون ولا بدّ، وإنما نقول: إذا كان
فلا بدّ من وجود شرطه المصحّح لوجوده، ونقول في العالم على مذهب المتكلم الأشعري
أنه لا بدّ من كونه لأن العلم سبق بكونه ومحال وقوع خلاف المعلوم، وهذا لا يقال في
المشروط، وعلى مذهب المخالف وهم الحكماء فلا بدّ من كونه لأنّ الله اقتضى وجود العالم
لذاته، فلا بدّ من كونه ما دام موصوفاً بذاته بخلاف الشرط، فلا فرق إذن بين المتكلم

٣٩٦
في المعارف / الباب الثامن والأربعون في معرفة إنما كان كذا لكذا وهو إثبات العلة والسبب
الأشعري والحكيم في وجوب وجود العالم بالغير، فلنسمِّ تعلق العلم بكون العالم أزلاً علة،
كما يسمّي الحكيم الذات علة ولا فرق، ولا يلزم مساوقة المعلول علته في جميع المراتب،
فالعلة متقدمة على معلولها بالمرتبة بلا شك، سواء كان ذلك سبق العلم أو ذات الحق، ولا
يعقل بين الواجب الوجود لنفسه وبين الممكن بون زماني ولا تقدير زماني، لأن كلامنا في
أول موجود ممكن والزمان من جملة الممكنات، فإن كان أمراً وجودياً فالحكم فيه كسائر
الحكم في الممكنات، وإن لم يكن أمراً وجودياً وكان نسبة فحدثت النسبة بحدوث الموجود
المعلول حدوثاً عقلياً لا حدوثاً وجودياً، وإذا لم يعقل بين الحق والخلق بون زماني فلم يبق
إلاَّ الرتبة، فلا يصحّ أن يكون أبداً الخلق في رتبة الحق، كما لا يصحّ أن يكون المعلول في
رتبة العلة من حيث ما هو معلول عنها، فالذي هرب منه المتكلم في زعمه وشنع به على
الحكيم القائل بالعلة يلزمه في سبق العلم بكون المعلوم لأن سبق العلم يطلب كون المعلوم
لذاته، ولا بدّ ولا يعقل بينهما بون مقدر، فهذا قد نتهناك على بعض ما ينبغي في هذه المسألة
فالعالم لم يبرح في رتبة إمكانه سواء كان معدوماً أو موجوداً، والحق تعالى لم يبرح في مرتبة
وجوب وجوده لنفسه سواء كان العالم أو لم يكن، فلو دخل العالم في الوجوب النفسي لزم
قدم العالم ومساوقته في هذه الرتبة لواجب الوجود لنفسه وهو الله ولم يدخل بل بقي علىٍ
إمكانه وافتقاره إلى موجده وسببه وهو الله تعالى، فلم يبق معقول البينية بين الحق والخلق إلاَّ
التمييز بالصفة النفسية فبهذا نفرق بين الحق والخلق فافهم.
وأمّا قولنا: هل يكون في العقل للأمر المعلول علتان؟ فلا يصحّ أن يكون للمعلول
العقلي علتان، بل إن كان معلولاً فعن علة واحدة لأنه لا فائدة للعلة إلاَّ أن يكون لها أثر في
المعلول. وأمّا إن اتفق أن يكون من شرط المعلول أن يكون على صفة بها يقبل أن يكون
معلولاً لهذه العلة ولا يمكن أن يكون هذا علة لذلك المعلول نفسه، إلاَّ أن يكون ذلك
المعلول بتلك الصفة النفسية فلا بدّ منها، ولا يلزم من هذا أن تكون تلك الصفة النفسية علة له
فإنها صفة نفسية والشيء لا يكون علة لنفسه فإنه يؤدي إلى أن تكون العلة عين المعلول فيكون
الشيء متقدماً على نفسه بالرتبة وهذا محال، فكون الشيء علة لنفسه محال، فإن العالم لو لم
يكن في نفسه على صفة يقبل الاتصاف بالوجود والعدم على السواء لم يصحّ أن يكون معلولاً
لعلته المرجحة له أحد الجائزين بالنظر إلى نفسه، فإنّ المحال لا يقبل صفة الإيجاد فلا يكون
الحق علة له، فبطل أن يكون كونه ممكناً علة له، وبطل أن يكون للشيء علتان، فإنّ الأثر
للعلة في المعلول إنما كان وجوده، فما حكم العلة الأخرى فيه؟ إن كان وجوده فقد حصل
من إحداهما فلم يبق للآخر أثر، فإن قيل باجتماعهما كان المعلول عن ذلك الاجتماع فكان
عنهما. قلنا: فكل واحد منهما إذا انفرد لا يكون علة ولا يصح عليه اسم العلية وقد صحّ،
فبطل أن يكونه كونه علة متوقفاً على أمر آخر، فإن قال: وما المانع أن تكون العلة بالاجتماع؟
قلنا: إنما يكون الشيء علة لنفسه لهذا المعلول عنه لا لغيره فيكون معلولاً لذلك الغير لأن

٣٩٧
في المعارف / الباب الثامن والأربعون في معرفة إنما كان كذا لكذا وهو إثبات العلة والسبب
ذلك الغير كسبه العلية وكل مكتسب لا يكون صفة نفسية، ولو قلنا باجتماعهما كان علة، فلا
يخلو ذلك الاجتماع أن يكون أمراً زائداً على نفس كل واحد منهما أو هو عينهما لا جائز أن
يكون عينهما فإنا نعقل عين كل واحد منهما ولا اجتماع، فلا بدّ أن يكون زائداً فذلك الزائد لا
بدّ أن يكون وجوداً أو عدماً، لا وجوداً ولا عدماً، أو وجوداً وعدماً معاً، فهذا القسم الرابع
محال بالبديهة، ومحال أن يكون وجوداً للتسلسل اللازم له بما يلزمه من ملزومه أو الدور
فيكون علة لمن هو معلول له وهذا محال، ومحال أن يكون عدماً لأن العدم نفي محض ولا
يتصف النفي المحض بالأثر، ومحال أن يكون لا وجود ولا عدم كالنسب إذ لا حقيقة للنسب
في الوجود فإنها أمور إضافية تحدث ولا يكون ما يحدث علة لما هو عنه حادث فبطل أن
يكون للشيء علتان في العقل.
وأما في الوضعيات فقد يعتبر الشرع أموراً تكون بالمجموع سبباً في ترتيب الحكم
هذا لا يمنع، فإذ وقد علمت هذا فهو أدلّ دليل على توحيد الله تعالى كونه علة في
وجود العالم، غير أن إطلاق هذا اللفظ عليه لم يرد به الشرع فلا نطلقه عليه ولا ندعوه
بهِ، فهذا توحيد ذاتيّ ينتفي معه الشريك بلا شك، قال الله عزّ وجلّ: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَاِهَةُ
إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٢٢] ومعنى هذا لم يوجدا، يعني العالم العلويّ وهو
السماء، والسفليّ وهو الأرض، فحقق هذه المسألة في ذهنك فإنها نافعة في نفي الشريك
ونفي التحديد عن الله تعالى، فلا حدّ لذاته ولا شريك له في ملكه لا إله إلا هو العزيز
الحكيم. [مجزوء الخفيف]
عَلَّلوهُ لكَوْنِهِ
إنما علَّلوا الذي
ليس معلولَ عَيْنِهِ
هو معلولُ عِلْمه
فهو من سرِّ بَيْنهِ
فانظروا ما نَصَصْتُه
عن سواه ببَيْنهِ
فُصِلَ الأمرُ نفسُه
أنني سرُّ عَوْنهِ
فيَّ سرِّ محقَّقٌ
طلبي عَيْنَ صَوْنِهِ
فلبِسْتُ الرداءَ من
مسألة أخرى: إنما كان كذا لكذا، إنما انقسم العالم إلى شقيّ وسعيد للأسماء الإلهية،
فإن الرتبة الإلهية تطلب لذاتها أن يكون في العالم بلاء وعافية، ولا يلزم من ذلك دوام شيء
من ذلك إلاَّ أن يشاء الله فقد كان ولا عالم وهو مسمّى بهذه الأسماء، فالأمر في هذا مثل
الشرط والمشروط ما هو مثل العلة والمعلول، فلا يصحّ المشروط ما لم يصحّ وجود الشرط
وقد يكون الشرط وإن لم يقع المشروط، فلما رأينا البلاء والعافية قلنا: لا بدّ لهما من شرط
وهو كون الحق إلهاً يسمّى بالمبلي والمعذب والمنعم، وكما أن كل ممكن قابل لأحد
الحكمين أعني الضدّين هو قابل أيضاً لانتفاء أحد الضدّين، فالعالم كله ممكن، فجائز أن
ينتفي عنه أحد الحكمين، فلا يلزم الخلود في الدار الآخرة في العذاب ولا في النعيم بل ذلك

٣٩٨
في المعارف / الباب الثامن والأربعون في معرفة إنما كان كذا لكذا وهو إثبات العلة والسبب
كله ممكن، فإن ورد الخبر الإلهيّ الذي يفيد العلم بالنص الذي لا يحتمل التأويل بخلود
العالم في أحد الحكمين أو بوقوع كل حكم في جزء من العالم معين وخلود ذلك الجزء فيه
إلى ما لا يتناهى قبلناه وقلنا به، وما ورد من الشارع أن العالم الذي هو في جهنم الذين هم
أهلها ولا يخرجون منها أن بقاءهم فيها لوجود العذاب، فكما ارتفع حكم العذاب عن ممكن
ما وهم أهل الجنة، كذلك يجوز أن يرتفع عن أهل النار وجود العذاب مع كونهم في النار
لقوله: ﴿وَمَا هُم بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٦٧]. وقال: ((سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي)) ولا
يلزم من وجود الشرط وجود المشروط فيكون الله إلهاً بجميع أسمائه ولا عذاب في العالم ولا
ألم، لأنه ليس ارتفاعه عن ممكن ما بأولى من ارتفاعه عن جميع الممكنات، فلم يبق بأيدينا
من طريق العقل دليل على وجود العذاب دائماً ولا غيره، فليس إلاَّ النصوص المتواترة أو
الكشف الذي لا يدخله شبهة، فليس للعقل ردّه إذا ورد من الصادق النص الصريح أو الكشف
الواضح .
مسألة أخرى من هذا الباب: إنما صحّت الصورة لآدم لخلقه باليدين فاجتمع فيه حقائق
العالم بأسره والعالم يطلب الأسماء الإلهية فقد اجتمع فيه الأسماء الإلهية، ولهذا خصّ آدم
عليه السلام بعلم الأسماء كلها التي لها توجّه إلى العالم، ولم يكن ذلك العلم أعطاه الله
للملائكة وهم العالم الأعلى الأشرف، قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ولم يقل
بعضها، وقال: ﴿عَرَضَهُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٣١] ولم يقلِ عرضها، فدلّ على أنه عرض
المسمين لا الأسماء. وقال رسول الله وَلّ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْم سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ
عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْم غَيْبِكَ)). فإن كان هذا الدعاء دعاء به قبل نزول
سورة البقرة عليه فلا معارضة بين الخبر والآية عند من يقول: بأن الأسماء هنا هي الأسماء
الإلهية، فإنه وَ ل لم يكن له علم بما خصّ الله به آدم على الملائكة كما قال وَلّ: ((مَا أَدْرِي مَا
يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ إِنْ أَتَبعُ إِلَّ مَا يُوحَى بِهِ إِلَيَّ) وإن كان دعا به بعد نزول سورة البقرة، فيكون
يريد قوله كلها الأسماء الإلهية التي تطلب الآثار في العالم وما تعبد به من أسماء التنزيه
والتقديس، وكذلك قوله ﴿﴿ في حديث الشفاعة: ((فَأَخْمِدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ يُعَلِّمُنِيها اللَّهُ لاَ
أَعْلَمُهَا الآن)) مع قوله في حديث الضربة: ((فَعَلِمْتُ عِلْمَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ)) ومن علّم الأولين
علّم الأسماء التي علّمها الله آدم، وربما يكون من علم الآخرين علم هذه المحامد التي يحمد
بها ربّه يوم القيامة .
مسألة أخرى من هذا الباب: إنما كانت الخلافة لآدم عليه السلام دون غيره من أجناس
العالم لكون الله تعالى خلقه على صورته، فالخليفة لا بدّ أن يظهر فيما استخلف عليه بصورة
مستخلفه وإلاَّ فليس بخليفة له فيهم، فأعطاه الأمر والنهي وسمّاه بالخليفة، وجعل البيعة له
بالسمع والطاعة في المنشط والمكره والعسر واليسر، وأمر الله سبحانه عباده بالطاعة لله
ولرسوله والطاعة لأولي الأمر منهم، فجمع رسول الله وَّلَو بين الرسالة والخلافة كداود عليه

٣٩٩
في المعارف / الباب الثامن والأربعون في معرفة إنما كان كذا لكذا وهو إثبات العلة والسبب
السلام، فإنّ الله نصّ على خلافته عن الله بقوله تعالى: ﴿فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِ﴾ [سورة ص: الآية
٢٦] وأجمل خلافة آدم عليه السلام وما كل رسول خليفة، فمن أمر ونهى وعاقب وعفا وأمر
الله بطاعته وجمعت له هذه الصفات كان خليفة، ومن بلغ أمر الله ونهيه ولم يكن له من نفسه
إذن من الله تعالى أن يأمر وينهي فهو رسول يبلغ رسالات ربّه، وبهذا بان لك الفرقان بين
الرسول والخليفة، ولهذا جاء بالألف واللام في قوله تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ﴾
[سورة النساء: الآية ٨٠] وقال عزّ وجلّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُوا اللَّهُ﴾ [سورة النساء: الآية ٥٩] أي فيما
أمركم به على لسان رسوله وَّةٍ ممّا قال فيه وَّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ وهو كل أمر جاء في كتاب
الله تعالى. ثم قال: ﴿وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ [سورة النساء: الآية ٥٩] ففصّل أمر طاعة الله من طاعة
رسوله محّلي، فلو كان يعني بذلك ما بلغ إلينا من أمر الله تعالى لم تكن.
ثم فائدة زائدة فلا بدّ أن يوليه رتبة الأمر والنهي فيأمر وينهى، فنحن مأمورون بطاعة
رسول الله وَّ عن الله بأمره وقال تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ﴾ [سورة النساء: الآية ٨٠]
وطاعتنا له فيما أمر به وَ له ونهى عنه ممّا لم يقل هو من عند الله فيكون قرآناً، قال الله عزّ وجلّ:
﴿وَمَآ ءَالَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَكُمْ عَنْهُ فَانَهُواْ﴾ [سورة الحشر: الآية ٧] فأضاف النهي إليه بَّ فأتى
بالألف واللام في الرسول يريد بهما التعريف والعهد أي الرسول الذي استخلفناه عنّا فجعلنا له
أن يأمر وينهى زائداً على تبليغ أمرنا ونهينا إلى عبادنا. ثم قال تعالى في الآية عينها ﴿وَأُوْلِ الْأَمْيِ
◌ِنْكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ٥٩] أي إذا ولي عليكم خليفة عن رسولي أو وليتموه من عندكم كما شرع
لكم فاسمعوا له وأطيعوا ولو كان عبداً حبشياً مجدّع الأطراف فإن في طاعتكم إياه طاعة
رسول الله وَلّره، ولهذا لم يستأنف في أولي الأمر أطيعوا واكتفى بقوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ولم
يكتف بقوله: ﴿أَطِيعُواْ الله﴾ عن قوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ففصّل لكونه تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ،
شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] واستأنف القول بقوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ فهذا دليل على أنه تعالى
قد شرع له وَ لّ أن يأمر وينهى، وليس لأولي الأمر أن يشرعوا شريعة إنما لهم الأمر والنهي فيما
هو مباح لهم ولنا، فإذا أمرونا بمباح أو نهونا عن مباح وأطعناهم في ذلك أجرنا في ذلك أجر من
أطاع الله فيما أوجبه عليه من أمر ونهي، وهذا من كرم الله بنا ولا يشعر بذلك أهل الغفلة منّا .
مسألة أخرى من هذا الباب: إنما أُمرت الملائكة والخلق أجمعون بالسجود وجعل معه
القربة فقال: ﴿وَأَسْجُدْ وَأَقْتَربِ﴾ [سورة العلق: الآية ١٩] وقال بََّ: ((أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِنَ اللَّهِ فِي
سُجُودِهِ)) ليعلموا أنّ الحق في نسبة الفوق إليه من قوله: ﴿وَهُوَ اَلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ،﴾ [سورة الأنعام:
الآية ١٨] و﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّنْ فَوْقِهِمْ﴾ [سورة النحل: الآية ٥٠] كنسبة التحت إليه، فإن السجود طلب
السفل بوجهه، كما أن القيام يطلب الفوق إذا رفع وجهه بالدعاء ويديه، وقد جعل الله السجود
حالة القرب من الله، فلم يقيده سبحانه الفوق عن التحت ولا التحت عن الفوق، فإنه خالق
الفوق والتحت، كما لم يقيده الاستواء على العرش عن النزول إلى السماء الدنيا، ولم يقيده
النزول إلى السماء الدنيا عن الاستواء على العرش، كما لم يقيده سبحانه الاستواء والنزول عن

٤٠٠
في المعارف / الباب الثامن والأربعون في معرفة إنما كان كذا لكذا وهو إثبات العلة والسبب
أن يكون معنا أينما كنّا كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُمْ﴾ [سورة الحديد: الآية ٤] بالمعنى
الذي يليق به، وعلى الوجه الذي أراده، كما قال أيضاً: ((ما وسعني أرضي ولا سمائي
ووسعني قلب عبدي)) كما قال عنه هود عليه السلام: ﴿مَّا مِن دَآبَةٍ إلَّا هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [سورة
هود: الآية ٥٦] وقال تعالى أيضاً في حق الميت: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِن لَّا نُصِرُونَ﴾ [سورة
الواقعة: الآية ٨٥] فنسب القرب إليه من الميت. وقال أيضاً عزّ وجلّ: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلٍ
اَلْوَرِيدِ﴾ [سورة ق: الآية ١٦] يعني الإنسان مع قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[سورة الشورى: الآية ١١].
مسألة دورية من هذا الباب وهذه صورتها :
انما اختلفت النسب الالهية
لاختلاف الأحوال
إنما اختلفت الأحوال
الاختلاف الأزمان
إنما اختلفت الشرائع
لاختلاف النسب الاطية
إغا اختلفت الأزمان
لاختلاف الحركات
لاختلاف الشرايع
إنما اختلفت التجليات
لاختلاف الوجهات
الكا اختلفت الحركات
لاختلاف التجليات
إنما اختلفت المقاصد
لاختلاف المقاصد
إنها اختلفت التوجهات
إنما قلنا: اختلفت الشرائع لاختلاف النسب الإلهية، لأنه لو كانت النسبة الإلهية لتحليل
أمر ما في الشرع كالنسبة لتحريم ذلك الأمر عينه في الشرع لما صحّ تغيير الحكم وقد ثبت
تغيير الحكم، ولما صحّ أيضاً قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَّأَ﴾ [سورة المائدة: الآية
٤٨] وقد صحّ أن لكل أمّة شرعة ومنهاجاً، جاءها بذلك نبيّها ورسولها فنسخ وأثبت، فعلمنا
بالقطع أن نسبته تعالى فيما شرعه إلى محمد وَّر خلاف نسبته إلى نبيّ آخر، وإلاَّ لو كانت
النسبة واحدة من كل وجه وهي الموجبة للتشريع الخاص لكان الشرع واحداً من كل وجه،
فإن قيل: فلم اختلفت النسب الإلهية؟ قلنا: لاختلاف الأحوال، فمن حاله المرض يدعو : يا
معافي، ويا شافي. ومن حاله الجوع يقول: يا رزاق. ومن حاله الغرق يقول: يا مغيث.
فاختلفت النسب لاختلاف الأحوال وهو قوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٢٩]
﴿سَنَفْرُ لَكُمْ أَيُّهَ النَّقَلَانِ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٣١]. وقوله ◌َّرَ لما وصف ربّه تعالى بيده الميزان