النص المفهرس

صفحات 201-220

المسألة الرابعة: في انعقاد نكاحه بلا ولي ولا شهود وجهان :
أحدهما: لا، لعموم قوله ◌َّلير: ((لا نكاح إلا بولي وشاهديْ عدل))(١).
وأصحهما: نعم. لأن اعتبار الولي المحافظة على الكفاءة، ولا شك
فيه أنه * فوق الأكفاء، واعتبار الشهود لأمن الجُحُود، وهو عليه الصلاة
(١) حديث: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)).
علقه البخاري ١٨٢/٩، في كتاب النكاح، بقوله: باب من قال: لا نكاح إلا بولي.
وذكره المزي في الأطراف ١٢١/٥، فقال: رواه أصحاب السنن (د، ت، ق) يعني أبا
داود والترمذي وابن ماجه، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، قلت:
أ - أخرجه أبو داود ٤٨١/١.
ب - أخرجه الترمذي ٢٢٧/٤ - ٢٢٨.
جـ - أخرجه ابن ماجه ٦٠٥/١.
ومن حديث ابن حبان ذكره في نصب الراية ١٦٧/٣، ولفظه: ((لا نكاح إلا بولي
وشاهديْ عدل، وما كان من نكاح غير ذلك فهو باطل فإن تشاجروا فالسلطان ولي من
لا ولي له)). ثم قال - يعني ابن حبان -: ولم يقل فيه وشاهدي عدل إلا ثلاثة أنفس:
١ - سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي، عن حفص بن غياث.
٢ - عبد الله بن عبدالوهاب الحجبي، عن خالد بن الحارث.
٣ - عبدالرحمن بن يونس الرقي، عن عيسى بن يونس.
ولا يصح في ذكر الشاهدين غير هذا الخبر. انظر نصب الراية ١٨٣/٣.
وقال ابن حزم في المحلّ ٤٦٥/٩: ولا يصح في هذا الباب شيء غير هذا السند وفي هذا
كفاية بصحته .
قلت: أخرجه الدارقطني في السنن ١١٨/٣ - ١٢٠، من حديث أبي بردة، عن أبيه، أن
رسول الله صل# قال: ((لا نكاح إلا بولي ... )) الحديث.
وأشار شمس الحق في تعليقاته على سنن الدارقطني بقوله: أورده البخاري في ترجمة الباب
ولم يسنده لعدم كونه على شرطه.
وأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وصحّحه ابن حبان والحاكم، وتقدم تخريجه عند
أصحاب السنن.
=
٢٠١

والسلام لا يجحد، وإن جحدت هي لم يرجع إلى قولها على خلاف قوله بل
قال العراقي في شرح المهذب: تكون كافرة بتكذيبه.
= وتقدم أيضاً ما نقلته عن نصب الراية فيما يتعلق بحديث ابن حبان. وأما الحاكم فأخرجه
في المستدرك ١٦٩/٢ - ١٧٠، ووافقه الذهبي على تصحيحه.
قلت: وبينّ الترمذي من وصله ومن أرسله ٢٢٧/٤ - ٢٣٠، بقوله: وحديث أبي موسى
حديث فيه اختلاف. رواه إسرائيل وشريك بن عبدالله وأبو عوانة وزهير بن معاوية
وقيس بن الربيع، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي مثل﴿،
قال: ((لا نكاح إلا بولي ... )) الحديث.
قلت: هؤلاء هم الذين وصلوا الحديث، ورجح الترمذي روايتهم الموصولة.
وروى شعبة والثوري عن أبي إسحاق، عن أبي موسى، عن النبي ومشار: هذه هي الرواية
المرسلة أو المنقطعة لسقوط أبي بردة في الإسناد.
ثم قال: وذكر بعض أصحاب سفيان عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن
أبي موسى ولا يصح. يعني لا يصح بالرواية الموصولة من حديث سفيان - ثم قال في
معرض الترجيح: ورواية هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي
موسى، عن النبي ◌َّ: ((لا نكاح إلا بولي ... الحديث)) عندي أصح، لأن سماعهم
عن أبي إسحاق في أوقات مختلفة، وإن كان الثوري وشعبة أثبت من جميع هؤلاء.
وقال: إسرائيل هو أثبت الناس في أبي إسحاق، وكان عبدالرحمن بن مهدي يقول: ما
فاتني الذي فاتني من حديث الثوري عن أبي إسحاق إلا لما اتكلت به على إسرائيل لأنه
يأتي به أتم.
قلت: ويتلخص من هذا أن الحديث مما رفعه الناس من طرق شتى، رواه من أصحاب
السنن أبو داود والترمذي وابن ماجه، وممن التزم الصحة فيما يرويه ابن حبان والحاكم.
وممن رواه من الصحابة عدد جم غفير منهم: علي بن أبي طالب، وابن عباس، ومعاذ بن
جبل، وابن عمر، وأبي ذر، والمقداد، وجابر، وأبي هريرة، وعمران بن الحصين، وابن
عَمْرو، والمسور بن مخرمة، وأنس. قال الحاكم: وأكثرها صحيحة، وسردَ تمام ثلاثين
صحابياً وقد جمع طرقه الدمياطي من المتأخرين.
قلت: دل هذا على صحة الحديث ولا تضره مخالفة إسرائيل شعبة والثوري، لأنه من
أثبت الناس في أبي إسحاق، والله أعلم.
٢٠٢

ويدل على الانعقاد أيضاً أن الصحابة كلهم أشكل عليهم، هل
تزوج صفية؟ وأحالوا ذلك على حجبها(١). وقصة زينب في تزويجه بها(٢)،
وهذا الخلاف(٣) في غير زينب. أما زينب فمنصوص عليها(٤)، وقد نبه
عليه أيضاً النووي في شرحه لمسلم، في باب زواج زينب بنت جحش(٥).
وذكر القضاعي هذه الخصيصة فيما خص بها دون الأنبياء من قبله.
(١) أخرجه البخاري ٤٧٩/٧، من حديث أنس رضي الله عنه، بلفظ: ((أقام النبي {ص84* بين
خيبر والمدينة ثلاث ليالٍ يبنى عليه بصفية، فدعوت المسلمين إلى وليمته وما كان فيها من
خبز ولا لحم، وما كان فيها إلا أن أمر بلالاً بالأنطاع فبسطت فألقى عليها التمر والأقط
والسمن، فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه، قالوا: إن حجبها
فهي إحدى أمهات المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه، فلما ارتحل وطأ لها
خلفه ومد الحجاب)).
وأخرجه مسلم في الصحيح ٢٢٤/٩، من حديث أنس أيضاً رضي الله عنه. فهو حديث
متفق عليه .
(٢) تقدم أن الله تعالى زوجها من رسول الله (*، وكانت تفخر بذلك.
(٣) المتقدم في انعقاد النكاح بدون ولي.
(٤) في الكتاب والسنة؛ أما في الكتاب ففي قوله تعالى: ﴿فلما قضى زيد منها وطراً
زوجناكها ... ) الآية، وبظاهرها قال الجمهور.
وتقدم ما جاء في السنة مما يدل على ذلك، والله أعلم.
(٥) قال النووي في شرحه على مسلم عند قوله: ونزل القرآن وجاء رسول الله و#* ودخل
عليها من غير إذن. قال النووي: يعني قوله تعالى: ﴿فلما قضى زيد منها وطراً
زوجناكها﴾ فدخل عليها بغير إذن لأن الله تعالى زوجه إياها بهذه الآية.
وقال عند قول أنس: ما رأيت رسول الله مَ ﴿ أُولَم على امرأة من نسائه أكثر وأفضل مما أولم
على زينب بنت جحش. قال النووي: يحتمل أن ذلك الشكر لنعمة الله تعالى في أن الله
تعالى زوّجه إياها بالوحي لا بولي وشهود، بخلاف غيرها.
ومذهبنا الصحيح المشهور عند أصحابنا: صحة نكاحه # بلا ولي ولا شهود لعدم
الحاجة إلى ذلك في حقه . وهذا الخلاف في غير زينب، وأما زينب فمنصوص
عليها، اهـ. شرح مسلم للنووي ٢٢٤/٩ - ٢٣٠.
٢٠٣

(تنبيه) قال الشيخ أبو حامد: الخلاف في المسألة مبني على أن
المتكلم، هل يدخل في عموم خطابه أم لا؟ فإنه قد قال: ((لا نكاح إلا
بولي مرشد وشاهديْ عدل)). وفيما ذكره نظر، لأن المحكوم عليه هنا إنما هو
نفي ماهية (١) النكاح عند انتفاء ذلك، فتنتفي تلك الماهية أيضاً في حقه
عملاً بهذا الحديث. ولم يأت لفظ عام للأشخاص حتى نقول هل دخل
فيهم أم لا؟.
المسألة الخامسة: في انعقاد نكاحه في حال الإحرام وجهان:
أحدهما: نعم، لما روى البخاري ومسلم، عن ابن عباس، أنه عليه
الصلاة والسلام تزوج ميمونة(٢) وهو محرِم(٣). وهذا ما نسبه الماوردي إلى
أبي الطيب ابن سلمة (٤). وقال الرافعي: إن كلام النقلة بترجيحه أشبه.
وصححه النووي في أصل الروضة (٥).
(١) ماهية الشيء: حقيقته.
(٢) ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين خالة ابن عباس رضي الله عن الجميع.
(٣) أ- أخرجه البخاري ٥٠٩/٧، في المغازي، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما،
بلفظ: تزوج النبي #18 ميمونة وهو محرم، وبنى بها وهو حلال، وماتت بسرف.
ب - أخرجه مسلم في الصحيح ١٩٦/٩، من حديث ابن عباس، في كتاب النكاح.
وأخرج أيضاً رواية يزيد بن الأصم، عن ميمونة بنت الحارث، أن رسول الله ما*
تزوجها وهو حلال. قال: وكانت خالتي وخالة ابن عباس.
(٤) أبو الطيب بن سلمة: هو الفقيه محمد بن المفضل بن سلمة الضبي البغدادي، تفقه على
ابن سريج وكان موصوفاً بفرط الذكاء (ت ٣٠٨ هـ) له ترجمة في طبقات الإسنوي
٢٣/٢.
(٥) قال النووي في الروضة ٩/٧ - ١٠: وفي حال الإحرام - يعني النكاح - وذلك يرجح
القول بأنه من الخصوصيات، لكن ما استدل به قد تطرقه الاحتمال، وإذا كان الدليل
تطرقه الاحتمال بطل به الاستدلال، والله أعلم.
٢٠٤

وثانيهما: لا، كغيره(١). وكما لا يحل له الوطء في الإحرام(٢). وهو ما
نقله الماوردي عن سائر الأصحاب، ونكاح ميمونة في أكثر الروايات(٣) جرى
وهو حلال، كذا قاله الرافعي وغيره. قال القاضي عياض وغيره: ولم يروٍ
أنه تزوجها محرماً إلا ابن عباس وحده. قلت: في صحيح ابن حبان، عن
عائشة، أنه عليه الصلاة والسلام تزوج بعض نسائه وهو محرم (٤). وروت
(١) من أفراد الأمة.
(٢) هذا من باب استعمال قياس النكاح على الوطء، وهو كلام وجيه إذا ضعف دليل
الخصوصية .
(٣) منها ما أخرجه الشافعي في الأم ٦٩/٤ :
أ - أخرج من حديث أبي رافع، من طريق شيخه مالك، عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن،
عن سليمان بن يسار، أن رسول الله وَلي بعث أبا رافع مولاه ورجلاً من الأنصار فزوّجاه
ميمونة بنت الحارث وهو بالمدينة قبل أن يخرج.
ب - حديث يزيد بن الأصم ابن أخت ميمونة، من طريق سفيان، عن عمرو بن دينار،
عن يزيد بن الأصم - هو ابن أخت ميمونة - أن رسول الله و الفر نكح ميمونة وهو حلال.
وأشار إلى رواية ابن عباس المشهورة في الصحيح، ونقل عن ابن المسيب قوله في وهم
من ذكره، وهو ابن عباس كما يأتي للمصنف.
جـ - أخرج أبو داود في السنن ٤٢٧/١ حديث ميمونة، قالت: تزوجني رسول الله داخل *
ونحن حلالان بسرف.
وأخرج رواية ابن عباس الثابتة في الصحيحين. ثم أخرج أثر ابن المسيب، من طريق
ابن بشار، عن عبدالرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن إسماعيل بن أمية، عن رجل،
عن سعيد بن المسيب، قال: وهم ابن عباس في تزويج ميمونة وهو محرم.
د - وأخرجه الدارقطني في السنن ٢٦٣/٣، بالسند الذي ذكره المؤلف.
ثم قال: وعند مطر، عن ربيعة عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع هذا القول أيضاً.
ورواه أبو الأسود يتيم عروة، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما مثل رواية مطر
عنه .
قال الشافعي: أنا سعيد بن سلمة الأموي، عن إسماعيل بن أمية، عن ابن المسيب،
قال: وهم الذي روى أن النبي مثل﴿ نكح ميمونة وهو محرم.
(٤) هذه متابعة تقوي رواية ابن عباس الثابتة في الصحيحين. وإن رجح العلماء غيرها =
٢٠٥

ميمونة وأبو رافع وغيرهما، أنه تزوجها حلالاً، وهم أعرف بالقصة من ابن
عباس لتعلقهم بها، ولأنهم أضبط من ابن عباس وأكبر.
قال ابن المسيب: ووهم ابن عباس في ذلك(١)، كذا رواه عنه أبو
داود، وابن عدي .
قلت: ويؤيده أن الدارقطني روى من حديث ابن عباس: تزوجها
وهو حلال(٢). رواه من حديث محمد بن عثمان بن مخلد، عن أبيه، عن
سلام أبي المنذر، وعن مطر الورّاق، عن عكرمة، عنه. ثم قال: تفرد به
محمد بن عثمان، عن أبيه، عن سلام وهو غريب، عن مطر. ورواه أبو
الأسود، عن عكرمة أيضاً.
قلت: وترجح رواية أبي رافع أيضاً لأنه كان بالغاً إذ ذاك بخلاف
ابن عباس، وبأنه عليه الصلاة والسلام تزوجها في عمرة القضاء، كما ذكره
البخاري وغيره، ولم يكن ابن عباس معه(٣). وتؤوّل رواية ابن عباس
المشهورة بأن المراد تزوجها في الشهر الحرام أو في البلد الحرام (٤). كما قال
الشاعر:
قتلوا ابن عفان الخليفة محرماً
لأنه قتل في أيام التشريق من الشهر الحرام.
.
= لاعتبارات أخر، وهي أن راويها أضبط وأكبر وكونه بالقصة أعرف وأعلم، كما يشير إليه
كلام المصنف رحمه الله تعالى.
(١) لو أمكن نسبة الوهم إلى غير ابن عباس لكان أليق لكونه حبر الأمة المدعوّ له من النبي
الكريم بالفهم في الدين. ولكن الخطأ لا يسلم منه إنسان لشمول النقص للبشر،
إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لمكان العصمة .
(٢) هذا يؤيد احتمال الوهم من غير ابن عباس.
(٣) ومن المعقول أيضاً، لأنه * * لما ذهب إلى مكة لم يشتغل بشيء سوى الطواف والسعي.
وإذا طاف وسعى فلم يبق إحرام لفراغه من عمرته.
(٤) وهو احتمال بعيد من ظاهر الحديث، ولكن الذي ألجأ إلى ذلك ما ذكرنا من عدم إرادة
الظاهر في هذا المقام.
٢٠٦

(تنبيه) عد القضاعي هذه الخصيصة مما خص بها دون الأنبياء من
قبله عليهم السلام(١) .
المسألة السادسة: في وجوب القسم عليه في زوجاته وجهان:
أحدهما: وبه قطع الإصطخري(٢). قال الماوردي وطائفة، وصححه
الغزالي في الخلاصة وعليه اقتصر في الوجيز: لا يجب، وإنما كان يتطوع
به. لأن في وجوبه عليه شغلاً عن لوازم الرسالة، ولقوله تعالى: ﴿ترجىء
من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء﴾ أي: تبعد من تشاء فلا تقسم لها،
وتقرب من تشاء فتقسم لها(٣). ونقل ابن الجوزي (٤) عن أكثر العلماء أن
الآية نزلت مبيحة ترك ذلك، وكان عليه الصلاة والسلام يطوف على نسائه
في الساعة الواحدة، كما أخرجه البخاري(٥)، من حديث أنس، وذلك ينافي
وجوبه علیه(٦).
وأصحهما: عند الشيخ أبي حامد والعراقيين وتابعهم البغوي وهو
ظاهر نصه في الأم: أنه يجب، لأنه كان يطاف به في مرضه على نسائه حتى
(١) قلت: في ثبوت هذه الخصوصية من أساسها نظر، لمكان النزاع المتقدم، فضلاً عما ذكره
القضاعي رحمه الله تعالى، والله الموفق.
(٢) الإصطخري: هو الإمام علي بن سعيد البغدادي القاضي أبو الحسن المتكلم. وفاته يوم
الأحد لثلاث بقين من ذي القعدة سنة أربع أربعمائة للهجرة. له ترجمة في (ط ش ك)
٢٥٨/٥.
(٣) هذه على إحدى التأويلات الثلاثة المتقدمة.
(٤) وهذا نص ابن الجوزي في زاد المسير ٤٠٥/٦: وأكثر العلماء أن هذه الآية نزلت مُبيحة
لرسول الله * مصاحبة نسائه كيف شاء من غير إيجاب القسمة عليه والتسوية بينهن غير
أنه کان يسوّي، اهـ.
(٥) أخرجه في الصحيح ٣١٦/٩، من حديث أنس، بلفظ: كان نبي الله وير يطوف على
نسائه في الليلة الواحدة وله يومئذ تسع نسوة.
(٦) وسيأتي للمصنف أن الله تعالى خص نبيه * بساعة ... إلخ.
٢٠٧

حللنه، كما ذكره الشافعي في المختصر بلاغاً(١). وفي صحيح البخاري، في
كتاب الهبة، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: لما ثقل رسول الله وَله
واشتد وجعه واستأذن أزواجه في أن يمرض في بيتي فأذنّ له(٢).
وصح أنه عليه الصلاة والسلام كان يقول: ((اللهم هذا قسمي فيما
أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك)). كما أخرجه أصحاب السنن الأربع
وصححه ابن حبان والحاكم(٣). ولما همّ بطلاق سودة وهبت يومها لعائشة
فجعل لها يومين(٤).
(١) وأخرجه في كتاب النكاح أيضاً ٣١٧/٩، من حديث عائشة رضي الله عنها، ولفظه: إن
رسول الله * كان يسأل في مرضه الذي مات فيه أين أنا غداً؟ أين أنا غداً؟ يريد يوم
عائشة فأذن له أزواجه يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة حتى مات عندها ...
الحدیث.
(٢) وهو في المختصر ٤٢/٤، ولفظه: ((بلغنا أن النبي ( كان يقسم فيقول: اللهم هذا
قسمي فيما أملك، وأنت أعلم فيما لا أملك)) يعني - والله أعلم فيما لا أملك - قلبه .
قال: وبلغنا أنه كان يطاف به محمولاً في مرضه على نسائه حتى حللنه، اهـ. ٤٣/٤.
(٣) أخرجه الأربعة:
أ - أخرجه أبو داود ٤٩٢/١، من حديث عائشة رضي الله عنها.
ب - أخرجه الترمذي ٢٩٤/٤، قلت: وقد صحح الترمذي رواية حماد بن زيد المرسلة
على رواية حماد بن سلمة الموصولة.
جـ - أخرجه النسائي ٦٤/٧، من حديثها في كتاب عشرة النساء.
د - وأخرجه ابن ماجه ٦٣٤/١، من حديثها.
أما الحاكم فأخرجه ١٨٧/٢. فقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي في
التلخيص.
(٤) أخرجه البخاري ٣١٢/٩، من حديث عائشة رضي الله عنها، ولفظه: إن سودة بنت
زمعة وهبت يومها لعائشة، وكان النبي ميم يقسم لعائشة بيومها ويوم سودة.
وأخرجه مسلم في الصحيح ٤٨/١٠: قالت عائشة: ما رأيت امرأة أحب إليّ أن أكون
في مسلاحها من سودة بنت زمعة من امرأة فيها حدة، قالت: فلما كبرت جعلت يومها
من رسول الله وير ... الحديث. وبقية ألفاظه كألفاظ البخاري.
٢٠٨

وأما الآية فهي محمولة (١) على إباحة التبدل بهن بعد التحريم. وقال
ابن القشيري في تفسيره: إنه كان واجباً ثم نسخ بهذه الآية(٢). وذكر
الماوردي في الآية تأويلين(٣). أحدهما: معناه تعزل من شئت من أزواجك
فلا تأتيها، وتأتي من شئت منهن. وهو قول قتادة ومجاهد ونقله البخاري
عن ابن عباس(٤).
قال الماوردي: واختلفوا، هل أرجأ رسول الله وَ ل# بعد نزول هذه
الآية من نسائه أحداً أم لا؟ فالذي عليه الأكثرون الثاني، وأنه مات عن
تسع وكان يقسم لثمانٍ منهن، لأن سودة وهبت يومها لعائشة (٥).
وروي أنه بلغ نسوة النبي وَلا يريد أن يخلي سبيلهن، فأتينه فقلن:
لا تخلٍ سبيلنا وأنت في حل مما بيننا وبينك، فأرجأ منهن نسوة وآوى
نسوة(٦)، وكانت ممن أرجأ ميمونة وجويرية وأم حبيبة وصفية وسودة وكان
(١) وفي (ن س): فمحمولة، من غير ضمير الغيبة. والمثبت هنا من (ن د).
(٢) والمراد بها قوله: ﴿ترجىء من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ... ) الآية.
(٣) ذَكَرَ هُنا الحافظ في الفتح ٥٢٦/٨ وقد تقدم ولا مانع من إعادته:
أ - تطلق، وتمسك.
ب - تعتزل من شئت منهن بغير طلاق، وتقسم لغيرها.
جـ ـ تقبل من شئت من الواهبات وترد من شئت. بهذا تعلم ما في كلام الماوردي الذي
نقله المصنف من الاقتصار، والله الموفق.
(٤) تعليقاً في التفسير ٥٢٤/٨. وقال الحافظ في الفتح ٥٢٥/٨: وصله ابن أبي حاتم، من
طريق علي بن طلحة، عن ابن عباس.
وقال الحافظ أيضاً: اختلف العلماء في معنى: ﴿ترجىء من تشاء منهن﴾ ذهب الجمهور
وأخرجه الطبري عن ابن عباس ومجاهد وحسن وقتادة وأبي رزين وغيرهم أن معناه:
تؤخرهن من غير قسم.
(٥) قلت: وهذا هو الثابت في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها. وثبت أيضاً
نحو ذلك من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(٦) أخرج نحوه ابن سعد في الطبقات ١٩٦/٨، من طريق محمد بن عبدالله الأسدي، عن =
٢٠٩

يقسم بينهن من نفسه وماله. وكان ممن آوى عائشة وحفصة وأم سلمة
وزینب، فكان قسمه من نفسه وماله فيهن سواء.
قال ابن القشيري: وقيل كان أراد أن يفارقهن فقلن: اقسم لنا من
نفسك ما شئت ودعنا على حالنا. قلت: وطوافه على نسائه في الساعة
الواحدة يجيب - القائل بالوجوب - عنه بأن ذلك كان برضاهن(١).
واعلم أن مأخذ الخلاف في هذه المسائل وأخواتها: أن الزوجات في
حقه عليه الصلاة والسلام كالسراري(٢) في حق غيره، أو كالزوجات. وفيه
وجهان: إن جعلناهن كالسراري لم يُشترط الولي ولا (٣) الشهود، وانعقد
نكاحه في الإحرام، وبلفظ الهبة، ولم يحصر عدد منكوحاته ولا طلاقه، ولا
يجب عليه القسم. وإن جعلناهن كالزوجات انعكس الحكم (٤).
وذكر ابن العربي المالكي (٥) أن الله تعالى خص نبيه صل* بأشياء في
النكاح منها: أنه أعطاه ساعة لا يكون لأزواجه فيها حق. يدخل فيها على
= سفيان، عن منصور، عن أبي رزين، قال: لما خشي أزواج النبي و غير أن يفارقهن قلن:
أفرض لنا من نفسك ومالك ما شئت، فأمره الله فأرجأ خمساً وآوى أربعاً.
(١) ويأتي للمصنف رحمه الله قريباً فيما نقله عن ابن العربي المالكي، أن الله تعالى أعطى نبيه
50* ساعة لا يكون لأزواجه فيها حق.
(٢) السراري: جمع سرية وهي الأمة المتخذة للوطء.
(٣) في (ش): بزيادة: لا، ولذلك أثبته.
(٤) قلت: الصحيح الذي دل عليه الكتاب والسنة أنهن زوجات حقيقة، ولكن الله يخص
نبيه * ما شاء من الأحكام في النساء. ولذلك لم يغتر الواقف بهذه الآراء الفقهية التي
لا مستند لها من الكتاب والسنة ولا من الواقع، والله الموفق.
(٥) ابن العربي المالكي: هو الحافظ العلّامة محمد بن عبدالله بن محمد القاضي أبو بكر بن
العربي الإشبيلي. ولد سنة ثمان وستين وأربعمائة، ومات سنة ثلاث وأربعين
وخمسمائة. تذكرة الحفاظ ١٢٩٤/٤.
٢١٠

جميع أزواجه فيفعل ما يريد بهن(١)، ثم يدخل عند التي يكون الدور لها.
وفي كتاب مسلم أن تلك الساعة كانت بعد العصر(٢)، فلو اشتغل
عنها لكانت بعد المغرب أو غيره. فلذلك قال أنس: ((كان عليه الصلاة
والسلام يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار))(٣).
المسألة السابعة: في وجوب نفقة زوجاته، عليه الوجهان
السابقان في المهر، والأصح الوجوب كما ذكره النووي في الروضة (٤).
المسألة الثامنة: كان له عليه الصلاة والسلام تزويج المرأة ممن
شاء بغير إذنها وإذن وليها.
المسألة التاسعة: وتزويجها من نفسه.
المسألة العاشرة: وتولي الطرفين بغير إذنها وإذن وليها.
إذ جعله الله أولى بالمؤمنين من أنفسهم. قال الحناطي ويحتمل أن
يقال: كان لا يجوّز إلا بإذنها، قلت: ويؤيده أنه عليه الصلاة والسلام
(١) هذا الذي تقدمت الإشارة إليه. وإن الاستدلال على عدم وجوب القسم بدورانه ( **
على نسائه في الساعة الواحدة لا يتم لمكان هذه الخصوصية، والله الموفق.
(٢) أخرجه م في الصحيح ٧٥/١٠، من حديث عائشة: ((كان رسول الله ومخلل يجب الحلوى
والعسل، فكان إذا صلى العصر دار على نسائه ... )) الحديث.
وفي صحيح البخاري أيضاً ما يدل لذلك ٣١٦/٩، في كتاب النكاح، من حديث عائشة
رضي الله عنها، قالت: ((كان رسول الله * إذا انصرف من العصر دخل على نسائه
فيدنو من إحداهن، فدخل على حفصة فاحتبس أكثر ما كان يحتبس)). اهـ.
(٣) أخرجه خ في الجامع الصحيح ٣٧٦/١، من حديث أنس، قال: ((كان رسول اللهمحصله
يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة ... )) الحديث.
(٤) ذكره فيها ١٠/٧، بلفظ: وهل كان يلزمه نفقة زوجاته؟ فيه وجهان بناء على المهر،
قلت: الصحيح الوجوب.
قلت: هذا هو الحق الذي تشهد له الأدلة والأحاديث الصحيحة أن حكمه #* في ذلك
كغيره، إلا ما قام الدليل على خلافه.
٢١١

استأذن جويرية(١)، وطلب رضاها بنكاحه. وقد يجاب عنه بأنه فعل ذلك
تطبيباً لقلبها، كقوله: ((والبكر تستأمر))(٢).
ووقع في المطلب للشيخ نجم الدين بن الرفعة، أن الرافعي حكى
عن الحناطي، أنه قال: يحتمل أن يقال: كان لا يجوّز له إلا بإذن وليها،
قال: ولم أر لذلك ذكراً في الروضة بل ذكر الخلاف المذكور في توليه عليه
الصلاة والسلام الطرفين.
هذا سهو منه فما ذكره عن الحناطي لم يحكِه الرافعي، وإنما الذي
حكاه الرافعي ما قدمته، ولم يحك في الروضة الخلاف في تولية الطرفين.
وإنما فيها حكايته في إذنها وإذن وليها، كما حكاه الرافعي فتنبه لها.
(١) قوله: إن النبي ( * استأذن جويرية.
ثبت في المستدرك ٤ /٢٦، من طريق عائشة رضي الله عنها ، أن جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار
وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، فكاتبها على نفسها على تسع أواق وكانت امرأة
حلوة، لا يكاد يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فبينما النبي # عندي إذ دخلت جويرية
تسأله في كتابتها، فقالت: يا رسول الله، أنا جويرية بنت الحارث سيد قومه وقد أصابني
من الأمر ما قد علمت، فوقعت في سهم ثابت بن قيس، فكاتبني على تسع أواق فأعني
على فكاكي. فقال: ((أو خيراً من ذلك؟)) قالت: ما هو؟ قال: ((أؤدي عنك كتابتك
وأتزوجك؟)) قالت: نعم يا رسول الله، قال: ((قد فعلت ... )) الحديث. والحديث
سكت عنه الحاكم ولم يتكلم عليه بشيء كما لم يعلق عليه الذهبي في التلخيص.
(٢) أ- أخرجه خ ١٩١/٩، في كتاب النكاح، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه:
((أن النبي ( ير قال: لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن ... ))
الحدیث.
ب - وأخرج م في كتاب النكاح ٢٠٢/٩، من حديث أبي هريرة.
وأخرج م ٢٠٥/٩ أيضاً، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، بلفظ: ((الثيب أحق
بنفسها من وليها، والبكر تستأمر وإذنها سكوتها)» وفي الحديث ألفاظ كلها تدور على هذا
المعنى، والله الموفق.
٢١٢

المسألة الحادية عشرة: أن المرأة تحل له بتزويج الله عز وجل،
قال الله تعالى: ﴿فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها ... ﴾(١) الآية. أي:
أحللنا لك نكاحها، وكانت تفتخر على صواحباتها بذلك. وتقول زوجكن
أهلوكن وزوجني الله من فوق سبع سموات. رواه البخاري(٢) من قول
أنس رضي الله عنه، ومنع ذلك بعض أصحابنا، وقال: إنه عليه الصلاة
والسلام أنشأ عقداً على زينب، ومعنى الآية: أبحنا لك نكاحها(٣).
(فائدة) لم يذكر الله أحداً من الصحابة في القرآن باسمه غير زيد بن
حارثة (٤).
(تنبيه) عدّ القضاعي هذه الخصيصة مماخص بها دون الأنبياء عليهم
السلام من قبله.
(١) سورة الأحزاب: الآية ٣٧.
(٢) أخرجه خ في كتاب التوحيد ٤٠٣/١٣، من حديث أنس رضي الله عنه، ولفظه: جاء
زيد بن حارثة يشكو فجعل النبي ( لا يقول له: ((اتق الله وأمسك عليك زوجك)). قال
أنس: لو كان رسول الله و التر كاتماً شيئاً لكتم هذه، قال: فكانت زينب تفخر على أزواج
النبي ﴿ تقول: زوجكن أهليكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سموات.
أخرجه ت في الجامع ٧٤/٩، في التفسير، من حديث أنس رضي الله عنه أيضاً. وقال
الترمذي : حسن صحيح .
(فائدة) جاء في البخاري بلفظ: زوجكن أهاليكن. وفي الترمذي بلفظ أهلوكن. قال
المباركفوري في تحفة الأحوذي ٧٤/٩ - بعد الإشارة إلى ما ذكرت - قال: الأهلون
والأهالي كلاهما جمع أهل، والأول على القياس، والثاني على غيره.
ونقل عن الأزهري أن أهل الرجل أخص الناس به، ويكنى به عن الزوجة .
(٣) قلت: هذا غريب منه لأن هذه القضية قد تقدمت فيها الإشارة عن النووي ونقلته عنه
ص ٢٠٣، بعد أن أشار لهذا المعنى بقوله تعالى: ﴿فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها﴾
فدخل عليها بغير إذن لأن الله تعالى زوجه إياها بهذه الآية. وأشار أن قضيتها خاصة لا
تشملها الخلاف، وهنا أشار إلى الخلاف وأطلق الأوجه من غير ترجيح، والله تعالى أعلم.
(٤) مولى رسول الله ﴿ وَحِبُّه. واسْتُشْهِدَ في غزوة مؤتة رضي الله عنه وأرضاه.
٢١٣

المسألة الثانية عشرة: كان يحل له نكاح المعتدة من غيره على
وجه حكاه البغوي والرافعي، وهو غلط لم يذكره الجمهور، وغلطوا من
ذكره. والصواب كما قال النووي في الروضة القطع بالمنع(١)، قال ابن
الصلاح: قال الغزالي في الخلاصة: وهو غلط منكر وددت محوه منه. وتبعه
فيه صاحب(٢) مختصر الجويني، ومنشئوه في تصحيف كلام أتى به المزني.
المسألة الثالثة عشرة: هل كان يحل له الجمع بين المرأة وعمتها
أو خالتها؟ وجهان في الرافعي عن ابن القطّان (٣). بناء على أن المخاطب
هل يدخل في الخطاب؟ لأنه قال: ((لا تنكح المرأة على عمتها ولا على
خالتها))(٤) فالمعنى لا ينكح أحد (٥).
(١) قال النووي في الروضة ١٠/٧: بل الصواب القطع بامتناع المعتدة من غيره. قلت: لأن
زواج المعتدة من الغير ممنوع بنص القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿ولا تعزموا عقدة
النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله ... ) الآية. وخطاب الله تعالى يدخل فيه نبيه داخلخذ
دخولاً أولوياً، ولا يثبت ما يدل على الخصوصية لا في الكتاب ولا في السنة، ولذلك لا
وجه للقول به، والله الموفق.
(٢) لعله يعني مختصر إمام الحرمين الذي يعرف بالتقريب والإرشاد، ولوالد المذكور أبي محمد
الجويني مختصر أيضاً، والله أعلم.
(٣) ابن القطّان: هو الإمام الحافظ العلامة أبو الحسن علي بن محمد بن عبدالملك بن
يحيى بن إبراهيم الحميري الكناني الفاسي الشهير بابن القطّان، كان معروفاً بالحفظ
والإتقان، ومن علماء هذا الشأن. توفي في ربيع الأول سنة ثمان وعشرين وستمائة. له
ترجمة في تذكرة الحفاظ ٤ /١٤٠٧ .
(٤) أخرج الحديث خ في الصحيح ١٦٠/٩، من حديث جابر، بلفظ: ((نهى رسول الله مرضاله
أن تنكح المرأة على عمتها وخالتها)). ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه، بلفظ: إن
رسول الله ﴿ قال: ((لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها)). ومن حديث أبي
هريرة أيضاً بلفظ: ((نهى النبي ( أن تنكح المرأة على عمتها والمرأة على خالتها)). فنرى
خالة أبيها بتلك المنزلة.
(٥) فيكون على هذا التقدير عاماً، ولم يثبت ما يخص عمومه في حقه فيكون الحكم في =
٢١٤

المسألة الرابعة عشرة: لم يكن يحل له الجمع بين الأختين، لأن
خطاب الله تعالى يدخل فيه نبيه وَ ل ر. وفيه وجه حكاه الحنّاطي وهو باطل
قطعاً، فقد ثبت في الصحيح عن أم حبيبة، أنها قالت لرسول الله وتالآتي :
هل لك في أختي بنت أبي سفيان؟ فقال: ((أفعل ماذا؟)) قلت: تنكحها.
قال: أو تحبين ذلك؟ قلت: لست لك بمخلية وأحب من شركني في خير
أختي. قال: ((فإنها لا تحل لي))(١).
= حقه كالحكم في أمته. راجع المحلّ ٥٠٣/٩ - ٥٠٤، فإنه أورد فيه صاحبه ما يدل على
عدم الخصوصية وقال: إن ذلك سنة جائزة لكل أحد.
ولقد نصر ابن القيم في زاد المعاد ٥٦/١ رأي ابن حزم، فقال: تزوج تَولو
صفية وجعل عتقها صداقها فصار بذلك سنة للأمة إلى يوم القيامة، وهو الظاهر من
مذهب أحمد وكثير من أهل الحديث. وقال طائفة: هذا خاص بالنبي بص #، وهذا قول
الأئمة الثلاثة ومن وافقهم، والصحيح الأول.
قال الحافظ في الفتح ١٢٩/٩، في كتاب النكاح - بعد إيراد المصنف حديث أنس
رضي الله عنه -: ((إن النبي ( * أعتق صفية وجعل عتقها صداقها)). قال: وقد أخذ
بظاهره من القدماء سعيد بن المسيب، وإبراهيم، وطاوس، والزهري؛ ومن فقهاء
الأمصار: الثوري، وأبو يوسف، وأحمد، وإسحاق. قالوا: إذا أعتق أمته على أن يجعل
عتقها صداقها صح العقد والعتق والمهر على ظاهر الحديث. قلت: هذا يعين موضع
الإشارة في كلام ابن القيّم، وهو مذهب أحمد وكثير من أهل الحديث.
قال الحافظ: وأجاب الباقون على الحديث بأجوبة أقربها إلى لفظ الحديث أنه أعتقها
بشرط أن يتزوجها فوجبت له عليها قيمتها وكانت معلومة فتزوجها بها. راجع الفتح فإنه
أوضح المقام فشفى وكفى، والله الموفق.
(١) أخرجه خ في الصحيح ١٥٩/٩، من حديث أم المؤمنين أم حبيبة رضي الله عنها،
ولفظه: أن أم حبيبة قالت: قلت يا رسول الله انكح أختي بنت أبي سفيان، قال
((وتحبين))؟ قلت: نعم لست لك بمخلية، وأحب من شاركني في خير أختي.
فقال النبي (18: ((إن ذلك لا يحل لي)). قلت: يا رسول الله فوالله إنا نتحدث أنك تريد
أن تنكح درة بنت أبي سلمة، قال: ((بنت أم سلمة؟)) قلت: نعم، قال: ((فوالله لو لم
تكن في حجري ما حلت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة
فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن)).
٢١٥

المسألة الخامسة عشرة: لم يكن يحل له الجمع بين الأم وبنتها(١)،
وفيه وجه بعيد حكاه الحنّاطي .
المسألة السادسة عشرة: أعتق وقل* صفية وتزوجها وجعل
عتقها صداقها، كما ثبت في الصحيحين من حديث أنس(٢). نعم، هو في
رواية البخاري، من حديث أبي موسى، أنه قهر أعتقها ثم أصدقها، وذلك
يدل على تجديد العقد بصداق غير العتق (٣).
وقال البيهقي: روي من حديث ضعيف أنه أمهرها فذكره (٤). وفي
(١) قلت: حديث أم حبيبة المتقدم يدل على منع الجمع، والله الموفق.
(٢) أ- أخرجه خ في الصحيح ١٢٩/٩، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. ومن
حديث أبي موسى معلّقاً بلفظ: أعتقها ثم أصدقها. حيث قال البخاري: وقال أبو بكر،
عن أبي حصين، عن أبي بردة، عن أبيه، عن النبي ◌ِ﴾.
قال الحافظ في الفتح ١٢٦/٩: أبو بكر هو ابن عياش، وأبو حصين هو عثمان بن
عاصم، وأبو بردة هو ابن أبي موسى، وأبو موسى هو الأشعري. ثم قال: هذا السند
مسلسل بالكوفيين وبالكنى، وقد وصل طريق أبي بكر بن عياش هذه أبو داود الطيالسي
في مسنده.
ووصله من طريقه أيضاً الحسن بن سفيان وأبو بكر البزار في مسنديْهما عنه. وأخرجه
الإسماعيلي عن الحسن ولفظه عنده: ثم تزوجها بمهر جديد. وكذا أخرجه يحيى بن
عبدالحميد الحماني في مسنده عن أبي بكر بهذا اللفظ. ولم يقع لابن حزم إلا من رواية
الحماني فضعف هذه الزيادة به ولم يصب. وذكر الإسماعيلي أن فيه اضطراباً على أبي
بكر بن عياش، وقد عنى في سياق المتن لا في الإسناد، وليس ذلك الاختلاف اضطراباً
لأنه يرجع إلى معنی واحد.
ب - أخرجه م في الصحيح ٢٢١/٩، من حديث أنس رضي الله عنه، وفيه: فقال له
ثابت: يا أبا حمزة ما أصدقها؟ قال: نفسها، أعتقها وتزوجها.
(٣) علقه إلى أبي بكر بن عياش. وقد بيّنا من وصله نقلاً عن الحافظ في الفتح ١٢٦/٩.
(٤) ذكره عنه الحافظ في الفتح ١٢٩/٩، من حديث أميمة، ويقال: أمة الله بنت رزينة عن
أمها ... الحديث.
٢١٦

رواية من حديث ابن عمر، أن جويرية وقع لها مثل ذلك. ولكن أعلها ابن
حزم بيعقوب بن حميد بن كاسب، وهو مختلف فيه لا كما جزم بتضعيفه(١).
واختلف أصحابنا في معنى: أعتقها وجعل عتقها صداقها، على
أربعة أوجه:
أحدها: أنه أعتقها بشرط أن ينكحها فلزمها الوفاء بخلاف غيره.
وهذا يقتضي إنشاء عقد بعد ذلك.
ثانيها: أنه جعل نفس العتق صداقها وجاز له ذلك بخلاف غيره.
وهذا ما أورده الماوردي .
وثالثها: أنه أعتقها بلا عوض وتزوجها بلا مهر، لا في الحال ولا فيما
بعد. قال النووي في الروضة(٢): وهذا أصح. وسبقه إلى ذلك ابن الصلاح
فإنه قال في مُشكله: إنه أصح وأقرب إلى الحديث (٣). وحكي عن أبي
(١) قلت: قال الحافظ في التقريب ٢٧٥/٢: يعقوب بن حميد بن كاسب المدني وقد ينسب
إلى جده، صدوق ربما وهم، من العاشرة، مات سنة أربعين أو إحدى
وأربعین. /عخ ق.
(٢) ذكره النووي فيها ١١/٧ .
(٣) وهذا أقرب لتفسير أنس رضي الله عنه، حينما سأله ثابت البناني بقوله: ما أصدقها؟
فقال: أصدقها نفسها، أعتقها وتزوجها.
قال الحافظ في الفتح ١٢٩/٩ قوله: أعتقها وتزوجها معناه: أعتقها ثم تزوجها، فلما لم
يعلم أنه ساق لها صداقها قال: أصدقها نفسها، أي: لم يصدقها شيئاً فيما أعلم ولم ينفٍ
أصل الصداق.
ومن ثَم قال أبو الطيب الطبري من الشافعية، وابن المرابط من المالكية ومن تبعهما: إن
قول أنس قاله ظناً من قبل نفسه ولم يرفعه.
وربما تأيد ذلك عندهم بما أخرجه البيهقي من حديث أميمة ويقال: أمة الله بنت رزينة،
عن أمها أن النبي * أعتق صفية وخطبها وتزوجها وأمهرها رزينة، وكان أتى بها مسبية
من قريظة والنضير. وهذا لا تقوم به حجة لضعف إسناده.
ويعارضه ما أخرجه الطبراني وأبو الشيخ، من حديث صفية نفسها، قالت: ((أعتقني
٢١٧

إسحاق وقطع به البيهقي، فقال: أعتقها مطلقاً. قال ابن الصلاح: فيكون
معنى قوله: وجعل عتقها صداقها، أنه لم يجعل لها شيئاً غير العتق، فحل
محل الصداق وإن لم يكن صداقاً (١). وهو من قبيل قولهم: الجوع زاد من
لا زاد له(٢).
رابعها: أنه أعتقها على شرط أن يتزوجها فوجب له عليها قيمتها،
فتزوجها به، وهي مجهولة، وليس لغيره أن يتزوج بصداق مجهول، حكاه
الغزالي في وسيطه. نعم، لنا وجه في صحة إصداق قيمة الأمة المعتقة
المجهولة إذا أعتقها عليه بالنسبة إلينا. وهو يرد قول الغزالي في وسيطه فيه
خاصية بالاتفاق، إلا أن يكون القائل بالصحة في حق غيره غير القائل
بالصحة هنا.
قال ابن حزم(٣): ما وقع في الحديث سنة جائزة صحيحة لكل من
أراد أن يفعل مثل ذلك إلى يوم القيامة. وكذا قال الترمذي؛ فإنه لما أخرج
الحديث(٤) المتقدم قال: حسن صحيح، والعمل على هذا عند بعض أهل
= النبي * وجعل عتقي صداقي. وهذا موافق لحديث أنس، وفيه رد على من قال: إن
أنساً قال ذلك بناء على ما ظنه. وخالف هذا الحديث أيضاً ما عليه كافة أهل السير أن
صفية من سبي خيبر، اهـ.
(١) من الماديات، بل جعل لها أغلى شيء وهو الحرية، والله أعلم.
(٢) هذا المثل رأيته في بعض شروح الحديث. ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح ١٢٩/٩. ولم
أره في كتب الأمثال.
(٣) ابن حزم: هو الإمام الحافظ الفقيه المجتهد أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن
غالب بن صالح بن خلف بن صفوان بن سفيان بن يزيد مولى يزيد بن أبي سفيان بن
حرب بن أمية، الفارسي الأموي اليزيدي القرطبي الظاهري، صاحب التصانيف. ولد
بقرطبة سنة أربع وثمانين وثلاث مائة، وتوفي في جمادى الأولى سنة ست وخمسين
وأربعمائة. تذكرة الحفاظ ١١٤٦/٣.
(٤) أخرجه ت في الجامع ٢٥٧/٤، من حديث أنس.
قال المباركفوري في التحفة ٥٧/٤: فيه دليل على صحة جعل العتق صداقاً. وقد قال به =
٢١٨

العلم من الصحابة وغيرهم، قال: وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق.
وكره بعض أهل العلم أن يجعل عتقها صداقها حتى يجعل لها مهراً سوى
العتق، قال: والقول الأول أصح. وقال ابن حبان - من أصحابنا - في
صحيحه :
فعلٌ فعله وَلاغير لم تقم الدلالة على أنه أخص(١) باستعماله دون أمته
مباح لهم استعمال ذلك الفعل لعدم وجود تخصيصه فیه، ثم ساق حديث
أنس السالف(٢).
(خاتمة) ثبت في الصحيح أنه * كان يدخل على أم حرام بنت
ملحان فتطعمه وتفلي رأسه وينام عندها. قال النووي في شرحه لمسلم، في
باب فضل الغزو في البحر (٣): اتفق العلماء على أنها كانت محرماً له وَيتر،
واختلفوا في کیفیة ذلك. فقال ابن عبدالبر وغيره: کانت إحدی خالاته من
= من القدماء سعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، وطاوس، والزهري. ومن فقهاء
الأمصار أبو يوسف، والثوري، وأحمد، وإسحاق. قلت: وأبو محمد ابن حزم. انظر
المحلّى ٦١١/٩ - ٦١٢.
(١) بدون ألف في (ش).
(٢) وهذا فيه ما شاع عند العلماء، أن أفعاله و طائر تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
أ - أفعال جبّية وهذه ليست محلاً للقدوة فيه.
ب - أفعال تشريعية وهذه هي للقدوة.
جـ ــ أفعال مترددة بينهما هذه والتي قبلها، وهي محل للقدوة ما لم يدل دليل على أنه
خاص به {/ * .
(٣) قال النووي في الشرح المذكور ٥٧/١٣: اتفق العلماء على أنها كانت محرماً له وعظله،
واختلفوا في كيفية ذلك. فقال ابن عبدالبر وغيره: كانت إحدى خالاته من الرضاعة،
وقال آخرون: بل كانت خالة لأبيه أو لجده، لأن عبدالمطلب كانت أمه من بني النجار.
وسيأتي قريباً أن الدمياطي رد على دعوى المحرميّة ووسم قائلها بالذهول، والله الموفق.
٢١٩

الرضاعة، وقال آخرون: بل كانت خالته لأبيه أو لجده، لأن عبد المطلب
كانت أمه من بني النجار(١). هذا كلامه. وما ذكره من الاتفاق على أنها
(١) وحاصل ما ذكره الحافظ في الفتح ٧٨/١١ بقوله: وقد أشكل هذا على جماعة فقال ابن
عبدالبر: أظن أن أم حرام أرضعت رسول الله * أو أختها أم سليم، فصارت كل منهما
أمه أو خالته من الرضاعة، فلذلك كان ينام عندها، وتنال منه ما يجوز للمحرم أن يناله
من محارمه .
ثم ساق بسنده إلى يحيى بن إبراهيم بن مزين، قال: إنما استجاز رسول الله ( # أن تفلي
أم حرام رأسه لأنها كانت منه ذات محرم من قبل خالاته، لأن أم عبد المطلب جده كانت
من بني النجار.
ومن طريق يونس بن عبدالأعلى، قال: قال لنا ابن وهب: أم حرام إحدى خالات النبي
* من الرضاعة، فلذلك كان يقيل عندها، وينام في حجرها، وتفلّ رأسه. قال ابن
عبدالبر: وأيهما كان فهي محرم له. وحكى ابن العربي ما قاله ابن وهب، ثم قال: وقال
غيره: بل كان النبي و # معصوماً يملك إربه عن زوجته فكيف عن غيرها مما هو منزه عنه
وهو المبرأ عن كل فعل قبيح وقول رفث؟ فيكون ذلك من خصائصه.
ثم قال: ويحتمل أن ذلك قبل الحجاب، ورد بأن ذلك بعد الحجاب جزماً. ورد عياض
القول بالخصوصية بأن الخصوصية لا تثبت بالاحتمال، وثبوت العصمة مسلّم لكن
الأصل عدم الخصوصية وجواز الاقتداء بأفعاله حتى يقوم على الخصوصية دليل.
وبالغ الدمياطي في الرد على من ادعى المحرميّة فقال: ذهل كل من زعم أن أم حرام
إحدى خالات النبي * من الرضاعة أو من النسب وكل من أثبت خولة تقتضي محرمية،
لأن أمهاته من النسب واللائي أرضعنه معلومات ليس فيهن أحد من الأنصار البتة سوى
أم عبدالمطلب، وهي سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خراش بن عامر بن غنم بن
عدي بن النجار، وأم حرام هي بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن
عامر المذكور، فلا تجتمع أم حرام وسلمى إلا في عامر بن غنم جدهما الأعلى، وهذه
خؤولة لا تثبت بها محرمية لأنها خؤولة مجازية. وهي كقوله # لسعد بن أبي وقاص:
((هذا خالي)) لكونه من بني زهرة وهم أقارب أمه آمنة. وليس سعد أخاً لآمنة لا من
النسب ولا من الرضاعة.
قال الحافظ بعد هذا: وإذا تقرر هذا، فقد ثبت في الصحيح أنه # كان لا يدخل على
أحد من النساء إلا على أزواجه إلا على أم سليم، فقيل له، فقال: ((أرحمها قتل أخوها =
٢٢٠