النص المفهرس
صفحات 121-140
في المعارف / الباب الثاني في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها من الأسماء الحسنى ... ١٢١ من أصل الكلمة مثل قوله: الأعراف والأدبار والأبصار والأقلام، كما لا يستوي لام ألف لام التوكيد والألف الأصلية مثل قوله تعالى ﴿وَلَ وْضَعُواْ﴾ [سورة التوبة: الآية ٤٧] و﴿وَلأُتِمَّ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥٠] فتحقق ما ذكرناه لك، وأقم ألفك من رقدتها، وحلّ لامك من عقدتها، وفي عقد اللامِ بالألف سرّ لا يظهر، ولا أقدر على بسط العبارة في مقامات لام ألف كما وردت في القرآن إلاَّ لو كان السامع يسمعه مني كما يسمعه من الذي أنزل عليه لو عبر عنه، ومع هذا فالغرض في هذا الكتاب الإيجاز، وقد طال الباب واتسع الكلام فيه على طريق الإجمال لكثرة المراتب وكثرة الحروف، ولم نذكر في هذا الباب معرفة المناسبة التي بين الحروف حتى يصحّ اتصال بعضها مع بعض، ولا ذكرنا اجتماع حرفين معاً إلاَّ لام ألف خاصة من جهة ما، وهذا الباب يتضمن ثلاثة آلاف مسألة وخمسمائة مسألة وأربعين مسألة على عدد الاتصالات بوجه مّا لكل اتصال علم يخصّه، وتحت كل مسألة من هذه المسائل مسائل تتشعب كثيرة، فإن كل حرف يصطحب مع جميع الحروف كلها من جهة رفعه ونصبه وخفضه وسكونه وذاته وحروف العلة الثلاثة، فمن أراد أن يتشفى منها فليطالع تفسير القرآن الذي سميناه الجمع والتفصيل، وسنوفي الغرض في هذه الحروف إن شاء الله في كتاب المبادي والغايات لنا وهو بين أيدينا، فلتكف هذه الإشارة في لام ألف، والحمد لله المفضل. معرفة ألف اللام آل: [نظم: الرمل] ولإحياء العظام النَّخِرات ألفُ اللام لعرفان الذوات بمحيَّاها وما تُبْقي شَتَاتْ تنظم الشَّمْل إذا ما ظهرتْ حالُ تعظيمٍ وجودِ الحَضَرَاتْ وتَفي بالعهد صدقاً ولها اعلم أن لام ألف بعد حلّها ونقض شكلها وإبراز أسرارها وفنائها عن اسمها ورسمها تظهر في حضرة الجنس والعهد والتعريف والتعظيم، وذلك لما كان الألف حظ الحق، واللام حظ الإنسان، صار الألف واللام للجنس، فإذا ذكرت الألف واللام ذكرت جميع الكون ومكوّنه، فإن فنيت عن الحق بالخليفة وذكرت الألف واللام كان الألف واللام الحق والخلق، وهذا هو الجنس عندنا، فقائمة اللام للحق تعالى، ونصف دائرة اللام المحسوس الذي يبقى بعدما يأخذ الألف قائمته هو شكل النون للخلق، ونصف الدائرة الروحاني الغائب للملكوت، والألف التي تبرز قطر الدائرة للأمر وهو كن، وهذه كلها أنواع وفصول للجنس الأعم الذي ما فوقه جنس، وهو حقيقة الحقائق التائهة القديمة في القديم لا في ذاتها، والمحدثة في المحدث لا في ذاتها، وهي بالنظر إليها لا موجودة ولا معدومة، وإذا لم تكن موجودة لا تتصف بالقدم ولا بالحدوث، كما سيأتي ذكرها في الباب السادس من هذا الكتاب، ولها ما شاكلها من جهة قبولها للصور لا من جهة قبولها للحدوث والقدم، فإن الذي يشبهها موجود، وكل موجود إما محدث وهو الخلق، وإما محدث اسم فاعل وهو الخالق، ولما كانت تقبل القدم والحدوث كان الحق يتجلى لعباده على ما شاءه من صفاته، ولهذا السبب ينكره قوم في ١٢٢ في المعارف/ الباب الثاني في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها من الأسماء الحسنى ... الدار الآخرة لأنه تعالى تجلى لهم في غير الصورة والصفة التي عرفوها منه، وقد تقدم طرف منه في الباب الأول من هذا الكتاب، فيتجلى للعارفين على قلوبهم وعلى ذواتهم في الآخرة عموماً، فهذا وجه من وجوه الشبه. وعلى التحقيق الذي لا خفاء به عندنا أن حقائقها هي المتجلية للصنفين في الدارين لمن عقل أو فهم من الله تعالى المرئيّ في الدنيا بالقلوب والأبصار، مع أنه سبحانه منبىء عن عجز العباد عن درك كنهه فقال: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَِّ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٠٣] لطيف بعباده بتجليه لهم على قدر طاقتهم، خبير بضعفهم عن حمل تجليه الأقدس على ما تعطيه الألوهة، إذ لا طاقة للمحدث على حمل جمال القديم، كما لا طاقة للأنهار بحمل البحار، فإن البحار تفني أعيانها سواء وردت عليه أو ورد عليها أعني البحر لا يبقي لها أثراً يشهد ولا يميز، فاعرف ما ذكرناه وتحقق. وأعلى ما يشبهها من المحدثات الهباء الذي خلق فيه صور العالم ثم النور أنزل منه في الشبه بها، فإن النور صوره في الهباء كما أن الهباء صوره فيها، وأنزل شبهاً من النور بها الهواء، وأنزل منه الماء، وأنزل منه المعادن، وأنزل منه الخشب وأمثاله إلى أن تنتهي إلى شيء لا يقبل إلاَّ صورة واحدة إن وجدته فتفهم هذا حتى يأتي بابه من هذا الكتاب إن شاء الله . فهذه الحقيقة التائهة التي تتضمن الحقائق التائهات هي الجنس الأعم التي تستحق الألف واللام الحمل عليه بذاتها، وكذلك عهدهما بجريان حقيقتيهما على علم ما وقع فيه العهد بين الموجودين، فعلى أيّ موجودين دخلتا لأمر كان بينهما من جهة كل واحد منهما بالنظر إلى أمر ثالث كانتا لعهد ذلك الأمر الثالث الذي يعرفانه وعلى حقيقتهما الألف لأخذ العهد واللام لمن أخذ عليه، وكذلك تعريفهما وتخصيصهما إنما يخصصان شيئاً من جنسه على التعيين ليحصلا العلم به عند من يريد المخبر أن يعلمه إياه، فعلى أيّ حالة كان المخصص والمخصص، والشيء الذي بسببه ظهرت هاتان الحقيقتان انقلبتا في صورة حقائقهما وهذا هو الاشتراك الذاتي، فإن كان الاشتراك في الصفة ونريد أن نميز الأعظم منهما للمخاطب فتكونا عند ذلك للتعظيم في الوصف الذي تدخل، فالألف واللام يقبلان كل صورة وحقيقة لأنهما موجودان جامعان لجميع الحقائق، فأيّ شيء برز أبرزا له الحقيقة التي عندهما منه فقابلاه بها، فدلالتهما على الشيء لذاتهما لا أنهما اكتسبا من الشيء الذي دخلتا عليه، ومثل ذلك أهلك الناس الدينار والدرهم، رأيت الرجل أمس، أحببت الرجال دون النساء، هويت السمان، ويكفي هذا القدر فقد طال الباب. انتهى الجزء السادس والحمد لله. (الجزء السابع) بِسْمِ أَلَّهِ الرََّنِ الرَّحَمَةِ بيان بعض الأسباب أعني تفسير الألفاظ التي ذكرت في الحروف من بسائط ومراتب وتقدیس وإفراد وتر کیب وأنس ووحشة وغير ذلك. في المعارف / الباب الثاني في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها من الأسماء الحسنى ... ١٢٣ فاعلم أوَّلاً أن هذه الحروف لما كانت مثل العالم المكلف الإنسانيّ المشاركة له في الخطاب لا في التكليف دون غيره من العالم لقبولها جميع الحقائق كالإنسان وسائر العالم ليس كذلك، فمنهم القطب كما منا وهو الألف، ومقام القطب منا الحياة القيومية، هذا هو المقام الخاص به فإنه سار بهمته في جميع العالم، كذلك الألف من كل وجه من وجه روحانيته التي ندركها نحن ولا يدركها غيرنا، ومن حيث سريانه نفساً من أقصى المخارج الذي هو منبعث النفس إلى آخر المنافس ويمتدّ في الهواء الخارج وأنت ساكت وهو الذي يسمّى الصدى، فتلك قيومية الألف لا أنه واقف، ومن حيث رقمه فإن جميع الحروف تنحل إليه وتتركب منه، ولا ينحل هو إليها كما ينحل هو أيضاً إلى روحانيته وهي النقطة تقديراً، وإن كان الواحد لا ينحل فقد عرفناك ما لأجله كان الألف قطباً، وهكذا تعمل فيما نذكره لك بعد هذا إن أردت أن تعرف حقيقته. (والإمامان) الواو والياء المعتلتان اللذان هما حرفا المد واللين لا الصحيحتان. (والأوتاد) أربعة: الألف والواو والياء والنون الذين هم علامات الإعراب. (والأبدال) سبعة: الألف والواو والياء والنون وتاء الضمير و کافه وهاؤه، فالألف ألف رجلان، والواو واو العمرون، والياء ياء العمرين، والنون نون يفعلون، وسر النسبة بيننا وبينهم في مرتبة الأبدال كما بيّنا في القطب أن التاء إذا غابت من قمت تركت بدلها فقال المتكلم: قام زيد فنابت بنفسها مناب الحروف التي هي اسم هذا الشخص المخبر عنه، ولو كان الاسم مركباً من ألف حرف ناب الضمير مناب تلك الحروف لقوّة حروف الضمائر وتمكنها واتساع فلكها، فلو سميت رجلاً: يا دار مية بالعلياء فالسند . فقد نابت التاء أو الكاف أو الهاء مناب جملة هذه الحروف في الدلالة وتركته بدلها أو جاءت بدلاً منها كيفما شئت، وإنما صحّ لها هذا لكونها تعلم ذلك ولا يعلمه من هي بدل منه أو هو بدل عنها، فلهذا استحقت هي وأخواتها مقام الأبدال، ومدرك من أين علم هذا موقوف على الكشف فابحث عليه بالخلوة والذكر والهمة، وإياك أن تتوهم تكرار هذه الحروف في المقامات إنها شيء واحد له وجوه إنما هي مثل الأشخاص الإنسانية، فليس زيد بن علي هو عين أخيه زيد بن علي الثاني وإن كانا قد اشتركا في البنوّة والإنسانية ووالدهما واحد، ولكن بالضرورة نعلم أن الأخ الواحد ليس عين الأخ الثاني، فكما يفرّق البصر بينهما والعلم كذلك يفرّق العلم بينهما في الحروف عند أهل الكشف من جهة الكشف، وعند النازلين عن هذه الدرجة من جهة المقام التي هي بدل عن حروفه . ويزيد صاحب الكشف على العالم من جهة المقام بأمر آخر لا يعرفه صاحب علم المقام المذكور، وهو مثلاً قلت إذا كرّرته بدلاً من اسم بعينه فتقول لشخص بعينه قلت كذا وقلت كذا فالتاء عند صاحب الكشف التي في قلت الأوّل غير التاء التي في قلت الثاني لأن عين المخاطب تتجدّد في كل نفس ﴿بَّ هُمْ فِ لَبٍْ مِّنْ خَلْقِ جَدِيدٍ﴾ [سورة ق: الآية ١٥] فهذا شأن الحق في العالم مع أحدية الجوهر، وكذلك الحركة الروحانية التي عنها أوجد الحق تعالى ١٢٤ في المعارف/ الباب الثاني في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها من الأسماء الحسنى ... التاء الأولى غير الحركة التي أوجد عنها التاء الأخرى بالغاً ما بلغت فيختلف معناها بالضرورة، فصاحب علم المقام يتفطن لاختلاف علم المعنى ولا يتفطن لاختلاف التاء أو أيّ حرف ضميراً كان أو غير ضمير، فإنه صاحب رقم ولفظ لا غير، كما تقول الأشاعرة في الأعراض سواء، فالناس مجمعون معهم على ذلك في الحركة خاصة، ولا يصلون إلى علم ذلك في غير الحركة، فلهذا أنكروه ولم يقولوا به ونسبوا القائل بذلك إلى الهوس وإنكار الحس، وحجبوا عن إدراك ضعف عقولهم وفساد محلّ نظرهم وقصورهم عن التصرّف في المعاني، فلو حصل لهم الأول عن كشف حقيقيّ من معدنه لانسحبت تلك الحقيقة على جميع الأعراض حكماً عاماً لا يختص بعرض دون عرض، وإن اختلفت أجناس الأعراض فلا بدّ من حقيقة جامعة وحقيقة فاصلة، وهكذا هذه المسألة التي ذكرناها في حق من قال بما قلناه فيها ومن أنكره، فليس المطلوب عند المحققين الصور المحسوسة لفظاً ورقماً، وإنما المطلوب المعاني التي تضمنها هذا الرقم أو هذا اللفظ، وحقيقة اللفظة والمرقوم عينها، فإن الناظر في الصور إنما هو روحانيّ، فلا يقدر أن يخرج عن جنسه، فلا تحجب بأن ترى الميت لا يطلب الخبز لعدم السرّ الروحانيّ منه ويطلبه الحيّ لوجود الروح فيه فتقول نراه يطلب غير جنسه . فاعلم أن في الخبز والماء وجميع المطاعم والمشارب والملابس والمجالس أرواحاً لطيفة غريبة هي سرّ حياته وعلمه وتسبيحه ربّه وعلوّ منزلته في حضرة مشاهدة خالقه، وتلك الأرواح أمانة عند هذه الصور المحسوسة يؤدّونها إلى هذا الروح المودع في الشبح، ألا ترى إلى بعضهم كيف يوصل أمانته إليه الذي هو سرّ الحياة، فإذا أدّى إليه أمانته خرج إما من الطريق الذي دخل منه فيسمّى قيئاً وقلساً، وإما من طريق آخر فيسمّى عذرة وبولاً، فما أعطاه الاسم الأوّل إلاَّ السرّ الذي أدّاه إلى الروح، وبقي باسم آخر يطلبه من أجله صاحب الخضروات والمدبرين أسباب الاستحالات، هكذا يتقلب في أطوار الوجود، فيعرى ويكتسي ويدور بدور الأكرة كالدولاب إلى أن يشاء الله العليم الحكيم، فالروح معذور في تعشّقه بهذه المحسوسات فإنه عاين مطلوبه فيها فهي في منزل محبوبه: [الوافر] أقبل ذا الجدار وذا الجدارا أمرُّ على الديار ديارٍ سلمى ولكنْ حبُّ من سَكَنَ الديارا وما حبُّ الديار مَضَى بقلبي وقال أبو إسحاق الزوالي رحمه الله: [البسيط] لله درك ما تحويه يا دارُ يا دارُ إنَّ غزالاً فيك تيَّمني إذن رأيتُ بناءَ الدار يَنْهارُ لو كنت أُشكو إليها حبَّ ساكنها فافهموا فهمنا الله وإياكم سرائر كلمه، وأطلعنا وإياكم على خفيّات غيوب حكمه. أما قولنا الذي ذكرناه بعد كل حرف فأريد أن أبيّنه لكم حتى تعرفوا منه ما لا ينفركم عما لا تعلمون، فأقل درجات الطريق التسليم فيما لا تعلمه، وأعلاه القطع بصدقه، وما عدا هذين المقامين فحرمان، كما أن المتصف بهذين المقامين سعيد. قال أبو يزيد البسطاميّ لأبي في المعارف / الباب الثاني في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها من الأسماء الحسنى ... ١٢٥ موسى: يا أبا موسى إذا لقيت مؤمناً بكلام أهل هذه الطريقة قل له يدعو لك فإنه مجاب الدعوة. وقال رويم: من قعد مع الصوفية وخالفهم في شيء مما يتحققون به نزع الله نور الإيمان من قلبه . شرح: فمن ذلك قولنا حرف كذا باسمه كما سقته هو من عالم الغيب، فاعلم أن العالم على بعض تقاسيمه على قسمين بالنظر إلى حقيقة ما معلومة عندنا. قسم يسمّى عالم الغيب: وهو كل ما غاب عن الحسّ، ولم تجر العادة بأن يدرك الحس له وهو من الحروف: السين والصاد والكاف والخاء المعجمة والتاء باثنتين من فوق والفاء والشين والهاء والثاء بالثلاث والحاء، وهذه حروف الرحمة والألطاف والرأفة والحنان والسكينة والوقار والنزول والتواضع، وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْثُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ اُلْجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلَامًا﴾ [سورة الفرقان: الآية ٦٣] وفيهم نزل أيضاً على الرقيقة المحمدية التي تمتد إليهم منه من كونه أوتي جوامع الكلم أتى إليهم بها رسولهم فقال تعالى: ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٣٤] وفيهم: ﴿وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ٦٠] وفيهم: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَاِهِمْ خَشِعُونَ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ٢] وفيهم: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلَّحْمَنِ﴾ [سورة طه: الآية ١٠٨] وهذا القبيل من الحروف هو أيضاً الذي نقول فيه إنه من اللطف لما ذكرناه، فهذا من جملة المعاني التي نطلق عليه منه عالم الغيب واللطف. والقسم الآخر يسمّى عالم الشهادة والقهر: وهو كل عالم من عالمي الحروف جرت العادة عندهم أن يدركوه بحواسهم وهو ما بقي من الحروف، وفيهم قوله تعالى: ﴿فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [سورة الحجر: الآية ٩٤] وقوله تعالى: ﴿وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة التوبة: الآية ٧٣] وقوله: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٦٤] فهذا عالم الملك والسلطان والقهر والشدّة والجهاد والمصادمة والمقارعة. ومن روحانية هذه الحروف يكون لصاحب الوحي الغت والغط وصلصلة الجرس ورشح الجبين، ولهم: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّيِّلُ﴾ [سورة المزمل: الآية ١] و﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّفِرُ﴾ [سورة المدثر: الآية ١] كما أنه في حروف عالم الغيب نزل به الروح الأمين على قلبك ﴿لَا تُحُرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [سورة القيامة: الآية ١٦] و﴿ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَنْ يُقْضَىَ إِلَيْكَ وَحْيُهُمْ﴾ [سورة طه: الآية ١١٤] ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [سورة طُه: الآية ١١٤]. وأما قولنا والملك والجبروت أو الملكوت فقد تقدّم ذكره في أول هذا الباب عند قولنا ذكر مراتب الحروف. وأما قولنا مخرجه كذا فمعلوم عند القرّاء، وفائدته عندنا أن تعرف أفلاكه، فإن الفلك الذي جعله الله سبباً لوجود حرف مّا ليس هو الفلك الذي وجد عنه حرف غيره، وإن توحّد الفلك فليست الدورة واحدة بالنظر إلى تقدير مّا تفرضه أنت في شيء تقتضي حقيقته ذلك الفرض، ويكون في الفلك أمر يتميز عندك عن نفس الفلك تجعله علامة في موضع الفرض وترصده، فإذا عادت العلامة إلى حدّ الفرض الأوّل فقد انتهت الدورة وابتدأت أخرى، قال عليه السلام: ((إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَھَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَهُ اللَّهُ» وسيأتي بیان هذا الحديث في الباب الحادي عشر من هذا الكتاب. وأما قولنا عدده كذا وكذا أو كذا دون كذا ١٢٦ في المعارف/ الباب الثاني في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها من الأسماء الحسنى ... فهو الذي يسميه بعض الناس الجزم الكبير والجزم الصغير، وقد يسمونه الجمل عوضاً من الجزم، وله سرّ عجيب في أفلاك الدراري وفي أفلاك البروج وأسماؤها معلومة عند الناس، فيجعلون الجزم الكبير لفلك البروج، ويطرحون ما اجتمع من العدد ثمانية وعشرين ثمانية وعشرين، والجزم الصغير لأفلاك الدراري وطرح عدده تسعة تسعة بطريقة ليس هذا الكتاب موضعها وعلم ليس هو مطلوبنا، وفائدة الأعداد عندنا في طريقنا الذي تكمل به سعادتنا أن المحقق والمريد إذا أخذ حرفاً من هذه أضاف الجزم الصغير إلى الجزم الكبير، مثل أن يضيف إلى القاف الذي هو مائة بالكبير وواحد بالصغير، فيجعل أبداً عدد الجزم الصغير وهو من واحد إلى تسعة فيردّه إلى ذاته، فإن كان واحداً الذي هو حرف الألف بالجزمين والقاف والشين والياء عندنا وعند غيرنا بدل الشين الغين المعجمة بالجزم الصغير فيجعل ذلك الواحد لطيفته المطلوبة منه بأتيّ جزم کان. فإن كان الألف حتى إلى الطاء التي هي بسائط الأعداد فهي مشتركة بين الكبير والصغير في الجزمين، فمن حيث كونها للجزم الصغير ردّها إليك، ومن حيث كونها للجزم الكبير ردّها إلى الواردات المطلوبة لك، فتطلب في الألف التي هي الواحد ياء العشرة وقاف المائة وشين الألف أو غينه على الخلاف، وتمّت مراتب العدد، وانتهى المحيط، ورجع الدور على بدئه، فليس إلاَّ أربع نقط: شرق وغرب واستواء وحضيض، أربعة أرباع والأربعة عدد محيط لأنها مجموع البسائط، كما أن هذه العقد مجموع المركبات العددية. وإن كان اثنان الذي هو الباء بالجزمين والكاف والراء بالجزم الصغير جعلت الباء منك حالك وقابلت بها عالم الغيب والشهادة فوقفت على أسرارها من كونها غيباً وشهادة لا غير، وهي الذات والصفات في الإلهيات، والعلة والمعلول في الطبيعيات لا في العقليات، والشرط والمشروط في العقليات والشرعيات لا في الطبيعيات لكن في الإلهيات. وإن كان ثلاثة الذي هو الجيم بالجزمين واللام والسين المهملة عند قوم والشين المعجمة عند قوم بالجزم الصغير جعلت الجيم منك عالمك، وقابلت به عالم الملك من كونه ملكاً، وعالم الجبروت من كونه جبروتاً، وعالم الملكوت من كونه ملكوتاً، وبما في الجيم من العدد الصغير يبرز منك وبما فيه، وفي اللام والسين أو الشين من العدد الكبير تبرز وجوه من المطلوب ﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٦٠] والله يضاعف لمن يشاء على حسب الاستعداد، وأقل درجاته الذي يشمل العامة العشر المذكور، والتضعيف موقوف على الاستعداد، وفيه تفاضل رجال الأعمال وكل عالم في طريقه على ذلك، وليس غرضنا في هذا الكتاب ما يعطي الله الحروف من الحقائق إذا تحققت بحقائقها، وإنما غرضنا أن نسوق ما يعطي الله لمنشئها لفظاً أو خطاً إذا تحقق بحقائق هذه الحروف وكوشف على أسرارها فاعلموا ذلك. وإن كان أربعة الذي هو الدال بالجزمين والميم والتاء بالصغير جعلت الدال منك قواعدك وقابلت بها الذات والصفات والأفعال والروابط، وبما في الدال من العدد بالصغير في المعارف/ الباب الثاني في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها من الأسماء الحسنى ... ١٢٧ يبرز عن أسرار قبولك وبما فيه، وفي الميم والتاء بالكبير تبرز وجوه من المطلوب المقابل والكمال فيها والأكمل بحسب الاستعداد. وإن كان خمسة الذي هو الهاء بالجزمين والنون والثاء بالصغير جعلت الهاء منك مملكتك في مواطن الحروف ومقارعة الأبطال وقابلت بها الأرواح الخمسة: الحيوانيّ، والخياليّ، والفكريّ، والعقليّ، والقدسيّ. وبما في الهاء من الصغير تبرز من أسرار قبولك وبما فيه، وفي النون والثاء من الكبير تبرز وجوه من المطلوب المقابل والكامل والأكمل أثر حاصل عن الاستعداد. وإن كان ستة الذي هو الواو بالجزمين والصاد أو السين على الخلاف والخاء بالصغير جعلت الواو منك جهاتك المعلومة وقابلت بها نفيها عن الحق بوجه وإثباتها بوجه وهو علم الصورة، وبما في الواو من أسرار القبول بارز بالصغير وبما فيه، وفي الصاد أو السين والخاء بالكبير تبرز وجوه من المطلوب المقابل، وفي هذا التجلي يعلم المكاشف أسرار الاستواء ﴿مَا يَكُنُ مِن تَجْوَ ثَلَاثَةٍ﴾ [سورة المجادلة: الآية ٧] ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُمْ﴾ [سورة الحديد: الآية ٤] ﴿وَهُوَ اَلَّذِى فِ السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِ الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [سورة الزخرف: الآية ٨٤] وكل آية أو خبر تثبت له جل وعلا الجهة والتحديد والمقدار والكمال والأكمل فيه على قدر الاستعداد والتأهّب. وإن كان سبعة وهو الزاي بالجزمين والعين والذال بالصغير جعلت الذي منك صفاتك وقابلت بها صفاته، وبما في الزاي من الصغير يبرز من أسرار قبولك وبما فيه وفي العين والذال من الكبير تبرز وجوه من المطلوب المقابل، وفي هذا التجلي يعلم المكاشف أسرار المسبعات كلها حيث وقعت، والكمال والأكمل فيه على قدر الاستعداد والتأهّب. وإن كان ثمانية الذي هو الحاء بالجزمين والفاء في قول والصاد في قول والضاد في قول والظاء في قول جعلت الحاء منك ذاتك بما فيها وقابلت بها الحضرة الإلهية مقابلة الصورة صورة المرآة، وبما في الحاء من الصغير يبرز من أسرار قبولك، وبما فيه وفي الفاء والظاء أو الضاد من الكبير تبرز وجوه من المطلوب المقابل، وفي هذا التجلي يعلم المكاشف أسرار أبواب الجنة الثمانية وفتحها لمن شاء الله هنا، وكل حضرة مثمنة في الوجود والكمال والأكمل بحسب الاستعداد . وإن كان تسعة وهو الطاء بالجزمين والضاد أو الصاد في قول وفي المئين الظاء أو الغين في قول بالجزم الصغير جعلت الطاء منك مراتبك في الوجود التي أنت عليها في وقت نظرك في هذا التجلي وقابلت بها مراتب الحضرة وهو الأبد لها ولك وبما في الطاء من الصغير يبرز من أسرار القبول وبما فيه وفي الضاد أو الصاد والغين أو الظاء من الكبير تبرز وجوه من المطلوب المقابل، وفي هذا التجلي يعلم المكاشف أسرار المنازل والمقامات الروحانية وأسرار الأحدية والكامل والأكمل على حسب الاستعداد، فهذا وجه من الوجوه التي سقنا عدد الحرف من أجله فاعمل عليه، وإن كان ثم وجوه أخر فليتك لو عملت على هذا وهو المفتاح الأوّل، ومن هنا تنفتح لك أسرار الأعداد وأرواحها ومنازلها، فإنّ العدد سرّ من أسرار ١٢٨ في المعارف/ الباب الثاني في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها من الأسماء الحسنى ... الله في الوجود ظهر في الحضرة الإلهية بالقوّة فقال ◌َله: ((إِنَّ اللَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً مِائَةً إِلاَّ وَاحِداً مَنْ أَخْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ». وقال: ((إِنَّ اللَّهِ سَبْعِينَ أَلْفَ حِجَابٍ)) إلى غير ذلك، وظهر في العالم بالفعل وانسحبت معه القوّة فهو في العالم بالقوّة والفعل، وغرضنا إن مدّ الله في العمر وتراخى الأجل أن نضع في خواص العدد موضوعاً لم نسبق إليه في علمي نبدي فيه من أسرار الأعداد ما تعطيه حقائقه في الحضرة الإلهية، وفي العالم والروابط ما تغتبط به الأسرار وتنال به السعادة في دار القرار. وأمّا قولنا بسائطه فلسنا نريد بسائط شكل الحرف مثلاً الذي هو ص، وإنما نريد بسائط اللفظ الذي هو الكلمة الدالة عليه وهو الاسم أو التسمية وهو قولك صاد فبسائط هذه اللفظة نريد، وأمّا بسائط الشكل فليس له بسائط من الحروف ولكن له النقص والتمام والزيادة مثل الراء والزاي نصف النون والواو نصف القاف والكاف أربعة أخماس الطاء وأربعة أسداس الظاء والدال خمسي الطاء والياء ذالان واللام يزيد على الألف بالنون وعلى النون بالألف وشبه هذا. وأما بسائط أشكال الحروف، إنما ذلك من النقط خاصة، فعلى قدر نقطه بسائطه، وعلى قدر مرتبة الحرف في العالم من جهة ذاته أو من نعت هو عليه في الحال علوّ منازل نقطه وأفلاكها ونزولها، فالأفلاك التي عنها وجدت بسائط ذلك الحرف المذكور باجتماعها وحركاتها كلها وجد اللفظ به عندنا، وتلك الأفلاك تقطع في فلك أقصى على حسب اتساعها. وأما قولنا فلكه وسني حركة فلكه فنريد به الفلك الذي عنه وجد العضو الذي فيه مخرجه، فإن الرأس من الإنسان أوجده الله تعالى عند حركة مخصوصة من فلك مخصوص من أفلاك مخصوصة، والعنق عن الفلك الذي يلي هذا الفلك المذكور، والصدر عن الفلك الرابع من هذا الفلك الأول المذكور، فكل ما يوجد في الرأس من المعاني والأرواح والأسرار والحروف والعروق، وكل ما في الرأس من هيئة ومعنى عن ذلك الفلك ودورته اثنتا عشرة ألف سنة ودورة فلك العنق وما فيه من هيئة ومعنى، والحروف الحلقية من جملتها إحدى عشرة ألف سنة، ودورة فلك الصدر على حكم ما ذكرناه تسع آلاف سنة وطبعه وعنصره وما يوجد عنه راجع إلى حقيقة ذلك الفلك. وأما قولنا يتميز في طبقة كذا فاعلموا أن عالم الحروف على طبقات بالنسبة إلى الحضرة الإلهية والقرب منها مثلنا وتعرف ذلك فيهم بما أذكره لك، وذلك أن الحضرة الإلهية التي للحروف عندنا في الشاهد إنما هي في عالم الرقم خط المصحف وفي الكلام التلاوة وإن كانت سارية في الكلام كله تلاوة أو غيرها فهذا ليس هو عشك أن تعرف أن كل لافظ بلفظة إلى الآباد أنه قرآن ولكنه في الوجود بمنزلة حكم الإباحة في شرعنا، وفتح هذا الباب يؤدّي إلى تطويل عظيم فإن مجاله رحب، فعدلنا إلى أمر جزئيّ من وجه صغر فلكه المرقوم وهو المكتوب والملفوظ به خاصة . واعلم أن الأمور عندنا من باب الكشف إذا ظهر منها في الوجود ما ظهر أن الأول أشرف من الثاني وهكذا على التتابع حتى إلى النصف، ومن النصف يقع التفاضل مثل الأول في المعارف/ الباب الثاني في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها من الأسماء الحسنى ... ١٢٩ حتى إلى الآخر، والآخر والأول أشرف ما ظهر، ثم يتفاضلان على حسب ما وضعا له وعلى حسب المقام، فالأشرف منها أبداً يقدم في الموضع الأشرف، وتبيين هذا أنّ ليلة خمسة عشر في الشرف بمنزلة ليلة ثلاثة عشر وهكذا حتى إلى ليلة طلوع الهلال من أول الشهر وطلوعه من آخر الشهر، وليلة المحاق المطلق ليلة الإبدار المطلق فافهم، فنظرنا كيف ترتب مقام رقم القرآن عندنا؟ وبماذا بدئت به السور من الحروف وبماذا ختمت؟ وبماذا اختصت السور المجهولة في العلم النظريّ المعلومة بالعلم اللدنيّ من الحروف؟ ونظرنا إلى تكرار بسم الله الرحمن الرحيم، ونظرنا في الحروف التي لم تختص بالبداية ولا بالختام، ولا ببسم الله الرحمن الرحيم، وطلبنا من الله تعالى أن يعلمنا بهذا الاختصاص الإلهيّ الذي حصل لهذه الحروف هل هو اختصاص اعتنائيّ من غير شيء كاختصاص الأنبياء بالنبوّة والأشياء الأول كلها، أو هو اختصاص نالته من طريق الاكتساب؟ فكشف لنا عن ذلك كشف إلهام فرأيناه على الوجهين معاً في حق قوم عناية وفي حق قوم جزاء لما كان منهم في أول الوضع والكل لنا ولهم وللعالم عناية من الله تعالى، فلما وقفنا على ذلك جعلنا الحروف التي لم تثبت أولاً ولا آخراً على مراتب الأولية كما نذكره عامة الحروف ليس لها من هذا الاختصاص القرآنيّ حظ وهم: الجيم والضاد والخاء والذال والغين والشين، وجعلنا الطبقة الأولى من الخواص حروف السور المجهولة وهم: الألف واللام والميم والصاد والراء والكاف والهاء والياء والعين والطاء والسين والحاء والقاف والنون، وأعني بهذا صورة اشتراكهم في اللفظ والرقم، فاشتراكها في الرقم اشتراكها في الصورة والاشتراك اللفظيّ إطلاق اسم واحد عليها مثل زيد وزيد آخر فقد اشتركا في الصورة والاسم. وأمّا المقرّر عندنا والمعلوم أن الصاد من المص ومن كهيعص ومن ص ليس كل واحد منهن عين الآخر منهن، ويختلف باختلاف أحكام السورة وأحوالها ومنازلها، وهكذا جميع هذه الحروف على هذه المرتبة وهذه تعمها لفظاً وخطاً . وأما الطبقة الثانية من الخاصة وهم خاصة الخاصة فكل حرف وقع في أوّل سورة من القرآن مجهولة وغير مجهولة وهو حرف الألف والياء والباء والسين والكاف والطاء والقاف والتاء والواو والصاد والحاء والنون واللام والهاء والعين. وأما الطبقة الثالثة من الخواص وهم الخلاصة فهم الحروف الواقعة في أواخر السور مثل النون والميم والراء والباء والدال والزاي والألف والطاء والياء والواو والهاء والظاء والثاء واللام والفاء والسين. وإن كان الألف فيما يرى خطاً ولفظاً في ركزاً ولزاماً ومن اهتدى فما أعطانا الكشف إلاَّ الذي قبل ذلك الألف فوقفنا عنده وسميناه آخراً كما شهدنا هناك وأثبتنا الألف كما رأينا هنا ولكن في فصل آخر لا في هذا الفصل، فإنا لا نزيد في التقييد في هذه الفصول على ما نشاهده بل ربما نرغب في نقص شيء منها مخافة التطويل، فنسعف في ذلك من جهة الرقم واللفظ ونعطي لفظاً يعمّ تلك المعاني التي كثرت ألفاظها فنلقيه فلا يخلّ بشيء من الإلقاء ولا ننقص، ولا يظهر لذلك الطول الأول عين فينقضي المرغوب لله الحمد. الفتوحات المكية ج١ - م٩ ١٣٠ في المعارف/ الباب الثاني في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها من الأسماء الحسنى ... وأمّا الطبقة الرابعة من الخواص وهم صفاء الخلاصة وهم حروف بسم الله الرحمن الرحيم وما ذكرت إلاَّ حيث ذكرها رسول الله وَّر على حد ما ذكرها الله به بالوجهين من الوحي وهو وحي القرآن وهو الوحي الأول، فإنّ عندنا من طريق الكشف أن الفرقان حصل عند رسول الله ◌َّلل قرآناً مجملاً غير مفصل الآيات والسور ولهذا كان عليه السلام يعجل به حين كان ينزل عليه به جبريل عليه السلام بالفرقان فقيل له: ولا تعجل بالقرآن الذي عندك فتلقيه مجملاً فلا يفهم عنك من قبل أن يقضى إليك وحيه فرقاناً مفصلاً، وقل ربِّ زدني علماً بتفصيل ما أجملته فيّ من المعاني، وقد أشار من باب الأسرار فقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِ لَيْلَةٍ﴾ [سورة الدخان: الآية ٣] ولم يقل بعضه، ثم قال: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [سورة الدخان: الآية ٤] وهذا هو وحي الفرقان وهو الوجه الآخر من الوجهين، وسيأتي الكلام على بسم الله الرحمن الرحيم في بابه الذي أفردت له في هذا الكتاب. واعلموا أن بسملة سورة براءة هي التي في النمل فإن الحق تعالى إذا وهب شيئاً لم يرجع فيه ولا يردّه إلى العدم، فلما خرجت رحمة براءة وهي البسملة حكم التبريّ من أهلها برفع الرحمة عنهم فوقف الملك بها لا يدري أين يضعها لأن كل أمة من الأمم الإنسانية قد أخذت رحمتها بإيمانها بنبيها فقال: أعطوا هذه البسملة للبهائم التي آمنت بسليمان عليه السلام وهي لا يلزمها إيمان إلاَّ برسولها، فلما عرفت قدر سليمان وآمنت به أعطيت من الرحمة الإنسانية حظاً وهو بسم الله الرحمن الرحيم الذي سلب عن المشركين وفي هذه السورة الجساسة. وأما الطبقة الخامسة وهي عين صفاء الخلاصة فذلك حرف الباء فإنه الحرف المقدم لأنه أول البسملة في كل سورة والسورة التي لم يكن فيها بسملة ابتدئت بالباء فقال تعالى: ﴿بَرَآءَةٌ﴾ [سورة التوبة: الآية ١] قال لنا بعض الإسرائيليين من أحبارهم: ما لكم في التوحيد حظ لأن سور كتابكم بالباء، فأجبته: ولا أنتم فإن أول التوراة باء فأفحم، ولا يتمكن إلاَّ هذا فإن الألف لا يبتدأ بها أصلاً، فما وقع من هذه الحروف في مبادي السور قلنا فيه له بداية الطريق، وما وقع آخراً قلنا له غاية الطريق، وإن كان من العامة قلنا له وسط الطريق لأن القرآن هو الصراط المستقيم . وأمّا قولنا مرتبته الثانية حتى إلى السابعة فنريد بذلك بسائط هذه الحروف المشتركة في الأعداد، فالنون بسائطه اثنان في الألوهية، والميم بسائطه ثلاثة في الإنسان، والجيم والواو والكاف والقاف بسائطه أربعة في الجن، والذال والزاي والصاد والعين والضاد والسين والذال والغين والشين بسائطه خمسة في البهائم، والألف والهاء واللام بسائطه ستة في النبات، والباء والحاء والطاء والياء والفاء والراء والتاء والثاء والخاء والظاء بسائطه سبعة في الجماد. وأمّا قولنا حركته معوجة أو مستقيمة أو منكوسة أو ممتزجة أو أفقية فأريد بالمستقيمة كل حرف حرّك همتك إلى جانب الحق خاصة من جهة السلب إن كنت عالماً، ومن جهة ما يشهد إن كنت مشاهداً، والمنكوسة كل حرف حرّك الهمة إلى الكون وأسراره، والمعوجة وهي الأفقية كل حرف حرّك الهمة إلى تعلق المكوّن بالمكوّن، والممتزجة كل في المعارف/ الباب الثاني في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها من الأسماء الحسنى ... ١٣١ حرف حرّك الهمة إلى معرفة أمرين مما ذكرت لك فصاعداً وتظهر في الرقم في الألف والميم المعرق والحاء والنون وما أشبه هؤلاء. وأما قولنا له الأعراف والخلق والأحوال والكرامات أو الحقائق والمقامات والمنازلات فاعلموا أن الشيء لا يعرف إلاَّ بوجهه أي بحقيقته، فكل ما لا يعرف الشيء إلاَّ به فذلك وجهه، فنقط الحرف وجهه الذي يعرف به، والنقط على قسمين: نقط فوق الحرف ونقط تحته، فإذا لم يكن للشيء ما يعرف به عرف بنفسه مشاهدة وبضده نقلاً وهي الحروف اليابسة، فإذا دار الفلك أي فلك المعارف حدثت عنه الحروف المنقوطة من فوق، وإذا دار فلك الأعمال حدثت عنه الحروف المنقوطة من أسفل، وإذا دار فلك المشاهدة حدثت عنه الحروف اليابسة غير المنقوطة، ففلك المعارف يعطي الخلق والأحوال والكرامات، وفلك الأعمال يعطي الحقائق والمقامات والمنازلات، وفلك المشاهدة يعطي البراءة من هذا كله، قيل لأبي يزيد: كيف أصبحت؟ قال: لا صباح لي ولا مساء، إنما الصباح والمساء لمن تقيد بالصفة وأنا لا صفة لي، وهذا مقام الأعراف. وأما قولنا خالص أو ممتزج فالخالص الحرف الموجود عن عنصر واحد، والممتزج الموجود عن عنصرين فصاعداً. وأمّا قولنا كامل أو ناقص فالكامل هو الحرف الذي وجد عن تمام دورة فلكه، والناقص الذي وجد عن بعض دورة فلكه، وطرأت على الفلك علة أوقفته فنقص عمّا كان يعطيه كمال دورته كالدودة في عالم الحيوان التي ما عندها سوى حاسة اللمس فغذاؤها من لمسها كالواو مع القاف، والزاي مع النون. وأمّا قولنا يرفع من اتصل به نريد كل حرف إذا وقعت على سرّه ورزقت التحقق به والاتحاد تميزت في العالم العلويّ. وأمّا قولنا مقدس أي عن التعلق بغيره فلا يتصل في الخط بحرف آخر وتتصل الحروف به فهو منزّه الذات تمدّها ستة أفلاك عالية الأوج عنها وجدت الجهات هذه الستة الأحرف بحر عظيم لا يدرك قعره فلا يعرف حقيقتها إلاّ الله وهي مفاتح الغيب، وندرك من باب الكشف أثرها المنوط بها وهي: الألف والواو والدال والذال والراء والزاي. وأما قولنا مفرد ومثنى ومثلث ومربع ومؤنس وموحش فنريد بالمفرد إلى المربع ما نذكره وذلك أن من الأفلاك التي عنها توجد هذه الحروف ما له دورة واحدة فذلك قولنا مفرد ودورتان فذلك المثنى هكذا إلى المربع . وأما المؤنس والموحش فالدورة تأنس بأختها الشيء يألف شكله قال تعالى: ﴿لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا﴾ [سورة الروم: الآية ٢١] ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ قَوَدَّةُ وَرَحْمَةٌ﴾ [سورة الروم: الآية ٢١] فالعارف يألف الحال ويأنس به، نودي عليه السلام في ليلة إسرائه في استيحاشه بلغة أبي بكر فأنس بصوت أبي بكر. خلق رسول الله وَّ وأبو بكر من طينة واحدة فسبق محمد وَّل وصلَّى أبو بكر ﴿ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَاً﴾ [سورة التوبة: الآية ٤٠] فكان كلامهما كلامه سبحانه، فلم يعد المرتبة وعدي الخطاب إلى المرتبة الأخرى ١٣٢ في المعارف / الباب الثاني في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها من الأسماء الحسنى ... فقال كأنه مبتدىء وهو عاطف على هذا الكلام ﴿مَا يَكُونُ مِن تَجْوَ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَاِعُهُمْ﴾ [سورة المجادلة: الآية ٧] فأرسلها فمن الناس من قطعها ومنهم من وصلها، في هذا مقام الإثبات وبقاء الرسم وظهور العين وسلطان الحقائق وتمشية العدل من باب الفضل والطول والموحش محو لا محق صاحب علة ترتقي فتحقق ما ذكرناه . وأمّا قولنا له الذات والصفات والأفعال على حسب الوجوه فأيّ حرف له وجه واحد كان له من هذه الحضرات حضرة واحدة أي شيء واحد على حسب علوّه ونزوله وكذلك إذا تعدّدت الوجوه. وأما قولنا له من الحروف فإنما أعني الحقائق المتممة لذاته من جهة مّا. وأمّا قولنا له من الأسماء فنريد به الأسماء الإلهية التي هي الحقائق القديمة التي عنها ظهرت حقائق بسائط ذلك الحرف لا غير، ولها منافع كثيرة عالية الشأن عند العارفين إذا أرادوا التحقق بها حرّكوا الوجود من أوله إلى آخره، فهي لهم هنا خصوص وفي الآخرة عموم، بها يقول المؤمن في الجنة للشيء يريده كن فيكون. فهذه نبذ من معاني عالم الحروف قليلة على أوجز ما يمكن وأخصره، وفيها تنبيه لأصحاب الروائح والذوق. انتهى الجزء السابع والحمد لله . (الجزء الثامن) بِسْمِ أَلَّهِ الرَّغَنِ الرّحمةِ الفصل الثاني في معرفة الحركات التي تتميز بها الكلمات وهي الحروف الصغار: [نظم: الخفيف] أظهر الله مثلَها الكلماتِ حركاتُ الحروف ستُّ ومنها حركاتٌ للأحرف المُعْرَبَاتِ هي رفعٌ وَثُمَّ نصبٌ وخفضٌ حركاتٌ للأحرف الثابتاتِ وهي فتحْ وثم ضمِّ وكسرْ أو سكونْ يكون عن حَرَكَّاتِ وأصولُ الكلام حذفٌ فموتْ لحياةٍ غريبةٍ في مَوَاتِ هذه حالةُ العوالم فانظر اعلم أيّدنا الله وإياك بروح منه أنا كنا شرطنا أن نتكلم في الحركات في فصل الحروف لم أطلق عليها الحروف الصغار، ثم إنه رأينا أنه لا فائدة في امتزاج عالم الحركات بعالم الحروف إلاَّ بعد نظام الحروف وضم بعضها إلى بعض، فتكون كلمة عند ذلك من الكلم وانتظامها ينظر إلى قوله تعالى في خلقنا: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ, وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِى﴾ [سورة الحجر: الآية ٢٩] وهو ورود الحركات على هذه الحروف بعد تسويتها، فتقوم نشأة أخرى تسمى كلمة كما يسمى الشخص الواحد منا إنساناً، فكهذا انتشأ عالم الكلمات والألفاظ من عالم الحروف، فالحروف للكلمات موادّ كالماء والتراب والنار والهواء لإقامة نشأة أجسامنا، ثم نفخ الروح فيه في المعارف/ الباب الثاني في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها من الأسماء الحسنى ... ١٣٣ الأمريّ فكان إنساناً، كما قبلت الرياح عند استعدادها نفخ الروح الأمريّ فكان جاناً، كما قبلت الأنوار عند استعدادها نفخ الروح فكانت الملائكة، ومن الكلم ما يشبه الإنسان وهو أكثرها، ومنها ما يشبه الملائكة والجن وكلاهما جن وهو أقلها كالباء الخافضة واللام الخافضة والمؤكدة، وواو القسم وبائه وتائه، وواو العطف وفائه، والقاف من ق، والشين من ش، والعين من ع، إذا أمرت بها من الوقاية والوشي والوعي، وما عدا هذا الصنف المفرد فهو أشبه شيء بالإنسان، وإن كان المفرد يشبه باطن الإنسان فإنّ باطن الإنسان جان في الحقيقة، فلما كان عالم الحركات لا يوجد إلاّ بعد وجود الذوات المتحرّكة بها وهي الكلمات المنشآت من الحروف أخرنا الكلام عليها عن فصل الحروف إلى فصل الألفاظ. ولما كانت الكلمات التي أردنا أن نذكرها في هذا الباب عن جملة الألفاظ أردنا أن نتكلم في الألفاظ على الإطلاق وحصر عالمها ونسبة هذه الحركات منها بعدما نتكلم أولاً على الحركات على الإطلاق، ثم بعد ذلك نتكلم على الحركات المختصة بالكلمات التي هي حركات اللسان وعلاماتها التي هي حركات الخط، ثم بعد ذلك نتكلم على الكلمات التي توهم التشبيه كما ذكرناه، ولعلك تقول هذا العالم المفرد من الحروف الذي قبل الحركة دون تركيب كباء الخفض وشبهه من المفردات كنت تلحقه بالحروف لانفراده فإن هذا هو باب التركيب وهو الكلمات، قلنا ما نفخ في باء الخفض الروح وأمثاله من مفردات من الحروف أرواح الحركات ليقوموا بأنفسهم كما قام عالم الحروف وحده دون الحركات وإنما نفخ فيه الروح من أجل غيره فهو مركب، ولذلك لا يعطي ذلك حتى يضاف إلى غيره فيقال بالله وتالله ووالله لأعبدنّ، وسأعبد ﴿ اقْتِى لِرَبِّكِ وَأَسْجُدِى﴾ [سورة آل عمران: الآية ٤٣] وما أشبه ذلك، ولا معنی له إذا أفردته غیر معنی نفسه. وهذه الحقائق التي تكون عن التركيب توجد بوجوده وتعدم بعدمه، فإن الحيوان حقيقته لا توجد أبداً إلاَّ عند تألف حقائق مفردة معقولة في ذواتها وهي الجسمية والتغذية والحسّ، فإذا تألف الجسم والغذاء والحسّ ظهرت حقيقة الحيوان ليس هي الجسم وحده ولا الغذاء وحده ولا الحسّ وحده، فإذا أسقطت حقيقة الحسّ وألفت الجسم والغذاء قلت نبات حقيقة ليست الأولى. ولما كانت الحروف المفردة التي ذكرناها مؤثرة في هذا التركيب الآخر اللفظيّ الذي ركبناه لإبراز حقائق لا تعقل عند السامع إلاَّ بها لهذا شبهناها لكم للتوصل بالعالم الروحانيّ كالجنّ، ألا ترى الإنسان يتصرف بين أربع حقائق: حقيقة ذاتية، وحقيقة ربانية، وحقيقة شيطانية، وحقائق ملكية، وسيأتي ذكر هذه الحقائق مستوفى في باب المعرفة للخواطر من هذا الكتاب، وهذا في عالم الكلمات دخول حرف من هذه الحروف على عالم الكلمات فتحدث فيه ما تعطيه حقيقتها، فافهم هذا فهمنا الله وإياكم سرائر كلمه . نكتة وإشارة: قال رسول الله وَالَ: ((أُوتِيتُ جَوَامِعَ الكَلِم)) وقال تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ, أَلْقَنَهَا إِلَى مَرْيَمْ﴾ [سورة النساء: الآية ١٧١] وقال: ﴿ وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَتِ رَبِهَا وَكُتُبِهِ،﴾ [سورة التحريم: الآية ١٢] ويقال: قطع الأمير يد السارق، وضرب الأمير اللص، فمن ألقي عن أمره شيء فهو ١٣٤ في المعارف/ الباب الثاني في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها من الأسماء الحسنى ... ألقاه، فكان الملقي محمد عليه السلام ألقي عن الله كلمات العالم بأسره من غير استثناء شيء منه البتة، فمنه ما ألقاه بنفسه كأرواح الملائكة وأكثر العالم العلويّ، ومنه أيضاً ما ألقاه عن أمره فيحدث الشيء عن وسائط كبرّة الزراعة ما تصل إلى أن تجري في أعضائك روحاً مسبحاً وممجداً إلاَّ بعد أدوار كثيرة وانتقالات في عالم، وتنقلب في كل عالم من جنسه على شكل أشخاصه، فرجع الكل في ذلك إلى من أوتي جوامع الكلم، فنفخ الحقيقة الإسرافيلية من المحمدية المضافة إلى الحق نفخها كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنفَعُ فِ الصُّورِ﴾ [سورة النمل: الآية ٨٧] بالنون وقرىء بالياء وضمها وفتح الفاء، والنافخ إنما هو إسرافيل عليه السلام، والله قد أضاف النفخ إلى نفسه، فالنفخ من إسرافيل والقبول من الصور، وسرّ الحق بينهما هو المعنى بين النافخ والقابل كالرابط من الحروف بين الكلمتين، وذلك هو سرّ الفعل الأقدس الأنزه الذي لا يطلع عليه النافخ ولا القابل، فعلى النافخ أن ينفخ. وعلى النار أن تتقد والسراج أن ينطفىء، والاتقاد والانطفاء بالسرّ الإلهي فنفخ فيها فتكون طائراً بإذن الله. قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِ الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِ الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ اللّهُ ثُمَّ نُفِيخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنَظُرُونَ﴾ [سورة الزمر: الآية ٦٨] والنفخ واحد والنافخ واحد، والخلاف في المنفوخ فيه بحكم الاستعداد وقد خفي السرّ الإلهيّ بينهما في كل حالة، فتفطنوا يا إخواننا لهذا الأمر الإلهيّ واعلموا أن الله عزيز حكيم لا يتوصل أحد إلى معرفة كنه الألوهة أبداً، ولا ينبغي لها أن تدرك عزت وتعالت علوّاً كبيراً، فالعالم كله من أوله إلى آخره مقيد بعضه ببعضه، عابد بعضه بعضاً، معرفتهم منهم إليهم، وحقائقهم منبعثة عنهم بالسرّ الإلهيّ الذي لا يدركونه وعائدة عليهم، فسبحان من لا يجارى في سلطانه، ولا يدانى في إحسانه، لا إله إلاَّ هو العزيز الحكيم. فبعد فهم جوامع الكلم الذي هو العلم الإحاطيّ، والنور الإلهيّ، الذي اختصّ به سرّ الوجود وعمد القبة وساق العرش وسبب ثبوت كل ثابت محمد وّر فاعلموا وفقكم الله أن جوامع الكلم من عالم الحروف ثلاثة: ذات غنية قائمة بنفسها، وذات فقيرة إلى هذه الغنية غير قائمة بنفسها ولكن يرجع منها إلى الذات الغنية وصف تتصف به يطلبها بذاته فإنه ليس من ذاتها إلاَّ بمصاحبة هذه الذات لها، فقد صحّ أيضاً من وجه الفقر للذات الغنية القائمة بنفسها كما صحّ للأخرى، وذات ثالثة رابطة بين ذاتين غنيتين أو ذاتين فقيرتين أو ذات فقيرة وذات غنية وهذه الذات الرابطة فقيرة لوجود هاتين الذاتين ولا بدّ فقد قام الفقر والحاجة بجميع الذوات من حيث افتقار بعضها إلى بعض وإن اختلفت الوجوه حتى لا يصحّ الغنى على الإطلاق إلاَّ لله تعالى الغنيّ الحميد من حيث ذاته، فلنسمّ الغنية ذاتاً والذات الفقيرة حدثاً والذات الثالثة رابطة فنقول: الكلم محصور في ثلاث حقائق: ذات وحدث ورابطة، وهذه الثلاثة جوامع الكلم فيدخل تحت جنس الذات أنواع كثيرة من الذوات، وكذلك تحت جنس كلمة الحدث والرابط، ولا نحتاج إلى تفصيل هذه الأنواع ومساقها في هذا الكتاب، وقد اتسع القول في هذه الأنواع في تفسير القرآن لنا، وإن شئت أن تقيس على ما ذكرناه فانظر في في المعارف / الباب الثاني في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها من الأسماء الحسنى ... ١٣٥ كلام النحويين وتقسيمهم الكلم، وفي الاسم والفعل والحرف، وكذلك المنطقيين فالاسم عندهم هو الذات عندنا، والفعل عندهم هو الحدث عندنا، والحرف عندهم هو الرابطة عندنا، وبعض الأحداث عندهم بل كلها أسماء كالقيام والقعود والضرب، وجعلوا الفعل كل كلمة مقيدة بزمان معين، ونحن إنما قصدنا بالكلمات الجري على الحقائق بما هي عليه، فجعلنا القيام وقام ويقوم وقم حدثاً، وفصلنا بينهم بالزمان المبهم والمعين، وقد تفطن لذلك الزجاجيّ فقال: والحدث الذي هو القيام مثلاً هو المصدر يريد هو الذي صدر من المحدث وهو اسم الفعل يريد أن القيام هذه الكلمة اسم لهذه الحركة المخصوصة من هذا المتحرّك الذي بها سمي قائماً، فتلك الهيئة التي سميت قياماً بالنظر إلى حال وجودها، وقام بالنظر إلى حال انقضائها وعدمها، ويقوم وقم بالنظر إلى توهّم وقوعها، ولا توجد أبداً إلاَّ في متحرّك فهي غير قائمة بنفسها. ثم قال: والفعل يريد لفظة قام ويقوم لا نفس الفعل الصادر من المتحرك قائماً مثلاً مشتق منه الهاء تعود على لفظة اسم الفعل الذي هو القيام مأخوذ يعني قام ويقوم من القيام، لأن النكرة عنده قبل المعرفة، والمبهم نكرة والمختص معرفة، والقيام مجهول الزمان، وقام مختص الزمان ولو دخلت عليه أن، ويقوم مختص الزمان ولو دخلت عليه لم، وهذا مذهب من يقول بالتحليل أنه فرع عن التركيب، وأن المركب وجد مركباً، وعلى مذهب من يقول بالتفريق وأن التركيب طارىء وهو الذي يعضد في باب النقل أكثر، فإن الأظهر أن المعرفة قبل النكرة، وأن لفظة زيد إنما وضعت لشخص معين، ثم طرأ التنكير بكونه شورك في تلك اللفظة فاحتيج إلى التعريف بالنعت والبدل وشبه ذلك، فالمعرفة أسبق من النكرة عند المحققين وإن كان لهؤلئك وجه ولكن هذا أليق. وأمّا نحن ومن جرى مجرانا ورقي مرقانا الأشمخ فغرضنا أمر آخر ليس هو قول أحدهما مطلقاً إلاَّ بنسب وإضافات ونظر إلى وجوه ما يطول ذكرها، ولا تمسّ الحاجة إليها في هذا الكتاب إذ قد ذكرناها في غيره من تواليفنا، فلنبين أن الحركات على قسمين: حركة جسمانية وحركة روحانية، والحركة الجسمانية لها أنواع كثيرة سيأتي ذكرها في داخل الكتاب، وكذلك الروحانية ولا نحتاج منها في هذا الكتاب إلاَّ إلى حركات الكلام لفظاً وخطاً، فالحركات الرقمية كالأجسام، والحركات اللفظية لها كالأرواح، والمتحركات على قسمين: متمكن ومتلوّن، فالمتلوّن كل متحرّك تحرّك بجميع الحركات أو ببعضها فالمتحرّك بجميعها كالدال من زيد والمتحرك ببعضها كالأسماء التي لا تنصرف في حال كونها لا تنصرف فإنها قد تنصرف في التنكير والإضافة كالدال من أحمد، والمتمكن كل متحرّك ثبت على حركة واحدة ولم ينتقل عنها كالأسماء المبنية مثل هؤلاء وحذام، وكحروف الأسماء المعربة التي قبل حرف الإعراب منها كالزاي والياء من زيد وشبهه . واعلم أن أفلاك الحركات هي أفلاك الحروف التي تلك الحركات عليها لفظاً وخطاً فانظره هناك، ولها بسائط وأحوال ومقامات كما كان للحروف نذكرها في كتاب المبادي المخصوص بعلم الحروف إن شاء الله، وكما ثبت التلوين والتمكين للذات كذلك ثبت ١٣٦ في المعارف/ الباب الثاني في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها من الأسماء الحسنى ... للحدث والرابط ولكن في الرفع والنصب وحذف الوصف وحذف الرسم، ويكون تلوين تركيب الرابط لأمرين بالموافقة والاستعارة والاضطرار، فبالموافقة وهو الاتباع هذا أبنم، ورأيت أبنماً، وعجبت من أبنم، وبالاستعارة حركة النقل كحركة الدال من قد أفلح في قراءة من نقل، وبالاضطرار التحريك لالتقاء الساكنين، وقد تكون حركة الاتباع الموافق في التركيب الذاتيّ وإن كان أصل الحروف كلها التمكين وهو البناء مثل الفطرة فينا، وهنا أسرار لمن تفطن ولكن الوالدان ينقلان عن الفطرة المقيدة لا الفطرة المطلقة، كذلك الحروف متمكنة في مقامها لا تختل ثابتة مبنية كلها ساكنة في حالها، فأراد اللافظ أن يوصل إلى السامع ما في نفسه فافتقر إلى التلوين فحرك الفلك الذي عنه توجد الحركات عند أبي طالب وعند غيره هو المتقدم واللفظ أو الرقم عن ذلك الفلك وهذا موضع طلب لمريدي معاينة الحقائق. وأما نحن فلا نقول بقول أبي طالب ونقتصر ولا بقول الآخر ونقتصر، فإن كل واحد منهما قال حقاً من جهة ما ولم يتمم فأقول: إن الحقائق الأول الإلهية تتوجه على الأفلاك العلوية بالوجه الذي تتوجه به على محال آثارها عند غير أبي طالب المكيّ وتقبل كل حقيقة على مرتبتها، ولما كانت تلك الأفلاك في اللطافة أقرب عند غير أبي طالب إلى الحقائق كان قبولها أسبق لعدم الشغل وصفاء المحل من كدورات العلائق فإنه نزيه فلهذا جعلها السبب المؤثر، ولو عرف هذا القائل أن تلك الحقائق الأول إنما توجهت على ما يناسبها في اللطافة وهو أنفاس الإنسان فتحرك الفلك العلويّ الذي يناسبه عالم الأنفاس وهذا مذهب أبي طالب، ثم يحرك ذلك الفلك العلويّ العضو المطلوب بالغرض المطلوب بتلك المناسبة التي بينهما، فإن الفلك العلويّ وإن لطف فهو في أول درج الكثافة وآخر درج اللطافة بخلاف عالم أنفاسنا واجتمعت المذاهب فإن الخلاف لا يصحّ عندنا ولا في طريقنا لكنه كاشف، واكشف فتفهم ما أشرنا إليه وتحققه فإنه سرّ عجيب من أكبر الأسرار الإلهية، وقد أشار إليه أبو طالب في كتاب القوت له . ثم نرجع ونقول: فافتقر المتكلم إلى التلوين ليبلغ إلى مقصده فوجد عالم الحروف والحركات قابلاً لما يريده منها لعلمها أنها لا تزول عن حالها ولا تبطل حقيقتها فيتخيل المتكلم أنه قد غيّر الحرف وما غيره، برهان ذلك أن تفني نظرك في دال زيد من حيث هو دال وانظر فیه من حيث تقدّمه قام مثلاً وتفرغ إليه أو أي فعل لفظي کان لیحدث به عنه فلا يصح لك إلاَّ الرفع فيه خاصة فما زال عن بنائه الذي وجد عليه، ومن تخيل أن دال الفاعل هو دال المفعول أو دال المجرور فقد خلط واعتقد أن الكلمة الأولى هي عين الثانية لا مثلها، ومن اعتقد هذا في الوجود فقد بعد عن الصواب، وربما يأتي من هذا الفصل في الألفاظ شيء إن قدر وألهمناه، فقد تبين لك أن الأصل الثبوت لكل شيء، ألا ترى العبد حقيقة ثبوته وتمكنه إنما هو في العبودة، فإن اتصف يوماً ما بوصف ربانيّ فلا تقل هو معار عنده، ولكن انظر إلى الحقيقة التي قبلت ذلك الوصف منه تجدها ثابتة في ذلك الوصف كلما ظهر عينها تحلت بتلك الحلية، فإياك أن تقول قد خرج هذا عن طوره بوصف ربه فإن الله تعالى ما نزع وصفه في المعارف / الباب الثاني في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها من الأسماء الحسنى ... ١٣٧ وأعطاه إياه وإنما وقع الشبه في اللفظ والمعنى معاً عند غير المحقق، فيقول هذا هو هذا وقد علمنا أن هذا ليس هذا، وهذا ينبغي لهذا ولا ينبغي لهذا، فليكن عند من لا ينبغي له عارية وأمانة، وهذا قصور وكلام من عمي عن إدراك الحقائق، فإن هذا ولا بدّ ينبغي له هذا فليس الرب هو العبد وإن قيل في الله سبحانه إنه عالم وقيل في العبد إنه عالم، وكذلك الحيّ والمريد والسميع والبصير وسائر الصفات والإدراكات، فإياك أن تجعل حياة الحق هي حياة العبد في الحد فتلزمك المحالات، فإذا جعلت حياة الرب على ما تستحقه الربوبية وحياة العبد على ما يستحقه الكون فقد انبغى للعبد أن يكون حياً، ولو لم ينبغ له ذلك لم يصحّ أن يكون الحق آمراً ولا قاهراً إلاَّ لنفسه، ويتنزّه تعالى أن يكون مأموراً أو مقهوراً، فإذا ثبت أن يكون المأمور والمقهور أمراً آخر وعيناً أخرى فلا بدّ أن يكون حياً عالماً مريداً متمكناً ممّا يراد به هكذا تعطي الحقائق، فثمّ على هذا حرف لا يقبل سوى حركته كالهاء من هذا، وثم حرف يقبل الحركتين والثلاث من جهة صورته الجسمية والروحية كالهاء في الضمير له ولها وبه كما تقبل أنت بنفسك الخجل وبصورتك حمرته، وتقبل بنفسك الوجل وبصورتك صفرته، والثوب يقبل الألوان المختلفة وما بقي الكشف إلاَّ عن الحقيقة التي تقبل الأعراض هل هي واحدة أو شأنها شأن الأعراض في العدم والوجود؟ وهذا مبحث للنظّار. وأما نحن فلا نحتاج إليه ولا نلتفت فإنه بحر عميق يحال المريد على معرفته من باب الكشف عليه، فإنه بالنظر إلى الكشف يسير، وبالنظر إلى العقل عسير. ثم أرجع وأقول إن الحرف إذا قامت به حقيقة الفاعلية بتفريغ الفعل على البنية المخصوصة في اللسان تقول قال الله، وإذا قامت به حقيقة تطلبه يسمّى عندها منصوباً بالفعل أو مفعولاً كيف شئت، وذلك بأن تطلب منه العون أو تقصده كما طلب مني القيام بما كلفني، فمن أجل أنه لم يعطني إلاَّ بعد سؤالي فكان سؤالي أو حالي القائم مقام سؤالي بوعده جعله يعطيني، قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الروم: الآية ٤٧] فسؤالي إياه من أمره إياي به، وإعطاؤه إياي من طلبي منه فتقول: دعوت الله فنصبت حرف الهاء وقد كانت مرفوعة فعلمنا بالحركات أن الحقائق قد اختلفت، بهذا ثبت الاصطلاح في لحن بعض الناس، وهذا إذا كان المتكلم به غيرنا، وأما المتكلم فالحقائق يعلم أولاً ويجريها في أفلاكها على ما تقتضيه بالنظر إلى أفلاك مخصوصة، وكل متكلم بهذه المثابة وإن لم يعلم بهذا التفصيل وهو عالم به من حيث لا يعلم أنه عالم به، وذلك أن الأشياء المتلفظ بها إما لفظ يدل على معنى وهو مقام الباحث في اللفظ ما مدلوله ليرى ما قصد به المتكلم من المعاني، وإما معنى يدل عليه بلفظ ما وهو المخبر عمّا تحقق وأضر بنا عن اللحن فإن أفلاكه غير هذه الأفلاك، وإسقاط الحركات من الخط في حق قوم دون قوم مّا سببه ومن أين هو هذا كله في كتاب المبادي إذ كان القصد بهذا الكتاب الإيجاز والاختصار جهد الطاقة. ولو اطلعتم على الحقائق كما اطلعنا عليها وعلى عالم الأرواح والمعاني لرأيتم كل حقيقة وروح ومعنى على مرتبته فافهم والزم. قد ذكرنا من بعض ما تعطيه حقائق الحركات ما يليق بهذا الكتاب فلنقبض العنان ١٣٨ في المعارف/ الباب الثاني في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها من الأسماء الحسنى ... ولنرجع إلى معرفة الكلمات التي ذكرناها مثل كلمة الاستواء والأين وفي وكان والضحك والفرح والتبشبش والتعجب والملل والمعية والعين واليد والقدم والوجه والصورة والتحوّل والغضب والحياء والصلاة والفراغ، وما ورد في الكتاب العزيز والحديث من هذه الألفاظ التي توهم التشبيه والتجسيم، وغير ذلك مما لا يليق بالله تعالى في النظر الفكريّ عند العقل خاصة فنقول: لما كان القرآن منزلاً على لسان العرب ففيه ما في اللسان العربي، ولما كانت الأعراب لا تعقل ما لا يعقل إلاَّ حتى ينزل لها في التوصيل بما تعقله لذلك جاءت هذه الكلمات على هذا الحد كما قال: ﴿ثُمَّ دَنَا فَدَلَّ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ﴾ [سورة النجم: الآية ٩] ولما كانت الملوك عند العرب تجلس عبدها المقرّب المكرّم منها بهذا القدر في المساحة فعقلت من هذا الخطاب قرب محمد ◌ّ من ربه ولا تبالي بما فهمت من ذلك سوى القرب، فالبرهان العقلي ينفي الحد والمسافة حتى يأتي الكلام في تنزيه الباري عما تعطيه هذه الألفاظ من التشبيه في الباب الثالث الذي يلي هذا الباب، ولما كانت الألفاظ عند العرب على أربعة أقسام: ألفاظ متباينة وهي الأسماء التي لم تتعد مسماها كالبحر والمفتاح والمقصان. وألفاظ متواطئة وهي كل لفظة قد تووطىء عليها أن تطلق على آحاد نوع مّا من الأنواع كالرجل والمرأة. وألفاظ مشتركة وهي كل لفظ على صيغة واحدة يطلق على معان مختلفة كالعين والمشتري والإنسان. وألفاظ مترادفة وهي ألفاظ مختلفة الصيغ تطلق على معنى واحد كالأسد والهزبر والغضنفر وكالسيف والحسام والصارم وكالخمر والرحيق والصهباء والخندريس. هذه هي الأمهات مثل البرودة والحرارة واليبوسة والرطوبة في الطبائع. وثَم ألفاظ متشابهة ومستعارة ومنقولة وغير ذلك وكلها ترجع إلى هذه الأمهات بالاصطلاح، فإن المشتبه وإن قلت فيه إنه قبيل خامس من قبائل الألفاظ مثل النور يطلق على المعلوم وعلى العلم لشبه العلم به من كشف عين البصيرة به المعلوم كالنور مع البصر في كشف المرئيّ المحسوس، فلما كان هذا الشبه صحيحاً سمي العلم نوراً ويلحق بالألفاظ المشتركة، فإذن لا ينفك لفظ من هذه الأمهات وهذا هو حد كل ناظر في هذا الباب، وأما نحن فنقول بهذا معهم وعندنا زوائد من باب الاطلاع على الحقائق من جهة لم يطلعوا عليها علمنا منها أن الألفاظ كلها متباينة وإن اشتركت في النطق، ومن جهة أخرى أيضاً كلها مشتركة وإن تباينت في النطق، وقد أشرنا إلى شيء من هذا فيما تقدم من هذا الباب في آخر فصل الحروف. فإذا تبين هذا فاعلم أيها الوليّ الحميم أن المحقق الواقف العارف بما تقتضيه الحضرة الإلهية من التقديس والتنزيه ونفي المماثلة والتشبيه لا يحجبه ما نطقت به الآيات والأخبار في حق الحق تعالى من أدوات التقييد بالزمان والجهة والمكان كقوله عليه السلام: أين الله؟ فأشارت إلى السماء فأثبت لها الإيمان، فسأل ◌َّ بالظرفية عما لا يجوز عليه المكان في النظر العقليّ والرسول أعلم بالله، والله أعلم بنفسه، وقال في الظاهر: ﴿مَأَمِنْثُم مَّن فِ السَّمَاءِ﴾ [سورة الملك: الآية ١٦] بالفاء. وقال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٤٠] و﴿الرَّحْمَنُ عَلَى اَلْعَرْشِ أَسْتَوَى﴾ [سورة طه: الآية ٥٠] ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [سورة الحديد: الآية ٤] ﴿مَا يَكُونُ في المعارف/ الباب الثاني في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها من الأسماء الحسنى ... ١٣٩ مِن ◌َّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [سورة المجادلة: الآية ٧] ويفرح بتوبة عبده ويعجب من الشاب ليست له صبوة، وما أشبه ذلك من الأدوات اللفظية. وقد تقرّر بالبرهان العقليّ خلقه الأزمان والأمكنة والجهات والألفاظ والحروف والأدوات والمتكلم بها والمخاطبين من المحدثات كل ذلك خلق الله تعالى، فيعرف المحقق قطعاً أنها مصروفة إلى غير الوجه الذي يعطيك التشبيه والتمثيل، وأن الحقيقة لا تقبل ذلك أصلاً، ولكن تتفاضل العلماء السالمة عقائدهم من التجسيم، فإن المشبهة والمجسمة قد يطلق عليهم علماء من حيث علمهم بأمور غير هذا، فتفاضل العلماء في هذا الصرف عن هذا الوجه الذي لا يليق بالحق تعالى فطائفة لم تشبه ولم تجسم، وصرفت علم ذلك الذي ورد في كلام الله ورسله إلى الله تعالى، ولم تدخل لها قدم في باب التأويل، وقنعت بمجرّد الإيمان بما يعلمه الله في هذه الألفاظ والحروف من غير تأويل ولا صرف إلى وجه من وجوه التنزيه بل قالت لا أدري جملة واحدة، ولكني أحيل إبقاءه على وجه التشبيه لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ. شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] لا لما يعطيه النظر العقلي. وعلى هذا فضلاء المحدثين من أهل الظاهر السالمة عقائدهم من التشبيه والتعطيل، وطائفة أخرى من المنزهة عدلت بهذه الكلمات عن الوجه الذي لا يليق بالله تعالى في النظر العقلي عدلت إلى وجه مّا من وجوه التنزيه على التعيين مما يجوز في النظر العقلي أن يتصف به الحق تعالى بل هو متصف به ولا بد، وما بقي النظر إلاَّ في أن هذه الكلمة هل المراد بها ذلك الوجه أم لا؟ ولا يقدح ذلك التأويل في ألوهته وربما عدلوا بها إلى وجهين وثلاثة وأكثر على حسب ما تعطيه الكلمة في وضع اللسان، ولكن من الوجوه المنزهة لا غير، فإذا لم يعرفوا من ذلك الخبر أو الآية عند التأويل في اللسان إلاَّ وجهاً واحداً قصروا الخبر على ذلك الوجه النزيه وقالوا هذا هو ليس إلاَّ في علمنا وفهمنا، وإذا وجدوا له مصرفين فصاعداً صرفوا الخبر أو الآية إلى تلك المصارف، وقالت طائفة من هؤلاء يحتمل أن يريد كذا ويحتمل أن يريد كذا وتعدد وجوه التنزيه ثم تقول والله أعلم أيّ ذلك أراد، وطائفة أخرى تقوّي عندها وجه ما من تلك الوجوه النزيهة بقرينة ما قطعت لتلك القرينة بذلك الوجه على الخبر وقصرته عليه ولم تعرّج على باقي الوجوه في ذلك الخبر وإن كانت كلها تقتضي التنزيه، وطائفة من المنزهة أيضاً وهي العالية وهم من أصحابنا فرّغوا قلوبهم من الفكر والنظر وأخلوها إذ كان المتقدمون من الطوائف المتقدمة المتأوّلة أهل فكر ونظر وبحث، فقامت هذه الطائفة المباركة الموفقة والكل موفقون بحمد الله وقالت حصل في نفوسنا تعظيم الحق جلّ جلاله بحيث لا نقدر أن نصل إلى معرفة ما جاءنا من عنده بدقيق فكر ونظر، فأشبهت في هذا العقد المحدثين السالمة عقائدهم حيث لم ينظروا ولا تأوّلوا ولا صرفوا بل قالوا ما فهمنا فقال أصحابنا بقولهم، ثم انتقلوا عن مرتبة هؤلاء بأن قالوا لنا أن نسلك طريقة أخرى في فهم هذه الكلمات وذلك بأن نفرّغ قلوبنا من النظر الفكريّ ونجلس مع الحق تعالى بالذكر على بساط الأدب والمراقبة والحضور والتهيؤ لقبول ما يرد علينا منه تعالى حتى يكون الحق تعالى يتولى تعليمنا على الكشف والتحقيق لما سمعته يقول: ١٤٠ في المعارف/ الباب الثاني في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها من الأسماء الحسنى ... ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِمُكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٢] ويقول: ﴿إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [سورة الأنفال: الآية ٢٩] ﴿ وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [سورة ◌ُه: الآية ١١٤] ﴿وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّهُنَّا عِلْمًا﴾ [سورة الكهف: الآية ٦٥] فعندما توجهت قلوبهم وهممهم إلى الله تعالى ولجأت إليه وألقت عنها ما استمسك به الغير من دعوى البحث والنظر ونتائج العقول كانت عقولهم سليمة وقلوبهم مطهرة فارغة، فعندما كان منهم هذا الاستعداد تجلى الحق لهم معلماً فأطلعتهم تلك المشاهدة على معاني هذه الأخبار والكلمات دفعة واحدة، وهذا ضرب من ضروب المكاشفة، فإنهم إذا عاينوا بعيون القلوب من نزهته العلماء المتقدم ذكرهم بالإدراك الفكريّ لم يصحّ لهم عند هذا الكشف والمعاينة أن يجهلوا خبراً من هذه الأخبار التي توهم، ولا أن يبقوا ذلك الخبر منسحباً على ما فيه من الاحتمالات النزيهة من غير تعيين، بل يعرفون الكلمة والمعنى النزيه الذي سيقت له فيقصروها على ما أريدت له، وإن جاء في خبر آخر ذلك اللفظ عينه فله وجه آخر من تلك الوجوه المقدسة معين عند هذا المشاهد، هذا حال طائفة منا . وطائفة أخرى منا أيضاً ليس لهم هذا التحلي ولكن لهم الإلقاء والإلهام واللقاء والكتابة، وهم معصومون فيما يلقى إليهم بعلامة عندهم لا يعرفها سواهم فيخبرون بما خوطبوا به وما ألهموا به وما ألقي إليهم أو كتب، فقد تقرّر عند جميع المحققين الذين سلموا الخبر لقائله ولم ينظروا ولا شبهوا ولا عطلوا، والمحققين الذين بحثوا واجتهدوا ونظروا على طبقاتهم أيضاً، والمحققين الذين كوشفوا وعاينوا، والمحققين الذين خوطبوا وألهموا أن الحق تعالى لا تدخل عليه تلك الأدوات المقيدة بالتحديد والتشبيه على حد ما نعقله في المحدثات ولكن تدخل عليه بما فيها من معنى التنزيه والتقديس على طبقات العلماء والمحققين في ذلك لما فيه وتقتضيه ذاته من التنزيه، وإذا تقرّر هذا فقد تبين أنها أدوات التوصيل إلى إفهام المخاطبين وكل عالم على حسب فهمه فيها وقوّة نفوذه وبصيرته، فعقيدة التكليف هيئة الخطب فطر العالم عليها، ولو بقيت المشبهة مع ما فطرت عليه ما كفرت ولا جسمت وإن كان ما أرادوا التجسيم وإنما قصدوا إثبات الوجود، لكن لقصور أفهامهم ما ثبت لهم إلاَّ بهذا التخيّل فلهم النجاة. وإذ قد ثبت هذا عند المحققين مع تفاضل رتبهم في درج التحقيق فلنقل إن الحقائق أعطت لمن وقف عليها أن لا يتقيد وجود الحق مع وجود العالم بقبلية ولا معية ولا بعدية زمانية، فإن التقدم الزمانيّ والمكانيّ في حق الله ترمي به الحقائق في وجه القائل به على التحديد، اللهم إلاّ إن قال به من باب التوصيل كما قاله الرسول وَ﴿ ونطق به الكتاب، إذ ليس كل أحد يقوى على كشف هذه الحقائق، فلم يبق لنا أن نقول إلاَّ أن الحق تعالى موجود بذاته لذاته مطلق الوجود غير مقيد بغيره ولا معلول عن شيء ولا علة لشيء، بل هو خالق المعلولات والعلل، والملك القدوس الذي لم يزل، وأن العالم موجود بالله تعالى لا بنفسه ولا لنفسه مقيد الوجود بوجود الحق في ذاته، فلا يصحّ وجود العالم البتة إلاَّ بوجود الحق، وإذا انتفى الزمان عن وجود الحق وعن وجود مبدأ العالم فقد وجد العالم في غير زمان، فلا