النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
في المعارف / الباب الثلاثون في معرفة الطبقة الأولى والثانية من الأقطاب الركبان
الله عنه وهو من أكبرهم، وقد شهد الله له أنه آتاه رحمة من عنده وعلمه من لدنه علماً اتبعه فيه
كليم الله موسى عليه السلام الذي قال فيه وَ له: ((لَوْ كَانَ مُوسَى حِيّاً مَا وَسِعَهُ إِلاَّ أَنْ يَتبعَنِي)) .
فمن أسرارهم ما قد ذكرناه من العلم بمنزلة أهل البيت، وما قد نبّه الله على علوّ رتبتهم
في ذلك، ومن أسرارهم علم المكر الذي مكر الله بعباده في بغضهم مع دعواهم حبّ
رسول الله وَّة وسؤاله المودة في القربى وهو رَّ من جملة أهل البيت، فما فعل أكثر الناس
ما سألهم فيه رسول الله وَلّر عن أمر الله فعصوا الله ورسوله وما أحبّوا من قرابته إلاَّ من رأوا
منه الإحسان، فأغراضهم أحبّوا بنفوسهم تعشقوا ومن أسرارهم الاطلاع على صحة ما شرع
الله لهم في هذه الشريعة المحمدية من حيث لا تعلم العلماء بها، فإن الفقهاء والمحدّثين الذين
أخذوا علمهم ميتاً عن ميت إنما المتأخر منهم هو فيه على غلبة ظن إذ كان النقل شهادة
والتواتر عزيز، ثم إنهم إذا عثروا على أمور تفيد العلم بطريق التواتر لم يكن ذلك اللفظ
المنقول بالتواتر نصاً فيما حكموا به فإن النصوص عزيزة فيأخذون من ذلك اللفظ بقدر قوّة
فهمهم فيه ولهذا اختلفوا، وقد يمكن أن يكون لذلك اللفظ في ذلك الأمر نصّ آخر يعارضه
ولم يصل إليهم وما لم يصل إليهم ما تعبدوا به ولا يعرفون بأيّ وجه من وجوه الاحتمالات
التي في قوّة هذا اللفظ كان يحكم رسول الله وَلّه المشرّع فأخذه أهل الله عن رسول الله وَ ل
في الكشف على الأمر الجلي والنص الصريح في الحكم، أو عن الله بالبينة التي هم عليها من
ربّهم والبصيرة التي بها دعوا الخلق إلى الله عليها كما قال الله: ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ﴾
[سورة هود: الآية ١٧] وقال: ﴿أَدْعُوَاْ إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَأْ وَمَنِ أَثَّبَعَنِّى﴾ [سورة يوسف: الآية ١٠٨] فلم
يفرد نفسه بالبصيرة وشهد لهم بالاتباع في الحكم فلا يتبعونه إلاّ على بصيرة وهم عباد الله أهل
هذا المقام. ومن أسرارهم أيضاً إصابة أهل العقائد فيما اعتقدوه في الجناب الإلهيّ وما تجلّى
لهم حتى اعتقدوا ذلك، ومن أين تصوّر الخلاف مع الاتفاق على السبب الموجب الذي
استندوا إليه فإنه ما اختلف فيه اثنان، وإنما وقع الخلاف فيما هو ذلك السبب وبماذا يسمّى
ذلك السبب، فمن قائل: هو الطبيعة، ومن قائل: هو الدهر، ومن قائل: غير ذلك، فاتفق
الكلّ في إثباته ووجوب وجوده، وهل هذا الخلاف يضرّهم مع هذا الاستناد أم لا؟ هذا كله
من علوم أهل هذا المقام. انتهى الجزء السابع عشر.
(الجزء الثامن عشر)
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمَةِ
الباب الثلاثون
في معرفة الطبقة الأولى والثانية من الأقطاب الركبان
[نظم: الرمل]
نُجُبَ الأعمال في الليل البهيم
إن لله عباداً ركبوا

٣٠٢
في المعارف/ الباب الثلاثون في معرفة الطبقة الأولى والثانية من الأقطاب الركبان
العزيز جلَّ من فَزْدٍ عليمْ
وترقَّتْ هممُ الذلِّ بهم
وتلقّاهم بكاسات النَّديم
فاجتباهم وتجلى لَهُمُو
إنه يعرف مقدارَ العظيم
من يكن ذا رفعةٍ في ذلَّةٍ
إنما يظهر فيها بالقديم
رتْبَةُ الحادث إن حقَّقْتَها
في رسول ونبيٍّ وقَسِيمْ
إن الله علوماً جمَّةً
لطفَتْ ذاتاً فما يدركها
عالَمُ الأنفاسِ أنفاسِ النَّسيمْ
اعلم أيّدك الله أن أصحاب النجب في العرف هم الركبان، قال الشاعر: [البسيط]
شدّوا الإغارة فرساناً ورُكْبَانَا
فليتَ لي بهِمُو قوماً إذا ركبوا
الفرسان ركّاب الخيل، والركبان ركاب الإبل، فالأفراس في المعروف تركبها جميع
الطوائف من عجم وعرب، والهجن لا يستعملها إلاَّ العرب، والعرب أرباب الفصاحة
والحماسة والكرم، ولما كانت هذه الصفات غالبة على هذه الطائفة سمّيناهم بالركبان، فمنهم
من يركب نجب الهمم، ومنهم من يركب نجب الأعمال، فلذلك جعلناهم طبقتين: أولى
وثانية، وهؤلاء أصحاب الركبان هم الأفراد في هذه الطريقة فإنهم رضي الله عنهم على
طبقات: فمنهم الأقطاب، ومنهم الأئمة، ومنهم الأوتاد، ومنهم الأبدال، ومنهم النقباء،
ومنهم النجباء، ومنهم الرجبيون، ومنهم الأفراد، وما منهم طائفة إلاَّ وقد رأيت منهم
وعاشرتهم ببلاد المغرب وببلاد الحجاز والشرق، فهذا الباب مختصّ بالأفراد وهي طائفة
خارجة عن حكم القطب وحدها ليس للقطب فيهم تصرّف، ولهم من الأعداد من الثلاثة إلى
ما فوقها من الأفراد ليس لهم ولا لغيرهم فيما دون الفرد الأوّل الذي هو الثلاثة قدم، فإن
الأحدية وهو الواحد لذات الحق والاثنان للمرتبة وهو توحيد الألوهية، والثلاثة أوّل وجود
الكون عن الله، فالأفراد في الملائكة الملائكة المهيمون في جمال الله وجلاله الخارجون عن
الأملاك المسخّرة والمدبّرة اللذين هما في عالم التدوين والتسطير، وهم من القلم والعقل إلى
ما دون ذلك، والأفراد من الإنس مثل المهيمة من الأملاك، فأوّل الأفراد الثلاثة وقد
قال ◌َله: ((الثَّلاثَةُ رَكْبٌ)) فأول الركب الثلاثة إلى ما فوق ذلك، ولهم من الحضرات الإلهية
الحضرة الفردانية وفيها يتميزون، ومن الأسماء الإلهية الفرد والمواد الواردة على قلوبهم من
المقام الذي تردّ منه على الأملاك المهيمة ولهذا يجهل مقامهم وما يأتون به مثل ما أنكر موسى
عليه السلام على خضر مع شهادة الله فيه لموسى عليه السلام وتعريفه بمنزلته وتزكية الله إياه
وأخذه العهد عليه إذ أراد صحبته، ولما علم الخضر أن موسى عليه السلام ليس له ذوق في
المقام الذي هو الخضر عليه، كما أن الخضر ليس له ذوق فيما هو موسى عليه من العلم الذي
علّمه الله إلاَّ أن مقام الخضر لا يعطي الاعتراض على أحد من خلق الله لمشاهدة خاصة هو
عليها، ومقام موسى والرسل يعطي الاعتراض من حيث هم رسل لا غير في كل ما يرونه
خارجاً عمّا أرسلوا به. ودليل ما ذهبنا إليه في هذا قول الخضر لموسى عليه السلام: ﴿وَكَيْفَ
تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، خُبْرًا﴾ [سورة الكهف: الآية ٦٨] فلو كان الخضر نبياً لما قال له ما لم تحط به

٣٠٣
في المعارف / الباب الثلاثون في معرفة الطبقة الأولى والثانية من الأقطاب الركبان
خبراً، فالذي فعله لم يكن من مقام النبوّة وقال له في انفراد كل واحد منهما بمقامه الذي هو
عليه، قال الخضر لموسى عليه السلام: يا موسى أنا على علم علمنيه الله لا تعلمه أنت،
وأنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا، وافترقا وتميزا بالإنكار، فالإنكار ليس من شأن
الأفراد فإنّ لهم الأولية في الأمور فهم ينكر عليهم ولا ينكرون.
قال الجنيد: لا يبلغ أحد درج الحقيقة حتى يشهد فيه ألف صديق بأنه زنديق وذلك
لأنهم يعلمون من الله ما لا يعلمه غيرهم وهم أصحاب العلم الذي كان يقول فيه علي بن أبي
طالب رضي الله عنه حين يضرب بيده إلى صدره ويتنهد: إن ههنا لعلوماً جمّة لو وجدت لها
حملة، فإنه كان من الأفراد ولم يسمع هذا من غيره في زمانه إلاّ أبي هريرة ذكر مثل هذا،
خرّج البخاري في صحيحه عنه أنه قال: حملت عن النبي وَلّو جرابين: أما الواحد فبئئته
فيكم، وأما الآخر فلو بثئته لقطع مني هذا البلعوم. البلعوم مجرى الطعام، فأبو هريرة ذكر أنه
حمله عن رسول الله ( # فكان فيه ناقلاً عن غير ذوق ولكنه علم لكونه سمعه من
رسول الله وَّيّ، ونحن إنما نتكلم فيمن أعطي عين الفهم في كلام الله تعالى في نفسه وذلك
علم الأفراد، وكان من الأفراد عبد الله بن العباس البحر كان يلقب به لاتساع علمه فكان يقول
في قوله عزّ وجلّ: ﴿اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [سورة الطلاق:
الآية ١٢] لو ذكرت تفسيره لرجمتموني. وفي رواية: لقلتم إني كافر. وإلى هذا العلم كان يشير
عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب زين العابدين عليهم الصلاة والسلام بقوله فلا أدري
هل هما من قيله أو تمثل بهما: [البسيط]
لقيل لي أنت ممن يعبد الوَثَنَا
يا رُبَّ جَوْهَر علمٍ لو أبوحُ به
يرَوْن أقبحَ ما يأتونه حَسَنًا
ولا ستحلَّ رجالٌ مسلمون دمي
فنبّه بقوله (يعبد الوثنا)) على مقصوده ينظر إليه تأويل قوله وَ لّه: ((إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى
صُورَتِهِ)) بإعادة الضمير على الله تعالى وهو من بعض محتملاته بالله. يا أخي أنصفني فيما
أقوله لك، لا شكّ أنك قد أجمعت معي على أنه كل ما صحّ عن رسول الله وَلّ من الأخبار
في كل ما وصف به فيها ربه تعالى من الفرح والضحك والتعجب والتبشبش والغضب والتردّد
والكراهة والمحبة والشوق أن ذلك وأمثاله يجب الإيمان به والتصديق، فلوهبت نفحات من
هذه الحضرة الإلهية كشفاً وتجلياً وتعريفاً إلهياً على قلوب الأولياء بحيث أن يعلموا بإعلام الله
وشاهدوا بإشهاد الله من هذه الأمور المعبر عنها بهذه الألفاظ على لسان الرسول، وقد وقع
الإيمان مني ومنك بهذا كله إذا أتى بمثله هذا الوليّ في حق الله تعالى ألست تزندقه كما قال
الجنيد، ألست تقول: إن هذا مشبه هذا عابد وثن؟ كيف وصف الحق بما وصف به
المخلوق؟ ما فعلت عبدة الأوثان أكثر من هذا كما قال عليّ بن الحسين، ألست كنت تقتله أو
تفتي بقتله كما قال ابن عباس؟ فبأيّ شيء آمنت وسلمت لما سمعت ذلك من رسول الله وَّل في
حق الله من الأمور التي تحيلها الأدلة العقلية ومنعت من تأويلها، والأشعري تأوّلها على وجوه
من التنزيه في زعمه فأين الإنصاف؟ فهلا قلت: القدرة واسعة أن تعطي لهذا الوليّ ما أعطت

٣٠٤
في المعارف / الباب الثلاثون في معرفة الطبقة الأولى والثانية من الأقطاب الركبان
للنبيّ من علوم الأسرار، فإن ذلك ليس من خصائص النبوّة، ولا حجر الشارع على أمّته هذا
الباب، ولا تكلم فيه بشيء، بل قال: إن يكن في أمّتي محدّثون فعمر منهم، فقد أثبت النبيّ وَل
أن ثَم من يحدّث ممن ليس بنبي وقد يحدث بمثل هذا فإنه خارج عن تشريع الأحكام من الحلال
والحرام، فإن ذلك أعني التشريع من خصائص النبوّة وليس الاطلاع على غوامض العلوم الإلهية
من خصائص نبوّة التشريع بل هي سارية في عباد الله من رسول وولي وتابع ومتبوع، يا وليّ فأين
الإنصاف منك؟ أليس هذا موجوداً في الفقهاء وأصحاب الأفكار الذين هم فراعنة الأولياء
ودجاجلة عباد الله الصالحين، والله يقول لمن عمل منّا بما شرع الله له: إن الله يعلمه ويتولى
تعليمه بعلوم أنتجتها أعماله، قال تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ اللَّهُ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾
[سورة البقرة: الآية ٢٨٢] وقال: ﴿إِن تَثَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [سورة الأنفال: الآية ٢٩].
ومن أقطاب هذا المقام عمر بن الخطاب وأحمد بن حنبل ولهذا قال رَّ في عمر بن
الخطاب يذكر ما أعطاه الله من القوّة ((يَا عُمَرُ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ فِي فَجِّ إِلاَّ سَلَكَ فَجَآ غَيْرَ
فَجِّكَ)) فدلّ على عصمته بشهادة المعصوم، وقد علمنا أن الشيطان ما يسلك قط بنا إلاَّ إلى
الباطل وهو غير فجّ عمر بن الخطاب فما كان عمر يسلك إلاّ فجاج الحق بالنص، فكان ممّن
لا تأخذه في الله لومة لائم في جميع مسالكه وللحق صولة، ولما كان الحق صعب المرام قوياً
حمله على النفوس لا تحمله ولا تقبله بل تمجّه وتردّه لهذا قال مَّلهُ: ((مَا تَرَكَ الْحَقُّ لِعُمَرَ مِنْ
صَدِيقٍ)) وصدق ◌َّ يعني في الظاهر والباطن، أمّا في الظاهر: فلعدم الإنصاف وحب الرياسة
وخروج الإنسان عن عبوديته واشتغاله بما لا يعنيه وعدم تفرغه لما دعي إليه من شغله بنفسه
وعيبه عن عيوب الناس. وأمّا في الباطن: فما ترك الحق لعمر في قلبه من صديق فما كان له
تعلّق إلاّ بالله .
ثم الطامة الكبرى أنك إذا قلت لواحد من هذه الطائفة المنكرة اشتغل بنفسك يقول
لك: إنما أقوم حماية لدين الله وغيرة له والغيرة لله من الإيمان وأمثال هذا، ولا يسكن ولا
ينظر هل ذلك من قبيل الإمكان أم لا؟ أعني أن يكون الله قد عرّف ولياً من أوليائه بما يجريه
في خلقه كالخضر ويعلمه علوماً من لدنه تكون العبارة عنها بهذه الصيغ التي ينطق بها
الرسول وَ﴿ كما قال الخضر: ﴿وَمَا فَعَلَُّهُ عَنْ أَمْرِئَّ﴾ [سورة الكهف: الآية ٨٢] وآمن هذا المنكر بها
على زعمه إذ جاء بها رسول الله وَلقر فوالله لو كان مؤمناً بها ما أنكرها على هذا الوليّ لأن
الشارع ما أنكر إطلاقها في جناب الحق من استواء ونزول ومعية وضحك وفرح وتبشيش
وتعجّب وأمثال ذلك، وما ورد عنه وَّله قط أنه حجرها على أحد من عباد الله بل أخبر عن الله
أنه يقول لنا: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَّةُ حَسَنَةٌ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٢١]، ففتح لنا وندبنا
إلى التأسّي به بَلّ وقال: ﴿فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٣١] وهذا من اتباعه
والتأسي به. فمن التأسّي به إذا ورد علينا من الحق سبحانه وارد حق فعلمنا من لدنه علماً فيه
رحمة حبانا الله بها وعناية حيث كنا في ذلك على بينة من ربنا ويتلوها شاهد منّا وهو اتباعنا
سنته، وما شرع لنا لم نخلّ بشيء منها ولا ارتكبنا مخالفة بتحليل ما حرّم الله أو تحريم ما

٣٠٥
في المعارف / الباب الثلاثون في معرفة الطبقة الأولى والثانية من الأقطاب الركبان
أحلّ، فنطلب لذلك المعلوم الذي علمناه من جانب الحق أمثال هذه العبارات النبوية لنفصح
بها عن ذلك ولا سيّما إذا سئلنا عن شيء من ذلك، لأن الله أخبر عمّن هذه صفته أنه يدعو إلى
الله على بصيرة، فمن التأسّي المأمور به برسول الله وَ﴾ أن نطلق على تلك المعاني هذه
الألفاظ النبوية إذ لو كان في العبارة عنها ما هو أفصح منها لأطلقها وَّر فإنه المأمور بتبيين ما
أنزل به علينا ولا نعدل إلى غيرها لما نريده من البيان مع التحقّق بليس كمثله شيء، فإنا إذا
عدلنا إلى عبارة غيرها ادعينا بذلك أنا أعلم بحق الله وأنزه من رسول الله وَلير، وهذا أسوأ ما
يكون من الأدب. ثم إن المعنى لا بدّ أن يختل عند السامع إذا كان ذلك اللفظ الذي خالفت به
لفظ من كان أفصح الناس وهو رسول الله وَير والقرآن لا يدل على ذلك المعنى بحكم
المطابقة، فشرع لنا التأسيّ وغاب هذا المنكر المكفر من أتى بمثل هذا عن النظر في هذا كله
وذلك لأمرين أو لأحدهما إن كان عالماً فلحسد قام به قال تعالى: ﴿حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنْفُسِهِمْ﴾
[سورة البقرة: الآية ١٠٩] وإن كان جاهلاً فهو بالنبوة أجهل.
يا وليّ لقينا من أقطاب هذا المقام بجبل أبي قبيس بمكة في يوم واحد ما يزيد على
السبعين رجلاً وليس لهذه الطبقة تلميذ في طريقهم أصلاً ولا يسلكون أحداً بطريق التربية لكن
لهم الوصية والنصيحة ونشر العلم فمن وفق أخذ به. ويقال: إن أبا السعود بن الشبل كان
منهم وما لقيته ولا رأيته ولكن شممت له رائحة طيبة ونفساً عطرياً، وبلغني أن عبد القادر
الجيلي وكان عدلاً قطب وقته شهد لمحمد بن قائد الأواني بهذا المقام كذا نقل إليّ والعهدة
على الناقل، فإن ابن قائد زعم أنه ما رأى هناك أمامه سوى قدم نبيه وهذا لا يكون إلاَّ لأفراد
الوقت، فإن لم يكن من الأفراد فلا بدّ أن يرى قدم قطب وقته أمامه زائداً على قدم نبيه إن كان
أماماً، وإن كان وتداً فيرى أمامه ثلاثة أقدام، وإن كان بدلاً يرى أربعة أقدام وهكذا، إلاَّ أنه لا
بدّ أن يكون في حضرة الأتباع مقاماً، فإذا لم يقم في حضرات الأتباع وعدل به عن يمين
الطريق بين المخدع وبين الطريق فإنه لا يبصر قدماً أمامه وذلك هو طريق الوجه الخاص الذي
من الحق إلى كل موجود، ومن ذلك الوجه الخاص تنكشف للأولياء هذه العلوم التي تنكر
عليهم ويزندقون بها ويزندقهم بها، ويكفرهم من يؤمن بها إذا جاءته عن الرسل وهي العلوم
عينها وهي التي ذكرناها آنفاً .
ولأصحاب هذا المقام التصريف والتصرّف في العالم، فالطبقة الأولى من هؤلاء تركت
التصرّف لله في خلقه مع التمكّن وتولية الحق لهم إياه تمكناً لا أمراً لكن عرضاً فلبسوا الستر
ودخلوا في سرادقات الغيب واستتروا بحجب العوائد ولزموا العبودة والافتقار وهم الفتيان
الظرفاء الملامتية الأخفياء الأبرياء، وكان أبو السعود منهم كان رحمه الله ممّن امتثل أمر الله في
قوله تعالى: ﴿فَتَخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [سورة المزمل: الآية ٩] فالوكيل له التصرّف، فلو أمر امتثل الأمر هذا
من شأنهم. وأمّا عبد القادر فالظاهر من حاله أنه كان مأموراً بالتصرّف فلهذا ظهر عليه هذا هو
الظنّ بأمثاله. وأمّا محمد الأواني فكان يذكر أن الله أعطاه التصرّف فقبله، فكان يتصرّف ولم
يكن مأموراً فابتلي فنقصه من المعرفة القدر الذي علا أبو السعود به عليه فنطق أبو السعود
الفتوحات المكية ج١ - م٢٠

٣٠٦
في المعارف / الباب الحادي والثلاثون في معرفة أصول الركبان
بلسان الطبقة الأولى من طائفة الركبان وسميناهم أقطاباً لثبوتهم، ولأن هذا المقام أعني مقام
العبودة يدور عليهم، لم أرد بقطبيتهم أن لهم جماعة تحت أمرهم يكونون رؤساء عليهم،
وأقطاباً لهم هم أجلّ من ذلك وأعلى، فلا رياسة أصلاً لهم في نفوسهم لتحققهم بعبوديتهم،
ولم يكن لهم أمر إلهيّ بالتقدّم، فما ورد عليهم فيلزمهم طاعته لما هم عليه من التحقق أيضاً
بالعبودية فيكونون قائمين به في مقام العبودية بامتثال أمر سيدهم. وأمّا مع التخيير والعرض أو
طلب تحصيل المقام فإنه لا يظهر به إلاَّ من لم يتحقق بالعبودة التي خلق لها، فهذا يا وليّ قد
عرفتك في هذا الباب بمقاماتهم، وبقي التعريف بأصولهم وتعيين أحوال الأقطاب المدبرين
من الطبقة الثانية منهم نذكر ذلك فيما بعد إن شاء الله، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل لا
رب غيره .
الباب الحادي والثلاثون
في معرفة أصول الركبان
[نظم: الرمل]
ومضى في حُكْمه وما وَنَى
حَدَبَ الدهرُ علينا وحَنًا
يطرب الدهرُ بإيقاع الغُنَا
وعشقناه فغنّينا عسى
نحن حكَّمْناكَ في أنفسنا
فاحكم آن شئت علينا أو لنَا
كان ذاك الحكمُ للدهر بِنّا
ولقد كان له الحكمُ وما
صرَّف الدهرَ كذا صرَّفَنَا
فشفيعي هو دهري والذي
جعل السرَّ لدينا عَلَنَا
فركبنا نطلب الأصلَ الذي
فلنا منه الذي حركنا
حركاتُ الدهر فينا شهدتْ
فأنا العبدُ الذليلُ المجتبى
وله منّا الذي سكَّنَنَا
أنه قال له ما سَكّنَا
وأنا حقٍّ وما الحقُّ أنَا
اعلم أيّدك الله أن الأصول التي اعتمد عليها الركبان كثيرة منها التبري من الحركة إذا
أقيموا فيها فلهذا ركبوا، فهم الساكنون على مراكبهم المتحرّكون بتحريك مراكبهم، فهم
يقطعون ما أمروا بقطعه بغيرهم لا بهم، فيصلون مستريحين ممّا تعطيه مشقة الحركة، متبرّئين
من الدعوى التي تعطيها الحركة، حتى لو افتخروا بقطع المسافات البعيدة في الزمان القليل
لكان ذلك الفخر راجعاً للمركب الذي قطع بهم تلك المسافة لا لهم فلهم التبرّي وما لهم
الدعوى فهجيرهم: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله، وآيتهم: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ
رَمَى﴾ [سورة الأنفال: الآية ١٧] يقال لهم: وما قطعتم هذه المسافات حين قطعتموها ولكن الركاب
قطعتها فهم المحمولون، فليس للعبد صولة إلا بسلطان سيده وله الذلّة والعجز والمهانة
والضعف من نفسه .
ولما رأوا أن الله قد نبّه بقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٣] فأخلصه له

٣٠٧
في المعارف/ الباب الحادي والثلاثون في معرفة أصول الركبان
علموا أن الحركة فيها الدعوى، وأن السكون لا تشوبه دعوى فإنه نفي الحركة فقالوا: إن الله
قد أمرنا بقطع هذه المسافة المعنوية وجوب هذه المفاوز المهلكة إليه، فإن نحن قطعناها
بنفوسنا لم نأمن على نفوسنا من أن نتمدّح بذلك في حضرة الاتصال فإنها مجبولة على
الرعونة وطلب التقدم وحب الفخر، فنكون من أهل النقص في ذلك المقام بقدر ما ينبغي أن
نحترم به ذلك الجلال الأعظم فلنتخذ ركاباً نقطع به، فإن أرادت الافتخار يكون الافتخار
للركاب لا للنفوس فاتخذت من لا حول ولا قوّة إلاّ بالله نجباً لما كانت النجب أصبر عن الماء
والعلف من الأفراس وغيرها، والطريق معطشة جدبة يهلك فيها من المراكب من ليس له مرتبة
النجب، فلهذا اتخذوها نجباً دون غيرها ممّا يصحّ أن يركب ولا يصحّ أن يقطع ذلك
﴿الحمد لله﴾ فإنّ هذا الذكر من خصائص الوصول، ولا سبحان الله فإنه من خصائص
التجلّي، ولا لا إله إلاَّ الله فإنه من خصائص الدعاوى، ولا الله أكبر فإنه من خصائص
المفاضلة، فتعين لا حول ولا قوّة إلاَّ بالله فإنه من خصائص الأعمال فعلاً وقولاً ظاهراً
وباطناً، لأنهم بالأعمال أمروا والسفر عمل قلباً وبدناً ومعنى وحسّاً، وذلك مخصوص بلا
حول ولا قوّة إلاَّ بالله فإنه بها يقولون: لا إله إلاَّ الله، وبها نقول: سبحان الله، وغير ذلك من
جميع الأقوال والأعمال. ولما كان السكون عدم الحركة والعدم أصلهم لأنه قوله: ﴿وَقَدْ
خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ يريد موجوداً فاختاروا السكون على الحركة وهو الإقامة على
الأصل فنبّه سبحانه وتعالى في قوله: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِىِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٣] أنّ
الخلق سلموا له العدم وادّعوا له في الوجود، فمن باب الحقائق عزّى الحق خلقه في هذه
الآية عن إضافة ما ادّعوه لأنفسهم بقوله: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِىِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي ما ثبت والثبوت
أمر وجودي عقليّ لا عينيّ بل نسبيّ ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٣] يسمع دعواكم
في نسبة ما هو له وقد نسبتموه إليكم عليم بأن الأمر على خلاف ما ادعيتموه.
ومن أصولهم التوحيد بلسان بي يتكلم وبي يسمع وبي يبصر وهذا مقام لا يحصل إلاَّ
عن فروع الأعمال وهي النوافل، فإن هذه الفروع تنتج المحبة الإلهية والمحبة تورث العبد أن
یکون بهذه الصفة فتكون هذه الصفة أصلاً لهذا الصنف من العباد فيما يعلمونه ویحکمون به
من أحكام الخضر وعلمه، فهو أصل مكتسب وهو للخضر أصل عناية إلهية بالرحمة التي آتاه
الله، وعن تلك الرحمة كان له هذا العلم الذي طلب موسى عليه السلام أن يعلمه منه، فإن
تفطنت لهذا الأمر الذي أوردناه عرفت قدر ولاية هذه الملة المحمدية والأمّة ومنزلتها. وأن
ثمرة زهرة فروع أصلها المشروع لها في العامّة هي أصل الخضر الذي امتن الله تعالى على
عبده موسى عليه السلام بلقائه وأدّبه به فأنتج للمحمديّ فرع فرع فرع أصله ما هو أصل
للخضر، ومثل موسى عليه السلام يطلب منه أن يعلمه مما هو عليه من العلم، فانظر منزلة
هذا العارف المحمديّ أين تميزت؟ فكيف لك بما ينتجه الأصل الذي ترجع إليه هذه الفروع؟
قال رسول الله وَّه فيما يرويه عن ربه: ((إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ المُتَقَرِّبُونَ بِأَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ
أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِم)) فهذا هو الأصل أداء الفرض. ثم قال: ((وَلاَ يَزَالُ العَبْدُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ

٣٠٨
في المعارف / الباب الحادي والثلاثون في معرفة أصول الركبان
بِالتَّوافِلِ)) وهو ما زاد على الفرائض ولكن من جنسها حتى تكون الفرائض أصلاً لها مثل نوافل
الخيرات من صلاة، وزكاة، وصوم، وحج، وذكر، فهذا هو الفرع الأقرب إلى الأصل.
ثم ينتج له هذا العمل الذي هو نافلة محبة الله إياه وهي محبة خاصة جزاء ليست هي
محبة الامتنان، فإن محبة الامتنان الأصلية اشترك فيها جميع أهل السعادة عند الله تعالى وهي
التي أعطت لهؤلاء التقرّب إلى الله بنوافل الخيرات. ثم إن هذه المحبة وهي الفرع الثاني الذي
هو بمنزلة الزهرة أنتجت له أن يكون الحق سمعه وبصره ويده إلى غير ذلك، وهذا هو الفرع
الثالث وهو بمنزلة الثمرة التي تعقد عند الزهرة فعند ذلك يكون العبد يسمع بالحق، وينطق
به، ويبصر به، ويبطش به، ويدرك به، وهذا وحي خاص إلهيّ أعطاه هذا المقام، ليس
للملك فيه وساطة من الله ولهذا قال الخضر لموسى عليه السلام: ﴿مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، خُبْرًا﴾ فإن
وحي الرسل إنما هو بالملك بين الله وبين رسوله، فلا خير له بهذا الذوق في عين إمضاء
الحكم في عالم الشهادة، فما تعوّد الإرسال لتشريع الأحكام الإلهية في عالم الشهادة إلاَّ
بواسطة الروح الذي ينزل به على قلبه أو في تمثّله لم يعرف الرسول الشريعة إلا على هذا
الوصف لا غير الشريعة، فإن الرسول له قرب أداء الفرض والمحبة عليها من الله وما تنتج له
تلك المحبة، وله قرب النوافل ومحبتها وما يعطيه محبتها ولكن من العلم بالله لا من علم
التشريع وإمضاء الحكم في عالم الشهادة، فلم يحط به خبراً من هذا القبيل، فهذا القدر هو
الذي اختصّ به خضر دون موسى عليه السلام، ومن هذا الباب يحكم المحمديّ الذي لم
يتقدّم له علم بالشريعة بوساطة النقل وقراءة الفقه والحديث ومعرفة الأحكام الشرعية، فينطق
صاحب هذا المقام بعلم الحكم للشروع على ما هو عليه في الشرع المنزل من هذه الحضرة
وليس من الرسل وإنما هو تعريف إلهيّ وعصمة يعطيها هذا المقام ليس للرسالة فيه مدخل
فهذا معنى قوله: ﴿مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، خُبْرًا﴾ فإن الرسول لا يأخذ هذا الحكم إلاَّ بنزول الروح
الأمين على قلبه أو بمثال في شاهده يتمثل له الملك رجلاً .
ولما كانت النبوّة قد منعت والرسالة كذلك بعد رسول الله و 8# كان التعريف لهذا
الشخص بما هو الشرع المحمديّ عليه في عالم الشهادة، فلو كان في زمان التشريع كما كان
زمان موسى لظهر الحكم من هذا الوليّ كما ظهر من الخضر من غير وساطة ملك بل من
حضرة القرب، فالرسول والنبيّ لهما حضرة القرب مثل ما لهذا وليس له التشريع منها بل
التشريع لا يكون له إلا بوساطة الملك الروح وما بقي إلاَّ إذا حصل للنبيّ المتأخر من شرع
المتقدّم ما هو شرع له هل يحصل ذلك بواسطة الروح كسائر شرعه أو يحصل له كما حصل
للخضر ولهذا الوليّ منّا من حضرة الوحي، فمذهبي أنه لا يحصل له إلاَّ كما يحصل ما
يختص به من الشرائع ذلك الرسول ولهذا يصدق الثقة العدل في قوله: ﴿مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، خُبْراً﴾
وما يعرف له منازع ولا مخالف فيما ذكرناه من أهل طريقنا ولا وقفنا عليه.
غير أنه إن خالفنا فيه أحد من أهل طريقنا فلا يتصوّر فيه خلاف لنا إلاَّ من أحد رجلين،
إما رجل من أهل الله التبس عليه الأمر وجعل التعريف الإلهيّ حكماً فأجاز أن يكون النبيّ أو

٣٠٩
في المعارف / الباب الحادي والثلاثون في معرفة أصول الركبان
الرسول كذلك ولكن في هذه الأمّة. وأمّا في الزمان الأوّل فهو حكم لصاحبه ولا بدّ وهو
تعريف للرسول بوساطة الملك أنّ هذا شرع لغيره، قال تعالى لما ذكر الأنبياء: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ
هَدَى اَللَّهُ فَبِهُدَنهُمُ أَقْتَدِةٌ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٩٠] وما ذكر له هداهم إلاَّ بالوحي بوساطة
الروح. والرجل الآخر رجل قاس الحكم على الأخبار، وأمّا غير ذلك فلا يكون، ومع هذا
فلم يصل إلينا عن أحد منهم خلاف فيما ذكرناه ولا وفاق.
ومن أصول هذه الطبقة أيضاً أنه يتكلم بما به يسمع ولا يقول بذلك سواهم من حيث
الذوق، لكن قد يقول بذلك من يقول به من حيث الدليل العقليّ، فهؤلاء يأخذونه عن تجلّ
إلهيّ، وغيرهم يأخذه عن نظر صحيح موافق للأمر على ما هو عليه وهو الحق ووقوع
الاختلاف في الطريق، فهذا الطريق غير هذا الطريق وإن اتفقا في المنزل وهو الغاية فهو
السميع لنفسه البصير لنفسه العالم لنفسه، وهكذا كل ما تسميه به أو تصفه أو تنعته إن كنت
ممّن يسيء الأدب مع الله حيث يطلق لفظ صفة على ما نسب إليه أو لفظ نعت فإنه ما أطلق
على ذلك إلاَّ لفظ اسم فقال: ﴿سَيِّجِ أسْمَ رَبِّكَ﴾ [سورة الأعلى: الآية ١] و﴿نَبَرَكَ أَسْمُ رَبِّكَ﴾ [سورة
الرحمن: الآية ٧٨] و ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٨٠] وقال في حق
المشركين: ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ [سورة الرعد: الآية ٣٣]، وما قال صفوهم ولا انعتوهم بل قال:
﴿سُبْحَنَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٨٠] فنزّه نفسه عن الوصف لفظاً
ومعنى، إن كنت من أهل الأدب والتفطن فهذا معنى قولي إن كنت ممّن يسيء الأدب مع الله،
والمخالف لنا يقول: إنه يعلم بعلم ويقدر بقدرة ويبصر ببصر، وهكذا جميع ما يتسمّى به إلاَّ
صفات التنزيه فإنه لا يتكلم فيها بهذا النوع كالغني وأشباهه إلاَّ بعضهم فإنه جعل ذلك كله
معاني قائمة بذات الله لا هي هو ولا هي غيره ولكن هي أعيان زائدة على ذاته. والأستاذ أبو
إسحاق جعل السبعة أصولاً لا أعياناً زائدة على ذاته اتصفت بها ذاته، وجعل كل اسم بحسب
ما تعطيه دلالته، فجعل صفات التنزيه كلها في جدول الاسم الحيّ، وجعل الخبير،
والحسيب، والعليم، والمحصي وأخواته في جدول العلم، وجعل الاسم الشكور في جدول
الكلام، وهكذا ألحق الكل كل صفة من السبعة ما يليق بها من الأسماء بالمعنى كالخالق
والرازق للقدرة وغير ذلك على هذا الأسلوب، هذا مذهب الأستاذ.
وأجمع المتكلمون من الأشاعرة على أن ثَمَّ أموراً زائدة على الذات ونصبوا على ذلك
أدلة، ثم إنهم مع إجماعهم على الزائد لم يجدوا دليلاً قاطعاً، على أن هذا الزائد على الذات
هل هو عين واحدة لها أحكام مختلفة وإن كان زائداً لا بدّ من ذلك، أو هل هذا الزائد أعيان
متعدّدة لم يقل حاذقوهم في ذلك شيئاً بل قال بعضهم: يمكن أن يكون الأمر في نفسه يرجع
إلى عين واحدة، ويمكن أن يرجع إلى أعيان مختلفة إلاَّ أنه زائد ولا بدّ ولا فائدة جاء بها هذا
المتكلم إلاَّ عدم التحكّم، فإنّ الذات إذا قبلت عيناً واحدة زائدة جاز أن تقبل عيوناً كثيرة زائدة
على ذاتها فتكون القدماء لا يحصون كثرة وهو مذهب أبي بكر بن الطيب، والخلاف في ذلك
يطول، وليس طريقنا على هذا بني أعني في الردّ عليهم ومنازعتهم، لكن طريقنا تبيين مآخذ

٣١٠
في المعارف/ الباب الحادي والثلاثون في معرفة أصول الركبان
كل طائفة ومن أين انتحلته في نحلتها وما تجلى لها، وهل يؤثر ذلك في سعادتها أو لا يؤثر؟
هذا حظ أهل طريق الله من العلم بالله، فلا نشتغل بالردّ على أحد من خلق الله بل ربما نقيم
لهم العذر في ذلك للاتساع الإلهيّ، فإنّ الله أقام العذر فيمن يدعو مع الله إلهاً آخر ببرهان يرى
أنه دليل في زعمه فقال عزّ من قائل: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَآخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [سورة
المؤمنون: الآية ١١٧] ومن أصولهم الأدب مع الله تعالى فلا يسمونه إلاَّ بما سمّى به نفسه، ولا
يضيفون إليه إلاَّ ما أضافه إلى نفسه، كما قال تعالى: ﴿مَّ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فِنَ اللهِ﴾ وقال فِي
السيئة: ﴿وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَن نَّفْسِكٌ﴾ [سورة النساء: الآية ٧٩] ثم قال: ﴿قُّلْ كُلُّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾
[سورة النساء: الآية ٧٨] قال ذلك في الأمرين إذا جمعتهما لا تقل من الله فراع اللفظ .
واعلم أن لجمع الأمر حقيقة تخالف حقيقة كل مفرد إذا انفرد، ولم يجتمع مع غيره
كسواد المداد بين العفص والزاج، ففصّل سبحانه بين ما يكون منه وبين ما يكون من عنده، يقول
تعالى في حق طائفة مخصوصة: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [سورة طه: الآية ٧٣] ببنية المفاضلة ولا مناسبة.
وقال في حق طائفة أخرى معينة صفتها: ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىْ﴾ [سورة القصص: الآية ٦٠] فما هو
عنده ما هو عين ما هو منه ولا عين هويته فبين الطائفتين ما بين المنزلتين كما قيل لواحد: ما
تركت لأهلك؟ قال: الله ورسوله. وقيل للآخر فقال: نصف مالي، فقال: بينكما ما بين
كلمتيكما يعني في المنزلة، فإذا أخذ العبد من كل ما سواه جعله في الله خير وأبقى. وإذا أخذه
من وجه من العالم يقتضي الحجاب والبعد والذم جعله فيما عند الله خير وأبقى. فميّز المراتب.
ثم إنه سبحانه عرّفنا بأهل الأدب ومنزلتهم من العلم به فقال عن إبراهيم خليله إنه قال :
﴿الَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَدِينِ وَالَّذِى هُوَ يُطْعِمُِّ وَيَسْقِيْنِ﴾ [سورة الشعراء: الآية ٧٨ -٧٩] ولم يقل يجوّعني
﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ ولم يقل أمرضني ﴿فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [سورة الشعراء: الآية ٨٠] فأضاف الشفاء إليه
والمرض لنفسه وإن كان الكل من عنده، ولكنه تعالى هو أدّب رسله إذ كان المرض لا تقبله
النفوس بخلاف الموت فإن الفضلاء من العقلاء العارفين يطلبون الموت للتخلص من هذا
الحبس، وتطلبه الأنبياء للقاء الله الذي يتضمنه وكذلك أهل الله، ولذلك ما خيّر نبيّ في
الموت إلاَّ اختاره لأن فيه لقاء الله فهو نعمة منه عليه ومنّة، والمرض شغل شاغل عن أداء ما
أوجب الله على العبد أداءه من حقوق الله لإحساسه بالألم وهو في محل التكليف، وما يحسّ
بالألم إلاَّ الروح الحيوانيّ فيشغل الروح المدبر لجسده عمّا دعي إليه في هذه الدنيا فلهذا
أضاف المرض إليه والشفاء والموت للحق، كما فعل صاحب موسى عليه السلام في إضافة
خرق السفينة إليه إذ جعل خرقها عيباً، وأضاف قتل الغلام إليه وإلى ربه لما فيه من الرحمة
بأبويه وما ساءهما من ذلك أضافه إليه، وأضاف إقامة الجدار إلى ربّه لما فيه من الصلاح
والخير فقال تعالى عن عبده خضر في خرق السفينة: ﴿فَأَرَدِتُّ أَنْ أَعِبَهَا﴾ [سورة الكهف: الآية ٧٩]
تنزيهاً أن يضيف إلى الجناب العالي ما ظاهره ذمّ في العرف والعادة، وقال في إقامة الجدار لما
جعل إقامته رحمة باليتيمين لما يصيبانه من الخير الذي هو الكنز ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ يخبر موسى
عليه السلام ﴿أَنْ يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِحَا كَنزَهُمَا رَحْمَةٌ مِّن رَّيِّكَ﴾ [سورة الكهف: الآية ٨٢] وقال

٣١١
في المعارف/ الباب الحادي والثلاثون في معرفة أصول الركبان
لموسى في حق الغلام: إنه طبع كافراً والكفر صفة مذمومة، قال تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ
اَلْكُفْرَ﴾ [سورة الزمر: الآية ٧] وأراد أن يخبره بأن الله يبدّل أبويه ﴿خَيْرًا مِّنْهُ زَكَوَةُ وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [سورة
الكهف: الآية ٨١] فأراد أن يضيف ما كان في المسألة من العيب في نظر موسى عليه السلام حيث
جعله نكراً من المنكر وجعله نفساً زاكية قتلت بغير نفس قال: ﴿فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَزُهُمَا﴾ [سورة
الكهف: الآية ٨١] فأتى بنون الجمع فإن في قتله أمرين: أمر يؤدّي إلى الخير، وأمر إلى غير ذلك
في نظر موسى وفي مستقر العادة، فما كان من خير في هذا الفعل فهو لله من حيث ضمير
النون، وما كان فيه من نكر في ظاهر الأمر وفي نظر موسى عليه السلام في ذلك الوقت كان
للخضر من حيث ضمير النون، فنون الجمع لها وجهان لما فيها من الجمع: وجه إلى الخير به
أضاف الأمر إلى الله، ووجه إلى العيب به أضاف العيب إلى نفسه.
وجاء بهذه المسألة والواقعة في الوسط لا في الطرف بين السفينة والجدار ليكون ما فيها
من عيب من جهة السفينة وما فيها من خير من جهة الجدار، فلو كانت مسألة الغلام في
الطرف ابتداء أو انتهاء لم تعط الحكمة أن يكون كل وجه مخلصاً من غير أن يشوبه شيء من
الخير أو ضدّه، فلو كان أوّلاً وكانت السفينة وسط لم يصل ما في مسألة الغلام من الخير الذي
له ولأبويه حتى يمر على حضرة مصيبة ظاهراً وهي السفينة وحينئذ يتصل بالخير الذي في
الجدار ولو كان الجدار وسطاً وتأخّر حديث الغلام لم يصل عيب السفينة إلى الاتصال بعيب
الغلام حتى يمر بخير ما في الجدار فيمر بغير المناسب، ومن شأن الحضرات أن تقلب أعيان
الأشياء أعني صفاتها إذا مرّت بها، فكانت مسألة الغلام وسطاً فيلي وجه العيب جهة السفينة،
ويلي جهة الخير جهة الجدار واستقامت الحكمة. فإن قلت: فلمّ جمع بين الله وبين نفسه في
ضمير النون أعني نون فأردنا، وقال وسلّ لما سمع بعض الخطباء وقد جمع بين الله تعالى
ورسول الله بَّر في ضمير واحد في قوله: ومن يعصهما: ((بئس الخطيب أنت))، فاعلم أنه
من الباب الذي قررناه وهو أنه لا يضاف إلى الحق إلاَّ ما أضافه الحق إلى نفسه أو أمر به
رسوله أو من آتاه علماً من لدنه كالخضر المنصوص عليه فهذا من ذلك الباب، فلما كان هذا
الخطيب عرياً من العلم اللدنيّ ولم يكن رسول الله وقل تقدّم إليه في إباحة مثل هذا لهذا ذمّه
وقال: بئس الخطيب أنت، فإنه كان ينبغي له أن لا يجمع بين الحق والخلق في ضمير واحد
إلاَّ بإذن إلهيّ من رسول أو علم لدنيّ، ولم يكن واحد من هذين الأمرين عنده فلهذا ذمّه
رسول الله عَليه .
وقد قال رسول الله 8# في حديث رويناه عنه في خطبة خطبها فذكر الله تعالى فيها
وذكر نفسه وَّ ثم جمع بين ربّه تعالى وبين نفسه فيها في ضمير واحد فقال: ((مَنْ يُطِعِ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَلاَ يَضُرُّ إِلَّ نَفْسَهُ وَلاَ يَضُرُّ اللَّهَ شَيْئاً))، وما ينطق وَلَّ عن
الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى﴾ [سورة النجم: الآية٤] وكذا قال الخضر: ﴿وَمَا فَعَلْنُهُ عَنْ أَمْرِئَّ﴾
[سورة الكهف: الآية ٨٢] يعني جميع ما فعله من الأعمال وجميع ما قال من الأقوال في العبارة
لموسى عليه السلام عن ذلك فافهم فبهذا قد أبنت لك عن أصولهم ما فيه كفاية، فالركبان هم

٣١٢ في المعارف/ الباب الثاني والثلاثون في معرفة الأقطاب المدبرين أصحاب الركاب من الطبقة الثانية
المرادون المجذوبون المصونة أسرارهم في البيض، فلا يتخللها هواء مثل القاصرات الطرف
من الحور المقصورات في الخيام كأنهنّ بيض مكنون، ومن صفاتهم أنهم لا يكشفون
وجوههم عند النوم ولا ينامون إلاَّ على ظهورهم لهم التلقي لا يتحركون إلاَّ عن أمر إلهيّ،
ولا يسكنون إلاَّ كذلك بإرادة إرادتهم ما يراد بهم.
ولما كان السكون أمراً عدمياً لذلك قرنًا به الإرادة دون الأمر، ولما كان التحرّك أمراً
وجودياً لذلك قرنًا به الأمر الإلهيّ إن فهمت، وهم رضي الله عنهم لا يزاحمون ولا
يزاحمون، أكثر ما يجري على ألسنتهم ما شاء الله سخّرت لهم السحاب لهم القدم الراسخة
في علم الغيوب، لهم في كل ليلة معراج روحانيّ، بل في كل نومة من ليل أو نهار لهم
استشراف على بواطن العالم، فرأوا ملكوت السموات والأرض، يقول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ
نُرِىّ إِنْزَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٧٥] وقال في حق
رسول الله وَّه: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ اَلْأَقْصَا الَّذِى
بَرَّكْنَا حَوْلَهُ لِتُرِيَهُ مِنْ ءَايَئِنَا﴾ [سورة الإسراء: الآية ١] وهو عين إسرائه، والعلماء ورثة الأنبياء
أحوالهم الكتمان لو قطعوا إرباً إرباً ما عرف ما عندهم لهذا قال خضر: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِئَّ﴾
فالكتمان من أصولهم إلاَّ أن يؤمروا بالإفشاء والإعلان، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الثاني والثلاثون
في معرفة الأقطاب المدبرين أصحاب الركاب من الطبقة الثانية
[نظم: البسيط]
به تعشَّقَتِ الأسماءُ والدُّوَلُ
إن التدبُرَ معشوقٌ لصاحبه
في كل ما يقتضيه كونه العملُ
عليه عند الذي يقضي سوالِفَهُ
فكلُّ كون له في عِلمه أَجَلُ
به ترتّب ما في الكون من عَجَبٍ
لقيت من هؤلاء الطبقة جماعة بإشبيلية من بلاد الأندلس منهم أبو يحيى الصنهاجي
الضرير كان يسكن بمسجد الزبيدي صحبته إلى أن مات ودفن بجبل عال كثير الرياح بالشرق،
فكل الناس شقّ عليهم طلوع الجبل لطوله وكثرة رياحه فسكن الله الريح فلم تهب من الوقت
الذي وضعناه في الجبل، وأخذ الناس في حفر قبره وقطع حجره إلى أن فرغنا منه وواريناه في
روضته وانصرفنا، فعند انصرافنا هبت الريح على عادتها فتعجب الناس من ذلك. ومنهم أيضاً
صالح البربري، وأبو عبد الله الشرفي وأبو الحجاج يوسف الشبربلي. فأمَّا صالح فساح
أربعين سنة ولزم بإشبيلية مسجد الرطند إلى أربعين سنة على التجريد بالحالة التي كان عليها
في سياحته. وأمّا أبو عبد الله الشرفي فكان صاحب خطوة بقي نحواً من خمسين سنة ما أسرج
له سراجاً في بيته رأيت له عجائب. وأما أبو الحجاج الشبربلي من قرية يقال لها شبربل بشرق
إشبيلية كان ممّن يمشي على الماء وتعاشره الأرواح، وما من واحد من هؤلاء إلا وعاشرته
معاشرة مودّة وامتزاج ومحبة منهم فينا، وقد ذكرناهم مع أشياخنا في الدرّة الفاخرة عند ذكرنا

في المعارف / الباب الثاني والثلاثون في معرفة الأقطاب المدبرين أصحاب الركاب من الطبقة الثانية ٣١٣
من انتفعت به في طريق الآخرة، فكان هؤلاء الأربعة من أهل هذا المقام وهم من أكابر
الأولياء الملامية، جعل بأيديهم علم التدبير والتفصيل فلهم الاسم المدبّر المفصّل وهجيرهم
يدبر الأمر يفصّل الآيات، هم العرائس أهل المنصات، فلهم الآيات المعتادة وغير المعتادة،
فالعالم كله عندهم آيات بينات، والعامة ليست الآيات عندهم إلاَّ التي هي عندهم غير معتادة،
فتلك تنبههم إلى تعظيم الله .
والله قد جعل الآيات المعتادة لأصناف مختلفين من عباده، فمنها للعقلاء مثل قوله
تعالى: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَاَلْفُلْكِ الَّتِى ◌َّحْرِى فِى الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ
النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اَللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن ◌َّآءٍ فَأَعْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ
الْرِيَجِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٦٤] فثمّ آيات
للعقلاء كلها معتادة، وآيات للموقنين، وآيات لأولي الألباب وآيات لأولي النهى، وآيات
للسامعين وهم أهل الفهم عن الله، وآيات للعالمين وآيات للعاملين، وآيات للمؤمنين، وآيات
للمتفكرين، وآيات لأهل التذكّر. فهؤلاء كلهم أصناف نعتهم الله بنعوت مختلفة. وآيات
مختلفات كلها ذكرها لنا في القرآن إذا بحثت عليها وتدبرتها علمت أنها آيات ودلالات على
أمور مختلفة ترجع إلى عين واحدة غفل عن ذلك أكثر الناس ولهذا عدّد الأصناف، فإن من
الآيات المذكورة المعتادة ما يدرك الناس دلالتها من كونهم ناساً وجّاً وملائكة، وهي التي
وصف بإدراكها العالَم بفتح اللام، ومن الآيات ما تغمض بحيث لا يدركها إلاَّ من له التفكّر
السليم، ومن الآيات ما هي دلالتها مشروطة بأولي الألباب وهم العقلاء الناظرون في لب
الأمور لا في قشورها فهم الباحثون عن المعاني وإن كانت الألباب والنهى العقول فلم يكتف
سبحانه بلفظة العقل حتى ذكر الآيات لأولي الألباب، فما كل عاقل ينظر في لب الأمور
بواطنها فإن أهل الظاهر لهم عقول بلا شك وليسوا بأولي الألباب، ولا شك أن العصاة لهم
عقول ولكن ليسوا بأولي نهى فاختلفت صفاتهم، إذ كانت كل صفة تعطي صنفاً من العلم لا
يحصل إلاَّ لمن حاله تلك الصفة، فما ذكرها الله سدى، وكثر الله ذكر الآيات في القرآن
العزيز، ففي مواضع أردفها وتلا بعضها بعضاً وأردف صفة العارفين بها، وفي مواضع أفردها
فمثل إرداف بعضها على بعض مساقها في سورة الروم فلا يزال يقول تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ﴾
[سورة الروم: الآية ٢٠] ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ﴾ [سورة الروم: الآية ٢١] ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ»﴾ [سورة الروم: الآية ٢٢]
فيتلوها جميع الناس ولا يتنبه لها إلاَّ الأصناف الذين ذكرهم في كل آية خاصة، فكان تلك
الآيات في حق أولئك أنزلت آيات وفي حق غيرهم لمجرّد التلاوة ليؤجروا عليها.
ولما قرأت هذه السورة وأنا في مقام هذه الطبقة ووصلت إلى قوله: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ،
مَنَامُكُ بِلَتْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَا ؤُكُم مِّن فَضْلِهٍِ﴾ [سورة الروم: الآية ٢٣] تعجبت كل العجب من حسن
نظم القرآن وجمعه، ولماذا قدّم ما كان ينبغي في النظر العقلي في ظاهر الأمر أن يكون على
غير هذا النظم، فإن النهار لابتغاء الفضل والليل للمنام كما قال في القصص: ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ،
جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسَكُواْ فِيهِ﴾ [سورة القصص: الآية ٧٣] فأعاد الضمير على الليل ﴿ وَلِتَبْتَغُواْ

٣١٤ في المعارف / الباب الثاني والثلاثون في معرفة الأقطاب المدبرين أصحاب الركاب من الطبقة الثانية
مِن فَضْلِهِ﴾ [سورة القصص: الآية ٧٣] يريد في النهار فأضمر، وإن كان الضميران يعودان على
المعنى المقصود فقد يعمل الصانع بالليل ويبيع ويشتري بالليل كما أنه ينام أيضاً ويسكن
بالنهار، ولكن الغالب في الأمور هو المعتبر، فلاح لي من خلف ستارة هذه الآية وحسن
العبارة عنها الرافعة سترها وهو قوله: ﴿مَنَامُكُ بِلَّلِ وَالنَّهَارِ﴾ أمر زائد على ما يفهم منه في
العموم بقرائن الأحوال في ابتغاء الفضل للنهار والمنام لليل ما نذكره، وهو أن الله نبّه بهذه
الآية على أن نشأة الآخرة الحسيّة لا تشبه هذه النشأة الدنياوية وأنها ليست بعينها بل تركيب
آخر ومزاج آخر كما وردت به الشرائع والتعريفات النبوية في مزاج تلك الدار، وإن كانت هذه
الجواهر عينها بلا شك فإنها التي تبعثر في القبور وتنشر، ولكن يختلف التركيب والمزاج
بأعراض وصفات تليق بتلك الدار لا تليق بهذه الدار، وإن كانت الصورة واحدة في العين
والسمع والأنف والفم واليدين والرجلين بكمال النشأة، ولكن الاختلاف بيِّن، فمنه ما يشعر
به ویحسّ ومنه ما لا يشعر به.
ولما كانت صورة الإنشاء في الدار الآخرة على صورة هذه النشأة لم يشعر بما أشرنا
إليه، ولما كان الحكم يختلف عرفنا أن المزاج اختلف فهذا الفرق بين حظ الحسّ والعقل
فقال تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَئِهِ، مَنَامُكُ بِلَّيْلِ وَأَنَّهَارِ﴾ ولم يذكر اليقظة وهي من جملة الآيات فذكر
المنام دون اليقظة في حال الدنيا، فدلّ على أن اليقظة لا تكون إلاَّ عند الموت، وأن الإنسان
نائم أبداً ما لم يمت، فذكر أنه في منام بالليل والنهار في يقظته ونومه. وفي الخبر: ((النَّاسُ
نِيَامٌ فَإِذَا مَاتُوا انْتَبَهُوا)) ألا ترى أنه لم يأت بالباء في قوله تعالى: ﴿وَأَلَنَّهَارِ﴾ [سورة الروم: الآية ٢٣]
واكتفى بباء الليل ليحقق بهذه المشاركة أنه يريد المنام في حال اليقظة المعتادة فحذفها ممّا
يقوّي الوجه الذي أبرزناه في هذه الآية، فالمنام هو ما يكون فيه النائم في حال نومه، فإذا
استيقظ يقول: رأيت كذا وكذا، فدلّ أن الإنسان في منام ما دام في هذه النشأة في الدنيا إلى
أن يموت، فلم يعتبر الحق اليقظة المعتادة عندنا في العموم، بل جعل الإنسان في منام في
نومه ويقظته، كما أوردناه في الخبر النبوي من قوله وَله: ((النَّاسُ نِيَامٌ فَإِذَا مَاتُوا انْتَبَهُوا))
فوصفهم بالنوم في الحياة الدنيا، والعامة لا تعرف النوم في المعتاد إلاَّ ما جرت به العادة أن
يسمّى نوماً، فنبّه النبي وَّ بل صرّح أن الإنسان في منام ما دام في الحياة الدنيا حتى ينتبه في
الآخرة، والموت أوّل أحوال الآخرة، فصدقه الله بما جاء به في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ،
مَنَامُكُمُ بِأَّيْلِ﴾ وهو النوم العادي والنهار وهو هذا المنام الذي صرَّح به رسول الله وَّر، ولهذا
جعل الدنيا عبرة جسراً يعبر أي تعبر كما تعبر الرؤيا التي يراها الإنسان في نومه .
فكما أن الذي يراه الرائي في حال نومه ما هو مراد لنفسه إنما هو مراد لغيره فيعبر من
تلك الصورة المرئية في حال النوم إلى معناها المراد بها في عالم اليقظة إذا استيقظ من نومه،
كذلك حال الإنسان في الدنيا ما هو مطلوب للدنيا، فكل ما يراه من حال وقول وعمل في
الدنيا إنما هو مطلوب للآخرة، فهناك يعبر ويظهر له ما رآه في الدنيا، كما يظهر له في الدنيا
إذا استيقظ ما رآه في المنام، فالدنيا جسر يعبر ولا يعمر، كالإنسان في حال ما يراه في نومه

في المعارف / الباب الثاني والثلاثون في معرفة الأقطاب المدبرين أصحاب الركاب من الطبقة الثانية ٣١٥
يعبر ولا يعمر، فإنه إذا استيقظ لا يجد شيئاً مما رآه من خير يراه أو شرّ، وديار وبناء وسفر
وأحوال حسنة أو سيئة فلا بدّ أن يعبر له العارف بالعبارة ما رآه فيقول له: تدل رؤياك لكذا
على كذا، فكذلك الحياة الدنيا منام إذا انتقل إلى الآخرة بالموت لم ينتقل معه شيء ممّا كان
في يده وفي حسّه من دار وأهل ومال، كما كان حين استيقظ من نومه لم ير شيئاً في يده ممّا
كان له حاصلاً في رؤياه في حال نومه فلهذا قال تعالى: إننا في منام بالليل والنهار وفي الآخرة
تكون اليقظة وهناك تعبر الرؤيا، فمن نوّر الله عين بصيرته وعبّر رؤياه هنا قبل الموت أفلح
ويكون فيها مثل من رأى رؤيا ثم رأى في رؤياه أنه استيقظ فيقص ما رآه وهو في النوم على
حاله على بعض الناس الذين يراهم في نومه فيقول: رأيت كذا وكذا فيفسره ويعبره له ذلك
الشخص بما يراه في علمه بذلك، فإذا استيقظ حينئذ يظهر له، أنه لم يزل في منام في حال
الرؤيا وفي حال التعبير لها وهو أصحّ التعبير، وكذلك الفطن اللبيب في هذه الدار مع كونه في
منامه يرى أنه استيقظ فيعبر رؤياه في منامه لينتبه ويزدجر ويسلك الطريق الأسدّ، فإذا استيقظ
بالموت حمد رؤياه وفرح بمنامه وأثمرت له رؤياه خيراً، فلهذه الحقيقة ما ذكر الله في هذه
الآية اليقظة وذكر المنام وأضافه إلينا بالليل والنهار، وكان ابتغاء الفضل فيه في حق من رأى
في نومه أنه استيقظ في نومه فيعبر رؤياه وهي حالة الدنيا والله يلهمنا رشد أنفسنا، هذا من قوله
تعالى: ﴿يُدَبِّرُ اُلْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَتِ﴾ [سورة الرعد: الآية ٢] فهذا تفصيل آيات المنام بالليل والنهار
والابتغاء من الفضل وجعله آيات لقوم يسمعون أي يفهمون كما قال، ولا تكونوا كالذين قالوا
سمعنا وهم لا يسمعون أراد الفهم عن الله وقال فيهم: ﴿صٌُ﴾ مع كونهم يسمعون ﴿بُكْمُ﴾ مع
كونهم يتكلمون ﴿عُمْىٌ﴾ مع كونهم يبصرون ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٧١] فنبهتك
على ما أراد بالسمع والكلام والبصر هنا .
فهذه الطبقة الركبانية الثانية مآخذهم للأشياء على هذا الحدّ الذي ذكرناه في هذه الآية،
وإنما ذكرنا هذا المأخذ لنعرّفك بطريقتهم فتتبين لك منزلتهم من غيرهم، فلطائفهم بالآيات
المنصوبة المعتادة وغير المعتادة قائمة ناظرة إلى نفوس العالم، ناظرة إلى الوجوه العرضية
التي إليها يتوجهون بسبب أغراضهم، ناظرة إلى الحدود الإلهية فيما إليه يتوجهون، لا يغفلون
عن النظر في ذلك طرفة عين، فغفلتهم التي تقتضيها جبلتهم إنما متعلقها منهم عمّا ضمن
لهم، فهم متيقظون فيما طلب منهم، غافلون عمّا ضمن لهم حتى لا يخرجون عن حكم
الغفلة فإنها من جبلة الإنسان، وغير هذه الطائفة صرفتها الغفلة عمّا يراد منها، فإن كان الذي
يقع إليه التوجّه طاعة نظروا في دقائق تحصيلها ونظروا إلى الأمر الإلهي الذي يناسبها والاسم
الإلهي الذي له السلطان عليها فيفصل لهم الأمر الإلهيّ الآية التي يطلبونها، فإن كانت الآية
معتادة مثل اختلاف الليل والنهار وتسخير السحاب وغير ذلك من الآيات المعتادة التي لا خبر
لنفوس العامة بكونها حتى يفقدوها، فإذا فقدوها حينئذ خرجوا للاستسقاء وعرفوا في ذلك
الوقت موضع دلالتها وقدرها وأنهم كانوا في آية وهم لا يشعرون، فإذا جاءتهم وأمطروا عادوا
إلى غفلتهم هذا حال العامّة كما قال الله فيهم معجلاً في هذه الدار: ﴿هُوَ الَّذِى يُسَتِكُمْ فِ أَلْبَرِ

٣١٦
في المعارف / الباب الثالث والثلاثون في معرفة أقطاب النبات وأسرارهم ... الخ
وَالْبَحْرِّ حَتََّ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِيجٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِهُوْ بِهَا جَاءَتْهَا رِيحُ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ
مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوَاْ أَنَهُمْ أُحِيَطَ بِهِمْ دَعَواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة يونس: الآية ٢٢] ﴿فَلَمَّا نَّنْهُمْ
إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [سورة العنكبوت: الآية ٦٥] و﴿إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ آلْحَيُّ﴾ [سورةٌ
يونس: الآية ٢٣] يقول الله لهم: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُمْ مَتَعَ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا﴾ [سورة
يونس: الآية ٢٣] وهكذا يقولون في النار: ﴿يَلَيْنَا نُرَذُ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٢٧] قال تعالى: ﴿وَلَوَ رُدُواْ
لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٢٨] كما عاد أصحاب الفلك إلى شركهم وبغيهم بعد
إخلاصهم لله .
فإذا نظرت هذه الطائفة إلى هذه الآيات أرسلوها مع أمرها الإلهيّ إلى حيث دعاها، وإن
كانت الآية غير معتادة نظروا أيّ اسم إلهيّ يطلبها فإن طلبها القهار وأخواته فهي آية رهبة
وزجر ووعيد أرسلوها على النفوس، وإن طلبها أعني تلك الآية الاسم اللطيف وأخواته فهي
آية رغبة أرسلوها على الأرواح فأشرق لها نور شعشعانيّ على النفوس، فجنحت بذلك
النفوس إلى بارئها فرزقت التوفيق والهداية، وأعطيت التلذّذ بالأعمال، فقامت فيها بنشاط،
وتعرّت فيها من ملابس الكسل، وتبغض إليها معاشرة البطالين وصحبة الغافلين اللاهين عن
ذكر الله، ويكرهون الملأ والجلوة، ويؤثرون الانفراد والخلوة، ولهذه الطبقة الثانية حقيقة ليلة
القدر وكشفها وسرّها ومعناها، ولهم فيها حكم إلهيّ اختصّوا به وهي حظهم من الزمان،
فانظر ما أشرف إذ حباهم الله من الزمان بأشرفه، فإنها خير من ألف شهر، فيه زمان رمضان،
ويوم الجمعة، ويوم عاشوراء، ويوم عرفة، وليلة القدر، فكأنه قال: فتضاعف خيرها ثلاثاً
وثمانين ضعفاً وثلث ضعف لأنها ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر وقد تكون الأربعة الأشهر
ممّا يكون فيها ليلة القدر فيكون التضعيف في كل ليلة قدر أربعة وثمانين ضعفاً، فانظر ما في
هذا الزمان من الخير وبأيّ زمان خصّت هذه الطائفة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
انتهى الجزء الثامن عشر والحمد لله.
(الجزء التاسع عشر)
بِسْمِ الَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمَيدِ
الباب الثالث والثلاثون
في معرفة أقطاب النيات وأسرارهم وكيفية أصولهم ويقال لهم النياتيون
[نظم: البسيط]
الروحُ للجسم والنيَّاتُ للعمل
فتبصر الزهرَ والأشجارَ بارزةً
كذاك تَخْرجُ من أعمالنا صُوَرٌ
لولا الشريعةُ كان المِسْكُ يخجلُ مِنْ
تحيا بها كحياة الأرض بالمَطَرِ
وكلَّ ما تُخرج الأشجارُ من ثَمَرٍ
لها روائحُ من نَتْنٍ ومن عَطِرٍ
أعرافها هكذا يقضي به نَظَري

٣١٧
في المعارف / الباب الثالث والثلاثون في معرفة أقطاب النيات وأسرارهم ... الخ
له فلا فرق بين النّفْع والضَّرَّرِ
إذْ كان مُسْتَنَدُ التكوين أجْمَعُهُ
تحلها صُوَرٌ تزهو على سُررٍ
فالزَمْ شريعتَه تنعَمْ بها سوراً
أو كالعرائس معشوقين للبَصَرِ
مثل الملوك تراها في أسرَّتها
روينا من حديث رسول الله بَّرَ أنه قال: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ وَإِنَّمَا لامْرِىءٍ مَا نَوَىِ،
فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنَ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَو
امْرأةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ)) رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
اعلم أن لمراعاة النيّات رجالاً على حال مخصوص ونعت خاص أذكرهم إن شاء الله
وأذكر أحوالهم، والنّة لجميع الحركات والسكنات في المكلفين للأعمال كالمطر لما تنبته
الأرض، فالنيّة من حيث ذاتها واحدة وتختلف بالمتعلق وهو المنويّ فتكون النتيجة بحسب
المتعلق به لا بحسبها، فإن حظّ النيّة إنما هو القصد للفعل أو تركه، وكون ذلك الفعل حسناً
أو قبيحاً وخيراً أو شرّاً ما هو من أثر النيّة وإنما هو من أمر عارض عرض ميّزه الشارع وعينه
للمكلف، فليس للنيّة أثر البتة من هذا الوجه خاصة كالماء إنما منزلته أن ينزل أو يسيح في
الأرض، وكون الأرض الميتة تحيا به أو ينهدم بيت العجوز الفقيرة بنزوله ليس ذلك له فتخرج
الزهرة الطيبة الريح والمنتنة والثمرة الطيبة والخبيثة من خبث مزاج البقعة أو طيبها أو من خبث
البزرة أو طيبها، قال تعالى: ﴿يُبْقَى بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَتُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِىِ الْأُكُلِّ﴾ ثم قال:
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [سورة الرعد: الآية ٤] فليس للنيّة في ذلك إلاَّ الإمداد كما
قال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيرًا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٦] يعني المثل
المضروب به في القرآن أي بسببه وهو من القرآن.
فكما كان الماء سبباً في ظهور هذه الروائح المختلفة والطعوم المختلفة كذلك هي
النّات سبب في الأعمال الصالحة وغير الصالحة، ومعلوم أن القرآن مهداة كله ولكن بالتأويل
في المثل المضروب: ضلّ من ضلّ وبه اهتدى من اهتدى، فهو من كونه مثلاً لم تتغير
حقيقته، وإنما العيب وقع في عين الفهم، كذلك النيّة أعطت حقيقتها وهو تعلّقها بالمنويّ،
وكون ذلك المنويّ حسناً أو قبيحاً ليس لها وإنما ذلك لصاحب الحكم فيه بالحسن والقبح،
وقال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ﴾ أي بينًا له طريق السعادة والشقاء، ثم قال: ﴿ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا
كَفُورًا﴾ [سورة الإنسان: الآية ٣] هذا راجع للمخاطب المكلف، فإن نوى الخير أثمر خيراً، وإن
نوى الشرّ أثمر شرّاً، فما أتى عليه إلاّ من المحل من طيبه أو خبثه، يقول الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ
قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [سورة النحل: الآية ٩] أي هذا أوجبته على نفسي، كأنّ الله يقول: الذي يلزمٍ
جانب الحق منكم أن يبين لكم السبيل الموصل إلى سعادتكم وقد فعلت فإنكم لا تعرفونه إلاّ
بإعلامي لكم به وتبييني، وسبب ذلك أنه سبق في العلم أن طريق سعادة العباد إنما هو في
سبب خاص، وسبب شقائهم أيضاً إنما هو في طريق خاص، وليس إلاَّ العدول عن طريق
السعادة وهو الإيمان بالله وبما جاء من عند الله ممّا ألزمنا فيه الإيمان به .
ولما كان العالم في حال جهل بما في علم الله من تعيين تلك الطريق تعين الإعلام به

٣١٨
في المعارف / الباب الثالث والثلاثون في معرفة أقطاب النيات وأسرارهم ... الخ
بصفة الكلام فلا بدّ من الرسول، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [سورة
الإسراء: الآية ١٥] ولا نوجب على الله إلاَّ ما أوجبه على نفسه، وقد أوجب التعريف على نفسه
بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [سورة النحل: الآية ٩] مثل قوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ
الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الروم: الآية ٤٧] وقوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [سورة الأنعام: الآية
٥٤] وعلى الحقيقة إنما وجب ذلك على النسبة لا على نفسه، فإنه يتعالى أن يجب عليه من
أجل حد الواجب الشرعيّ فكأنه لما تعلّق العلم الإلهيّ أزلاً بتعيين الطريق التي فيها سعادتنا
ولم يكن للعلم بما هو علم صورة التبليغ وكان التبليغ من صفة الكلام تعين التبليغ على نسبة
كونه متكلماً بتعريف الطريق التي فيها سعادة العباد التي عينها العلم، فأبان الكلام الإلهيّ
بترجمته عن العلم ما عيّنه من ذلك فكان الوجوب على النسبة فإنها نسب مختلفة، وكذلك
سائر النسب الإلهية من إرادة وقدرة وغير ذلك.
وقد بينا محاضرة الأسماء الإلهية ومحاورتها ومجاراتها في حلبة المناظرة على إيجاد
هذا العالم الذي هو عبارة عن كل ما سوى الله في كتاب عنقا مغرب بوّبنا عليه محاضرة أزلية
على نشأة أبدية وكذلك في كتاب إنشاء الجداول والدوائر لنا، فقد علمت كيف تعلق الوجوب
الإلهيّ على الحضرة الإلهية إن كنت فطناً لعلم النسب، وعلى هذا يخرج قوله تعالى: ﴿يَوَمَ
نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [سورة مريم: الآية ٨٥] وكيف يحشر إليه من هو جليسه وفي
قبضته، سمع أبو يزيد البسطامي قارئاً يقرأ هذه الآية: ﴿يَوَمَ نَخْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾
فبكى حتى ضرب الدمع المنبر، بل روي أنه طار الدم من عينيه حتى ضرب المنبر وصاح
وقال: يا عجباً كيف يحشر إليه من هو جليسه؟ فلما جاء زماننا سئلنا عن ذلك فقلت: ليس
العجب إلاَّ من قول أبي يزيد، فاعلموا إنما كان ذلك لأن المتقي جليس الجبار فيتقي سطوته
والاسم الرحمن ما له سطوة من كونه الرحمن إنما الرحمن يعطي اللين واللطف والعفو
والمغفرة فلذلك يحشر إليه من الاسم الجبار الذي يعطي السطوة والهيبة فإنه جليس المتقين
في الدنيا من كونهم متقين، وعلى هذا الأسلوب تأخذ الأسماء الإلهية كلها وكذا تجدها حيث
وردت في ألسنة النبوات إذا قصدت حقيقة الاسم وتميّزه من غيره فإن له دلالتين: دلالة على
المسمّى به، ودلالة على حقيقته التي بها يتميز عن اسم آخر فافهم.
واعلم أن هؤلاء الرجال إنما كان سبب اشتغالهم بمعرفة النية كونهم نظروا إلى الكلمة
وفيها فعلموا أنها ما ألفت حروفها وجمعت إلاَّ لظهور نشأة قائمة تدل على المعنى الذي
جمعت له في الإصلاح، فإذا تلفظ بها المتكلم فإن السامع يكون همّه في فهم المعنى الذي
جاءت له فإن بذلك تقع الفائدة، ولهذا وجدت في ذلك اللسان على هذا الوضع الخاص،
ولهذا لا يقول هؤلاء الرجال بالسماع المقيد بالنغمات لعلوّ همتهم ويقولون بالسماع المطلق،
فإن السماع المطلق لا يؤثر فيهم إلاّ فهم المعاني وهو السماع الروحانيّ الإلهيّ وهو سماع
الأكابر، والسماع المقيّد إنما يؤثر في أصحابه النغم وهو السماع الطبيعي، فإذا اذَّعى من ادَّعى
أنه يسمع في السماع المقيّد بالألحان المعنى ويقول: لولا المعنى ما تحرّكت، ويدعي أنه قد

٣١٩
في المعارف / الباب الثالث والثلاثون في معرفة أقطاب النبات وأسرارهم ... الخ
خرج عن حكم الطبيعة في ذلك يعني في السبب المحرك فهو غير صادق، وقد رأينا من ادَّعى
ذلك من المتشيخين المتطفلين على الطريقة، فصاحب هذه الدعوى إذا لم يكن صادقاً يكون
سريع الفضيحة، وذلك أن هذا المدعي إذا حضر مجلس السماع فاجعل بالك منه، فإذا أخذ
القوّال في القول بتلك النغمات المحركة بالطبع للمزاج القابل أيضاً وسرت الأحوال في
النفوس الحيوانية فحركت الهياكل حركة دورية لحكم استدارة الفلك وهو أعني الدور ممّا
يدلك على أن السماع طبيعيّ لأن اللطيفة الإنسانية ما هي عن الفلك وإنما هي عن الروح
المنفوخ منه وهي غير متحيزة فهي فوق الفلك، فما لها في الجسم تحريك دوريّ ولا غير
دوريّ، وإنما ذلك للروح الحيوانيّ الذي هو تحت الطبيعة والفلك، فلا تكن جاهلاً بنشأتك
ولا بمن يحركك، فإذا تحرك هذا المدعي وأخذه الحال ودار أو قفز إلى جهة فوق من غير
دور وقد غاب عن إحساسه بنفسه وبالمجلس الذي هو فيه، فإذا فرغ من حاله ورجع إلى
إحساسه فاسأله ما الذي حركه فيقول: إن القوال قال كذا وكذا ففهمت منه معنى كذا وكذا،
فذلك المعنى حركني فقل له: ما حرّكك سوى حسن النغمة والفهم إنما وقع لك في حكم
التبعية فالطبع حكم على حيوانيتك، فلا فرق بينك وبين الجمل في تأثير النغمة فيك، فيعزّ
عليه مثل هذا الكلام ويثقل ويقول لك ما عرفتني وما عرفت ما حركني فاسكت عنه ساعة فإن
صاحب هذه الدعوى تكون الغفلة مستولية عليه، ثم خذ معه في الكلام الذي يعطي ذلك
المعنى فقل له: ما أحسن قول الله تعالى حيث يقول واتل عليه آية من كتاب الله تتضمن ذلك
المعنى الذي كان حرّكه من صوت المغني وحقّقه عنده حتى يتحققه فيأخذ معك فيه ويتكلم،
ولا يأخذه لذلك حال ولا حركة ولا فناء ولكن يستحسنه ويقول: لقد تتضمن هذه الآية معنى
جليلاً من المعرفة بالله فما أشدّ فضيحته في دعواه، فقل له: يا أخي هذا المعنى بعينه هو الذي
ذكرت لي أنه حرّكك في السماع البارحة لما جاء به القوّال في شعره بنغمته الطيبة فلأيّ معنى
سرى فيك الحال البارحة، وهذا المعنى موجود فيما قد صغته لك وسقته بكلام الحق تعالى
الذي هو أعلى وأصدق، وما رأيتك تهتز مع الاستحسان وحصول الفهم وكنت البارحة
يتخبطك الشيطان من المس كما قال الله تعالى، وحجبك عن عين الفهم السماع الطبيعي فما
حصل لك في سماعك إلاَّ الجهل بك، فمن لا يفرق بين فهمه وحركته کیف یرجی فلاحه،
فالسماع من عين الفهم هو السماع الإلهيّ، وإذا ورد على صاحبه وكان قوياً لما يرد به من
الإجمال فغاية فعله في الجسم أن يضجعه لا غير ويغيبه عن إحساسه ولا يصدر منه حركة
أصلاً بوجه من الوجوه، سواء كان من الرجال الأكابر أو الصغار، وهذا حكم الوارد الإلهيّ
القويّ، وهو الفارق بينه وبين حكم الوارد الطبيعيّ، فإنّ الوارد الطبيعيّ كما قلنا يحرّكه
الحركة الدورية والهيمان والتخبّط فعل المجنون، وإنما يضجعه الوارد الإلهيّ لسبب أذكره لك
وذلك أن نشأة الإنسان مخلوقة من تراب قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْتَكُمْ وَفِيَهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِيُكُمْ﴾
[سورة طه: الآية ٥٥] وإن كان فيه من جميع العناصر ولكن العنصر الأعظم التراب، قال عزّ وجلّ
فيه أيضاً: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اَلَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَّ خَلَقَهُمْ مِن تُرَابٍ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٥٩]

٣٢٠
في المعارف/ الباب الثالث والثلاثون في معرفة أقطاب النيات وأسرارهم ... الخ
والإنسان في قعوده وقيامه بعد عن أصله الأعظم الذي منه نشأ من أكثر جهاته، فإنّ قعود:
وقیامه ورکوعه فروع.
فإذا جاءه الوارد الإلهيّ وللوارد الإلهيّ صفة القيومية وهي في الإنسان من حيث
جسميته بحكم العرض وروحه المدبّر هو الذي كان يقيمه ويقعده، فإذا اشتغل الروح الإنساني
المدبّر عن تدبيره بما يتلقاه من الوارد الإلهيّ من العلوم الإلهية لم يبق للجسم من يحفظ عليه
قيامه ولا قعوده فرجع إلى أصله وهو لصوقه بالأرض المعبر عنه بالاضطجاع، ولو كان على
سرير فإنّ السرير هو المانع له من وصوله إلى التراب، فإذا فرغ روحه من ذلك التلقي وصدر
الوارد إلى ربه رجع الروح إلى تدبير جسده فأقامه من ضجعته، هذا سبب اضطجاع الأنبياء
على ظهورهم عند نزول الوحي عليهم، وما سمع قط عن نبيّ أنه تخبط عند نزول الوحي،
هذا مع وجود الواسطة في الوحي وهو الملك، فكيف إذا كان الوارد برفع الوسائط لا يصح
أن يكون منه قط غيبة عن إحساسه ولا يتغير عن حاله الذي هو عليه، فإنّ الوارد الإلهيّ برفع
الوسائط الروحانية يسري في كلية الإنسان ويأخذ كل عضو بل كل جوهر فرد فيه حظه من
ذلك الوارد الإلهيّ من لطيف وكثيف، ولا يشعر بذلك جليسه، ولا يتغير عليه من حاله الذي
هو عليه من جليسه شيء إن كان يأكل بقي على أكله في حاله أو شربه أو حديثه الذي هو في
حديثه فإن ذلك الوارد يعم وهو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُمْ﴾ [سورة الحديد: الآية ٤]
فمن كانت أينيته في ذلك الوقت حالة الأكل أو الشرب أو الحديث أو اللعب أو ما كان بقي
على حاله.
فلما رأت هذه الطائفة الجليلة هذا الفرق بين الواردات الطبيعية والروحانية والإلهيّة،
ورأت أن الالتباس قد طرأ على من يزعم أنه في نفسه من رجال الله تعالى أنفوا أن يتصفوا
بالجهل والتخليط فإنه محل الوجود الطبيعي، فارتقت همتهم إلى الاشتغال بالنيّات إذا كان الله
قد قال لهم: ﴿وَمَآ أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ﴾ [سورة البينة: الآية ٥] والإخلاص النيّة ولهذا
قيدها بقوله له ولم يقل مخلصين وهو من الاستخلاص فإن الإنسان قد يخلص نيته للشيطان
ويسمّى مخلصاً فلا يكون في عمله لله شيء، وقد يخلص للشركة وقد يخلص لله فلهذا قال
تعالى: ﴿يُخْلِصِينَ لَهُ أُلِينَ﴾ [سورة البينة: الآية ٥] لا لغيره ولا لحكم الشركة، فشغلوا نفوسهم
بالأصل في قبول الأعمال ونيل السعادات وموافقة الطلب الإلهيّ منهم فيما كلفهم به من
الأعمال الخالصة له وهو المعبّر عنه بالنيّة، فنسبوا إليها لغلبة شغلهم بها وتحققوا أن الأعمال
ليست مطلوبة لأنفسها وإنما هي من حيث ما قصد بها وهو النيّة في العمل كالمعنى في
الكلمة، فإنّ الكلمة ما هي مطلوبة لنفسها وإنما هي لما تضمنته. فانظر يا أخي ما أدق نظر
هؤلاء الرجال، وهذا هو المعبر عنه في الطريق بمحاسبة النفس وقد قال رسول الله وعليه :
(حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا)).
ولقيت من هؤلاء الرجال اثنين: أبو عبد الله بن المجاهد، وأبو عبد الله بن قسوم
بإشبيلية كان هذا مقامهم وكانوا من أقطاب الرجال النياتيين. ولما شرعنا في هذا المقام تأسّياً