النص المفهرس
صفحات 241-260
الخامسة منهن: أم سلمة، هند بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية(١)، تزوجها بعد وفاة أبي سلمة عبدالله بن عبدالأسد. السادسة: ميمونة بنت الحارث (٢) خالة ابن عباس. وكل النبي وَل أبا رافع في قبول نكاحها وهي بمكة. وهل كان حلالاً أو محرماً؟ ففيه خلاف قدمته. ودخل بها عام الفتح سنة ثمان بسرف (٣) وبه ماتت. وبدأ به ** المرض في بيتها. وروي أنه تزوجها عمرة القضاء وكانت سنة سبع. قال عطاء: وكان لا يقسم لها فلعله (٤) كان برضاها. وهو ما حكاه (١) أم المؤمنين ويقال: إنها أول ظعينة هاجرت إلى المدينة. استشهد زوجها أبو سلمة عبدالله بن عبدالأسد في بدر، فلما حلت خطبها النبي # فتزوجها في السنة الثانية من الهجرة بعد وقعة بدر. لها ترجمة في الطبقات الكبرى لابن سعد ٨٦/٨، الاستيعاب ٤٢١/٤، الإصابة ٤٢٣/٤، معرفة الصحابة ٥٦٠/٥، وتوفيت في أول خلافة يزيد بن معاوية سنة ستين. وقيل: سنة تسع وخمسين. (٢) أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بحير بن الهزم بن رويبة بن عبدالله بن هلال بن عامر بن صعصعة. وأمها هند بنت عوف بن زهير. تزوجها مسعود بن عمرو بن عمير الثقفي في الجاهلية ثم فارقها وخلف عليها أبو رهم بن عبدالعزى فتوفي عنها، فتزوجها رسول الله وَ ﴿. زوّجه إياها عباس بن عبدالمطلب وكان يلي أمرها. وهي أخت أم الفضل الهلالية - زوج العباس - من أبيها وأمها تزوجها سنة سبع في عمرة القضية. وهل تزوجها حلالاً أو محرماً؟ فيه خلاف تقدم. (٣) وهذا الذي ذكره المصنف - أنه دخل بها عام الفتح - لا يصح. والقصة في ذلك مشهورة أنه تزوجها رسول الله وس في عمرة القضاء وذلك سنة سبع من الهجرة لأن الصلح كان سنة ست حيث وقعت بيعة الحديبية؛ وهذا هو الراجح. لها ترجمة في: الطبقات لابن سعد ١٣٢/٨، الاستيعاب ٤٠٤/٤، الإصابة ٤١١/٤، المعرفة لابن الأثير ٥٥٠/٥. وقد قيل: إنها من اللائي وهبن أنفسهن للنبي ◌َ له. واتفق موتها بسرف في الموضع الذي بنى فيه رسول الله مل، وذلك سنة إحدى وخمسين وقيل: ست وستين، والله أعلم. (٤) أخرج مسلم في الصحيح ٥٠/١٠، من قول عطاء أيضاً: التي لا يقسم لها صفية، والله أعلم . ٢٤١ القرطبي في تفسيره(١). المعروف أن التي لا يقسم لها سودة. قال عطاء: وكانت آخرهن موتاً ماتت بالمدينة. السابعة: صفية بنت حيي (٢) بن أخطب، من سبي بني النضير، من ولد هارون عليه السلام، اصطفاها عليه الصلاة والسلام وأعتقها وتزوجها في سنة سبع. وهي التي أهدت إليها زينب بنت سلام اليهودية الشاة المسمومة فأكل منها وَله، وسميت صفية لاصطفائها من المغنم، وقيل: بل كان اسمها من قبل. الثامنة: جويرية بنت الحارث (٣) من بني المصطلق من خزاعة. سبيت (١) فقال النووي: فقال العلماء هو وهم من ابن جريج الراوي عن عطاء، وإنما الصواب سودة، اهـ. ٥١/١٠ من الشرح المذكور. (٢) أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب. من سبط هارون بن عمران عليه السلام وهي إسرائيلية من سبي بني النضير. فأعتقها النبي وله وجعل عتقها صداقها، والخبر في ذلك ثابت ومشهور. وقد تقدم شيء من ذلك. ولها ترجمة في: الطبقات الكبرى لابن سعد ١٢٠/٨، الاستيعاب ٣٤٦/٤، الإصابة ٣٤٦/٤، معرفة الصحابة ٤٩٠/٥. قال أبو عمر بن عبدالبر: كانت عاقلة حليمة فاضلة. وتوفيت في رمضان سنة خمسين في زمن معاوية رضي الله عن الجميع . (٣) أم المؤمنين جويرية بنت الحارث المصطلقية - اسمها (برة) فسماها النبي ومث له جويرية، وكانت تحت مسافع بن صفوان فقتل يوم المريسيع - غزوة بني المصطلق سنة ست أو خمس من الهجرة. فسبيت جويرية ووقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس فكاتبها على نفسها على تسع أواقٍ فأتت النبي ◌َ ◌ّ تستعينه على كتابتها، فأداه عنها وتزوجها، فتسامع الناس فأطلقوا ما في أيديهم من سبي بني المصطلق قائلين: أصهار رسول الله وَ﴾. توفيت جويرية رضي الله عنها سنة ست وخمسين في خلافة معاوية بن أبي سفيان، وصلى عليها مروان بن الحكم وهو يومئذ والي المدينة. ولها ترجمة في: الطبقات الكبرى لابن سعد ١١٦/٨، الاستيعاب ٢٥٨/٤، الإصابة ٢٦٥/٤، معرفة الصحابة لابن الأثير ٤٢٠/٥. وأخرج الترمذي حديثها في تسبيحها في مسجدها، بسنده إليها أن النبي مثل مر عليها وهي في مسجدها ثم مر النبي يغلقه بها قريباً من نصف النهار فقال لها: ((ما زلت على = ٢٤٢ في غزوة المريسيع. وقد تقدم في رواية أنه عليه الصلاة والسلام جعل عتقها صداقها. وفي أبي داود أنها جاءت تستعينه في كتابتها، قال النبي ◌َّ: ((أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك؟)) قالت: قد فعلت. فلما تسامع الناس أن رسول الله * تزوجها أرسلوا بما في أيديهم من السبي فأعتقوهم وقالوا: أصهار رسول الله وَله. فكانت أبرك امرأة على قومها، عتق بسببها أكثر من مائة أهل بيت من بني المصطلق. التاسعة: زينب بنت جحش(١) وكان اسم أبيها مرة فسماه = حالك؟)) قالت: نعم. فقال: ((ألا أعلمك كلمات تقولينها؟ سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله رضى نفسه، سبحان الله رضى نفسه، سبحان الله رضى نفسه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله زنة عرشه سبحان الله زنة عرشه. سبحان الله مداد كلماته، سبحان الله مداد كلماته، سبحان الله مداد كلماته)). ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ومحمد بن عبدالرحمن مولى آل طلحة مديني ثقة. قال الحافظ في التقريب ١٨٤/٢: محمد بن عبدالرحمن بن عبيد القرشي مولى آل طلحة كوفي، ثقة، من السادسة. (١) أم المؤمنين زينب بنت جحش، وكانت ممن أسلم قديماً ومن هاجر مع رسول الله وغير إلى المدينة. وكانت امرأة جميلة فخطبها رسول الله # على زيد بن حارثة، فقالت: يا رسول الله لا أرضاه لنفسي وأنا أيّم قريش. قال: ((فإني قد رضيت لك)). فنزلت الآية من سورة الأحزاب: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) الآية. فرضيت فزوجها منه، ثم إن زيداً طلقها فلما حلت فتزوجها رسول الله ﴿ لإزالة آثار التبني التي تشبث بها أهل الجاهلية. ولها ترجمة في: الطبقات الكبرى لابن سعد ١٠١/٨، الاستيعاب ٣١٣/٤، الإصابة ٣١٣/٤. وكانت تفخر على نساء النبى مل أنهن زوجهن أهلوهن وزوجها الله من فوق سبع سموات، وقد تقدم ذلك كله - ولله الفضل والمنة - وتوفيت سنة عشرين في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وفي هذا العام افتتحت مصر. وقيل: سنة إحدى وعشرين وفيها افتتحت إسكندرية. ٢٤٣ رسول الله ﴿ جحشاً. وقال: ((لو كان مسلماً سميناه اسماً من أسمائنا)). وكانت ابنة عمته لأن أمها أميمة بنت عبدالمطلب. وبدأ ابن الأثير في جامعه بعائشة، ثم بحفصة، ثم أم سلمة، ثم بزينب، ثم بأم حبيبة، ثم بصفية، ثم بجويرية، ثم بسودة، ثم بميمونة؛ وهذا الترتيب بحسب فضلهن كما ادعاه صاحب المطلب، لا بحسب التقديم في النكاح(١). قال: فإن أول من تزوج بعد خديجة على المشهور عائشة، ثم سودة(٢)، ثم حفصة، ثم أم سلمة، ثم أم حبيبة، ثم زينب بنت جحش، ثم ميمونة، ثم جويرية، ثم صفية، كذا قال. وقال - أعني ابن الأثير(٣) - في معرفة الصحابة: أول نسائه خديجة ثم بعدها سودة وقيل: عائشة، وتزوج حفصة سنة ثلاث، وزينب بنت جحش سنة خمس. وقيل: غير ذلك. وأم حبيبة سنة ست وبنى بها سنة سبع. وجويرية سنة ست وقيل: خمس. وميمونة سنة سبع وصفية سنة تسع. وزينب بنت خزيمة الهلالية سنة ثلاث. وأم سلمة سنة أربع. وأما الثمان اللاتي فارقهن في حياته: أ - فأسماء بنت النعمان الكندية المستعيذة على أحد الأقوال (٤). (١) ذكره ابن الأثير في كتابه جامع الأصول في أحاديث الرسول ١١٢/١٢ - ١١٨. (٢) تقدم هذا الخلاف وأنه عائد إلى العقد وأما الدخول فلا خلاف أنه عليه الصلاة والسلام دخل بسودة كما تقدمت الإشارة إلى ذلك. (٣) ذكر هذا الترتيب ابن الأثير في معرفة الصحابة ٣٢/١ بعنوان باب أزواجه # وسراريه. (٤) لها ذكر في طبقات ابن سعد الكبرى ١٤٣/٨ وترجمة وافرة. وأخرج عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: تزوج رسول الله صل* أسماء بنت النعمان، وكانت من أجمل أهل زمانها وأشبه ... الأثر، طبقات ابن سعد ١٤٥/٨. ٢٤٤ ب- وليلى بنت الخطيم الأوسية أتت رسول الله صل﴿ وهو غافل فضربت ظهره. فقال: ((من هذا أكله الأسد)). فقالت: أنا ليلى جئت أعرض عليك نفسي، فقال: ((قد قبلت)). ثم علمت كثرة ضرائرها فاستقالته فأقالها. فدخلت حائطاً بالمدينة فأكلها الذئب(١). جــ وعمرة بنت يزيد الكلابية دخل بها ثم رآها تتطلع فطلقها (٢). د - العالية بنت ظبيان دخل بها ومكثت عنده ما شاء الله ثم طلقها(٣) هــ وفاطمة بنت الضحاك اختارت فراقه عند التخيير، ففارقها بعد الدخول (٤) ٠ و- وقتيلة بنت قيس أخت الأشعث بن قيس تزوجها في مرضه فاختارت فراقه ولم يدخل بها(٥). ز - ومليكة بنت كعب الليثية كانت مذكورة بالجمال فقيل: إن عائشة رضي الله عنها دست إليها: ألا تستحين تزوجي قاتل أبيك يوم الفتح فاستعيذي منه فإنه يعيذك ففعلت فطلقها(٦). (١) ذكر هذه القصة ابن سعد في الطبقات ١٥٠/٨، وكلامه هنا مطابق لكلام المصنف. (٢) أخرج ابن سعد بسند فيه الواقدي، عن الحسين بن علي، قال: تزوج رسول الله والله امرأة من بني عامر فكان إذا خرج تطلعت إلى أهل المسجد فأخبر بذلك - رسولَ الله * - أزواجه. فقال: ((إنكن تبغين عليها))، فقلن: نحن نريكها وهي تطلع. فقال رسول الله صل *: ((نعم)). فأرينه إياها وهي تطلع ففارقها، اهـ. طبقات ابن سعد ١٤٢/٨. (٣) ذكرها ابن سعد ١٤٣/٨ كما هنا، ولكنه قال: ومكثت عنده دهراً ثم طلقها. (٤) ذكرها ابن سعد، وحكى أنها أيضاً المستعيذة. قلت: هؤلاء الأربعة ذكرهن ابن سعد بعنوان الكلابية وذكر الخلاف فيهن. (٥) ذكرها ابن سعد في الطبقات ١٤٧/٨ قبل أن تصل إليه بلغها وفاة النبي وسلا فارتدت مع قومها، ثم أسلمت فتزوجها عكرمة بن أبي جهل فوجد لذلك أبو بكر رضي الله عنه. (٦) فذكر ابن سعد في الطبقات ١٤٨/٨ هذه القصة وزاد: فجاء قومها إلى النبي مطار، = ٢٤٥ ح - وامرأة من غفار(١) رأى بكشحها وضحاً، فقال: ((ضمي إليك ثيابك والحقي بأهلك)). فهؤلاء ثمانٍ دخل منهن بثلاث. تذنيب: أخرج في الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام كان يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة(٢). قيل لأنس: وكان = فقالوا: يا رسول الله إنها صغيرة وإنها لا رأي لها، وإنها خدعت، فارتجعها. فأبى رسول الله فاستأذنوا أن يتزوجها قريب لها من بني عذرة فأذن لها فتزوجها العذري وكان أبوها قتل يوم فتح مكة، قتله خالد بن الوليد بالخندمة. (١) أخرج قصتها الحاكم في المستدرك ٣٤/٤ سماها العالية امرأة من غفار، وفي سنده جميل بن زيد عن زيد بن كعب عجرة. قال الذهبي: ابن زيد ليس بثقة. (٢) قال الحافظ في الفتح ٣٧٧/١: قوله وهن إحدى عشرة قال ابن خزيمة: تفرد بذلك معاذ بن هشام عن أبيه. ورواه سعيد بن أبي عروبة وغيره عن قتادة، فقالوا: تسع نسوة، اهـ. وقد جمع ابن حبان في صحيحه بين الروايتين بأن حمل ذلك على حالتين، لكنه وهم في قوله: إن الأولى كانت في أول قدومه المدينة حيث كانت تحته تسع نسوة. والحالة الثانية في آخر الأمر، حيث اجتمع عنده إحدى عشرة امرأة. وموضع الوهم منه أنه چيز لما قدم المدينة لم يكن عنده سوى سودة ثم دخل على عائشة بالمدينة ثم تزوج أم سلمة ثم حفصة وزينب بنت خزيمة في السنة الثالثة والرابعة ثم تزوج زينب بنت جحش في الخامسة ثم جويرية في السادسة ثم صفية وأم حبيبة ميمونة في السابعة، وهؤلاء جميع من دخل منهن من الزوجات بعد الهجرة على المشهور. واختلف في ريحانة وهي من سبي بني قريظة. وجزم ابن إسحاق بأنه عرض عليها أن يتزوجها، ويضرب عليها الحجاب، فاختارت البقاء في ملكه. والأكثرون أنه ماتت قبله سنة عشر. وكذا زينب بنت خزيمة بعد دخولها بقليل شهرين أو ثلاثة. وعلى هذا فلم تجتمع عنده أكثر من تسع نسوة فرجحت رواية سعيد، لكن تُحمل رواية هشام على أنه ضم مارية وريحانة إليهن وأطلق عليهن لفظ نسائه تغليباً، اهـ فتح الباري ٣٧٨/١ . ٢٤٦ يطيقه؟قال: كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين(١). وهو صريح في الجمع بين إحدى عشرة في وقت واحد. التسع اللاتي مات عنهن واثنتان غيرهن. ولا يجوز(٢) أحدهما زينب بنت خزيمة لأنه لا يجمع بينها وبين أختها ميمونة. نعم، يجوز أن يكونا من الثلاثة المتقدمة اللاتي دخل بهن إما أسماء أو فاطمة أو عمرة(٣). (فائدة) تسرى رسول الله والقر بمارية القبطية أم ولده إبراهيم وريحانة بنت عمرو وهي من بني قريظة ثم أعتقها فلحقت بأهلها. وقيل: إنه تزوجها ثم طلقها (٤). وقيل: مات عنها وهي زوجه. وفي الشامل لابن الصباغ أنه اتخذ من الإماء ثلاثاً(٥). (١) قوة النبي * في الجماع: أ - ثبت في الصحيح من حديث أنس أنه أعطي قوة ثلاثين. أخرجه البخاري في الصحيح ٣٧٧/١، في كتاب الغسل، من حديث أنس رضي الله عنه. ب - قال الحافظ في الفتح ٣٧٨/١: وفي رواية الإسماعيلي التي هي مستخرج على الصحيح: قوة أربعين. وهي شاذة من هذا الوجه. جـ ـ في صفة الجنة لأبي نعيم من طريق مجاهد مثله وزاد: من رجال أهل الجنة. ومن حديث عبدالله بن عمرو رفعه: ((أعطيت قوة أربعين في البطش والجماع)). د - وعند أحمد والنسائي والحاكم وصححه من حديث زيد بن أرقم رفعه: ((إن الرجل من أهل الجنة ليُعطى قوة مائة في الأكل والشرب والجماع والشهوة. فعلى هذا حساب قوة نبينا أربعة آلاف، والله أعلم. أما رواية الإمام أحمد فأخرجها في المسند ٣٧١/٤، من حديث ابن أرقم. (٢) في (ش): أن تكون إحداهما .. إلخ، لعله الصواب. (٣) هذا وجه آخر في الجمع في المسألة، وقد تقدم ما نقلناه عن الحافظ، فاعلمه والله الموفق. (٤) وفي (ش): فارقها. (٥) وذكر القرطبي في تفسيره ١٦٩/١٤ ما يفيد أنهن أربعاً مارية وريحانة على قول قتادة وأخرى جميلة أصابها من السبي . ٢٤٧ وقد قدمت عن الماوردي أن ريحانة أسلمت، ذكرته في المسألة الثانية قبل النوع الثالث. وقد آن لنا أن نعود إلى المقصود فنقول: المسألة الثانية: من هذا النوع فأزواجه عليه الصلاة والسلام أمهات المؤمنين، قال تعالى: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾(١). وقرأ مجاهد: وهو أب لهم. وقيل: إنها قراءة أبي بن كعب. قال الشافعي في المختصر: أمهاتهم في معنى دون معنى. وذلك أنه لا يحل نكاحهن بحال، ولا يحرم بناتٌ لو كنّ له، لأنه عليه الصلاة والسلام زوّج بناته وهن أخوات المؤمنين. وذكر نحوه في الأم(٢). وجعل القضاعي ذلك له دون غيره من الأنبياء، وقد خولف في ذلك كما سيأتي. فأزواجه أمهات المؤمنين، سواء من مات تحته ومن مات عنها وهي تحته. وذلك في تحريم نكاحهن، ووجوب احترامهن وطاعتهن. وفي تعدي ذلك إلى جواز النظر وجهان في الحاوي والمشهور المنع، وبه جزم الرافعي. ولا يثبت لهن حكم الأمومة في جواز الخلوة والمسافرة، ولا في النفقة والميراث. ولا يتعدى ذلك إلى غيرهن فلا يقال: بناتهن أخوات المؤمنين بدليل أنه لا يحرم على المؤمنين التزوج ببناتهن وأخواتهن. ولا على (١) سورة الأحزاب: الآية ٦. (٢) ذكره في الأم ٥/ ١٤٠، ونصه فيه: قوله تعالى: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ أي: في معنی دون معنى. وذلك أنه لا يحل لهم نكاحهن، ولا يحرم عليهم بناتهن لو كنَّ لهن بنات كما يحرم عليهم نكاح بنات أمهاتهم اللاتي ولدنهم أو أرضعنهم. فإن قال قائل: ما الدليل على ذلك؟ فالدليل على ذلك أن رسول الله * زوّج فاطمة بنته وهو أب المؤمنين وهي بنت خديجة أم المؤمنين، زوجها علياً رضي الله عنه، وزوج رقية وأم كلثوم عثمان رضي الله عنهم أجمعين. ٢٤٨ إخوانهن التزويج بالمؤمنات. وقد زوّج ◌َلي بناته من المؤمنين علي وعثمان، ونكح الزبير أخت عائشة(١)، وعبدالرحمن بن عوف حمنة(٢) أخت زينب. وكذا لا يقال: آباؤهن وأمهاتهن أجداد وجدات المؤمنين بل يقتصر على ما ورد من ثبوت حكم الأمومة لهن في بعض الأحكام. وحكى الرافعي وجهاً: أن اسم الأخوة يطلق على بناتهن، واسم الخؤولة ينطلق على إخوتهن وأخواتهن لثبوت اسم الأمومة لهن، وإن لم توجب ذلك تحريم النكاح، كما أن المسلمات كلهن أخوات المسلمين في الإسلام، ولا يوجب ذلك تحريم النكاح. قال: وهذا ظاهر لفظ المختصر يشير إلى قوله زوج بناته وهن أخوات المؤمنين لكن أكثر الأصحاب - كما قال الماوردي - غلطوا فيه لأنه قال في أحكام القرآن(٣): وقد زوج بناته وهن غير أخوات المؤمنين. وقيل: إن الكاتب حذف لفظة غير. وقيل: ما قاله صحیح . وتقديره قد زوج بناته أي: يزوجهن وهن أخوات المؤمنين. والقاضي حسين حكى الخلاف في جواز تسمية معاوية خال المؤمنين مع جزمه بتخطئة المزني. (١) وهي أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين رضي الله عنها. راجع ترجمتها في طبقات الكبرى لابن سعد ٢٤٩/٨. (٢) همنة بنت جحش بن رئاب بن یعمر بن صبرة بن مرة بن کبیر بن غنم بن داود بن أسد. وأمها أميمة بنت عبدالمطلب عمة النبي وس*، وهي أخت أم المؤمنين زينب بنت جحش. انظر إلى ترجمتها في طبقات ابن سعد ١٤١/٨ . (٣) لم يوجد هذا في أحكام القرآن. بل نسبه من علق على الهامش للمختصر ونصه: قال في المختصر: ولم تحرم بنات لو كن لهن لأن النبي # زوّج بناته وهن أخوات المؤمنين. أحكام القرآن من الهامش ١٦٨/١. وذكره ابن كثير في التفسير ٤٦٨/٣، ولفظه فيه قال: صح عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: لا يقال ذلك. ٢٤٩ (فرع) قال البغوي: وكن أمهات المؤمنين من الرجال دون النساء. روي ذلك عن عائشة(١) رضي الله عنها (٢): يا أماه، فقالت: لست لك بأم إنما أنا أم رجالكم (٣). وهذا جارٍ على الصحيح عند أصحابنا وغيرهم من أهل الأصول: أن النساء لا يدخلن في خطاب الرجال. وحكى الماوردي في تفسيره خلافاً في كونهن أمهات المؤمنات، وهو خارج على مذهب من أدخلهن في الخطاب تعظيماً لحقهن. ووجه مقابله أن فائدة أمومتهن في حق الرجال مفقودة في حق النساء. قال أصحابنا فالأمومة (٤) ثلاث وأحكامها مختلفة. أ - أمومة الولادة، ويثبت فيها جميع أحكام الأمومة(٥). ب - وأمومة أزواجه عليه الصلاة والسلام، ولا يثبت إلا تحريم النكاح. جـ ـ وأمومة الرضاع متوسطة بينهما(٦). (فرع) قال البغوي: وكان النبي ◌َ﴿ أبا الرجال والنساء جميعاً. (١) هذا الأثر أخرجه عنها ابن سعد في الطبقات ٦٧/٨. عن الفضل ابن دكين، عن سفيان، عن فراس، عن الشعبي، عن مسروق، قال: قالت امرأة لعائشة: يا أمه، قالت: إني لست بأمك إنما أنا أم رجالكم. (٢) وفي (ش): فإن امرأة قالت لها: يا أماه. (٣) ويستدلون لهذا بقوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم، ولا نساءٌ من نساءٍ عسى أن يَكُنَّ خيراً منهن﴾. الآية. (٤) وفي (ش): إذاً. (٥) من تحريم النكاح وثبوت الميراث وسائر الحقوق. (٦) تثبت بها حرمة النكاح ونشرها للأخوة والأخوات، ولكن لا يثبت بها الميراث، والله أعلم. ٢٥٠ وقال الواحدي(١): قال بعض أصحابنا لا يجوز أن يقال هو أب المؤمنين لقوله تعالى: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم﴾(٢). قال: ونص الشافعي (٣) أن يقال هو أب المؤمنين أي: في الحرمة. ومعنى الآية ليس أحد من رجالكم ولد صلبه. قال صاحب المطلب: وفيه نظر لأن ذلك معلوم ببداهة العقول والشرع لا يرد بمثله. إلا أن يراد به التنبيه على أن تحريم نكاح زوجة الابن يختص بابن الصلب. ولا يتعدى إلى ابن التبني، فإن سبب نزول الآية زواجه عليه الصلاة والسلام بزينب زوجة زيد، فإنه حينئذ يكون غرضاً مقصوداً. وعن الأستاذ أبي إسحاق أنه لا يقال: أبونا، وإنما يقال: هو كأبينا لما روي أنه ◌َّلفر قال: ((إنما أنا لكم كالوالد)). ونقل صاحب المحكم عن الزجّاج في معنى قوله تعالى: ﴿قال يقوم هؤلاء بناتي هنّ أطهر لكم﴾ الآية كنى بنسائه عن نسائهم، ونساء أمة كل نبي بمنزلة نسائه وأزواجه بمنزلة أمهاتهم، وحكى جماعة من المفسرين في ذلك قولین، أحدهما: أنه أراد بناته حقيقة لأن الجمع يقع على الاثنين، والثاني: أنه أراد نساء أمته لأنه ولي أمته، والله أعلم. المسألة الثالثة: تفضيل زوجاته على سائر النساء (٤). هذا لفظ الرافعي وسبق الخلاف في تفضيل فاطمة على خديجة. والخلاف شهير في مريم هل هي نبية أو لا؟. (١) الواحدي: هو الإمام المفسّر علي بن أحمد بن محمد بن علي النيسابوري. توفي سنة ٤٦٨ هـ. (٢) سورة الأحزاب: الآية ٤٠. (٣) وفي (ش): على أنه يجوز أن يقال. (٤) بالاتفاق على نساء الأمة عدا فاطمة بنت رسول الله صل﴿، وقد تقدم هذا البحث. ٢٥١ قال القرطبي: روي عن النبي ◌ّر أنه قال: ((إن في النساء أربع نبيات حواء، وآسية، وأم موسى، ومريم)). ثم قال: والصحيح أن مريم كانت نبية لأن الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك كما أوحى إلى سائر الأنبياء(١). قال الماوردي: وهل فضلهن - يعني زوجاته - على نساء زمانهن أو على النساء كلهن؟ فيه قولان. وقال النووي في شرح مسلم، في حديث فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام: فضل عائشة على النساء زائد كزيادة فضل الثريد على غيره من الأطعمة(٢). وليس في هذا تصريح لتفضيلها على مريم وآسية، لاحتمال أن المراد بفضلها على نساء الأمة. (فرع) وجعل ثوابهن وعقابهن مضاعفاً. قال الله تعالى: ﴿يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة ... ﴾(٣) الآيتين. قال الشافعي: قال الله تعالى: ﴿يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن ... ﴾(٤) الآية. فأبانهن به وق لقه من نساء العالمين(٥). أي: (١) ذكره في التفسير ٨٤/٤. (٢) ذكره النووي على شرح مسلم ١٩٩/١٥ فاعلمه. وذكر احتمال تفضيلها على نساء الأمة خاصة، أو جميع النساء حتى يشمل تفضيلها على مريم وآسية. (٣) سورة الأحزاب: الآية ٣٠. (٤) سورة الأحزاب: الآية ٣٢. (٥) ذكره الشافعي في أحكام القرآن ١٦٦/١ فراجعْه هناك، وفي الأم ٢٥٥/٥. وحاصل ما ذكره القرطبي ٨٤/٤ - كما ذكره المؤلف - عند تفسير قوله تعالى: ﴿وإذ قالت الملائكة یا مريم إن الله اصطفاك وطهرك ... ﴾. الآية. وأورد حديث أبي موسى الثابت في صحيح مسلم: ((كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام)). واستنبط من الكمال النبوة لكون أكمل الناس الأنبياء. ثم يليهم من الصديقين والشهداء والصالحين. وقال : = ٢٥٢ جعلهن مباينات لأجل صحبة رسول الله و 18 لنساء سائر العالمين في الثواب عند الاتقاء وفعل الخير، وكذا في جزاء الجريمة لو اتفقت منهن والعياذ بالله . والفاحشة المبينة: الزنا، قاله السُّدي(١). وقال ابن عباس رضي الله عنهما: النشوز وسوء الخلق، والقنوت الطاعة، والأجر مرتين في الآخرة. وقيل: أحدهما في الدنيا والآخر في الآخرة. واختلف العلماء في مضاعفة العذاب فقيل: عذاب في الدنيا وعذاب في الآخرة. وغيرهن إذا عوقب في الدنيا لم يعاقب في الآخرة لأن الحدود كفارات(٢). = إن الكمال المذكور يعني به النبوة، فيلزم أن مريم عليها السلام وآسية نبيتين. وقد قيل بذلك. ثم قال: والصحيح أن مريم نبية، لأن الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك كما أوحى إلى سائر النبيين، اهـ. وهذا الحديث ثابت في الصحيحين من حديث أنس. وحديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما: أ - أخرجه خ في المناقب ١٠٦/٧، من حديث أبي موسى. ب - أخرجه م في الفضائل ١٩٨/١٥ من حديثه أيضاً، باللفظ المذكور عند القرطبي. وأخرجاه من حديث أنس مختصراً بلفظ: ((وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)). دون ذكر أول الحديث. أخرجه خ في المناقب ١٠٦/٧، وأخرجه م في الفضائل ١١٠/١٥ - ١١١. بهذا يتضح أن الحديث متفق عليه. وقد نسبه القرطبي إلى صحيح مسلم وفي ذلك قصور، والله الموفق. (١) السدي: هو الإمام المفسّر إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي - بضم المهملة وتشديد الدال ـ أبو محمد الكوفي. ذكره الحافظ في التقريب ٧١/٢، وقال فيه: صدوق بهم ورمي بالتشيع، من الرابعة. مات سنة سبع وعشرين. /م/ع. (٢) هذا فيه إشارة إلى الخلاف الأصولي: هل الحدود كفارات لأصحابها أو زواجر فقط؟ فإشارة المصنف إلى الأول، فاعلمه. ٢٥٣ وقال مقاتل(١): حدّان في الدنيا. قال: ولا يضاعف عليهن في السرقة لو قدرت. قال سعيد بن جبير(٢): وكذا عذاب من قذفهن يضاعف في الدنيا فيجلد مائة وستين(٣). قال الماوردي: ولم أر للشافعي نصاً في ذلك من القولين، غير أن الأشبه بكلامه أنهما حدان في الدنيا. وإنما ضوعف الحد بفضلهن كما أن حد الحر ضعف حد العبد لكماله وفضله (٤). قال صاحب التلخيص: قال الله تعالى: ﴿لئن أشركتَ لِيُحْبِطَنَّ عَمَلك﴾(٥) وعمل غيره إنما يحبط بالموت على الكفر. قال: وقال تعالى فيه: ﴿لقد كِدْتَ تَرْكَنُ إليهم ... ﴾(٦) الآية. (فرع) لا يحل لأحد أن يسألهن إلا من وراء حجاب. قال الله تعالى: ﴿وإذا سألتُمُوهُنَّ مَتَاعاً ... ﴾ (٧) الآية. وأما غيرهن فيجوز أن (١) مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي الخراساني أبو الحسن البلخي. قال الحافظ في التقريب ٢٧٢/٢: كذبوه وهجروه ورمي بالتجسيم، من السابعة. مات سنة خمس ومائة. /ل. (٢) سعيد بن جبير الوالبي مولاهم، الكوفي، المقرىء الفقيه أحد الأعلام. قتله الحجاج سنة خمس وتسعين، وله تسع وأربعون سنة. له ترجمة في تذكرة الحفاظ ٧٦/١. (٣) ثبت على هامش (ن د) بخط بعض الفضلاء: قد رأيت في معجم الطبراني الكبير في النساء عقب حديث: إن النبي ( جلد عبدالله بن أبيّ مائة وستين جلدة. قال عبدالله بن عمر: وهكذا جعل في كل من قذف زوجة نبي، والله أعلم. (٤) قلت: لا مجال للقياس في هذا وإنما المتبع النصوص الشرعية وإلا باب التفاضل بين الناس أوسع، والله أعلم. (٥) سورة الزمر: الآية ٦٥. (٦) سورة الإسراء: الآية ٧٤. (٧) سورة الأحزاب: الآية ٥٢. ٢٥٤ يسألهن مشافهة. جزم به النووي في الروضة(١)، والرافعي نقله عن التهذيب للبغوي وأقره. وقال القاضي عياض المالكي : خصصن بفرض الحجاب عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين(٢)، فلا يجوز لهن كشف ذلك لشهادة ولا غيرها، ولا إظهار شخوصهن وإن كن مستترات إلا لضرورة خروجهن للبراز(٣). قال: وكن إذا قَعَدْنَ للناس جَلَسْنَ من وراء الحجاب، وإذا خرجن حجبن وسترن أشخاصهن، كما جاء في حديث(٤) حفصة يوم وفاة عمر. ولما توفيت زينب جعلوا لها قبة فوق نعشها يستر شخصها، وأقره على ذلك النووي في شرحه لمسلم. ذكره في باب إباحة الخروج للنساء لقضاء حاجة الإنسان(٥). (فائدة) ذكر البغوي، عن الخطابي، عن سفيان بن عيينة، أنه قال: كان نساء رسول الله و 14 في معنى المعتدات، وللمعتدة السكنى فجعل لهن سكن البيوت ما عشن ولا يملكن رقابها(٦). (١) ذكره النووي في الروضة ١٢/٧. ونصه فيها: ولا يحل أن يسألهن أحد شيئاً إلا من وراء حجاب . (٢) هذا هو محط الخصوصية، وأما احتجاب المرأة بسائر بدنها من الرجال الأجانب فمنصوص عليه ومعلوم من نصوص الشرع المطهر. (٣) وفيه قصة أم المؤمنين سودة بنت زمعة رضي الله عنها في الصحيحين: أ - أخرجه خ ٥٢٨/٨، في كتاب التفسير، من حديث عائشة رضي الله عنها. ب - أخرجه م ١٤/ ١٥٠، في كتاب السلام، من حديثها أيضاً. والبراز: قضاء حاجة الإنسان من بول أو غائط، وأصله الأرض البارزة. (٤) ذكر هذه القضية الحافظ في الفتح ٥٣٠/٨. لما توفي عمر رضي الله عنه أن حفصة سترها النساء عن أن يُرى شخصها. (٥) ذكره النووي في الشرح المذكور ١٤ /١٥٠ - ١٦٠. (٦) ولا يملكن رقابها، أي: رقاب البيوت، والله أعلم. ٢٥٥ القسم الثاني(١) كراماته في غير النكاح وفيه مسائل المسألة الأولى: أنه خاتم النبيين (٢) ولا يعارضه ما ورد من نزول عيسى ◌َّ﴿ آخر الزمان(٣)؛ فإنه لا يأتي بشريعة ناسخة، بل مقرّراً لها عاملاً بها. (١) هذا هو القسم الأخير من أقسام الكتاب. وهو يتناول الفضائل والكرامات التي تخص النبي *. وهذا القسم هو موضوع دلائل النبوة وأعلامها. (٢) ويدل له قوله تعالى: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾. وحديث السائب بن يزيد في البخاري، في كتاب المناقب ٥٦١/٦، ومن حديث أبي هريرة ٥٥٨/٦، ولفظه: إن رسول الله وسلم قال: ((إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين)). (تنبيه) يقال: خاتم بفتح التاء وكسرها وقد قرىء بهما، والفتح بمعنى الختام والانتهاء، والمعنى أنه انتهاء النبيين فهو كالخاتم والطابع الذي يكون عند الانتهاء. والكسر بمعنى أنه خاتمهم يعني جاء آخرهم فلم يبق بعده نبي، فيه انتهت النبوة والرسالة وص له. أفاده صاحب الإحياء ٢٠٢/٢. وأخرج مسلم ٩٨/١٥ حديث السائب بن يزيد، ولفظه: قال: رأيت النبي # ## وأكلت معه خبزاً ولحماً، أو قال ثريداً، فقلت له: أستغفر لك النبي وح ار؟ قال: نعم ولك، ثم تلا هذه الآية: ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾. قال: ثم درت خلفه فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه عند نافض كتفه اليسرى، جمعاً عليه خيلان كأمثال الثآليل. (٣) وقد ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة. وفي البخاري ٤٩٠/٦ - ٤٩١ من حديث أبي = ٢٥٦ المسألة الثانية: أن أمته خير الأمم(١) معصومة لا تجتمع على ضلالة (٢). = هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله :#1: ((والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل عيسى بن مريم حكماً عدلاً ... )) الحديث. وأخرجه مسلم في الصحيح ١٨٩/٢، من حديث أبي هريرة أيضاً: ((حكماً مقسطً)) وبلفظه: ((حكماً عدلاً))، من طريق يونس. وانظر التصريح فيما تواتر في نزول المسيح عليه السلام. (١) ويدل له قوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس ... ﴾. الآية ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ... ) الآية. والآيات في هذا كثيرة. (٢) وأما كون أمته معصومة لا تجتمع على ضلالة. قال الحافظ في التلخيص الحبير ١٤١/٣، قال: هذا في حديث مشهور له طرق كثيرة لا يخلو واحد منها من مقال. منها لأبي داود عن أبي مالك الأشعري مرفوعاً: إن الله أجاركم من ثلاث خلال ... الحديث. قال: وفي إسناده انقطاع ٤١٤/٢، كتاب الملاحم من السنن. وفي الترمذي والحاكم، من حديث ابن عمر مرفوعاً: ((لا تجتمع هذه الأمة على ضلال أبداً)). وفيه سليمان بن سفيان المديني وهو ضعيف. قال الحافظ: ويمكن الاستدلال بحديث معاوية أخرجه الشيخان: ((لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم ... )) الحديث. ووجه الاستدلال منه أنه بوجود هذه الطائفة القائمة بالحق إلى يوم القيامة لا يجعل الاجتماع على الضلالة. أخرج خ ٢٩٣/١٢، من حديث المغيرة بن شعبة ومعاوية رضي الله عنهما، ومسلم في الصحيح ١٩٣/٢، من حديث جابر رضي الله عنه، من كتاب الإيمان. رواه أبو داود ٤١٤/٢ في كتاب الملاحم، وسنده هكذا: حدثنا محمد بن عوف الطائي، ثنا محمد بن إسماعيل، ثني أبي، قال ابن عوف: وقرأت في أصل إسماعيل، قال: حدثني ضمضم، عن شريح، عن أبي مالك - يعني الأشعري - قال: قال رسول الله وآلتين: ((إن الله أجاركم من ثلاث خلال: أن لا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا جميعاً، وأن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحق، وأن لا تجتمعوا على ضلالة)). والترمذي في الجامع ٣٨٦/٦، بلفظ: ((إن الله لا يجمع أمتي - أو قال - أمة محمد على ضلالة، ويد الله على الجماعة ومن شذ شذ إلى النار)). وفيه سليمان بن سفيان. نقل الترمذي في العِلل عن البخاري: أنه منكر الحديث، وكذا في تهذيب التهذيب ٤ / ١٩٤. وأخرجه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، بلفظ: ((يد الله مع الجماعة)). وقال الترمذي هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث ابن عباس إلا من هذا الوجه. ٢٥٧ = المسألة الثالثة: أن إجماعها حجة على الصحيح وإجماع غيرها من الأمم ليس بحجة عند الأكثرين خلافاً للأستاذ أبي إسحاق وآخرين. واختار الآمدي(١) التوقف في ذلك. المسألة الرابعة: أن شريعته مؤيَّدة، وناسخة لجميع الشرائع. المسألة الخامسة: أن كتابه معجِز(٢) بخلاف سائر كتب الأنبياء، محفوظ عن التحريف والتبديل، وأقيم بعده حجة على الناس، ومعجزات سائر الأنبياء انقرضت بانقراضهم. المسألة السادسة: أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((نُصِرْتُ بالرعب مسيرة شهر)) كما ثبت في الصحيح(٣). وروينا من حديث السائب ابن أخت نمر: ((فُضلت على الأنبياء بخمس)). فذكر منها: ((نصرت بالرعب شهراً أمامي وشهراً خلفي)). = وعلق عليه المباركفوري بقوله: رواته كلهم ثقات يؤيده رواية ابن عمر المتقدمة ونقل كلام الحافظ الذي أشار إلى طرق الحديث وکثرتها . رواه الحاكم موقوفاً على أبي مسعود الأنصاري ٥٠٦/٤، وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي عليه. ورواه موصولاً من حديث قدامة بن عبدالله بن عمار الكلابي. وأشار إلى سنده عنده. فرد بقوله: هذا حديث لم نكتب بهذا الإسناد إلا حديثاً واحداً. ولم يعلق عليه الذهبي شيئاً ٥٠٧/٤. مستدرك الحاكم. قلت: وهذا يبين لنا قول الحافظ في حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أخرجه الترمذي والحاكم. فإن الحاكم لم يخرجه من طريق ابن عمر. (١) ذكره الآمدي في الإحكام ٢٢٥/١ في مباحث الاجتهاد، في المسألة الرابعة. (٢) بل هو أعظم معجزات نبينا وَلي . (٣) أخرجه البخاري ٤٣٥/١، من حديث جابر رضي الله عنه، بلفظ: ((أعطيت خمساً ولم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت = ٢٥٨ المسألة السابعة: أن رسالته عامة إلى الإنس والجن(١). وكل نبي بُعث إلى قومه خاصة. وأما نوح عليه السلام فصارت رسالته عامة بعد الطوفان، لانحصار الباقين فيمن كان معه في السفينة(٢). وأما قبله فاختلفوا في عمومها فقيل: كانت عامة لعموم العقاب بالطوفان لمخالفته، وقيل: كانت خاصة لقومه(٣). (تنبيه) عبّر الرافعي بقوله: وبُعث إلى الناس كافة. وتبع في ذلك القرآن والحديث. وهو معنى قولي أولاً إلى الإنس والجن، فإن الناس قد يكون من الجن ومن الإنس. وأصله أناس مخفف، نبّه عليه الجوهري (٤). = الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة)). انظر الفتح ٤٣٦/١ - ٤٣٧ فيما يتعلق بالجمع بين هذا وبين ما قيل من عموم رسالته داخله. وأخرجه أيضاً ٣/٥ من حديث جابر. ومسلم نحوه. ولكن: ((ترابها طهوراً)) من أفراد مسلم . وفي الطبراني: ((مسيرة شهرين))، والرواية التي ذكرها المصنف توضح معنى ذلك. وأخرجه الإمام أحمد ٣٠٤/٣، من حديث جابر. قلت: والحديث نص في خصوصية هذه الأمور على نبينا مل *. وأخرج الدارمي ٢٢١/٢، من حديث أبي ذر الغفاري. وفيه بدل: ((أعطيت الشفاعة)): ((وقيل لي: سل تعطه فاختبأت دعوتي شفاعةٌ لأمتي، وهي نائلة منكم إن شاء الله تعالى من لا يشرك بالله شيئاً)). (١) بالاتفاق من جميع علماء الإسلام. ويدل له الحديث السالف: ((أعطيت خمساً ... )) الحديث. والآية في قوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ... ﴾ الآية. (٢) هذا جواب عما يقال: إن رسالة نوح عليه السلام كانت عامة أيضاً لعموم العقاب، فأجاب بما ذكر. (٣) فيكون عموم العقاب من شؤم قوم نوح عليه الصلاة والسلام، حيث أصروا على الكفر، واستكبروا عن الإيمان استكباراً. (٤) قلت: ذكره في الصحاح ٩٠٢/٢، وأنشد قول الشاعر: إن المنايا يطلعن على الأناس الآمنينا. ٢٥٩ المسألة الثامنة: جعلت له ولأمته الأرض مسجداً وطهوراً(١). المسألة التاسعة: أُحلت له ولأمته الغنائم(٢) ولم تحل لأحد قبله بل كانوا يجمعونها ثم تأتي نار من السماء فتأكلها، كما جاء مبيناً في الصحيح من رواية أبي هريرة في حديث النبي الذي غزا(٣) وحبس الله تعالى له الشمس. قال الشيخ تقي الدين القشيري(٤): يحتمل أن يراد بحلها له أن = ومثله في القاموس ٢٥٦/٢، ونصه: والناس يكون من الإنس ومن الجن، جمع أنس أُصلہ أناس جمعُ عزیزٍ، اهـ. (١) تقدم هذا حديث: ((أعطيت خمساً)) وذكر منها ((وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)). (٢) تقدم هذا أيضاً: ((وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي)). (٣) وعلى هامش (ن د): وهو يوشع بن نون عليه السلام. قلت: أخرجه ابن كثير في التفسير ٤٠/٢. وذكر قصته: فلما مضت الأربعون - يعني زمن تيه بني إسرائيل - ناهضهم يوشع بن نون وهو الذي قام بالأمر بعد موسى بخير، وهو الذي قيل له: اليوم يوم الجمعة فهموا بافتتحاها ودنت الشمس للغروب فخشي إن دخلت ليلة السبت أن يسبتوا، فنادى الشمس: إني مأمور وإنك مأمورة، فوقفت حتى افتتحها، اهـ. وأخرج البخاري في صحيحه ٢٢٠/٦، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﴾: ((غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملَك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولم يبن بها، ولا أحد بنى بيوتاً ولم يرفع سقوفها ... )) الحديث بطوله، وفيه: ((فدنا من القرية صلاة العصر أو قريباً من ذلك، فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا فحبست حتى فتح الله عليهم)). ذكر قصة النار وامتناعها عن أكل الغنائم كعادتها والتعرف على الغلول ... إلخ الخبر. وذكر الحافظ في الفتح أن هذا النبي الغازي هو يوشع بن نون. ثم قال: ورد أصله مرفوعاً صحيحاً من طريق هشام، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله: ((إن الشمس لم تحبس لبشر إلا ليوشع بن نون ليالي سار إلى بيت المقدس)»، أخرجه الإمام أحمد، اهـ فتح الباري ٢٢١/٦ . (٤) الشيخ تقي الدين القشيري: هو الإمام الحافظ العلامة شيخ الإسلام أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري المنفلوطي الصعيدي المالكي والشافعي، صاحب = ٢٦٠