النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
في المعارف/ الباب الثالث والثلاثون في معرفة أقطاب النيات وأسرارهم ... الخ
بهما وبأصحابهما وامتثالاً لأمر رسول الله وَّر الواجب امتثاله في أمره حاسبوا أنفسكم، وكان
أشياخنا يحاسبون أنفسهم على ما يتكلمون به وما يفعلونه ويقيدونه في دفتر، فإذا كان بعد
صلاة العشاء وخلوا في بيوتهم حاسبوا أنفسهم وأحضروا دفترهم ونظروا فيما صدر منهم في
يومهم من قول وعمل، وقابلوا كل عمل بما يستحقه، إن استحق استغفاراً استغفروا، وإن
استحق توبة تابوا، وإن استحق شكراً شكروا، إلى أن يفرغ ما كان منهم في ذلك اليوم وبعد
ذلك ينامون، فزدنا عليهم في هذا الباب بتقييد الخواطر، فكنا نقيد ما تحدثنا به نفوسنا وما
تهم به زائداً على كلامنا وأفعالنا، وكنت أحاسب نفسي مثلهم في ذلك الوقت وأحضر الدفتر
وأطالبها بجميع ما خطر لها وما حدثت به نفسها، وما ظهر للحسّ من ذلك من قول وعمل،
وما نوته في ذلك الخاطر والحديث فقلَّت الخواطر والفضول إلاَّ فيما يعني، فهذا فائدة هذا
الباب، وفائدة الاشتغال بالنية، وما في الطريق ما يغفل عنه أكثر من هذا الباب، فإن ذلك
راجع إلى مراعاة الأنفاس وهي عزيزة.
وبعد أن عرفتك بأصول هذه الطائفة وما هو سبب شغلهم بذلك وأنه لهم أمر شرعي .
وما لهم في ذلك من الأسرار والعلوم، فاعلم أيضاً مقامهم في ذلك وما لهم، فهذه الطائفة
على قلب يونس عليه السلام فإنه لما ذهب مغاضباً وظنّ أن الله لا يضيق عليه لما عهده من
سعة رحمة الله فيه وما نظر ذلك الاتساع الإلهيّ الرحماني في حق غيره فتناله أمّته واقتصر به
على نفسه والغضب ظلمة القلب فأثرت لعلوّ منصبه في ظاهره فأسكن في ظلمة بطن الحوت
ما شاء الله لينبّهه الله على حالته حين كان جنيناً في بطن أمّه من كان يدبّره فيه، وهل كان في
ذلك الموطن يتصوّر منه أن يغاضب أو يغاضب، بل كان في كنف الله لا يعرف سوى ربّه،
فردّه إلى هذه الحالة في بطن الحوت تعليماً له بالفعل لا بالقول، فنادى في الظلمات أن لا إله
إلاَّ أنت عذراً عن أمّته في هذا التوحيد، أي تفعل ما تريد وتبسط رحمتك على من تشاء
﴿سُبْحَنَكَ إِنِّ كُنْتُ مِنَ اٌلَّالِمِينَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٨٧] مشتق من الظلمة أي ظلمتي عادت
عليّ ما أنت ظلمتني، بل ما كان في باطني سرى إلى ظاهري، وانتقل النور إلى باطني فاستنار
فأزال ظلمة المغاضبة وانتشر فيه نور التوحيد وانبسطت الرحمة فسرى ذلك النور في ظاهره
مثل ما سرت ظلمة الغضب فاستجاب له ربه فنجاه من الغم فقذفه الحوت من بطنه مولوداً
على الفطرة السليمة، فلم يولد أحد من ولد آدم ولادتين سوى يونس عليه السلام فخرج
ضعيفاً كالطفل كما قال: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٤٥] وربّاه باليقطين فإن ورقه ناعم
ولا ينزل عليه ذباب، فإن الطفل لضعفه لا يستطيع أن يزيل الذباب عن نفسه، فغطاه بشجرة
خاصيتها أن لا يقربها ذباب مع نعمة ورقها، فإن ورق اليقطين مثل القطن في النعمة بخلاف
سائر ورق الأشجار كلها فإن فيها خشونة، وأنشأه الله عزّ وجلّ نشأة أخرى.
ولما رأت هذه الطائفة أن يونس عليه السلام ما أتى عليه إلاَّ من باطنه من الصفة التي
قامت به ومن قصده شغلوا نفوسهم بتمحيص النيّات والقصد في حركاتهم كلها حتى لا ينوون
إلاَّ ما أمرهم الله به أن ينووه ويقصدوه، وهذا غاية ما يقدر عليه رجال الله، وهذه الطائفة في
الفتوحات المكية ج١ - م٢١

٣٢٢
في المعارف / الباب الثالث والثلاثون في معرفة أقطاب النيات وأسرارهم ... الخ
الرجال قليلون فإنه مقام ضيق جداً يحتاج صاحبه إلى حضور دائم، وأكبر من كان فيه أبو بكر
الصديق رضي الله عنه ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيه في حرب اليمامة: فما
هو إلاّ أن رأيت أن الله عزّ وجلّ قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق، لمعرفة عمر
باشتغال أبي بكر بباطنه، فإذا صدرت منه حركة في ظاهره فما تصدر إلاَّ من إله وهو عزیز،
ولهذا كان من يفهم المقامات من المتقدمين من أهل الكتاب إذا سمعوا أو يقال لهم إنّ
رسول الله * يقول كذا وكذا يقولون هذا كلام ما خرج إلاَّ من إله أي هو كلام إلهيّ ما هو
كلام مخلوق، فانظر ما أحسن العلم، وفي أيّ مقام ثبتت هذه الطائفة، وبأيّ قائمة استمسكت
جعلنا الله منهم، فجل أعمالهم في الباطن مساكن السائحين منهم الغيران والكهوف وفي
الأمصار ما بناه غيرهم من عباد الله تعالى لا يضعون لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة،
وهكذا كان رسول الله وَله إلى أن انتقل إلى ربّه ما بنى قط مسكناً لنفسه، وسبب ذلك أنهم
رأوا الدنيا جسراً منصوباً من خشب على نهر عظيم وهم عابرون فيه راحلون عنه، فهل رأيتم
أحداً بنى منزلاً على جسر خشب؟ لا والله ولا سيّما وقد عرف أن الأمطار تنزل، وأن النهر
يعظم بالسيول التي تأتي، وأن الجسور تنقطع، فكل من بنى على جسر فإنما يعرّض به
للتلف، فلو أن عمار الدنيا يكشف الله عن بصيرتهم حتى يروها جسراً ويروا النهر الذي بنيت
عليه أنه خطر قوي ما بنوا الذي بنوا عليه من القصور المشيدة، فلم يكن لهم عيون يبصرون
بها أن الدنيا قنطرة خشب على نهر عظيم خرّار، ولا كان لهم سمع يسمعون به قول الرسول
العالم بما أوحى الله إليه به أن الدنيا قنطرة فلا بالإيمان عملوا ولا على الرؤية والكشف
حصلوا، فهم كما قال الله فيهم: ﴿وَحَسِبُواْ أَلَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ﴾ [سورة المائدة: الآية
٧١] ثم تاب الله عليهم في حال سماعهم من الرسول وَّلَه حين قال لهم: ((إِنَّ الدُّنْيَا قَنْطَرَةٌ
وَأَشْبَاهُ ذُلِكَ فَلاَ تَشْغَلُوا نُفُوسَكُمْ بِعَمَارَتِها وانْهَضُوا)) فما فرغ من قوله ◌َّ حتى رجع كثير منهم
إلى عماهم وصممهم مع كونهم مسلمين مؤمنين، فأخبر الله تعالى نبيه بقوله: ﴿ثُمَّ عَمُواْ
وَصَغُواْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [سورة المائدة: الآية ٧١] بعد التوبة، يقول: ما نفع القول فيهم.
يا وليّ لو فرضنا أن الدنيا باقية ألسنا نبصر رحلتنا عنها جيلاً بعد جيل؟ فمن أحوال هذه
الطائفة مراعاتهم لقلوبهم وأسرارهم متعلقة بالله من حيث معرفة نفوسهم ولا اجتماع لهم
بالنهار مع الغافلين بل حركتهم ليلية ونظرهم في الغيب الغالب عليهم مقام الحزن، فإن الحزن
إذا فقد من القلب خرب، فالعارف يأكل الحلوى والعسل، والمحقق الكبير يأكل الحنظل فهو
كثير التنغيص لا يلتذ بنعمة أبداً ما دام في هذه الدار لشغله بما كلفه الله من الشكر عليها لقيت
منهم بدنيسر عمر الفرقوي، وبمدينة فاس: عبد الله السماد، والعارفون بالنظر إلى هؤلاء
كالأطفال الذين لا عقول لهم يفرحون ويلتذون بخشخاشة فما ظنك بالمريدين؟ فما ظنك
بالعامة لهم القدم الراسخة في التوحيد ولهم المشافهة في الفهوانية يقدمون النفي على الإثبات
لأن التنزيه شأنهم كلفظة لا إله إلاّ الله وهي أفضل كلمة جاءت بها الرسل والأنبياء توحيدهم
كوني عقلي ليسوا من اللهو في شيء لهم الحضور التام على الدوام وفي جميع الأفعال،

٣٢٣
في المعارف / الباب الرابع والثلاثون في معرفة شخص تحقق في منزل الأنفاس ... الخ
اختصوا بعلم الحياة والأحياء لهم اليد البيضاء، فيعلمون من الحيوان ما لا يعلمه سواهم، ولا
سيما من كل حيوان يمشي على بطنه لقربه من أصله الذي عنه تكوّن، فإن كل حيوان يبعد عن
أصله ينقص من معرفته بأصله على قدر ما بعد منه، ألا ترى المريض الذي لا يقدر على القيام
والقعود ويبقى طريحاً لضعفه وهو رجوعه إلى أصله تراه فقيراً إلى ربه مسكيناً ظاهر الضعف
والحاجة بلسان الحال والمقال، وذلك أن أصله حكم عليه لما قرب منه يقول الله ﴿خَلَفَكُم مِّن
ضَعْفٍ﴾ [سورة الروم: الآية ٥٤] وقال: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [سورة النساء: الآية ٢٨] فإذا استوى
قائماً وبَعُد عن أصله تَفَرْعَنَ وتجبر وادّعى القوّة وقال: أنا، فالرجل من كان مع الله في حال
قيامه وصحته كحاله في اضطجاعه من المرض والضعف وهو عزيز لهم البحث الشديد في
النظر في أفعالهم وأفعال غيرهم معهم من أجل النيّات التي بها يتوجهون وإليها ينسبون لشدة
بحثهم عنها حتى تخلص لهم الأعمال ويخلصوها من غيرهم، ولهذا قيل فيهم النياتيون كما
قيل الملامية والصوفية لأحوال خاصة هم عليها، فلهم معرفة الهاجس والهمة والعزم والإرادة
والقصد، وهذه كلها أحوال مقدمة للنية، والنية هي التي تكون منه عند مباشرة أفعاله، وهي
المعتبرة في الشرع الإلهيّ ففيها يبحثون وهي متعلق الإخلاص، وكان عالمنا الإمام سهل بن
عبد الله يدقق في هذا الشأن وهو الذي نبّه على نقر الخاطر ويقول: إن النيّة هو ذلك الهاجس
وأنه السبب الأول في حدوث الهم والعزم والإرادة والقصد فكان يعتمد عليه وهو الصحيح
عندنا، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الرابع والثلاثون
في معرفة شخص تحقق في منزل الأنفاس فعاين منها أموراً أذكرها إن شاء الله
[نظم: البسيط]
إن المحقَّقَ بالأنفاس رحمانُ
وإن توجّهَ نحو العين يطلبها
فالعرشُ في حقه إن كان إنسانٌ
له العَمَاءُ وإحسانٌ فإحسانُ
يزوره فيه أنصارٌ وأعوانٌ
مقامُه باطنُ الأعراف يسكُنُهُ
كما له من وجودِ العين إنسانُ
له من الليل إن حقَّقْتَ آخره
إن لاح ظاهِرُه تقولُ قرآنُ
قد جمع الله فيه كلَّ مثْقَبَةٍ
أو لاح باطِنُه تقول فُرْقَانُ
فهو الكمالُ الذي ما فيه نُقْصَانُ
اعلم أيّدك الله بروح القدس أنّ المعلومات مختلفة لأنفسها، وأن الإدراكات التي تدرك
بها المعلومات مختلفة أيضاً لأنفسها كالمعلومات، ولكن من حيث أنفسها وذواتها لا من
حيث كونها إدراكات، وإن كانت مسألة خلاف عند أرباب النظر، وقد جعل الله لكل حقيقة
مما يجوز أن يعلم إدراكاً خاصاً عادة لا حقيقة أعني محلها، وجعل المدرك بهذه الإدراكات
لهذه المدركات عيناً واحدة وهي ستة أشياء: سمع، وبصر، وشم، ولمس، وطعم، وعقل،
وإدراك، جميعها للأشياء ما عدا العقل ضروري، ولكن الأشياء التي ارتبطت بها عادة لا

٣٢٤
في المعارف / الباب الرابع والثلاثون في معرفة شخص تحقق في منزل الأنفاس ... الخ
تخطىء أبداً، وقد غلط في هذا جماعة من العقلاء ونسبوا الغلط للحسّ وليس كذلك وإنما
الغلط للحاكم .
وأمّا إدراك العقل المعقولات فهو على قسمين: منه ضروري مثل سائر الإدراكات،
ومنه ما ليس بضروري بل يفتقر في علمه إلى أدوات ست: منها الحواس الخمس التي
ذكرناها. ومنها القوّة المفكرة ولا يخلو معلوم يصحّ أن يعلمه مخلوق أن يكون مدركاً بأحد
هذه الإدراكات، وإنما قلنا إن جماعة غلطت في إدراك الحواس فنسبت إليها الأغاليط وذلك
أنهم رأوا إذا كانوا في سفينة تجري بهم مع الساحل رأوا الساحل يجري بجري السفينة، فقد
أعطاهم البصر ما ليس بحقيقة ولا معلوم أصلاً، فإنهم عالمون علماً ضرورياً أن الساحل لم
يتحرك من مكانه ولا يقدرون على إنكار ما شاهدوه من التحرّك، وكذلك إذا طعموا سكراً أو
عسلاً فوجدوه مرّاً وهو حلو فعلموا ضرورة أن حاسة الطعم غلطت عندهم ونقلت ما ليس
بصحيح والأمر عندنا ليس كذلك، ولكن القصور والغلط وقع من الحاكم الذي هو العقل لا
من الحواس، فإن الحواس إدراكها لما تعطيه حقيقتها ضروري، كما أن العقل فيما يدركه
بالضرورة لا يخطىء وفيما يدركه بالحواس أو بالفكر قد يغلط فما غلط حسّ قط ولا ما هو
إدراكه ضروري، فلا شك أن الحسّ رأى تحرّكاً بلا شك ووجد طعماً مرّاً بلا شك، فأدرك
البصر التحرّك بذاته، وأدرك الطعم قوّة المرارة بذاته وجاء عقل فحكم أن الساحل متحرك وأن
السكر مرّ، وجاء عقل آخر وقال: إن الخلط الصفراوي قام بمحل الطعم فأدرك المرارة وحال
ذلك الخلط بين قوّة الطعم وبين السكر، فإذن فما ذاق الطعم إلاَّ مرارة الصفراء، فقد أجمع
العقلان من الشخصين على أنه أدرك المرارة بلا شك، واختلف العقلان فيما هو المدرك
للطعم فبان أن العقل غلط لا الحس، فلا ينسب الغلط أبداً في الحقيقة إلاَّ للحاكم لا للشاهد.
وعندي في هذه المسألة أمر آخر يخالف ما ادّعوه وهو أن الحلاوة التي في الحلو وغير
ذلك من المطعومات ليس هو في المطعوم لأمر إذا بحثت عليه وجدت صحة ما ذهبنا إليه،
وكذا الحكم في سائر الإدراكات، ولو كان في العادة فوق العقل مدرك آخر يحكم على العقل
ويأخذ عنه كما يحكم العقل على الحسّ لغلط أيضاً ذلك المدرك الحاكم فيما هو للعقل
ضروري، وكان يقول: إن العقل غلط فيما هو له ضروريّ، فإذا تقرر هذا وعرفت كيف رتب
الله المدركات والإدراكات وأن ذلك الارتباط أمر عادي فاعلم أن لله عباداً آخرين خرق لهم
العادة في إدراكهم العلوم، فمنهم من جعل له إدراك ما يدرك بجميع القوى من المعقولات
والمحسوسات بقوّة البصر خاصة وآخر بقوّة السمع وهكذا بجميع القوى، ثم بأمور عرضية
خلاف القوى من ضرب وحركة وسكون وغير ذلك. قال رسول الله وَلجر: ((إِنَّ اللَّهَ ضَرَبَ
بِيَدِهِ بَيْنَ كَتِفَيَّ فَوَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ ثَذْيَيَّ فَعَلِمْتُ عِلْمَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ)) فدخل في هذا
العلم كل معلوم معقول ومحسوس مما يدركه المخلوق، فهذا علم حاصل لا عن قوّة من
القوى الحسية والمعنوية فلهذا قلنا: إن ثم سبباً آخر خلاف هذه القوى تدرك به المعلومات.
وإنما قلنا قد تدرك العلوم بغير قواها المعتادة فحكمنا على هذه الإدراكات لمدركاتها

٣٢٥
في المعارف / الباب الرابع والثلاثون في معرفة شخص تحقق في منزل الأنفاس ... الخ
المعتادة بالعادة من أجل المتفرّس، فينظر صاحب الفراسة في الشخص فيعلم ما يكون منه أو
ما خطر له في باطنه أو ما فعل وكذلك الزاجر وأشباهه، وإنما جئنا بهذا كله تأنيساً لما نريد أن
ننسبه إلى أهل الله من الأنبياء والأولياء فيما يدركونه من العلوم على غير الطرق المعتادة، فإذا
أدركوها نسبوا إلى تلك الصفة التي أدركوا بها المعلومات فيقولون: فلان صاحب نظر أي
بالنظر يدرك جميع المعلومات وهذا ذقته مع رسول الله مَّر، وفلان صاحب سمع، وفلان
صاحب طعم وصاحب نفس وأنفاس يعني الشمّ، وصاحب لمس، وفلان صاحب معنى وهذا
خارج عن هؤلاء بل هو كما يقال في العامة: صاحب فكر صحيح، فمن الناس من أعطي
النظر إلى آخر القوى على قدر ما أعطي وهو له عادة إذا استمر ذلك عليه لأنه مشتق من العود
أي يعود ذلك عليه في كل نظرة أو في كل شمّ ما ثم غير ذلك، وكذلك أيضاً لتعلم أن
الأسماء الإلهية مثل هذا وأن كل اسم يعطي حقيقة خاصة، ففي قوّته أن يعطي كل واحد من
الأسماء الإلهية ما تعطيه جميع الأسماء قال تعالى: ﴿قَلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ
اُلْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [سورة الإسراء: الآية ١١٠] وكذلك لو ذكر كل اسم لقال فيه: إنّ له الأسماء
الحسنى وذلك لأحدية المسمّى فاعلم ذلك، فمن الناس من يختص به الاسم الله فتكون
معارفه إلهية، ومنهم من يختص به الاسم الرحمن فتكون معارفه رحمانية كما كانت في القوى
الكونية يقال فيها: معارف هذا الشخص نظرية وفي حق آخر سمعية فهو من عالم النظر وعالم
السمع وعالم الأنفاس، هكذا تنسب معارفه في الإلهيات إلى الاسم الإلهيّ الذي فتح له فيه
فتندرج فيه حقائق الأسماء كلها .
فإذا علمت هذا أيضاً فاعلم أن الذي يختص بهذا الباب من الأسماء الإلهية لهذا
الشخص المعين الاسم الرحمن، والذي يختص به من القوى فينسب إليها قوّة الشم ومتعلقها
الروائح وهي الأنفاس فهو من عالم الأنفاس في نسبة القوى، ومن الرحمانيين في مراتب
الأسماء فنقول: إن هذا الشخص المعين في هذا الباب سواء كان زيداً أو عمراً معرفته
رحمانية، فكل أمر ينسب إلى الاسم الرحمن في كتاب أو سنة فإنه ينسب إلى هذا الشخص،
فإنّ هذا الاسم هو الممدّ له وليس لاسم إلهيّ عليه حكم إلاَّ بوساطة هذا الاسم على أيّ وجه
كان ولهذا نقول: إن الله سبحانه قد أبطن في مواضع رحمته في عذابه ونقمته كالمريض الذي
جعل في عذابه بالمرض رحمته به فيما يكفر عنه من الذنوب فهذه رحمة في نقمة، وكذلك
من انتقم منه في إقامة الحدّ من قتل أو ضرب فهو عذاب حاضر فيه رحمة باطنة بها ارتفعت
عنه المطالبة في الدار الآخرة كما أنه في نعمته في الدنيا من الاسم المنعم أبطن نقمته فهو ينعم
الآن بما به يتعذب لبطون العذاب فيه في الدار الآخرة أو في زمان التوبة، فإنّ الإنسان إذا تاب
ونظر وفكر فيما تلذّذ به من المحرّمات تعود تلك الصور المستحضرة عليه عذاباً، وكان قبل
التوبة حين يستحضرها في ذهنه يلتذّ بها غاية اللذة، فسبحان من أبطن رحمته في عذابه،
وعذابه في رحمته، ونعمته في نقمته، ونقمته في نعمته، فالمبطون أبداً هو روح العين الظاهرة
أيّ شيء كان فهذا الشخص لما كانت معرفته رحمانية وكان الاسم الرحمن استوى على

٣٢٦
في المعارف / الباب الرابع والثلاثون في معرفة شخص تحقق في منزل الأنفاس ... الخ
العرش فقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه: الآية ٥] كانت همة هذا الشخص
عرشية، فكما كان العرش للرحمن كانت الهمة لهذه المعرفة محلاً لاستوائها، فقيل: همته
عرشية، ومقام هذا الشخص باطن الأعراف وهو السور الذي بين أهل السعادة والشقاوة
للأعراف رجال سيذكرون وهم الذين لم تقيدهم صفة كأبي يزيد وغيره، وإنما كان مقامه باطن
الأعراف لأن معرفته رحمانية وهمته عرشية فإن العرش مستوى الرحمن، كذلك باطن
الأعراف فيه الرحمة كما أن ظاهره فيه العذاب، فهذا الشخص له رحمة بالموجودات كلها
بالعصاة والكفار وغيرهم.
قال تعالى لسيد هذا المقام وهو محمد ◌ّ# حين دعا على رعل وذكوان وعصية
بالعذاب والانتقام فقال: عليك بفلان وفلان وذكر ما كان منهم قال الله له: إن الله ما بعثك
سبّاباً ولا لغّاناً ولكن بعثك رحمة فنهي عن الدعاء عليهم وسبّهم وما يكرهون وأنزل الله عزّ
وجلّ عليه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةُ لِلْعَلَمِينَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ١٠٧] فعمّ العالم أي لترحمهم
وتدعوني لهم لا عليهم، فيكون عوض قوله لعنهم الله تاب الله عليهم وهداهم كما قال حين
جرحوه: اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون، يريد من كذبه من غير أهل الكتاب والمقلدة من
أهل الكتاب لا غيرهم، فلهذا قلنا في حق هذا الشخص صاحب هذا المقام إنه رحيم بالعصاة
والكفار، فإذا كان حاكماً هذا الشخص وأقام الحدّ أو كان ممّن تتعين عليه شهادة في إقامة حدّ
فشهد به أو أقامه فلا يقيمه إلاَّ من باب الرحمة، ومن الاسم الرحمن في حق المحدود
والمشهود عليه لا من باب الانتقام، وطلب التشفي لا يقتضيه مقام هذا الاسم فلا يعطيه حاله
هذا الشخص .
قال تعالى في قصة إبراهيم: ﴿إِنَّّ أَخَافُ أَنْ يَمَسََّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [سورة مريم: الآية ٤٥]
ومن كان هذا مقامه ومعرفته وهذا الاسم الرحمن ينظر إليه فيعاين من الأسرار ذوقاً ما بين نسبة
الاستواء إلى العرش وما بين نسبة الأين إلى العماء هل هما على حدّ واحد أو يختلف ويعلم
ما للحق من نعوت الجلال واللطف معاً بين العماء والاستواء إذ قد كان في العماء ولا عرش
فيوصف بالاستواء عليه. ثم خلق العرش واستوى عليه بالاسم الرحمن، وللعرش حدّ يتميز
به من العماء الذي هو الاسم الرب، وللعماء حدّ يتميز به عن العرش، ولا بدّ من انتقال من
صفة إلى صفة، فما كان نعته تعالى بين العماء والعرش أو بأيّ نسبة ظهر بينهما إذ قد تميز كل
واحد منهما عن صاحبه بحدّه وحقيقته كما يتميز العماء الذي فوقه الهواء وتحته الهواء وهو
السحاب الرقيق الذي يحمله الهواء الذي تحته وفوقه عن العماء الذي ما فوقه هواء وما تحته
هواء فهو عماء غير محمول، فيعلم السامع أن العماء الذي جعل للرب أينية أنه عماء غير
محمول، ثم جاء قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِ ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾ [سورة البقرة:
الآية ٢١٠] فهل هذا الغمام هو راجع إلى ذلك العماء فيكون العماء حاملاً للعرش ويكون
العرش مستوى الرحمن فتجمع القيامة بين العماء والعرش، أو هو هذا المقام المقصود الذي

٣٢٧
في المعارف / الباب الرابع والثلاثون في معرفة شخص تحقق في منزل الأنفاس ... الخ
فوقه هواء وتحته هواء؟ فصاحب هذا المقام يعطى علم ذلك كله، ثم إنّ صاحب هذا المقام
يعطى أيضاً من العلوم الإلهية من هذا النوع بالاسم الرحمن نزول الرب إلى سماء الدنيا من
العرش يكون هذا النزول أو من العماء فإن العماء إنما ورد حين وقع السؤال عن الاسم الرب
فقيل له: أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ فقال: كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء،
فاسم (كان) المضمر هو ربنا، وقال: ينزل ربنا إلى السماء؛ فيدلك هذا على أن نزوله إلى
السماء الدنيا من ذلك العماء كما كان استواؤه على العرش من ذلك العماء، فنسبته إلى السماء
الدنيا كنسبته إلى العرش لا فرق، فما فارق العرش في نزوله إلى السماء الدنيا، ولا فارق
العماء في نزوله إلى العرش ولا إلى السماء الدنيا.
ولما أخبر النبيّ ◌َلَّ أنّ الله يقول في هذا النزول إلى السماء الدنيا: ((هل من تائب
فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأجيبه؟)) فهذا كله
من باب رحمته ولطفه، وهذا حقيقة الاسم الرحمن الذي استوى على العرش فنزلت هذه
الصفة مع الاسم الرب إلى السماء الدنيا فهو ما أعلمناك به أن كل اسم إلهيّ يتضمن حكم
جميع الأسماء الإلهيّة من حيث إن المسمّى واحد، فيعلم صاحب هذا المقام من هذا النزول
الربانيّ السماويّ ما يختص بالاسم الرحمن منه الذي قال به: فهل من تائب؟ هل من مستغفر؟
فإن الرحمن يطلب هذا القول بلا شك، فهذا حظ ما يعلم صاحب هذا المقام من هذا النزول
بلا واسطة، ويعلم نزول الرب من العماء إلى السماء بوساطة الاسم الرحمن لأنه ليس للاسم
الرب على صاحب هذا المقام سلطان، فإنه كما قلنا الاسم الرحمن فلا يعلم من الاسم الرب
ولا غيره أمراً إلاَّ بالاسم الرحمن، فيعلم عند ذلك بإعلام الرحمن إياه ما أراد الحق بنزوله من
العماء إلى السماء على هذا الوجه هي معرفته.
ثم ممّا يختص بعلمه صاحب هذا المقام بوساطة الاسم الرحمن علم قول الله: ما
وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن، فأتى بياء الإضافة في السعة والعبودية
فلم يأخذ من الله إلاَّ قدر ما تعطيه الياء خاصة، ويتضمن هذا علمين: علماً بما فيه من العناية
بعبده المؤمن فيأخذه من الاسم الرحمن بذاته، وعلماً بما فيه من سرّ الإضافة بحرف الياء
فيأخذه من الله بترجمة الاسم الرحمن فيعلم أن للسعة هنا المراد بها الصورة التي خلق الإنسان
عليها كأنه يقول: ما ظهرت أسمائي كلها إلاَّ في النشأة الإنسانية، قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ وَادَمَ
اُلْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [سورة البقرة: الآية ٣١] أي الأسماء الإلهية التي وجدت عنها الأكوان كلها ولم
تعطها الملائكة. وقال بَّه: ((إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ) وإن كان الضمير عندنا متوجهاً أن
يعود على آدم فيكون فيه ردّ على بعض النظار من أهل الأفكار، ويتوجه أن يعود على الله
لتخلقه بجميع الأسماء الإلهية، فعلمت أن هذه السعة إنما قبلها العبد المؤمن لكونه على
الصورة، كما قبلت المرآة صورة الرائي دون غيرها مما لا صقالة فيه ولا صفاء، ولم يكن هذا
للسماء لكونها شفافة ولا للأرض لكونها غير مصقولة، فدل على أن خلق الإنسان وإن كان

٣٢٨
في المعارف / الباب الرابع والثلاثون في معرفة شخص تحقق في منزل الأنفاس ... الخ
عن حركات فلكية هي أبوه، وعن عناصر قابلة وهي أمّه، فإن له من جانب الحق أمراً ما هو
في آبائه ولا في أمّهاته، من ذلك الأمر وسع جلال الله تعالى إذ لو كان ذلك من قبل أبيه الذي
هو السماء أو أمّه التي هي الأرض أو منهما لكان السماء والأرض أولى بأن يسعا الحق ممّن
تولد عنهما ولا سيما والله تعالى يقول: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة غافر: الآية ٥٧] يريد في المعنى لا في الجرمية، ومع
هذا فاختص الإنسان بأمر أعطاه هذه السعة التي ضاق عنها السماء والأرض، فلم تكن له هذه
السعة إلاَّ من حيث أمر آخر من الله فضل به على السماء والأرض، فكل واحد من العالم
فاضل مفضول، فقد فضّل كل واحد من العالم من فضله لحكمة الافتقار والنقص الذي هو
عليه كل ما سوى الله، فإنّ الإنسان إذا زها بهذه السعة وافتخر على الأرض والسماء جاءه قوله
تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ وإذا زهت السماء والأرض بهذه
الآية على الإنسان جاء قوله: ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي، فأزال عنه
هذا العلم ذلك الزهو والفخر وعنهما، وافتقر الكل إلى ربه وانحجب عن زهوه ونفسه.
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يدل على أن بعض الناس يعلم ذلك. وعلم هذا
من علمه منا من الاسم الرحمن الذي هو له وبه تحقق فسل به خبيراً فرحمه عندما زها بعلم ما
فضل به على السماء والأرض وعلم من ذلك أنه ما حصل له من الاسم الرحمن إلاَّ قدر ما
كشف له مما فيه دواؤه، فإن ذلك الأمر الذي به فضّل السماء والأرض هذا العبد هو أيضاً من
الاسم الرحمن ما جاد به على هذا العبد ولا تقول إنّ هذا طعن في كونه نسخة من العالم بل
هو على الحقيقة نسخة جامعة باعتبار أنّ فيه شيئاً من السماء بوجه ما، ومن الأرض بوجه ما،
ومن كل شيء بوجه ما لا من جميع الوجوه. فإن الإنسان على الحقيقة من جملة المخلوقات
لا يقال فيه إنه سماء ولا أرض ولا عرش ولكن يقال فيه: إنه يشبه السماء من وجه كذا،
والأرض من وجه كذا، والعرش من وجه كذا، وعنصر النار من وجه كذا، وركن الهواء من
وجه كذا، والماء والأرض وكل شيء في العالم، فبهذا الاعتبار يكون نسخة وله اسم الإنسان
كما للسماء اسم السماء .
ومن علوم صاحب هذا المقام نزول القرآن فرقاناً لا قرآناً، فإذا علمه قرآناً فليس من
الاسم الرحمن وإنما الاسم الرحمن ترجم له عن اسم آخر إلهيّ يتضمنه الاسم الرحمن، وأنه
نزل في ليلة مباركة وهي ليلة القدر، فعرف بنزوله مقادير الأشياء وأوزانها وعرف بقدره منها،
كما نزل الرب تعالى في الثلث الباقي من الليل، فالليل محل النزول الزمانيّ للحق وصفته التي
هي القرآن، وكان الثلث الباقي من الليل في نزول الرب غيب محمد وقّ وغيب هذا النوع
الإنسانيّ، فإن الغيب ستر والليل ستر، وسمّي هذا الباقي من الليل الثلث لأن هذه النشأة
الإنسانية لها البقاء دائماً في دار الخلود، فإنّ الثلثين الأوّلين ذهبا بوجود الثلث الباقي أو الآخر
من الليل فيه نزل الحق فأوجب له البقاء أيضاً وهو ليل لا يعقبه صباح أبداً فلا يذهب لكن
ينتقل من حال إلى حال ومن دار إلى دار، كما ينتقل الليل من مكان إلى مكان أمام الشمس،

٣٢٩
في المعارف / الباب الرابع والثلاثون في معرفة شخص تحقق في منزل الأنفاس ... الخ
وإنما يفرّ أمامها لئلا تذهب عينه إذ كان النور ينافي الظلمة وتنافيه، غير أن سلطان النور أقوى
فالنور ينفر الظلمة والظلمة لا تنفر النور، وإنما هو النور ينتقل فتظهر الظلمة في الموضع الذي
لا عين للنور فیه .
ألا ترى الحق تسمّى بالنور ولم يتّسم بالظلمة إذ كان النور وجوداً والظلمة عدماً، وإذ
كان النور لا تغالبه الظلمة بل النور الغالب، كذلك الحق لا يغالبه الخلق بل الحق الغالب
فسمّى نفسه نوراً فتذهب السماء وهو الثلث الأوّل من الليل، وتذهب الأرض وهو الثلث
الثاني من الليل، ويبقى الإنسان في الدار الآخرة أبد الآبدين إلى غير نهاية وهو الثلث الباقي
من الليل وهو الولد عن هذين الأبوين السماء والأرض، فنزل القرآن في الليلة المباركة في
الثلث الآخر منها وهو الإنسان الكامل ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [سورة الدخان: الآية ٤] فتميز
عن أبويه بالبقاء ﴿نَزَّلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُّ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [سورة الشعراء: الآيتان: ١٩٤،١٩٣] هو محمد وَّ،
ألا ترى الشارع كيف قال في ولد الزنى إنه شرّ الثلاثة، وكذلك ولد الحلال خير الثلاثة من
هذا الوجه خاصة، فإن الماء الذي خلق منه الولد من الرجل والمرأة أراد الخروج وهو الماء
الذي تكوّن منه الولد وهو الأمر الثالث فحرّك لما أراد الخروج الأبوين للنكاح ليخرج وكان
تحريكه لهما على غير وجه مرضيّ شرعاً يسمّى سفاحاً فقيل فيه إنه شرّ الثلاثة أي هو سبب
الحركة التي بها انطلق عليهم اسم الشرّ فجعله ثلاثة أثلاث: الأبوان ثلثان والولد ثالث. كذلك
قسّم الليل على ثلاثة أثلاث: ثلثان ذاهبان وهما السماء والأرض، وثلث باق وهو الإنسان،
وفيه ظهرت صورة الرحمن وفيه نزل القرآن.
وإنما سميت السماء والأرض ليلاً لأن الظلمة لها من ذاتها والإضاءة فيها من غيرها من
الأجسام المستنيرة التي هي الشمس وأمثالها، فإذا زالت الشمس أظلمت السماء والأرض،
فهذا يا أخي قد استفدت علوماً لم تكن تعرفها قبل هذا وهي علوم هذا الشخص المحقق
بمنزل الأنفاس، وكل ما أدركه هذا الشخص فإنما أدركه من الروائح بالقوّة الشميّة لا غير،
وقد رأينا منهم جماعة بإشبيلية وبمكة وبالبيت المقدس وفاوضناهم في ذلك مفاوضة حال لا
مفاوضة نطق، كما أني فاوضت طائفة أخرى من أصحاب النظر البصريّ بالبصر فكنت أسأل
وأجاب ونسأل ونجيب بمجرّد النظر ليس بيننا كلام معتاد ولا اصطلاح بالنظر أصلاً، لكن
كنت إذا نظرت إليه علمت جميع ما يريده مني، وإذا نظر إليّ علم جميع ما نريده منه، فيكون
نظره إليّ سؤالاً أو جواباً ونظري إليه كذلك، فنحصل علوماً جمّة بيننا من غير كلام، ويكفي
هذا القدر من بعض علم هذا الشخص فإن علومه كثيرة أحطنا بها، فمن أراد أن يعرف مما
ذكرناه شيئاً فليعلم الفرق بين في في قوله: كان في عماء، وبين استوى في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى
اُلْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه: الآية ٥] ولم يقل في كما قال في السماء وفي الليل، ويتبين لك في
كل ما ذكرناه مقام جمع الجمع، ومقام الجمع، ومقام التفرقة، ومقام تمييز المراتب، والله
يقول الحق وهو يهدي السبيل. انتهى الجزء التاسع عشر.

٣٣٠ في المعارف / الباب الخامس والثلاثون في معرفة هذا الشخص المحقق في منزل الأنفاس وأسراره ..
(الجزء العشرون)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّغَنِ الرَّحَمَةِ
الباب الخامس والثلاثون
في معرفة هذا الشخص المحقق في منزل
الأنفاس وأسراره بعد موته رضي الله عنه
[نظم: البسيط]
كحالِه بعد موتِ الجسم والرُّوحِ
العبدُ من كان في حال الحياة به
نوراً كإشراق ذات الأرض من يُوحٍ
والعبدُ من كان في حال الحِجَابِ به
كما الحياةُ لها الدَّعوَى بِتَصْريحٍ
فحالةُ الموت لا دعوى تصاحِبُها
تلك الدَّعَاوَى بإيماء وتَلْويحِ
في حقٌّ قومٍ وفي قومٍ تكون لهم
وزناً تنزَّه عن نَقْصٍ وتَرْجيحِ
فإن فهمتُ الذي قلناه قمتَ به
وكنتَ ممّن تزكِّيه حقائقُه
وإن جهلتَ الذي قلناه جئتَ إلى
ولا سبيلَ إلى طعنٍ وتجريحٍ
دار السؤال بصدر غَيْرِ مَشْرُوحٍ
اعلم أيّدك الله بروح القدس أن هذا الشخص المحقق في منزل الأنفاس أيّ شخص كان
فإن حاله بعد موته يخالف سائر أحوال الموتى، فلنذكر أوّلاً حصر مآخذ أهل الله العلوم من
الله كما قرّرناه في الباب قبل هذا، ولنذكر ما لهم وآثار تلك المآخذ في ذواتهم فلنقل: اعلم يا
أخي أن علم أهل الله المأخوذ من الكشف أنه على صورة الإيمان سواء، فكل ما يقبله الإيمان
عليه يكون كشف أهل الله فإنه حق كله والمخبر به وهو النبيّ ◌َّ# مخبر به عن كشف صحيح،
وذوات العلماء بالله تعالى تكون على صفة الشيء الذي تأخذ منه العلم بالله أي شيء كان.
واعلم أن الصفات على نوعين: صفات نفسية وصفات معنوية، فالصفات المعنوية في
الموصوف هي التي إذا رفعتها عن الذات الموصوفة بها لم ترتفع الذات التي كانت موصوفة
بها، والصفات النفسية هي التي إذا رفعتها عن الموصوف بها ارتفع الموصوف بها ولم يبق له
عين في الوجود العينيّ ولا في الوجود العقليّ حيث ما رفعتها، ثم إنه ما من صفة نفسية
للموصوف التي هي ليست بشيء زائد على ذاته إلاَّ ولها صفة نفسية بها يمتاز بعضها عن
بعض، فإنه قد تكون ذات الموصوف مركبة من صفتين نفسيتين إلى ما فوق ذلك وهي الحدود
الذاتية، وهنا باب مغلق لو فتحناه لظهر ما يذهب بالعقول ويزيل الثقة بالمعلوم، وربما كان
يؤول الأمر في ذلك إلى أن يكون السبب الأوّل من صفات نفس الممكنات، كما أنك إذا
جعلت السبب شرطاً في وجود المشروط ورفعت الشرط ارتفع المشروط بلا شك ولا يلزم
العكس فهذا يطرد ولا ينعكس، فتركناه مقفلاً لمن يجد مفتاحه فیفتحه.
وإذا كان الأمر عندنا وعند كل عاقل بهذه المثابة فقد علمت أن الصفات معان لا تقوم

في المعارف / الباب الخامس والثلاثون في معرفة هذا الشخص المحقق في منزل الأنفاس وأسراره .. ٣٣١
بأنفسها وما لها ظهور إلاَّ في عين الموصوف، والصفات النفسية معان وهي عين الموصوف
والمعاني لا تقوم بأنفسها فكيف تكون هي عين الموصوف لا غيره فيوصف الشيء بنفسه
وصار قائماً بنفسه من حقيقته ألا يقوم بنفسه؟ فإن كل موصوف هو مجموع صفاته النفسية
والصفات لا تقوم بأنفسها، وما ثم ذات غيرها تجمعها وتظهر، وقد نبهتك على أمر عظيم
لتعرف لماذا يرجع علم العقلاء من حيث أفكارهم، ويتبين لك أن العلم الصحيح لا يعطيه
الفكر ولا ما قررته العقلاء من حيث أفكارهم، وأن العلم الصحيح إنما هو ما يقذفه الله في
قلب العالم وهو نور إلهيّ يختصّ به من يشاء من عباده من ملك ورسول ونبيّ ووليّ ومؤمن،
ومن لا كشف له لا علم له، ولهذا جاءت الرسل والتعريف الإلهيّ بما تحيله العقول فتضطر
إلى التأويل في بعضها لتقبله، وتضطر إلى التسليم والعجز في أمور لا تقبل التأويل أصلاً،
وغايته أن يقول له وجه لا يعلمه إلاَّ الله لا تبلغه عقولنا، وهذا كله تأنيس للنفس لا علم حتى
لا تردّ شيئاً مما جاءت به النبوّة، هذا حال المؤمن العاقل، وأمّا غير المؤمن فلا يقبل شيئاً من
ذلك .
وقد وردت أخبار كثيرة مما تحيلها العقول: منها في الجناب العالي، ومنها في الحقائق
وانقلاب الأعيان، فأمّا التي في الجناب العالي فما وصف الحق به نفسه في كتابه وعلى لسان
رسله ممّا يجب الإيمان به ولا يقبله العقل بدليله على ظاهره إلاَّ إن تأوّله بتأويل بعيد، فإيمانه
إنما هو بتأويله لا بالخبر ولم يكن له كشف إلهيّ كما كان للنبيّ فيعرف مراد الحق في ذلك
الخبر، فوصف نفسه سبحانه بالظرفية الزمانية والمكانية، ووصفه بذلك رسوله وَالر وجميع
الرسل وكلهم على لسان واحد في ذلك لأنهم يتكلمون عن إله واحد، والعقلاء أصحاب
الأفكار اختلفت مقالاتهم في الله تعالى على قدر نظرهم، فالإله الذي يعبد بالعقل مجرّداً عن
الإيمان كأنه بل هو إله موضوع بحسب ما أعطاه نظر ذلك العقل، فاختلفت حقيقته بالنظر إلى
كل عقل وتقابلت العقول، وكل طائفة من أهل العقول تجهل الأخرى بالله وإن كانوا من النظار
الإسلاميين المتأولين، فكل طائفة تكفر الأخرى، والرسل صلوات الله عليهم من آدم عليه
السلام إلى محمد رَّ ما نقل عنهم اختلاف فيما ينسبونه إلى الله من النعوت، بل كلهم على
لسان واحد في ذلك، والكتب التي جاؤوا بها كلها تنطق في حق الله بلسان واحد، ما اختلف
منهم اثنان يصدق بعضهم بعضاً مع طول الأزمان وعدم الاجتماع وما بينهم من الفرق
المنازعين لهم من العقلاء ما اختل نظامهم، وكذلك المؤمنون بهم على بصيرة المسلمون،
المسلمون الذين لم يدخلوا نفوسهم في تأويل فهم أحد رجلين: إمّا رجل آمن وسلم وجعل
علم ذلك إليه إلى أن مات وهو المقلّد. وإمّا رجل عمل بما علم من فروع الأحكام واعتقد
الإيمان بما جاءت به الرسل والكتب، فكشف الله عن بصيرته وصيّره ذا بصيرة في شأنه كما
فعل بنبيه ورسوله وَل﴿ وأهل عنايته، فكاشف وأبصر ودعا إلى الله عزّ وجلّ على بصيرة كما
قال الله تعالى في حق نبيه وَّرَ مخبراً له: ﴿أَدْعُوّاْ إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ أَتَّبَعَنِّى﴾ [سورة
يوسف: الآية ١٠٨] وهؤلاء هم العلماء بالله العارفون وإن لم يكونوا رسلاً ولا أنبياء فهم على بينة

٣٣٢ في المعارف/ الباب الخامس والثلاثون في معرفة هذا الشخص المحقق في منزل الأنفاس وأسراره.
من ربهم في علمهم به وبما جاء من عنده، وكذلك وصف نفسه بكثير من صفات المخلوقين
من المجيء والإتيان والتجلّي للأشياء والحدود والحجب والوجه والعين والأعين واليدين
والرضى والكراهة والغضب والفرح والتبشبش، وكل خبر صحيح ورد في كتاب وسنّة.
والأخبار أكثر من أن تحصى ممّا لا يقبلها إلاَّ مؤمن بها من غير تأويل أو بعض أرباب النظر
من المؤمنين بتأويل اضطره إليه إيمانه، فانظر مرتبة المؤمن ما أعزّها ومرتبة أهل الكشف ما
أعظمها حيث ألحقت أصحابها بالرسل والأنبياء عليهم السلام فيما خصّوا به من العلم الإلهي
لأن العلماء ورثة الأنبياء، وما ورثوا ديناراً ولا درهماً بل ورثوا العلم، يقول وَّرَ: «إِنَّا مَعْشَرَ
الأَنْبِيَاءِ لاَ نُوَرِّثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٍ)) فمن كان عنده شيء من هذه الدنيا فليوقفه صدقة على من
يراه من الأقربين إلى الله فهو النسب الحقيقي أو يزهد فيه ولا يترك شيئاً يورث عنه إن أراد أن
يلحق بهم ولا يرث أحداً، فالحمد لله الذي أعطانا من هذا المقام الحظ الوافر، فهذا بعض ما
ورد علينا من الله عزّ وجلّ في الله تعالى من الأوصاف.
وأمّا في قلب الحقائق فلا خلاف بين العقلاء في أنه لا يكون، ودلّ دليل العقل القاصر
من جهة فكره ونظره لا من جهة إيمانه وقبوله إذ لا أعقل من الرسل وأهل الله أنّ الأعيان لا
تنقلب حقيقة في نفسها، وأن الصفات والأعراض في مذهب من يقول إنها أعيان موجودة لا
تقوم بأنفسها، ولا بدّ لها من محل قائم بنفسه أو غير قائم بنفسه لكنه في قائم بنفسه ولا بدّ،
ومثال الأول: السواد مثلاً أو أي لون كان لا يقوم إلاَّ بمحل يقال فيه لقيام السواد به أسود،
ومثال الثاني: كالسواد المشرق مثلاً، فالسواد هو المشرق فإنه نعت له فهذا معنى قولي أو غير
قائم بنفسه لكنه في قائم بنفسه، وهذه مسألة خلاف بين النظار هل يقوم المعنى بالمعنى؟ فمن
قائل به ومانع من ذلك، وقد ثبت أن جميع الأعمال كلها أعراض وأنها تفنى ولا بقاء لها،
وأنه ليس لها عين موجودة بعد ذهابها ولا توصف بالانتقال، وأن الموت إمّا عرض موجود
في الميت في مذهب بعض النظار، وإمّا نسبة افتراق بعد اجتماع، وكذا جميع الأكوان في
مذهب بعضهم وهو الصحيح الذي يقتضيه الدليل، وعلى كل حال فإنه لا يقوم بنفسه .
ووردت الأخبار النبوية بما يناقض هذا كله، مع كوننا مجمعين على أن الأعمال أعراض
أو نسب، فقال الشارع وهو الصادق صاحب العلم الصحيح والكشف الصريح: ((إن المَوْتَ
يُجاء به يوم القيامة في صورة كَبِشٍ أمْلَحَ يعرفه الناس ولا يُتكره أحدٌ فيُذبح بين الجنة والنار)).
روي أن يحيى عليه السلام هو الذي يضجعه ويذبحه بشفرة تكون في يده والناس ينظرون
إليه. وورد أيضاً في الخبر أن عمل الإنسان يدخل معه في قبره في صورة حسنة أو قبيحة
فيسأله صاحبه فيقول: أنا عملك. وأن مانع الزكاة يأتيه ماله شجاعاً أقرع له زبيبتان، وأمثال
هذا في الشرع لا تحصى كثرة. فأمّا المؤمنون فيؤمنون بهذا كله من غير تأويل. وأمّا أهل
النظر من أهل الإيمان وغيرهم فيقولون: حملُ هذا على ظاهره محال عقلاً، وله تأويل
فيتأولونه بحسب ما يعطيهم نظرهم فيه. ثم يقولون أهل الإيمان منهم عقيب تأويلهم والله
أعلم يعني في ذلك التأويل الخاص الذي ذهب إليه: هل هو المراد لله أم لا؟ وأمّا حمله على

في المعارف / الباب الخامس والثلاثون في معرفة هذا الشخص المحقق في منزل الأنفاس وأسراره .. ٣٣٣
ظاهره فمحال عندهم جملة واحدة، والإيمان إنما يتعلق بلفظ الشارع به خاصة، هذا هو
اعتقاد أهل الأفكار.
وبعد أن بينّا لك هذه الأمور ومراتب الناس فيها فإنها من هذا الباب الذي نحن بصدده
فاعلم أنه ما ثم إلا ذوات أوجدها الله تعالى فضلاً منه عليها قائمة بأنفسها، وكل ما وصفت به
فنسب وإضافات بينها وبين الحق من حيث ما وصفت، فإذا أوجد الموجد قيل فيه إنه قادر
على الإيجاد ولولا ذلك ما أوجد، وإذا خصّص الممكن بأمر دون غيره ممّا يجوز أن يقوم به
قيل مريد، ولولا ذلك ما خصّصه بهذا دون غيره، وسبب هذا كله إنما تعطيه حقيقة الممكن،
فالممكنات أعطت هذه النسب فافهم إن كنت ذا لبّ ونظر إلهيّ وكشف رحماني، وقد قرّرنا
في الباب الذي قبل هذا أن مآخذ العلوم من طرق مختلفة وهي: السمع والبصر والشم
واللمس والطعم والعقل من حيث ضرورياته وهو ما يدركه بنفسه من غير قوّة أخرى، ومن
حيث فكره الصحيح أيضاً ممّا يرجع إلى طرق الحواس أو الضروريات والبديهيات لا غير
فذلك يسمّى علماً.
والأمور العارضة الحاصل عنها العلوم أيضاً ترجع إلى هذه الأصول لا تنفك عنها،
وإنما سميت عوارض من أجل أن العادة في إدراك الألوان أن اللمس لا يدركها وإنما يدركها
البصر، فإذا أدركها الأكمه باللمس وقد رأينا ذلك فقد عرض لحاسة اللمس ما ليس من
حقيقتها في العادة أن تدركه، وكذلك سائر الطرق إذا عرض لها درك ما ليس من شأنها في
العادة أن يدرك بها يقال فيه عرض لها، وإنما فعل الله هذا تنبيهاً لنا أنه ما ثم حقيقة كما يزعم
أهل النظر لا ينفذ فيها الاقتدار الإلهيّ بل تلك الحقيقة إنما هي بجعل الله لها على تلك
الصورة، وأنها ما أدركت الأشياء المربوط إدراكها بها من كونها بصراً ولا غير ذلك يقول الله
بل بجعلنا فيدرك جميع العلوم كلها بحقيقة واحدة من هذه الحقائق إذا شاء الحق، فلهذا قلنا :
عرض لها إدراك ما لم تجر العادة بإدراكها إياه، فتعلم قطعاً أنه عزّ وجل قد يكون ممّا يعرض
لها أن تعلم وترى من ليس كمثله شيء، وإن كانت الإدراكات لم تدرك شيئاً قط إلاَّ ومثله
أشياء كثيرة من جميع المدركات.
ولم ينف سبحانه عن إدراكه قوّة من القوى التي خلقها إلاَّ البصر فقال: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ
اَلْأَبْصَرُ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٠٣] فمنع ذلك شرعاً، وما قال: لا يدركه السمع ولا العقل ولا
غيرهما من القوى الموصوف بها الإنسان، كما لم يقل أيضاً إن غير البصر يدركه بل ترك الأمر
مبهماً وأظهر العوارض التي تعرض لهذه القوى في معرض التنبيه أنه ربما وضع ذلك في
رؤيتنا من ليس كمثله شيء كما رأينا أول مرئيّ، وسمعنا أول مسموع، وشممنا أول مشموم،
وطعمنا أول مطعوم، ولمسنا أول ملموس، وعقلنا أول معقول، ممّا لم يكن له مثل عندنا وإن
كان له أمثال في نفس الأمر، ولكن في أولية الإدراك سرّ عجيب في نفي المماثلة له، فقد
أدرك المدرك من لا مثل له عنده فيقيسه عليه، وكون ذلك المدرك يقبل لذاته المثل أو لا يقبله
حكم آخر زائد على كونه مدركاً لا يحتاج إليه في الإدراك إن كنت ذا فطنة، بل نقول: إن

٣٣٤ في المعارف / الباب الخامس والثلاثون في معرفة هذا الشخص المحقق في منزل الأنفاس وأسراره ..
التوسّع الإلهيّ يقتضي أن لا مثل في الأعيان الموجودة وأن المثلية أمر معقول متوهم، فإنه لو
كانت المثلية صحيحة ما امتاز شيء عن شيء ممّا يقال هو مثله، فذلك الذي امتاز به الشيء
عن الشيء هو عين ذلك الشيء، وما لم يمتز به عن غيره فما هو إلاَّ عين واحدة.
فإن قلت: رأيناه مفترقاً مفارقاً ينفصل هذا عن هذا مع كونه يماثله في الحدّ والحقيقة
يقال لك: أنت الغالط، فإن الذي وقع به الانفصال هو المعبّر عنه بأنه تلك العين، وما لم
يقع به الانفصال هو الذي توهمت أنه مثل، وهذا من أغمض مسائل هذا الباب، فما ثم مثل
أصلاً ولا يقدر على إنكار الأمثال ولكن بالحدود لا غير، ولهذا نطلق المثلية من حيث
الحقيقة الجامعة المعقولة لا الموجودة، فالأمثال معقولة لا موجودة، فنقول في الإنسان إنه
حيوان ناطق بلا شك، وإن زيداً ليس هو عين عمرو من حيث صورته، وهو عين عمرو من
حيث إنسانيته لا غيره أصلاً، وإذا لم يكن غيره في إنسانيته فليس مثله بل هو هو، فإنّ حقيقة
الإنسانية لا تتبعض بل هي في كل إنسان بعينها لا بجزئيتها فلا مثل لها، وهكذا جميع الحقائق
كلها، فلم تصحّ المثلية إذا جعلتها غير عين المثل، فزيد ليس مثل عمرو من حيث إنسانيته بل
هو هو، وليس زيد مثل عمرو في صورته فإن الفرقان بينهما ظاهر، ولولا الفارق لالتبس زيد
بعمروٍ ولم تكن معرفة بالأشياء، فما أدرك المدرك أي شيء أدرك إلاَّ من: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ،
شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] وذلك لأن الأصل الذي نرجع إليه في وجودنا وهو الله تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ فلا يكون ما يوجد عنه إلاَّ على حقيقة أنه لا مثل له، فإنه كيف يخلق
ما لا تعطيه صفته وحقيقته لا تقبل المثل، فلا بدّ أن يكون كل جوهر فرد في العالم لا يقبل
المثل إن كنت ذا فطنة ولب، فإنه ليس في الإله حقيقة تقبل المثل، فلو كان قبول المثل
موجوداً في العالم لاستند في وجوده من ذلك الوجه إلى غير حقيقة إلهيّة، وما ثم موجد إلاّ
الله ولا مثل له، فما في الوجود شيء له مثل، بل كل موجود متميّز عن غيره بحقيقة هو عليها
في ذاته، وهذا هو الذي يعطيه الكشف والعلم الإلهيّ الحق، فإذا أطلقت المثل على الأشياء
كما قد تقرر فاعلم أني أطلق ذلك عرفاً قال تعالى: ﴿أُمَّمُّ أَمْثَالُكُمْ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٣٨] أي كما
انطلق عليكم اسم الأمة كذلك ينطلق اسم أمّة على كل دابة وطائر يطير بجناحيه، وكما أن كل
أمّة وكل عين في الوجود ما سوى الحق تفتقر في إيجادها إلى موجد نقول بتلك النسبة في كل
واحد: إنه مثل للآخر في الافتقار إلى الله، وبهذا يصحّ قطعاً أن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾
[سورة الشورى: الآية ١١] بزيادة الكاف أو بفرض المثل، فإنك إذا عرفت أن كل محدث لا يقبل
المثلية كما قررناه لك فالحق أولى بهذه الصفة، فلم تبق المثلية الواردة في القرآن وغيره إلاَّ في
الافتقار إلى الله الموجد أعيان الأشياء.
ثم أرجع وأقول: إن كل واحد من أهل الله لا يخلو أن يكون قد جعل الله علم هذا
الشخص بالأشياء في جميع القوى أو في قوّة بعينها كما قررنا، إمّا في الشم وهو صاحب علم
الأنفاس، وإمّا في النظر فيقال هو صاحب نظر، وإمّا في الضرب وهو من باب اللمس بطريق
خاص ولذلك كنى عن ذلك بوجود برد الأنامل، فينسب صاحب تلك الصفة التي بها تحصل

في المعارف / الباب الخامس والثلاثون في معرفة هذا الشخص المحقق في منزل الأنفاس وأسراره .. ٣٣٥
العلوم إليها فيقال: هو صاحب كذا، كما قررنا أن الصفة هي عين الموصوف في هذا الباب
أعني الصفة النفسية، فكما رجع المعنى الذي يقال فيه إنه لا يقوم بنفسه صورة قائمة بنفسها
رجعت الصورة التي هي هذا العالم معنى لتحقّقه بذلك المعنى وتألّفه به كما تألّفت هذه
المعاني فصار من تأليفها ذات قائمة بنفسها يقال فيها جسم وإنسان وفرس ونبات فافهم،
فيصير صاحب علم الذوق ذوقاً، وصاحب علم الشم شماً، ومعنى ذلك أنه يفعل في غيره ما
يفعل الذوق فيه إن كان صاحب ذوق، أو ما فعل الشم فيه إن كان صاحب شم، فقد التحق
في الحكم بمعناه وصار هو في نفسه معنى يدرك به المدرك الأشياء كما يدرك الرائي بالنظر في
المرآة الأشياء التي لا يدركها في تلك الحالة إلاَّ بالمرآة.
كان للشيخ أبي مدين ولد صغير من سوداء وكان أبو مدين صاحب نظر فكان هذا
الصبي وهو ابن سبع سنين ينظر ويقول: أرى في البحر في موضع صفته كذا وكذا سفناً وقد
جرى فيها كذا وكذا، فإذا كان بعد أيام وتجيء تلك السفن إلى بجاية مدينة هذا الصبي التي
كان فيها يوجد الأمر على ما قاله الصبي فيقال للصبي: بماذا ترى؟ فيقول: بعيني، ثم يقول:
لا إنما أراه بقلبي، ثم يقول: لا إنما أراه بوالدي إذا كان حاضراً ونظرت إليه رأيت هذا الذي
أخبركم به، وإذا غاب عني لا أرى شيئاً من ذلك. ورد في الخبر الصحيح عن الله تعالى في
العبد الذي يتقرّب إلى الله بالنوافل حتى يحبه يقول: ((فَإِذَا أَحْبَيْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ
وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بَهِ)) الحديث، فبه يسمع ويبصر ويتكلم ويبطش ويسعى، فهذا معنى قولنا:
يرجع المحقق بمثل صورة معنى ما تحقق به، فكان ينظر بأبيه كما ينظر الإنسان بعينه في
المرآة فافهم، وهكذا كل صاحب طريق من طرق هذه القوى، وقد يجمع الكل واحد فيرى
بكل قوّة، ويسمع بكل قوّة، ويشم بكل قوّة، وهو أتم الجماعة.
وأمّا أحوالهم بعد موتهم فعلى قدر ما كانوا عليه في الدنيا من التفرّغ لأمر ما معين أو
أمور مختلفة على قدر ما تحققوا به في التفرّغ له وهم في الآخرة على قدر أحوالهم في الدنيا،
فمن كان في الدنيا عبداً محضاً كان في الآخرة ملكاً محضاً، ومن كان في الدنيا يتّصف
بالملك ولو في جوارحه أنها ملك له نقص من ملكه في الآخرة بقدر ما استوفاه في الدنيا، ولو
أقام العدل في ذلك وصرفه فيما أوجب الله عليه أن يصرفه فيه شرعاً وهو يرى أنه مالك لذلك
الغفلة طرأت منه فإن وبال ذلك يعود عليه ويؤثر فيه، فلا أعزّ في الآخرة ممّن بلغ في الدنيا
غاية الذلّ في جناب الحق والحقيقة، ولا أذل في الآخرة ممّن بلغ في الدنيا غاية العزّة في
نفسه ولو كان مصفوعاً في الدنيا، ولا أريد بعزّ الدنيا أن يكون فيها ملكاً إلاَّ أن يكون صفته في
نفسه العزّة وكذلك الذلّة. وأمّا أن يكون في ظاهر الأمر ملكاً أو غير ذلك فما نبالي في أي
مقام وفي أي حال أقام الحق عبده في ظاهره، وإنما المعتبر في ذلك حاله في نفسه.
ذكر عبد الكريم بن هوازن القشيري في بعض كتبه وغيره عن رجل من الناس أنه دفن
رجلاً من الصالحين فلما جعله في قبره نزع الكفن عن خدّه ووضع خدّه على التراب ففتح
الميت عينيه وقال له: يا هذا أتذللني بين يدي من أعزّني؟ فتعجب من ذلك وخرج من القبر.

٣٣٦ في المعارف/ الباب الخامس والثلاثون في معرفة هذا الشخص المحقق في منزل الأنفاس وأسراره ..
ورأيت أنا مثل هذا لعبد الله صاحبي الحبشي في قبره ورآه غاسله وقد هاب أن يغسله في
حديث طويل ففتح عينيه في المغتسل وقال له: اغسل. فمن أحوالهم بعد الموت أنهم أحياء
بالحياة النفسية التي بها يسبح كل شيء، ومن كانت له همة بمعبده في حال عبادته في حياته
بحيث أن يكون يحفظها من الداخل فيها حتى لا يتغير عليه الحال إن كان صاحب نفس، فإذا
مات ودخل أحد بعده معبده ففعل فيه ما لا يليق بصاحبه الذي كان يعمره ظهرت فيه آية،
وهذا قد رويناه في حكاية عن أبي يزيد البسطامي كان له بيت يتعبد فيه يسمّى بيت الأبرار،
فلما مات أبو يزيد بقي البيت محفوظاً محترماً لا يُفعل فيه إلاَّ ما يليق بالمساجد، فاتفق أنه
جاء رجل فبات فيه قيل: وكان جنباً احترقت عليه ثيابه من غير نار معهودة ففرّ من البيت فما
كان يدخله أحد فيفعل فيه ما لا يليق إلاَّ رأى آية فيبقى أثر مثل هذا الشخص بعد موته يفعل
مثل ما كان يفعله في حياته سواء، وقد قال بعضهم وكان محباً في الصلاة: يا رب إن كنت
أذنت لأحد أن يصلي في قبره فاجعلني ذلك فرؤي وهو يصلي في قبره. وقد مرّ
رسول الله وَيّ ليلة إسرائه بقبر موسى عليه السلام فرآه وهو يصلي في قبره ثم عرج به إلى
السماء وذكر الإسراء وما جرى له فيه مع الأنبياء ورأى موسى في السماء السادسة وقد رآه وهو
يصلي في قبره. فمن أحوال هذا الشخص بعد موته مثل هذه الأشياء لا فرق في حقّه بين حياته
وموته، فإنه كان في زمان حياته في الدنيا في صورة الميت حاله الموت فجعله الله في حال
موته کمن حاله الحياة جزاء وفاقاً .
ومن صفات صاحب هذا المقام في موته إذا نظر الناظر إلى وجهه وهو ميت يقول فيه
حيّ، وإذا نظر إلى مجس عروقه يقول فيه ميت فيحار الناظر فيه فإن الله جمع له بين الحياة
والموت في حال حياته وموته، وقد رأيت ذلك لوالدي رحمه الله يكاد أنّا ما دفناه إلاَّ على شك
ممّا كان عليه في وجهه من صورة الأحياء. وممّا كان من سكون عروقه وانقطاع نفسه من صورة
الأموات وكان قبل أن يموت بخمسة عشر يوماً أخبرني بموته وأنه يموت يوم الأربعاء وكذلك
كان، فلما كان يوم موته وكان مريضاً شديد المرض استوى قاعداً غير مستند وقال لي : يا ولدي
اليوم يكون الرحيل واللقاء، فقلت له: كتب الله سلامتك في سفرك هذا وبارك لك في لقائك،
ففرح بذلك وقال لي: جزاك الله يا ولدي عني خيراً كل ما كنت أسمعه منك تقوله ولا أعرفه
وربما كنت أنكر بعضه هوذا أنا أشهده، ثم ظهرت على جبينه لمعة بيضاء تخالف لون جسده من
غير سوء له نور يتلألأ فشعر بها الوالد، ثم إن تلك اللمعة انتشرت على وجهه إلى أن عمّت بدنه
فقبلته وودعته وخرجت من عنده وقلت له: أنا أسير إلى المسجد الجامع إلى أن يأتيني نعيك،
فقال لي: رح ولا تترك أحداً يدخل عليّ، وجمع أهله وبناته فلما جاء الظهر جاءني نعيه فجئت
إليه فوجدته على حالة يشك الناظر فيه بين الحياة والموت، وعلى تلك الحالة دفناه وكان له
مشهد عظيم، فسبحان من يختص برحمته من يشاء، فصاحب هذا المقام حياته وموته سواء،
وكل ما قدّمناه في هذا الباب من العلم هو علم صاحب هذا المقام فإنه من علم الأنفاس ولهذا
ذكرنا ما ذكرنا من ذلك، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

٣٣٧
في المعارف/ الباب السادس والثلاثون في معرفة العيسويين وأقطابهم وأصولهم
الباب السادس والثلاثون
في معرفة العيسويين وأقطابهم وأصولهم
[نظم: المديد]
وشفى من عِلَّة الحُجُبِ
كلُّ من أحيا حقيقتَه
عندنا شيءٌ من الرِّيَبِ
فهو عيسى لا يُناط به
رتبةٌ تسمو على الرُّتَبِ
فلقد أعطت سَجِيَّتُه
في صريح الوحي والكُتُبِ
بنعوتِ القدس تعرفه
صفةً في سالف الحِقَبِ
لم يَنَلها غيرُ وارثه
فسَرَتْ في الكونِ هِمَّتُه
في أعاجيم وفي عَرَبِ
وبها إِزَّالَّةُ النُّوَبِ
فيها تحيا نفوسُهُمُو
اعلم أيّدك الله أنه لما كان شرع محمد بَّر تضمن جميع الشرائع المتقدّمة وأنه ما بقي
لها حكم في هذه الدنيا إلاَّ ما قررته الشريعة المحمدية فبتقريرها ثبتت، فتعبدنا بها نفوسنا من
حيث إن محمداً وَليل قرّرها لا من حيث إن النبيّ المخصوص بها في وقته قرّرها، فلهذا أوتي
رسول الله ◌َّ جوامع الكلم، فإذا عمل المحمدي وجميع العالم المكلف اليوم من الإنس
والجنّ محمدي ليس في العالم اليوم شرع إلهيّ سوى هذا الشرع المحمدي، فلا يخلو هذا
العامل من هذه الأمّة أن يصادف في عمله فيما يفتح له منه في قلبه وطريقه ويتحقق به طريقة
من طرق نبيّ من الأنبياء المتقدّمين ممّا تتضمنه هذه الشريعة وقرّرت طريقته وصحبتها نتيجته،
فإذا فتح له في ذلك فإنه ينتسب إلى صاحب تلك الشريعة فيقال فيه: عيسوي، أو موسوي،
أو إبراهيمي، وذلك لتحقيق ما تميّز له من المعارف وظهر له من المقام من جملة ما هو تحت
حيطة شريعة محمد ◌ّالرّ فيتميز بتلك النسبة أو بذلك النسب من غيره ليعرف أنه ما ورث من
محمد ◌َي* إلاَّ ما لو كان موسى أو غيره من الأنبياء حياً واتبعه ما ورث إلاَّ ذلك منه. ولما
تقدّمت شرائعهم قبل هذه الشريعة جعلنا هذا العارف وارثاً إذا كان الورث للآخر من الأوّل،
فلو لم يكن لذلك الأوّل شرع مقرّر قبل تقرير محمد وَ لَه الساوينا الأنبياء والرسل، إذ جمعنا
زمان شريعة محمد# كما يساوينا اليوم وإلياس والخضر وعيسى إذا نزل فإن الوقت يحكم
عليه، إذ لا نبوّة تشريع بعد محمد وَل .
ولا يقال في أحد من أهل هذه الطريقة إنه محمدي إلاَّ لشخصين: إمّا شخص اختصّ
بميراث علم من حكم لم يكن في شرع قبله فيقال فيه محمديّ. وإمّا شخص جمع المقامات
ثم خرج عنها إلى لا مقام كأبي يزيد وأمثاله فهذا أيضاً يقال فيه محمدي، وما عدا هذين
الشخصين فينسب إلى نبيّ من الأنبياء، ولهذا ورد في الخبر: أنّ العلماء ورثة الأنبياء ولم يقل
ورثة نبيّ خاصٍ، والمخاطب بهذا علماء هذه الأمّة، وقد ورد أيضاً بهذا اللفظ قوله وَله:
((عُلَمَاءُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَنْبِيَاءُ سَائِرِ الأُمم)) وفي رواية: ((كَأَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ)) فالعيسويون الأول هم
الفتوحات المکیة ج١ - م٢٢

٣٣٨
في المعارف / الباب السادس والثلاثون في معرفة العيسويين وأقطابهم وأصولهم
الحواريون أتباع عيسى، فمن أدرك منهم إلى الآن شرع محمد رَله وآمن به واتبعه واتفق أن
يكون قد حصل له من هذه الشريعة ما كان قبل هذا شرعاً لعيسى عليه السلام، فيرث من
عيسى عليه السلام ما ورثه من غير حجاب، ثم يرث من عيسى عليه السلام في شريعة
محمد ◌ّة ميراث تابع من تابع لا من متبوع وبينهما في الذوق فرقان، ولهذا قال
رسول الله ◌ّ في مثل هذا الشخص: إن له الأجر مرتين، كذلك له ميراثان وفتحان وذوقان
مختلفان ولا ينسب فيهما إلاَّ إلى ذلك النبي عليه السلام، فهؤلاء هم العيسويون الثواني
وأصولهم توحيد التجريد من طريق المثال، لأن وجود عيسى عليه السلام لم يكن عن ذكر
بشريّ وإنما كان عن تمثّل روح في صورة بشر، ولهذا غلب على أمّة عيسى ابن مريم دون
سائر الأمم القول بالصورة، فيصوّرون في كنائسهم مثلاً ويتعبدون في أنفسهم بالتوجّه إليها،
فإن أصل نبيهم عليه السلام كان عن تمثّل فسرت تلك الحقيقة في أمته إلى الآن.
ولما جاء شرع محمد وَّر ونهى عن الصور وهو ◌َّل قد حوى على حقيقة عيسى وانطوى
شرعه في شرعه فشرع لنا ◌َّ أن نعبد الله كأنّا نراه فأدخله لنا في الخيال وهذا هو معنى التصوير،
إلاَّ أنه نهى عنه في الحسّ أن يظهر في هذه الأمّة بصورة حسيّة. ثم إن هذا الشرع الخاص الذي
هو: اعبد الله كأنك تراه، ما قاله محمد وَ ل# لنا بلا واسطة بل قاله لجبريل عليه السلام وهو الذي
تمثّل لمريم بشراً سوياً عند إيجاد عيسى عليه السلام، فكان كما قيل في المثل السائر : إياكِ أعني
فاسمعي يا جارة فكنّا نحن المرادين بذلك القول، ولهذا جاء في آخر الحديث: «هِذَا جِبْرِيلُ أَرَادَ
أَنْ تَعْلَمَّوا إِذْ لَمْ تَسْأَلُوا)). وفي رواية: ((جَاءَ لِيُعَلَّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ)). وفي رواية: ((أَتَاكُمْ يُعَلَّمكُمْ
دِينَكُم)). فما خرجت الروايات عن كوننا المقصودين بالتعليم.
ثم لتعلم أن الذي لنا من غير شرع عيسى عليه السلام قوله: ((فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»
فهذا من أصولهم. وكان شيخنا أبو العباس العريبي رحمه الله عيسوياً في نهايته، وهي كانت
بدايتنا أعني نهاية شيخنا في هذا الطريق كانت عيسوية، ثم نقلنا إلى الفتح الموسوي
الشمسي، ثم بعد ذلك نقلنا إلى هود عليه السلام، ثم بعد ذلك نقلنا إلى جميع النبيين عليهم
السلام، ثم بعد ذلك نقلنا إلى محمد وَلّ، هكذا كان أمرنا في هذا الطريق ثبّته الله علينا ولا
حاد بنا عن سواء السبيل، فأعطانا الله من أجل هذه النشأة التي أنشأنا الله عليها في هذا الطريق
وجه الحق في كل شيء، فليس في العالم عندنا في نظرنا شيء موجود إلاَّ ولنا فيه شهود عين
حق نعظمه منه، فلا نرمي بشيء من العالم الوجودي، وفي زماننا اليوم جماعة من أصحاب
عيسى عليه السلام ويونس عليه السلام يحيون وهم منقطعون عن الناس، فأمّا القوم الذين هم
من قوم يونس فرأيت أثر قدم واحد منهم بالساحل كان صاحبه قد سبقني بقليل فشبرت قدمه
في الأرض فوجدت طول قدمه ثلاثة أشبار ونصفاً وربعاً بشبري، وأخبرني صاحبي أبو
عبد الله بن خرز الطنجي أنه اجتمع به في حكاية وجاءني بكلام من عنده مما يتفق في
الأندلس في سنة خمس وثمانين وخمسمائة وهي السنة التي كنا فيها وما يتفق في سنة ست
وثمانين مع الإفرنج فكان كما قال ما غادر حرفاً .

٣٣٩
في المعارف/ الباب السادس والثلاثون في معرفة العيسويين وأقطابهم وأصولهم
وأمّا الذي في الزمان من أصحاب عيسى فهو ما رويناه من حديث عربشاه بن محمد بن
أبي المعالي العلوي النوقي الخبوشاني كتابة قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن سهل العباسي
الطوسي، أنا أبو المحاسن عليّ بن أبي الفضل الفارمدي، أنا أحمد بن الحسين بن عليّ
قال: حدّثنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو عمرو عثمان بن أحمد بن السماك ببغداد إملاء، ثنا
يحيى بن أبي طالب، ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الراسبي، ثنا مالك بن أنس عن نافع عن
ابن عمر قال: كتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص وهو بالقادسية أن وجه
نضلة بن معاوية الأنصاري إلى حلوان العراق فليغز على ضواحيها، قال: فوجه سعد نضلة
في ثلاثمائة فارس فخرجوا حتى أتوا حلوان العراق وأغاروا على ضواحيها وأصابوا غنيمة
وسبياً فأقبلوا يسوقون الغنيمة والسبيَ حتى رهقت بهم العصر وكادت الشمس أن تغرب،
فألجأ نضلة السبي والغنيمة إلى سفح الجبل ثم قام فأذّن فقال: الله أكبر الله أكبر، قال:
ومجيب من الجبل يجيبه: كبرت كبيراً يا نضلة، ثم قال: أشهد أن لا إله إلاَّ الله، فقال: كلمة
الإخلاص يا نضلة، وقال: أشهد أن محمداً رسول الله، فقال: هو الدين وهو الذي بشرنا به
عيسى ابن مريم عليهما السلام وعلى رأس أمّته تقوم الساعة، ثم قال: حيّ على الصلاة،
قال: طوبى لمن مشى إليها وواظب عليها، ثم قال: حيّ على الفلاح، قال: قد أفلح من
أجاب محمداً وَّه وهو البقاء لأمّته، قال: الله أكبر الله أكبر، قال: كبرت كبيراً، قال: لا إله
إلاّ الله، قال: أخلصت الإخلاص يا نضلة فحرّم الله جسدك على النار، قال: فلما فرغ من
أذانه قمنا فقلنا: من أنت يرحمك الله؟ أملك أنت؟ أم ساكن من الجنّ؟ أم من عباد الله؟
أسمعتنا صوتك فأرنا شخصك فإنا وفد الله ووفد رسول الله وَ ل# ووفد عمر بن الخطاب،
قال: فانفلق الجبل عن هامة كالرحى أبيض الرأس واللحية عليه طمران من صوف فقال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقلنا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته من أنت يرحمك
الله؟ قال: أنا زريب بن برثملا وصي العبد الصالح عيسى ابن مريم عليهما السلام أسكنني هذا
الجبل ودعا لي بطول البقاء إلى نزوله من السماء فيقتل الخنزير ويكسر الصليب ويتبرأ مما
نحلته النصارى، ما فعل النبيّ وَلّ؟ قلنا: قبض فبكى بكاء طويلاً حتى خضب لحيته بالدموع
ثم قال: فمن قام فيكم بعده؟ قلنا: أبو بكر، قال: ما فعل؟ قلنا: قبض، قال: فمن قام فيكم
بعده؟ قلنا: عمر، قال: إذا فاتني لقاء محمد ◌ّليه فأقرؤوا عمر مني السلام وقولوا: يا عمر
سدّد وقارب فقد دنا الأمر وأخبروه بهذه الخصال التي أخبركم بها: يا عمر إذا ظهرت هذه
الخصال في أمّة محمد بَّ فالهرب الهرب: إذا استغنى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء،
وانتسبوا في غير مناسبهم، وانتموا إلى غير مواليهم، ولم يرحم كبيرهم صغيرهم، ولم يوقر
صغيرهم كبيرهم، وترك الأمر بالمعروف فلم يؤمر به، وترك النهي عن المنكر فلم ينه عنه،
وتعلم عالمهم العلم ليجلب به الدنانير والدراهم، وكان المطر قيظاً، والولد غيظاً، وطولوا
المنابر، وفضضوا المصاحف، وزخرفوا المساجد، وأظهروا الرشى، وشيّدوا البناء، واتبعوا
الهوى، وباعوا الدين بالدنيا، واستخفوا الدماء، وتقطعت الأرحام، وبيع الحكم، وأكل

٣٤٠
في المعارف/ الباب السادس والثلاثون في معرفة العيسويين وأقطابهم وأصولهم
الربا، وصار التسلط فخراً، والغنى عزّاً، وخرج الرجل من بيته فقام إليه من هو خير منه،
وركبت النساء السروج. قال: ثم غاب عنا. فكتب بذلك نضلة إلى سعد وكتب سعد إلى
عمر، فكتب عمر: ائت أنت ومن معك من المهاجرين والأنصار حتى تنزل هذا الجبل فإذا
لقيته فأقرئه مني السلام فإن رسول الله وَله قال: إن بعض أوصياء عيسى ابن مريم عليه السلام
نزل بذلك الجبل بناحية العراق، فنزل سعد في أربعة آلاف من المهاجرين والأنصار حتى نزل
الجبل أربعين يوماً ينادي بالأذان في وقت كل صلاة فلم يجده.
لم يتابع الراسبي على قوله عن مالك بن أنس، والمعروف في هذا الحديث مالك بن
الأزهر عن نافع وابن الأزهر مجهول، قال أبو عبد الله الحاكم: لم يسمع بذكر ابن الأزهر في
غير هذا الحديث، والسؤال عن النبي ◌َّ وعن أبي بكر هو من حديث ابن لهيعة عن ابن
الأزهر، قلنا: هذا الحديث وإن تكلم في طريقه فهو صحيح عند أمثالنا كشفاً. وقوله: في
زخرفة المساجد وتفضيض المصاحف ليسا على طريق الذمّ وإنما هما دلالة على اقتراب
الساعة وفساد الزمان، كدلالة نزول عيسى عليه السلام، وخروج المهدي، وطلوع الشمس
من مغربها، معلوم كل ذلك أنه ليس على طريق الذمّ وإنما الدلالات على الشيء قد تكون
مذمومة ومحمودة، هذا الوصي العيسوي ابن برثملا لم يزل في ذلك الجبل يتعبّد لا يعاشر
أحداً، وقد بعث رسول الله وَ أترى ذلك الراهب بقي على أحكام النصارى؟ لا والله فإنّ
شريعة محمد بَ لّ ناسخة، يقول وَلّ: ((لَوْ كَانَ مُوسَى حَيّاً مَا وَسِعَهُ إِلاَّ أَنْ يَتْبِعَني)) وهذا عيسى
إذا نزل ما يؤمنا إلاَّ منا أي بسنتنا، ولا يحكم فينا إلاَّ بشرعنا، فهذا الراهب ممّن هو على بينة
من ربّه، علّمه ربّه من عنده ما افترضه عليه من شرع نبينا وَّ على الطريق التي اعتادها من
الله، وهذا عندنا ذوق محقق، فإنا أخذنا كثيراً من أحكام محمد ◌َله المقررة في شرعه عند
علماء الرسوم، وما كان عندنا منها علم فأخذناها من هذا الطريق ووجدناها عند علماء الرسوم
كما هي عندنا، ومن تلك الطريق نصحّح الأحاديث النبوية ونردّها أيضاً إذا أعلمنا أنها واهية
الطرق غير صحيحة عن رسول الله وَّلة، وإن قرّر الشارع حكم المجتهد وإن أخطأ، ولكن
أهل هذه الطريقة ما يأخذون إلاَّ بما حكم به رسول الله وَلقر، وهذا الوصي من الأفراد،
وطريقه في مأخذ العلوم طريق الخضر صاحب موسى عليه السلام فهو على شرعنا، وإن
اختلف الطريق الموصل إلى العلم الصحيح فإنّ ذلك لا يقدح في العلم، قال رسول الله وليد
فيمن أعطي الولاية من غير مسألة: إنّ الله يعينه عليها وإن الله يبعث إليه ملكاً يسدّده يريد
عصمته من الغلط فيما يحكم به، قال الخضر: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِىَّ﴾ [سورة الكهف: الآية ٨٢]
وقال عليه السلام: ((إِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي مُحَدَّثونَ فَمِنْهُمْ عُمَرُ)).
ثم إنه قد ثبت عندنا أنّ النبيّ ◌َّ نهى عن قتل الرهبان الذين اعتزلوا الخلق وانفردوا
بربهم فقال: ((ذَروهُمْ وَمَا انْقَطَعُوا إِلَيْهِ))، فأتى بلفظ مجمل ولم يأمرنا بأن ندعوهم لعلمه وَل
أنهم على بينة من ربهم، وقد أمر وَّر بالتبليغ، وأمرنا أن يبلغ الشاهد الغائب، فلولا ما علم
رسول الله وَّل أنّ الله يتولى تعليمهم مثل ما تولّى تعليم الخضر وغيره ما كان كلامه هذا ولا