النص المفهرس

صفحات 281-300

سمعت رسول الله وسلم يقول: ((كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا
سبي ونسبي))(١). ويدل لما ذكرناه أيضاً أنه عليه الصلاة والسلام أخذ بيد
الحسين حين أراد الحضور للمباهلة لما نزل قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالوا ندْعُ
أبناءَنا وأبناءكم﴾ وقوله للحسن: ((إن ابني هذا سيد))(٢). وقوله حِينَ بال
عليه، وهو صغير: ((لا تزرموا ابني)). وهذه الخصيصة التي ذكرتها قالها
صاحب التلخيص. وتبعه الرافعي(٣) في معنى الحديث السالف. فقيل: معناه
أن أمته ينسبون إليه يوم القيامة، وأمم سائر الأنبياء لا ينسبون. وقيل: لا
ينتفع يومئذ بسائر الأنساب وينتفع بالنسبة إليه، وذكر القضاعي هذه
الخصيصة فيما خص به دون غيره من الأنبياء.
المسألة الثلاثون: صحَّ عنه أنه بُّ قال: «تسموا باسمي ولا
تكنوا بكنيتي)) (٤). كما أخرجه البخاري ومسلم من رواية جماعة من الصحابة
منهم: جابر وأبو هريرة وغيرهما.
(١) حديث: ((كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سبي ونسبي)). رواه الطبراني من
حديث عمر بن الخطاب، وابن عباس والمسور بن مخرمة رضي الله عنهم. قال الهيثمي في
الزوائد: رواه الطبراني ورجاله ثقات، اهـ.
أخرجه الحاكم من حديث عمر في قصة زواجه من أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهم
جميعاً. قال: وهذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي في التلخيص: بل
منقطع واوٍ ١٤٢/٣ من المستدرك. أخرج قصة المباهلة ابن كثير في التفسير ٣٦٩/١ -
٣٧٠، من حديث جابر قال: قدم على النبي - العاقب والطيب فدعاهما إلى الملاعنة
فواعداه على أن يلاعناه الغداة. قال: فغدا رسول الله * فأخذ بيد علي وفاطمة
والحسن والحسين ... الحديث.
(٢) أخرجه البخاري ٦١/١٣، في كتاب الفتن، من حديث أبي بكرة، واسمه نفيع بن
الحارث، بلفظ: بينا النبي * يخطب جاء الحسن، فقال النبي مثل: ((ابني هذا سيد
ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين)).
(٣) وفي (ش): وأنكرها القفال قال لا اختصاص في انتساب أولاد البنات إليه واختلف .. الخ.
(٤) أخرجه خ في كتاب المناقب ٥٦٠/٦، من حديث أنس وجابر وأبي هريرة، وأخرج م في =
٢٨١

قال الشافعي: وليس لأحد أن يكتني بأبي القاسم سواء كان اسمه
محمداً أم لا؟.
قال الرافعي: ومنهم من حمله على كراهية الجمع بين الاسم والكنية
وجوّز الإفراد. قال: ويشبه أن يكون هذا أظهر، لأن الناس ما زالوا
یکتنون به في سائر الأعصار من غير إنكار.
قال النووي في الروضة(١): وهذا التأويل والاستدلال ضعيف.
والأقرب مذهب مالك: وهو جواز التكني بأبي القاسم مطلقاً لمن اسمه
محمد ولغيره. والنهي مختص بحياته ويمطلقة، لأن سبب النهي أن اليهود تكنوا
به وكانوا ينادون: يا أبا القاسم، فإذا التفت النبي وَ ل قالوا: لم نعنك(٢).
إظهاراً للإيذاء. وقد زال ذلك المعنى(٣).
الصحيح في كتاب الآداب ١١٣/١٤ - ١١٦، من حديث جابر بلفظ: عن جابر بن
=
عبدالله، قال: ((تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي، قال رسول الله وعليه: فإني أنا أبا القاسم
أقسم بینکم)». وله متابعات، ومن حديث أبي هريرة مثله.
(١) ذكره في الروضة ١٥/٧ وحصره في ثلاثة أقوال:
١ - قول الشافعي: أنه لا يجوز التکني بأبي القاسم کیف کان اسمه.
٢ - قول مالك: أنه يجوز التكني بأبي القاسم سواء كان اسمه محمداً أو غيره. وقد رجّح
النووي هذا المذهب وجعله أقرب إلى الصواب، وهو كما قال.
٣ - يجوز لمن اسمه محمد دون غيره.
وأما الأقوال الستة التي ذكرها النووي في شرحه على مسلم فأفصلها فيما يلي:
أ - النهي عن التكني بأبي القاسم مطلقاً. يعني سواء كان اسمه محمداً أو لا.
ب - النهي إنما كان خاصاً بحياته آلاف﴾ .
جـ - النهي إنما على سبيل الأدب والاحترام.
د- النهي إنما هو في حالة الجمع فقط.
هـ - النهي عن التسمية بالقاسم.
و- النهي عن التسمية بمحمد. وقد علمت الصواب في ذلك، والله أعلم.
(٢) أخرجه مسلم في الصحيح، في كتاب الآداب ١١٢/١٤، من حديث أنس.
(٣) وذكر النووي في شرح مسلم ستة أقوال في المسألة. فراجعه ١١٢/١٤ - ١١٣.
٢٨٢

وهذا نقله الغزالي في الإحياء عن العلماء. وقول النووي في الروضة
كما سلف، ما ذكره الرافعي أنه ضعيف. وكذا قوله في الأذكار أن فيه
مخالفة لأصل الحديث فيه نظر، بل فيه موافقة لحديث صحيح رواه الإمام
أحمد وأبو داود والترمذي من حديث أبي الزبير عن جابر رفعه: ((من تسمى
باسمي فلا یتکنی بکنیتي، ومن تکنی بکنیتي فلا يتسمی باسمي)). قال الترمذي :
حسن غريب(١).
(١) حاصل ما جاء من الأحاديث التي تدل على هذا المعنى كما ذكره صاحب مجمع الزوائد في
کتاب الآداب ٤٨/٨ - ٤٩.
أ - عن عبدالرحمن بن أبي عمرة، عن عمه، أن رسول الله و # قال: ((لا تجمعوا بين
اسمي وكنيتي)). رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح .
ب - عن أبي أحمد قال: قال رسول الله *: ((من تسمى باسمي فلا يتكنى بكنيتي ...
الحديث. رواه البزار وفيه أبو بكر بن أبي سبرة وهو متروك.
جـ - وعن ابن عباس، أن رسول الله # قال: ((سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي)). رواه
الطبراني بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات.
قلت: هذه الأحاديث صريحة في النهي عن الجمع بين الاسم والكنية.
علة النهي في التسمية باسم النبي آثار :
أ - عن أنس رضي الله عنه، أن النبي ## قال: ((تسمونهم محمداً ثم تلعنونهم ... ))
الحديث. رواه أبو يعلى والبزار. وفيه الحكم بن عطية وثقه ابن معين وضعفه غيره،
وبقية رجاله رجال الصحيح .
ب- عن أبي رافع، قال: سمعت رسول الله (#) يقول: ((إذا سميتم محمداً فلا
تضربوه ... )) الحديث. رواه البزار عن شيخه غسان بن عبيد وثقه ابن حبان وغيره،
وفيه ضعف.
جـ- وعن عبدالرحمن بن أبي ليلى نظر عمر إلى ابن عبدالحميد، وكان اسمه محمداً،
ورجل يقول: فعل الله بك يا محمد. فسماه عبدالرحمن فأرسل إلى بني طلحة وهم سبعة
سيدهم وكبيرهم محمد بن طلحة فغير أسماءهم، فقال محمد: أذكر الله يا أمير المؤمنين،
فوالله محمد والر سماني، فقال: قوموا فلا سبيل إلى شيء سماه رسول الله وخلقه .
بهذا يلوح سبب النهي في هذا احترام اسم النبي مح#، وفيه فضيلة الفاروق عمر حيث
وقف عند حده حينما علم أن تلك التسمية هي من لدن رسول الله صلاته .
بيان أن النهي للإكرام والحرمة لاسم النبي ◌َّار اعتباراً بالأصل:
٢٨٣

وقال البيهقي في شعب الإيمان بعد أن أخرجه: هذا إسناد صحيح .
وصححه أيضاً ابن حبان وابن السكن(١)، وهو مذهب أبي حاتم بن حبان
من جلة أصحابنا کما أوضحه في صحيحه.
وشذ آخرون فمنعوا التسمية باسم النبي صلّ جملة كيف ما يكنى،
حكاه الشيخ زكي الدين المنذري، قال: وذهب آخرون إلى أن النهي في
ذلك منسوخ.
قلت: وفي آخر كتاب الصبر - يعني الحافظ بخطه - ما نصه: ظئر
محمد بن طلحة: روى عنها عيسى بن طلحة، قالت: لما ولد محمد بن
طلحة أتينا به رسول الله وَّر فقال: ((ما سميتموه؟)) فقلنا محمداً، فقال:
((هذا اسمي وكنيته أبو القاسم)). فإن صح فيحمل أن هذا كان قبل
النسخ (٢).
واعلم أن جماعة تسموا بهذا الاسم، وكنوا بهذه الكنية. وبعضهم
أدرك زمنه ټ منهم:
أبو القاسم محمد بن الحنفية(٣) في جامع الترمذي، من حديث
محمد بن الحنفية، عن علي رضي الله عنه، أنه قال: يا رسول الله، أرأيت
إن ولد لي من بعدك ولد أسميه محمداً وأكنيه بكنيتك، قال: ((نعم)).
= عن عيسى بن طلحة، حدثني ظئر محمد بن طلحة، قال: لما ولد محمد بن طلحة أتيت به
النبي *، قال: ((ما سميتموه؟)) قلنا: محمداً، قال: هذا اسمي وكنيته أبو القاسم.
رواه الطبراني. وفيه إبراهيم بن أبي شيبة وهو متروك. قال الطبراني: محمد بن طلحة بن
عبيدالله ولد في حياة النبي صل ، وسماه محمداً وكناه أبو القاسم. مجمع الزوائد. ٤٨/٨،
٤٩.
(١) هو الحافظ أبو علي سعيد بن عثمان بن سعيد بن السكن البغدادي نزيل مصر (م ٢٩٤ -
٣٥٣ هـ). ترجمته في تذكرة الحفاظ ٩٣٧/٣.
(٢) قلت: الحديث في سنده متروك.
(٣) وفي (ن د): ولد محمد بن الحنفية بعد وفاة النبي وح﴾، فاعلمه.
٢٨٤

قال: وكانت رخصة لي. قال الترمذي: حديث صحيح(١). قلت: ويروى
أنه قال لعلي رضي الله عنه: ((سيولد لك بعدي غلام وقد نحلته اسمي
وكنيتي(٢)، ولا يحل لأحد من أمتي بعده. ومنهم أبو القاسم محمد بن أبي
بكر الصديق، ومحمد بن طلحة بن عبيدالله(٣)، ومحمد بن سعد بن أبي
(١) أخرجه ت ١٣٤/٨، من حديث علي رضي الله عنه، في أبواب الاستئذان، وأبو
داود ٥٨٩/٢من حديثه، في كتاب الأدب. وقد أشار أبو داود إلى اختلاف الرواة في
الأحاديث الواردة في هذا المعنى.
(٢) هذا الحديث أخرجه ابن الجوزي في العلل ص ١٩، بلفظ: ((يولد لك ابن قد نحلته
اسمي وكنيتي)). قال: رواه قيس بن الربيع ضعيف، عن ليث، مثله، عن محمد بن
الأشعث، عن علي، اهـ.
المحمدون الذين جمعوا بين اسمه وكنيته :
أ - محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم: أمه أسماء بنت عميس الخثعمية، ولد عام
حجة الوداع. وهو ربيب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه حيث تزوج أمه
بعد أبي بكر الصديق وكان معه حتى ولاه مصر، قتله معاوية بن خديج صبراً، وذلك
سنة ثمان وثلاثين، ترجمته في الاستيعاب ٣٤٨/٣.
ب - محمد بن طلحة بن عبيدالله القرشي التيمي. وذكر ابن حجر في الإصابة أنه مشهور
بهذه الكنية ٣٧٩/٣.
جـ ـ محمد بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهما ذكر الواقدي أنه يكنى أبا القاسم،
وهو الذي تزوج أم كلثوم بنت علي بعد عمر بن الخطاب رضي الله عنهم جميعاً. ترجمته في
الإصابة ٣٧٢/٣.
د - محمد بن الحاطب بن الحارث بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح أبو
القاسم القرشي الجمحي. الإصابة ٣٧٢/٣.
هـ - محمد بن الأشعث بن قيس الكندي. ذكره ابن منده أنه ولد في عهد النبي {$ * .
قلت: وفيه نظر. راجع الإصابة ٥٠٩/٣.
و- وممن لم يذكره المصنف: محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد
مناف القرشي العبشمي، مشهور بهذه الكنية. ولد بأرض الحبشة، وله مواقف مع
الخليفة الثالث عثمان رضي الله عنه. راجع الاستيعاب ٣٤٢/٣ .
(٣) تقدم حديثه قريباً.
٢٨٥

وقاص، ومحمد بن عبدالرحمن بن عوف، ومحمد بن جعفر بن أبي طالب،
ومحمد بن حاطب بن أبي بلتعة، ومحمد بن الأشعث بن قيس؛ وكلهم كانوا
یکتنون بهذه الكنية.
(تنبيه) لما حكى في الروضة من زوائد المذهب. الثالث في التكني
بأبي القاسم، قال: والثالث يجوز (١) لمن اسمه محمد دون غيره، كذا هو في
بعض النسخ. وهو سهو منه في التعبير. والصواب أنه يجوز لمن ليس اسمه
محمداً(٢) دون غيره فتنبه له، والله أعلم.
(فائدة غريبة) حكى ابن الصلاح في فوائده، عن كتاب الأعداد
لابن سراقة الفقيه(٣): نهى النبي ◌َ ل﴿ عن أربع كنى: أبي عيسى وأبي الحكم
وأبي مالك، وأبي القاسم لمن تسمى محمداً (٤).
المسألة الحادية والثلاثون: كانت الهدية له حلالاً بخلاف غيره
من الحكام وولاة الأمر(٥) من رعاياهم، ذكره النووي في الروضة(٦). وذكر
(١) ونصه في الروضة ١٥/٧، والثالث: يجوز لمن اسمه محمد دون غيره. هذا الذي نبه
عليه المصنف.
(٢) ومثله أحمد كما هو رأي الشافعية الذي يشير إليه المصنف رحمه الله تعالى.
(٣) ابن سراقة الفقيه: هو الإمام محمد بن محمد بن إبراهيم الأنصاري الشاطبي المصري
محيي الدين أبو بكر بن سراقة، محدث فقيه فرضي صوفي أديب. توفي بالقاهرة في
عشرين من شعبان سنة ٦٦٢ هـ.
(٤) هذه الفائدة غير ثابتة في (ن د). وأثبتّها من (ن ج، ن س). قال في شرح الشمائل
٧/١: إنما كره النبي﴿ التكني بأبي عيسى، لأن عيسى بن مريم وَ لّ لا أب له.
ولإيهام ذلك صار مكروهاً وإن كان واضحاً. ثم قال: روي أن رجلًا تسمى أبا عيسى فقال
النبي : ((إن عيسى لا أب له)) فكره ذلك. ثم قال: وقد استغربه الحفاظ. ذكره في
شرح الشمائل.
(٥) وفي (ش): الأمور.
(٦) ذكره في الروضة ١٦/٧، ونصه مطابق لما ذكره.
٢٨٦

القضاعي في عيون المعارف أن من خصائصه أنه لا يقبل هدية مشرك ولا
یستعین به(١)، وفيما ذكره نظر(٢).
المسألة الثانية والثلاثون: أعطي وَ الر جوامع الكلِم (٣). وأوتي
الآيات الأربع من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش (٤) لم يعطهن أحد
قبله ولا بعده.
(١) لعله يشير إلى ما ثبت في الصحيح في قصة ابن الأتْبِية. أخرجها البخاري ١٦٤/١٣،
في كتاب الأحكام، من حديث أبي حميد الساعدي، مع حديث عائشة الثابت في
الصحيح ٢١٠/٥، في كتاب الهبة، من حديث عائشة، ولفظه: عن عائشة رضى الله
عنها قالت: ((كان رسول الله ﴿ يقبل الهدية ويُثيب عليها)).
وأما كونه ري لا يستعين بمشرك لا يعارضه أنه استأجر عبدالله بن أريقظ الديلي في قصة
الهجرة لأن عدم الاستعانة بالمشركين يمكن حمله في الحروب ومكائدها، ولا يسري ذلك
في غيرها من متعلقات الحياة، ولا سيما في دفع الضرر العام كإطفاء الحريق، وإنقاذ
الغريق وما يجري مجراها، والله أعلم.
(٢) لعل النظر يرجع إلى الهدية، ولكن ترك الاستعانة به قد ثبت في الصحيح.
(٣) أخرج خ، في كتاب الاعتصام ٢٤٧/١٣، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وهو
حديث متفق عليه، ولفظه: أن رسول الله * قال: ((بعثت بجوامع الكلم، ونصرت
بالرعب، وبينا أنا نائم رأيتني أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي)). قال أبو
هريرة: فقد ذهب رسول الله ﴿ وأنتم تلغثونها أو ترغثونها. أو كلمة تشبهها، وهي من
الرغث كناية عن سعة العيش.
أخرجه مسلم في الصحيح ٥/٥، من حديث أبي هريرة، في كتاب المساجد بلفظ:
((نصرت بالرعب على العدو وأوتيت جوامع الكلم، وبينما أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن
الأرض ... )) الحديث.
يلغثون: قال الحافظ في الفتح ٢٤٧/١٣: بفتح الأولى وإسكان الثانية ثم غين معجمة
مفتوحة ثم مثلثة. والثانية مثلها لكن بدل اللام راء. وهي من الرغث كناية عن سعة
العیش.
(٤) قال النووي عند شرح حديث حذيفة المتقدم: قال العلماء: المذكور هنا خصلتان لأن
قضية الأرض كلها مسجداً وجعلت تربتها طهوراً خصلة واحدة.
وأما الثالثة فمحذوفة ذكرها النسائي من رواية أبي مالك الراوي هنا في مسلم. قال : =
٢٨٧

قال الهروي: نعني بجوامع الكلم القرآن، جمع الله في الألفاظ
اليسيرة منه المعاني الكثيرة. وكلامه وملو كان بالجوامع قليل اللفظ كثير
المعاني. وقال ابن شهاب: بلغني أن جوامع الكلم أن الله تعالى يجمع له
الأمور الكثيرة التي كانت تكتب(١) قبله في الأمر الواحد والأمرين ونحو
ذلك(٢). ذكره البيهقي في دلائل النبوة في إثر حديث أبي هريرة، أنه وله
قال: ((بعثت بجوامع الكلم ... )) الحديث وعزاه إلى البخاري ومسلم.
المسألة الثالثة والثلاثون: عُرض عليه الخلق كلهم من آدم إلى
من بعده كما علم آدم أسماء كل شيء. ذكره العراقي في شرح المهذب(٣).
المسألة الرابعة والثلاثون: فاتته - عليه الصلاة والسلام - ركعتان
بعد الظهر فقضاهما بعد العصر، ثم داوم عليهما بعده (٤)، والأصح أن هذه
((وأوتيت هذه الآيات من خواتيم البقرة من كنز تحت العرش ولم يعطهن أحد قبلي ولا
=
یعطاهن أحد بعدي)».
قلت: هذه الخصال المتفرقة جمعها المصنف في هذه المسألة كما مر.
(١) وفي (ش): في الكتب.
(٢) هذا التفسير ذكره البخاري في الصحيح ٢٤٧/١٣ إثر الحديث المذكور، ولعل منه
استفاد البيهقي رحمة الله على الجميع.
(٣) قلت: لعل في هذا إشارة إلى رؤيا النبي مشر كما ثبت في الصحيح، في كتاب التفسير
٤٠٥/١١، من صحيح البخاري، من حديث ابن عباس قال: قال النبي زمسلم:
(ُعُرضت علي الأمم، فأخذ النبي يمر معه الأمة، والنبي يمر معه النفر، والنبي يمر معه
العشرة، والنبي يمر الخمسة، والنبي يمر وحده. فنظرت فإذا سواد كثير، قلت: يا
جبريل هؤلاء أمتي. قال: لا، ولكن انظر إلى الأفق فنظرت فإذا سواد كثير، قال:
هؤلاء أمتك وهؤلاء سبعون ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب ... )) الحديث. وذكر قصة
عكاشة. أخرجه البخاري في مواضع من الصحيح .
(٤) أخرج خ حديث صلاة ركعتين بعد العصر في كتاب مواقيت الصلاة، من حديث عائشة
رضي الله عنها ٦٣/٢ - ٦٤، ومسلم في الصحيح، في كتاب المساجد ١١٩/٦، من
حديثها أيضاً.
٢٨٨
=

المداومة خاصة به. ذكره النووي في الروضة، لكن ذكر الشيخ تقي الدين بن
دقيق العيد حديثاً عن تميم الداري، أنه كان يصليهما مع النبي مَّر، من
طريق يحيى بن بكير(١)، عن الليث(٢)، عن أبي الأسود(٣)، عن عروة(٤)
عنه. فإن صح خدش في ذلك لما ذكره ابن حبان في صحيحه من حديث
أم سلمة، أنه وسط﴿ قال لها - وقد سألته عن فعله لهاتين الركعتين -: ((كنت
أصليهما قبل العصر فصليتهما الآن))، قالت: يا رسول الله أنصليهما إذا
فاتتنا؟ قال: ((لا)). قال: فيه البيان بأن من فاتته ركعتا الظهر، إلى أن صلى
= وأخرج م حديث أم سلمة، أن عبدالله بن عباس وعبدالرحمن بن أزهر والمسوربن مخرمة
أرسلوا كريباً إلى عائشة رضي الله عنها، فأحالته إلى أم سلمة بعد أن أفتتْه بالحديث إن
رسول الله* كان يصليهما في بيته. فقالت أم سلمة: سمعت رسول الله (صلقر ينهى عنهما
ثم رأيته يصليهما فأرسلت إليه الجارية فقلت: قومي بجنبه فقولي له: تقول أم سلمة يا
رسول الله إني أسمعك تنهى عن هاتين الركعتين وأراك تصليهما. فإن أشار بيده
فاستأخري عنه. قال: ففعلت الجارية فأشار بيده فاستأخرت عنه، فلما انصرف قال:
(يا بنت أبي أمية سألت عن الركعتين بعد العصر إنه أتاني ناس من عبدالقيس بالإسلام
من قومهم فشغلوني عن الركعتين بعد الظهر فهما هاتان)).
وقد بحث المسألة الإمام النووي في شرحه على مسلم ١٢١/٦، ووجّه الحديث على ما
يتفق مع المذهب الشافعي. انظره.
(١) يحيى بن بكير: هو الإمام يحيى بن عبدالله بن بكير المخزومي مولاهم، المصري وقد
ينسب إلى جده. قال الحافظ في التقريب: ثقة في الليث واختلفوا في سماعه من مالك
٣٥١/٢.
(٢) الليث: هو فقيه مصر ومحدثها، الإمام الليث بن سعد بن عبدالرحمن الفهمي أبو الحارث
قال الحافظ في التقريب ١٣٨/٢: ثقة ثبت فقيه إمام مشهور، من السابعة. /ع.
(٣) أبو الأسود: هو الديلي - بكسر المهملة وسكون التحتانية - ويقال: الدؤلي بالضم بعدها
همزة مفتوحة البصري اسمه ظالم بن عمروبن سفيان، ثقة فاضل، مخضرم مات سنة
٦٩/ع.
(٤) عروة: هو ابن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي. قال الحافظ في التقريب ٣٩١/٢:
ثقة فقيه مشهور مولده في أوائل خلافة عمر الفاروق. مات سنة أربع وتسعين على
الصحيح .
٢٨٩

العصر ليس عليه إعادتهما، وإنما كان ذلك له خاصة دون أمته(١)، اهـ.
وينبغي أن تُحمل الإعادة في كلامه على الدوام، وإلا فظاهر كلامه ليس بجید.
المسألة الخامسة والثلاثون: لا يجوز الجنون على الأنبياء عليهم
الصلاة والسلام(٢) بخلاف الإِغماء كما أطلقه الرافعي وغيره. وعن القاضي
حسين أنه حكى في كتاب الصوم عن الدارمي أن الإغماء إنما يجوز عليهم
ساعة أو ساعتين فأما الشهر والشهران فلا كالجنون. والأشْهَر امتناع
الاحتلام عليهم كما قاله في الروضة(٣).
قلت: وفي الطبراني من حديث ابن عباس رفعه: ((ما احتلم نبي
قط، إنما الاحتلام من الشيطان))(٤). وضعّفه ابن دحية في كتابه المسمى
بالآيات البينات.
المسألة السادسة والثلاثون: من رآه في المنام فقد رآه حقاً فإن
الشيطان لا يتمثل في صورته كما صح في الحديث(٥). قال القاضي أبو
(١) إذا ثبت هذا كان رداً على ما استدل به الشافعية من أن قضية الاقتداء بالنبي * لعدم
وجود ما يدل على الخصوصية في ذلك. بل نقول دل هذا على ذلك، والله أعلم.
(٢) هذا واضح. فقد قال الله تعالى: ﴿ن، والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمت ربك
بمجنون﴾ وقال سبحانه وتعالى في رد مزاعم الكفار: ﴿كذلك ما أتى الذين من قبلهم من
رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون﴾.
(٣) ذكره في الروضة ١٦/٧ وعبارته مطابقة لما هنا.
(٤) روى خ في الصحيح، في كتاب التفسير ٣٩٣/١٢، من حديث أبي قتادة الأنصاري
بلفظ: ((الرؤيا من الله والحلم من الشيطان)). ولكنه ليس نصاً في المسألة لأن الحلم
المقصود في الحديث ما يراه النائم في نومه وهنا المقصود الاحتلام وهو خروج المني ليلاً.
التلخيط والأضغاث التي تكون من وسوسة الشيطان. وأخرجه مسلم في الصحيح
١٧/١٥، في كتاب الرؤيا، من حديث أبي قتادة.
(٥) أخرجه خ ٣٨٣/١٢، في كتاب التفسير، من حديث أبي هريرة، قال: سمعت
النبي و858* يقول: ((من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي)). ثم قال
أبو عبدالله البخاري: قال محمد بن سيرين: إذا رآه في صورته.
٢٩٠
=

بكر (١): معناه أن رؤياه صحيحة ليست بأضغاث. وقال آخرون: معناه رآه
حقيقة. قال القاضي عياض: ويحتمل أن يكون المراد ما إذا رآه على صفته
المعروفة له في حياته(٢). فإن رآه على خلافها كانت رؤيا تأويل لا رؤيا
حقيقة. قال بعض العلماء: خص عليه الصلاة والسلام بأن رؤيته في المنام
صحيحة ومنع الشيطان أن يتصور في خلقته لئلا يكذب على لسانه في
النوم(٣)، كما منع أن يتصور في صورته في اليقظة إكراماً له.
إذا تقرر ذلك، فما سمعه الرائي (٤) في المنام مما تتعلق به الأحكام لا
يعمل به لعدم ضبط الرائي، لا للشك في الرؤيا. فإن الخبر لا يقبل إلا
من ضابط مكلف والنائم بخلافه. هذا ما ذكره القاضي حسين في فتاويه في
مسألة صيام رمضان، وآخرون من الأصحاب، وجزم به في الروضة من
زوائده في أوائل النكاح في الكلام على الخصائص(٥).
= ومن حديث أنس بلفظ: ((من رآني في المنام فقد رآني ... )). الحديث وفيه زيادة: ((رؤيا
المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)). ومن حديث أبي قتادة بلفظ: ((من رآني
فقد رأى الحق)). ومن حديث أبي سعيد الخدري: ((من رآني فقد رأى الحق، فإن
الشيطان لا یتکونني)».
وأخرجه م في الصحيح ٢٤/١٥، في كتاب الرؤيا، من حديث أبي هريرة وجابر بن
عبدالله رضي الله عنهم .
(١) القاضي أبو بكر: هو الفقيه المتكلم الأصولي محمد بن الطيب المشهور بالقاضي أبو بكر
الباقلاني الشافعي. صاحب كتاب الرد على الباطنية. انظر ترجمته في البداية والنهاية
٣٥٠/١١.
(٢) هذا التأويل هو الذي ذكره البخاري - إثر إخراج الحديث المذكور - عن محمد بن سيرين
التابعي الجليل.
(٣) لأن في ذلك إفساداً لشريعته وله .
(٤) وفي (ش): منه.
(٥) ذكره ١٦/٧ في الروضة. فراجعه إن شئت، والله الموفق.
٢٩١

ونقل القاضي عياض الإجماع عليه(١). ونقل النووي أيضاً في شرح
مسلم - في باب بيان أن الإسناد من الدين - عن أصحابنا وغيرهم أنهم
نقلوا الاتفاق على أنه لا يغير بسبب ما يراه النائم ما تقرر في الشرع. ثم
قال: وهذا في منام يتعلق بإثبات حكم على خلاف ما يحكم به لولاه. وأما
إذا رآه وأمره بفعل ما هو مندوب إليه، أو ينهاه عن منهي عنه، أو يرشده
إلى فعل مصلحة فلا خلاف في استحباب العمل على وفقه. لأن ذلك ليس
حكماً بمجرد المنام بل بما تقرر من أصل ذلك الشيء.
نعم عن فتاوى الحنّاطي - من جلة أصحابنا - أن إنساناً رأى النبي
ولو في منامه على الصفة المنقولة عنه، فسأله عن الحكم فأفتاه بخلاف
مذهبه، وليس مخالفاً لنص ولا إجماع. فقال: فيه وجهان:
أحدهما: يؤخذ بقوله لأنه مقدم على القياس.
وثانيهما: لا، لأن القياس دليل والأحلام لا تعويل عليها فلا يترك
من أجلها الدلیل.
وعن كتاب الجدل للأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني (٢) حكاية وجهين
في أن الرجل لو رأى النبي ◌َّ في المنام وأمره بأمر هل يجب عليه امتثاله إذا
(١) ذكر النووي ١١٥/١ كلام القاضي عياض ونقله في باب الإسناد من الدين في مقدمة
صحيح مسلم عند قول مسلم: إن حمزة الزيات أخبر أنه رأى النبي # في المنام فعرض
عليه ما سمع من أبان فما عرف منها إلا شيئاً يسيراً خمسة أو ستة. ثم قال النووي:
قال القاضي عياض - رحمه الله - هذا ومثله استئناس واستظهار على ما تقرر من ضعف
أبان لا أنه يقطع بأمر المنام ولا أنه تبطل بسببه سنة ثبتت ولا تثبت به سنة لم تثبت،
وهذا بإجماع العلماء.
ثم ذكر النووي - بعد كلام القاضي عياض - ما أشار إليه المصنف هنا. انظر إلى شرح
النووي ١١٥/١ من صحيح مسلم رحمهما الله تعالى.
(٢) الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني: هو الإمام إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران،
أحد أئمة الدين أصولاً وفروعاً. وتوفي سنة ٤١٨ هـ. (ط ش ك) ١١١/٣.
٢٩٢

استيقظ؟ كذا هو في مجموع عتيق منسوب لابن الصلاح عنه. وفيه أيضاً
حكاية وجهين في وجوب التمسك من حيث هو في الحالة المذكورة.
وعن روضة الحكام للقاضي شريح(١) من أصحابنا: لو كان النبي
حدّ قال لفلان: على فلان كذا، هل للسامع أن يشهد لفلان على فلان
كذا؟ وجهان. وقد سلفا(٢).
(فائدة) روی الطبراني - أظنه في أوسط معاجمه۔ من حديث أبي
سعيد الخدري، أنه ◌َّ قال: ((من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا
يتمثل بي ولا بالكعبة)). ثم قال: لا تُحفظ هذه اللفظة إلا في هذا
الحديث(٣).
(تنبيه) جعل القضاعي هذه الخصوصية مما خص بها دون غيره من
الأنبياء .
المسألة السابعة والثلاثون: أن الأرض لا تأكل لحوم الأنبياء،
للحديث الصحيح في ذلك (٤).
(١) القاضي شريح: هو الفقيه أبو نصر شريح بن عبدالكريم بن أحمد الروياني الشافعي ولي
القضاء بآمل طبرستان. من آثاره ((روضة الأحكام وزينة الحكام)) في أدب القضاء، توفي
في سنة خمس وخمسمائة الأعلام ٢٣٦/٣ .
(٢) هكذا في (ش).
(٣) أخرجه الطبراني في الأوسط ١٠٠/١ وسنده فيه هكذا: قال الطبراني: ثنا إسحاق بن
إبراهيم بن أبي الورس الغزي بمدينة غزة، ثنا محمد بن أبي السري العسقلاني، ثنا
عبدالرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد
الخدري: ((من رآني في المنام ... )). الحديث. وفيه زيادة: ((ولا بالكعبة)).
قال أبو القاسم الطبراني: لا يحفظ في حديث: ولا بالكعبة، إلا في هذا الحديث.
(٤) قلت: يشهد لهذا ما أخرجه ابن سعد، عن الحسن، قال: قال رسول الله تعالى: ((افرشوا
لي قطيفتين في لحدي فإن الأرض لم تسلط على أجساد الأنبياء)». ٤٠٣/٣ الخصائص
الكبرى للسيوطي .
وفيه حديث آخر ذكره ابن كثير في التفسير ٥١٤/٣.
٢٩٣
=

ذكره في الروضة(١).
المسألة الثامنة والثلاثون: أن الكذب عليه وَلّ عمداً من
الكبائر، لقوله وسلم في الحديث الصحيح: ((إن كذباً علي ليس ككذب على
أحد))(٢). نعم لا يكفر فاعله على الصحيح وهو قول الجمهور. وقال
= أخرجه الإمام أحمد في المسند ٨/٤، من طريق حسين بن علي الجعفي، عن
عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس الثقفي
رضي الله عنه، قال: قال رسول الله *: ((من أفضل أيامكم يوم الجمعة: فيه خلق
آدم، وفيه قُبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة. فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فإن
صلاتكم معروضة))، قالوا: يا رسول الله وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟ قال:
((إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)). ثم قال: ورواه أبو داود، والنسائي
وابن ماجه من حديث حسين بن علي الجعفي. وقد صحّحه ابن خزيمة، وابن حبان،
والدارقطني، والنووي في الأذكار.
تخريج الحديث الشريف:
أخرجه الإمام في المسند ٨/٤ في مسند أوس بن الأوس الثقفي، وأبو داود في السنن
٢٤١/١ في كتاب الصلاة، والنسائي في الصغرى ٩١/٣ في كتاب الجمعة، وابن ماجه
في السنن ٣٤٥/١ في كتاب إقامة الصلاة والسنة. وأصل الحديث في الصحيح أخرجه
مسلم ١٤١/٦ في كتاب الجمعة، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي (45*
قال: ((خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه
أخرج منها ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة)).
وأما الزيادة المذكورة في الحديث فهي في مسند الإمام أحمد والسنن الثلاث كما رأيت،
والحديث صالح فتكون الزيادة مقبولة.
وأخرجه الحاكم ٢٧٨/١ في مستدركه وقال: على شرط البخاري ولم يخرجاه. وأقره
الذهبي .
(١) ونصه في الروضة ١٦/٧: لا تأكل الأرض لحوم الأنبياء للحديث الصحيح في
ذلك، اهـ. قلت: ويعني بالحديث الصحيح الذي سقنا رواياته هنا. رواه أحمد وأبو
داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي، بسند صحيح.
(٢) هذا الحديث من الأحاديث المتواترة وقد رفعه الناس من أشجار شتى وطرق كثيرة:
أ- أخرجه خ في الصحيح ١٩٩/١، في كتاب العلم، من حديث علي رضي الله عنه.
٢٩٤

الشيخ أبو محمد (١): هو كفر فإن تاب قبلت توبته (٢) إذا حسنت حالته. قال
جماعة منهم الصيرفي(٤) من أصحابنا: لا تقبل روايته بعدها بخلاف
الفسق، وبخلاف الشهادة وهو مذهب أحمد.
المسألة التاسعة والثلاثون: قال الماوردي في تفسيره: قال ابن
أبي هريرة: كان ◌َلّ لا يجوز عليه الخطأ ويجوز على غيره من الأنبياء. لأنه
خاتم النبيين، فليس بعده من يستدرك خطأه بخلافهم، فلذلك عصمه الله
تعالى منه. وقال الإمام: الحق أنه لا يخطأ اجتهاده.
واختار الآمدي وابن الحاجب أنه يجوز عليه الخطأ بشرط أن لا يقرّ
عليه. ونقله الآمدي عن أكثر أصحابنا والحنابلة وأصحاب الحديث (٤).
واحتج الآمدي بأشياء، منها قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت
لهم ... ﴾ (٥) الآية. وقوله تعالى: ﴿ما كان لنبي أن يكون له
أسرى ... ﴾(٦) الآية. فإن عمر رضي الله عنه كان قد أشار بقتلهم فلم
يقتلهم (٧).
= ب - أخرج م هذا الحديث وما في معناه بطرقه المختلفة في مقدمة الصحيح ٦٦/١،
انظره إن شئت والله الموفق.
(١) الشيخ أبو محمد: هو الجويني والد إمام الحرمين، وقد تقدمت ترجمته في أوائل الكتاب.
(٢) وفي(ش): وروايته.
(٣) الصيرفي: هو الإمام الحافظ محمد بن عبدالله أبو بكر الصيرفي، توفي سنة ثلاثين
وثلاثمائة. له ترجمة في تذكرة الحفاظ ٦٦٩/٢ - ٦٧٠.
(٤) ذكر هذه القضية الآمدي في القسم الثالث من منتهى السول ص ٥٩ - ٦٠. راجعه
هناك والله الموفق.
(٥) سورة براءة: الآية ٤٣.
(٦) سورة الأنفال: الآية ٦٧ .
(٧) أخرجه الإمام أحمد ٣٠/١ في مسنده. وذكره ابن كثير في تفسيره ٣٢٥/٢، من حديث
أنس عن طريق علي بن هاشم، عن حميد، عن أنس رضي الله عنه، قال: استشار النبي =
٢٩٥

والحديث ((إنما أحكم بالظاهر))(١)، والله أعلم.
المسألة الاربعون: يبلغه 18 سلام الناس عليه بعد موته(٢).
= * الناس في الأسارى يوم بدر فقال: ((إن الله قد أمكنكم منهم))، فقام عمر بن الخطاب
فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم، فأعرض عنه النبي بُ ﴾. ثم عاد رسول الله مقالته
فعاد عمر كذلك، وفي الثالثة فقام أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله
نرى أن تعفو عنهم وأن تقبل منهم الهدي ... )) الحديث. ثم أشار أنه في صحيح
مسلم، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قلت: أخرجه في الصحيح ٨٦/١١، في
کتاب الجهاد والسير ٨٥/١٢.
(١) قال الحافظ في التلخيص الحبير ١٩٢/٤: روي أنه # قال: ((إنما نحكم بالظاهر والله
يتولى السرائر)). ثم قال: هذا الحديث استنكره المزني فيها حكاه ابن كثير عنه في أدلة
التنبيه .
ثم قال الحافظ: وقد ثبت في تخريج أحاديث المنهاج للبيضاوي سبب وقوع الوهم من
الفقهاء في جعلهم هذا حديثاً مرفوعاً.
قلت: يشهد لمعناه حديث الصحيحين عن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: قال
رسول الله : ((إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلى ... )). الحديث. أخرجه خ
١٧٢/١٣، في كتاب الأحكام، عنها.
أخرجه م في الصحيح ٤/١٢، في كتاب الأقضية من حديثها - أيضاً - رضي الله عنها.
(٢) أخرج أبو داود في سننه ١/ ٤٧٠ في كتاب الصلاة، من طريق ابن عوف - هو محمد بن
المقرىء - عن حيوة، عن أبي صخر حميد بن زياد، عن يزيد بن عبدالله بن قسيط، عن
أبي هريرة، أن رسول الله ثم قال: ((ما منكم من أحد يسلم عليّ إلا رد الله عليّ روحي
حتی أرد عليه السلام)). قال ابن كثير ٥١٤/٣ في تفسيره: تفرد به أبو داود وصححه
النووي في الأذكار.
وأخرج أبو داود ٤٧١/١ في كتاب الصلاة، من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله
*: ((لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلّوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني
حيثما كنتم)). تفرد به أبو داود، من طريق أحمد بن صالح شيخ أبي داود فيما قرأه على
عبدالله بن نافع، فيما أخبره به ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال:
قال رسول الله صل *... الحديث. وقد صححه النووي في الأذكار أيضاً.
وذكره من حديث علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده، أنه قال: قال رسول الله الخطير:
((لا تجعلوا قبري عيداً ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً، وصلوا علي وسلموا حيثما كنتم فتبلغني =
٢٩٦

ويشهد لجميع النبيين بالأداء يوم القيامة، قاله الماوردي(١).
المسألة الحادية والأربعون: جعل ابن سبع من خصائصه أنه
كان نوراً. وكان إذا مشى في الشمس أو القمر لا يظهر له ظل(٢). ويشهد
له أنه عليه الصلاة والسلام سأل الله تعالى أن يجعل في جميع أعقابه وجهاته
نوراً وختم ذلك بقوله: ((واجعلني نوراً)) (٣).
المسألة الثانية والأربعون: قال الشيخ عز الدين بن عبدالسلام:
جاء عن رسول الله وَّر أنه علم بعض الناس الدعاء. فقال: ((قل اللهم
إني أقسم عليك بنبيك محمد نبي الرحمة)). فإن صح فينبغي أن يكون
مخصوصاً به فإنه سيد ولد آدم، وأن لا يقسم على الله بغيره من الأنبياء
والملائكة والأولياء فإنهم ليسوا في درجته.
قلت: الحديث المذكور أخرجه الترمذي من حديث عثمان بن
= صلاتكم وسلامكم)). ثم قال: وفي إسناده رجل لم يسمّ. ذكره ابن كثير في تفسيره
٥١٥/٣.
(١) أورد ابن كثير في تفسيره ١٩٠/١ عند قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً﴾ الآية
أخرج الإمام أحمد عن أبي سعيد رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وفضله: ((يُدعى نوح
يوم القيامة فيقال له: هل أبلغت؟ فيقول: نعم، فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلغكم؟
فيقولون: ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد، فيقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد
وأمته. قال: فكذلك قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ... ) الآية. ثم قال:
رواه البخاري، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، من طرق عن الأعمش.
وأخرج الإمام أحمد من وجه آخر عن أبي سعيد الخدري، وزاد فيه: ((فيقال: وما
علمكم؟ فيقولون: جاءنا نبينا فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا)).
(٢) هذه المسألة ذكرت في كتب الخصائص ولكن لا دليل عليها.
(٣) هذا مما لا خلاف فيه وقد ثبت في الصحيح ذلك:
أخرجه خ ١١٦/١٢، في كتاب الدعوات، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
وأخرجه م في الصحيح ٤٤/٦، في كتاب صلاة المسافرين لدى أبواب صلاة الليل، من
حديثه أيضاً.
٢٩٧

حنيف، بلفظ: ((اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي
الرحمة ... )) الحديث. ثم قال: حسن صحيح غريب(١).
قال البيهقي في دلائل النبوة: ورويناه في كتاب الدعوات بإسناد
صحيح. ورواه من طريق ليس فيها ((أقسم)) بل ((أسألك)).
(١) حديث الأعمى أخرجه الترمذي في الجامع ١٠ / ٣٢ - ٣٣، من حديث عثمان بن
حنيف، ولفظه: أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي (# فقال: ادع الله أن يعافيني، قال:
((إن شئت دعوت لك وإن شئت صبرت فهو خير لك)). قال: فادعه، قال: ((فأمره أن
يتوضأ فيحسن وضوءه، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد
نبي الرحمة، إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي لتقضى لي، اللهم فشفعه فيّ. ثم قال
الترمذي: هذا حديث صحيح غريب.
قال المباركفوري: أخرجه النسائي، وزاد في آخره: فرجع وقد كشف الله بصره.
وأخرجه أيضاً ابن ماجه، وابن خزيمة في صحيحه، والحاكم وقال: صحيح على شرط
الشيخين. وقيده شيخ الإسلام - في التوسل والوسيلة - أنّ ذلك كان في حال الحياة.
حاصل ما ذكره شيخ الإسلام فيما يتعلق بحديث الأعمى: قال: ليس فيه حجة لمن
يقول بالتوسل فإنه صريح إنما توسل بدعاء النبي (# وشفاعته، وهو طلب من النبي والطين
الدعاء، وقد أمره النبي ( أن يقول: ((اللهم شفعه فيّ)). ولهذا رد الله عليه بصره
لما دعا له النبي مخل﴾.
وكان ذلك من آيات النبي # ولو توسل به غيره من العميان الذين لم يدعُ لهم النبي ◌ِثاله
بالسؤال له لم تکن حالهم کحاله، اهـ.
انظر ص ٦٤ - ٦٥ التوسل والوسيلة لشيخ الإسلام.
أخرجه الحاكم في المستدرك ٣٣/١ وسكت عنه الذهبي .
٢٩٨

فوائد نختم بها الكتاب
روت عائشة رضي الله عنها، أنه سير كان يرى في الظلمة كما يرى في
النور(١)، لكنه ضعفه ابن بشكوال(٢) كما حكاه ابن دحية في كتابه الآيات
البينات له. وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة، من حديثها بلفظ: كان يرى
في الظلماء كما يرى في الضوء. ثم قال: هذا إسناد فيه ضعف. ثم أخرجه
من حديث ابن عباس، بلفظ: كان يرى بالليل في الظلمة كما يرى بالنهار
من الضوء. ثم قال: ليس إسناده بالقوي. وروي أن الأرض تبتلع بوله
وغائطه ويفوح لذلك رائحة طيبة(٣). روت عائشة أيضاً أنها قالت: يا
(١) ثبت على هامش (ن د) بخط بعض الفضلاء: قال السهيلي في روضته في الهجرة إلى
أرض الحبشة: روي أن رسول الله * * حين ابتنى بأم سلمة دخل عليها ليلتها في ظلمة
فوطىء على زينب ابنتها فبكت. فلما كان من الليلة الأخرى دخل في ظلمة أيضاً فقال:
((انظروا زيانبكم أن لا أطأ عليها)). ذكره الزبير - قلت هو ابن بكار المؤرخ - ثم قال:
وفي هذا الحدیث توهین لرواية من روی أنه یری باللیل کما یری بالنهار، اهـ.
قلت: في كلام المصنف رحمه الله تصريح لضعف الحديث من جميع طرقه، والله الموفق.
وقال ابن الجوزي في العلل ص ١٢: فيه عبدالله بن محمد بن المغيرة - متهم - عن
هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها.
(٢) ابن بشكوال: هو الحافظ أبو القاسم خلف بن عبدالملك بن مسعود بن بشكوال بن
يوسف بن داحة الأنصاري الأندلسي، محدث الأندلس ومؤرخها. ولد سنة أربع وتسعين
وأربعمائة، وتوفي في ثامن شهر رمضان سنة ثمان وسبعين وخمسمائة ودفن في مقبرة
الإمام يحيى بن يحيى الليثي. له ترجمة في تذكرة الحفاظ ١٣٣٩/٤.
(٣) أخرجه الذهبي في ترجمة محمد بن حسان الأموي ٥١٢/٣، من حديث عائشة رضي الله =
٢٩٩

رسول الله إني أراك تدخل الخلاء ثم يجيء الذي يدخل بعدك فلا يرى لما
يخرج منك أثراً(١). فقال: ((يا عائشة، أما علمت أن الله تعالى أمر الأرض
أن تبتلع ما خرج من الأنبياء)). قال ابن دحية في الكتاب المذكور: سنده
ثابت .
وأما البيهقي فأخرجه في دلائل النبوة، من حديثها أيضاً بلفظ: كان
إذا دخل الغائط دخلت في أثره. فلا أرى شيئاً إلا أني كنت أشم رائحة
الطيب. فذكرت ذلك له فقال: يا عائشة أما علمت أن أجسادنا تنبت(٢)
أرواح أهل الجنة(٣) وما خرج منها من شيء ابتلعته الأرض. ثم قال: هذا
من موضوعات الحسين بن علوان لا ينبغي ذكره. ففي الأحاديث
الصحيحة والمشهورة كفاية عن كذب ابن علوان(٤).
وفي الشفاء لابن سبع عن بعض أصحابه أنه قال: ((صحبه الّ في
سفر، فلما أراد قضاء حاجته تأملته وقد دخل مكاناً فقضى حاجته فدخلت
= عنها. وقال: رواه الدارقطني في الأول من الأفراد، عن محمد بن سليمان بن محمد
الباهلي النعماني، وقال: تفرد به محمد بن حسان، ومشيختنا ثقة. قال ابن الجوزي في
الأحاديث الواهية: ابن حسان كذاب.
(١) هذا الحديث من أحاديث الحسين بن علوان الكلبي. ترجم له الذهبي في الميزان
٥٤٢/١، وذكر كلام ابن حبان: كان يضع الحديث على هشام وغيره وضعاً.
وذكر بعض الفضلاء على هامش المخطوطة (ن د): قال ابن حبان: في هذا الحديث مما
يُعلم وضعه على هشام. كما يروى عن هشام، عن عائشة، أن رسول الله # كان إذا
دخل الخلاء ... الحديث. وعزاه أيضاً إلى الحكيم الترمذي. قلت: ما تفرد به
ضعيف.
(٢) وفي(ش): على.
(٣) ذكره ابن الجوزي في العلل ١٣/١، وقال: فيه حسين بن علوان متهم. قال: ورواه
محمد بن حسان الأموي - كذاب - حدثنا عبدة بن سليمان، عن هشام.
(٤) قال - فيه - ابن عدي: إنه كان يضع الحديث. ذكره في الكامل ٢٧٢/١ - الحسين بن
علوان الكوفي الكلبي يضع الحديث. انظر الكامل.
٣٠٠