النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
في المعارف / الباب الخامس في معرفة أسرار بسم الله الرحمن الرحيم والفاتحة ... الخ
حتى يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل لا غير يثبت لظهوره ولا ظلام يبقى لنوره، فإن لم
تكن تره اعرف حقيقة إن لم تكن تكن أنت، إذ كانت التاء من الحروف الزوائد في الأفعال
المضارعة للذوات وهي العبودية، يقول بعض السادة وقد سمع عاطساً يقول الحمد لله فقال
له ذلك السيد أتمّها كما قال الله رب العالمين، فقال العاطس: يا سيدنا ومن العالم حتى يذكر
مع الله؟ فقال له: الآن قله يا أخي فإن المحدث إذا قرن بالقديم لم يبق له أثر، وهذا هو مقام
الوصلة وحال وله أهل الفناء عن أنفسهم، وأما لو فني عن فنائه لما قال الحمد لله لأن في
قوله الحمد أثبت العبد الذي هو المعبر عنه بالرداء عند بعضهم وبالثوب عند آخرين، ولو قال
رب العالمين لكان أرفع من المقام الذي كان فيه فذلك مقام الوارثين ولا مقام أعلى منه لأنه
شهود لا يتحرك معه لسان ولا يضطرب معه جنان، أهل هذا المقام في أحوالهم فاغرة
أفواههم استولت عليهم أنوار الذات وبدت عليهم رسوم الصفات، هم عرائس الله المخبأون
عنده المحجوبون لديه الذين لا يعرفهم سواه كما لا يعرفون سواه، توجهم بتاج البهاء وإكليل
السناء، وأقعدهم على منابر الفناء عن القرب في بساط الإنس ومناجاة الديمومية بلسان
القيومية، أورثهم ذلك قوله على صلاتهم دائمون وبشهادتهم قائمون، فلم تزل القوّة الإلهية
تمدّهم بالمشاهدة فيبرزون بالصفات في موضع القدمين، فلا وله إلاَّ من حيث الاقتداء، ولا
ذكر إلاَّ إقامة سنة أو فرض، لا يحيدون عن سواء السبيل فهم بالحق، وإن خاطبوا الخلق
وعاشروهم فليسوا معهم، وإن رأوهم لم يروهم إذ لا يرون منهم إلاَّ كونهم من جملة أفعال
الله، فهم يشاهدون الصنعة والصانع مقاماً عمرياً، كما يقعد أحدكم مع نجار يصنع تابوتاً
فيشاهد الصنعة والصانع ولا تحجبه الصنعة عن الصانع إلاَّ إن شغل قلبه حسن الصنعة، فإن
الدنيا كما قال عليه السلام حلوة خضرة وهي من خضراء الدمن جارية حسناء في منبت سوء
من أحسن إليها وأحبها أساءت إليه وحرمت عليه أخراه ولقد أحسن القائل: [الطويل]
إذا امْتَحَنَ الدنيا لبيبٌ تكشّفَتْ
له عن عدوّ في ثياب صديقٍ
فهذه الطائفة الأمناء الصديقون إذا أيدهم الله بالقوّة الإلهية وأمدّهم فهم معه بهذه النسبة
على وجه المثال، وهذا أعلى مقام يرقى فيه، وأشرف غاية ينتهي إليها هذه الغاية القصوى، إذ
لا غاية إلاَّ من حيث التوحيد لا من حيث الموارد والواردات، وهو المستوى إذ لا استواء إلاَّ
الرفيق الأعلى، فهنيئاً لهذه العصابة بما نالوه من حقائق المشاهدة، وهنيئاً لنا على التصديق
والتسليم لهم بالموافقة والمساعدة، مرّ بنا جواد اللسان في حلبة الكلام، فلنرجع إلى ما كنّا
بسبيله والسلام. فأقول: همزة هذا الاسم المحذوفة بالإضافة تحقيق اتصال الوحدانية
وتمحيق انفصال الغيرة، فالألف واللام الملصقة كما تقدم لتحقيق المتصل ومحق المنفصل
والألف الموجودة في اللام الثانية لمحو آثار الغير المتحصل والواو التي بعد الهاء ليس لها في
الخط أثر، ومعناها في الوجود بهاء الهوية قد انتشر أبداها في عالم الملك بذاتها فقال: هو الله
الذي لا إله إلاَّ هو، فبدأ بالهوية وختم، وملكها الأمر في الوجود والعدم، وجعلها دالة على
الحدوث والقدم، وهو آخر ذكر الذاكرين وأعلاه، فرجع العجز على الصدر فلاحت ليلة
الفتوحات المكية ج١ - م١١

١٦٢
في المعارف / الباب الخامس في معرفة أسرار بسم الله الرحمن الرحيم والفاتحة ... الخ
القدر، ووقف بوجودها أهل العناية والتأييد على حقائق التوحيد، فالوجود في نقطة دائرة هذا
الاسم ساكن، وقد اشتمل عليه بحقيقته اشتمال الأماكن على المتمكن الساكن ولله المثل
الأعلى: [الكامل]
مثلاً من المِشْكَاةِ والنّبْرَاسِ
والله قد ضَرَب الأقلّ لنوره
فقال تعالى: ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ تُحِيطٌ﴾ [سورة فصلت: الآية ٥٤] أحاط بكل شيء علماً،
وصيّر الكل اسماً ومسمّى، وأرسله مكشوفاً ومعمى.
حل المقفل وتفصيل المجمل :
يقول العبد: الله؛ فيثبت أولاً وآخراً، وينفى باللامين باطناً وظاهراً، لزمت اللام الثانية
الهاء بوساطة الألف العلمية ﴿مَا يَكُونُ مِن تَجْوَى ثَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَائِعُهُمْ﴾ [سورة المجادلة: الآية ٧]
الثلاثة اللام ﴿وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [سورة المجادلة: الآية ٧] فالألف سادس في حق الهاء
رابع في حق اللام ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [سورة الفرقان: الآية ٤٥] العرش ظلّ الله
العرش اللام الثانية وما حواه اللام الأولى بطريق الملك، واللامان هما الظاهر والباطن من
باب الأسماء ظهرتا بين ألف الأول وألف الآخر وهو مقام الاتصال لأن النهاية تنعطف على
البداية وتتصل بها اتصال اتحاد، ثم خرجت الهاء بواوها الباطنة مخرج الانفصال، والجزء
المتصل بين اللام والهاء هو السرّ الذي به تقع المشاهدة بين العبد والسيد وذلك مركز الألف
العلمية وهو مقام الاضمحلال، ثم جعل تعالى في الخط المتصل جزءاً بين اللامين للاتصال
بين اللام الأولى التي هي عالم الملك وبين اللام الثانية التي هي عالم الملكوت، وهو مركز
العالم الأوسط عالم الجبروت مقام النفس، ولا بدّ من خطوط فارغة بين كل حرفين، فتلك
مقامات فناء رسوم السالكين من حضرة إلى حضرة.
تتميم: الألف الأولى التي هي ألف الهمزة منقطعة واللام الثانية ألفها متصل بها قطعت
الألف في أوائل الخطوط لقوله عليه السلام: ((كَانَ اللَّهُ وَلاَ شَيءَ مَعَهُ)) فلهذا قطعت وتنزّه من
الحروف من أشبهها في عدم الاتصال بما بعدها، والحروف التي أشبهتها على عدد الحقائق
العامة العالية التي هي الأمهات، وكذلك إذا كانت آخر الحروف تقطع الاتصال من البعدية
الرقمية فكان انقطاع الألف تنبيهاً لما ذكرناه، وكذلك إخوته فالألف للحق وأشباه الألف
للخلق وذلك د ذ ر ز وفي جميع الحقائق جسم متغذ حساس ناطق وما عداه ممن له لغة،
وانحصرت حقائق العالم الكلية، فلما أراد وجود اللام الثانية وهي أول موجود في المعنى وإن
تأخرت في الخط فإن معرفة الجسم تتقدم على معرفة الروح شاهداً، وكذلك الخط شاهداً،
وهي عالم الملكوت أوجدها بقدرته، وهي الهمزة التي في الاسم إذا ابتدأت به معرى من
الإضافة وهي لا تفارق الألف، فلما أوجدت هذه الألف اللام الثانية جعلها رئيسة فطلبت
مرؤوساً تكون عليه بالطبع، فأوجد لها عالم الشهادة الذي هو اللام الأولى، فلما نظرت إليه
أشرق وأنار ﴿ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَتِهَا وَوُضِعَ الْكِتَبُ﴾ [سورة الزمر: الآية ٦٩] وهو الجزء الذي
بين اللامين أمر سبحانه اللام الثانية أن تمدّ الأولى بما أمدّها به تعالى من جود ذاته، وأن تكون

١٦٣
في المعارف/ الباب الخامس في معرفة أسرار بسم الله الرحمن الرحيم والفاتحة ... الخ
دليلها إليه، فطلبت منه معنى تصرفه في جميع أمورها يكون لها كالوزير فتلقي إليه ما تريده
فيلقيه على عالم اللام الأولى، فأوجد لها الجزء المتصل باللامين المعبر عنه بالكتاب الأوسط
وهو العالم الجبروتي، وليست له ذات قائمة مثل اللامين فإنه بمنزلة عالم الخيال عندنا،
فألقت اللام الثانية إلى ذلك الجزء وارتقم فيه ما أريد منها ووجهت به إلى اللام الأولى
فامتثلت الطاعة حتى قالت بلى، فلما رأت اللام الأولى الأمر قد أتاها من قبل اللام الثانية
بوساطة الجزء الذي هو الشرع صارت مشاهدة لما يرد عليها من ذلك الجزء راغبة له في أن
يوصلها إلى صاحب الأمر لتشاهده، فلما صرفت الهمة إلى ذلك الجزء واشتغلت بمشاهدته
احتجبت عن الألف التي تقدمتها ﴿أَرْجِعُواْ وَرَكُمْ فَالْتَمِسُواْ نُورًا﴾ [سورة الحديد: الآية ١٣] ولو لم
تصرف الهمة إلى ذلك الجزء لتلقت الأمر من الألف الأولى بلا واسطة ولكن لا يمكن لسر
عظيم فإنها ألف الذات والثانية ألف العلم.
إشارة: ألا ترى أن اللام الثانية لما كانت مرادة مجتباة منزهة عن الوسائط كيف اتصلت
بألف الوحدانية اتصالاً شافياً حتى صار وجودها نطقاً يدل على الألف دلالة صحيحة؟ وإن
كانت الذات خفيت فإن لفظك باللام يحقق الاتصال، ويدلك عليها من عرف نفسه عرف ربه
من عرف اللام الثانية عرف الألف، فجعل نفسك دليلاً عليك، ثم جعل كونك دليلاً عليك
دليلاً عليه في حق من بعد، وقدم معرفة العبد بنفسه على معرفته بربه، ثم بعد ذلك يفنيه عن
معرفته بنفسه لما كان المراد منه أن يعرف ربه، ألا ترى تعانق اللام الألف وكيف يوجد اللام
في النطق قبل الألف، وفي هذا تنبيه لمن أدرك فهذه اللام الملكوتية تتلقى من ألف الوحدانية
بغير واسطة فتورده على الجزء الجبروتي ليؤذّيه إلى لام الشهادة والملك هكذا الأمر ما دام
التركيب والحجاب، فلما حصلت الأولية والآخرية والظاهرية والباطنية أراد تعالى، كما قدم
الألف منزهة عن الاتصال من كل الوجوه بالحروف أراد أن يجعل الانتهاء نظير الابتداء، فلا
يصحّ بقاء للعبد أولاً وآخراً، فأوجد الهاء مفردة بواو هويتها، فإنْ توهم متوهم أن الهاء ملصقة
إلى اللام فليست كذلك وإنما هي بعد الألف التي بعد اللام، والألف لا يتصل بها في البعدية
شيء من الحروف، فالهاء بعد اللام مقطوعة عن كل شيء، فذلك الاتصال باللام في الخط
ليس باتصال فالهاء واحدة والألف واحدة، فاضرب الواحد في مثله يكن واحداً فصحّ انفصال
الخلق عن الحق فبقي الحق، وإذا صحّ تخلق اللام الملكية لما تورده عليها لام الملكوت، فلا
تزال تضمحل عن صفاتها وتفنى عن رسومها إلى أن تحصل في مقام الفناء عن نفسها، فإذا
فنيت عن ذاتها فني الجزء لفنائها، واتّحدت اللامان لفظاً ينطق بها اللسان مشدّدة للإدغام الذي
حدث فصارت موجودة بين ألفين اشتملا عليها وأحاطا بها فأعطتنا الحكمة الموهوبة لما
سمعنا لفظ الناطق بلا بين ألفين علمنا علم الضرورة أن المحدث فني بظهور القديم فبقي ألفان
أولى وأخرى، وزال الظاهر والباطن بزوال اللامين بكلمة النفي، فضربنا الألف في الألف
ضَرب الواحد في الواحد فخرجت لك الهاء، فلما ظهرت زال حكم الأول والآخر الذي
جعلته الواسطة كما زال حكم الظاهر والباطن، فقيل عند ذلك: كان الله ولا شيء معه. ثم

١٦٤
في المعارف / الباب الخامس في معرفة أسرار بسم الله الرحمن الرحيم والفاتحة ... الخ
أصل هذا الضمير الذي هو الهاء الرفع ولا بدّ، فإن انفتح أو انخفض فتلك صفة تعود على من
فتحه أو خفضه فهي عائدة على العامل الذي قبل في اللفظ.
تكملة: ثم أوجد سبحانه الحركات والحروف والمخارج تنبيهاً منه سبحانه وتعالى أن
الذوات تتميز بالصفات والمقامات، فجعل الحركات نظير الصفات، وجعل الحروف نظير
الموصوف، وجعل المخارج نظير المقامات والمعارج، فأعطى لهذا الاسم من الحروف على
عموم وجوهه من وصل وقطعء ا له وهمزة وألفاً ولاماً وهاء وواواً، فالهمزة أولاً والهاء
آخراً ومخرجهما واحد مما يلي القلب، ثم جعل بين الهمزة والهاء حرف اللام ومخرجه
اللسان ترجمان القلب، فوقعت النسبة بين اللامين والهمزة والهاء كما وقعت النسبة بين القلب
الذي هو محل الكلام وبين اللسان المترجم عنه. قال الأخطل: [الكامل]
إن الكلام لَفي الفؤادِ وإنما
جُعِلَ اللسانُ على الفؤاد دليلا
فلما كانت اللام من اللسان جعلها تنظر إليه لا إلى نفسها فأفناها عنها وهي الحنك
الأسفل، فلما نظرت إليه لا إلى ذاتها علت وارتفعت إلى الحنك الأعلى واشتدّ اللسان بها في
الحنك اشتداد التمكّن علوها وارتفاعها بمشاهدته، وخرجت الواو من الشفتين إلى الوجود
الظاهر مخبرة دالة عليه، وذلك مقام باطن النبوّة وهي الشعرة التي فينا من الرسول وَّل وفي
ذلك يكون الورث، فخرج من هذا الوصل أن الهمزة والألف والهاء من عالم الملكوت واللام
من عالم الجبروت والواو من عالم الملك.
وصل: قوله ﴿الرحمن﴾ من البسملة.
الكلام على هذا الاسم في هذا الباب من وجهين: من وجه الذات ومن وجه الصفة،
فمن أعربه بدلاً جعله ذاتاً، ومن أعربه نعتاً جعله صفة، والصفات ست، ومن شرط هذه
الصفات الحياة فظهرت السبعة، وجميع هذه الصفات للذات وهي الألف الموجودة بين الميم
والنون من الرحمن، ويتركب الكلام على هذا الاسم من الخبر الثابت عن النبي وَلِّ: ((إِنَّ اللَّهَ
خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» من حيث إعادة الضمير على الله، ويؤيّد هذا النظر الرواية الأخرى وهي
قوله عليه السلام: ((عَلَى صُورَةِ الرَّحْمُنِ)) وهذه الرواية وإن لم تصحّ من طريق أهل النقل فهي
صحيحة من طريق الكشف فأقول: إن الألف واللام والراء للعلم، والإرادة والقدرة والحاء
والميم والنون مدلول الكلام والسمع والبصر، وصفة الشرط التي هي الحياة مستصحبة لجميع
هذه الصفات، ثم الألف التي بين الميم والنون مدلول الموصوف، وإنما حذفت خطأً لدلالة
الصفات عليها دلالة ضرورية من حيث قيام الصفة بالموصوف، فتجلت للعالم الصفات،
ولذلك لم يعرفوا من الإله غيرها ولا يعرفونها. ثم الذي يدل على وجود الألف ولا بدّ ما
ذكرناه وزيادة وهي إشباع فتحة الميم وذلك إشارة إلهية إلى بسط الرحمة على العالم، فلا
يكون أبداً ما قبل الألف إلاَّ مفتوحاً، فتدل الفتحة على الألف في مثل هذا الموطن وهو محل
وجود الروح الذي له مقام البسط لمحل التجلي، ولهذا ذكر أهل عالم التركيب في وضع
الخطوط في حروف العلة الياء المكسور ما قبلها، إذ قد توجد الياء الصحيحة ولا كسر قبلها،

١٦٥
في المعارف / الباب الخامس في معرفة أسرار بسم الله الرحمن الرحيم والفاتحة ... الخ
وكذلك الواو المضموم ما قبلها، ولما ذكروا الألف لم يقولوا المفتوح ما قبلها إذ لا توجد إلا
والفتح في الحرف الذي قبلها بخلاف الواو والياء فالاعتدال للألف لازم أبداً، فالجاهل إذا لم
يعلم في الوجود منزّهاً عن جميع النقائص إلاَّ الله تعالى نسي الروح القدسي الأعلى. فقال: ما
في الوجود إلاّ الله، فلما سُئل في التفصيل لم يوجد لديه تحصيل، وإنما خصّصوا الواو
بالمضموم ما قبلها والياء بالمكسور ما قبلها لما ذكرناه، فصحّت المفارقة بين الألف وبين
الواو والياء، فالألف للذات والواو العلية للصفات والياء العلية للأفعال، الألف للروح والعقل
صفته وهو الفتحة، والواو النفس والقبض صفتها وهو الضمة والياء الجسم ووجود الفعل
صفته وهو الخفض، فإن انفتح ما قبل الواو والياء فذلك راجع إلى حال المخاطب، ولما كانتا
غيراً ولا بدّ اختلفت عليهما الصفات، ولما كانت الألف لا تقبل الحركات اتحدت بمدلولها
فلم يختلف عليها شيء البتة وسمّيت حروف العلة لما نذكره، فألف الذات علة لوجود
الصفة، وواو الصفة علة لوجود الفعل، وياء الفعل علة لوجود ما يصدر عنه في عالم الشهادة
من حركة وسكون فلهذا سمّيت عللاً، ثم أوجد النون من هذا الاسم نصف دائرة في الشكل،
والنصف الآخر محصور معقول في النقطة التي تدل على النون الغيبية الذي هو نصف الدائرة،
ويحسب الناس النقطة أنها دليل على النون المحسوسة، ثم أوجد مقدم الحاء مما يلي الألف
المحذوفة في الرقم إشارة إلى مشاهدتها ولذلك سكنت ولو كان مقدمها إلى الراء لتحركت،
فالألف الأولى للعلم واللام للإرادة والراء للقدرة وهي صفة الإيجاد، فوجدنا الألف لها
الحركة من كونها همزة والراء لها الحركة واللام ساكنة، فاتحدت الإرادة بالقدرة كما اتحد
العلم، والإرادة بالقدرة إذا وصلت الرحمن بالله فأدغمت لام الإرادة في راء القدرة بعدما
قلبت راء وشدّت لتحقيق الإيجاد الذي هو الحاء وجود الكلمة ساكنة وإنما سكنت لأنها لا
تنقسم والحركة منقسمة، فلما كانت الحاء ساكنة سكوناً حسياً ورأيناها مجاورة الراء راء القدرة
عرفنا أنها الكلمة وتثمينها .
تنبيه: أشار من أعربه بدلاً من قوله (الله) إلى مقام الجمع واتحاد الصفات وهو مقام من
روى خلق آدم على صورته، وذلك وجود العبد في مقام الحق حد الخلافة، والخلافة
تستدعي الملك بالضرورة، والملك ينقسم قسمين: قسم راجع لذاته وقسم راجع لغيره،
والواحد من الأقسام يصلح في هذا المقام على حد ما رتبناه، فإن البدل في الموضع يحل
محل المبدل منه مثل قولنا: جاءني أخوك زيد، فزيد بدل من أخيك بدل الشيء من الشيء
وهما لعين واحدة فإن زيداً هو أخوك وأخاك هو زيد بلا شك، وهذا مقام من اعتقد خلافه فما
وقف على حقيقة ولا وحد قط موجده. وأما من أعربه نعتاً فإنه أشار إلى مقام التفرقة في
الصفة وهو مقام من روى خلق آدم على صورة الرحمن وهذا مقام الوراثة، ولا تقع إلاَّ بين
غيرين مقام الحجاب بمغيب الواحد وظهور الثاني وهو المعبر عنه بالمثل وفيما قررنا دليل
على ما أضمرنا فافهم.
ثم أظهر من النون الشطر الأسفل وهو الشطر الظاهر لنا من الفلك الدائر من نصف

١٦٦
في المعارف / الباب الخامس في معرفة أسرار بسم الله الرحمن الرحيم والفاتحة ... الخ
الدائرة ومركز العالم في الوسط من الخط الذي يمتد من طرف الشطر إلى الطرف الثاني،
والشطر الثاني المستور في النقطة هو الشطر الغائب عنا من تحت نقيض الخط بالإضافة إلينا إذ
كانت رؤيتنا من حيث الفعل في جهة، فالشطر الموجود في الخط هو المشرق والشطر
المجموع في النقطة هو المغرب وهو مطلع وجود الأسرار، فالمشرق وهو الظاهر المركب
ينقسم والمغرب وهو الباطن البسيط لا ينقسم، وفيه أقول: [المتدارك]
ولباطنه لا ينْقَسِمُ
عجباً للظاهر ينْقَسِمُ
والباطنُ في أسدٍ جَلِمُ
فالظاهر شمسٌ في حَمَلٍ
من تحتِ كنائفها الظُّلَمُ
حقق وانظر معنى ستَرَثْ
عجباً والله هما القَسَمُ
إن كان خَفِي هو ذاك بدا
فافزع للشمس ودَعْ قمراً
في الوَتْر يلوحُ ويتْعَدِمُ
علمي شَفْعْ يكنِ الكَلِم
واخلَغْ نعلَيْ قدَمَيْ كُونِي
ولذلك يتعلق العلم بالمعلومات، والإرادة الواحدة بالمرادات، والقدرة الواحدة
بالمقدورات، فتقع القسمة والتعداد في المقدورات والمعلومات والمرادات وهو الشطر
الموجود في الرقم، ويقع الاتحاد والتنزّه عن الأوصاف الباطنية من علم وقدرة وإرادة وفي
هذا إشارة فافهم. ولما كانت الحاء ثمانية وهو وجود كمال الذات ولذلك عبرنا عنه بالكلمة
والروح، فكذلك النون خامسة في العشرات إذ يتقدمها الميم الذي هو رابع، فالنون جسماني
محل إيجاد موادّ الروح والعقل والنفس ووجود الفعل وهذا كله مستودع في النون وهي كلية
الإنسان الظاهرة ولهذا ظهرت.
تتمة: وإنما فصل بين الميم والنون بالألف (مان) إذ الميم ملكوتية لما جعلناها للروح
والنون ملكية والنقطة جبروتية لوجود سر سلب الدعوى كأنه يقول: أي يا روح الذي هو الميم
لم نصطفك من حيث أنت لكن عناية سبقت لك في وجود علمي ولو شئت لاطلعت على
نقطة العقل ونون الإنسانية دون واسطة وجودك، فاعرف نفسك واعلم أن هذا اختصاص بك
مني من حيث أنا لا من حيث أنت فصحت الاصطفائية فلا تجلي لغيره أبداً، فالحمد لله على
ما أولى. فتنبّه يا مسكين في وجود الميم دائرة على صورة الجسم مع التقدم كيف أشار به إلى
التنزه عن الانقسام وانقسام الدائرة لا يتناهى، فانقسام روح الميم بمعلوماته لا يتناهى وهو في
ذاته لا ينقسم، ثم انظر الميم إذا انفصل وحده كيف ظهرت منه مادة التعريق لما نزل إلى
وجود الفعل في عالم الخطاب والتكليف فصارت المادة في حق الغير لا في حق نفسه، إذ
الدائرة تدل عليه خاصة فما زاد فليس في حقّه إذ قد ثبتت ذاته فلم يبق إلاّ أن يكون في حق
غيره، فلما نظر العبد إلى المادة مدّ تعريقاً وهذا هو وجود التحقيق. ثم اعلم أن الجزء
المتصل بين الميم والنون هو مركز ألف الذات وخفيت الألف ليقع الاتصال بين الميم والنون
بطريق المادة وهو الجزء المتصل، ولو ظهرت الألف لما صحّ التعريق للميم لأن الألف
حالت بينهما، وفي هذا تنبيه على قوله ﴿رٍَّّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ﴾ [سورة النبأ: الآية

١٦٧
في المعارف/ الباب الخامس في معرفة أسرار بسم الله الرحمن الرحيم والفاتحة ... الخ
٣٧] وجود الألف المرادة هذا على من أعربه مبتدأ، ولا يصح من طريق التركيب، والصحيح
أن يعرب بدلاً من الرب فتبقى الألف هنا عبارة عن الروح والحق قائم بالجميع والميم
السموات والنون الأرض، وإذا ظهرت الألف بين الميم والنون فإن الاتصال بالميم لا بالنون
فلا تأخذ النون صفة أبداً من غير واسطة لقطعها، ودلّ اتصالها بالميم على الأخذ بلا واسطة،
والعدم الذي صحَّ به القطع فيه يفني النون ويبقي الميم محجوباً عن سرّ قدمه بالنقطة التي في
وسطه التي هي جوف دائرته بالنظر إلى ذاته بعد أن لم تكن فيما ظهر له.
سؤال وجوابه: قيل: فكيف عرفت سرّ قدمه ولم يعرفه هو وهو أحق بمعرفة نفسه منك
إن نظرت إلى ظاهرك، أو هل العالم بسرّ القدم فيه هو المعنى الموجود فيك المتكلم فيه وهو
ميم الروح فقد وقف على سرّ قدمه؟ الجواب عن ذلك أن الذي علم منا سرّ القدم هو الذي
حجبناه هناك فمن الوجه الذي أثبتنا له العلم غير الوجه الذي أثبتنا له منه عدم العلم، ونقول:
إنما حصل له ذلك علماً لا عيناً وهذا موجود، فليس من شرط من عَلِم شيئاً أن يراه والرؤية
للمعلوم أتم من العلم به من وجه وأوضح في المعرفة به، فكل عين علم وليس كل علم عيناً
إذ ليس من شرط من علم أن ثم مكة رآها وإذا رآها قطعنا أنه يعلمها ولا أريد الاسم فللعين
درجة على العلم معلومة كما قيل : [الوافر]
لذا سأل المعاينةَ الكليمُ
ولكنْ للعيانِ لطيفُ معنّى
بل أقول: إن حقيقة سرّ القدم الذي هو حق اليقين لأنه لا يعاين فلم يشاهده لرجوعه
لذات موجده ولو علم ذات موجده لكان نقصاً في حقّه، فغاية كماله في معرفة نفسه بوجودها
بعد أن لم تكن عيناً، هذا فصل عجيب إن تدبرته وقفت على عجائب فافهم.
تكملة: اتصلت اللام بالراء اتصال اتحاد نطقاً من حيث كونهما صفتين باطنتين فسهل
عليهما الاتحاد ووجدت الحاء التي هي الكلمة المعبر عنها بالمقدور للراء منفصلة عن الراء
التي هي القدرة ليتميز المقدور من القدرة، ولئلاً تتوهم الحاء المقدورة أنها صفة ذات القدرة
فوقع الفرق بين القديم والمحدث فافهم يرحمك الله. ثم لتعلم أن رحمن هو الاسم وهو
للذات والألف واللام اللذان للتعريف هما الصفات ولذلك يقال رحمان مع زوالهما كما يقال
ذات ولا تسمّى صفة معهما، انظر في اسم مسيلمة الكذاب تسمّى برحمان ولم يهد إلى الألف
واللام لأن الذات محل الدعوى عند كل أحد وبالصفات يفتضح المدعي، فرحمان مقام
الجمع وهو مقام الجهل أشرف ما يرتقى إليه في طريق الله الجهل به تعالى ومعرفته الجهل به
فإنها حقيقة العبودية قال تعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُمْ تُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [سورة الحديد: الآية ٧]
فجردك ومما يؤيّد هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٨٥]
وقوله: ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَتْلُونَمُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾﴾ [سورة البقرة: الآية ١٢١] فبحقيقة الاستخلاف
سلب مسيلمة وإبليس والدجال وكان من حالهم ما علم، فلو استحقوه ذاتاً ما سلبوه البتة، ولكن
إن نظرت بعين التنفيذ والقبول الكلي لا بعين الأمر وجدت المخالف طائعاً والمعوج مستقيماً
والكل داخل في الرق شاؤوا أم أبوا، فأما إبليس ومسيلمة فصرّحا بالعبودية والدجال أبى، فتأمل

١٦٨
في المعارف / الباب الخامس في معرفة أسرار بسم الله الرحمن الرحيم والفاتحة ... الخ
من أين تكلم كل واحد منهم، وما الحقائق التي لاحت لهم حتى أوجبت لهم هذه الأحوال.
تتمة: لما نطقنا بقوله: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ لم يظهر للألف واللام وجود فصار
الاتصال من الذات للذات، والله والرحمن اسمان للذات فرجع على نفسه بنفسه ولهذا
قال وَّه: ((وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ)) لما انتهى إلى الذات لم ير غيراً وقد قال أعوذ بك ولا بدّ من
مستعاذ منه فكشف له عنه فقال منك ومنك هو، والدليل عليه أعوذ ولا يصحّ أن يفصل فإنه
في الذات ولا يجوز التفصيل فيها، فتبين من هذا أن كلمة الله هي العبد فكما أن لفظة الله
للذات دليل كذلك العبد الجامع الكلي، فالعبد هو كلمة الجلالة، قال بعض المحققين: في
حال ما أنا الله، وقالها أيضاً بعض الصوفية من مقامين مختلين، وشتان بين مقام المعنى ومقام
الحرف الذي وجد له، فقابل تعالى الحرف بالحرف أعوذ برضاك من سخطك، وقابل المعنى
بالمعنى وأعوذ بك منك وهذا غاية المعرفة.
خاتمة: ولعلك تفرق بين الله وبين الرحمن لما تعرض لك في القرآن قوله تعالى:
﴿أَعْبُدُواْ اللَّهَ﴾ [سورة المائدة: الآية ٧٢] ولم يقولوا وما الله ولما ﴿قِيلَ لَهُمُ أَسْجُدُواْ لِلرَّحْمَنِ قَالُواْ وَمَا
الرَّحْمَنُ﴾ [سورة الفرقان: الآية ٦٠] ولهذا كان النعت أولى من البدل عند قوم وعند آخرين البدل
أولى لقوله تعالى: ﴿قَلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنِّ ◌َيَّا مَا تَدْعُواْ فَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [سورة الإسراء:
الآية ١١٠] فجعلها للذات، ولم تنكر العرب كلمة الله فإنهم القائلون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَا
إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر: الآية ٣] فعلموه، ولما كان الرحمن يعطي الاشتقاق من الرحمة وهي
صفة موجودة فيهم خافوا أن يكون المعبود الذي يدلهم عليه من جنسهم فأنكروا وقالوا: ﴿وَمَا
الرَّحْمَنُ﴾ [سورة الفرقان: الآية ٦٠] لما لم يكن من شرط كل كلام أن يفهم معناه ولهذا قال: ﴿قَلِ
ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَّ﴾ [سورة الإسراء: الآية ١١٠] لما كان اللفظان راجعين إلى ذات واحدة
وذلك حقيقة العبد والباري منزّه عن إدراك التوهّم والعلم المحيط به جلّ عن ذلك.
وصل: في قوله ﴿الرحيم﴾ من البسملة.
الرحيم صفة محمد مرَّ* قال تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [سورة التوبة: الآية ١٢٨]
وبه كمال الوجود، وبالرحيم تمت البسملة وبتمامها تمّ العالم خلقاً وإبداعاً، وكان عليه السلام
مبتدأ وجود العالم عقلاً ونفساً متى كنت نبياً قال وآدم بين الماء والطين فيه بدىء الوجود باطناً
وبه ختم المقام ظاهراً في عالم التخطيط فقال: لا رسول بعدي ولا نبي. فالرحيم هو
محمد رَّر، وبسم هو أبونا آدم، وأعني في مقام ابتداء الأمر ونهايته، وذلك أن آدم عليه
السلام هو حامل الأسماء قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [سورة البقرة: الآية ٣١]
ومحمد ◌ّ حامل معاني تلك الأسماء التي حملها آدم عليهما السلام وهي الكلم، قال ◌َّ:
((أُوتِيتُ جَوَامِعَ الكَلِم)) ومن أثنى على نفسه أمكن وأتمّ ممّن أثنى عليه كيحيى وعيسى عليهما
السلام، ومن حصلَ له الذات فالأسماء تحت حكمه، وليس من حصل الأسماء أن يكون
المسمّى محصلاً عنده، وبهذا فضلت الصحابة علينا فإنهم حصلوا الذات وحصلنا الاسم،
ولما راعينا الاسم مراعاتهم الذات ضوعف لنا الأجر، ولحسرة الغيبة التي لم تكن لهم فكان

١٦٩
في المعارف / الباب الخامس في معرفة أسرار بسم الله الرحمن الرحيم والفاتحة ... الخ
تضعيف على تضعيف، فنحن الإخوان وهم الأصحاب وهو ◌َله إلينا بالأشواق، وما أفرحه
بلقاء واحد منّا، وكيف لا يفرح وقد ورد عليه من كان بالأشواق إليه فهل تقاس كرامته به وبرّه
وتحفيه، وللعامل منّا أجر خمسين ممّن يعمل بعمل أصحابه لا من أعيانهم لكن من أمثالهم
فذلك قوله: بل منكم فجدوا واجتهدوا حتى يعرفوا أنهم خلفوا بعدهم رجالاً لو أدركوه ما
سبقوهم إليه، ومن هنا تقع المجازاة والله المستعان.
تنبيه: ثم لتعلم أن ﴿يُسْمِ الَِّ الرََّلِ الرَّحَةِ﴾ أربعة ألفاظ لها أربعة معان
فتلك ثمانية وهم حملة العرش المحيط وهم من العرش وهنا هم الحملة من وجه والعرش من
وجه، فانظر واستخرج من ذاتك لذاتك.
تنبيه: ثم وجدنا ميم (بسم) الذي هو آدم عليه السلام معرفاً، ووجدنا ميم (الرحيم)
معرفاً الذي هو محمد وسلم تسليماً فعلمنا أن مادة ميم آدم عليه السلام لوجود عالم التركيب إذ
لم يكن مبعوثاً، وعلمنا أن مادة ميم محمد ◌ًا# لوجود الخطاب عموماً كما كان آدم عندنا
عموماً فلهذا امتدا .
إنباه: قال سيدنا الذي لا ينطق عن الهوى: ((إِنْ صَلُحَتْ أُمَّتِي فَلَهَا يَوْمٌ وَإِنْ فَسَدَتْ فَلَهَا
نِضْفُ يَوْم)) واليوم رباني فإن أيام الرب كل يوم من ألف سنة ممّا نعد بخلاف أيام الله وأيام ذي
المعارج فَإن هذه الأيام أكبر فلكاً من أيام الرب، وسيأتي إن شاء الله ذكرها في داخل الكتاب
في معرفة الأزمان وصلاح الأمّة بنظرها إليه ◌َ ◌ّر وفسادها بإعراضها عنه، فوجدنا ﴿نِسْمِ
الَّهِ الرََّنِ الرَّحَمَةِ﴾ يتضمن ألف معنى كل معنى لا يحصل إلاَّ بعد انقضاء حول، ولا بدّ
من حصول هذه المعاني التي تضمنها ﴿يَسْمِ الَّهِ الرََّنِ الرَّحَةِ﴾ لأنه ما ظهر إلاَّ
ليعطي معناه، فلا بدّ من كمال ألف سنة لهذه الأمة وهي في أول دورة الميزان ومدتها ستة
آلاف سنة روحانية محققة، ولهذا ظهر فيها من العلوم الإلهية ما لم يظهر في غيرها من الأمم،
فإن الدورة التي انقضت كانت ترابية فغاية علمهم بالطبائع والإلهيون فيهم غرباء قليلون جداً
يكاد لا يظهر لهم عين، ثم إن المتألّه منهم ممتزج بالطبيعة ولا بدّ والمتألّه منّا صرف خالص
لا سبيل لحكم الطبع عليه .
مفتاح: ثم وجدنا في (الله)وفي (الرحمن) ألفين ألف الذات وألف العلم، ألف الذات
خفية وألف العلم ظاهرة لتجلي الصفة على العالم، ثم أيضاً خفيت في (الله) ولم تظهر لرفع
الالتباس في الخط بين (الله) و(اللاه)، ووجدنا في (بسم) الذي هو آدم عليه السلام ألفاً واحدة
خفيت لظهور الباء، ووجدنا في (الرحيم) الذي هو محمد وَ# ألفاً واحدة ظاهرة وهي ألف
العلم، ونفس سيدنا محمد صل# الذات فخفيت في آدم عليه السلام الألف لأنه لم يكن مرسلاً
إلى أحد فلم يحتج إلى ظهور الصفة، وظهرت في سيدنا محمد بَلو لكونه مرسلاً فطلب
التأييد فأعطي الألف فظهر بها، ثم وجدنا الباء من (بسم) قد عملت في ميم الرحيم فكان
عمل آدم في محمد وَّرِ وجود التركيب، وفي (الله) عمل سبب داع، وفي (الرحمن) عمل
بسبب مدعوّ، ولما رأينا أن النهاية أشرف من البداية قلنا من عرف نفسه عرف ربّه، والأسم

١٧٠
في المعارف/ الباب الخامس في معرفة أسرار بسم الله الرحمن الرحيم والفاتحة ... الخ
سلم إلى المسمّى، ولما علمنا أن روح (الرحيم) عمل في روح (بسم) لكونه نبياً وآدم بين
الماء والطين ولولاهما ما كان سمّي آدم علمنا أن (بسم) هو (الرحيم) إذ لا يعمل شيء إلاَّ من
نفسه لا من غيره، فانعدمت النهاية والبداية والشرك والتوحيد وظهر عزّ الاتحاد سلطانه،
فمحمد للجمع وآدم للتفريق.
إيضاح: الدليل على أن الألف في قوله الرحيم ألف العلم قوله: ﴿وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ
سَادِسُهُمْ﴾ [سورة المجادلة: الآية ٧] وفي ألف باسم: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىْ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾
[سورة المجادلة: الآية ٧] فالألف الألف ولا أدنى من ذلك باطن التوحيد ولا أكثر يريد ظاهره، ثم
خفيت الألف في آدم من باسم لأنه أول موجود ولم يكن له منازع يدعي مقامه، فدل بذاته من
أول وهلة على وجود موجده لما كان مفتتح وجودنا وذلك لما نظر في وجوده تعرض له
أمران: هل أوجده موجود لا أول له؟ أو هل أوجد هو نفسه؟ ومحال أن يوجد هو نفسه لأنه
لا يخلو أن يوجد نفسه وهو موجود أو يوجدها وهو معدوم، فإن كان موجوداً فما الذي
أوجد، وإن كان معدوماً فكيف يصحّ منه إيجاد وهو عدم، فلم يبق إلاَّ أن يوجده غيره وهو
الألف ولذلك كانت السين ساكنة وهو العدم والميم متحركة وهو أوان الإيجاب، فلما دلّ
عليه من أول وهلة خفيت الألف لقوّة الدلالة وظهرت في الرحيم لضعف الدلالة لمحمد وَاليه
لوجود المنازع فأيّده بالألف فصار الرحيم محمداً والألف منه الحق المؤيّد له من اسمه
الظاهر، قال تعالى: ﴿فَضَّبَحُوْ ظَهِرِينَ﴾ [سورة الصف: الآية ١٤] فقال: قولوا لا إله إلاَّ الله وإني
رسوله فمن آمن بلفظه لم يخرج من رِق الشرك وهو من أهل الجنة، ومن آمن بمعناه انتظم في
سلك التوحيد فصحّت له الجنة الثامنة وكان ممن آمن بنفسه فلم يكن في ميزان غيره، إذ قد
وقعت السوية واتحدت الاصطفائية جمعاً واختلفت رسالة ووجدنا (بسم) ذا نقطة و(الرحمن)
كذلك و(الرحيم) ذا نقطتين و(الله) مصمت فلم توجد في الله لما كان الذات ووجدت فيما بقي
لكونهم محل الصفات، فاتحدت في (بسم) آدم لكونه فرداً غير مرسل، واتحدت في
(الرحمن) لأنه آدم وهو المستوي على عرش الكائنات المركبات.
وبقي الكلام على نقطتي (الرحيم) مع ظهور الألف فالياء الليالي العشر والنقطتان الشفع
والألف الوتر والاسم بكليته والفجر ومعناه الباطن الجبروتي والليل إذا يسري وهو الغيب
الملكوتي، وترتيب النقطتين الواحدة مما تلي الميم والثانية مما تلي الألف والميم وجود
العالم الذي بعث إليهم، والنقطة التي تليه أبو بكر رضي الله عنه، والنقطة التي تلي الألف
محمد ◌َّ وقد تقبيت الياء عليهما كالغار ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾
[سورة التوبة: الآية ٤٠] فإنه واقف مع صدقه، ومحمد عليه السلام واقف مع الحق في الحال
الذي هو عليه في ذلك الوقت، فهو الحكيم كفعله يوم بدر في الدعاء والإلحاح وأبو بكر عن
ذلك صاح، فإن الحكيم يوفي المواطن حقّها، ولما لم يصحّ اجتماع صادقين معاً لذلك لم
يقم أبو بكر في حال النبي ◌َّر وثبت مع صدقه به، فلو فقد النبي ◌َّ في ذلك الموطن
وحضره أبو بكر لقام في ذلك المقام الذي أقيم فيه رسول الله وَلّر لأنه ليس ثم أعلى منه

١٧١
في المعارف/ الباب الخامس في معرفة أسرار بسم الله الرحمن الرحيم والفاتحة ... الخ
يحجبه عن ذلك فهو صادق ذلك الوقت وحكيمه وما سواه تحت حكمه، فلما نظرت نقطة
أبي بكر إلى الطالبين أسف عليه فأظهر الشدة وغلب الصدق وقال لا تحزن لأثر ذلك الأسف
إن الله معنا كما أخبرتنا، وإن جعل منازع أن محمداً هو القائل لم نبال لما كان مقامه وَالد
الجمع والتفرقة معاً وعلم من أبي بكر الأسف ونظر إلى الألف فتأيد وعلم أن أمره مستمرّ إلى
يوم القيامة قال: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَاً﴾ [سورة التوبة: الآية ٤٠] وهذا أشرف مقام ينتهي إليه
تقدم الله عليك ما رأيت شيئاً إلاَّ رأيت الله قبله شهود بكري وراثة محمدية، وخاطب الناس
بمن عرف نفسه عرف ربّه وهو قوله تعالى يخبر عن ربّه تعالى ﴿كَلَّ إِنَّ مَعِىَ رَبِ سَيَهْدِينٍ﴾ [سورة
الشعراء: الآية ٦٢] والمقالة عندنا إنما كانت لأبي بكر رضي الله عنه، ويؤيّدنا قول النبيّ وَّهِ: ((لَوْ
كُنْتُ مُتَّخِذَا خَلِيلاً لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً)، فالنبيّ ◌َِّ ليس بمصاحب وبعضهم أصحاب بعض
وهم له أنصار وأعوان، فافهم إشارتنا تهد إلى سواء السبيل.
لطيفة: النقطتان الرحيمية موضع القدمين وهو أحد خلع النعلين الأمر والنهي، والألف
الليلة المباركة وهي غيب محمد رَّه ثم فرّق فيه إلى الأمر والنهي وهو قوله فيها: ﴿يُفْرَقُ كُلُّ
أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [سورة الدخان: الآية ٤] وهو الكرسي والحاء العرش والميم ما حواه والألف حد
المستوى والراء صريف القلم والنون الدواة التي في اللام، فكتب ما كان وما يكون في
قرطاس لوح الرحيم وهو اللوح المحفوظ المعبر عنه بكل شيء في الكتاب العزيز من باب
الإشارة والتنبيه قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٤٥]
وهو اللوح المحفوظ ﴿مَوْعِظَةُ وَتَفْضِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٤٥] وهو اللوح
المحفوظ الجامع ذلك عبارة عن النبيّ وَّ في قوله: ((أُوتِيتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً) .
وهما نقطتا الأمر والنهي لكل شيء غيب محمد الألف المشار إليه بالليلة المباركة فالألف
للعلم وهو المستوى واللام للإرادة وهو النون أعني الدواة والراء للقدرة وهو القلم والحاء
للعرش والياء للكرسيّ ورأس الميم للسماء وتعريقه للأرض، فهذه سبعة أنجم: نجم منها
يسبح في فلك الجسم، ونجم في فلك النفس الناطقة، ونجم في فلك سر النفس وهو
الصديقية ونجم في فلك القلب، ونجم في فلك العقل، ونجم في فلك الروح، فحل ما قفلنا
وفيما قرّرنا مفتاح لما أضمرنا فاطلب تجد إن شاء الله فـ ﴿بسْمِ اللَّهِ الرَّمَنِ الْحَيَمِ﴾
وإن تعدد فهو واحد إذا حقق من وجه ما .
وصل في أسرار أمّ القرآن من طريق خاص: وهي فاتحة الكتاب والسبع المثاني والقرآن العظيم
والكافية والبسملة آية منها وهي تتضمن الرب والعبد ولنا في تقسيمها قريض منه: [البسيط]
في سورةِ الحمدِ يبدو ثالث لهما
للنيِّرين طلوعٌ بالفؤاد فما
لولا الشروقُ لقد ألفَيْتَهُ عَدَمَا
فالبدرُ محوّ وشمسُ الذات مشرقةٌ
والبدرُ للمغرب العقليّ قد لَزمَا
هذي النجومُ بأفق الشرقِ طالعةٌ
يلوح في الفَلَكِ العلويّ مرتَسِمَا
فإن تبدَّى فلا نجمّ ولا قمرٌ
فهي فاتحة الكتاب، لأن الكتاب عبارة من باب الإشارة عن المبدع الأول، فالكتاب

١٧٢
في المعارف / الباب الخامس في معرفة أسرار بسم الله الرحمن الرحيم والفاتحة ... الخ
يتضمن الفاتحة وغيرها لأنها منه، وإنما صحّ لها اسم الفاتحة من حيث إنها أول ما افتتح بها
كتاب الوجود وهي عبارة عن المثل المنزّه في ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١]
بأن تكون الكاف عين الصفة، فلما أوجد المثل الذي هو الفاتحة أوجد بعده الكتاب وجعله
مفتاحاً له فتأمل وهي أم القرآن، لأن الأمّ محل الإيجاد والموجود فيها هو القرآن والموجد
الفاعل في الأمّ، فالأمّ هي الجامعة الكلية، وهي أمّ الكتاب الذي عنده في قوله تعالى:
﴿ وَعِندَهُ: أُمُ الْكِتَبِ﴾ [سورة الرعد: الآية ٣٩] فانظر عيسى ومريم عليهما السلام وفاعل الإيجاد
يخرج لك عكس ما بدا لحسّك، فالأمّ عيسى والابن الذي هو الكتاب العندي أو القرآن مريم
عليها السلام فافهم، وكذلك الروح ازدوج مع النفس بواسطة العقل فصارت النفس محل
الإيجاد حسّاً، والروح ما أتاها إلاَّ من النفس فالنفس الأب، فهذه النفس هو الكتاب المرقوم
النفوذ الخط، فظهر في الابن ما خط القلم في الأمّ وهو القرآن الخارج على عالم الشهادة،
والأمّ أيضاً عبارة عن وجود المثل محل الأسرار، فهو الرق المنشور الذي أودع فيه الكتاب
المسطور المودعة فيه تلك الأسرار الإلهية، فالكتاب هنا أعلى من الفاتحة إذ الفاتحة دليل
الكتاب ومدلوها، وشرف الدليل بحسب ما يدل عليه، أرأيت لو كان مفتاحاً لضدّ الكتاب
المعلوم إن لو فرض له ضد حقر الدليل لحقارة المدلول، ولهذا أشار النبي # أن لا يسافر
بالمصحف إلى أرض العدو لدلالة تلك الحروف على كلام الله تعالى، إذ قد سمّاها الحق
كلام الله والحروف الذي فيه أمثالها وأمثال الكلمات إذا لم يقصد بها الدلالة على كلام الله
يسافر بها إلى أرض العدو ويدخل بها مواضع النجاسات وأشباهها والكشف وهي السبع
المثاني والقرآن العظيم الصفات ظهرت في الوجود في واحد وواحد فحضرة تفرد وحضرة
تجمع، فمن البسملة إلى الدين إفراد، وكذلك من اهدنا إلى الضالين.
وقوله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة: الآية ٥] تشمل قال الله تعالى:
((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل)) فلك
السؤال ومنه العطاء، كما أن له السؤال بالأمر والنهي ولك الامتثال. ((يقول العبد: ﴿اَلْحَمْدُ
لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ يقول الله: حمدني عبدي: يقول العبد: ﴿الََّنِ الرَّحَيَةِ﴾ يقول الله:
أثنى عليّ عبدي. يقول العبد: ﴿ملِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يقول الله: مجدني عبدي. ومرة قال:
فوّض إليّ عبدي هذا إفراد إلهي. وفي رواية يقول العبد: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيَـ
يقول الله: ذكرني عبدي. ثم قال: يقول العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يقول الله:
هذه بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فما هي العطاء وإياك في الموضعين ملحق بالإفراد
الإلهي. يقول العبد: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمُ صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ
عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ﴾ فهؤلاء لعبدي)) - هذا هو الإفراد العبدي المألوه - ((ولعبدي ما سأل))
سألَ مألوه مّا إلهاً فلم تبق إلاَّ حضرتان فصح المثاني فظهرت في الحق وجوداً وفي العبد
الكلي إيجاداً فوصف نفسه بها ولا موجود سواه في العماء، ثم وصف بها عبده حين استخلفه
ولذلك خرّوا له ساجدين لتمكن الصورة، ووقع الفرق من موضع القدمين إلى يوم القيامة

١٧٣
في المعارف / الباب الخامس في معرفة أسرار بسم الله الرحمن الرحيم والفاتحة ... الخ
والقرآن العظيم الجمع والوجود وهو إفراده عنك وجمعك به وليس سوى قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وحسب والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
واقعة: أرسل رسول الله وَر عثمان رضي الله عنه إليّ آمراً بالكلام في المنام بعدما
وقعت شفاعتي على جماعتي ونجا الكل من أسر الهلاك وقرب المنبر الأسنى وصعدت عليه
عن الإذن العالي المحمدي الأسمى بالاقتصار على لفظة الحمد لله خاصة ونزل التأييد
ورسول الله ◌َ﴾ عن يمين المنبر قاعد فقال العبد بعدما أنشد وحمد وأثنى وبسمل: حقيقة
الحمد هي العبد المقدس المنزّه لله إشارة إلى الذات الأزلية وهو مقام انفصال وجود العبد من
وجود الإله ثم غيبه عن وجوده بوجوده الأزلي وأوصله به فقال الله فاللام الداخلة على قوله الله
الخافضة له هي حقيقة المألوه في باب التواضع والذلة وهي من حروف المعاني لا من حروف
الهجاء، ثم قدمها سبحانه على اسم نفسه تشريفاً لها وتهمماً وتنزيهاً لمعرفتها بنفسها وتصديقاً
لتقديم النبيّ وَّ إياها في قوله: ((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) فقدم معرفة النفس على معرفة
الرب، ثم عملت في الاسم الله لتحقيق الاتصال وتمكينها من المقام، ولما كانت في مقام
الوصلة ربما توهّم أن الحمد غير اللام فخفض العبد اتباعاً لحركة اللام فقرىء الحمد لله
بخفض الدال فكان لفظة الحمد بدلاً من اللام بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة، فالحمد
هو وجود اللام واللام هي الحمد، فإذا كانا شيئاً واحداً كان الحمد في مقام الوصلة مع الله
لأنه عين اللام، فكان معنى كما كانت اللام لفظاً ومعنى، ثم حقيقة الخفض فيها إثبات
العبودية، ثم أحياناً يفنيها عن نفسها فناء كلياً ليرفعها إلى المقام الأعلى في الأوّلية، ثم يبقي
حقيقتها في الآخرية فيقول: الحمد لله برفع اللام اتباعاً لحركة الدال، وهذا مما يؤيد أن الحمد
اللام وهو المعبر عنه بالرداء والثوب إذا كان هو محل الصفات وافتراق الجمع، فغاية معرفة
العباد أن تصل إليه إن وصلت والحق وراء ذلك كله أو قل ومع ذلك كله، فلما رفعها بالفناء عنها
ابتداء أراد أن يعرفها مع فنائها أنها ما برحت من مقامها فجعلها عاملة وجعل رفعها عارضاً في
حق الحق، فأبقى الهاء مكسورة تدل على وجود اللام في مقام خفض العبودة، ولهذا شدت
اللام الوسطى بلفظة لا أي ذات الحق ليست ذات العبد وإنما هي حقيقة المثل لتجلي الصورة،
ثم الهاء تعود على اللام لما هي معمولها، فلو كانت الهاء كناية عن ذات الحق لم تعمل فيها اللام
بل هو العامل في كل شيء، فإذا كانت اللام هي نفس الحمد والهاء معمول اللام فالهاء هي اللام
وقد كانت اللام هي الحمد فالهاء الحمد بلا مزيد، وقد قلنا إنّ اللام المشددة لنفي الجمع
المتحد موضع الفصل، فخرج من مضمون هذا الكلام أن الحمد هو قوله لله، وأن قوله لله هو
قوله الحمد، فغاية العبد أن حمد نفسه الذي رأى في المرآة إذ لا طاقة للمحدث على حمل
القديم فأحدث المثل على الصورة وصار الموحد مرآة، فلما تجلت صورة المثل في مرآة الذات
قال لها حين أبصرت الذات فعطست فميزت نفسها احمدي من رأيت فحمدت نفسها فقالت :
الحمد لله، فقال لها: يرحمك ربك يا آدم لهذا خلقتك فسبقت رحمته غضبه، ولهذا قال عقيب
قوله: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة الفاتحة: الآية ٢ -٣] فقدم الرحمة، ثم

١٧٤
في المعارف/ الباب الخامس في معرفة أسرار بسم الله الرحمن الرحيم والفاتحة ... الخ
قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة الفاتحة: الآية ٧] فأخّر غضبه فسبقت الرحمة الغضب في أول
افتتاح الوجود فسبقت الرحمة إلى آدم قبل العقوبة على أكل الشجرة ثم رحم بعد ذلك فجاءت
رحمتان بينهما غضب فتطلب الرحمتان أن تمتزجا لأنهما مثلان فانضمت هذه إلى هذه فانعدم
الغضب بينهما كما قال بعضهم في يسرين بينهما عسر: [الهزج]
ـرُ فِكُزْ فِي أَلَمْ نَشْرَخْ
إذا ضاقَ عليك الأمــ
إذا ذُكْرْتَهُ فافرَخْ
فعُسْرٌ بين يُسْرينِ
فالرحمة عبارة عن الموجود الأول المعبر عنه بالمطلوب، والمغضوب عليهم النفس
الأمّارة، والضالون عالم التركيب ما دامت هي مغضوبة عليها، إذ الباري منزه عن أن ينزّه إذ لا
غير ولا موجود إلاَّ هو، ولهذا أشار وَل﴿ بقوله: ((الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ أَخِيهِ)) لوجود الصورة على
كمالها، إذ هي محل المعرفة وهي الموصلة، ولو أوجده على غير تلك الصورة لكان جماداً،
فالحمد لله الذي منَّ على العارفين به الواقفين معه بموادّ العناية أزلاً وأبداً.
تنبيه: اللام تفني الرسم كما أن الباء تبقيه، ولهذا قال أبو العباس بن العريف: العلماء
لي والعارفون بي؛ فأثبت المقام الأعلى للام فإنه قال في كلامه والعارفون بالهمم، ثم قال في
حق اللام والحق وراء ذلك كله، ثم زاد تنبيهاً على ذلك ولم يقنع بهذا وحده فقال: والهمم
للوصول والهمة للعارفين البائيين، وقال في العلماء اللاميين: وإنما يتبين الحق عند اضمحلال
الرسم وهذا هو مقام اللام فناء الرسم، فالحمد لله أعلى من الحمد بالله، فإن الحمد بالله
يبقيك والحمد لله يفنيك، فإذا قال العالم الحمد لله أي لا حامد لله إلاَّ هو فأحرى أن لا
يكون ثم محمود سواه، وتقول العامة الحمد لله أي لا محمود إلاَّ الله وهي الحامدة فاشتركا
في صورة اللفظ، فالعلماء أفنت الحامدين المخلوقين والمحمودين، والعامة أفنت المحمودين
من الخلق خاصة، وأمّا العارفون فلا يتمكن لهم أن يقولوا الحمد لله إلاَّ مثل العامة وإنما
مقامهم الحمد بالله لبقاء نفوسهم عندهم فتحقق هذا الفصل فإنه من لباب المعرفة .
وصل - في قوله ﴿رب العالمين الرحمن الرحيم﴾ :
أثبت بقوله عندنا وفي قلوبنا رب العالمين حضرة الربوبية، وهذا مقام العارف ورسوخ
قدم النفس وهو موضع الصفة، فإن قولنا لله ذاتية المشهد عالية المحتد، ثم أتبعه بقوله رب
العالمين أي مربيهم ومغذيهم، والعالمين عبارة عن كل ما سوى الله، والتربية تنقسم قسمين :
تربية بواسطة وبغير واسطة، فأمّا الكلمة فلا يتصوّر واسطة في حقّه البتة، وأمّا من دونه فلا بدّ
من الواسطة، ثم تنقسم التربية قسمين: التي بالواسطة خاصة قسم محمود وقسم مذموم، ومن
القديم تعالى إلى النفس والنفس داخلة في الحد ما ثم إلاَّ محدود خاصة، وأمّا المذموم
والمحمود فمن النفس إلى عالم الحسّ فكانت النفس محلاً قابلاً لوجود التغيير والتطهير،
فنقول: إن الله تعالى لما أوجد الكلمة المعبّر عنها بالروح الكلي إيجاد إبداع أوجدها في مقام
الجهل ومحل السلب أي أعماه عن رؤية نفسه فبقي لا يعرف من أين صدر ولا كيف صدر،
وكان الغذاء فيه الذي هو سبب حياته وبقائه وهو لا يعلم، فحرّك الله همّته لطلب ما عنده وهو

١٧٥
في المعارف / الباب الخامس في معرفة أسرار بسم الله الرحمن الرحيم والفاتحة ... الخ
لا يدري أنه عنده فأخذ في الرحلة بهمّته فأشهده الحق تعالى ذاته فسكن وعرف أن الذي طلب
لم يزل موصوفاً، قال إبراهيم بن مسعود الألبيري: [السريع]
والسببُ المطلوبُ في الرَّاحلِ
قد يرحلُ المرءُ لمطلوبِهِ
وعلم ما أودع الله فيه من الأسرار والحكم وتحقق عنده حدوثه وعرف ذاته معرفة
إحاطية، فكانت تلك المعرفة له غذاء معيناً يتقوّت به وتدوم حياته إلى غير نهاية، فقال له عند
ذلك التجلّي الأقدس: ما اسمي عندك؟ فقال: أنت ربي، فلم يعرفه إلاَّ في حضرة الربوبية،
وتفرد القديم بالألوهية فإنه لا يعرفه إلاَّ هو فقال له سبحانه: أنت مربوبي وأنا ربك أعطيتك
أسمائي وصفاتي، فمن رآك رآني، ومن أطاعك أطاعني، ومن علمك علمني، ومن جهلك
جهلني، فغاية من دونك أن يتوصلوا إلى معرفة نفوسهم منك، وغاية معرفتهم بك العلم
بوجودك لا بكيفيتك، كذلك أنت معي لا تتعدّى معرفة نفسك ولا ترى غيرك ولا يحصل لك
العلم بي إلاَّ من حيث الوجود، ولو أحطت علماً بي لكنت أنت أنا ولكنت محاطاً لك وكانت
أنيتي أنيتك وليست أنيتك أنيتي، فأمدك بالأسرار الإلهية وأربيك بها فتجدها مجعولة فيك
فتعرفها، وقد حجبتك عن معرفة كيفية إمدادي لك بها إذ لا طاقة لك بحمل مشاهدتها، إذ لو
عرفتها لا تحدث الأنية واتحاد الأنية محال، فمشاهدتك لذلك محال، هل ترجع أنية المركب
أنية البسيط لا سبيل إلى قلب الحقائق، فاعلم أن من دونك في حكم التبعية لك كما أنت في
حكم التبعية لي، فأنت ثوبي وأنت ردائي وأنت غطائي .
فقال له الروح: ربي سمعتك تذكر أن لي ملكاً فأين هو؟ فاستخرج له النفس منه وهي
المفعول عن الانبعاث فقال هذا بعضي وأنا كله، كما أنا منك ولست مني، قال صدقت يا
روحي، قال بك نطقت يا ربي إنك ربيتني وحجبت عني سرّ الإمداد والتربية وانفردت أنت به
فاجعل إمدادي محجوباً عن هذا الملك حتى يجهلني كما جهلتك، فخلق في النفس صفة
القبول والافتقار، ووزر العقل إلى الروح المقدس.
ثم أطلع الروح على النفس فقال لها من أنا؟ قالت: ربي بك حياتي وبك بقائي، فتاه
الروح بملكه وقام فيه مقام ربه فيه وتخيل أن ذلك هو نفس الإمداد فأراد الحق أن يعرفه أن
الأمر على خلاف ما تخيل وأنه لو أعطاه سرّ الإمداد كما سأل لما انفردت الألوهية عنه بشيء
ولا تحدت الأنية، فلما أراد ذلك خلق الهوى في مقابلته وخلق الشهوة في مقابلة العقل
ووزرها للهوى وجعل في النفس صورة القبول لجميع الواردات عموماً، فحصلت النفس بين
ربين قويين لهما وزيران عظيمان، وما زال هذا يناديها وهذا يناديها والكل من عند الله قال
تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِندِ الَّهِ﴾ [سورة النساء: الآية ٧٨] وكلاًّ نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك،
ولهذا كانت النفس محل التغيير والتطهير.
قال تعالى: ﴿فَأَمَهَا لُوْرَهَا وَتَقْوَنهَا﴾ [سورة الشمس: الآية ٨] في أثر قوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا
سَوَّنَهَا﴾ [سورة الشمس: الآية ٧] فإن أجابت منادي الهوى كان التغيير، وإن أجابت منادي الروح
كان التطهير شرعاً وتوحيداً، فلما رأى الروح ينادي ولا يسمع مجيباً فقال ما منع ملكي من

١٧٦
في المعارف / الباب الخامس في معرفة أسرار بسم الله الرحمن الرحيم والفاتحة ... الخ
إجابتي؟ قال له الوزير: في مقابلتك ملك مطاع عظيم السلطان يسمّى الهوى عطيته معجلة له
الدنيا بحذافيرها فبسط لها حضرته ودعاها فأجابته فرجع الروح بالشكوى إلى الله تعالى فثبتت
عبوديته وذلك كان المراد وتنزلت الأرباب والمربوبون كل واحد على حسب مقامه وقدره،
فعالم الشهادة المنفصل ربهم عالم الخطاب، وعالم الشهادة المتصل ربهم عالم الجبروت،
وعالم الجبروت ربهم عالم الملكوت، وعالم الملكوت ربهم الكلمة، والكلمة ربها رب الكل
الواحد الصمد، وقد أشبعنا القول في هذا الفصل في كتابنا المسمّى بالتدبيرات الإلهية في
إصلاح المملكة الإنسانية، فأضربنا عن تتميم هذا الفصل هنا مخافة التطويل، وكذلك ذكرناه
أيضاً في تفسير القرآن، فسبحان من تفرد بتربية عباده وحجب من حجب منهم بالوسائط،
وخرج من هذا الفصل لمن عرف روحه ومعناه أن الرب هو الله سبحانه وأن العالمين هو المثل
الكليّ، ولذلك أوجده في العالمين على ثمانية أحرف عرشاً واستوى عليه باللطف والتربية
والحنان والرحمة الرحمانية المؤكدة بالرحيمية لتميز الدار الحيوان لقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ﴾ فعم بالرحمان وخصّ بالرحيم، فالرحمان في عالمه بالوسائط وغيرها، والرحيم
في كلماته بلا واسطة لوجود الاختصاص وشرف العناية ، فافهم وإلا سلم تسلم.
ـل - في قوله تعالى: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدّينِ﴾.
يريد يوم الجزاء وحضرة الملك من مقام التفرقة وهي جمع فإنه لا تقع التفرقة إلاَّ في
الجمع قال: ﴿فِهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [سورة الدخان: الآية ٤] فهي مقام الجمع وقد قبلت
سلطان التفرقة فهي مقام التفرقة، فافترق الجمع إلى أمر ونهي، خطاباً وسخط ورضى، إرادة
وطاعة وعصيان فعل مألوه، ووعد ووعيد فعل إله، والملك في هذا اليوم من حقّت له
الشفاعة واختصّ بها ولم يقل نفسي وقال أمتي، والملك في وجودنا المطلوب للقيامة المعجلة
التي تظهر في طريق التصوّف هو الروح القدسيّ، ويوم القيامة وقت إيجاده الجزاء أو طولب
به إن كانت عقوبة لا بدّ من ذلك، فإن كانت الطاعة فجنات من نخيل وأعناب، وإن كانت
المعصية الكفرانية فجهنم من أغلال وعذاب، ومن مقام الدعوى في الصورتين فنفرض الكلام
في هذه الآية على حد الملك وما ينبغي له، وهل ترتقي النفس من يوم الدين إلى الفناء عنه
فأقول: إن الملك من صحّ له الملك بطريق الملك وسجد له الملك وهو الروح فلما نازعه
الهوى واستعان بالنفس عليه عزم الروح على قتل الهوى واستعدّ فلما برز الروح بجنود
التوحيد والملأ الأعلى وبرز الهوى وكذلك بجنود الأماني والغرور والملأ الأسفل قال الروح
للهوى: مني إليك فإن ظفرت بك فالقوم لي وإن ظفرت أنت وهزمتني فالملك لك ولا يهلك
القوم بيننا، برز الروح والهوى فقتله الروح بسيف العدم وظفر بالنفس بعد إباية منها وجهد
كبير فأسلمت تحت سيفه فسلمت وأسلمت وتطهرت وتقدست وآمنت الحواس لإيمانها
ودخلوا في رق الانقياد وأذعنوا وسلبت عنهم أردية الدعاوى الفاسدة واتحدت كلمتهم وصار
الروح والنفس کالشيء الواحد وصحّ له اسم الملك حقيقة فقال له ملك يوم الدين فردّه إلى
مقامه ونقله من افتراق الشرع إلى جمع التوحيد والملك على الحقيقة هو الحق تعالى المالك

١٧٧
في المعارف / الباب الخامس في معرفة أسرار بسم الله الرحمن الرحيم والفاتحة ... الخ
للكل ومصرّفه وهو الشفيع لنفسه عامة وخاصة، خاصة في الدنيا وعامة في الآخرة من وجه ما
ولذلك قدم على قوله: ﴿ملِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ لتأنس أفئدة المحجوبين
عن رؤية رب العالمين ألا تراه يقول يوم الدين شفعت الملائكة والنبيون وشفع المؤمنون وبقي
أرحم الراحمين، ولم يقل وبقي الجبار ولا القهار ليقع التأنيس قبل إيجاد الفعل في قلوبهم،
فمن عرف المعنى في هذا الوجود صحّ له الاختصاص في مقام أرحم، ومن جهلها في هذا
الوجود دخل في العامة في الحشر الأكبر فتجلى في مقام الراحمين، فعاد الفرق جمعاً والفتق
رتقاً والشفع وتراً بشفاعة أرحم الراحمين من جهنم ظاهر السور إلى جنة باطنة، فإذا وقع
الجدار وانهدم السور وامتزجت الأنهار والتقت البحران وعدم البرزخ صار العذاب نعيماً
وجهنم جنة، فلا عذاب ولا عقاب إلاَّ نعيم وأمان بمشاهدة العيان، وترنّم أطيار بألحان، على
المقاصير والأفنان، ولثم الحور والولدان، وعدم مالك وبقي رضوان، وصارت جهنم تتنعمٍ
في حظائر الجنان، واتضحّ سرّ إبليس فيهم فإذا هو ومن سجد له سيان، فإنهما ما تصرّفا إلا
عن قضاء سابق وقدر لاحق، لا محيص لهما عنه فلا بدّ لهما منه، وحاج آدم موسى.
وصل: في قوله جل ثنائه وتقدس: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .
لما ثبت وجوده بالحمد لله، وغذاؤه برب العالمين، واصطفاؤه بالرحمن الرحيم،
وتمجيده بملك يوم الدين، أراد تأكيد تكرار الشكر والثناء رغبة في المزيد فقال: ﴿إِيَّاكَ
نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وهذا مقام الشكر أي لك نقرّ بالعبودية ونؤوي وحدك لا شريك لك
وإليك نؤوي في الاستعانة لا إلى غيرك على من أنزلتهم مني منزلتي منك، فأنا أمدّهم بك لا
بنفسي، فأنت الممد لا أنا، وأثبت له بهذه الآية نفي الشريك، فالياء من إياك العبد الكليّ قد
انحصرت ما بين ألفين ألفي توحيد حتى لا يكون لها موضع دعوى برؤية غير فأحاط بها
التوحيد، والكاف ضمير الحق فالكاف والألفان شيء واحد فهم مدلول الذات، ثم كان نعبد
صفة فعل الياء بالضمير الذي فيه، والعبد فعل الحق فلم يبق في الوجود إلاَّ الحضرة الإلهية
خاصة، غير أنه في قوله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ في حق نفسه للإبداع الأوّل حيث لا يتصوّر غيره،
﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ في حق غيره للخلق المشتق منه وهو محل سرّ الخلافة، ففي ﴿وَإِيَّاكَ
نَسْتَعِينُ﴾ سجدت الملائكة وأبى من استكبر.
وصلٍ: في قولهِ تعالى: ﴿أَهْدِنَا الْصِرَطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ
الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّآلّينَ﴾ .
فلما قال له: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال له: وما عبادتي؟ قال: ثبوت
التوحيد في الجمع والتفرقة، فلما استقرّ عند النفس أنّ النجاة في التوحيد الذي هو الصراط
المستقيم وهو شهود الذات بفنائها أو بقائها إن غفلت قالت: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾
فتعرض لها بقولها المستقيم صراطان معوج وهو صراط الدعوى ومستقيم وهو التوحيد، فلم
يكن لها ميز بين الصراطين إلاَّ بحسب السالكين عليهما، فرأت ربّها سالكاً للمستقيم فعرفته
به، ونظرت نفسها فوجدت بينها وبين ربّها الذي هو الروح مقاربة في اللطافة، ونظرت إلى
الفتوحات المكية ج١ - م١٢

١٧٨
في المعارف / الباب الخامس في معرفة أسرار بسم الله الرحمن الرحيم والفاتحة ... الخ
المعوج عند عالم التركيب فذلك قولها ﴿صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وهذا عالمها
المتصل بها المركب مغضوب عليه والمنفصل عنها ضالون عنها بنظرهم إلى المتصل
المغضوب عليه فوقفت على رأس الصراطين ورأت غاية المعوج الهلاك وغاية المستقيم
النجاة، وعلمت أن عالمها يتبعها حيث سلكت، فلما أرادت السلوك على المستقيم وأن
تعتكف في حضرة ربّها وأن ذلك لها ومن نفسها بقولها إياك نعبد عجزت وقصرِ بها فطلبت
الاستعانة بقولها ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فنبهها ربّها على اهدنا فتقيظت فقالت ﴿أَهْدِنَا﴾ فوصفت
ما رأت بقولها ﴿الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ الذيِ هِو معرفة ذاتكِ، قال صاحب المواقف: لا تأثير
للعلم وقال أنت لها هلكت فيه ﴿صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وقرىء في الشاذ صراط من
أنعم عليه إشارة إلى الروح القدسيّ وتفسير الكل من أنعم الله عليه من رسول ونبي ﴿غيّرِ
الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ليس كذلك ﴿ وَلَ الضَّالِينَ﴾ يقول تعالى: فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل،
فأجابها وأقام معوجها وأوضح صراطها ورفع بساطها يقول ربها أثر تمام دعائها آمين فحصلت
الإجابة بالأمن تأمين الملائكة وصار تأمين الروح تابعاً له اتباع الأجناد بل أطوع لكون الإرادة
متحدة وصحّ لها النطق فسمّاها النفس الناطقة وهي عرش الروح والعقل صورة الاستواء،
فافهم وإلاَّ فسلم تسلم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
فصول تأنيس وقواعد تأسيس: نظر الجمال بعين الوصال.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنَذَرْتَهُمْ أَمْ لَهْ نُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اَللَّهُ عَلَى
قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَىَّ أَبْصَرِهِمْ غِشَوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة البقرة: الآية ٦ - ٧] إيجاز البيان
فيه يا محمد إن الذين كفروا ستروا محبتهم فيّ عنهم فسواء عليهم أأنذرتهم بوعيدك الذي
أرسلتك به أم لم تنذرهم لا يؤمنون بكلامك فإنهم لا يعقلون غيري، وأنت تنذرهم بخلقي وهم
ما عقلوه ولا شاهدوه، وكيف يؤمنون بك وقد ختمت على قلوبهم فلم أجعل فيها متسعاً
لغيري، وعلى سمعهم فلا يسمعون كلاماً في العالم إلاَّ مني، وعلى أبصارهم غشاوة من بهائي
عند مشاهدتي فلا يبصرون سواي، ولهم عذاب عظيم عندي أردّهم بعد هذا المشهد السنيّ إلى
إنذارك وأحجبهم عني كما فعلت بك بعد قاب قوسين أو أدنى قرباً أنزلتك إلى من يكذبك ويرد
ما جئت به إليه مني في وجهك وتسمع فيّ ما يضيق له صدرك، فأين ذلك الشرح الذي شاهدته
في إسرائك فهكذا أمنائي على خلقي الذين أخفيتهم رضاي عنهم فلا أسخط عليهم أبداً.
بسط ما أوجزناه في هذا الباب:
انظر كيف أخفى سبحانه أولياءه في صفة أعدائه وذلك لما أبدع الأمناء من اسمه
اللطيف وتجلى لهم في اسمه الجميل فأحبّوه تعالى والغيرة من صفات المحبة في
المحبوب، والمحب بوجهين مختلفين فستروا محبته غيرة منهم عليه كالشبلى وأمثاله،
وسترهم بهذه الغيرة عن أن يعرفوا فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي ستروا ما بدا
لهم في مشاهدتهم من أسرار الوصلة فقال لا بدّ أن أحجبكم عن ذاتي بصفاتي فتأهبوا
لذلك فما استعدوا فأنذرتهم على ألسنة أنبيائي الرسل في ذلك العالم فما عرفوا لأنهم في

١٧٩
في المعارف / الباب الخامس في معرفة أسرار بسم الله الرحمن الرحيم والفاتحة ... الخ
عين الجمع وخاطبهم من عين التفرقة وهم ما عرفوا عالم التفصيل فلم يستعدوا وكان
الحب قد استولى على قلوبهم سلطانه غيرة من الحق عليهم في ذلك الوقت، فأخبر
نبيه وَ ◌ّه روحاً وقرآناً بالسبب الذي أصمهم عن إجابة ما دعاهم إليه فقال: ﴿خَتَّمَ اَللَّهُ عَلَ
قُلُوبِهِمْ﴾ فلم يسعها غيره ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ فلا يسمعون سوى كلامه على ألسنة العالم
فيشهدونه في العالم متكلماً بلغاتهم ﴿وَعَلَ أَبْصَرِهِمْ غِشَوَةٌ﴾ من سناه إذ هو النور وبهائه إذ
له الجلال والهيبة، يريد الصفة التي تجلّى لهم فيها المتقدمة، فأبقاهم غرقى في بحور
اللذات بمشاهدة الذات فقال لهم: لا بدّ لكم من عذاب عظيم، فما فهموا ما العذاب
لاتحاد الصفة عندهم فأوجد لهم عالم الكون والفساد، وحينئذ علمهم جميع الأسماء وأنزلهم
على العرش الرحمانيّ وفيه عذابهم وقد كانوا مخبوئين عنده في خزائن غيوبه، فلما أبصرتهم
الملائكة خرّت سجوداً لهم فعلموهم الأسماء، فأمّا أبو يزيد فلم يستطع الاستواء ولا أطاق
العذاب فصعق من حينه فقال تعالى ردّوا عليّ حبيبي فإنه لا صبر له عني، فحجب بالشوق
والمخاطبة وبقي الكفار فنزلوا من العرش إلى الكرسيّ فبدت لهم القدمان فنزلوا عليهما في
الثلث الباقي من ليلة هذه النشأة الجسمية إلى سماء الدنيا النفسيّ، فخاطبوا أهل الثقل الذين
لا يقدرون على العروج هل من داع فيستجاب له؟ هل من تائب فيتاب عليه؟ هل من مستغفر
فيغفر له؟ حتى ينصدع الفجر، فإذ انصدع ظهر الروح العقلي النوري فرجعوا من حيث
جاؤوا، وقال بَّهَ: ((مَنْ كَانَ مُوَاصِلاَ فَلْيُواصِلْ حَتَى السَّحَرِ فَذَلِكَ أَوَانُ بُعْثِرَ مَا فِي القُبُورِ))
فكل عبد لم يحذر مكر الله فهو مخدوع فافهم.
فصل: ﴿وَ مِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِلَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ فِي قُلُوبِهِم تَرَضُِّ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَّأْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيٌِّ
بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ [سورة البقرة: الآيات ٨ -١٠].
أبدع الله المبدعات وتجلّى بلسان الأحدية في الربوبية فقال: ألست بربكم؟ والمخاطب
في غاية الصفاء فقال بلى فكان كمثل الصدا فإنهم أجابوه به، فإن الوجود المحدث خيال
منصوب وهذا الإشهاد كان إشهاد رحمة لأنه ما قال لهم وحدي إبقاءً عليهم لما علم من أنهمٍ
يشركون به بما فيهم من الحظ الطبيعي، وبما فيهم من قبول الاقتدار الإلهيّ وما يعلمه إلاّ
قليل، فلما برزت صور العالم من العلم الأزليّ إلى العين الأبديّ من وراء ستارة الغيرة والعزّة
بعدما أسرج السرج وأنار بيت الوجود وبقي هو في ظلمة الغيوب، فشوهدت الصور متحركة
ناطقة بلغات مختلفات والصور تنبعث من الظلمة، فإذا انقضى زمانها عادت إلى الظلمة
وهكذا حتى السحر، فأراد الفطن أن يقف على حقيقة ما شاهده بصره فإن للحسّ أغاليط
فقرب من الستارة فرأى نطقها غيباً فيها فعلم أنّ ثم سرّاً عجيباً فوقف عليه من نفسه فعرفه
وعرف الرسول وما جاء به من وظائف التكليف.
فأوّل وظيفة كلمة التوحيد فأقرّ الكل بها فما جحد أحد الصانع، واختلفت عباراتهم
عليه فابتلاهم بأن خاطبهم بلسان الشرك شهادة الرسول فوقع الإنكار باختصاص الجنس فتفرق

١٨٠
في المعارف / الباب الخامس في معرفة أسرار بسم الله الرحمن الرحيم والفاتحة ... الخ
أهل الإنكار على طريقين: فمنهم من نظر في الظواهر فلم ير تفضيلاً في شيء ظاهر فأنكر.
ومنهم من نظر باطناً عقلاً فرأى الاشتراك في المعقولات ونسي الاختصاص فأنكر فأرسله
بالسيف فقذف في قلوبهم الرعب من الموت وداخلهم الشك على قدر نظرهم، فمنهم من
استمر على نفي كلمة الإشراك قطعاً فذلك كافر، ومنهم من استمر عليها مشاهدة فذلك عالم
بالله، ومنهم من استمر على ثبتها نظراً فذلك عارف بالله، ومنهم من استمر على ثبتها اعتقاداً
فتلك العامة، ومنهم من خاف القتل فلفظ ولم يعتقد فنادى عليه لسان الحق فقال ﴿وَمِنَ النَّاسِ
مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِ﴾ ظاهراً ﴿وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ باطناً ﴿يُخَدِعُونَ اَللَّهَ﴾ بلزومِ
الدعوى وبجهلهم القائم بهم بأن الله لا يعلم وإني أردّ أعمالهم عليهم ﴿وَمَا يَشْعُونَ﴾ اليوم
بذلك ﴿فِي قُلُوبِهِم تَرَضٌ﴾ شك مما جاءهم به رسولي ﴿فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضَا﴾ شكاً وحجاباً
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يوم القيامة وهم فيه ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٠] مما حققنا
لديهم ولم تسبق لهم عناية في اللوح القاضي.
وصل: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا نُفْسِدُواْ فِىِ الْأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ
وَلَكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١١ - ١٢].
لما أكمل الوجود بثمانية برز في ميدان التنعم فارس الدعوى فلم يكن في جيش ﴿وَمِنَ
النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا﴾ [سورة البقرة: الآية ٨] من يبرز إليه فملك الكل وصبوا إليه وإلى دينه باطناً
فعوقبوا بطلب الإقرار وإلاَّ قتلوا فأقرّوا لفظاً فحصل لهم العذاب الأليم دنيا وآخرة ﴿وَإِذَا قِيلَ
لَهُمْ لَا نُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ﴾ أرض الأشباح قالوا من خيالهم: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [سورة البقرة:
الآية ١١] فقال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ عندنا وعندهم إذ لم يستمتعوا بها على ما
يريدون ﴿ وَلَكِن لَّا يَشْعُونَ﴾ باتحاد الأشياء ولو شعروا ما آمنوا ولا كفروا.
وصل: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ
الشُّفَهَاءُ وَلَكِن لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٣].
وذلك أنهم لما انتظموا في سلك الأغيار أتاهم النداء أن يقفوا على منازل الشهداء
فسمعوا الخطاب في الأينية ﴿ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ النَّاسُ﴾ فحجبوا عن أخذ العهد بعهد الحسّ
والداعي الجنسيّ وأصمّهم ذلك وأعمى أبصارهم وأغطش ليل جهالتهم فقالوا: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَاً
ءَامَنَ الشُّفَهَّةُ﴾ لما عدل بهم عن طريق التقديس ووقفوا مع الهوى قال الله لنا: ﴿أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ
السُّفَهَاءُ﴾ الأحلام لما ملكتهم الأهواء وحجبوا عن الالتذاذ بسماع وقع الرذاذ على الأفلاذ
بالطور ﴿وَلَكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾ ليتميز العالي ممن هو دونه، وإلاَّ فأية فائدة لقوله لشيء إذا أراده أن
﴿يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ذلك الشيء إلاَّ إيجاد الأشياء على أحسن قانون، فسبحان من انفرد
بالإيجاد والاختراع والإتقان والإبداع.
وصل في دعوى المدعين: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوَاَ ءَامَنَا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُوّاً
إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٤].