النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ في المعارف / الباب السادس عشر في معرفة المنازل السفلية والعلوم الكونية ... الخ الأقاليم، فلنذكر في هذا الباب ما بقي مما ترجمت عليه المنازل السفلية هنا عبارة عن الجهات الأربع التي يأتي منها الشيطان إلى الإنسان وسمّيناها سفلية لأن الشيطان من عالم السفل، فلا يأتي إلى الإنسان إلاَّ من المنازل التي تناسبه وهي: اليمين والشمال والخلف والأمام. قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلِفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ وَعَنْ شَيِلِهِمْ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٧] ويستعين على الإنسان بالطبع فإنه المساعد له فيما يدعوه إليه من اتباع الشهوات، فأمر الإنسان أن يقاتله من هذه الجهات، وأن يحصن هذه الجهات بما أمره الشرع أن يحصنها به حتى لا يجد الشيطان إلى الدخول إليه منها سبيلاً، فإن جاءك من بين يديك وطردته لاحت لك من العلوم علوم النور منة من الله عليك وجزاء حيث آثرت جناب الله على هواك، وعلوم النور على قسمين: علوم كشف وعلوم برهان بصحيح فكر، فيحصل له من طريق البرهان ما يرد به الشبه المضلة القادحة في وجود الحق وتوحيده وأسمائه وأفعاله، فبالبرهان يرد على المعطلة، ويدل على إثبات وجود الإله وبه يرد على أهل الشرك: ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ ﴾ [سورة الحجر: الآية ٩٦] ويدل على توحيد الإله من كونه إلهاً، وبه يرد على من ينفي أحكام الأسماء الإلهية وصحة آثارها في الكون، ويدل على إثباتها بالبرهان السمعي من طريق الإطلاق، وبالبرهان العقلي من طريق المعاني، وبه يرد على نفاة الأفعال من الفلاسفة، ويدل على أنه سبحانه فاعل، وأن المفعولات مرادة له سمعاً وعقلاً. وأما علوم الكشف فهو ما يحصل له من المعارف الإلهيّة في التجليات في المظاهر وإن جاءك من خلفك وهو ما يدعوك إليه أن تقول على الله ما لا تعلم وتدعي النبوّة والرسالة وأن الله قد أوحى إليك، وذلك أن الشيطان إنما ينظر في كل ملة كل صفة علّق الشارع المذمة عليها في تلك الأمّة فيأمرك بها، وكل صفة علّق المحمدة عليها نهاك عنها هذا على الإطلاق، والملك على النقيض منه يأمرك بالمحمود منها وينهاك عن المذموم، فإذا طردته من خلفك لاحت لك علوم الصدق ومنازله وأين ينتهي بصاحبه كما قال تعالى: ﴿فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [سورة القمر: الآية ٥٥] إلاَّ أن ذلك صدقهم هو الذي أقعدهم ذلك المقعد ﴿عِندَ مَلِيكٍ مُقْنَدِرٍ﴾ [سورة القمر: الآية ٥٥] فإن الاقتدار يناسب الصدق فإن معناه القوي يقال رمح صدق أي صلب قوي، ولما كانت القوّة صفة هذا الصادق حيث قوي على نفسه فلم يتزين بما ليس له والتزم الحق في أقواله وأحواله وأفعاله وصدق فيها أقعده الحق ﴿عِندَ مَلِكٍ مُقْنَدِرٍ﴾ [سورة القمر: الآية ٥٥] أي أطلعه على القوّة الإلهيّة التي أعطته القوّة في صدقه الذي كان عليه، فإن الملك هو الشديد أيضاً فهو مناسب للمقتدر، قال قيس بن الخطيم يصف طعنة: [الطويل] يرى قائمٌ من دونِها ما وراءَهَا ملكْتُ بها كفي فأنْهَرْتُ فتْقَها أي شددت كفي بها، يقال: ملكت العجين إذا شددت عجنه، فيحصل لك إذا خالفته في هذا الأمر الذي جاءك به علم تعلق الاقتدار الإلهيّ بالإيجاد وهي مسألة خلاف بين أهل الحقائق من أصحابنا، ويحصل لك علم العصمة والحفظ الإلهيّ حتى لا يؤثر فيك وهمك ولا غيرك فتكون خالصاً لربّك، وإن جاءك من جهة اليمين فقويت عليه ودفعته فإنه إذا جاءك من الفتوحات المكية ج١ - م١٦ ٢٤٢ في المعارف/ الباب السادس عشر في معرفة المنازل السفلية والعلوم الكونية ... الخ هذه الجهة الموصوفة بالقوّة فإنه يأتي إليك ليضعف إيمانك ويقينك ويلقي عليك شبهاً في أدلتك ومكاشفاتك، فإنه له في كل كشف يطلعك الحق عليه أمراً من عالم الخيال ينصبه لك مشابهاً لحالك الذي أنت به في وقتك، فإن لم يكن لك علم قوي بما تميّز به بين الحق ومـ يخيله لك فتكون موسوي المقام، وإلاَّ التبس عليك الأمر كما خيلت السحرة للعامّة أن الحبال والعصيّ حیات ولم تكن كذلك. وقد كان موسى عليه السلام لما ألقى عصاه فكانت ﴿حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [سورة طه: الآية ٢٠] خاف منها على نفسه على مجرى العادة، وإنما قدم الله بين يديه معرفة هذا قبل جمع السحرة ليكون على يقين من الله أنها آية وأنها لا تضره، وكان خوفه الثاني عندما ألقت السحرة الحبال والعصي فصارت حيات في أبصار الحاضرين على الأمّة لئلا يلتبس عليهم الأمر، فلا يفرقون بين الخيال والحقيقة، أو بين ما هو من عند الله وبين ما ليس من عند الله، فاختلف تعلق الخوفين فإنه عليه السلام على بينة من ربّه قويّ الجأش بما تقدم له إذ قيل له في الإلقاء الأوّل: ﴿خُذْهَا وَلَا تَّخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُوْلَى﴾ [سورة طه: الآية ٢١] أي ترجع عصاً كما كانت في عينك، فأخفى تعالى العصا في روحانية الحية البرزخية فتلقفت جميع حيات السحرة المتخيلة في عيون الحاضرين، فلم يبق لتلك الحبال والعصيّ عين ظاهرة في أعينهم وهي ظهور حجته على حججهم في صور حبال وعصيّ، فأبصرت السحرة والناس حبال السحرة وعصيهم التي ألقوها حبالاً وعصياً، فهذا كان تلقفها لا أنها انعدمت الحبال والعصيّ، إذ لو انعدمت لدخل عليهم التلبيس في عصا موسى وكانت الشبهة تدخل عليهم، فلما رأى الناس الحبال حبالاً علموا أنها مكيدة طبيعية يعضدها قوّة كيدية روحانية فتلقفت عصا موسى صور الحيات من الحبال والعصي، كما يبطل كلام الخصم إذا كان على غير حق أن يكون حجة لا أن ما أتى به ينعدم بل يبقى محفوظاً معقولاً عند السامعين ويزول عندهم كونه حجة، فلما علمت السحرة قدر ما جاء به موسى من قوّة الحجة وأنه خارج عمّا جاؤوا به وتحققت شفوف ما جاء به على ما جاؤوا به ورأوا خوفه علموا أن ذلك من عند الله ولو كان من عنده لم يخف لأنه يعلم ما يجري، فآيته عند السحرة خوفه، وآيته عند الناس تلقف عصاه فآمنت السحرة، قيل: كانوا ثمانين ألف ساحر، وعلموا أن أعظم الآيات في هذا الموطن تلقف هذه الصور من أعين الناظرين وإبقاء صورة حيّة عصا موسى في أعينهم والحال عندهم واحدة، فعلموا صدق موسى فيما يدعوهم إليه، وأن هذا الذي أتى به خارج عن الصور والحيل المعلومة في السحر، فهو أمر إلهيّ ليس لموسى عليه السلام فيه تعمّل، فصدقوا برسالته على بصيرة، واختاروا عذاب فرعون على عذاب الله، وآثروا الآخرة على الدنيا، وعلموا من علمهم بذلك ﴿أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة الطلاق: الآية ١٢] ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ [سورة الطلاق: الآية ١٢] وأن الحقائق لا تتبدل، وأن عصا موسى مبطونة في صورة الحية عن أعين الجميع وعن الذي ألقاها بخوفه الذي شهدوا منه، فهذه فائدة العلم. وإن جاءك الشيطان من جهة الشمال بشبهات التعطيل أو وجود الشريك لله تعالى في ٢٤٣ في المعارف/ الباب السادس عشر في معرفة المنازل السفلية والعلوم الكونية ... الخ ألوهيته فطردته فإن الله يقوّيك على ذلك بدلائل التوحيد وعلم النظر، فإن الخلف للمعطلة ودفعهم بضرورة العلم الذي يعلم به وجود الباري، فالخلف للتعطيل، والشمال للشرك، واليمين للضعف، ومن بين أيديهم التشكيك في الحواس، ومن هنا دخل التلبيس على السوفسطائية حيث أدخل لهم الغلط في الحواس وهي التي يستند إليها أهل النظر في صحة أدلتهم وإلى البديهيات في العلم الإلهيّ وغيره، فلما أظهر لهم الغلط في ذلك قالوا ما ثَمَّ علم أصلاً يوثق به، فإن قيل لهم: فهذا علم بأنه ما ثَمَّ علم فما مستندكم وأنتم غير قائلين به؟ قالوا: وكذلك نقول إن قولنا هذا ليس بعلم وهو من جملة الأغاليط، يقال لهم: فقد علمتم أن قولكم هذا ليس بعلم، وقولكم إن هذا أيضاً من جملة الأغاليط إثبات ما نفيتموه، فأدخل عليهم الشبه فيما يستندون إليه في تركيب مقدماتهم في الأدلة ويرجعون إليه فيها ولهذا عصمنا الله من ذلك، فلم يجعل للحسّ غلطاً جملة واحدة، وأن الذي يدركه الحسّ حق فإنه موصل ما هو حاكم بل شاهد، وإنما العقل هو الحاكم والغلط منسوب إلى الحاكم في الحكم، ومعلوم عند القائلين بغلط الحسّ، وغير القائلين به أن العقل يغلط إذا كان النظر فاسداً أعني نظر الفكر، فإن النظر ينقسم إلى صحيح وفاسد فهذا هو من بين أيديهم. ثم لتعلم أن الإنسان قد جعله الحق قسمين في ترتيب مدينة بدنه، وجعل القلب بين القسمين منه كالفاصل بين الشيئين، فجعل في القسم الأعلى الذي هو الرأس جميع القوى الحسيّة والروحانية، وما جعل في النصف الآخر من القوى الحسّاسة إلاَّ حاسة اللمس، فيدرك الخشن واللين والحار والبارد والرطب واليابس بروحه الحساس من حيث هذه القوّة الخاصة السارية في جميع بدنه لا غير ذلك. وأمّا من القوى الطبيعية المتعلقة بتدبير البدن فالقوّة الجاذبة وبها تجذب النفس الحيوانية ما به صلاح العضو من الكبد والقلب، والقوّة الماسكة وبها تمسك ما جذبته الجاذبة على العضو حتى يأخذ منه ما فيه منافعه. فإن قلت: فإذا كان المقصود المنفعة فمن أين دخل المرض على الجسد؟ فاعلم أن المرض من الزيادة على ما يستحقه من الغذاء أو النقص مما يستحقه فهذه القوّة ما عندها ميزان الاستحقاق، فإذا جذبت زائداً على ما يحتاج إليه البدن أو نقصت عنه كان المرض فإن حقيقتها الجذب ما حقيقتها الميزان، فإذا أخذته على الوزن الصحيح فذلك لها بحكم الاتفاق، ومن قوّة أخرى لا بحكم القصد وذلك ليعلم المحدث نقصه و﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [سورة الحج: الآية ١٤] وكذلك فيه أيضاً القوة الدافعة وبها يعرق البدن، فإن الطبيعة ما هي دافعة بمقدار مخصوص لأنها تجهل الميزان وهي محكومة لأمر آخر من فضول تطرأ في المزاج تعطيها القوّة الشهوانية، وكذلك أيضاً هذا كله سار في جميع البدن علواً وسفلاً. وأما سائر القوى فمحلها النصف الأعلى وهو النصف الأشرف محل وجود الحياتين: حياة الدم وحياة النفس، فأيّ عضو مات من هذه الأعضاء زالت عنه القوى التي كانت فيه من المشروط وجودها بوجود الحياة، وما لم يمت العضو وطرأ على محل قوّة ما خلل فإن حكمها يفسد ويتخبط ولا يعطي علماً صحيحاً، كمحل الخيال إذا طرأت فيه علة فالخيال لا ٢٤٤ في المعارف / الباب السادس عشر في معرفة المنازل السفلية والعلوم الكونية ... الخ يبطل، وإنما يبطل قبول الصحة فيما يراه علماً، وكذلك العقل وكل قوّة روحانية. وأما القوى الحسيّة فهي أيضاً موجودة لكن تطرأ حجب بينها وبين مدركاتها في العضو القائمة به من ماء ينزل في العين وغير ذلك. وأما القوى ففي محالها ما زالت ولا برحت ولكن الحجب طرأت فمنعت، فالأعمى يشاهد الحجاب ويراه وهو الظلمة التي يجدها فهي ظلمة الحجاب فمشهده الحجاب، وكذلك ذائق العسل والسكر إذا وجده مراً فالمباشر للعضو القائم به قوّة الذوق إنما هو المرة الصفراء فلذلك أدرك المرارة، فالحسّ يقول: أدركت مرارة، والحاكم إن أخطأ يقول: هذا السكر مرّ، وإن أصاب عرف العلة فلم يحكم على السكر بالمرارة وعرف ما أدركت القوّة وعرف أن الحسّ الذي هو الشاهد مصيب على كل حال، وأن القاضي يخطىء ويصيب. فصل: وأما معرفة الحق من هذا المنزل فاعلم أن الكون لا تعلق له بعلم الذات أصلاً وإنما متعلقه العلم بالمرتبة وهو مسمّى الله فهو الدليل المحفوظ الأركان الساد على معرفة الإله، وما يجب أن يكون عليه سبحانه من أسماء الأفعال ونعوت الجلال، وبأية حقيقة يصدر الكون من هذه الذات المنعوتة بهذه المرتبة المجهولة العين والكيف، وعندنا لا خلاف في أنها لا تعلم بل يطلق عليها نعوت تنزيه صفات الحدث، وأن القدم لها والأزل الذي يطلق لوجودها إنما هي أسماء تدل على سلوب من نفي الأولية وما يليق بالحدوث، وهذا يخالفنا فيه جماعة من المتكلمين الأشاعرة، ويتخيلون أنهم قد علموا من الحق صفة نفسية ثبوتية، وهيهات أنّى لهم بذلك، وأخذت طائفة ممن شاهدناهم من المتكلمين كأبي عبد الله الكتانيّ، وأبي العباس الأشقر، والضرير السلاوي صاحب الأرجوزة في علم الكلام على أبي سعيد الخراز، وأبي حامد وأمثالهما في قولهم: لا يعرف الله إلاَّ الله. وإنما اختلف أصحابنا في رؤية الله تعالى إذا رأيناه في الدار الآخرة بالأبصار ما الذي نرى؟ وكلامهم فيه معلوم عند أصحابنا، وقد أوردنا تحقيق ذلك في هذا الكتاب مفرّقاً في أبواب منازله وغيرها بطريق الإيماء لا بالتصريح فإنه مجال ضيق تقف العقول فيه لمناقضته أدلتها، فهو المرئي سبحانه على الوجه الذي قاله وقاله رسول الله وَّل# وعلى ما أراده من ذلك، فإن الناظرين فيما قاله وأوحى به إلينا اختلفوا في تأويله، وليس بعض الوجوه بأولى من بعض، فتركنا الخوض في ذلك إذ الخلاف فيه لا يرتفع من العالم بكلامنا ولا بما نورده فيه . فصل: وأما حديث الأوتاد الذي يتعلق معرفتهم بهذا الباب فاعلم أن الأوتاد الذي يحفظ الله بهم العالم أربعة لا خامس لهم وهم أخصّ من الأبدال، والإمامان أخصّ منهم، والقطب هو أخصّ الجماعة، والأبدال في هذا الطريق لفظ مشترك، يطلقون الأبدال على من تبدلت أوصافه المذمومة بالمحمودة، ويطلقونه على عدد خاص وهم أربعون عند بعضهم لصفة يجتمعون فيها، ومنهم من قال عددهم سبعة، والذين قالوا سبعة منّا من جعل السبعة الأبدال خارجين عن الأوتاد متميزين، ومنا من قال: إن الأوتاد الأربعة من الأبدال فالأبدال سبعة، ومن هذه السبعة أربعة هم: الأوتاد، واثنان هما الإمامان، وواحد هو: القطب، وهذه ٢٤٥ في المعارف/ الباب السادس عشر في معرفة المنازل السفلية والعلوم الكونية ... الخ الجملة هم الأبدال. وقالوا: سمّوا أبدالاً لكونهم إذا مات واحد منهم كان الآخر بدله، ويؤخذ من الأربعين واحد، وتكمل الأربعون بواحد من الثلاثمائة، وتكمل الثلاثمائة بواحد من صالحي المؤمنين، وقيل: سمّوا أبدالاً لأنهم أعطوا من القوّة أن يتركوا بدلهم حيث يريدون لأمر يقوم في نفوسهم على علم منهم، فإن لم يكن على علم منهم فليس من أصحاب هذا المقام، فقد يكون من صلحاء الأمّة، وقد يكون من الأفراد، وهؤلاء الأوتاد الأربعة لهم مثل ما للأبدال الذين ذكرناهم في الباب قبل هذا روحانية إلهيّة، وروحانية آلية، فمنهم من هو على قلب آدم، والآخر على قلب إبراهيم، والآخر على قلب عيسى، والآخر على قلب محمد عليهم السلام. فمنهم من تمده روحانية إسرافيل، وآخر روحانية ميكائيل، وآخر روحانية جبريل، وآخر روحانية عزرائيل، ولكل وتد ركن من أركان البيت، فالذي على قلب آدم عليه السلام له الركن الشامي، والذي على قلب إبراهيم له الركن العراقيّ، والذي علی قلب عيسى عليه السلام له الركن اليمانيّ، والذي على قلب محمد بَلّ له ركن الحجر الأسود وهو لنا بحمد الله . وكان بعض الأركان في زماننا الربيع بن محمود الماردينيّ الحطاب، فلما مات خلفه شخص آخر، وكان الشيخ أبو علي الهواريّ قد أطلعه الله عليهم في كشفه قبل أن يعرفهم وتحقق صورهم فما مات حتى أبصر منهم ثلاثة في عالم الحس: أبصر ربيعاً الماردينيّ، وأبصر الآخر وهو رجل فارسيّ، وأبصرنا ولازمنا إلى أن مات سنة تسع وتسعين وخمسمائة، أخبرني بذلك وقال لي: ما أبصرت الرابع وهو رجل حبشيّ . واعلم أن هؤلاء الأوتاد يحوون على علوم جمة كثيرة، فالذي لا بدّ لهم من العلم به وبه يكونون أوتاداً فما زاد من العلوم، فمنهم من له خمسة عشر علماً، ومنهم من له ولا بدّ ثمانية عشر علماً، ومنهم من له أحد وعشرون علماً، ومنهم من له أربعة وعشرون علماً، فإن أصناف العدد كثيرة، هذا العدد من أصناف العلوم لكل واحد منهم لا بدّ له منه، وقد يكون الواحد أو كلهم يجمع أو يجمعون علم الجماعة وزيادة، ولكن الخاص لكل واحد منهم ما ذكرنا من العدد فهو شرط فیه، وقد لا یکون له ولا لواحد منهم علم زائد لا من الذي عند أصحابه ولا مما ليس عندهم، فمنهم من له الوجه وهو قوله تعالى عن إبليس: ﴿ثُمَّ لَتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيَدِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ وَعَنْ شَآيَلِهِمْ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٧] ولكل جهة وتد يشفع يوم القيامة فيمن دخل عليه إبليس من جهته. فالذي له الوجه له من العلوم علم الاصطلام، والوجد، والشوق، والعشق، وغامضات المسائل، وعلم النظر، وعلم الرياضة، وعلم الطبيعة، والعلم الإلهيّ، وعلم الميزان، وعلم الأنوار، وعلم السبحات الوجهية، وعلم المشاهدة، وعلم الفناء، وعلم تسخير الأرواح، وعلم استنزال الروحانيات العلى، وعلم الحركة، وعلم إبليس، وعلم المجاهدة، وعلم الحشر، وعلم النشر، وعلم موازين الأعمال، وعلم جهنم، وعلم الصراط . والذي له الشمال له علم الأسرار، وعلم الغيوب، وعلم الكنوز، وعلم النبات، وعلم المعدن، وعلم الحيوان، وعلم خفيات الأمور، وعلم المياه، وعلم التكوين، وعلم التلوين، ٢٤٦ في المعارف/ الباب السابع عشر في معرفة انتقال العلوم الكونية ونبذ من العلوم الإلهيّة الممدّة الأصلية وعلم الرسوخ، وعلم الثبات، وعلم المقام، وعلم القدم، وعلم الفصول المقومة، وعلم الأعيان، وعلم السكون، وعلم الدنيا، وعلم الجنة، وعلم الخلود، وعلم التقلبات. والذي له اليمين له علم البرازخ، وعلم الأرواح البرزخية، وعلم منطق الطير، وعلم لسان الرياح، وعلم التنزّل، وعلم الاستحالات، وعلم الزجر، وعلم مشاهدة الذات، وعلم تحريك النفوس، وعلم الميل، وعلم المعراج، وعلم الرسالة، وعلم الكلام، وعلم الأنفاس، وعلم الأحوال، وعلم السماع، وعلم الحيرة، وعلم الهوى. والذي له الخلف له علم الحياة، وعلم الأحوال المتعلقة بالعقائد، وعلم النفس، وعلم التجلي، وعلم المنصات، وعلم النكاح، وعلم الرحمة، وعلم التعاطف، وعلم التودّد، وعلم الذوق، وعلم الشرب، وعلم الري، وعلم جواهر القرآن، وعلم درر الفرقان، وعلم النفس الأمّارة . فكل شخص كما ذكرنا لا بدّ له من هذه العلوم، فما زاد على ذلك فذلك من الاختصاص الإلهيّ، فهذا قد بيّنا مراتب الأوتاد، وكنّا في الباب الذي قبله بينًا ما يختص به الأبدال، وبينًا في فصل المنازل من هذا الكتاب ما يختص به القطب والإمامان مستوفى الأصول في باب يخصّه وهو السبعون ومائتان من أبواب هذا الكتاب. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب السابع عشر في معرفة انتقال العلوم الكونية ونبذ من العلوم الإلهيّة الممدّة الأصلية [نظم: الوافر] علومُ الكونِ تَنْتقِلُ انتقالا فنُثْبتها ونَتْفيها جميعاً إلهي كيف يَغْلمكم سواكم إلهي كيف يعلمكم سواكم ومن طلبَ الطريقَ بلا دليلِ إلهي كيفَ تهواكم قلوبَّ إلهي كيف يعرفكم سواكم إلهي كيف تبصركم عيونٌ إلهي لا أرى نفسي سواكم إلهي أنت أنت وأنّ أنَّى الفقرِ قام عندي من وجودي وأَطْلَعني ليظهرني إليه ومن قَصَد السرابَ يريد ماءً أنا الكون الذي لا شيءَ مثلي وعلمُ الوجهِ لا يرجو زَوَالا ونَقْطع نَجْدَها حالاً فحالا ومِثْلُكَ من تَبَارك أو تَعَالى وهل غَيْرٌ يكون لكم مثالا إلهيٍّ لقد طلب المُحَالا وما ترجو التألْفَ والوصالا وهل شيءٌ سواكم لا ولا لا ولستَ النَّيِّراتِ ولا الظِلالا وكيف أرى المحالَ أو الضَّلالا ليطلبَ من أَنَايَتِك النَّوَالا تولّدَ من غناك فكان حالا ولم يَرَني سواه فكنتُ آلا يرى عينَ الحياةِ به زلالا ومن أنا مثله قَبِلَ المثالا في المعارف / الباب السابع عشر في معرفة انتقال العلوم الكونية ونبذ من العلوم الإلهيّة الممدّة الأصلية ٢٤٧ عساك ترى مُماثِلَهُ استحالا وذا من أعجب الأشياء فانظُز تنزّه أن يقاوم أو يُنالا فما في الكون غیرُ وجودٍ فَرْدٍ اعلم أيّدك الله أن كل ما في العالم منتقل من حال إلى حال، فعالم الزمان في كل زمان منتقل، وعالم الأنفاس في كل نفس، وعالم التجلّي في كل تجلّ، والعلة في ذلك قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٢٩] وأيّده بقوله تعالى: ﴿سَنَفْرُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٣١] وكل إنسان يجد من نفسه تنوّع الخواطر في قلبه في حركاته وسكناته، فما من تقلب يكون في العالم الأعلى والأسفل إلاَّ وهو عن توجه إلهيّ بتجلّ خاص لتلك العين، فيكون استناده من ذلك التجلّ بحسب ما تعطيه حقيقته. واعلم أن المعارف الكونية منها علوم مأخوذة من الأكوان ومعلوماتها أكوان، وعلوم تؤخذ من الأكوان ومعلوماتها نسب والنسب ليست بأكوان، وعلوم تؤخذ من الأكوان ومعلومها ذات الحق، وعلوم تؤخذ من الحق ومعلومها الأكوان، وعلوم تؤخذ من النسب ومعلومها الأكوان، وهذه كلها تسمّى العلوم الكونية، وهي تنتقل بانتقال معلوماتها في أحوالها، وصورة انتقالها أيضاً أن الإنسان يطلب ابتداء معرفة كون من الأكوان أو يتخذ دليلاً على مطلوبه كوناً من الأكوان، فإذا حصل له ذلك المطلوب لاح له وجه الحق فيه ولم يكن ذلك الوجه مطلوباً له فتعلق به هذا الطالب وترك قصده الأول وانتقل العلم يطلب ما يعطيه ذلك الوجه، فمنهم من يعرف ذلك، ومنهم من هو حاله هذا ولا يعرف ما انتقل عنه ولا ما انتقل إليه، حتى أن بعض أهل الطريق زلّ فقال: إذا رأيتم الرجل يقيم على حال واحدة أربعين يوماً فاعلموا أنه مرائياً، عجباً وهل تعطي الحقائق أن يبقي أحد نفسين أو زمانين على حال واحدة فتكون الألوهية معطلة الفعل في حقّه هذا ما لا يتصوّر، إلاَّ أن هذا العارف لم يعرف ما يراد بالانتقال بكون الانتقال كان في الأمثال، فكان ينتقل مع الأنفاس من الشيء إلى مثله، فالتبست عليه الصورة بكونه ما تغيّر عليه من الشخص حاله الأوّل في تخبله، كما يقال: فلان ما زال اليوم ماشياً وما قعد، ولا شك أن المشي حركات كثيرة متعددة، وكل حركة ما هي عين الأخرى بل هي مثلها، وعلمك ينتقل بانتقالها فيقول: ما تغيّر عليه الحال وكم تغيرت عليه من الأحوال. فصل: وأمّا انتقالات العلوم الإلهية فهو الاسترسال الذي ذهب إليه أبو المعالي إمام الحرمين والتعلقات التي ذهب إليها محمد بن عمر بن الخطيب الرازي. وأمّا أهل القدم الراسخة من أهل طريقنا فلا يقولون هنا بالانتقالات، فإن الأشياء عند الحق مشهودة معلومة الأعيان والأحوال على صورها التي تكون عليها. ومنها إذا وجدت أعيانها إلى ما لا يتناهى فلا يحدث تعلق على مذهب ابن الخطيب ولا يكون استرسال على مذهب إمام الحرمين رضي الله عن جميعهم، والدليل العقلي الصحيح يعطي ما ذهبنا إليه، وهذا الذي ذكره أهل الله ووافقناهم عليه يعطيه الكشف من المقام الذي وراء طور العقل فصدق الجميع وكل قوّة أعطت بحسبها، فإذا أوجد الله الأعيان فإنما أوجدها لها لا له وهي على حالاتها بأماكنها وأزمنتها على اختلاف أمكنتها وأزمنتها، فيكشف لها عن أعيانها وأحوالها شيئاً بعد شيء إلى ٢٤٨ في المعارف/ الباب السابع عشر في معرفة انتقال العلوم الكونية ونبذ من العلوم الإلهيّة الممدّة الأصلية ما لا يتناهى على التتالي والتتابع، فالأمر بالنسبة إلى الله واحد كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَمْرُنَآ إِلَّا وَحِدَةُ كَلَمْجِ بِلْبَصَرِ﴾ [سورة القمر: الآية ٥٠] والكثرة في نفس المعدودات، وهذا الأمر قد حصل لنا في وقت فلم يختل علينا فيه، وكان الأمر في الكثرة واحداً عندنا ما غاب ولا زال، وهكذا شهده كل من ذاق هذا فهم في المثال كشخص واحد له أحوال مختلفة وقد صوّرت له صورة في كل حال يكون عليها هكذا كل شخص، وجعل بينك وبين هذه الصور حجاب فكشف لك عنها وأنت من جملة من له فيها صورة فأدركت جميع ما فيها عند رفع الحجاب بالنظرة الواحدة، فالحق سبحانه ما عدل بها عن صورها في ذلك الطبق، بل كشف لها عنها وألبسها حالة الوجود لها فعاينت نفسها على ما تكون عليه أبداً، وليس في حق نظرة الحق زمان ماض ولا مستقبل، بل الأمور كلها معلومة له في مراتبها بتعداد صورها فيها، ومراتبها لا توصف بالتناهي ولا تنحصر ولا حدّ لها تقف عنده، فهكذا هو إدراك الحق تعالى للعالم ولجميع الممكنات في حال عدمها ووجودها، فعليها تنوّعت الأحوال في خيالها لا في علمها، فاستفادت من كشفها لذلك علماً لم يكن عندها لا حالة لم تكن عليها، فتحقق هذا فإنها مسألة خفية غامضة تتعلق بسرّ القدر القليل من أصحابنا من يعثر عليها. وأمّا تعلق علمنا بالله تعالى فعلى قسمين: معرّفة بالذات الإلهية وهي موقوفة على الشهود والرؤية لكنها رؤية من غير إحاطة، ومعرّفة بكونه إلهاً وهي موقوفة على أمرين أو أحدهما وهو الوهب والأمر الآخر النظر والاستدلال وهذه هي المعرفة المكتسبة. وأمّا العلم بكونه مختاراً فإن الاختيار يعارضه أحدية المشيئة، فنسبته إلى الحق إذا وصف به إنما ذلك من حيث ما هو الممكن عليه لا من حيث ما هو الحق عليه، قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ اُلْقَوْلُ مِنِّى﴾ [سورة السجدة: الآية ١٣]، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [سورة الزمر: الآية ١٩]، وقال: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَذَنَّ﴾ [سورة ق: الآية ٢٩]، وما أحسن ما تمّم به هذه الآية ﴿وَمَا أَنَاْ بِظَلَّمِ لِلْعِبِيدِ﴾ [سورة ق: الآية ٢٩] وهنا نبّه على سرّ القدر وبه كانت الحجة البالغة الله على خلقه وهذا هو الذي يليق بجناب الحق والذي يرجع إلى الكون ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَيْنَا كُلَّ نَفْسِ هُدَنهَا﴾ [سورة السجدة: الآية ١٣] فما شئنا ولكن استدراك للتوصيل، فإن الممكن قابل للهداية والضلالة من حيث حقيقته فهو موضع الانقسام وعليه يرد التقسيم، وفي نفس الأمر ليس لله فيه إلاَّ أمر واحد وهو معلوم عند الله من جهة حال الممكن. مسألة: ظاهر معقول الاختراع عدم المثال في الشاهد كيف يصحّ الاختراع في أمر لم يزل مشهوداً له تعالى معلوماً كما قرّرناه في علم الله بالأشياء في كتاب المعرفة بالله. مسألة: الأسماء الإلهية نسب وإضافات ترجع إلى عين واحدة، إذ لا يصحّ هناك كثرة بوجود أعيان فيه كما زعم من لا علم له بالله من بعض النظار ولو كانت الصفات أعياناً زائدة وما هو إله إلاَّ بها لكانت الألوهية معلولة بها، فلا يخلو أن تكون هي عين الإله، فالشيء لا يكون علة لنفسه أو لا تكون، فالله لا يكون معلولاً لعلة ليست عينه، فإن العلة متقدّمة على المعلول بالرتبة، فيلزم من ذلك افتقار الإله من كونه معلولاً لهذه الأعيان الزائدة التي هي علة له وهو في المعارف / الباب السابع عشر في معرفة انتقال العلوم الكونية ونبذ من العلوم الإلهيّة الممدّة الأصلية ٢٤٩ محال، ثم إنّ الشيء المعلول لا يكون له علتان وهذه كثيرة ولا يكون إلهاً إلاَّ بها، فبطل أن تكون الأسماء والصفات أعياناً زائدة على ذاته، تعالى الله عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً. مسألة: الصورة في المرآة جسد برزخي كالصورة التي يراها النائم إذا وافقت الصورة الخارجة وكذلك الميت والمكاشف، وصورة المرآة أصدق ما يعطيه البرزخ إذا كانت المرآة على شكل خاص ومقدار جرم خاص، فإن لم تكن كذلك لم تصدق في كل ما تعطيه بل تصدق في البعض. واعلم أن أشكال المرائي تختلف فتختلف الصور، فلو كان النظر بالانعكاس إلى المرئيات كما يراه بعضهم لأدركها الرائي على ما هي عليه من كبر جرمها وصغره، ونحن نبصر في الجسم الصقيل الصغير الصورة المرئية الكبيرة في نفسها صغيرة، وكذلك الجسم الكبير الصقيل يكبر الصورة في عين الرائي ويخرجها عن حدّها، وكذلك العريض والطويل والمتموّج، فإذن ليست الانعكاسات تعطي ذلك، فلم يتمكن أن نقول إلاَّ أن الجسم الصقيل أحد الأمور التي تعطي صور البرزخ ولهذا لا تتعلق الرؤية فيها إلاَّ بالمحسوسات، فإن الخيال لا يمسك إلاَّ ما له صورة محسوسة أو مركب من أجزاء محسوسة تركبها القوّة المصوّرة فتعطي صورة لم يكن لها في الحسّ وجود أصلاً لكن أجزاء ما تركبت منه محسوسة لهذا الرائي بلا شك. مسألة: أكمل نشأة ظهرت في الموجودات الإنسان عند الجميع، لأن الإنسان الكامل وجد على الصورة لا الإنسان الحيوان، والصورة لها الكمال، ولكن لا يلزم من هذا أن يكون هو الأفضل عند الله فهو أكمل بالمجموع، فإن قالوا: يقول الله: ﴿لَخَلَّقُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة غافر: الآية ٥٧] ومعلوم أنه لا يريد أكبر في الجرم ولكن يريد في المعنى، قلنا له: صدقت ولكن من قال إنها أكبر منه في الروحانية بل معنى السموات والأرض من حيث ما يدل عليه كل واحدة منهما من طريق المعنى المنفرد من النظم الخاص لأجرامهما أكبر في المعنى من جسم الإنسان لا من كل الإنسان، ولهذا يصدر عن حركات السموات والأرض أعيان المولدات والتكوينات، والإنسان من حيث جرمه من المولدات، ولا يصدر من الإنسان هذا وطبيعة العناصر من ذلك، فلهذا كانا أكبر من خلق الإنسان إذ هما له كالأبوين، وهو من الأمر الذي يتنزل بين السماء والأرض، ونحن إنما ننظر في الإنسان الكامل فنقول: إنه أكمل، وأمّا أفضل عند الله فذلك لله تعالى وحده فإن المخلوق لا يعلم ما في نفس الخالق إلا بإعلامه إياه. مسألة: ليس للحق صفة نفسية ثبوتية إلاَّ واحدة لا يجوز أن يكون له اثنتان فصاعداً، إذ لو كان لكانت ذاته مركبة منهما أو منهنّ، والتركيب في حقّه محال فإثبات صفة زائدة ثبوتية على واحدة محال . مسألة: لما كانت الصفات نسباً وإضافات والنسب أمور عدمية وما ثم إلاَّ ذات واحدة من جميع الوجوه لذلك جاز أن يكون العباد مرحومين في آخر الأمر، ولا يسرمد عليهم عدم الرحمة إلى ما لا نهاية له إذ لا مكره له على ذلك، والأسماء والصفات ليست أعياناً توجب حكماً عليه ٢٥٠ في المعارف / الباب الثامن عشر في معرفة علم المتهجدين وما يتعلق به من المسائل ... الخ في الأشياء، فلا مانع من شمول الرحمة للجميع، ولا سيما وقد ورد سبقها للغضب، فإذا انتهى الغضب إليها كان الحكم لها فكان الأمر على ما قلناه، لذلك قال تعالى: ﴿لَّوْ يَشَآءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [سورة الرعد: الآية ٣١] فكان حكم هذه المشيئة في الدنيا بالتكليف، وأمّا في الآخرة فالحكم لقوله: ﴿يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٥٣] فمن يقدر أن يدل على أنه لم يرد إلاَّ تسرمد العذاب على أهل النار ولا بدّ أو على واحد في العالم كله حتى يكون حكم الاسم المعذب والمبلي والمنتقم وأمثاله صحيحاً، والاسم المبلي وأمثاله نسبة وإضافة لا عين موجودة، وكيف تكون الذات الموجودة تحت حكم ما ليس بموجود؟ فكل ما ذكر من قوله : ﴿لَوْ يَشَآءُ﴾ ﴿وَلَيِنِ شِئْنَا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٨٦] لأجل هذا الأصل فله الإطلاق، وما ثم نص يرجع إليه لا يتطرّق إليه احتمال في تسرمد العذاب كما لنا في تسرمد النعيم فلم يبق إلاَّ الجواز وأنه رحمن الدنيا والآخرة، فإذا فهمت ما أشرنا إليه قلَّ تشعيبك بل زال بالكلية. مسألة: إطلاق الجواز على الله تعالى سوء أدب مع الله، ويحصل المقصود بإطلاق الجواز على الممكن وهو الأليق إذ لم يرد به شرع ولا دلّ عليه عقل فافهم، وهذا القدر كاف فإنّ العلم إلهيّ أوسع من أن يستقصى، والله يقول الحق وهو يهدي سبيل. الباب الثامن عشر في معرفة علم المتهجدين وما يتعلق به من المسائل ومقداره في مراتب العلوم وما يظهر منه من العلوم في الوجود [نظم: البسيط] عِلْمُ التَّهَجُّدِ علمُ الغيبِ ليس له إن التنزّلَ يعطيه وإنَّ له فإن دعاه إلى المعراج خالِقُه فكل منزلةٍ تعطيه منزلةٌ ما لم يَنَّمْ هذه في الليل حالتُه نوافِجُ الزهر لا تعطيك رائحةً إن الملوكَ وإن جلَّتْ مناصِبُها في منزلِ العين إحساسٌ ولا نَظَرُ في عينه سوراً تعلو به صُوَرُ بدتْ له بين أعلام العلى سُوَرُ إذا تحكّم في أجفانه السَّهَرُ أو يُذْرك الفجرَ في آفاقه البَصَرُ ما لم يَجُدْ بالنسيم الليِّنِ السَّحَرُ لها مع السُّوقَةِ الأسرارُ والسَّمَرُ اعلم أيّدك الله أن المتهجدين ليس لهم اسم خاص إلهيّ يعطيهم التهجّد ويقيمهم فيه، كما لمن يقوم الليل كله، فإن قائم الليل كله له اسم إلهيّ يدعوه إليه ويحرّكه، فإن التهجّد عبارة عمّن يقوم وينام ويقوم وينام ويقوم، فمن لم يقطع الليل في مناجاة ربّه هكذا فليس بمتهجّد، قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةً لَّكَ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٧٩] وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَ مِنْ ثُلُنَّى الَّْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُ﴾ [سورة المزمل: الآية ٢٠] وله علم خاص من جانب الحق، غير أن هذه الحالة لما لم نجد في الأسماء الإلهية من تستند إليه ولم نر أقرب نسبة إليها من الاسم الحق فاستندت إلى الاسم الحق وقبلها هذا الاسم، فكل علم يأتي به المتهجّد في المعارف/ الباب الثامن عشر في معرفة علم المتهجدين وما يتعلق به من المسائل ... الخ ٢٥١ إنما هو من الاسم الحق، فإن النبيّ وَّرِ قال لمن يصوم الدهر ويقوم الليل: ((إِنَّ لِتَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقّاً وَلِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقّاً فَصُمْ وَأَفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ)) فجمع له بين القيام والنوم لأداء حق النفس من أجل العين، ولأداء حق النفس من جانب الله، ولا تؤدّى الحقوق إلاّ بالاسم الحق ومنه لا من غيره، فلهذا استند المتهجّدون لهذا الاسم. ثم إنه للمتهجّد أمر آخر لا يعلمه كل أحد وذلك أنه لا يجني ثمرة مناجاة التهجّد ويحصل علومه إلاَّ من كانت صلاة الليل له نافلة، وأمّا من كانت فريضته من الصلاة ناقصة فإنها تكمل من نوافله، فإن استغرقت الفرائض نوافل العبد المتهجّد لم يبق له نافلة وليس بمتهجّد ولا صاحب نافلة، فهذا لا يحصل له حال النوافل ولا علومها ولا تجلياتها، فاعلم ذلك. فنوم المتهجّد لحقُ عينه وقيامه لحقِّ ربّه، فيكون ما يعطيه الحق من العلم والتجلّي في نومه ثمرة قيامه، وما يعطيه من النشاط والقوّة وتجليهما وعلومهما في قيامه ثمرة نومه، وهكذا جميع أعمال العبد مما افترض عليه، فتتداخل علوم المتهجّدين كتداخل ضفيرة الشعر وهي من العلوم المعشوقة للنفوس حيث تلتف هذا الالتفاف فيظهر لهذا الالتفاف أسرار العالم الأعلى والأسفل، والأسماء الدالة على الأفعال والتنزيه وهو قوله تعالى: ﴿وَالْنَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [سورة القيامة: الآية ٢٩] أي اجتمع أمر الدنيا بأمر الآخرة، وما ثم إلاّ دنيا وآخرة وهو المقام المحمود الذي ينتجه التهجّد، قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةٌ لَّكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَّحْمُودًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٧٩] وعسى من الله واجبة، والمقام المحمود هو الذي له عواقب الثناء أي إليه يرجع كل ثناء. وأما قدر علم التهجّد فهو عزيز المقدار وذلك أنه لما لم يكن له اسم إلهيّ يستند إليه كسائر الآثار عرف من حيث الجملة أن ثم أمراً غاب عنه أصحاب الآثار والآثار فطلب ما هو فأدّاه النظر إلى أن يستكشف عن الأسماء الإلهيّة هل لها أعيان؟ أو هل هي نسب حتى يرى رجوع الآثار؟ هل ترجع إلى أمر وجوديّ أو عدمي؟ فلما نظر رأى أنه ليس الأسماء أعياناً موجودة وإنما هي نسب، فرأى مستند الآثار إلى أمر عدمى فقال المتهجّد: قصارى الأمر أن يكون رجوعي إلى أمر عدمي، فأمعن النظر في ذلك ورأى نفسه مولداً من قيام ونوم، ورأى النوم رجوع النفس إلى ذاتها ما تطلبه، ورأى القيام حق الله عليه، فلما كانت ذاته مركبة من هذين الأمرين نظر إلى الحق من حيث ذات الحق فلاح له أن الحق إذا انفرد بذاته لذاته لم يكن العالم، وإذا توجّه إلى العالم ظهر عين العالم لذلك التوجّه فرأى أن العالم كله موجود عن ذلك التوجّه المختلف النسب، ورأى المتهجّد ذاته مركبة من نظر الحق لنفسه دون العالم وهو حالة النوم للنائم ومن نظره إلى العالم وهو حالة القيام لأداء حق الحق عليه، فعلم أن سبب وجود عينه أشرف الأسباب حيث استند من وجه إلى الذات معرّاة عن نسب الأسماء التي تطلب العالم إليه، فتحقق أن وجوده أعظم الوجود، وأن علمه أسنى العلوم، وحصل له مطلوبه، وهو كان غرضه وكان سبب ذلك انكساره وفقره فقال في قضاء وطره من ذلك متمثلاً : [المديد] ٢٥٢ في المعارف / الباب التاسع عشر في سبب نقص العلوم وزيادتها ... الخ فَجْرُه حتى انقضى وَطَري رُبَّ ليل بِتُّه ما أتى بحديثٍ طيِّبِ الخَبَرِ من مقام كنتُ أعشقه وقال في الأسماء: [المدید] غير من قد كان مَفْعُولا لم أجد للاسم مدلولا كونُه للعقل معقولا ثم أعطَتْنا حقيقَتُه واعتقدنا الأمرَ مجهولا فتلفّظْنا به أدباً وكان قدر علمه في العلوم قدر معلومه وهو الذات في المعلومات، فيتعلق بعلم التهجّد علم جميع الأسماء كلها، وأحقّها به الاسم القيوم الذي ﴿لَا تَأْخُذُمُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٥٥] وهو العبد في حال مناجاته فيعلم الأسماء على التفصيل أي كل اسم جاء علم ما يحوي عليه من الأسرار الوجودية وغير الوجودية على حسب ما تعطيه حقيقة ذلك الاسم، ومما يتعلق بهذه الحالة من العلوم علم البرزخ، وعلم التجلّي الإلهيّ في الصور، وعلم سوق الجنة، وعلم تعبير الرؤيا لا نفس الرؤيا من جهة من يراها وإنما هي من جانب من تری له، فقد يكون الرائي هو الذي رآها لنفسه، وقد يراها له غيره، والعابر لها هو الذي له جزء من أجزاء النبوّة حيث علم ما أريد بتلك الصورة ومن هو صاحب ذلك المقام. واعلم أن المقام المحمود الذي للمتهجّد يكون لصاحبه دعاء معين وهو قول الله تعالى لنبيه وَ لَه يأمره به: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلِى مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٨٠] يعني لهذا المقام فإنه موقف خاص بمحمد يحمد الله فيه بمحامد لا يعرفها إلاَّ إذا دخل ذلك المقام ﴿ وَأَخْرِجْنِى مُخْرِجَ صِدْقٍ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٨٠] أي إذا انتقل عنه إلى غيره من المقامات، والمواقف أن تكون العناية به معه في خروجه منه كما كانت معه في دخوله إليه ﴿وَأَجْعَل لِ مِن لَُّنْكَ سُلْطَانًا تَصِيرًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٨٠] من أجل المنازعين فيه، فإن المقام الشريف لا يزال صاحبه محسوداً. ولما كانت النفوس لا تصل إليه رجعت تطلب وجهاً من وجوه القدح فيه تعظيماً لحالهم التي هم عليها حتى لا ينسب النقص إليهم عن هذا المقام الشريف، فطلب صاحب هذا المقام النصرة بالحجة التي هي السلطان على الجاحدين شرف هذه المرتبة ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ اَلْبَطِلُّ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٨١]. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب التاسع عشر في سبب نقص العلوم وزيادتها وقوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [سورة طه: الآية ١١٤] وقوله وَّ: ((إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعاً يَنَزَعُهُ مِنْ صُدُورِ العُلَمَاءِ وَلْكِنْ يَقْبِضُهُ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ» [نظم: الطويل] دليلٌ على ما في العلوم من النَّقْصِ تَجَلِّي وجودِ الحقِّ في فَلَكِ النَّفْسِ فهل مدركٌ إياه بالبحث والفَخْصِ وإن غابَ عن ذلك التجلّي بنفسه ٢٥٣ في المعارف / الباب التاسع عشر في سبب نقص العلوم وزيادتها ... الخ فقد ثبت السِّتْرُ المحقَّقُ بالنَّصِّ وإن ظهرتْ للعلم في النفس كَثْرةٌ على عالم الأرواح شيء سوى القُرْصِ ولم يَبْدُ من شمس الوجود ونورها وليست تنالُ العينُ في غير مَظْهَرٍ ولو هلك الإنسانُ من شدّة الحِرْصِ وما هو بالزور المُمَّوَّه والخَرْصِ ولا ريب في قولي الذي قد بَثَثْتُهُ اعلم أيّدك الله أن كل حيوان وكل موصوف بإدراك فإنه في كل نفس في علم جديد من حيث ذلك الإدراك، لكن الشخص المدرك قد لا يكون ممن يجعل باله أن ذلك علم فهذا هو في نفس الأمر علم، فاتصاف العلوم بالنقص في حق العالم هو أن الإدراك قد حيل بينه وبين أشياء كثيرة مما كان يدركها لو لم يقم به هذا المانع كمن طرأ عليه العمى أو الصمم أو غير ذلك. ولما كانت العلوم تعلو وتتضع بحسب المعلوم لذلك تعلقت الهمم بالعلوم الشريفة العالية التي إذا اتّصف بها الإنسان زكت نفسه وعظمت مرتبته، فأعلاها مرتبة العلم بالله، وأعلى الطرق إلى العلم بالله علم التجليات ودونها علم النظر، وليس دون النظر علم إلهيّ، وإنما هي عقائد في عموم الخلق لا علوم، وهذه العلوم هي التي أمر الله نبيه عليه السلام بطلب الزيادة منها قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُّةٌ وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [سورة طه: الآية ١١٤] أي زدني من كلامك ما نزيد به علماً بك، فإنه قد زاد هنا من العلم العلم بشرف التأنّي عند الوحي أدباً مع المعلم الذي أتاه به من قبل ربه، ولهذا أردف هذه الآية بقوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّورِ﴾ [سورة طه: الآية ١١١] أي ذلّت فأراد علوم التجلّي، والتجلّي أشرف الطرق إلى تحصيل العلوم وهي علوم الأذواق. واعلم أن للزيادة والنقص باباً آخر نذكره أيضاً إن شاء الله، وذلك أن الله جعل لكل شيء ونفس الإنسان من جملة الأشياء ظاهراً وباطناً، فهي تدرك بالظاهر أموراً تسمّى عيناً، وتدرك بالباطن أموراً تسمّى علماً، والحق سبحانه هو الظاهر والباطن فيه وقع الإدراك، فإنه ليس في قدرة كل ما سوى الله أن يدرك شيئاً بنفسه، وإنما أدركه بما جعل الله فيه وتجلّى الحق لكل من تجلّى له من أيّ عالم كان من عالم الغيب أو الشهادة إنما هو من الاسم الظاهر. وأمّا الاسم الباطن فمن حقيقة هذه النسبة أنه لا يقع فيها تجلّ أبداً في الدنيا ولا في الآخرة، إذ كان التجّي عبارة عن ظهوره لمن تجلّ له في ذلك المجلّى وهو الاسم الظاهر، فإن معقولية النسب لا تتبدّل وإن لم يكن لها وجود عينيّ، لكن لها الوجود العقليّ فهي معقولة، فإذا تجلّى الحق إما منّة أو إجابة لسؤال فيه فتجلّى لظاهر النفس وقع الإدراك بالحسّ في الصورة في برزخ التمثّل فوقعت الزيادة عند المتجلّي له في علوم الأحكام إن كان من علماء الشريعة، وفي علوم موازين المعاني إن كان منطقياً، وفي علوم ميزان الكلام إن كان نحوياً، وكذلك صاحب كل علم من علوم الأكوان وغير الأكوان تقع له الزيادة في نفسه من علمه الذي هو بصدده، فأهل هذه الطريقة يعلمون أنّ هذه الزيادة إنما كانت من ذلك التجلّي الإلهيّ لهؤلاء الأصناف، فإنهم لا يقدرون على إنكار ما كشف لهم، وغير العارفين يحسّون بالزيادة وينسبون ذلك إلى أفكارهم، وغير هذين يجدون من الزيادة ولا يعلمون أنهم استزادوا ٢٥٤ في المعارف/ الباب التاسع عشر في سبب نقص العلوم وزيادتها ... الخ الأصلية شيئاً، فهم في المثل ﴿ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًاً بِنْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِقَايَتِ اللهِ﴾ [سورة الجمعة: الآية ٥] وهي هذه الزيادة وأصلها، والعجب من الذين نسبوا ذلك إلى أفكارهم وما علم أنّ فكره ونظره وبحثه في مسألة من المسائل هو من زيادة العلوم في نفسه من ذلك التجلّي الذي ذكرناه، فالناظر مشغول بمتعلق نظره وبغاية مطلبه فيحجب عن علم الحال فهو في مزيد علم وهو لا يشعر، وإذا وقع التجلّ أيضاً بالاسم الظاهر لباطن النفس وقع الإدراك بالبصيرة في عالم الحقائق والمعاني المجرّدة عن الموادّ وهي المعبر عنها بالنصوص، إذ النص ما لا إشكال فيه ولا احتمال بوجه من الوجوه وليس ذلك إلاّ في المعاني، فيكون صاحب المعاني مستريحاً من تعب الفكر فتقع الزيادة له عند التجلّي في العلوم الإلهيّة وعلوم الأسرار وعلوم الباطن وما يتعلق بالآخرة، وهذا مخصوص بأهل طريقنا فهذا سبب الزيادة. أمّا سبب نقصها فأمران: إمّا سوء في المزاج في أصل النشء، أو فساد عارض في القوّة الموصلة إلى ذلك وهذا لا ينجبر كما قال الخضر في الغلام إنه طبع كافراً فهذا في أصل النشء. وأمّا الأمر العارض فقد يزول إن كان في القوّة بالطب، وإن كان في النفس فشغله حب الرياسة واتباع الشهوات عن اقتناء العلوم التي فيها شرفه وسعادته، فهذا أيضاً قد يزول بداعي الحق من قلبه فيرجع إلى الفكر الصحيح فيعلم أن الدنيا منزل من منازل المسافر وأنها جسر يعبر، وأن الإنسان إذا لم تتحلّ نفسه هنا بالعلوم ومكارم الأخلاق وصفات الملأ الأعلى من الطهارة والتنزّه عن الشهوات الطبيعية الصارفة عن النظر الصحيح واقتناء العلوم الإلهية فيأخذ في الشروع في ذلك فهذا أيضاً سبب نقص العلوم، ولا أعني بالعلوم التي يكون النقص منها عيباً في الإنسان إلاَّ العلوم الإلهية، وإلاَّ فالحقيقة تعطي أنه ما ثم نقص قط وأن الإنسان في زيادة علم أبداً دائماً من جهة ما تعطيه حواسه وتقلبات أحواله في نفسه وخواطره فهو في مزيد علوم لكن لا منفعة فيها، والظن، والشك، والنظر، والجهل، والغفلة، والنسيان، كل هذا وأمثاله لا يكون معها العلم بما أنت فيه بحكم الظن أو الشك أو النظر أو الجهل أو الغفلة أو النسيان . وأمّا نقص علوم التجلى وزيادتها فالإنسان على إحدى حالتين: خروج الأنبياء بالتبليغ أو الأولياء بحكم الوراثة النبوية، كما قيل لأبي يزيد حين خلع عليه خلع النيابة وقال له : اخرج إلى خلقي بصفتي فمن رآك رآني فلم يسعه إلاَّ امتثال أمر ربّه فخطا خطوة إلى نفسه من ربّه فغشي عليه فإذا النداء: ردّوا عليّ حبيبي فلا صبر له عني فإنه كان مستهلكاً في الحق كأبي عقال المغربي فردّ إلى مقام الاستهلاك فيه الأرواح الموكلة به المؤيّدة له لما أمر بالخروج فرد إلى الحق وخلعت عليه خلع الذلّة والافتقار والانكسار فطاب عيشه ورأى ربّه فزاد أنسه واستراح من حمل الأمانة المعارة التي لا بدّ له أن تؤخذ منه. والإنسان من وقت رقيه في سلم المعراج يكون له تجلّ إلهيّ بحسب سلم معراجه، فإنه لكل شخص من أهل الله سلم يخصّه لا يرقى فيه غيره، ولو رقي أحد في سلم أحد لكانت ٢٥٥ في المعارف / الباب العشرون في العلم العيسويّ ومن أين جاء، وإلى أين ينتهي ... الخ النبوّة مكتسبة، فإن كل سلم يعطي لذاته مرتبة خاصة لكل من رقي فيه، وكانت العلماء ترقى في سلم الأنبياء فتنال النبوّة برقيها فيه والأمر ليس كذلك، وكان يزول الاتساع الإلهيّ بتكرار الأمر، وقد ثبت عندنا أنه لا تكرار في ذلك الجناب، غير أنّ عدد درج المعالي كلها الأنبياء والأولياء والمؤمنون والرسل على السواء لا يزيد سلم على سلم درجة واحدة، فالدرجة الأولى الإسلام وهو الانقياد، وآخر الدرج الفناء في العروض والبقاء في الخروج وبينهما ما بقي وهو الإيمان، والإحسان، والعلم، والتقديس، والتنزيه، والغنى، والفقر، والذلّة، والعزّة، والتلوين، والتمكين في التلوين، والفناء إن كنت خارجاً، والبقاء إن كنت داخلاً إليه، وفي كل درج في خروجك عنه ينقص من باطنك بقدر ما يزيد في ظاهرك من علوم التجلّي إلى أن تنتهي إلى آخر درج، فإن كنت خارجاً ووصلت إلى آخر درج ظهر بذاته في ظاهرك على قدرك وكنت له مظهراً في خلقه ولم يبق في باطنك منه شيء أصلاً وزالت عنك تجليات الباطن جملة واحدة، فإذا دعاك إلى الدخول إليه فهي أوّل درج يتجلّ لك في باطنك بقدر ما ينقص من ذلك التجلّ في ظاهرك إلى أن تنتهي إلى آخر درج، فيظهر على باطنك بذاته ولا يبقى في ظاهرك تجلّ أصلاً، وسبب ذلك أن لا يزال العبد والرب معاً في كمال وجود كل واحد لنفسه فلا يزال العبد عبداً والرب رباً مع هذه الزيادة والنقص، فهذا هو سبب زيادة علوم التجليات ونقصها في الظاهر والباطن وسبب ذلك التركيب، ولهذا كان جميع ما خلقه الله وأوجده في عينه مركباً له ظاهر وله باطن، والذي نسمعه من البسائط إنما هي أمور معقولة لا وجود لها في أعيانها، فكل موجود سوى الله تعالى مركب، هذا أعطانا الكشف الصحيح الذي لا مرية فيه وهو الموجب لاستصحاب الافتقار له فإنه وصف ذاتيّ له، فإن فهمت فقد أوضحنا لك المنهاج ونصبنا لك المعراج، فاسلك واعرج تبصر وتشاهد ما بيّناه لك ولما عينًا لك درج المعارج ما أبقينا لك في النصيحة التي أمرنا بها رسول الله وَله فإنه لو وصفنا لك الثمرات والنتائج ولم نعين لك الطريق إليها لشوّقناك إلى أمر عظيم لا تعرف الطريق الموصل إليه، فوالذي نفسي بيده إنه لهو المعراج، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . الباب العشرون في العلم العيسويّ ومن أين جاء، وإلى أين ينتهي، وكيفيته، وهل تعلق بطول العالم أو بعرضه أو بهما؟ [نظم: مجزوء الخفيف] جَهِلَ الخلقُ قَدْرَهْ عِلْمُ عيسى هو الذي كانت الأرضُ قَبْرَةْ كان يُخيي به الذي غاب فيه وأمرُه قاوَمَ النَّفْخَ أُذْنُ مَنْ كان في الغيب صِهْرُه أنَّ لاهوتَه الذي ٢٥٦ في المعارف / الباب العشرون في العلم العيسويّ ومن أين جاء، وإلى أين ينتهي ... الخ أظهر الله سِرَّة هو روح ممثّلٌ قد محا الله بذرة جاء من غَيْب حَضْرةٍ كان روحاً فغرَّهُ صار خلقاً من بعدما فحباه وسرّة وانتهى فيه أمرُه عظّم الله أجرَه من يكن مثله فقد اعلم أيّدك الله أن العلم العيسوي هو علم الحروف، ولهذا أعطي النفخ وهو الهواء الخارج من تجويف القلب الذي هو روح الحياة، فإذا انقطع الهواء في طريق خروجه إلى فم الجسد سمّي مواضع انقطاعه حروفاً فظهرت أعيان الحروف، فلما تألفت ظهرت الحياة الحسّيّة في المعاني، وهو أوّل ما ظهر من الحضرة الإلهيّة للعالم، ولم يكن للأعيان في حال عدمها شيء من النسب إلاَّ السمع، فكانت الأعيان مستعدة في ذواتها في حال عدمها لقبول الأمر الإلهيّ إذا ورد عليها بالوجود، فلما أراد بها الوجود قال لها: ﴿ كن﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠] فتكوّنت وظهرت في أعيانها، فكان الكلام الإلهيّ أوّل شيء أدركته من الله تعالى بالكلام الذي يليق به سبحانه، فأوّل كلمة تركبت كلمة ﴿كُنْ﴾ وهي مركبة من ثلاثة أحرف: كاف وواو ونون، وكل حرف من ثلاثة فظهرت التسعة التي جذرها الثلاثة وهي أول الأفراد، وانتهت بسائط العدد بوجود التسعة من ﴿كن﴾ فظهر بكن عين المعدود والعدد، ومن هنا كان أصل تركيب المقدمات من ثلاثة وإن كانت في الظاهر أربعة، فإن الواحد يتكرّر في المقدّمتين فهي ثلاثة، وعن الفرد وجد الكون لا عن الواحد، وقد عرّفنا الحق أن سبب الحياة في صور المولدات إنما هو النفخ الإلهيّ في قوله: ﴿فَإِذَا سَوَيْتُهُ، وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِى﴾ [سورة الحجر: الآية ٢٩] وهو النفس الذي أحيى الله به الإيمان فأظهره. قال الله: ((إِنَّ نَفَسَ الرَّحْمَنِ يَأْتِينِي مِنْ قِبَلِ اليَمَنِ)) فحييت بذلك النفس الرحماني صورة الإيمان في قلوب المؤمنين وصورة الأحكام المشروعة، فأعطى عيسى علم هذا النفخ الإلهيّ ونسبته، فكان ينفخ في الصورة الكائنة في القبر أو في صورة الطائر الذي أنشأه من الطين فيقوم حيّاً بالإذن الإلهيّ الساري في تلك النفخة وفي ذلك الهواء، ولولا سريان الإذن الإلهيّ فيه لما حصلت حياة في صورة أصلاً، فمن نفس الرحمن جاء العلم العيسوي إلى عيسى فكان يحيي الموتى بنفخه عليه السلام، وكان انتهاؤه إلى الصور المنفوخ فيها وذلك هو الحظ الذي لكل موجود من الله وبه يصل إليه إذا صارت إليه الأمور كلها . وإذا تحلل الإنسان في معراجه إلى ربّه وأخذ كل كون منه في طريقه ما يناسبه لم يبق منه إلاَّ هذا السر الذي عنده من الله فلا يراه إلاَّ به ولا يسمع كلامه إلاَّ به فإنه يتعالى ويتقدّس أن يدرك إلاَّ به، وإذا رجع الشخص من هذا المشهد وتركبت صورته التي كانت تحللت في عروجه وردّ العالم إليه جميع ما كان أخذه منه مما يناسبه فإن كل عالم لا يتعدّى جنسه، فاجتمع الكل على هذا السرّ الإلهيّ واشتمل عليه، وبه سبحت الصورة بحمده وحمدت ربّها إذ لا يحمده سواه، ولو حمدته الصورة من حيث هي لا من حيث ٢٥٧ في المعارف / الباب العشرون في العلم العيسويّ ومن أين جاء، وإلى أين ينتهي ... الخ هذا السرّ لم يظهر الفضل الإلهيّ ولا الامتنان على هذه الصورة، وقد ثبت الامتنان له على جميع الخلائق، فثبت أن الذي كان من المخلوق لله من التعظيم والثناء إنما كان من ذلك السرّ الإلهيّ ففي كل شيء من روحه وليس شيء فيه فالحق هو الذي حمد نفسه وسبح نفسه، وما كان من خير إلهيّ لهذه الصورة عند ذلك التحميد والتسبيح فمن باب المنة لا من باب الاستحقاق الكونيّ، فإن جعل الحق له استحقاقاً فمن حيث إنه أوجب ذلك على نفسه، فالكلمات عن الحروف، والحروف عن الهواء، والهواء عن النفس الرحماني، وبالأسماء تظهر الآثار في الأكوان، وإليها ينتهي العلم العيسوي. ثم إن الإنسان بهذه الكلمات يجعل الحضرة الرحمانية تعطيه من نفسها ما تقوم به حياة ما يسأل فيه بتلك الكلمات فيصير الأمر دورياً دائماً. واعلم أن حياة الأرواح حياة ذاتية ولهذا يكون كل ذي روح حيّ بروحه، ولما علم بذلك السامريّ حين أبصر جبريل وعلم أن روحه عين ذاته وأن حياته ذاتية فلا يطأ موضعاً إلاَّ حيي ذلك الموضع بمباشرة تلك الصورة الممثلة إياه، فأخذ من أثره قبضة وذلك قوله تعالى فيما أخبر به عنه أنه قال ذلك: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةُ مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ [سورة طه: الآية ٩٦] فلما صاغ العجل وصوّره نبذ فيه تلك القبض فخار العجل. ولما كان عيسى عليه السلام روحاً كما سمّاه الله وكما أنشأه روحاً في صورة إنسان ثابتة أنشأ جبريل في صورة أعرابي غير ثابتة كان يحيي الموتى بمجرّد النفخ، ثم إنه أيّده بروح القدس، فهو روح مؤيّد بروح طاهرة من دنس الأكوان، والأصل في هذا كله الحيّ الأزليّ عين الحياة الأبدية، وإنما ميّز الطرفين أعني الأزل والأبد وجود العالم وحدوثه الحيّ، وهذا العلم هو المتعلق بطول العالم أعني العالم الروحانيّ وهو عالم المعاني والأمر، ويتعلق بعرض العالم وهو عالم الخلق والطبيعة والأجسام والكل لله ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَآلْأَمْهُ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٥٤] ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٨٥] ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٥٤] وهذا كان علم الحسين بن منصور رحمه الله. فإذا سمعت أحداً من أهل طريقنا يتكلم في الحروف فيقول: إن الحرف الفلاني طوله كذا ذراعاً أو شبراً وعرضه كذا كالحلاج وغيره فإنه يريد بالطول فعله في عالم الأرواح وبالعرض فعله في عالم الأجسام، ذلك المقدار المذكور الذي يميّزه به، وهذا الاصطلاح من وضع الحلاج، فمن علم من المحققين حقيقة ﴿كن ﴾فقد علم العلم العلويّ، ومن أوجد بهمته شيئاً من الكائنات فما هو من هذا العلم. ولما كانت التسعة ظهرت في حقيقة هذه الثلاثة الأحرف ظهر عنها من المعدودات التسعة الأفلاك، وبحركات مجموع التسعة الأفلاك وتسيير كواكبها وجدت الدنيا وما فيها، كما أنها أيضاً تخرب بحركاتها وبحركة الأعلى من هذه التسعة وجدت الجنة بما فيها، وعند حركة ذلك الأعلى يتكوّن جميع ما في الجنة، وبحركة الثاني الذي يلي الأعلى الفتوحات المكية ج١ - م١٧ ٢٥٨ في المعارف / الباب العشرون في العلم العيسويّ ومن أين جاء، وإلى أين ينتهي ... الخ وجدت النار بما فيها والقيامة والبعث والحشر والنشر، وبما ذكرناه كانت الدنيا ممتزجة نعيم ممزوج بعذاب، وبما ذكرناه أيضاً كانت الجنة نعيماً كلها، والنار عذاباً كلها، وزال ذلك المزج في أهلها، فنشأة الآخرة لا تقبل مزاج نشأة الدنيا، وهذا هو الفرقان بين نشأة الدنيا والآخرة، إلا أن نشأة النار أعني أهلها إذا انتهى فيهم الغضب الإلهيّ وأمدّه ولحق بالرحمة التي سبقته في المدى يرجع الحكم لها فيهم وصورتها صورتها لا تتبدّل ولو تبدّلت تعذبوا فيحكم عليهم أولاً بإذن الله، وتوليته حركة الفلك الثاني من الأعلى بما يظهر فيهم من العذاب في كل محل قابل للعذاب، وإنما قلنا في كل محل قابل للعذاب لأجل من فيها ممن لا يقبل العذاب، فإذا انقضت مدّتها وهي خمس وأربعون ألف سنة تكون في هذه المدة عذاباً على أهلها يتعذّبون فيها عذاباً متصلاً لا يفتر ثلاثة وعشرين ألف سنة، ثم يرسل الرحمن عليهم نومة يغيبون فيها عن الإحساس وهو قوله تعالى: ﴿لَا يَمُوتُ فِيَهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [سورة طُه: الآية ٧٤]. وقوله عليه السلام في أهل النار الذين هم أهلها: لا يموتون فيها ولا يحيون، يريد حالهم في هذه الأوقات التي يغيبون فيها عن إحساسهم مثل الذي يغشى عليه من أهل العذاب في الدنيا من شدّة الجزع وقوّة الآلام المفرطة فيمكثون كذلك تسع عشرة ألف سنة ثم يفيقون من غشيتهم وقد بدّل الله جلودهم جلوداً غيرها فيعذبون فيها خمسة عشر ألف سنة ثم يغشى عليهم فيمكثون في غشيتهم إحدى عشرة ألف سنة ثم يفيقون وقد بدّل الله جلودهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب فيجدون العذاب الأليم سبعة آلاف سنة، ثم يغشى عليهم ثلاثة آلاف سنة ثم يفيقون فيرزقهم الله لذة وراحة مثل الذي ينام على تعب ويستيقظ، وهذا من رحمته التي سبقت غضبه ووسعت كل شيء، فيكون لها حكم عند ذلك حكم التأبيد من الاسم الواسع الذي به وسع كل شيء رحمة وعلماً فلا يجدون ألماً ويدوم لهم ذلك ويستغنمونه ويقولون نسينا فلا نسأل حذراً أن نذكر بنفوسنا وقد قال الله لنا: ﴿أَخَْثُواْ فِيَهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ١٠٨] فيسكتون وهم فيها مبلسون، ولا يبقى عليهم من العذاب إلاَّ الخوف من رجوع العذاب عليهم، فهذا القدر من العذاب هو الذي يسرمد عليهم وهو الخوف وهو عذاب نفسيّ لا حسيّ، وقد يذهلون عنه في أوقات، فنعيمهم الراحة من العذاب الحسيّ بما يجعل الله في قلوبهم من أنه ذو رحمة واسعة، يقول الله تعالى: ﴿اَلْيَّوْمَ نَسَنَكُمْ كَا نَسِيتُمْ﴾ [سورة الجاثية: الآية ٣٤] ومن هذه الحقيقة يقولون نسينا إذا لم يحسّوا بالآلام، وكذلك قوله: ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [سورة التوبة: الآية ٦٧] ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نُنسَى﴾ [سورة طه: الآية ١٢٦] أي تترك في جهنم إذ كان النسيان الترك وبالهمز التأخّر، فأهل النار حظّهم من النعيم عدم وقوع العذاب، وحظّهم من العذاب توقعه، فإنه لا أمان لهم بطريق الأغبار عن الله، ويحجبون عن خوف التوقّع في أوقات، فوقتاً يحجبون عنه عشرة آلاف سنة، ووقتاً ألفي سنة، ووقتاً ستة آلاف سنة، ولا يخرجون عن هذا المقدار المذكور متى ما كان، ٢٥٩ في المعارف/ الباب الحادي والعشرون في معرفة ثلاثة علوم كونية وتوالج بعضها في بعض لا بدّ أن يكون هذا القدر لهم من الزمان، وإذا أراد الله أن ينعمهم من اسمه الرحمن ينظرون في حالهم التي هم عليها في الوقت وخروجهم مما كانوا فيه من العذاب فينعمون بذلك القدر من النظر، فوقتاً يدوم لهم هذا النظر ألف سنة، ووقتاً تسعة آلاف سنة، ووقتاً خمسة آلاف سنة فيزيد وينقص، فلا تزال حالهم هذه دائماً في جهنم إذ هم أهلها، وهذا الذي ذكرناه كله من العلم العيسوي الموروث من المقام المحمدي، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الحادي والعشرون في معرفة ثلاثة علوم كونية وتوالج بعضها في بعض [نظم: البسيط] علم النتائج فانْسُبه إلى النَّظَرِ عِلْمُ الثَّوالْجِ عِلمُ الفكر يصْحَبُه مثل الدلالة في الأنثى مع الذكر هي الأدلةُ إن حقَّقْتَ صورتَها على حقيقة كُنْ في عالم الصُوَرِ على الذي أوْقَفَ الإيجادَ أجمَعَه في العين قائمةً تمشي على قَدَرِ والواو لولا سكونُ النون أظهرها وفي توجُّهه في جوهر البَشَرِ فاعلم بأن وجود الكون في فَلَكِ اعلم أيّدك الله أن هذا هو علم التوالد والتناسل وهو من علوم الأكوان، وأصله من العلم الإلهيّ، فلنبين لك أولاً صورته في الأكوان وبعد ذلك نظهره لك في العلم الإلهيّ، فإن كل علم أصله من العلم الإلهيّ، إذ كان كل ما سوى الله من الله، قال الله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُ مَا فِىِ اُلَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ [سورة الجاثية: الآية ١٣] فهذا علم التوالج سار في كل شيء وهو علم الالتحام والنكاح، ومنه حسيّ ومعنويّ وإلهيّ. فاعلم أنك إذا أردت أن تعلم حقيقة هذا فلتنظره أولاً في عالم الحسّ، ثم في عالم الطبيعة، ثم في المعاني الروحانية، ثم في العلم الإلهيّ . فأمّا في الحسّ: فاعلم أنه إذا شاء الله أن يظهر شخصاً بين اثنين ذانك الاثنان هما ينتجانه، ولا يصحّ أن يظهر عنهما ثالث ما لم يقم بهما حكم ثالث وهو أن يفضي أحدهما إلى الآخر بالجماع، فإذا اجتمعا على وجه مخصوص وشرط مخصوص وهو أن يكون المحل قابلاً للولادة لا يفسد البذر إذا قبله ويكون البذر يقبل فتح الصورة فيه هذا هو الشرط الخاص. وأمّا الوجه المخصوص: فهو أن يكون التقاء الفرجين وإنزال الماء أو الريح عن شهوة فلا بدّ من ظهور ثالث وهو المسمّى ولداً والاثنان يسميان والدين وظهور الثالث يسمّى ولادة واجتماعهما يسمّى نكاحاً وسفاحاً وهذا أمر محسوس واقع في الحيوان، وإنما قلنا بوجه مخصوص وشرط مخصوص فإنه ما يكون عن كل ذكر وأنثى يجتمعان بنكاح ولد ولا بدّ إلا بحصول ما ذكرناه، وسنبينه في المعاني بأوضح من هذا إذ المطلوب ذلك. وأمّا في الطبيعة: فإن السماء إذا أمطرت الماء وقبلت الأرض الماء وربت وهو حملها ٢٦٠ في المعارف / الباب الحادي والعشرون في معرفة ثلاثة علوم كونية وتوالج بعضها في بعض فأنبتت من كل زوج بهيج وكذلك لقاح النخل والشجر ﴿وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَلَفْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٤٩] لأجل التوالد. وأمّا في المعاني: فهو أن تعلم أن الأشياء على قسمين: مفردات ومركبات، وأن العلم بالمفرد يتقدّم على العلم بالمركب، والعلم بالمفرد يقتنص بالحدّ، والعلم بالمركب يقتنص بالبرهان، فإذا أردت أن تعلم وجود العالم هل هو عن سبب أو لا فلتعمد إلى مفردين أو ما هو في حكم المفردين مثل المقدّمة الشرطية، ثم تجعل أحد المفردين موضوعاً مبتدأ أو تحمل المفرد الآخر عليه على طريق الإخبار به عنه فتقول: كل حادث، فهذا المسمّى مبتدأ فإنه الذي بدأت به، وموضوعاً أوّل فإنه الموضوع الأول الذي وضعته لتحمل عليه ما تخبر به عنه، وهو مفرد فإن الاسم المضاف في حكم المفرد، ولا بدّ أن تعلم بالحدّ معنى الحدوث ومعنى كل الذي أضفته إليه وجعلته له كالسور لما يحيط به فإن (كل) تقتضي الحصر بالوضع في اللسان، فإذا علمت الحادث حينئذ حملت عليه مفرداً آخر وهو قولك فله سبب فأخبرت به عنه، فلا بدّ أن تعلم أيضاً معنى السبب ومعقوليته في الوضع، وهذا هو العلم بالمفردات المقتنصة بالحد، فقام من هذين المفردين صورة مركبة كما قامت صورة الإنسان من حيوانية ونطق فقلت فيه حيوان ناطق، فتركيب المفردين بحمل أحدهما على الآخر لا ينتج شيئاً وإنما هي دعوى يفتقر مدعيها إلى دليل على صحتها حتى يصدق الخبر عن الموضوع بما أخبر به عنه فيؤخذ منا ذلك مسلماً إذا كان في دعوى خاصة على طريق ضرب المثال مخافة التطويل، وليس كتابي هذا بمحل لميزان المعاني، وإنما ذلك موقوف على علم المنطق، فإنه لا بدّ أن يكون كل مفرد معلوماً، وأن يكون ما يخبر به عن المفرد الموضوع معلوماً أيضاً، إمّا ببرهان حسيّ، أو بديهيّ، أو نظريّ يرجع إليهما، ثم تطلب مقدمة أخرى تعمل فيها ما عملت في الأولى، ولا بدّ أن يكون أحد المفردين مذكوراً في المقدمتين، فهي أربعة في صورة التركيب، وهي ثلاثة في المعنى لما نذكره إن شاء الله، وإن لم يكن كذلك فإنه لا ينتج أصلاً فتقول في هذه المسألة التي مثلنا بها في المقدّمة الأخرى والعالم حادث وتطلب فيه من العلم بحدّ المفرد فيها ما طلبته في المقدمة الأولى من معرفة العالم ما هو وحمل الحدوث عليه بقولك حادث، وقد كان هذا الحادث الذي هو محمول في هذه المقدّمة موضوعاً في الأولى حين حملت عليه السبب فتكرّر الحادث في المقدّمتين وهو الرابط بينهما، فإذا ارتبطا سمّي ذلك الارتباط وجه الدليل، وسمّي اجتماعهما دليلاً وبرهاناً، فينتج بالضرورة أن حدوث العالم له سبب، فالعلة الحدوث والحكم السبب، فالحكم أعمّ من العلة، فإنه يشترط في هذا العلم أن يكون الحكم أعمّ من العلة أو مساوياً لها، وإن لم يكن كذلك فإنه لا يصدق هذا في الأمور العقلية . وأمّا مأخذها في الشرعيات فإذا أردت أن تعلم مثلاً أن النبيذ حرام بهذه الطريقة فتقول كل مسكر حرام والنبيذ مسكر فهو حرام، وتعتبر في ذلك ما اعتبرت في الأمور