النص المفهرس

صفحات 1-20

الفَّوْحَاتُ
المكْيَّة
الشيخ الأمام خاتم الأولياء أبي بكر محبي الدّين محمّد بن علي
بن محمّد بن أحمد بن عبدالله الحاتي "المعروف بابن عربفي"
المتوفى سنة ٦٣٨ هـ
فَبَطَهِ وَمُجَّهُ وَوَضِعَ فَارَسَه
ـلّين
أحدهم
المجلّ الأولى
مَشرات
ممحمد على بيضون
دار الكتب العلمية

الفُتَوَابَةُ المَكِيَ
تأليف
الشيخ الإمَام خاتم الأولياء أبي بكر محي الدين
مُحَمَد بن عليّ بن محمّد بن أحمد بن عَبْد اللّه الحاتي
المعروف بابن عَرَبي
المتوفى سنة ٦٣٨هـ
ضَبَطَهِ وَمَّه وَوَضعَ فَارسَه
أحمد مر الدّين
الجُزء الأوّل
منشورات
محمد عَلى بيضون
دار الكتب العلمية
بيروت- لبنان

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ترجمة ابن عربي(*)
نسبه
هو محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الحاتمي من ولد عبد الله بن حاتم
أخي عديّ بن حاتم من قبيلة طيّ مهد النبوغ والتفوق العقلي في جاهليّتها وإسلامها. يكنى أبا
بكر ويلقب بمحيي الدين، ويعرف بالحاتمي وبابن عربي لدى أهل المشرق تفريقاً بينه وبين
القاضي أبي بكر بن العربي.
مولده ونشأته:
ولد في يوم الاثنين السابع عشر من رمضان عام خمسمائة وستين هجرية الموافق ٢٨ يولية
سنة ألف ومائة وخمس وستين ميلادية في مدينة ((مرسية)) بالأندلس، وهي مدينة أنشأها المسلمون
في عهد بني أمية. وكان أبوه علي بن محمد من أئمة الفقه والحديث، ومن أعلام الزهد والتقوى
والتصوف. وكان جده أحد قضاة الأندلس وعلمائها، فنشأ نشأة تقيّة ورعة نقيّة من جميع الشوائب
الشائبة. وهكذا درج محيي الدين في جو عامر بنور التقوى، فيه سباق حر مشرق نحو الشرفات
العليا للإيمان، وفيه عزمات لرجال أقوياء ينشدون نصراً وفوزاً في محاريب الهدى والطاعة .
وانتقل والده إلى إشبيلية، وحاكمها إذ ذاك السلطان محمد بن سعد، وهي عاصمة من
عواصم الحضارة والعلم في الأندلس، وفيها شب محيي الدين ودرج. وما كاد لسانه يبين
حتى دفع به والده إلى أبي بكر بن خلف عميد الفقهاء، فقرأ عليه القرآن الكريم بالسبع في
كتاب ((الكافي))، فما أتم العاشرة من عمره حتى كان مبرزاً في القراءات ملهماً في المعاني
والإشارات. ثم أسلمه والده إلى طائفة من رجال الحديث والفقه، يذكرهم لنا الإمام شمس
الدين بن مسدي في روايته عن محيي الدين فيقول واصفاً متحدثاً عن أساتذته الأول: ((كان
جميل الجملة والتفصيل، محصلاً لفنون العلم أخص تحصيل، وله في الأدب الشأو الذي لا
يلحق، والتقدم الذي لا يسبق، سمع في بلاده في شبابه الباكر من ابن زرقون، والحافظ ابن
الجد، وأبي الوليد الحضرمي، والشيخ أبي الحسن بن نصر». ثم لا يذكر لنا التاريخ بعد ذلك
شيئاً ذا بال عن شباب محيي الدين، ولا عن شيوخه، ومقدار ما حصل من العلوم والفنون؛
(*) مقتبسة من بحث للدكتور محمد غلاب بعنوان ((المعرفة عند محيي الدين بن عربي)) ضمن ((الكتاب
التذكاري لمحيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة لميلاده)» الصادر عن الهيئة المصرية العامة
للتأليف والنشر ١٩٦٩ م.
٣

٤
ترجمة ابن عربي
وإنما هو يحدثنا أنه مرض في شبابه مرضاً شديداً. وفي أثناء شدة الحمى رأى في المنام أنه
محوط بعدد ضخم من قوى الشر، مسلحين يريدون الفتك به. وبغتة رأى شخصاً جميلاً قوياً
مشرق الوجه، حمل على هذه الأرواح الشريرة ففرّقها شذر مذر، ولم يبق منها أي أثر،
فيسأله محيي الدين من أنت؟ فقال له أنا سورة يس .
وعلى أثر هذا استيقظ فرأى والده جالساً إلى وسادته يتلو عند رأسه سورة يس. ثم لم
يلبث أن برىء من مرضه، وألقي في روعه أنه معدّ للحياة الروحية، وآمن بوجوب سيره فيها
إلى نهايتها ففعل .
وفي طليعة هذا الشباب المزهر بفضل ثروة أسرته تزوج بفتاة تعتبر مثالاً في الكمال
الروحي والجمال الظاهري وحسن الخلق، فساهمت معه في تصفية حياته الروحية، بل كانت
أحد دوافعه إلى الإمعان فيها .
وفي هذه الأثناء كان يتردد على إحدى مدارس الأندلس التي تعلم سراً مذهب
الأمبيذوقلية المحدثة المفعمة بالرموز والتأويلات الموروثة عن الفيثاغورية والأورفيوسية
والفطرية الهندية. وكانت هذه المدرسة هي الوحيدة التي تدرس لتلاميذها المبادىء الخفية
والتعاليم الرمزية منذ عهد ابن مسرة المتوفى بقرطبة في سنة ٣١٩هـ - ٩٣١م والذي لم يعرف
المستشرقون مؤلفاته إلاّ عن طريق محيي الدين. وكان أشهر أساتذة تلك المدرسة في ذلك
القرن ابن العريف المتوفى في سنة ١١٤١ م فلم يره محيي الدين، ولكنه تتلمذ على منتجاته
وعلى رواية تلميذه المباشر وصديق محيي الدين الوفي أبي عبد الله الغزال.
ومما لا ريب فيه أن استعداده الفطري ونشأته في هذه البيئة التقية، واختلافه إلى تلك
المدرسة الرمزية، كل ذلك قد تضافر على إبراز هذه الناحية الروحية عنده في سن مبكرة
وعلى صورة ناصعة لا تتيسر للكثيرين ممن تشوب حياتهم الأولى شوائب الغرائز والنزوات.
فلم يكد يختم الحلقة الثانية من عمره حتى كان قد انغمس في أنوار الكشف والإلهام، ولم
يشارف العشرين حتى أعلن أنه جعل يسير في الطريق الروحاني بخطوات واسعة ثابتة، وأنه
بدأ يطلع على أسرار الحياة الصوفية، وأن عدداً من الخفايا الكونية قد تكشف أمامه، وأن
حياته منذ ذلك العهد المبكر لم تعد سوى سلسلة من البحث المتواصل عما يحقق الكمال
لتلك الاستعدادت الفطرية التي تنير أضواؤها جوانب عقله وقلبه. ولم يزل عاكفاً على ذلك
النشاط الروحاني حتى ظفر بأكبر قدر ممكن من الأسرار. ولم تكن آماله في التغلغل إلى تلك
الأسرار وبحوثه عن وسائلها الضرورية تقف عند حد، لأنه أيقن منذ نعومة أظفاره بأنه مؤمن
بمبادىء عقيدة حقيقية أزلية مرت بجميع الأزمان الكونية، وطافت بكل الأجناس البشرية
متممة ما فيها من نقص وقصور، وأنها جمعت كل الروحانيات في الوحدة الفطرية التي تتمثل
من حين إلى آخر في صور تنسكية رفيعة تبدو على مسرح الإنسانية ردحاً من الزمن ثم
تختفي، ولا يدرك حقيقتها إلا القليلون.
وأكثر من ذلك أنه حين كان لا يزال في قرطبة قد تكشف له من أقطاب العصور البائدة

٥
ترجمة ابن عربي
عدد من حكماء الهند وفارس والإغريق كفيثاغورس، وأمبيذوقليس، وأفلاطون ومن إليهم
ممن ألقيت على كواهلهم مسؤولية القطبية الروحية في عصورهم المتعاقبة قبل ظهور
الإسلام. وهذا هو السبب في أنه قد شغف بأن يطلع على جميع الدرجات التنسكية في كل
الأديان والمذاهب عن طريق أرواح رجالها الحقيقيين بهيئة مباشرة، وبصورة مؤسسة على
الشرف العلمي الذي يحمل الباحث النزيه على الاعتماد عليه دون أدنى تردد أو ارتياب.
غير أن هذه السكينة الروحانية التي بدأت لدى هذا الشاب مبكرة والتي كانت ثمارها
فيما بعد تتمثل في تلك المعرفة التي أشرنا إليها آنفاً، لم تدم طويلاً على حالة واحدة، إذ أنه
لم يلبث أن تبين أول الأمر بالإلهام، ثم عن طريق الكشف الجلي أنه لم يعد له بدّ - في تلك
البيئة المغربية إذ ذاك ـ من أحد أمرين: إما أن يجاري التيار العام الذي کان يحدق به إحداق
السوار بالمعصم، وهو أن يتقيد في جميع أفكاره وتعقلاته وأحاسيسه ومشاعره وحركاته
وسكناته بحرفية الدين التي لا روح فيها ولا حياة ولا سرّ ولا رمز ولا تأويل، وبهذا تختفي
شخصيته الحقيقية وتفشل رسالته الطبيعية، وهذا شيء لا يستطيعه بأي حال، وإما أن يسير
على فطرته وحسب تكوين عقله وقلبه فيصطدم في كل خطوة من خطواته مع أهل الحل
والعقد في البلاد. وقد حدث ذلك فعلاً حيث احتدمت بينه وبين بعض الأمراء الموحدين
مجادلات عنيفة، وحيكت حوله دسائس قوية اتهمته بإحداث اضطراب في سياسة الدولة.
وإذ ذاك رأى في حالة اليقظة أنه أمام العرش الإلهي المحمول على أعمدة من لهب
متفجر، ورأى طائراً جميلاً بديع الصنع يحلق حول العرش ويصدر إليه الأمر بأن يرتحل إلى
الشرق وينبئه بأنه سيكون هو مرشده السماوي، وبأن رفيقاً من البشر يدعى فلاناً ينتظره في
مدينة فاس، وأن هذا الأخير قد أمر هو أيضاً بهذه الرحلة إلى الشرق، ولكنه يجب ألا يرتحل
قبل أن يجيء إليه رفيق من الأندلس، فيفعل ما أمر به ويرتحل بصحبة هذا الرفيق.
وفيما بين سنتي ٥٩٧، ٦٢٠ هـ ١٢٠٠، ١٢٢٣ م يبدأ رحلاته الطويلة المتعددة إلى
بلاد الشرق فيتجه في سنة ١٢٠١ م إلى مكة فيستقبله فيها شيخ إيراني وقور جليل عريق المحتد
ممتاز في العقل والعلم والخلق والصلاح. وفي هذه الأسرة التقية يلتقي بفتاة تدعى ((نظاما))
وهي ابنة ذلك الشيخ، وقد حبتها السماء بنصيب موفور من المحاسن الجسميّة، والميزات
الروحانية الفائقة، فاتخذ منها محيي الدين رمزاً ظاهرياً للحكمة الخالدة، وأنشأ في تصوير
هذه الرموز قصائد سجلها في ديوان ألفه في ذلك الحين.
وفي هذه البيئة النقية المختارة له من قبل سطعت مواهبه العقلية والروحية، وتركزت
حياته الصوفية، وجعلت تصعد في معارج القدس شيئاً فشيئاً حتى بلغت شأواً عظيماً. ومن
ذلك أنه في إحدى طوفاته التأملية والبدنيّة بالكعبة يلتقي من جديد بمرشده السماوي الذي أمره
سالفاً بالهجرة من الأندلس والمغرب إلى الأصقاع الشرقية، فيتلقى منه الأمر أيضاً بتأليف كتابه
الجامع الخالد («الفتوحات المكية)) الذي ضمنه أكثر وأهم آرائه الصوفية والعقلية ومبادئه

٦
ترجمة ابن عربي
الروحية، والذي لا يتطاول إلى قمته في عصره أي كتاب آخر فيما نعلم من إنتاج هذا الصنف
من المتنسكين .
وفي سنة ١٢٠٤ م يرتحل إلى الموصل حيث تجتذبه تعاليم الصوفي الكبير علي بن
عبد الله بن جامع الذي تلقى لبس الخرقة عن الخضر مباشرة، ثم ألبس محيي الدين إياها
بدوره .
وفي سنة ١٢٠٦ م نلتقي به في القاهرة مع فريق من الصوفية الذين يطبقون حياة تنسكية
قوية محافظة. وهنا يظهر له رائد سماوي يأمره بإدخال شيء من الكمال على مذهبه، ولكنه لا
يكاد يفعل حتى يتنمر له عدد من الفقهاء يحيكون حوله وحول أصحابه شباكاً من الدسائس
تهدّد اطمئنانهم بل حياتهم، ولولا نفوذ أحد أصدقائه لوقع في ذلك الخطر، ولكنه لحسن
حظه يستطيع أن ينجو بنفسه ويفر إلى مكة في سنة ١٢٠٧ م فيلتقي فيها بأصدقائه القدماء
الأوفياء، ويقيم بينهم في هدوء وسكينة نحو ثلاثة أعوام، ثم يرتحل إلى قونية بتركيا حيث
يتلقاه أميرها السلجوقي باحتفال بهيج.
وهناك يتزوج بوالدة صدر الدين القونيوي، وهو أحد تلاميذه المفضلين ثم لا يلبث أن
يرتحل إلى أرمينيا، ومنها إلى شاطىء الفرات.
وفي سنة ١٢١١ م نلتقي به في بغداد حيث يتصل بالصوفي المعروف شهاب الدين عمر
السهروردي .
وفي سنة ١٢١٤ م يعود إلى مكة ولا يكاد يستقر فيها حتى يجد أن عدداً من فقهائها
المنافقين الدساسين قد جعلوا يشوهون سمعته ويرمونه بأن قصائده التي نشرها في ديوانه
الرمزي منذ ثلاثة عشر عاماً كانت تصور غرامه المادي الواقعي بالفتاة ((نظام)) ابنة صديقه الشيخ
الإيراني التي أشرنا آنفاً إلى أنه اتخذ منها رمزاً نقياً للحكمة الخالدة. وعندما تبيّن هذه التهمة
الرخيصة وعرف مصادرها الحقيقية حمل عليها وعلى واضعيها حملة قوية كشفت زيفها
للجميع بصورة جعلت القائمين بها يعترفون بأخطائهم ويعتذرون إليه عنها .
وبعد ذلك يرتحل إلى حلب فيقيم بها ردحاً من الزمن معززاً مكرماً من أميرها. وأخيراً
يلقي عصا التسيار في دمشق في سنة ١٢٢٣ م حيث كان أميرها أحد تلاميذه المؤمنين بعلمه
ونقائه ويظل بها يؤلف ويعلم، ويخرج التلاميذ والمريدين يحوطه الهدوء وتحف به السكينة
حتى يتوفى بها في ٢٨ ربيع الثاني من سنة ٦٣٨ هـ الموافق ١٦ نوفمبر من سنة ١٢٤٠ م.

مؤلفاته وشيوخه(*)
قال الشيخ يوسف بن إسماعيل النبهاني في كتابه ((جامع كرامات الأولياء)) ضمن ترجمته
للشيخ ابن عربي :
وقد اطلعت له على إجازة أجاز بها الملك المظفر ابن الملك العادل الأيوبي، ذكر فيها
كثيراً من مشايخه ومؤلفاته، ولتمام الفائدة أذكرها هنا بحروفها فأقول: قال رضي الله عنه:
بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين: أقول وأنا محمد بن عليّ بن العربي الطائي الأندلسي
الحاتمي، وهذا لفظي: استخرت الله تعالى، وأجزت السلطان الملك المظفر بهاء الدين
غازي، ابن الملك العادل المرحوم إن شاء الله تعالى أبي بكر بن أيوب وأولاده، ولمن أدرك
حياتي الرواية عني في جميع ما رويته عن أشياخي، من قراءة وسماع ومناولة وكتاب وإجازة،
وجميع ما ألفته وصنفته من ضروب العلم، وما لنا من نثر ونظم على الشرط المعتبر بين أهل
هذا الشأن، وتلفظت بالإجازة عند تعبيري هذا الخط، وذلك في غرة محرم سنة ٦٣٢
بمحروسة دمشق وكان قد سألني في استدعائه أن أذكر من أسماء شيوخي ما تيسر لي ذكره
منهم، وبعض مسموعاتي، وما تيسر من أسماء مصنفاتي، فأجبت استدعاءه نفعه الله تعالى
بالعلم، وجعلنا وإياه من أهله، إنه وليّ کریم.
فمن شيوخنا أبو بكر بن أخلف اللخمي، قرأت عليه القرآن الكريم بالقراءات السبع
بكتاب الكافي لأبي عبد الله محمد بن شريح الرعيني في مذاهب القراء السبعة المشهورين،
وحدثني عن ابن المؤلف.
ومن شيوخنا في القراءة أبو الحسن شريح بن محمد بن محمد بن شريح الرعيني، عن
أبيه المؤلف .
ومن شيوخنا في القرآن أيضاً أبو القاسم عبد الرحمن بن غالب الشراط، من أهل
قرطبة، قرأت عليه أيضاً القرآن الكريم بالكتاب المذكور وحدثني أيضاً عن ابن المؤلف أبي
الحسن شريح عن أبيه المؤلف محمد بن شريح المقري.
ومن شيوخنا القاضي أبو محمد عبد الله البازلي قاضي مدينة فاس، حدثني بكتاب
((التبصرة في مذاهب القراء السبعة)) لأبي محمد مكي المقري عن أبي بحر سفيان ابن القاضي،
عن المؤلف بجمع تآليف مكي أيضاً، وأجازني إجازة عامة .
(*) انظر جامع كرامات الأولياء (ج١ ص١٦٣ - ١٦٩).
٧

٨
مؤلفاته وشيوخه
ومن شيوخنا القاضي أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي حمزة، سمعت عليه كتاب التيسير
في مذاهب القراء السبعة لأبي عمرو عثمان بن أبي سعيد الداني المقري، حدثني به عن أبيه
عن المؤلف وبجميع تآليف الداني وأجازني إجازة عامة .
ومن شيوخنا القاضي أبو عبد الله محمد بن سعيد بن دربون، سمعت عليه كتاب البقعي
لأبي عمر يوسف بن عبد البر النميري الشاطبي، وحدثني به عن أبي عمران موسى بن أبي بكر
ابن المؤلف وبجميع تآليفه مثل الاستذكار، والتمهيد، والاستيعاب، والانتقاء، وأجاز لي
إجازة عامة في الروايتين، أجاز لي أن أرويه عنه وجميع تأليفه.
ومن شيوخنا المحدث أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله الإشبيلي،
حدثني بجميع مصنفاته في الحديث، وعين لي من أسمائها تلقين المبتدي، والأحكام
الصغرى والوسطى والكبرى، وكتاب العاقة ونظمه ونثره، وحدثني بكتاب الإمام أبي محمد
علي بن أحمد بن حزم عن أبي الحسن شريح بن محمد بن شريح، عنه.
ومن شيوخنا عبد الصمد بن محمد بن محمد بن أبي الفضل الحرستاني، سمعت عليه
صحيح مسلم حدثني به عن الفراوي عن عبد الغفار الجلودي، عن إبراهيم المروزي عن
مسلم، وأجازني إجازة عامة .
ومن شيوخنا يونس بن يحيى أبي الحسن العباسي الهاشمي نزل مكة سمعت عليه كتباً
كثيرة في الحديث والرقائق، منها كتاب صحيح البخاري.
ومن شيوخنا المكيين أبو شجاع زاهد بن رستم الأصفهاني إمام المقام بالحرم، سمعت
عليه كتاب الترمذي لأبي عيسى، حدثني به عن الكرخي عن الخزاعي المحبوبي عن
الترمذي، وأجازني إجازة عامة .
ومن شيوخنا البرهان نصر بن أبي الفتوح بن عمر الحصري إمام مقام الحنابلة بالحرم
الشريف، سمعت عليه كتباً كثيرة منها السنن لأبي داود السجستاني، حدثني بها، عن أبي
جعفر بن عليّ بن السمناني، عن أبي بكر أحمد بن عليّ بن ثابت الخطيب، عن أبي عمر
القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي البصري، عن أبي علي محمد بن أحمد بن عمر
اللؤلؤي، عن أبي داود، وأجاز لي إجازة عامة. وحدثني بكتب ابن ثابت الخطيب عن أبي
جعفر السمناني.
ومن شيوخنا سالم بن رزق الله الإفريقي، سمعت عليه كتاب المعلم بفوائد مسلم
للمازري، حدثني به عنه وبجميع مصنفاته وتآليفه، وأجازني إجازة عامة .
ومن شيوخنا محمد أبو الوليد بن أحمد بن محمد بن سبيل، قرأت عليه كثيراً من
تأليفه، وناولني كتاب ((نهاية المجتهد وكفاية المقتصد)) والأحكام الشريفة من تأليفه.

٩
مؤلفاته وشيوخه
ومن شيوخنا أبو عبد الله بن العزي الفاخري، وأجازني إجازة عامة .
ومن شيوخنا أبو سعيد عبد الله بن عمر بن أحمد بن منصور الصفا، حدثني بكتب
الواحدي كتابة عبد الجبار بن محمد بن أحمد الحواري عنه.
ومن شيوخنا أبو الوابل بن العربي، سمعت عليه سراج المهتدين للقاضي ابن العربي
ابن عمه، حدثني به عنه، وأجازني إجازة عامة .
ومن شيوخنا أبو الثناء محمود بن المظفر اللبان، حدثني بكتب ابن خميس عنه.
ومنهم: محمد بن محمد بن محمد البكري، سمعت عليه رسالة القشيري، وحدثني بها
عن أبي الأسعد عبد الرحمن بن عبد الواحد بن عبد الكريم بن هوازن القشيري، عن جده
عبد الكريم، المؤلف، وأجازني إجازة عامة .
ومنهم: ضياء الدين عبد الوهاب بن علي بن علي بن سكينة شيخ الشيوخ ببغداد،
أجازني إجازة عامة، وأخذ عني وأخذت عنه، وسمعت عليه بمدينة باب السلام بحضور ابنه
عبد الرزاق.
ومنهم: أبو الخير أحمد بن إسماعيل بن يوسف الطالقاني القزويني، حدثني بتأليف
البيهقي وأجازني إجازة عامة .
ومنهم: أبو طاهر أحمد بن محمد بن إبراهيم وأجازني إجازة عامة .
ومنهم: أبو طاهر السلفي الأصبهاني، أجازني إجازة عامة، وهو يروي عن أبي الحسن
شريح بن عمرو بن شريح الرعيني المقري، أجازني وكتب إليّ أن أروي عنه كتب
عبد الرحمن السلمي، وحدثني عن محمد نصار البيهقي عنه.
ومنهم: جابر بن أيوب الحضرمي، أجازني إجازة عامة، وهو يروي عن أبي الحسن
شريح بن محمد بن شريح الرعيني المقري.
وممن أجازني إجازة عامة محمد بن إسماعيل بن محمد القزويني، والحافظ الكبير ابن
عساكر صاحب تاريخ دمشق .
ومنهم: أبو القاسم خلف بن بشكوال.
ومنهم: القاسم بن علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسن الشافعي.
ومنهم: يوسف بن الحسن بن أبي النقاب بن الحسين وأخوه أبو العباس أيضاً، وأجازنا
أبو القاسم ذاكر بن كامل بن غالب.
ومنهم: محمد بن يوسف بن علي الغزنوي الخفّاف.
ومنهم: أبو حفص عمر بن عبد المجيد بن عمر بن حسن بن عمر بن أحمد القرشي
المياستي .
ومنهم: أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي الحافظ، كتب إليّ بالرواية عنه
بجميع تآليفه ونظمه ونثره وسمى لنا من كتبه ((صفوة الصفوة)) و((مثير الغرام الساكن إلى أشرف
الأماكن)» وغير ذلك.

١٠
مؤلفاته وشيوخه
ومنهم: أبو بكر بن أبي الفتح الشيخاني.
ومنهم: المبارك بن علي بن الحسين الطباخ.
ومنهم: عبد الرحمن ابن الأستاذ، المعروف بابن علوان.
ومنهم: عبد الجليل الزنجاني .
ومنهم: أبو القاسم هبة الله بن علي بن مسعود بن شداد الموصلي.
ومنهم: أحمد بن أبي منصور.
ومنهم: محمد بن أبي المعالي عبد الله بن موهب بن جامع بن عبدون البغدادي
الصوفي يعرف بابن الثناء.
ومنهم: محمد بن أبي بكر الطوسي.
ومنهم: المهذب بن علي بن هبة الله الطيب الضرير.
ومنهم: ركن الدين أحمد بن عبد الله بن أحمد بن عبد القاهر الطوسي الخطيب،
وأخوه شمس الدين أبو عبد الله.
ومنهم: القرماني ببغداد.
ومنهم: ثابت بن قرة الحاوي، قرأت عليه من كتبه وتآليفه، ووقفها بروايتها بمسجد
العمادين الجلادين بالموصل .
ومنهم: عبد العزيز بن الأخضر.
ومنهم: أبو عمر عثمان بن أبي يعلى بن أبي عمر الأبهري الشافعي من أولاد البراء بن
عازب .
ومنهم: سعيد بن محمد بن أبي المعالي.
ومنهم: عبد الحميد بن محمد بن علي بن أبي المرشد القزويني.
ومنهم: أبو النجيب القزويني.
ومنهم: محمد بن عبد الرحمن بن عبد الكريم الفاسي، قرأت عليه جميع مصنفاته .
ومنهم: أبو الحسن علي بن عبد الله بن الحسين الرازي.
ومنهم: أحمد بن منصور الجوزي.
ومنهم: أبو محمد بن إسحاق بن يوسف بن علي.
ومنهم: أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحجري.

١١
مؤلفاته وشيوخه
ومنهم: أبو الصبر أيوب بن أحمد المقري.
ومنهم: أبو بكر محمد بن عبيد السكسكي.
ومنهم: ابن مالك، حدثني بمقامات الحريري عن مصنفها .
ومنهم: عبد الودود بن سمحون قاضي النبك.
ومنهم: عبد المنعم بن القرشي الخزرجي.
ومنهم: علي بن عبد الواحد بن جامع .
ومنهم: أبو جعفر بن يحيى الورعي.
ومنهم : ابن هذیل.
ومنهم: أبو زيد السهيلي، حدثني بالروض الأنف في شرح السيرة والمعارف والأعلام
وجميع تآليفه .
ومنهم: أبو عبيد الله بن الفخار المالقي المحدث.
ومنهم: أبو الحسن بن الصائغ الأنصاري.
ومنهم: عبد الجليل مؤلف المشكل في الحديث وشعب الإيمان.
ومنهم: أبو عبد الله بن المجاهد.
ومنهم: أبو عمران موسى بن عمران المزيلي.
ومنهم: الحاج محمد بن علي ابن أخت أبي الربيع المقومي.
ومنهم: عليّ بن النضر. ولولا خوف الملال وضيق الوقت لذكرنا جميع من سمعنا
عليه ولقيناه .
وها أنا أذكر من تأليفي ما تيسّر فإنها كثيرة، وأصغرها جرماً كراسة واحدة، وأكبرها ما
يزيد على مائة مجلد وما بينهما .
فمن ذلك كتاب المصباح في الجمع بين الصحاح في الحديث. اختصار مسلم.
اختصار البخاري. اختصار الترمذي. اختصار المحلى. الاحتفال فيما كان عليه
رسول الله وَل من سني الأحوال.
وأما الحقائق في طريق الله تعالى التي هي نتائج الأعمال، فمن ذلك وهو السابع كتاب
من تصانيفنا ((الجمع والتفصيل في أسرار معاني التنزيل)) أفرغ في أربعة وستين مجدداً إلى قوله
تعالى في سورة الكهف ﴿وإذْ قال موسى لفتاه لا أبرح﴾ [الكهف: ٧٠]. الجذوة المقتبسة

١٢
مؤلفاته وشيوخه
والخطرة المختلسة. مفتاح السعادة في معرفة الدخول إلى طريق الإرادة. المثلثات الواردة في
القرآن العظيم. الأجوبة عن المسائل المنصورة. متابعة القطب. مناهج الارتقا إلى افتضاض
أبكار النقا بجنان اللقا، يحوي ثلاثة آلاف مقام في طريق الله تعالى على ثلاثمائة باب، كل
باب عشرة مقامات. كنه ما لا بد للمريد منه. المحكم في المحكم وأذان رسول الله وَ التر .
الخلاف في آداب الملا الأعلى. كشف الغين: سرّ أسماء الله الحسنى. شفاء العليل في
إيضاح السبيل. عقلة المستوفز جلاء القلوب. التحقيق في الكشف عن سرّ الصديق. الإعلام
بإشارات أهل الأوهام والإفهام في شرحه. السراج الوهاج في شرح كلام الحلاج. المنتخب
في مآثر العرب. نتائج الأفكار وحدائق الأزهار. الميزان في حقيقة الإنسان. المحجة
البيضاء. كنز الأبرار فيما روي عن النبي ◌َلّ من الأدعية والأذكار. مكافأة الأنوار فيما روي
عن النبي ◌ُّ عن الله تعالى من الأخبار. الأربعين المتقابلة الأحاديث الأربعين في الطول.
العين. التدبيرات الإلهية في إصلاح المحاكمة الإنسانية تعشق النفس بالجسم. إنزال الغيوب
على سائر القلوب. أسرار قلوب العارفين. مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية.
الخلاء. المنهج السديد في شرح أنس المنقطعين. الموعظة الحسنة. البغية. الدرة الفاخرة في
ذكر من انتفعت به طريق الآخرة من إنسان وحيوان ونبات ومعدن. المبادي والغايات فيما في
حروف المعجم من الآيات. مواقع النجوم. الإنزالات. الموجود. حلية الأبدال. أنوار
الفجر. الفتوحات المكية عشرون مجدداً. تاج التراجم. الفحوص. الرصوص. الشواهد.
القطب والإمامين. روح القدس. التنزلات الموصلية. إشارات القرآن في العالم والإنسان.
القسم الإلهي. الأقسام الإلهية. الجمال والجلال. المقنع في إيضاح السهل المتتنع. شروط
أهل الطريق. الأنوار فيما يمنح صاحب الخلوة من الأسرار. عنقاء مغرب. عقائد أهل علم
الكلام. الإيجاد والكون. الرسائل. الإشارات في الأسرار. الإلهيات والكتابات. الحجة.
إنشاء الجداول والدوائر. الأعلاق في مكارم الأخلاق. روضة العاشقين. الميم والواو
والنون. المعارف الإلهية وهو الديوان. المبشرات. الرحلة. العوالي في أسانيد الأحاديث.
الأحدية. الهوية الرحمية. الجامع وهو كتاب الجلالة العظيمة. المجد. الديمومية. الجود.
القيومية. الإحسان. الفلك والسعادة. الحكمة. العزة. الأزل. النون. الإبداع. الخلق
والأمر. القدم. الصادر والوارد. الملك. الوارد والواردات. القدس. الحياة. العلم.
المشتبه. الفهوانية. الرقم. العين. المياه. ركن المدائن. المبادي. الزلفة. الرقيم. الدعاء.
الإجابة. الرمز. الرتبة. البقاء. القدرة. الحكم والشرائع. الغيب. مفاتيح الغيب الخزائن
العلمية. الرياح اللواقح. الريح العقيم. الكنز. التدبير والتفصيل. اللذة والألم. الحق.
الحمد. المؤمن والمسلم والمحسن. القدر. الشأن. الوجود. التحويل. الوحي. الإنسان.
التركيب. المعراج. الروايح والأنفاس. الملل. الأرواح. النحل. البرزج. الحسن.
القسطاس. القلم. اللوح. التحفة والعرافة. المعرفة. الأعراف. زيادة كبد النون. الإسفار في
نتائج الأسفار. الأحجار المتفجرة والمتشققة والهابطة. الجبال. الطبق. النمل. العرش.

١٣
مؤلفاته وشيوخه
مراتب الكشف. الأبيض. الكرسي. الفلك المشحون. الهباء. الجسم. الزمان. المكان.
الحركة. العالم. الآباء العلويات والأمهات السفليات. النجم والشجر. سجود القلب.
الرسالة والنبوة والمعرفة والولاية. الغايات التسعة عشر. الجنة. النار. الحضرة. المناظرة بين
الإنسان الكامل. التفضيل بين الملك والبشر. المبشرات الكبرى. محاضرة الأبرار ومسامرة
الأخيار. الأولين. العبادة. ما يعول عليه وهو كتاب النصائح. إيجاز اللسان في الترجمة عن
القرآن. المعرفة. شرح الأسماء. الذخائر والأعلاق. الوسائل. النكاح المطلق. فصوص
الحكم. نائج الأذكار. اختصار السيرة النبوية المحمدية. اللوامح. اللوائح. الاسم والرسم.
الفصل والوصل. مراتب العلوم. الوهب. انتقاش النور. النحل. الوجد. الطالب
والمجذوب. الأدب. الحال. الشريعة والحقيقة. التحكم والشطح. الحق. المخلوق.
الإفراد وذوو الأعداد. الملامية. الخوف والرجاء. الفيض والبسط. الهبة والأنس. اللسانين.
التواصي الليلية. الفناء والبقاء. الغيبة والحضور. الصحو والسكر. التجليات. القرب
والبعد. المحو والإثبات. الخواطر. الشاهد والمشاهد. الكشف. الولد. التجريد والتفريد.
العزة والاجتهاد. اللطائف والعوارف. الرياضة والتجلي. المحق والسحق. التودد والهجوم.
التلوين والتمكين. اللمة والهمة. العزة والغيرة. الفتوح والمطالعات. الوقائع. الحرف
المعني. التدني والتدلي. الرجعة. الستر والخلوة. النون. الختم والطبع. انتهت، ولعزتها
ذكرتها هنا فإنها من أعظم كراماته رضي الله عنه، فلم أخرج بذكرها عن الصدد الذي ألف
الكتاب لأجله، وقد رأيت كتاباً مستقلاً في ذكر مؤلفاته وفيه كثير منها لم يذكر هنا في هذه
الإجازة، وكانت وفاته رضي الله عنه سنة ٦٣٨.

جميع الحقوق محفوظة
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب
العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة
أو إعادة تنضيد الكتاب كاملا" أو مجزأً أو تسجيله على أشرطة
كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات
ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً.
Copyright C
All rights reserved
Exclusive rights by DAR al-KOTOB al-
ILMIYAH Beirut - Lebanon. No part of this
publication may be translated, reproduced,
distributed in any form or by any means, or
stored in a data base or retrieval system,
without the prior written permission of the
publisher.
الطّبعَة الأولى
١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
: رمل الظريف. شارع البحتري، بناية ملكارت
العنوان
تليفون وفاكس: ٢٦٤٣٩٨ - ٢٦٦١٣٥ - ٦٠٢١٣٣ (١ ٩٦١ ) ..
صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان
DAR al-KOTOB al-ILMIYAH
Beirut - Lebanon
Address : Ramel al-Zarif, Bohtory st., Melkart bldg., 1st Floore.
Tel. & Fax : 00 (961 1) 60.21.33 - 36.61.35 - 36.43.98
P.O.Box : 11 - 9424 Beirut - Lebanon
DET KONGELIGE BIBLIOTEK
ISBN 2-7451-2275-4
90000>
9 782745 122759
http://www.al-ilmiyah.com.lb/
e-mail : sales@al-ilmiyah.com
info@al-ilmiyah.com
50

ـةٍ
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَـ
(صلى الله على سيدنا محمد)
الحمد لله الذي أوجد الأشياء عن عدم وعدمه، وأوقف وجودها على توجّه كلمه،
لنحقق بذلك سرّ حدوثها وقدمها من قدمه، ونقف عند هذا التحقيق على ما أعلمنا به من
صدق قدمه. فظهر سبحانه وظهر وأظهر وما بطن، ولكنه بطن وأبطن، وأثبت له الاسم
الأول وجود عين العبد وقد كان ثبت، وأثبت له الاسم الآخر تقدير الفناء والفقد وقد كان
قبل ذلك ثبت، فلولا العصر والمعاصر، والجاهل والخابر، ما عرف أحد معنى اسمه الأول
والآخر، ولا الباطن والظاهر، وإن كانت أسماؤه الحسنى، على هذا الطريق الأسنى، ولكن
بينها تباين في المنازل، يتبين ذلك عندما تتخذ وسائل لحلول النوازل، فليس عبد الحليم
هو عبد الكريم، وليس عبد الغفور هو عبد الشكور، فكل عبد له اسم هو ربّه، وهو جسم
ذلك الاسم قلبه، فهو العليم سبحانه الذي علم وعلم، والحاكم الذي حكم وحكم،
والقاهر الذي قهر وأقهر، والقادر الذي قدر وكسب ولم يقدر، الباقي الذي لم تقم به صفة
البقاء، والمقدس عند المشاهدة عن المواجهة والتلقاء، بل العبد في ذلك الموطن الأنزه
لاحق بالتنزيه، لا أنه سبحانه وتعالى في ذلك المقام الأنوه يلحقه التشبيه، فتزول من العبد
في تلك الحضرة الجهات، وينعدم عند قيام النظرة به منه الالتفات، أحمده حمد من علم
أنه سبحانه علا في صفاته وعلَّى، وجلّ في ذاته وجلَّى، وأن حجاب العزّة دون سبحاته
مسدل، وباب الوقوف على معرفة ذاته مقفل، إن خاطب عبده فهو المسمع السميع، وإن
فعل ما أمر بفعله فهو المطاع المطيع، ولما حيرتني هذه الحقيقة، أنشدت على حكم
الطريقة للخليقة: [مخلع: البسيط]
يا لَيْتَ شِعْرِي مَنِ المُكَلَّفْ
الرَّبُّ حَقٌّ والعَبْدُ حَقٌّ
أَو قُلْتَ رَبِّ أَنَّى يُكَلَّفْ
إِنْ قُلْتَ عَبْدٌ فذاك مَيْتُ
فهو سبحانه يطيع نفسه إذا شاء بخلقه، وينصف نفسه مما تعين عليه من واجب حقّه،
فليس إلاَّ أشباح خاليه، على عروشها خاويه، وفي ترجيع الصدى، سر ما أشرنا إليه لمن
اهتدى، وأشكره شكر من تحقق أن بالتكليف ظهر الاسم المعبود، وبوجود حقيقة لا حول
ولا قوة إلاَّ بالله ظهرت حقيقة الجود، وإلاَّ فإذا جعلت الجنة جزاء لما عملت، فأين الجود
الإلهيّ الذي عقلت؟ فأنت عن العلم بأنك لذاتك موهوب، وعن العلم بأصل نفسك
محجوب، فإذا كان ما تطلب به الجزاء ليس لك، فكيف ترى عملك؟ فاترك الأشياء
وخالقها، والمرزوقات ورازقها، فهو سبحانه الواهب الذي لا يملّ، والملك الذي عزّ سلطانه
١٥

١٦
خطبة الكتاب
وجلّ، اللطيف بعباده الخبير، الذي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى:
الآية ١١] والصلاة على سرّ العالم ونكتته، ومطلب العالم وبغيته، السيد الصادق، المدلج إلى
ربه الطارق، المخترق به السبع الطرائق، ليريه من أسرى به ما أودع من الآيات والحقائق،
فيما أبدع من الخلائق، الذي شاهدته عند إنشائي هذه الخطبة في عالم حقائق المثال، في
حضرة الجلال، مكاشفة قلبية، في حضرة غيبية، ولما شهدته وّ في ذلك العالم سيداً،
معصوم المقاصد محفوظ المشاهد، منصوراً مؤيداً، وجميع الرسل بين يديه مصطفون، وأمته
التي هي خير أمة عليه ملتفون، وملائكة التسخير من حول عرش مقامه حافون، والملائكة
المولدة من الأعمال بين يديه صافون، والصدّيق على يمينه الأنفس، والفاروق على يساره
الأقدس، والختم بين يديه قد حثى، يخبره بحديث الأنثى، وعلي عليه السلام يترجم عن
الختم بلسانه، وذو النورين مشتمل برداء حيائه مقبل على شانه، فالتفت السيد الأعلى،
والمورد العذب الأحلى، والنور الأكشف الأجلى، فرآني وراء الختم، لاشتراك بيني وبينه في
الحكم، فقال له السيد هذا عديلك، وابنك وخليلك، انصب له منبر الطرفاء بين يديّ، ثم
أشار إليّ أن قم يا محمد عليه فأثن على من أرسلني وعليّ، فإن فيك شعرة مني، لا صبر لها
عني، هي السلطانة في ذاتيتك، فلا ترجع إليّ إلاَّ بكليتك، ولا بدّ لها من الرجوع إلى اللقاء،
فإنها ليست من عالم الشقاء، فما كان مني بعد بعثي شيء في شيء إلاَّ سعد، وكان ممّن شكر
في الملأ الأعلى وحمد، فنصب الختم المنبر، في ذلك المشهد الأخطر، وعلى جبهة المنبر
مكتوب بالنور الأزهر: هذا هو المقام المحمدي الأطهر، من رقى فيه فقد ورثه، وأرسله
الحق حافظاً لحرمة الشريعة وبعثه، ووهبت في ذلك الوقت مواهب الحكم، حتى كأني أوتيت
جوامع الكلم، فشكرت الله عزّ وجلّ وصعدت أعلاه، وحصلت في موضع وقوفه وَل
ومستواه، وبسط لي على الدرجة التي أنا فيها كم قميص أبيض فوقفت عليه، حتى لا أباشر
الموضع الذي باشره وَالّ بقدميه، تنزيهاً له وتشريفاً، وتنبيهاً لنا وتعريفاً، أن المقام الذي
شاهده من ربه، لا يشاهده الورثة إلاَّ من وراء ثوبه، ولولا ذلك لكشفنا ما كشف، وعرفنا ما
عرف، ألا ترى من تقفو أثره، لتعلم خبره؟ لا تشاهد من طريق سلوكه ما شهد منه، ولا
تعرف كيف تخبر بسلب الأوصاف عنه، فإنه شاهد مثلاً تراباً مستوياً لا صفة له فمشى عليه،
وأنت على أثره لا تشاهد إلاَّ أثر قدميه، وهنا سرّ خفيّ إن بحثت عليه، وصلت إليه، وهو من
أجل أنه إمام، وقد حصل له الأمام، لا يشاهد أثراً ولا يعرفه، فقد كشفت ما لا يكشفه، وهذا
المقام قد ظهر، في إنكار موسى صلَّى الله على سيدنا وعليه وعلى الخضر، فلما وقفت ذلك
الموقف الأسنى، بين يدي من كان من ربه في ليلة إسرائه قاب قوسين أو أدنى، قمت مقنعاً
خجلاً، ثم أيّدت بروح القدس فافتتحت مرتجلاً: [الكامل]
أَنْزِلْ عَليَّ مَعَالِمَ الأَسْمَاءِ
يا مُنْزِلَ الآياتِ والأنْبَاءِ
حتَّى أكونَ لحَمْدِ ذاتك جامعاً
بمَحَامِدِ السَّرّاء والضَّرَّاءِ

١٧
خطبة الكتاب
ثم أشرت إليه والقر: [الكامل]
ويكون هذا السَّيِّدُ العَلَمُ الذي
وَجَعَلْتَهُ الأَضْلَ الكريمَ وآدم
وَنَقَلْتَهُ حتَّى اسْتَدار زمانُهُ
وأَقَمْتَهُ عَبْداً ذليلاً خاضعاً
حتَّى أتاه مُبَشِّراً مِنْ عندكم
قال السلامُ عليك أَنت مُحَمَّدٌ
يا سيدي حَقّاً أقول فقال لي
فاحمد وزِدْ في حَمْد ربِّك جاهداً
وانْثُرْ لنا من شأن ربِّك ما انْجَلَى
من كلِّ حَقٌّ قائم بحَقِيقَةٍ
جَرَّدْتَهُ من دَوْرَةِ الخُلَفَاءِ
ما بين طِيئَةٍ خَلْقِهِ والمَاءِ
وَعَطَفْتَ آخِرَهُ على الإِبْداءِ
دَهْراً يناجيكم بغَار حِرَاءِ
جبريلُ المَخْصُوصُ بِالإنْبَاءِ
سِرُّ العِبَاد وخَاتَمُ النُّبَآءِ
صِدْقاً نطقتَ فأنْتَ ظَلُّ ردائي
فلقد وُهِبْتَ حقائق الأشْيَاء
لفؤادك المَخْفُوظِ في الظَّلْمَاءِ
يأتيكَ مملوكاً بغير شِرَاءِ
ثم شرعت في الكلام، بلسان العلام، فقلت وأشرت إليه، وَّر، حمدت من أنزل
عليك الكتاب المكنون، الذي لا يمسّه إلاَّ المطهرون، المنزّل بحسن شيمك، وتنزيهك عن
الآفات وتقديسك، فقال في سورة ﴿ت﴾ ﴿بسْمِ اللهِ الرَِّ الرَّحَيَةِ﴾ ﴿نَّ وَاَلْقَلَمِ وَمَا
يَسْطُرُونَ ﴿﴿ مَآ أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴿﴿ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ
فَسَتُبْصِرُ وَيْصِرُونَ ﴾﴾ [سورة القلم: الآيات ١ - ٥] ثم غمس قلم الإرادة في مداد العلم وخط
بيمين القدرة في اللوح المحفوظ المصون، كل ما كان وما هو كائن وسيكون وما لا يكون،
مما لو شاء وهو لا يشاء أن يكون، لكان كيف يكون من قدره المعلوم الموزون، وعلمه
الكريم المخزون ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٨٠] ذلك الله الواحد
الأحد، فتعالى عما أشرك به المشركون، فكان أول اسم كتبه ذلك القلم الأسمى، دون غيره
من الأسماء إني أريد أن أخلق من أجلك يا محمد العالم الذي هو ملكك فاخلق جوهرة الما،
فخلقتها دون حجاب العزّة الأحمى، وأنا على ما كنت عليه ولا شيء معي في عما، فخلق الماء
سبحانه بردة جامدة كالجوهرة في الاستدارة والبياض، وأودع فيها بالقوة ذوات الأجسام وذوات
الأعراض، ثم خلق العرش واستوى عليه اسمه الرحمن، ونصب الكرسي وتدلّت إليه القدمان،
فنظر بعين الجلال إلى تلك الجوهرة فذابت حياء، وتحلّلت أجزاؤها فسالت ماء، وكان عرشه
على ذلك الماء، قبل وجود الأرض والسماء، وليس في الوجود إذ ذاك إلاَّ حقائق المستوى عليه
والمستوي والاستواء، فأرسل النفس فتموّج الماء من زعزعه وأزبد، وصوت بحمد الحمد
المحمود الحق عندما ضرب بساحل العرش فاهتز الساق وقال له: أنا أحمد، فخجل الماء
ورجع القهقرى يريد ثبجه، وترك زبده بالساحل الذي أنتجه، فهو مخضة ذلك الماء، الحاوي
على أكثر الأشياء، فأنشأ سبحانه من ذلك الزبد الأرض، مستديرة النشء مدحية الطول
والعرض، ثم أنشأ الدخان من نار احتكاك الأرض عند فتقها ففتق فيه السموات العلى، وجعله
محل الأنوار ومنازل الملأ الأعلى، وقابل بنجومها المزيّنة لها النيرات، ما زيّن به الأرض من
أزهار النبات، وتفرّد تعالى لآدم وولديه، بذاته جلت عن التشبيه ويديه، فأقام نشأة جسدية،
الفتوحات المکیة ج١ - ٢٣

١٨
خطبة الكتاب
وسواها تسويتين تسوية انقضاء أمده، وقبول أبده، وجعل مسكن هذه النشأة نقطة كرة الوجود
وأخفى عينها، ثم نبّه عباده عليها بقوله تعالى ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [سورة الرعد: الآية ٢]، فإذا انتقل
الإنسان إلى برزخ الدار الحيوان، مارت قبة السماء وانشقت فكانت شعلة نار سيال كالدهان،
فمن فهم حقائق الإضافات، عرف ما ذكرنا له من الإشارات، فيعلم قطعاً أنّ قبّة لا تقوم من
غير عمد، كما لا يكون والد من غير أن يكون له ولد، فالعمد هو المعنى الماسك، فإن لم
ترد أن يكون الإنسان فاجعله قدرة المالك، فتبين أنه لا بدّ من ماسك يمسكها، وهي مملكة
فلا بدّ لها من مالك يملكها، ومن مسكت من أجله فهو ماسكها، ومن وجدت له بسببه فهو
مالكها، ولما أبصرت حقائق السعداء والأشقياء عند قبض القدرة عليها بين العدم والوجود
وهي حالة الإنشاء حسن النهايه، بعين الموافقة والهدايه، وسوء الغاية بعين المخالفة والغوايه،
سارعت السعيدة إلى الوجود وظهر من الشقية التثبط والإبايه، ولهذا أخبر الحق عن حالة
(٦١)﴾ [سورة المؤمنون: الآية ٦١] يشير إلى
السعداء فقال: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَرِعُونَ فِى الْخَرَتِ وَهُمْ لَهَا سَبِقُونَ
تلك السرعه، وقال في الأشقياء: ﴿فَشَبَّطَهُمْ وَقِيلَ أَقْعُدُواْ مَعَ اُلْقَعِدِينَ﴾ [سورة التوبة: الآية ٤٦]
يشير إلى تلك الرجعه، فلولا هبوب تلك النفحات على الأجساد ما ظهر في هذا العالم سالك
غيّ ولا رشاد، ولتلك السرعة والتثبط أخبرتنا صلَّى الله عليك، أن رحمة الله سبقت غضبه
هكذا نسب الراوي إليك، ثم أنشأ سبحانه الحقائق على عدد أسماء حقّه، وأظهر ملائكة
التسخير على عدد خلقه، فجعل لكل حقيقة اسماً من أسمائه تعبده وتعلمه، وجعل لكل سرّ
حقيقة ملكاً يخدمه ويلزمه، فمن الحقائق من حجبته رؤية نفسه عن اسمه، فخرج عن تكليفه
وحكمه، فكان له من الجاحدين، ومنهم من ثبت الله أقدامه واتخذ اسمه إمامه، وحقّق بينه
وبينه العلامه، وجعله أمامه، فكان له من الساجدين. ثم استخرج من الأب الأوّل أنوار
الأقطاب شموساً تسبح في أفلاك المقامات، واستخرج أنوار النجباء نجوماً تسبح في أفلاك
الكرامات، وثبت الأوتاد الأربعة للأربعة الأركان، فانحفظ بهم الثقلان، فأزالوا ميد الأرض
وحركتها، فسكنت فازينت بحلي أزهارها وحلل نباتها وأخرجت بركتها، فتنعمت أبصار
الخلق بمنظرها البهي، ومشامّهم بريحها العطري وأحناكهم بمطعومها الشهي، ثم أرسل
الأبدال السبعة إرسال حكيم عليم، ملوكاً على السبعة الأقاليم، لكل بدل إقليم، ووزر للقطب
الإمامين، وجعلهما إمامين على الزمامين، فلما أنشأ العالم على غاية الإتقان، ولم يبق أبدع
منه كما قال الإمام أبو حامد في الإمكان، وأبرز جسدك صلَّى الله عليك للعيان، أخبر عنك
الراوي أنك قلت يوماً في مجلسك: ((إِنَّ الله كَانَ وَلاَ شَيْءَ مَعَهُ بَلْ هُوَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ)).
وهكذا هي صلَّى الله عليك حقائق الأكوان، فما زادت هذه الحقيقة على جميع الحقائق، إلاّ
بكونها سابقة وهنّ لواحق، إذ من ليس مع شيء فليس معه شيء ولو خرجت الحقائق على
غير ما كانت عليه في العلم، لانمازت عن الحقيقة المنزهة بهذا الحكم، فالحقائق الآن في
الحكم على ما كانت عليه في العلم، فلنقل كانت ولا شيء معها في وجودها، وهي الآن على
ما كانت عليه في علم معبودها، فقد شمل هذا الخبر الذي أطلق على الحق، جميع الخلق،

١٩
خطبة الكتاب
ولا تعترض بتعدّد الأسباب والمسبّبات، فإنها ترد عليك بوجود الأسماء والصفات، وأن
المعاني التي تدل عليها مختلفات، فلولا ما بين البداية والنهاية سبب رابط وكسب صحيحٍ
ضابط، ما عرف كل واحد منهما بالآخر، ولا قيل على حكم الأوّل يثبت الآخر، وليس إلاّ
الرب والعبد وكفى، وفي هذا غنية لمن أراد معرفة نفسه فى الوجود وشفا، ألا ترى أن
الخاتمة عين السابقه، وهي كلمة واجبة صادقه. فما للإنسان يتجاهل ويعمى، ويمشي في
دجنة ظلماء حيث لا ظل ولا ما، وأنّ أحق ما سمع من النبا، وأتى به هدهد الفهم من سبا،
وجود الفلك المحيط، الموجود في العالم المركب والبسيط، المسمّى بالهباء، وأشبه شيء به
الماء والهواء، وإن كانا من جملة صوره المفتوحة فيه. ولما كان هذا الفلك أصل الوجود
وتجلّى له اسمه النور من حضرة الجود كان الظهور، وقبلت صورتك صلَّى الله علیك من ذلك
الفلك أول فيض ذلك النور، فظهرت صورة مثلية، مشاهدها عينية، ومشاربها غيبية، وجنتها
عدنية، ومعارفها قلمية، وعلومها يمينية، وأسرارها مدادية، وأرواحها لوحية، وطينتها آدمية،
فأنت أب لنا في الروحانية، كما كان وأشرت إلى آدم صلَّى الله عليه في ذلك الجمع أباً لنا في
الجسمية، والعناصر له أم ووالد، كما كانت حقيقة الهباء في الأصل مع الواحد، فلا يكون
أمر إلاَّ عن أمرين، ولا نتيجة إلاَّ عن مقدّمتين، أليس وجودك عن الحق سبحانه وكونه قادراً
موقوفاً، وأحكامك عليه من كونه عالماً موصوفاً، واختصاصك بأمر دون غيره مع جوازه
عليك عليه من كونه مريداً معروفاً، فلا يصحّ وجود المعدوم عن وحيد العين، فإنه من أين
يعقل الأين؟ فلا بدّ أن تكون ذات الشيء أيناً لأمر مّا، لا يعرفه من أصبح عن الكشف على
الحقائق أعمى، وفي معرفة الصفة والموصوف، تتبين حقيقة الأين المعروف، وإلاَّ فكيف
تسأل صلَّى الله عليك بأين وتقبل من المسؤول فاء الظرف، ثم تشهد له بالإيمان الصرف؟
وشهادتك حقيقة لا مجاز، ووجوب لا جواز، فلولا معرفتك صلَّى الله عليك بحقيقة ما، ما
قبلت قولها مع كونها خرساء في السما، ثم بعد أن أوجد العوالم اللطيفة والكثيفه، ومهد
المملكة وهيّأ المرتبة الشريفه، أنزل في أول دورة العذراء الخليفه، ولذلك جعل سبحانه مدتنا
في الدنيا سبع آلاف سنه، وتحلّ بنا في آخرها حال فناء بين نوم وسنه، فننتقل إلى البرزخ
الجامع للطرائق، وتغلب فيه الحقائق الطيارة على جميع الحقائق، فترجع الدولة للأرواح،
وخليفتها في ذلك الوقت طائر له ستمائة جناح، وترى الأشباح، في حكم التبع للأرواح،
فيتحول الإنسان في أي صورة شاء، لحقيقة صحّت له عند البعث من القبور في الإنشاء،
وذلك موقوف على سوق الجنه، سوق اللطائف والمنه، فانظروا رحمكم الله وأشرت إلى آدم
في الزمردة البيضاء، قد أودعها الرحمن في أوّل الآباء، وانظروا إلى النور المبين، وأشرت
إلى الأب الثاني الذي سمّانا مسلمين، وانظروا إلى اللجين الأخلص، وأشرت إلى من أبرأ
الأكمه والأبرص بإذن الله كما جاء به النص، وانظروا إلى جمال حمرة ياقوتة النفس، وأشرت
إلى من بيع بثمن بخس، وانظروا إلى حمرة الإبريز، وأشرت إلى الخليفة العزيز، وانظروا إلى
نور الياقوتة الصفراء في الظلام، وأشرت إلى من فضل بالكلام، فمن سعى إلى هذه الأنوار،

٢٠
خطبة الكتاب
حتى وصل إلى ما يكشفه لك طريقها من الأسرار، فقد عرف المرتبة التي لها وجد، وصحّ له
المقام الآليّ وله سجد، فهو الرب والمربوب، والمحب والمحبوب: [الكامل]
فَطِناً تَرَ الجُودَ القديمَ المُحدِثَا
انْظُرْ إلى بَدْءِ الوجود وكُنْ به
أَبْدَاهُ في عين العوالم مُحدَثًا
والشيء مثل الشيء إلاَّ أنه
إنْ أقْسَمَ الرائي بأنّ وجودَهُ
أَزَلاَ فِبرِّ صادقٌ لن يَخْنِئَا
عن فَقْدِهِ أخْرَى وكان مُثَلِّثًا
أو أقْسَمَ الرائي بأنّ وجودَهُ
ثم أظهرت أسراراً، وقصصت أخباراً، لا يسع الوقت إيرادها، ولا يعرف أكثر الخلق
إيجادها، فتركتها موقوفة على رأس مهيعها، خوفاً من وضع الحكمة في غير موضعها، ثم
رددت من ذلك المشهد النوميّ العليّ إلى العالم السفلي، فجعلت ذلك الحمد المقدّس خطبة
الكتاب، وأخذت في تتميم صدره، ثم أشرع بعد ذلك في الكلام على ترتيب الأبواب،
والحمد لله الغنيّ الوهاب. هذه رسالة كتبت بها: أما بعد فإنه: [الكامل]
لما انْتَهَى للكَعْبَةِ الحَسْنَاءِ
وسَعَى وطافَ وَثَمَّ عند مقامها
من قال هذا الفعلُ فرضٌ واجبٌ
ورأى بها الملأَ الكَرِيمَ وآدماً
ولآدَمَ وَلْداً تَقِيًّا طَائعاً
والكلُّ بالبيت المكرم طائفٌ
يُرْخي ذلاذلَ بُزْدِهِ ليريكَ في
وأبي على الملأ الكريم مقدّمٌ
والعبد بين يدي أبيه مطرقٌ
يُبْدِي المعالمَ والمناسكَ خِدْمَةٌ
فعجبتُ منهم كيف قال جميعُهم
إذْ كان يَخْجُبُهُمْ بِظُلْمة طِينِهِ
وبدا بنُورٍ ليس فيه غيرُه
إن كان والدُنا مَحَلأَّ جامعاً
ورأى المُوَيْهَةً والنّوَيْرَةَ جاءتا
فبنَفْسِ ما قامت به أضدادُهُ
وأتى يقول أنا المُسَبِحُ والذي
وأنا المقدّسُ ذاتُ نور جلالكم
لما رَأَوْا جهة الشمال ولم يَرَوْا
ورأوا نفوسهمو عبيداً خُشَّعاً
جسمي وحَصَّلَ رتبةَ الأُمَنَاءِ
صلَّى وأثْبَتَهُ من العُتَقَاءِ
ذاك المؤمَّلُ خاتمُ النَّبَآءِ
قلبي فكان لهم من القُرَنَاءِ
ضَخْمَ الدَّسِيعَةِ أَكْرَمَ الكُرَمَاءِ
وقَدِ اخْتَفَى في الحُلَّةِ السَّوْداءِ
ذاك التَّبَخْتُرِ نَخْوَةَ الخُيَلاءِ
يمشي بأضْعَفِ مشيةِ الزُّمَنَاءِ
فِعْلَ الأَرِيبِ وچِبْرَئِيلُ إزائي
لأبي ليُورِثَها إلى الأبناء
بفساد والدنا وسَفْكِ دِمَاءٍ
عمّا حَوَتْهُ مِنْ سَنَا الأسماء
لكنهم فيه مِنَ الشُّهداء
للأولياء معاً وللأغداء
كَزْهاً بغير هَوّى وغير صفاء
حكموا عليه بغِلْظَةٍ وبَذَاءِ
ما زال يحمدُكم صَبَاحَ مَسَاءِ
وأتّوا في حَقُّ أبي بكلّ جَفَاء
مِنْهُ يَمِينَ القَبْضَةِ البَيْضَاءِ
ورَأَوْهُ ربّاً طالبَ اسْتِيلاء