النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
في المعارف / الباب التاسع في معرفة وجود الأرواح المارجية النارية
عمله، ورأيت في سوق صيارفهم أنه لا ينتقد لهم سكتهم إلاَّ واحد في المدينة كلها وفيما
تحت يد ذلك الملك من المدن .
قال: وهكذا رأيت سيرتهم في كل أمر لا يقوم به إلاَّ واحد لكن له وزعة وأهل هذه
الأرض أعرف الناس بالله، وكل ما أحاله العقل بدليله عندنا وجدناه في هذه الأرض ممكناً قد
وقع و ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٠] فعلمنا أن العقول قاصرة، وأن الله
قادر على جمع الضدين، ووجود الجسم في مكانين، وقيام العرض بنفسه وانتقاله، وقيام
المعنى بالمعنى، وكل حديث وآية وردت عندنا مما صرفها العقل عن ظاهرها وجدناها على
ظاهرها في هذه الأرض، وكل جسد يتشكل فيه الروحانيّ من ملك وجن، وكل صورة يرى
الإنسان فيها نفسه في النوم، فمن أجساد هذه الأرض لها من هذه الأرض موضع مخصوص،
ولهم رقائق ممتدة إلى جميع العالم وعلى كل رقيقة أمين، فإذا عاين ذلك الأمين روحاً من
الأرواح قد استعد لصورة من هذه الصور التي بيده كساه إياها كصورة دحية لجبريل، وسبب
ذلك أن هذه الأرض مدّها الحق تعالى في البرزخ وعيّن منها موضعاً لهذه الأجساد التي تلبسها
الروحانيات وتنتقل إليها النفوس عند النوم وبعد الموت فنحن من بعض عالمها، ومن هذه
الأرض طرف يدخل في الجنة يسمّى السوق، ونحن نبين لك مثال صورة امتداد الطرف الذي
يلي العالم من هذه الأرض، وذلك أن الإنسان إذا نظر إلى السراج أو الشمس والقمر ثم حال
بأهداب أجفانه بين الناظر والجسم المستنير يبصر من ذلك الجسم المستنير إلى عينيه شبه
الخطوط من النور تتصل من السراج إلى عينيه متعددة، فإذا رفع تلك الأهداب من مقابلة
الناظر قليلاً قليلاً يرى تلك الخطوط الممتدة تنقبض إلى الجسم المستنير، فالجسم المستنير
مثال للموضع المعين من هذه الأرض لتلك الصور والناظر مثال العالم، وامتداد تلك الخطوط
كصور الأجساد التي تنتقل إليها في النوم وبعد الموت وفي سوق الجنة والتي تلبسها الأرواح،
وقصدك إلى رؤية تلك الخطوط بذلك الفعل من إرسال الأهداب الحائلة بين الناظر والجسم
النير مثال الاستعداد، وانبعاث تلك الخطوط عند هذه الحال انبعاث الصور عند الاستعداد،
وانقباض الخطوط إلى الجسم النير عند رفع الحائل رجوع الصور إلى تلك الأرض عند زوال
الاستعداد، وليس بعد هذا البيان بيان، وقد بسطنا القول في عجائب هذه الأرض وما يتعلق
بها من المعارف في كتاب كبير لنا فيها خاصة. انتهى الجزء الحادي عشر.
(الجزء الثاني عشر)
بِسْمِ اللهِ الرََّنِ الرَّحميدِ
الباب التاسع في معرفة وجود الأرواح المارجية النارية
[نظم: الخفيف]
صورةُ الجنّ برزخاً بين شيئَيْنْ
مَرَجَ النارَ والنباتَ فقامت
في حضيضٍ وبين روحٍ بلا أيْنْ
بين روحٍ مجسَّم ذي مكانٍ

٢٠٢
في المعارف/ الباب التاسع في معرفة وجود الأرواح المارجية النارية
طلب القوتَ للتغذي بلا مَيْنْ
فالذي قابلَ التجسُّمَ منها
قبل القلبَ بالتشكل في العَيْنْ
والذي قابلَ الملائكَ منها
ويجازى مخالفوهم بنارَيْنْ
ولهذا يطيع وقتاً ويعصي
قال الله تعالى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَ مِن ◌َّارِجٍ مِّن ثَارٍ﴾ [سورة الرحمن: الآية ١٥] وورد في
الحديث الصحيح: ((إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ المَلائِكَةَ مِنْ نُورٍ، وَخَلَقَ اللَّهُ الجَانِ مِنْ نَارٍ، وَخَلَقَ الإِنْسَانَ
مِمَّا قِيلَ لَكُمْ)) فأما قوله عليه السلام في خلق الإنسان مما قيل لكم ولم يقل مثل ما قال في
خلق الملائكة والجانّ طلباً للاختصار فإنه أوتي جوامع الكلم وهذا منها، فإن الملائكة لم
يختلف أصل خلقها ولا الجانّ، وأمّا الإنسان اختلف خلقه على أربعة أنواع من الخلق، فخلق
آدم لا يشبه خلق حوّاء، وخلق حوّاء لا يشبه خلق سائر بني آدم، وخلق عيسى عليه السلام لا
يشبه خلق من ذكرنا، فقصد رسول الله وَلّو الاختصار، وأحال على ما وصل إلينا من تفصيل
خلق الإنسان، فآدم من طين، وحوّاء من ضلع، وعيسى من نفخ روح، وبنو آدم من ماء
مھین .
ولما أنشأ الله الأركان الأربعة وعلا الدخان إلى مقعر فلك الكواكب الثابتة، وفتق في
ذلك الدخان سبع سموات ميّز بعضها عن بعض، وأوحى في كل سماء أمرها بعدما قدّر في
الأرض أقواتها وذلك كله في أربعة أيام ثم قال السموات والأرض: ﴿اقْنِيَا طَوَعًا أَوْ كَرَّهَاً﴾ أي
أجيبا إذا دعيتما لما يراد منكما مما أمنتما عليه أن تبرزاه ﴿قَالَتَآَ أَنْنَا طَآئِعِينَ﴾ [سورة فصلت: الآية
١١] فجعل سبحانه بين السماء والأرض التحاماً معنوياً وتوجّهاً لما يريد سبحانه أن يوجده في
هذه الأرض من المولدات من معدن ونبات وحيوان، وجعل الأرض كالأهل، وجعل السماء
كالبعل والسماء تلقي إلى الأرض من الأمر الذي أوحى الله فيها كما يلقي الرجل الماء بالجماع
في المرأة، وتبرز الأرض عند الإلقاء ما خبأه الحق فيها من التكوينات على طبقاتها، فكان من
ذلك أن الهواء لما اشتعل وحمي اتقد مثل السراج وهو اشتعال النار ذلك اللهب الذي هو
احتراق الهواء وهو المارج، وإنما سمّي مارجاً لأنه نار مختلط بهواء وهو الهواء المشتعل فإن
المرج الاختلاط، ومنه سمّي المرج مرجاً لاختلاط النبات فيه، فهو من عنصرين هواء ونار
أعني الجان، كما كان آدم من عنصرين ماء وتراب عجن به فحدث له اسم الطين، كما حدث
الامتزاج النار بالهواء اسم المارج، ففتح سبحانه في ذلك المارج صورة الجان فبما فيه من
الهواء يتشكل في أيّ صورة شاء، وبما فيه من النار سخف وعظم لطفه، وكان فيه طلب القهر
والاستكبار والعزة، فإن النار أرفع الأركان مكاناً، وله سلطان على إحالة الأشياء التي تقتضيها
الطبيعة وهو السبب الموجب لكونه استكبر عن السجود لآدم عندما أمره الله عزّ وجلّ بتأويل
أدّاه أن يقول أنا خير منه يعني بحكم الأصل الذي فضل الله به بين الأركان الأربعة، وما علم
أن سلطان الماء الذي خلق منه آدم أقوى منه فإنه يذهبه، وأن التراب أثبت منه للبرد واليبس،
فلآدم القوّة والثبوت لغلبة الركنين اللذين أوجده الله منهما وإن كان فيه بقية الأركان، ولكن
ليس لها ذلك السلطان وهو الهواء والنار كما في الجان من بقية الأركان ولذا سمّى مارجاً،

٢٠٣
في المعارف/ الباب التاسع في معرفة وجود الأرواح المارجية النارية
ولكن ليس لها في نشأته ذلك السلطان، وأعطى آدم التواضع للطينية بالطبع، فإن تكبر فلأمر
يعرض له يقبله بما فيه من النارية كما يقبل اختلاف الصور في خياله وفي أحواله من الهوائية،
وأعطي الجان التكبر بالطبع للنارية فإن تواضع فلأمر يعرض له يقبله بما فيه من الترابية، كما
يقبل الثبات على الإغواء إن كان شيطاناً، والثبات على الطاعات إن لم يكن شيطاناً.
وقد أخبر النبي ◌َّ و لما تلا سورة الرحمن على أصحابه قال: إني تلوتها على الجن
فكانوا أحسن استماعاً لها منكم فكانوا يقولون: ولا بشيء من آلاء ربنا نكذب إذا قلت: ﴿فَأَتِ
ءَالَآءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ثابتين عليه ما تزلزلوا عندما كان يقول لهم عليه السلام في تلاوته: ﴿فَأَيِّ
ءَالَآءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانٍ﴾ وذلك بما فيه من الترابية وبما فيه من المائية ذهبت بحمية النارية، فمنهم
الطائع والعاصي مثلنا، ولهم التشكل في الصور كالملائكة، وأخذ الله بأبصارنا عنهم فلا
نراهم إلاَّ إذا شاء الله أن يكشف لبعض عباده فيراهم، ولما كانوا من عالم السخافة واللطف
قبلوا التشكيل فيما يريدونه من الصور الحسيّة، فالصورة الأصلية التي ينسب إليها الروحانيّ
إنما هي أوّل صورة قبل عند ما أوجده الله، ثم تختلف عليه الصور بحسب ما يريد أن يدخل
فيها، ولو كشف الله عن أبصارنا حتى نرى ما تصوّره القوّة المصوّرة التي وكلها الله بالتصوير
في خيال المتخيل منا لرأيت مع الأناة الإنسان في صور مختلفة لا يشبه بعضها بعضاً، ولما
نفخ الروح في اللهب وهو كثير الاضطراب لسخافته وزاده النفخ اضطراباً وغلب الهواء عليه
وعدم قراره على حالة واحدة ظهر عالم الجانّ على تلك الصورة، وكما وقع التناسل في البشر
بإلقاء الماء في الرحم فكانت الذرية والتوالد في هذا الصنف البشريّ الآدمي، كذلك وقع
التناسل في الجان بإلقاء الهواء في رحم الأنثى منهم فكانت الذرية والتوالد في صنف الجان،
وكان وجودهم بالقوس وهو ناريّ، هكذا ذكر الوارد حفظه الله، فكان بين خلق الجان وخلق
آدم ستون ألف سنة، وكان ينبغي على ما يزعم بعض الناس أن ينقطع التوالد من الجان بعد
انقضاء أربعة آلاف سنة، وينقضي التوالد من البشر بعد انقضاء سبعة آلاف سنة، ولم يقع الأمر
على ذلك بل الأمر راجع إلى ما يريده الله، فالتوالد في الجن إلى اليوم باق وكذلك فينا،
فتحقق بهذا كم لآدم من السنين وكم بقي إلى انقضاء الدنيا وفناء البشر عن ظهرها وانقلابهم
إلى الدار الآخرة، وليس هذا بمذهب الراسخين في العلم، وإنما قال به شرذمة لا يعتد
بقولها، فالملائكة أرواح منفوخة في أنوار، والجان أرواح منفوخة في رياح، والأناسيّ أرواح
منفوخة في أشباح، ويقال إنه لم يفصل عن الموجود الأوّل من الجان أنثى كما فصلت حوّاء
من آدم.
قال بعضهم: إن الله خلق للموجود الأول من الجان فرجاً في نفسه فنكح بعضه ببعضه
فولد مثل ذرية آدم ذكراناً وأناثاً، ثم نكح بعضهم بعضاً فكان خلقه خنثى، ولذلك هم الجان
من عالم البرزخ لهم شبه بالبشر وشبه بالملائكة كالخنثى يشبه الذكر ويشبه الأنثى، وقد روينا
فيما رويناه من الأخبار عن بعض أئمة الدين أنه رأى رجلاً ومعه ولدان وكان خنثى الواحد من
ظهره والآخر من بطنه نكح فولد له ونكح فولد وسمّي خنثى من الانخناث وهو الاسترخاء

٢٠٤
في المعارف / الباب التاسع في معرفة وجود الأرواح المارجية النارية
والرخاوة عدم القوّة والشدّة فلم تقو فيه قوّة الذكورية فيكون ذكراً ولم تقو فيه قوّة الأنوثة
فيكون أنثى فاسترخى عن هاتين القوّتين فسمّي خنثى والله أعلم.
ولما غلب على الجان عنصر الهواء والنار لذلك كان غذاؤهم ما يحمله الهواء مما في
العظام من الدسم فإن الله جاعل لهم فيها رزقاً فإنا نشاهد جوهر العظم وما يحمله من اللحم لا
ينتقص منه شيء فعلمنا قطعاً أن الله جاعل لهم فيها رزقاً، ولهذا قال النبي بّ في العظام.
((إِنَّها زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ». وفي حديث: ((إِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لَهُمْ فِيهَا رِزْقاً)) وأخبرني بعض
المكاشفين أنه رأى الجن يأتون إلى العظم فيشمونه كما تشم السباع ثم يرجعون وقد أخذوا
رزقهم وغذاؤهم في ذلك الشم فسبحان اللطيف الخبير.
وأما اجتماع بعضهم ببعض عند النكاح فالتواء مثل ما تبصر الدخان الخارج من الأتون
أو من فرن الفخار يدخل بعضه في بعضه فيلتذ كل واحد من الشخصين بذلك التداخل
ويكون ما يلقونه كلقاح النخلة بمجرد الرائحة كغذائهم سواء، وهم قبائل وعشائر، وقد ذكر
أنهم محصورون في إثنتي عشرة قبيلة أصولاً ثم يتفرعون إلى أفخاذ وتقع بينهم حروب
عظيمة، وبعض الزوابع قد يكون عين حربهم، فإن الزوبعة تقابل ريحين تمنع كل واحدة
صاحبتها أن تخترقها فيؤدي ذلك المنع إلى الدور المشهود في الغبرة في الحسّ التي آثارها
تقابل الريحين المتضادين فمثل ذلك يكون حربهم وما كل زوبعة حربهم، وحديث عمرو
الجني حمد الله مشهورة مروية وقتله في الزوبعة التي أبصرت فانقشعت عنه وهو على
الموت فما لبث أن مات وكان عبداً صالحاً من الجان، ولو كان هذا الكتاب مبناه على إيراد
أخبار وحكايات لذكرنا منها طرفاً، وإنما هذا كتاب علم المعاني فلينظر حكاياتهم في
تواريخ الأدب وأشعارهم.
ثم نرجع ونقول: وإن هذا العالم الروحانيّ إذا تشكل وظهر في صورة حسّية يقيده
البصر بحيث لا يقدر أن يخرج عن تلك الصورة ما دام البصر ينظر إليه بالخاصية ولكن من
الإنسان فإذا قيّده ولم يبرح ناظراً إليه وليس له موضع يتوارى فيه أظهر له هذا الروحانيّ صورة
جعلها عليه كالستر ثم يخيل له مشي تلك الصورة إلى جهة مخصوصة فيتبعها بصره، فإذا
أتبعها بصره خرج الروحانيّ عن تقييده فغاب عنه، وبمغيبه تزول تلك الصورة عن نظر الناظر
الذي أتبعها بصره فإنها للروحانيّ كالنور مع السراج المنتشر في الزوايا نوره فإذا غاب جسم
السراج فقد ذلك النور فهكذا هذه الصورة، فمن يعرف هذا ويحب تقييده لا يتبع الصورة
بصره، وهذا من الأسرار الإلهية التي لا تعرف إلاَّ بتعريف الله، وليست الصورة غير عين
الروحاني بل هي عينه ولو كانت في ألف مكان أو في كل مكان ومختلفة الأشكال، وإذا اتفق
قتل صورة من تلك الصور وماتت في ظاهر الأمر انتقل ذلك الروحانيّ من الحياة الدنيا إلى
البرزخ كما ننتقل نحن بالموت ولا يبقى له في عالم الدنيا حديث مثلنا سواء، وتسمّى تلك
الصور المحسوسة التي تظهر فيها الروحانيات أجساداً وهو قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِهِ،
جَسَدًا﴾ [سورة ص: الآية ٣٤] وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٨].

٢٠٥
في المعارف / الباب التاسع في معرفة وجود الأرواح المارجية النارية
والفرق بين الجان والملائكة وإن اشتركوا في الروحانية أن الجان غذاؤهم ما تحمله
الأجسام الطبيعية من المطاعم والملائكة ليست كذلك، ولهذا ذكر الله في قصة ضيف إبراهيم
الخليل: ﴿فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ [سورة هود: الآية ٧٠] يعني إلى العجل الحنيذ أي
لا يأكلون منه وخاف، وحين جاء وقت إنشاء عالم الجان توجه من الأمناء الذين في الفلك
الأول من الملائكة ثلاثة ثم أخذوا من نوابهم من السماء الثانية ما يحتاجون إليه منهم في هذا
النشرء، ثم نزلوا إلى السموات فأخذوا من النواب اثنين من السماء الثانية والسادسة من هناك،
ونزلوا إلى الأركان فهيؤوا المحل واتبعتهم ثلاثة أخر من الأمناء وأخذوا من الثانية ما يحتاجون
إليه من نوابهم، ثم نزلوا إلى السماء الثالثة والخامسة من هناك فأخذوا ملكين، ومرّوا بالسماء
السادسة فأخذوا نائباً آخر من الملائكة ونزلوا إلى الأركان ليكملوا التسوية فنزلت الستة الباقية
وأخذت ما بقي من النواب في السماء الثانية وفي السموات فاجتمع الكل على تسوية هذه
النشأة بإذن العليم الحكيم، فلما تمّت نشأته واستقامت بنيته توجّه الروح من عالم الأمر فنفخ
في تلك الصورة روحاً سرت فيه بوجودها الحياة فقام ناطقاً بالحمد والثناء لمن أوجده جبلة
جبل عليها وفي نفسه عزة وعظمة لا يعرف سببها ولا على من يعتز بها، إذ لم يكن ثم مخلوق
آخر من عالم الطبائع سواه فبقي عابداً لربّه مصرّاً على عزّته متواضعاً لربوبية موجده بما يعرض
له مما هو عليه في نشأته إلى أن خلق آدم، فلما رأى الجان صورته غلب على واحد منهم
اسمه الحارث بغض تلك النشأة وتجهم وجهه لرؤية تلك الصورة الآدمية وظهر ذلك منه
لجنسه فعتبوه لذلك لما رأوه عليه من الغم والحزن لها، فلما كان من أمر آدم ما كان أظهر
الحارث ما كان يجد في نفسه منه وأبى عن امتثال أمر خالقه بالسجود لآدم واستكبر على آدم
بنشأته وافتخر بأصله وغاب عنه سرّ قوّة الماء الذي جعل الله منه كل شيء حيّ، ومنه كانت
حياة الجان وهم لا يشعرون، وتأمّل إن كنت من أهل الفهم قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ.
عَلَى الْمَآءِ﴾ [سورة هود: الآية ٧] فحيي العرش وما حوى عليه من المخلوقات ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا
يُسَبِعُ بِدِهِ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٤٤] فجاء بالنكرة ولا يسبح إلاَّ حيّ.
ورد في الحديث الحسن عن رسول الله وَله: ((أَنَّ المَلائِكَةَ قَالَتْ يَا رَبِّ - في
حديث طويل - هَلْ خَلَقْتَ شَيْئاً أَشَدَّ مِنَ النَّارِ؟ قَالَ نَعَمِ المَاءَ))، فَجَعَلَ المَاءَ أَقْوَىُ مِنَ
النَّارِ فلو كان عنصر الهواء في نشأة الجان غير مشتعل بالنار لكان الجان أقوى من بني
آدم، فإن الهواء أقوى من الماء، فإن الملائكة قالت في هذا الحديث: ((يَا رَبِّ فَهَلْ
خَلَقْتَ شَيْئاً أَشَدَّ مِنَ المَاءِ؟ قَالَ: نَعَمِ الهَوَاءَ، ثُمَّ قَالَتْ: يَا رَبّ فَهَلْ خَلَقْتَ شَيْئاً أَشَدَّ مِنَ
الهَوَاءِ؟ قَالَ: نَعَم ابْنَ آدَمَ)) الحديث. فجعل النشأة الإنسانية أقوى من الهواء، وجعل الماء
أقوى من النار وهو العنصر الأعظم في الإنسان، كما أن النار العنصر الأعظم في الجان،
ولهذا قال في الشيطان: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَنِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [سورة النساء: الآية ٧٦] فلم ينسب إليه
من القوّة شيئاً، ولم يردّ على العزيز في قوله ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [سورة يوسف: الآية ٢٨]
ولا أكذبه مع ضعف عقل المرأة عن عقل الرجل، فإن النساء ناقصات عقل، فما ظنك

٢٠٦
في المعارف/ الباب التاسع في معرفة وجود الأرواح المارجية النارية
بقوّة الرجل، وسبب ذلك أن النشأة الإنسانية تعطي التؤدة في الأمور والأناة والفكر
والتدبير لغلبة العنصرين الماء والتراب على مزاجه فيكون وافر العقل، لأن التراب يثبطه
ويمسكه والماء يلينه ويسهله، والجان ليس كذلك، فإنه ليس لعقله ما يمسكه عليه ذلك
الإمساك الذي للإنسان، ولهذا يقال فلان خفيف العقل وسخيف العقل إذا كان ضعيف
الرأي هلباجة، وهذا هو نعت الجان وبه ضلّ عن طريق الهدى لخفة عقله وعدم تثبته في
نظره فقال: ﴿أَنْ خَيْرٌ مِّنْهُ﴾ [سورة ص: الآية ٧٦] فجمع بين الجهل وسوء الأدب لخفته، فمن
عصى من الجان كان شيطاناً أي مبعوداً من رحمة الله .
وكان أول من سمّي شيطاناً من الجن الحارث فأبلسه الله أي طرده من رحمته وطرد
الرحمة عنه، ومنه تفرّعت الشياطين بأجمعها، فمن آمن منهم مثل هامة بن الهام بن
لاقيس بن إبليس التحق بالمؤمنين من الجن، ومن بقي على كفره كان شيطاناً، وهى مسألة
خلاف بين علماء الشريعة، فقال بعضهم: إن الشيطان لا يسلم أبداً، وتأوّل قوله عليه
السلام في شيطانه وهو القرين الموكل به إن الله أعانه عليه فأسلم، روي برفع الميم وفتحها
أيضاً، فتأوّل هذا القائل الرفع بأنه قال فأسلم منه أي ليس له عليّ سبيل وهكذا تأوّله
المخالف، وتأوّل الفتح فيه على الانقياد قال: فمعناه انقاد مع كونه عدواً فهو بعينه لا
يأمرني إلاَّ بخير جبراً من الله وعصمة لرسول الله بَّر، وقال المخالف معنى فأسلم بالفتح
أي آمن بالله كما يسلم الكافر عندنا فيرجع مؤمناً وهو الأولى والأوجه، وأكثر الناس
يزعمون أنه أول الجن بمنزلة آدم من الناس، وليس كذلك عندنا بل هو واحد من الجن،
وأن الأول فيهم بمنزلة آدم في البشر إنما هو غيره ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِلَّ إِبْليسَ كَانَ
مِنَ اُلْجِنِ﴾ [سورة الكهف: الآية ٥٠] أي من هذا الصنف من المخلوقين كما كان قابيل من البشر
وكتبه الله شقياً فهو أول الأشقياء من البشر، وإبليس أول الأشقياء من الجن، وعذاب
الشياطين من الجن في جهنم أكثر ما يكون بالزمهرير لا بالحرور وقد يعذب بالنار، وبنو آدم
أكثر عذابهم بالنار، ووقفت يوماً على مخبول العقل من الأولياء وعيناه تدمعان وهو يقول
للناس: لا تقفوا مع قوله تعالى ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ﴾ [سورة ص: الآية ٨٥] لإبليس فقط بل
انظروا في إشارته سبحانه لكم بقوله لإبليس جهنم منك فإنه مخلوق من النار فيعود لعنه الله
إلى أصله وإن عذب به فعذاب الفخار بالنار أشد فتحفظوا، فما نظر هذا الوليّ من ذكر
جهنم إلاَّ النار خاصة، وغفل عن أن جهنم اسم لحرورها وزمهريرها وبجملتها سميت
جهنم لأنها كريهة المنظر، والجهام السحاب الذي قد هرق ماءه والغيث رحمة الله، فلما
أزال الله الغيث من السحاب بإنزاله أطلق عليه اسم الجهام لزوال الرحمة الذي هو الغيث
منه، كذلك الرحمة أزالها الله من جهنم فكانت كريهة المنظر والمخبر، وسميت أيضاً جهنم
لبعد قعرها، يقال ركية جهنام إذا كانت بعيدة القعر، نسألة الله العظيم لنا وللمؤمنين الأمن
منها، ويكفي هذا القدر من هذا الباب.

٢٠٧
في المعارف/ الباب العاشر في معرفة دورة الملك وأول منفصل فيها عن أول موجود ... الخ
الباب العاشر
في معرفة دورة الملك وأول منفصل فيها عن أول موجود، وآخر منفصل فيها عن آخر
منفصل عنه، وبماذا عمر الموضع المنفصل عنه منهما، وتمهيد الله هذه المملكة حتى جاء
مليكها، وما مرتبة العالم الذي بين عيسى ومحمد عليهما السلام وهو زمان الفترة
[نظم: البسيط]
ولم تكن صفةٌ مما به وُصِفَا
الملك لولا وجود الملك ما عُرفا
قد التقَتْ طرفاها هكذا كُشِفَا
فدَوْرَةُ الملك برهانٌ عليه لذا
وكان أولُها عن سابقٍ سَلَفَا
فكان آخرُها كمثل أولها
مليكها سيِّداً لله معتَرفًا
وعندما كملتْ بالختم قام بها
وما يكون وما قد كان وانصَرَفًا
أعطاه خالقُه فضلاً معارفها
اعلم أيّدك الله أنه ورد في الخبر أن النبي وَّ قال: ((أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلاَ فَخْرَ)) بالراء،
وفي رواية بالزاي وهو التبجح بالباطل. وفي صحيح مسلم: ((أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ))
فثبتت له السيادة والشرف على أبناء جنسه من البشر. وقال عليه السلام: (( كُنْتُ نَبِيّاً وَآدَمُ بَيْنَ
المَاءِ وَالطِّينِ ))يريد على علم بذلك فأخبره الله تعالى بمرتبته وهو روح قبل إيجاده الأجسام
الإنسانية كما أخذ الميثاق على بني آدم قبل إيجاده أجسامهم، وألحقنا الله تعالى بأنبيائه بأن
جعلنا شهداء على أممهم معهم حين يبعث من كل أمة شهيداً عليهم من أنفسهم وهم الرسل،
فكانت الأنبياء في العالم نوابه ◌ّله من آدم إلى آخر الرسل عليهم السلام. وقد أبان وَلّل عن
هذا المقام بأمور منها قوله بَّهَ: ((وَاللَّهِ لَوْ كَانَ مُوسَى حَيّاً مَا وَسِعَهُ إِلاَّ أَنْ يَتَّبِعَني)). وقوله في
نزول عيسى ابن مريم في آخر الزمان أنه يؤمنا أي يحكم فينا بسنة نبينا عليه السلام ويكسر
الصليب ويقتل الخنزير، ولو كان محمد وَّليل قد بعث في زمان آدم لكانت الأنبياء وجميع
الناس تحت حكم شريعته إلى يوم القيامة حسّاً، ولهذا لم يبعث عامة إلاَّ هو خاصة، فهو
الملك والسيد وكل رسول سواه فبعث إلى قوم مخصوصين، فلم تعم رسالة أحد من الرسل
سوى رسالته ، فمن زمان آدم عليه السلام إلى زمان بعث محمد وله إلى يوم القيامة ملكه
وتقدمه في الآخرة على جميع الرسل وسيادته فمنصوص على ذلك في الصحيح عنه،
فروحانيته وَلّ موجودة، وروحانية كل نبي ورسول، فكان الإمداد يأتي إليهم من تلك الروح
الطاهرة بما يظهرون به من الشرائع والعلوم في زمان وجودهم رسلاً وتشريعه الشرائع كعلي
ومعاذ وغيرهما في زمان وجودهم ووجوده وَّر، وكإلياس وخضر عليهما السلام، وعيسى
عليه السلام في زمان ظهوره في آخر الزمان حاكماً بشرع محمد بَّر في أمته المقرر في
الظاهر، لكن لما لم يتقدم في عالم الحسّ وجود عينه وَلّ أولاً نسب كل شرع إلى من بعث به
وهو في الحقيقة شرع محمد نَّه وإن كان مفقود العين من حيث لا يعلم ذلك كما هو مفقود
العين الآن، وفي زمان نزول عيسى عليه السلام والحكم بشرعه، وأمّا نسخ الله بشرعه جميع
الشرائع فلا يخرج هذا النسخ ما تقدم من الشرائع أن يكون من شرعه، فإن الله قد أشهدنا في

٢٠٨
في المعارف/ الباب العاشر في معرفة دورة الملك وأول منفصل فيها عن أول موجود ... الخ
شرعه الظاهر المنزل به ## في القرآن والسنة النسخ مع إجماعنا واتفاقنا على أن ذلك
المنسوخ شرعه الذي بعث به إلينا فنسخ بالمتأخر المتقدم، فكان تنبيهاً لنا هذا النسخ الموجود
في القرآن والسنّة، على أن نسخه لجميع الشرائع المتقدمة لا يخرجها عن كونها شرعاً له،
وكان نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان حاكماً بغير شرعه أو بعضه الذي كان عليه في
زمان رسالته، وحكمه بالشرع المحمدي المقرر اليوم دليلاً على أنه لا حكم لأحد اليوم من
الأنبياء عليهم السلام مع وجود ما قرره ◌َّ في شرعه، ويدخل في ذلك ما همّ عليه أهل
الذمة من أهل الكتاب ما داموا يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون، فإن حكم الشرع على
الأحوال فخرج من هذا المجموع كله أنه ملك وسيد على جميع بني آدم، وأن جميع من
تقدمه کان ملكاً له وتبعاً والحاکمون فیه نواب عنه.
فإن قيل: فقوله وَّرَ: ((لاَ تُفَضِّلُونِي)) فالجواب: نحن ما فضلناه بل الله فضله فإن ذلك
ليس لنا وإن كان قد ورد: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اَللَّهُ فَبِهُدَنهُمُ أَقْتَدِةٌ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٩٠] لما
ذكر الأنبياء عليهم السلام فهو صحيح فإنه قال فبهداهم وهداهم من الله وهو شرعه وَغير أي
الزم شرعك الذي ظهر به نوّابك من إقامة الدين ولا تتفرقوا فيه فلم يقل فبهم اقتده. وفي
قوله: ﴿وَلَا نَشَفَرَّقُواْ فِيْهِ﴾ [سورة الشورى: الآية ١٣] تنبيه على أحدية الشرائع. وقوله: ﴿أَنَّعْ مِلَّةً
إِبْرَهِيمَ﴾ [سورة النحل: الآية ١٢٣] وهو الدين فهو مأمور باتباع الدين، فإن الدين إنما هو من الله
لا من غيره. وانظروا في قوله عليه السلام: (لَوْ كَانَ مُوسَى حِيّاً مَا وَسِعَهُ إِلاَّ أَنْ يَتْبَعَنِي))
فأضاف الاتباع إليه وأمر هو مَّر باتباع الدين وهدى الأنبياء لا بهم، فإن الإمام الأعظم إذا
حضر لا يبقى لنائب من نوّابه حكم إلا له، فإذا غاب حكم النوّاب بمراسمه فهو الحاكم غيباً
وشهادة. وما أوردنا هذه الأخبار والتنبيهات إلاَّ تأنيساً لمن لا يعرف هذه المرتبة من كشفه ولا
أطلعه الله على ذلك من نفسه، وأمّا أهل الله فهم على ما نحن عليه فيه قد قامت لهم شواهد
التحقيق على ذلك من عند ربهم في نفوسهم، وإن كان يتصوّر على جميع ما أوردناه في ذلك
احتمالات كثيرة فذلك راجع إلى ما تعطيه الألفاظ من القوّة في أصل وضعها لا ما هو عليه
الأمر فى نفسه عند أهل الأذواق الذين يأخذون العلم عن الله كالخضر وأمثاله، فإن الإنسان
ينطق بالكلام يريد به معنى واحداً مثلاً من المعاني التي يتضمنها ذلك الكلام، فإذا فسّر بغير
مقصود المتكلم من تلك المعاني فإنما فسّر المفسّر بعض ما تعطيه قوّة اللفظ وإن كان لم
يصب مقصود المتكلم، ألا ترى الصحابة كيف شقّ عليهم قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوّا
إِيَمْنَهُم بِظُلْمٍ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٨٢] فأتى به نكرة فقالوا: وأينا لم يلبس إيمانه بظلم فهؤلاء
الصحابة وهم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم ما عرفوا مقصود الحق من الآية، والذي نظروه
سائغ في الكلمة غير منكور، فقال لهم النبيّ وَّه: ليس الأمر كما ظننتم وإنما أراد الله بالظلم
هنا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه: يا بنيّ لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم. فقوّة الكلمة
تعم كل ظلم، وقصد المتكلم إنما هو ظلم معين مخصوص، فكذلك ما أوردناه من الأخبار
في أن بني آدم سوقة وملك لهذا السيد محمد وَّل# هو المقصود من طريق الكشف، كما كان

في المعارف / الباب العاشر في معرفة دورة الملك وأول منفصل فيها عن أول موجود ... الخ ٢٠٩
الظلم هناك المقصود من المتكلم به الشرك خاصة، ولذلك تتقوّى التفاسير في الكلام بقرائن
الأحوال، فإنها المميزة للمعاني المقصودة للمتكلم، فكيف من عنده الكشف الإلهيّ والعلم
اللدنيّ الربانيّ، فينبغي للعاقل المنصف أن يسلم لهؤلاء القوم ما يخبرون به، فإن صدقوا في
ذلك فذلك الظن بهم وأنصفوا بالتسليم حيث لم يرد المسلم ما هو حق في نفس الأمر، وإن لم
يصدقوا لم يضر المسلم بل انتفعوا حيث تركوا الخوض فيما ليس لهم به قطع، وردّوا علم ذلك
إلى الله تعالى فوفوا الربوبية حقّها إذ كان ما قاله أولياء الله ممكناً فالتسليم أولى بكل وجه.
وهذا الذي نزعنا إليه من دورة الملك قال به غيرنا كالإمام أبي القاسم بن قسي في
خلعه وهو روايتنا عن ابنه عنه وهو من سادات القوم، وكان شيخه الذي كشف له على يديه
من أكبر شيوخ المغرب يقال له ابن خليل من أهل لبله، فنحن ما نعتمد في كل ما نذكره إلاَّ
على ما يلقي الله عندنا من ذلك لا على ما تحتمله الألفاظ من الوجوه، وقد تكون جميع
المحتملات في بعض الكلام مقصودة للمتكلم فنقول بها كلها، فدورة الملك عبارة عما مهد
الله من آدم إلى زمان محمد ◌ّلل من الترتيبات في هذه النشأة الإنسانية بما ظهر من الأحكام
الإلهية فيها فكانوا خلفاء الخليفة السيد.
فأول موجود ظهر من الأجسام الإنسانية كان آدم عليه السلام وهو الأب الأول من هذا
الجنس، وسائر الآباء من الأجناس يأتي بعد هذا الباب إن شاء الله، وهو أول من ظهر بحكم الله
من هذا الجنس ولكن كما قرّرناه، ثم فصل عنه أباً ثانياً لنا سمّاه أمّاً فصح لهذا الأب الأول
الدرجة عليها لكونه أصلاً لها فختم النواب من دورة الملك بمثل ما به بدأ لينبه على أن الفصل
بيد الله، وأن ذلك الأمر ما اقتضاه الأب الأوّل لذاته، فأوجد عيسى عن مريم فتنزلت مريم منزلة
آدم وتنزل عيسى منزلة حوّاء، فكما وجدت أنثى من ذكر وجد ذكر من أنثى، فختم بمثل ما به بدأ
في إيجاد ابن من غير أب كما كانت حوّاء من غير أم، فكان عيسى وحوّاء أخوان، وكان آدم
ومريم أبوان لهما ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَِّ كَمَثَلِ ءَادَمٌ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٥٩] فأوقع التشبيه في
عدم الأبوة الذكرانية من أجل أنه نصبه دليلاً لعيسى في براءة أمّه ولم يوقع التشبيه بحوّاء، وإن
كان الأمر عليه لكون المرأة محل التهمة لوجود الحمل إذ كانت محلاً موضوعاً للولادة، وليس
الرجل بمحل لذلك، والمقصود من الأدلة ارتفاع الشكوك، وفي حواء من آدم لا يقع الالتباس
لكون آدم ليس محلاً لما صدر عنه من الولادة، وهذا لا يكون دليلاً إلاَّ عند من ثبت عنده وجود
آدم وتكوينه والتكوين منه، وكما لا يعهد ابن من غير أب كذلك لا يعهد من غير أمّ، فالمثل من
طريق المعنى أن عيسى كحوّاء، ولكن لما كان الدخل يتطرق في ذلك من المنكر لكون الأنثى
كما قلنا محلاً لما صدر عنها ولذلك كانت التهمة، كان التشبيه بآدم لحصول براءة مريم مما
يمكن في العادة، فظهور عيسى من مريم من غير أب كظهور حوّاء من آدم من غير أم وهو الأب
الثاني، ولما انفصلت حواء من آدم عمر موضعها منه بالشهوة النكاحية إليها التي وقع بها الغشيان
لظهور التناسل والتوالد، وكان الهواء الخارج الذي عمر موضعه جسم حوّاء عند خروجها إذ لا
خلاء في العالم فطلب ذلك الجزء الهوائي موضعه الذي أخذته حوّاء بشخصيتها فحرك آدم
الفتوحات المكية ج١ - م١٤

٢١٠
في المعارف / الباب العاشر في معرفة دورة الملك وأول منفصل فيها عن أول موجود ... الخ
لطلب موضعه فوجده معموراً بحوّاء فوقع عليها فلما تغشاها حملت منه فجاءت بالذرية، فبقي
ذلك سنة جارية في الحيوان من بني آدم وغيره بالطبع .
لكن الإنسان هو الكلمة الجامعة ونسخة العالم، فكل ما في العالم جزء منه وليس
الإنسان بجزء لواحد من العالم، وكان سبب هذا الفصل وإيجاد هذا المنفصل الأول طلب
الإنس بالمشاكل في الجنس الذي هو النوع الأخص، وليكون في عالم الأجسام بهذا الالتحام
الطبيعيّ الإنسانيّ الكامل بالصورة الذي أراده الله ما يشبه القلم الأعلى واللوح المحفوظ الذي
يعبر عنه بالعقل الأول والنفس الكل، وإذا قلت القلم الأعلى فتفطن للإشارة التي تتضمن
الكاتب وقصد الكتابة فيقوم معك معنى قول الشارع: إن الله خلق آدم على صورته، ثم عبارة
الشارع في الكتاب العزيز في إيجاد الأشياء عن كن فأتى بحرفين اللذين هما بمنزلة المقدّمتين
وما يكون عند كن بالنتيجة، وهذان الحرفان هما الظاهران، والثالث الذي هو الرابط بين
المقدمتين خفي في كن وهو الواو المحذوف لالتقاء الساكنين، كذلك إذا التقى الرجل والمرأة
لم يبق للقلم عين ظاهرة، فكان إلقاؤه النطفة في الرحم غيباً لأنه سرّ ولهذا عبّر عن النكاح
بالسرّ في اللسان قال تعالى: ﴿وَلَكِن لَّا تُوَاعِدُ وهُنَّ سِرًّا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٥] وكذلك عند
الإلقاء يسكنان عن الحركة، ويمكن إخفاء القلم كما خفي الحرف الثالث الذي هو الواو من
كن للساكنين وكان الواو لأن له العلو لأنه متولد عن الرفع وهو إشباع الضمة وهو من حروف
العلة، وهذا الذي ذكرناه إنما هو إذا كان الملك عبارة عن الأناسيّ خاصة .
فإن نظرنا إلى سيادته على جميع ما سوى الحق كما ذهب إليه بعض الناس للحديث
المروي: ((إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: لَوْلاَكَ يَا مُحَمَّدُ مَا خَلَقْتُ سَمَاءً وَلاَ أَرْضاً وَلاَ جَنَّةً وَلاَ نَاراً» وذكر
خلق كل ما سوى الله فيكون أول منفصل فيها النفس الكلية عن أول موجود وهو العقل
الأول، وآخر منفصل فيها حوّاء عن آخر موجود آدم، فإن الإنسان آخر موجود من أجناس
العالم فإنه ما ثم إلاَّ ستة أجناس وكل جنس تحته أنواع وتحت الأنواع أنواع، فالجنس الأول
الملك، والثاني الجان، والثالث المعدن، والرابع النبات، والخامس الحيوان، وانتهى الملك
وتمهد واستوى، وكان الجنس السادس جنس الإنسان وهو الخليفة على هذه المملكة، وإنما
وجد آخراً ليكون إماماً بالفعل حقيقة لا بالصلاحية والقوّة، فعندما وجد عينه لم يوجد إلاَّ والياً
سلطاناً ملحوظاً، ثم جعل له نوّاباً حين تأخرت نشأة جسده، فأول نائب كان له وخليفة آدم
عليه السلام ثم ولد واتصل النسل وعين في كل زمان خلفاء إلى أن وصل زمان نشأة الجسم
الطاهر محمد ◌ّ فظهر مثل الشمس الباهرة فاندرج كل نور في نوره الساطع وغاب كل حكم
في حكمه وانقادت جميع الشرائع إليه وظهرت سيادته التي كانت باطنة، فهو ﴿اٌلْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ
وَلَّهِرُ وَالْبَاِنٌ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة الحديد: الآية ٣] فإنه قال: ((أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِم)) وقال
عن ربّه: ((ضَرَبَ بِيَدِهِ بَيْنَ كَتِفَيَّ فَوَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ ثَذْيَيَّ فَعَلِمْتُ عِلْمَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ))
فحصل له التخلق والنسب الإلهيّ من قوله تعالى عن نفسه: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالَِّرُ وَالْبَالِةٌ
وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ وجاءت هذه الآية في سورة الحديد الذي فيه بأس شديد ومنافع للناس،

في المعارف/ الباب العاشر في معرفة دورة الملك وأول منفصل فيها عن أول موجود ... الخ ٢١١
فلذلك بعث بالسيف وأرسل رحمة للعالمين، وكل منفصل عن شيء فقد كان عامراً لما عنه
انفصل، وقد قلنا أنه لا خلاء في العالم، فعمر موضع انفصاله بظلّه إذ كان انفصاله إلى النور
وهو للظهور، فلما قابل النور بذاته امتدّ ظلّه فعمر موضع انفصاله فلم يفقده من انفصل عنه
فكان مشهوداً لمن انفصل إليه ومشهوداً لمن انفصل عنه وهو المعنى الذي أراده القائل بقوله :
شهدتك موجوداً بكل مكان فمن أسرار العالم أنه ما من شيء يحدث إلاَّ وله ظل يسجد لله ليقوم
بعبادة ربّه على كل حال، سواء كان ذلك الأمر الحادث مطيعاً أو عاصياً، فإن كان من أهل
الموافقة كان هو وظلّه على السواء، وإن كان مخالفاً ناب ظلّه منابه في الطاعة لله، قال الله
تعالى: ﴿وَظِلَلُهُمْ بِلْغُدُوِّ وَاَلْأَصَالِ﴾ [سورة الرعد: الآية ١٥] السلطان ظلّ الله في الأرض إذ كان ظهوره
بجميع صور الأسماء الإلهية التي لها الأثر في عالم الدنيا، والعرش ظلّ الله في الآخرة،
فالظلالات أبداً تابعة للصورة المنبعثة عنها حسّاً ومعنى، فالحسّ قاصر لا يقوى قوّة الظل
المعنوي للصورة المعنوية لأنه يستدعي نوراً مقيداً لما في الحسّ من التقييد والضيق وعدم
الاتساع، ولهذا نبهنا على الظل المعنوي بما جاء في الشرع من أن السلطان ظل الله في الأرض،
فقد بان لك أن بالظلالات عمرت الأماكن، فهنا قد ذكرنا طرفاً مما يليق بهذا الباب، ولم نمعن
فيه مخافة التطويل، وفيما أوردناه كفاية لمن تنبه إن كان ذا فهم سليم وتذكرة لمن شاهد وعلم
واشتغل بما هو أعلى أو غفل بما هو أنزل فيرجع إلى ما ذكرناه عندما ينظر في هذا الباب.
فصل: وأما مرتبة العالم الذي بين عيسى عليه السلام ومحمد ◌َّ وهم أهل الفترة فهم
على مراتب مختلفة بحسب ما يتجلى لهم من الأسماء عن علم منهم بذلك وعن غير علم،
فمنهم من وحّد الله بما تجلى لقلبه عند فكره وهو صاحب الدليل، فهو على نور من ربه
ممتزج يكون من أجل فكره، فهذا يبعث أمة وحده كقس بن ساعدة وأمثاله، فإنه ذكر في
خطبته ما يدل على ذلك فإنه ذكر المخلوقات واعتباره فيها وهذا هو الفكر، ومنهم من وحّد
الله بنور وجده في قلبه لا يقدر على دفعه من غير فكرة، ولا روية ولا نظر ولا استدلال، فهم
على نور من ربهم خالص غير ممتزج بكون فهؤلاء يحشرون أحفياء أبرياء، ومنهم من ألقي
في نفسه وأطلع من كشفه لشدة نوره وصفاء سرّه لخلوص يقينه على منزلة محمد بَلّ وسيادته
وعموم رسالته باطناً من زمان آدم إلى وقت هذا المكاشف فآمن به في عالم الغيب على شهادة
منه وبينة من ربه وهو قوله تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِهِ، وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ﴾ [سورة هود:
الآية ١٧] يشهد له في قلبه بصدق ما كوشف به، فهذا يحشر يوم القيامة في ضغائن خلقه وفي
باطنية محمد ◌ّ، ومنهم من تبع ملة حق ممن تقدمه كمن تهوّد أو تنصر، أو اتبع ملة إبراهيم
أو من كان من الأنبياء لما علم واعلم أنهم رسل من عند الله يدعون إلى الحق لطائفة
مخصوصة فتبعهم وآمن بهم وسلك سننهم فحرّم على نفسه ما حرّمه ذلك الرسول وتعبد نفسه
مع الله بشريعته وإن كان ذلك ليس بواجب عليه إذ لم يكن ذلك الرسول مبعوثاً إليه، فهذا
يحشر مع من تبعه يوم القيامة ويتميز في زمرته في ظاهريته، إذ كان شرع ذلك النبيّ قد تقرر
في الظاهر، ومنهم من طالع في كتب الأنبياء شرف محمد وَ لفو ودينه وثواب من اتبعه فآمن به

٢١٢
في المعارف / الباب الحادي عشر في معرفة آبائنا العلويات وأمّهاتنا السفليات
وصدق على علم، وإن لم يدخل في شرع نبيّ ممن تقدم وأتى مكارم الأخلاق فهذا أيضاً
يحشر في المؤمنين بمحمد مرَّ لا في العاملين ولكن في ظاهريته وَّر، ومنهم من آمن بنبيه
وأدرك نبوّة محمد بَ لّ فآمن به فله أجران وهؤلاء كلهم سعداء عند الله، ومنهم من عطل فلم
يقرّ بوجود عن نظر قاصر ذلك القصور هو بالنظر إليه غاية قوّته لضعف في مزاجه عن قوّة
غيره، ومنهم من عطل لا عن نظر بل عن تقليد فذلك شقيّ مطلق، ومنهم من أشرك عن نظر
أخطأ فيه طريق الحق مع بذل المجهود الذي تعطيه قوّته، ومنهم من أشرك لا عن استقصاء
نظر فذلك شقيّ، ومنهم من أشرك عن تقليد فذلك شقيّ، ومنهم من عطل بعدما أثبت عن
نظر بلغ فيه أقصى القوّة التي هو عليها لضعفها، ومنهم من عطل بعدما أثبت لا عن استقصاء
في النظر أو تقليد فذلك شقيّ، فهذه كلها مراتب أهل الفترة الذين ذكرناهم في هذا الباب.
الباب الحادي عشر
في معرفة آبائنا العلويات وأمّهاتنا السفليات
[نظم: البسيط]
أنا ابنُ آباءِ أرواحِ مطهّرةٍ
ما بين روحٍ وجسم کان مظهرنا
ما كنتُ عَن واحدٍ حتى أوحِّدَهُ
هم للإله إذا حقَّقْتَ شأنَهُمُو
فنسبةُ الصنع للنجار ليس لها
فيصدق الشخصُ في توحيد موجِدِه
فإن نظرت إلى الآلات طال بنا
وإن نظرت إليه وهو يوجِدُنا
إني وُلدت وحيدَ العين منفرداً
وأمهاتِ نفوسٍ عنصريَّاتِ
عن اجتماعٍ بتعنيقٍ ولذَّاتِ
بل عن جماعة آباءٍ وأمّاتِ
كصانع صنَعَ الأشيا بآلاتٍ
كذاك أوجِدَنَا ربُّ البريَّاتِ
ويصدق الشخصُ في إثبات عِلاَّتِ
إسنادُ عَنْعَنَةٍ حتى إلى الذَّاتِ
قلنا بوحدته لا بالجماعاتِ
والناس كلُّهُمُو أولادُ عَلَأَّتِ
اعلم أيّدك الله أنه لما كان المقصود من هذا العالم الإنسان وهو الإمام لذلك أضفنا
الآباء والأمّهات إليه فقلنا آباؤنا العلويات وأمهاتنا السفليات، فكل مؤثر أب وكل مؤثر فيه أمّ،
هذا هو الضابط لهذا الباب، والمتولد بينهما من ذلك الأثر يسمّى ابناً ومولداً، وكذلك المعاني
في إنتاج العلوم إنما هو بمقدمتين تنكح إحداهما الأخرى بالمفرد الواحد الذي يتكرر فيهما
وهو الرابط وهو النكاح والنتيجة التي تصدر بينهما هي المطلوبة، فالأرواح كلها آباء والطبيعة
أمّ لما كانت محل الاستحالات.
وتتوجه هذه الأرواح على هذه الأركان التي هي العناصر القابلة للتغيير والاستحالة تظهر
فيها المولدات وهي المعادن والنبات والحيوان والجان والإنسان أكملها، وكذلك جاء شرعنا
أكمل الشرائع حيث جرى مجرى الحقائق الكلية، فأوتي جوامع الكلم، واقتصر على أربع
نسوة وحرّم ما زاد على ذلك بطريق النكاح الموقوف عى العقد، فلم يدخل في ذلك ملك

٢١٣
في المعارف / الباب الحادي عشر في معرفة آبائنا العلويات وأمّهاتنا السفليات
اليمين، وأباح ملك اليمين في مقابلة الأمر الخامس الذي ذهب إليه بعض العلماء، كذلك
الأركان من عالم الطبيعة أربعة، وبنكاح العالم العلوي لهذه الأربعة يوجد الله ما يتولد فيها .
واختلفوا في ذلك على ستة مذاهب: (فطائفة) زعمت أن كل واحد من هذه الأربعة
أصل في نفسه. وقالت طائفة: ركن النار هو الأصل فما كثف منه كان هواء، وما كثف من
الهواء كان ماء، وما كثف من الماء كان تراباً. وقالت طائفة: ركن الهواء هو الأصل فما
سخف منه كان ناراً، وما كثف منه كان ماء. وقالت طائفة: ركن الماء هو الأصل. وقالت
طائفة: ركن التراب هو الأصل. وقالت طائفة: الأصل أمر خامس ليس واحداً من هذه
الأربعة وهذا هو الذي جعلناه بمنزلة ملك اليمين، فعمت شريعتنا في النكاح أتم المذاهب
ليندرج فيها جميع المذاهب، وهذا المذهب بالأصل الخامس هو الصحيح عندنا وهو المسمّى
بالطبيعة، فإن الطبيعة معقول واحد عنها ظهر ركن النار وجميع الأركان، فيقال ركن النار من
الطبيعة ما هو عينها، ولا يصحّ أن يكون المجموع الذي هو عين الأربعة، فإن بعض الأركان
منافر للآخر بالكلية، وبعضها منافر لغيره بأمر واحد كالنار والماء متنافران من جميع الوجوه
والهواء والتراب كذلك، ولهذا رتّبها الله في الوجود ترتيباً حكمياً لأجل الاستحالات، فلو
جعل المنافر مجاور المنافرة لما استحال إليه وتعطلت الحكمة، فجعل الهواء يلي ركن النار
والجامع بينهما الحرارة، وجعل الماء يلي الهواء والجامع بينهما الرطوبة، وجعل التراب يلي
الماء والجامع بينهما البرودة، فالمحيل أب والمستحيل أمّ والاستحالة نكاح، والذي استحال
إليها ابن فالمتكلم أب والسامع أمّ والتكلم نكاح، والموجود من ذلك في فهم السامع ابن،
فكل أب علوي فإنه مؤثر، وكل أمّ سفلية فإنها مؤثر فيها، وكل نسبة بينهما معينة نكاح
وتوجه، وكل نتيجة ابن، ومن هنا يفهم قول المتكلم لمن يريد قيامه قم فيقوم المراد بالقيام
عن أثر لفظة قم، فإن لم يقم السامع وهو أمّ بلا شك فهو عقيم، وإذا كان عقيماً فليس بأمّ في
تلك الحالة وهذا الباب إنما يختص بالأمّهات، فأول الآباء العلوية معلوم، وأول الأمّهات
السفلية شيئية المعدوم الممكن، وأول نكاح القصد بالأمر، وأول ابن وجود عين تلك الشيئية
التي ذكرنا، فهذا أب ساري الأبوة، وتلك أمّ سارية الأمومة، وذلك النكاح سار في كل
شيء، والنتيجة دائمة لا تنقطع في حق كل ظاهر العين، فهذا يسمّى عندنا النكاح الساري في
جميع الذراري، يقول الله تعالى في الدليل على ما قلناه: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَن نَّقُولَ لَّهُ
كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠] ولنا فيه كتاب شريف منيع الحمى البصير فيه أعمى فكيف
من حلّ به العمى، فلو رأيت تفصيل هذا المقام وتوجهات هذه الأسماء الإلهية الأعلام لرأيت
أمراً عظيماً، وشاهدت مقاماً هائلاً جسيماً، فلقد تنزّه العارفون بالله وبصنعه الجميل بأولى.
وبعد أن أشرت إلى فهمك الثاقب ونظرك الصائب بالأب الأول الساري وهو الاسم
الجامع الأعظم الذي تتبعه جميع الأسماء في رفعه ونصبه وخفضه الساري حكمه، والأمّ
الأوّلية الآخرية السارية في نسبة الأنوثة في جميع الأبناء، فلنشرع في الآباء الذين هم أسباب
موضوعة بالوضع الإلهيّ والأمّهات واتصالهما بالنكاح المعنوي والحسّي المشروع حتى يكون

٢١٤
في المعارف / الباب الحادي عشر في معرفة آبائنا العلويات وأمّهاتنا السفليات
الأبناء أبناء حلال، إلى أن أصل إلى التناسل الإنساني وهو آخر نوع تكوّن وأوّل مبدع بالقصد
تعين فنقول: إن العقل الأول الذي هو أول مبدع خلق وهو القلم الأعلى ولم يكن ثم محدث
سواه وكان مؤثراً فيه بما أحدث الله فيه من انبعاث اللوح المحفوظ عنه كانبعاث حوّاء من آدم
في عالم الأجرام ليكون ذلك اللوح موضعاً ومحلاً لما يكتب فيه هذا القلم الأعلى الإلهي،
وتخطيط الحروف الموضوعة للدلالة على ما جعلها الحق تعالى أدلة عليه، فكان اللوح
المحفوظ أول موجود انبعاثي، وقد ورد في الشرع أن أول ما خلق الله القلم ثم خلق اللوح
وقال للقلم: اكتب، قال القلم: وما أكتب؟ قال الله له: اكتب وأنا أملي عليك، فخط القلم
في اللوح ما يملي عليه الحق وهو علمه في خلقه الذي يخلق إلى يوم القيامة، فكان بين القلم
واللوح نكاح معنوي معقول وأثر حسّي مشهود، ومن هنا كان العمل بالحروف المرقومة
عندنا، وكان ما أودع في اللوح من الأثر مثل الماء الذافق الحاصل في رحم الأنثى، وما ظهر
من تلك الكتابة من المعاني المودعة في تلك الحروف الجرمية بمنزلة أرواح الأولاد المودعة
في أجسامهم فافهم ﴿ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٤] وجعل الحق
في هذا اللوح العاقل عن الله ما أوحى به إليه المسبح بحمده الذي لا يفقه تسبيحه إلاَّ من
أعلمه الله به وفتح سمعه لما يورده كما فتح سمع رسول الله ◌ٍَّ ومن حضر من أصحابه
لإدراك تسبيح الحصى في كفّه الطاهرة الطيبة ◌َّر، وإنما قلنا فتح سمعه إذ كان الحصى ما
زال مذ خلقه الله مسبحاً بحمد موجده فكان خرق العادة في الإدراك السمعيّ لا فيه، ثم أوجد
فيه صفتين: صفة علم وصفة عمل، فبصفة العمل تظهر صور العالم عنه كما تظهر صورة
التابوت للعين عند عمل النجار، فبها يعطي الصور، والصور على قسمين: صور ظاهرة حسّية
وهي الأجرام وما يتصل بها حسّاً كالأشكال والألوان والأكوان، وصور باطنة معنوية غير
محسوسة وهي ما فيها من العلوم والمعارف والإرادات، وبتينك الصفتين ظهر ما ظهر من
الصور، فالصفة العلامة أب فإنها المؤثرة، والصفة العاملة أمّ فإنها المؤثر فيها، وعنها ظهرت
الصور التي ذكرناها، فإن النجار المهندس إذا كان عالماً ولا يحسن العمل فيلقي ما عنده على
سمع من يحسن عمل النجارة وهذا الإلقاء نكاح، فكلام المهندس أب وقبول السامع أمّ، ثم
يصير علم السامع أباً وجوارحه أمّاً، وإن شئت قلت: فالمهندس أب والصانع الذي هو النجار
أم من حيث ما هو مصغ لما يلقي إليه المهندس، فإذا أثر فيه فقد أنزل ما في قوّته في نفس
النجار، والصورة التي ظهرت للنجار في باطنه مما ألقى إليه المهندس وحصلت في وجود
خياله قائمة ظاهرة له بمنزلة الولد الذي ولد له فهمه من المهندس ثم عمل النجار فهو أب في
الخشب الذي هو أمّ النجارة بالآلات التي يقع بها النكاح، وإنزال الماء الذي هو أثر كل ضربة
بالقدوم أو قطع بالمنشار وكل قطع وفصل وجمع في القطع المنجورة لإنشاء الصورة، فظهر
التابوت الذي هو بمنزلة الولد المولود الخارج للحسّ فهكذا فلتفهم الحقائق في ترتيب الآباء
والأمّهات والأبناء وكيفية الإنتاج، فكل أب ليس عنده صفة العمل فليس هو أب من ذلك الوجه
حتى أنه لو كان عالماً ومنع آلة التوصيل بالكلام أو الإشارة ليقع الإفهام وهو غير عامل لم يكن

٢١٥
في المعارف / الباب الحادي عشر في معرفة آبائنا العلويات وأمّهاتنا السفليات
أباً من جميع الوجوه وكان أمّاً لما حصل في نفسه من العلوم، غير أن الجنين لم يخلق فيه الروح
في بطن أمّه أو مات في بطن أمّه فأحالته طبيعة الأمّ إلى أن تصرف ولم يظهر له عين فافهم.
وبعد أن عرفت الأب الثاني من الممكنات وأنه أمّ ثانية للقلم الأعلى كان مما ألقي إليها
من الإلقاء الأقدس الروحانيّ الطبيعة والهباء، فكان أول أمّ ولدت توأمين، فأول ما ألقت
الطبيعة ثم تبعتها بالهباء فالطبيعة والهباء أخ وأخت لأب واحد وأمّ واحدة، فأنكح الطبيعة
الهباء فولد بينهما صورة الجسم الكلي وهو أول جسم ظهر فكان الطبيعة الأب فإن لها الأثر
وكان الهباء الأمّ فإن فيها ظهر الأثر وكانت النتيجة الجسم، ثم نزل التوالد في العالم إلى
التراب على ترتيب مخصوص ذكرناه في كتابنا المسمّى بعقلة المستوفز وفيه طول لا يسعه هذا
الباب فإن الغرض الاختصار، ونحن لا نقول بالمركز وإنما نقول بنهاية الأركان وأن الأعظم
يجذب الأصغر، ولهذا نرى البخار والنار يطلبان العلو والحجر وما أشبهه يطلب السفل،
فاختلفت الجهات وذلك على الاستقامة من الاثنين أعني طالب العلو والسفل، فإن القائل
بالمركز يقول إنه أمر معقول دقيق تطلبه الأركان، ولولا التراب لدار به الماء، ولولا الماء لدار
به الهواء، ولولا الهواء لدار به النار، ولو كان كما قال لكنا نرى البخار يطلب السفل والحسّ
يشهد بخلاف ذلك، وقد بيّنا هذا الفصل في كتاب المركز لنا وهو جزء لطيف، فإذا ذكرناه في
بعض كتبنا إنما نسوقه على جهة مثال النقطة من الأكرة التي عنها يحدث المحيط لما لنا في
ذلك من الغرض المتعلق بالمعارف الإلهية والنسب لكون الخطوط الخارجة من النقطة إلى
المحيط على السواء لتساوي النسب حتى لا يقع هناك تفاضل، فإنه لو وقع تفاضل أدّى إلى
نقص المفضول والأمر ليس كذلك، وجعلناه محل العنصر الأعظم تنبيهاً على أن الأعظم
يحكم على الأقل، وذكرناه مشاراً إليه في عقلة المستوفز.
ولما أدار الله هذه الأفلاك العلوية وأوجد الأيام بالفلك الأول وعينه بالفلك الثاني الذي
فيه الكواكب الثابتة للأبصار ثم أوجد الأركان تراباً وماء وهواء وناراً ثم سوّى السموات سبعاً
طباقاً وفتقها أي فصل كل سماء على حدة بعدما كانت رتقاً إذ كانت دخاناً، وفتق الأرض إلى
سبع أرضين سماء أولى لأرض أولى وثانية لثانية إلى سبع، وخلق الجواري الخنس خمسة في
كل سماء كوكب وخلق القمر وخلق أيضاً الشمس فحدث الليل والنهار بخلق الشمس في
اليوم وقد كان اليوم موجوداً فجعل النصف من هذا اليوم لأهل الأرض نهاراً وهو من طلوع
الشمس إلى غروبها وجعل النصف الآخر منه ليلاً وهو من غروب الشمس إلى طلوعها واليوم
عبارة عن المجموع، ولهذا خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، فإن الأيام كانت
موجودة بوجود حركة فلك البروج وهي الأيام المعروفة عندنا لا غير، فما قال الله خلق
العرش والكرسي وإنما قال خلق السموات والأرض في ستة أيام، فإذا دار فلك البروج دورة
واحدة فذلك هو اليوم الذي خلق الله فيه السموات والأرض، ثم أحدث الله الليل والنهار عند
وجود الشمس لا الأيام، وأمّا ما يطرأ فيها من الزيادة والنقصان أعني في الليل والنهار لا في
الساعات فإنها أربع وعشرون ساعة وذلك لحلول الشمس في منطقة البروج وهي حمائلية

٢١٦
في المعارف / الباب الحادي عشر في معرفة آبائنا العلويات وأمّهاتنا السفليات
بالنسبة إلينا فيها ميل، فيطول النهار إذا كانت الشمس في المنازل العالية حيث كانت، وإذا
حلت الشمس في المنازل النازلة قصر النهار حيث كانت، وإنما قلنا حيث كانت فإنه إذا طال
الليل عندنا طال النهار عند غيرنا، فتكون الشمس في المنازل العالية بالنسبة إليهم، وفي
المنازل النازلة بالنسبة إلينا، فإذا قصر النهار عندنا طال الليل عندهم لما ذكرناه، واليوم هو
اليوم بعينه أربع وعشرون ساعة لا يزيد ولا ينقص ولا يطول ولا يقصر في موضع الاعتدال،
فهذا هو حقيقة اليوم.
ثم قد نسمي النهار وحده يوماً بحكم الاصطلاح فافهم، وقد جعل الله هذا الزمان الذي
هو الليل والنهار يوماً والزمان هو اليوم والليل والنهار موجودان في الزمان جعلهما أباً وأمّاً لما
يحدث الله فيهما كما قال يغشى الليل النهار كمثل قوله في آدم. فلما تغشاها حملت، فإذا
غشي الليل النهار كان الليل أباً وكان النهار أمّاً، وصار كل ما يحدث الله في النهار بمنزلة
الأولاد التي تلد المرأة، وإذا غشي النهار الليل كان النهار أباً وكان الليل أمّاً وكان كل ما
يحدث الله من الشؤون في الليل بمنزلة الأولاد التي تلد الأمّ، وقد بيّنا هذا الفصل في كتاب
الشأن لنا تكلمنا فيه على قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأَنٍ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٢٩] وسيأتي إن
شاء الله في هذا الكتاب إن ذكرنا الله به من معرفة الأيام طرفاً شافياً. وكذلك قال تعالى أيضاً:
﴿يُولِيُ اَلَيْلَ فِ النَّهَارِ وَبُلِحُ النَّهَارَ فِ آَيْلِ﴾ [سورة فاطر: الآية ١٣] فزاد بياناً في التناكح، وأبان
سبحانه بقوله: ﴿وَءَايَةٌ لَّهُمُ الَِّلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [سورة يس: الآية ٣٧] أن الليل أم له، وأن
النهار متولد عنه، كما ينسلخ المولود من أمّه إذا خرج منها، والحية من جلدها فيظهر مولداً
في عالم آخر غير العالم الذي يحويه الليل والأب هو اليوم الذي ذكرناه، وقد بيّنا ذلك في
كتاب الزمان لنا ومعرفة الدهر، فهذا الليل والنهار أبوان بوجه وأمّان بوجه، وما يحدث الله
فيهما في عالم الأركان من المولدات عند تصريفهما يسمّون أولاد الليل والنهار كما قرّرناه.
ولما أنشأ الله أجرام العالم كله القابل للتكوين فيه جعل من حدّ ما يلي مقعر السماء
الدنيا إلى باطن الأرض عالم الطبيعة والاستحالات وظهور الأعيان التي تحدث عند
الاستحالات وجعلها بمنزلة الأم، وجعل من مقعر فلك السماء الدنيا إلى آخر الأفلاك بمنزلة
الأب، وقدّر فيها منازل وزينها بالأنوار الثابتة والسابحة، فالسابحة تقطع في الثابتة، والثابتة
والسابحة تقطع في الفلك المحيط بتقدير العزيز، بدليل أنه رئي في بعض الأهرام التي بديار
مصر مكتوباً بقلم يذكر في ذلك تاريخ الأهرام أنها بنيت والنسر في الأسد، ولا شك أنه الآن
في الجدي كذا ندركه، فدل على أن الكواكب الثابتة تقطع في فلك البروج الأطلس والله يقول
في القمر: ﴿وَالْقَمَرَ قَذَّرْنَهُ مَنَازِلَ﴾ [سورة يس: الآية ٣٩] وقال في الكواكب: ﴿وَكُلُّ فِ فَلَكِ
يَسْبَحُونَ﴾ [سورة يس: الآية ٤٠] وقال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾ [سورة يس: الآية ٣٨]
وقد قرىء لا مستقرّ لها وليس بين القراءتين تنافر، ثم قال: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [سورة
يس: الآية ٣٨] ينظر إلى قوله في القمر أنه قدّره منازل، وقال: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِى لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ
وَلَا الَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلُّ فِ فَلَكِ يَسْبَحُونَ﴾ [سورة يس: الآية ٤٠] أي في شيء مستدير، وجعل لهذه

٢١٧
في المعارف / الباب الحادي عشر في معرفة آبائنا العلويات وأمّهاتنا السفليات
الأنوار المسمّاة بالكواكب أشعة متصلة بالأركان تقوم اتصالاتها بها مقام نكاح الآباء للأمّهات
فيحدث الله تعالى عند اتصال تلك الشعاعات النورية في الأركان الأربعة من عالم الطبيعة ما
يتكوّن فيها مما نشاهده حسّاً، فهذه الأركان لها بمنزلة الأربعة النسوة في شرعنا .
وكما لا يكون نكاح شرعي عندنا حلالاً إلاَّ بعقد شرعي كذلك أوحى في كل سماء
أمرها، فكان من ذلك الوحي تنزل الأمر بينهنّ كما قال تعالى: ﴿يَنَغَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [سورة
الطلاق: الآية ١٢] يعني الأمر الإلهيّ وفي تفسير هذا التنزّل أسرار عظيمة تقرب مما نشير إليه في
هذا الباب. وقد روي عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: لو فسرتها لقلتم إني كافر. وفي
رواية: لرجمتموني، وإنها من أسرار آي القرآن. قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ
مِثْلَهُنَّ﴾ ثم قال: ﴿يَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ ثم تمّم وأبان فقال: ﴿لِنَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة
الطلاق: الآية ١٢] وهو الذي أشرنا إليه بصفة العمل الذي ذكرناه آنفاً من إيجاد الله صفة العلم
والعمل في الأب الثاني، فإن القدرة للإيجاد وهو العمل، ثم تمّم في الأخبار فقال: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ
أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ [سورة الطلاق: الآية ١٢] وقد أشرنا إليه بصفة العلم التي أعطاها الله للأب الثاني
الذي هو النفس الكلية المنبعثة فهو العليم سبحانه بما يوجد القدير على إيجاد ما يريد إيجاده لا
مانع له، فجعل الأمر يتنزل بين السماء والأرض كالولد يظهر بين الأبوين.
وأمّا اتصال الأشعة النورية الكوكبية عن الحركة الفلكية السماوية بالأركان الأربعة التى
هي أم المولدات في الحين الواحد للكل معاً جعله الحق مثالاً للعارفين في نكاح أهل الجنة
في الجنة جميع نسائهم وجواريهم في الآن الواحد نكاحاً حسيّاً، كما أن هذه الاتصالات
حسّيّة، فينكح الرجل في الجنة جميع من عنده من المنكوحات إذا اشتهى ذلك فى الآن
الواحد نكاحاً جسمياً محسوساً بإيلاج ووجود لذة خاصة بكل امرأة من غير تقدّم ولا تأخر،
وهذا هو النعيم الدائم والاقتدار الإلهيّ، والعقل يعجز عن إدراك هذه الحقيقة من حيث
فكره، وإنما يدرك هذا بقوّة أخرى إلهية في قلب من يشاء من عباده، كما أن الإنسان في الجنة
في سوق الصور إذا اشتهى صورة دخل فيها كما تشكل الروح هنا عندنا وإن كان جسماً ولكن
أعطاه الله هذه القدرة على ذلك والله على كل شيء قدير. وحديث سوق الجنة ذكره أبو عيسى
الترمذيّ في مصنفه فانظره هناك، فإذا اتصلت الأشعة النورية في الأركان الأربعة ظهرت
المولدات عن هذا النكاح الذي قدره العزيز العليم، فصارت المولدات بين آباء وهي الأفلاك
والأنوار العلوية، وبين أمّهات وهي الأركان الطبيعية السفلية، وصارت الأشعة المتصلة من
الأنوار بالأركان كالنكاح وحركات الأفلاك، وسباحات الأنوار بمنزلة حركات المجامع، وكأن
حركات الأركان بمنزلة المخاض للمرأة لاستخراج الزبد الذي يخرج بالمخض وهو ما يظهر
من المولدات في هذه الأركان للعين من صورة المعادن والنبات والحيوان ونوع الجن
والإنس، فسبحان القادر على ما يشاء لا إله إلاَّ هو رب كل شيء ومليكه.
قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِ وَلَوْلِدَيْكَ﴾ [سورة لقمان: الآية ١٤] فقد تبين لك أيها الوليّ آباؤك
وأمّهاتك من هم إلى أقرب أب لك وهو الذي ظهر عينك به وأمّك كذلك القريبة إليك إلى

٢١٨
في المعارف / الباب الحادي عشر في معرفة آبائنا العلويات وأمهاتنا السفليات
الأب الأول وهو الجدّ الأعلى إلى ما بينهما من الآباء والأمّهات، فشكرهم الذي يسرّون به
ويفرحون بالثناء عليهم هو أن تنسبهم إلى مالكهم وموحدهم وتسلب الفعل عنهم وتلحقه
بمستحقه الذي هو خالق كل شيء، فإذا فعلت ذلك فقد أدخلت سروراً على آبائك بفعلك ذلك،
وإدخال هذا السرور عليهم هو عين برّك بهم وشكرك إياهم، وإذا لم تفعل هذا ونسيت الله بهم
فما شكرتهم ولا امتثلت أمر الله في شكرهم فإنه قال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِ﴾ فقدّم نفسه ليعرّفك أنه
السبب الأول والأولى، ثم عطف وقال: ﴿وَلِوَلِدَيّكَ﴾ وهي الأسباب التي أوجدك الله عندها
لتنسبها إليه سبحانه، ويكون لها عليك فضل التقدّم بالوجود خاصة لا فضل التأثير لأنه في
الحقيقة لا أثر لها وإن كانت أسباباً لوجود الآثار، فبهذا القدر صحّ لها الفضل وطلب منك الشكر
وأنزلها الحق لك وعندك منزلته في التقدّم عليك لا في الأثر ليكون الثناء بالتقدم والتأثير لله تعالى
وبالتقدّم والتوقف للوالدين ولكن على ما شرطناه، فلا تشرك بعبادة ربك أحداً فإذا أثنيت على
الله تعالى وقلت ربنا ورب آبائنا العلويات وأمّهاتنا السفليات فلا فرق بين أن أقولها أنا أو يقولها
جميع بني آدم من البشر، فلم يخاطب شخصاً بعينه حتى يسوق آباءه وأمّهاته من آدم وحوّاء إلى
زمانه، وإنما القصد هذا النشء الإنسانيّ، فكنت مترجماً عن كل مولود بهذا التحميد من عالم
الأركان وعالم الطبيعة والإنسان، ثم ترتقي في النيابة عن كل مولد بين مؤثر ومؤثر فيه، فتحمده
بكل لسان وتتوجّه إليه بكل وجه، فيكون الجزاء لنا من عند الله من ذلك المقام الكلي كما قال لي
بعض مشيختي : إذا قلت السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أو قلت السلام عليكم إذا سلمت
في طريقك على أحد فأحضر في قلبك كل صالح لله من عباده في الأرض والسماء وميت وحيّ،
فإنه من ذلك المقام يردّ عليك فلا يبقى ملك مقرّب ولا روح مطهر يبلغه سلامك إلاَّ ويردّ عليك
وهو دعاء فيستجاب فيك فتفلح، ومن لم يبلغه سلامك من عباد الله المهيمين في جلاله
المشتغلين به المستفرغين فيه وأنت قد سلمت عليهم بهذا الشمول فإنّ الله ينوب عنهم في الردّ
عليك، وكفى بهذا شرفاً في حقك حيث يسلم عليك الحق، فليته لم تسمع أحداً ممن سلمت
عليه حتى ينوب عن الجميع في الردّ عليك فإنه بك أشرف.
قال تعالى تشريفاً في حق يحيى عليه السلام: ﴿وَسَلَمُ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ
حَيًّا﴾ [سورة مريم: الآية ١٥] وهذا سلام فضيلة وإخبار، فكيف سلام واجب ناب الحق مناب من
أجاب عنه؟ وجزاء الفرائض أعظم من جزاء الفضائل في حق من قيل فيه: ﴿وَسَلَمُ عَلَيْهِ يَوْمَ
وُلِدَ﴾ُ فيجمع له بين الفضيلتين. وقد وردت صلاة الله علينا ابتداء وما وصل إليّ هل ورد
السلام ابتداء كما وردت الصلاة أم لا؟ فمن روى في ذلك شيئاً وتحققه فقد جعلت أمانة في
عنقه أن يلحقه في هذا الموضع إلى جانب صلاة الله علينا في هذا الباب ليكون بشرى
للمؤمنين وشرفاً لكتابي هذا، والله المعين والموفق لا رب غيره.
وأما الآباء الطبيعيون والأمّهات فلم نذكرهم فلنذكر الأمر الكلي من ذلك وهم أبوان
وأمان، فالأبوان هما الفاعلان والأمان هما المنفعلان، وما يحدث عنهما هو المنفعل عنهما،
فالحرارة والبرودة فاعلان، والرطوبة واليبوسة منفعلان، فنكحت الحرارة اليبوسة فأنتجا ركن

في المعارف/ الباب الثاني عشر في معرفة دورة فلك سيدنا محمد ◌َّفر وهي دورة السيادة ... الخ ٢١٩
النار، ونكحت الحرارة الرطوبة فأنتجا ركن الهواء، ثم نكح البرودة الرطوبة فأنتجا ركن
الماء، ونكح البرودة اليبوسة فأنتجا ركن التراب، فحصلت في الأبناء حقائق الآباء والأمهات،
فكانت النار حارّة يابسة فحرارتها من جهة الأب ويبوستها من جهة الأم، وكان الهواء حاراً
رطباً فحرارته من جهة الأب ورطوبته من جهة الأم، وكان الماء بارداً رطباً فبرودته من جهة
الأب ورطوبته من جهة الأمّ، وكانت الأرض باردة يابسة فبرودتها من جهة الأب ويبوستها من
جهة الأم، فالحرارة والبرودة من العلم والرطوبة واليبوسة من الإرادة، هذا حدّ تعلقها في
وجودها من العلم الإلهيّ وما يتولد عنهما من القدرة، ثم يقع التوالد في هذه الأركان من
كونها أمّهات لآباء الأنوار العلوية لا من كونها آباء، وإن كانت الأبوّة فيها موجودة فقد عرفناك
أنّ الأبوّة والبنوّة من الإضافات والنسب، فالأب ابن لأب هو ابن له، والابن أب لابن هو أب
له، وكذلك باب النسب فانظر فيه والله الموفق لا رب غيره.
ولما كانت اليبوسة منفعلة عن الحرارة وكانت الرطوبة منفعلة عن البرودة قلنا في الرطوبة
واليبوسة أنهما منفعلتان وجعلناهما بمنزلة الأم للأركان. ولما كانت الحرارة والبرودة فاعلين
جعلناهما بمنزلة الأب للأركان. ولما كانت الصنعة تستدعي صانعاً ولا بدّ والمنفعل يطلب
الفاعل بذاته فإنه منفعل لذاته، ولو لم يكن منفعلاً لذاته لما قبل الانفعال والأثر كان مؤثراً فيه،
بخلاف الفاعل فإنه يفعل بالاختيار إن شاء فعل فيسمّى فاعلاً وإن شاء ترك وليس ذلك للمنفعل،
ولهذه الحقيقة ذكر تعالى وهو من فصاحة القرآن وإيجازه ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِ كِنَبٍ مُبِينٍ﴾
[سورة الأنعام: الآية ٥٩] فذكر المنفعل ولم يذكر ولا حار ولا بارد لما كانت الرطوبة واليبوسة عند
العلماء بالطبيعة تطلب الحرارة والبرودة اللتين هما منفعلتان عنهما، كما تطلب الصنعة الصانع
لذلك ذكرهما دون ذكر الأصل وإن كان الكل في الكتاب المبين، فلقد جاء الله سيدنا محمداً وعَال
بعلوم ما نالها أحد سواه كما قال: ((فَعَلِمْتُ عِلْمَ الأَوَّلِينَ والآخرِينَ)) في حدیث الضرب بالید،
فالعلم الإلهيّ هو أصل العلوم كلها وإليه ترجع، وقد استوفينا ما يستحقه هذا الباب على غاية
الإيجاز والاختصار، فإن الطول فيه إنما هو بذكر الكيفيات، وأما الأصول فقد ذكرناها ومهدناها
﴿وَاَللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٤] انتهى الجزء الثاني عشر.
(الجزء الثالث عشر)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ
الباب الثاني عشر
في معرفة دورة فلك سيدنا محمد وَلّ وهي دورة السيادة
وأن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلقه الله تعالى
ـأبى من كان مَلْكاً وسيداً
ألا بأبي
[نظم: الطويل]
وآدمُ بين الماء والطين واقفُ

٢٢٠ في المعارف/ الباب الثاني عشر في معرفة دورة فلك سيدنا محمد نَّ وهي دورة السيادة ... الخ
له في العلى مجدّ تليدٌ وطارفُ
فذَاك الرسولُ الأبطحيّ محمدٌ
وكانت له في كل عصر مَوَاقِفُ
أتى بزمان السَّعْدِ في آخر المدى
أتى لانكسار الدهر يَجْبُر صَدْعَهُ
فأثنتْ عليه ألسنٌ وعَوَارِفُ
وليس لذاك الأمر في الكون صَارِفُ
إذا رام أمراً لا يكون خِلافُه
اعلم أيّدك الله أنه لما خلق الأرواح المحصورة المدبرة للأجسام بالزمان عند وجود
حركة الفلك لتعيين المدّة المعلومة عند الله، وكان عند أول خلق الزمان بحركته خلق الروح
المدبرة روح محمد ◌ّلي ثم صدرت الأرواح عند الحركات فكان لها وجود في عالم الغيب
دون عالم الشهادة، وأعلمه الله بنبوّته وبشّره بها، وآدم لم يكن إلاَّ كما قال بين الماء والطين،
وانتهى الزمان بالاسم الباطن في حق محمد ◌َّه إلى وجود جسمه وارتباط الروح به، انتقل
حكم الزمان في جريانه إلى الاسم الظاهر، فظهر محمد بَّل# بذاته جسماً وروحاً، فكان
الحكم له باطناً أولاً في جميع ما ظهر من الشرائع على أيدي الأنبياء والرسل سلام الله عليهم
أجمعين، ثم صار الحكم له ظاهراً فنسخ كل شرع أبرزه الاسم الباطن بحكم الاسم الظاهر
لبيان اختلاف حكم الاسمين وإن كان المشرّع واحداً وهو صاحب الشرع فإنه قال: كنت نبياً،
وما قال كنت إنساناً ولا كنت موجوداً، وليست النبوّة إلاَّ بالشرع المقرّر عليه من عند الله،
فأخبر أنه صاحب النبوّة قبل وجود الأنبياء الذين هم نوابه في هذه الدنيا، كما قررناه فيما تقدم
من أبواب هذا الكتاب، فكانت استدارته انتهاء دورته بالاسم الباطن، وابتداء دورة أخرى
بالاسم الظاهر فقال: استدار كهيئته يوم خلقه الله في نسبة الحكم لنا ظاهراً كما كان في الدورة
الأولى منسوباً إلينا باطناً أي إلى محمد، وفي الظاهر منسوباً إلى من نسب إليه من شرع
إبراهيم وموسى وعيسى وجميع الأنبياء والرسل، وفي الأنبياء من الزمان أربعة حرم: هود
وصالح وشعيب سلام الله عليهم ومحمد ◌َله، وعينها من الزمان ذو القعدة وذو الحجة
والمحرم ورجب مضر، ولما كانت العرب تنسأ في الشهور فتردّ المحرم منها حلالاً والحلال
منها حراماً وجاء محمد و # فردّ الزمان إلى أصله الذي حكم الله به عند خلقه فعين الحرم من
الشهور على حد ما خلقها الله عليه فلهذا قال في اللسان الظاهر: إن الزمان قد استدار كهيئته
يوم خلقه الله كذلك استدار الزمان، فأظهر محمداً و # كما ذكرناه جسماً وروحاً بالاسم
الظاهر حسّاً، فنسخ من شرعه المتقدم ما أراد الله أن ينسخ منه، وأبقى ما أراد الله أن يبقي منه
وذلك من الأحكام خاصة لا من الأصول.
ولما كان ظهوره بالميزان وهو العدل في الكون وهو معتدل لأن طبعه الحرارة والرطوبة
كان من حكم الآخرة، فإن حركة الميزان متصلة بالآخرة إلى دخول الجنة والنار، ولهذا كان
العلم في هذه الأمّة أكثر مما كان في الأوائل، وأعطي محمد وَ لّ علم الأولين والآخرين لأن
حقيقة الميزان تعطي ذلك، وكان الكشف أسرع في هذه الأمّة مما كان في غيرها لغلبة البرد
واليبس على سائر الأمم قبلنا وإن كانوا أذكياء وعلماء، فآحاد منهم معينون بخلاف ما هم
الناس اليوم عليه، ألا ترى هذه الأمّة قد ترجمت جميع علوم الأمم، ولو لم يكن المترجم