النص المفهرس

صفحات 161-180

وروى أحمد والطبراني والترمذي وابن ماجه، من حديث ابن
عباس(١) رضي الله عنهما، أنه عليه الصلاة والسلام تنفله يوم بدر. قال
الترمذي: حسن غريب، وأخرجه الحاكم وقال: إنه صحيح الإسناد(٢).
قال: والأخبار أنه من خيبر واهية(٣). وفي الطبراني الكبير من حديث ابن
عباس، بإسناد ضعيف، أن الحجاج بن عِلاط(٤) أهداه له. والفَقار مفتوح
الفاء قال الخطابي: والعامة تكسرها، وأصل الفقار عظام الظهر، ومفرده
فقارة بالفتح، وفقرة. قال ابن الأثير في نهايته: هي خرزات الظهر(٥).
قال: وفي حديث زيد بن ثابت ((ما بين عجب الذنب إلى فقاره
واحد وثلاثون ديناراً)).
(فائدة) هذا السيف كان للعاص بن منبه (٦) أولاً فقتل وأخذه عليه
الصلاة والسلام(٧) وأعطاه لعلي رضي الله عنه وانتقل في أولاده. ورآه
(١) حديث ابن عباس، أخرجه الإمام أحمد ٢٧١/١؛ والترمذي في الجامع ٦١/٣، وقال:
حسن غريب؛ وابن ماجه ٩٣٩/٢.
(٢) في المستدرك ١٢٩/٢، من حديث ابن عباس بطوله، ووافقه الذهبي على تصحيحه.
(٣) قلت: وقد ثبت أنه الذي رأی فیه الرؤيا قبيل غزوة أحد، كما ثبت ذلك عن ابن عباس وأين
أحد من خيبر؟ الله تعالى أعلم.
(٤) قال الحافظ في الإصابة ٣١٣/١: الحجاح بن عِلاط - بكسر المهملة وتخفيف اللام - ابن
خالد بن ثوير، بالمثلثة مصغراً ابن هلال بن عبيد بن صفر بن شعد السلمي ثم الفهري.
قال ابن سعد: قدم على النبي # يوم خيبر وسكن المدينة واختطُّ بها داراً ومسجداً.
(٥) ذكره ٤٦٣/٣، وضبطه بكسر أوله ولفظه ومن المكسور الأول - يعني مادة فقر - حديث
زيد بن ثابت ... فذكره.
(٦) المثبت من (ن د)، وهو الصواب الثابت في سيرة ابن هشام ٦٤١/١، ٧١٣/١. وفي
(ن س) و (ن ج): العاص بن نبيه.
(٧) لنفسه لأن غنائم بدر كلها للنبي يفعل بها ما شاء. ولهذا اعترض الحافظ في
التلخيص ١٣٤/٣ على الرافعي في قوله: إن ذا الفقار من صفاياه. والكلام في الصفي
إنما هو بعد فرض الخمس، وعلى هذا يحمل قول ابن عباس تنفله. بمعنى أنه أخذه
لنفسه ولم يعطه أحداً.
١٦١

الأصمعي(١) عند الرشيد متقلداً وبه ثمان عشرة فقارة. وحكى الإمام قبل
كتاب قسم الصدقات وجهين في أن الصفي كان للنبي وَيُ خارجاً من
سهمه أو كان محسوباً عليه من سهمه(٢).
المسألة الثالثة: الاستبداد بخمس من خمس الفيء والغنيمة
وبأربعة أخماس الفيء منفرد بذلك وله مع خمس الغنيمة سهم كسهام
الغانمين. قال تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن الله خُمُسه ... ﴾
الآية(٣). وعن عمروبن عبسة قال: قال رسول الله وَ له: ((لا يحل لي
من غنائمكم مثل هذا إلا الخمس والخمس مردود فيكم)). رواه أبو
داود (٤)، والحاكم وهو على شرط البخاري(٥).
(١) الأصمعي: عبدالملك بن قريب بن عبدالملك بن علي بن أصمع الباهلي المعروف
بالأصمعي أبو سعيد، أديب لغوي نحوي إخباري، محدّث فقيه أصولي، من أهل
البصرة. ومن تواليفه نوادر الإعراب، ووفاته سنة ست عشرة ومائتين. له ترجمة في معجم
المؤلفين ١٨٧/٦ .
(٢) والظاهر الذي يدل عليه حديث عامر الشعبي أن ذلك خارج من سهمه. وهو قوله:
كان للنبي 18 سهم يدعى الصفي إن شاء عبداً وإن شاء أمة وإن شاء فرساً، يختاره قبل
الخمس. أخرجه أبو داود عنه مرسلاً ١٣٦/٢.
(٣) سورة الأنفال: الآية ٤١.
(٤) أخرجه في ٧٤/٢، عن عمرو بن عبسة. ورواية المصنف هنا مختصرة. رواه أبو داود، عن
الوليد بن عتبة، عن الوليد، عن عبدالله بن العلاء، عن أبي سلام الأسود، عن
عمرو بن عبسة، قال: صلى بنا رسول الله وسل#، فلما سلم أخذ وبرة من جنب البعير، ثم
قال: ((ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذا، إلا الخمس والخمس مردود فيكم)).
رجال الإسناد:
أ - الوليد بن عتبة. قال الحافظ في التقريب ٣٣٤/٢: الوليد بن عتبة الأشجعي أبو
العباس، ثقة، من العاشرة مات سنة أربعين/ د.
ب - الوليد بن مسلم القرشي. قال الحافظ في التقريب ٣٣٦/٢: أبو العباس الدمشقي،
ثقة كثير التدليس والتسوية، من الثامنة، مات سنة أربع أو خمس وتسعين. /ع.
قلت: تدلیس الولید قادح للسند.
١٦٢
=

وادعى الماوردي أنه كان له أولاً جميع الفيء كما كان له جميع
الغنيمة، ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن أنزل الله تعالى: ﴿ما أفاء الله على
رسوله ... ) الآية(١). وفي الغنيمة: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء ... ﴾
الآية(٢). ووراء ذلك ((وجه))(٣) يشير إليه كلام الفوراني(٤): إن الخمس من
الخمس يصرف بعد رسول الله﴿ إلى خليفة الزمان. قال الإمام: ولم
يصح عندي نسبته إلى أحد من الأصحاب. وعلى هذا الوجه - إن صح -
لا خصوصية. وأفاده صاحب المغني(٥) من الحنابلة أن له عليه الصلاة
والسلام خمس الخمس وإن لم يحضر.
= جـ - عبدالله بن العلاء بن زبر. قال الحافظ في التقريب ٤٣٩/١: ثقة، من السابعة،
مات سنة أربع وستين.
د - أبو سلام الأسود. قال الحافظ في التقريب ٢٧٣/٢: ممطور الأسود الحبشي، ثقة
يرسل، من الثالثة.
هـ - عمرو بن عبسة. قال الحافظ في التقريب ٧٤/٢: أبو عامر السلمي، صحابي
مشهور أسلم قديماً وهاجر بعد أحد، ثم نزل الشام، وهكذا اتضح أن رجال الإسناد
كلهم ثقات أثبات.
قلت: قوله في الحديث: ((الخمس مردود فيكم)) يعني: معروف في مصالحكم من السلاح
والخيل وغير ذلك، والله أعلم.
(٥) قلت: بل سكت عنه الحاكم، وكذلك الذهبي في التلخيص ولم يتكلم عليه بشيء. انظر
المستدرك ٦١٦/٣.
(١) سورة الحشر: الآية ٧.
(٢) سورة الأنفال: الآية ٤١.
(٣) الإثبات من (ن د)، وفي (ن ج) و(ن س): بدون كلمة وجه، والله أعلم.
(٤) الفوراني: هو الإمام الجليل الحسين بن محمد بن الحسين أبو علي البيهقي، قال فيه
عبدالغافر: ركن من أركان أصحاب الشافعي بناحية بيهق ٣٦٦/٤ (ط ش ك).
(٥) صاحب المغني: هو الإمام الفقيه أبو محمد عبدالله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن
مقدام بن نصر بن عبدالله المقدسي ثم الدمشقي الصالحي. (م ٥٤١ - ت ٦٢٠ هـ). له
ترجمة في طبقات الحنابلة لابن رجب ٤٧٥/٢.
١٦٣

المسألة الرابعة: دخول مكة بغير إحرام. نقله صاحب
التلخيص(١) وغيره. وفي جوازه لغيره من غير عذر خلاف(٢). ودليل ما
ذكرناه ما أخرجه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه، ((أن رسول الله وله
دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء من غير إحرام))(٣) وعبّر
القضاعي (٤) في عيون المعارف بالحرم بدل مكة وهو المراد هنا، وذكر أن
ذلك مما خص به دون من قبله من الأنبياء.
وذكر ابن الرفعة(٥) في الكفاية في أوائل الحج وغيره: أن من دخل
مكة مقاتلاً لباغ (٦) أو قاطع طريق أو خائفاً من ظالم لا يلزمه الإحرام.
واستدل بأنه عليه الصلاة والسلام دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه
المغفر(٧)، ولو كان محرماً لم يلبسه. وقد كان خائفاً من غدر الكفار وعدم
قبولهم الصلح الواقع(٨) بينه وبين أبي سفيان.
(١) تقدم أنه أبو العباس ابن القاصّ، والتلخيص كتاب له.
(٢) منشأ الخلاف حديث ابن عباس الثابت في الصحيح في إثبات المواقيت، والشاهد من
الحديث قوله وخلفه: ((هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة)) هل
قوله: ممن أراد إلخ مفهوم، وأن ممن لم يرد الحج ولا العمرة لا حرج عليه في ذلك.
وجمهور العلماء لا يحلون الدخول من غير إحرام.
(٣) أخرجه عنه ١٣٣/٩، وأخرجه من حديث أنس وعلى رأسه المغفر وجمع بينهما، فإنه لبس
المغفر ولبس عليه العمامة، والله أعلم.
(٤) تقدم غير مرة، هو الإمام محمد بن سلامة القضاعي، ((وعيون المعارف)) كتاب له، وقد
أكثر المصنف النقل عنه، ولا سيما في ذكر ما اختص به نبينا مط من الخصائص.
(٥) هو الإمام نجم الدين بن الرفعة صاحب الكفاية والمطلب، تقدمت ترجمته ص ٩٣.
(٦) الباغي: هو الخارج عن الإمام العادل، والمحارب له على وجه التمرد والإثارة. وقاطع
الطريق: هو المخيف للسالكين للتعرض على نفوسهم وأموالهم وأعراضهم.
(٧) أخرجه مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه ١٣١/٩ - ١٣٢.
(٨) المراد بالصلح: الأمان الذي أخذه أبو سفيان لأهل مكة بممر الظهران حينما أخذ وأتي به
إلى النبي * فأسلم وأخذ أماناً لأهل مكة. والقصة مشهورة تغني عنها هذه الإشارة،
وقد ذكر هذه القصة ابن إسحاق في السيرة ٤٠٢/٢ - ٤٠٣. تهذيب سيرة ابن هشام.
١٦٤

وقد علمت أن الاستدلال بذلك ليس بجيد لأجل هذه الخصوصية
الواقعة في حقه وَّة، ثم قوله: ولو كان محرماً لم يلبسه وقد كان خائفاً من
غدرهم، كلام لا يلتئم. فإن المحرم الخائف يباح له اللبس قطعاً، وحديث
جابر الذي سقناه صريح في الدلالة. ثم تعليله ترك الإحرام واللبس
بالخوف كيف يلتئم مع قوله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس ... ﴾
الآية(١). وفي الحديث: لما نزلت هذه الآية ترك الحرس(٢).
المسألة الخامسة: القتل في الحرم. فإنه قتل ابن خطل وهو
متعلق بأستار الكعبة(٣)، كذا رأيت في التلخيص لابن القاصّ وتبعه
القضاعي وقال: إنه خص به من بين سائر الأنبياء. وفي الخصوصية نظر.
لأن ابن خطل صاحب جُرْمٍ (٤) والحرم لا يعيذ عاصياً ولا فاراً بدم ولا فاراً
(١) سورة المائدة: الآية ٦٧.
(٢) حديث كان النبي ◌َّهُ يُحْرَسُ حتى نزلت هذه الآية: ﴿والله يعصمك من الناس ... ﴾
فأخرج رسول الله ( * رأسه من القبة، فقال لهم: ((يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله)).
أخرجه الترمذي في الجامع ٤١١/٨.
قال الترمذي: غريب. وفي التحفة: قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا الحديث:
وإسناده حسن. واختلف في وصله وإرساله.
قلت: أشار الترمذي لذلك بقوله: روى بعضهم هذا الحديث عن الجريري عن
عبدالله بن شقيق، قال: كان النبي ◌َّلُ يُخْرَس، ولم يذكروا فيه عن عائشة. قال في
التحفة: أخرجه أيضاً ابن أبي حاتم وابن جرير.
وقال في التحفة: قال الحافظ ابن كثير بعد نقل كلام الترمذي هذا: رواه ابن جرير من
طريق إسماعيل بن علية، وابن مردويه من طريق وهيب، كلاهما عن الجريري، عن
عبدالله بن شقيق مرسلاً. والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك ٣١٣/٢، من حديث
عائشة رضي الله عنها، ووافقه الذهبي في التلخيص على تصحيحه، والله أعلم.
(٣) تقدم أن النبي لما فتح مكة أمن الناس إلا ستة منهم ابن خطل.
وكان صاحب سابقة من الجرم، فأمر بقتله فقتل. انظر ابن كثير ٥٦٣/٣ في السيرة،
وخطل: بفتح الخاء والطاء.
(٤) الجرم - بضم أوله وإسكان الثاني - الجريمة والذنب.
١٦٥

بخربة كما ثبت في الصحيح(١). وقد قيل: إن ابن خطل كان قد بعثه
رسول الله 18 في وجه مع رجل من الأنصار أمر عليه فلما كان في بعض
الطريق وثب على أميره الأنصاري فقتله(٢).
المسألة السادسة: أن ماله لا يورث عنه، قال الطيار: ((لا
نورث ما تركناه صدقة))(٣). متفق على صحته من حديث جماعة. ثم فيه
وجهان أحدهما: أنه صدقة للحديث المذكور وبه قطع أبو العباس
الروياني، وقال الرافعي في الشرح الصغير: إنه المشهور، وعلى هذا، هل
يكون وقفاً على ورثته؟ فيه وجهان حكاهما أبو العباس أيضاً، فإن جعلناه
وقفاً فهل هو الواقف؟ فيه وجهان لقوله في الحديث: ((ما تركناه صدقة))،
وأصحهما عند الإمام: أنه باق على ملكه ينفق منه على أهله، كما كان عليه
(١) وعلى هامش (ن د): نعم هو في الصحيح، لكنه من كلام عمرو بن سعيد بن العاص
الأشدق لا من كلام النبي ◌َّير ولا حجة فيه. والخربة أصلها العيب وكل فعل لا تجيزه
الشريعة. النهاية ١٧/٢ .
قلت: تقدم ص ٧٠ أن أبا شريح العدوي دخل على عمرو بن سعيد الأشدق وهو يبعث
البعوث إلى مكة ... الحديث وفيه قوله: أنا أعلم بهذا منك يا أبا شريح، إن الحرم لا
يعيذ عاصياً ... إلخ.
(٢) ذكر قصته هذه ابن إسحاق في السيرة ٤١٠/٢، وابن كثير في السيرة النبوية ٥٦٣/٣
أيضاً. وستأتي مفصلة ص ١٦٧ .
(٣) أ- أخرج البخاري ٥/١٢، من حديث أبي بكر، وعائشة، وعمر، وأبي هريرة،
رضي الله عن الجميع.
ولفظ حديث عائشة: إن النبي و سر قال: ((لا نورث ما تركت صدقة)).
ولفظ أبي بكر رضي الله عنه: سمعت رسول الله و # يقول: ((لا نورث ما تركنا صدقة،
إنما يأكل آل محمد من هذا المال ... )) الحديث.
ولفظ أبي هريرة: إن رسول الله وي فر قال: ((لا يقتسم ورثتي ديناراً ما تركت بعد نفقة
نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة)).
ب - ومسلم في الصحيح ٧٤/١٢ - ٨١، من حديث عمر وعائشة وأبي بكر وأبي هريرة
رضي الله عن الجميع.
١٦٦

الصلاة والسلام ينفقه في حياته. ووجهه الإمام بأن الأنبياء أحياء(١). قال:
وكذلك كان الصديق(٢) رضي الله عنه ينفق منه على أهله وخدمه ويصرفه
فيما کان يصرفه فيه في حیاته.
قال النووي في الروضة(٣): وكل هذا ضعيف، والصواب: الجزم
بأنه زال ملكه عنه عليه الصلاة والسلام، وأن ما تركه فهو صدقة على
المسلمين لا يختص به الورثة، وكيف يصح غير ذلك مع الحديث
الصحيح (٤) فإنه نص على زوال الملك.
ثم اعلم أن الرافعي ذكر في الباب الأول من (٥) قسم الفيء والغنيمة
أن خمس الفيء كان له عليه الصلاة والسلام ينفق منه على نفسه وأهله،
(١) قلت: هذه حياة برزخية لا تتعلق بها الأحكام الدنيوية، والله أعلم.
(٢) قلت: هذا مبدأ التزمه أبو بكر رضي الله عنه. قال أبو بكر - فيما رواه البخاري عنه -:
والله لا أدع أمراً رأيت رسول الله و له يصنعه فيه إلا صنعته، اهـ ٥/١٢. حاصل قصة
ابن خطل المتقدمة ص ١٦٦، كما ذكرها الحافظ ابن كثير في السيرة ٥٦٤/٣.
عبدالله بن خطل: رجل من بني تيم بن غالب، ويقال: اسمه عبدالعزى بن خطل.
ولما أسلم بعثه رسول الله ﴿﴿ مصدقاً - يعني جابياً للصدقة - وبعث معه رجلاً من
الأنصار - وكان معه مولى له فغضب عليه غضبة فقتله، ثم ارتد مشركاً، وكان له قينتان
تغنيان بهجاء رسول الله صل والمسلمين، فلذا أهدر رسول الله # دمه ودم قينتيه فقتل
وهو متعلق بأستار الكعبة.
(٣) في باب النكاح قسم الخصائص ٧/٧، ونصه مطابق لنقل المؤلف.
(٤) أخرجه البخاري ١٢/٦، من حديث أبي بكر وعائشة وعُمَر وأبي هريرة، ومسلم في
الصحيح ٧٤/١٢ - ٨١، من حديث عمر وعائشة وأبي بكر وأبي هريرة. وقد تقدم
تخريجه ص ١٦٦ .
قلت: وهذا هو الحق الذي تنصره الأدلة وتعضده الأحاديث الصحيحة.
(٥) ذكره في الكبير ٩٩/٣، وقال فيه أيضاً: بل ما يملكه الأنبياء لا يورث عنهم، قلت:
وهذا مصير منه أن الأنبياء تشاركه في ذلك كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
١٦٧

وفي مصالحه ولم يكن يملكه، ولم ينتقل منه إلى غيره إرثاً، وهذا حكم منه
بأن جهة الإنفاق غير مملوكة خلاف ما ذكره هنا.
ومن غريب ما ذكره صاحب البيان(١) في آخر إحياء الموات عن
الشيخ أبي حامد(٢). أن بعضهم قال: إنه عليه الصلاة والسلام ما كان
يملك شيئاً، ولا يتأتى منه الملك، وإنما أبيح له ما يأكله وما يحتاج إليه. وغلط
الشيخ أبو حامد لقوله تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله ... ) الآية(٣)، وقد
أعتق صفية (٤) واستولد مارية(٥).
ثم ههنا أمور:
أحدها: عَدَّ الغزالي والإمام: هذه الخصلة من جملة التخفيفات.
قال الرافعي: كأن المعنى فيه أن جعلها صدقة تورِث زيادةَ القربة ورفع
الدرجات، والأكثرون عدّوها من الكرامات(٦).
هو الرابع من خصائصه وَله، وتوجه ما ذكره الإمام والغزالي بأنه
(١) صاحب البيان، هو يحيى بن أبي الخير العمراني، تقدمت ترجمته ص ١٠٤ . والبيان کتاب له في
فروع الشافعية .
والموات - بفتح الميم والواو المخففة - الأرض الخالية من المالك وإحياؤها يكون بالبناء أو بغرس
الشجر، أو بتفجير الماء، أو بإزالة الحشائش أو الأحجار. وغير ذلك مما هو موضح في كتب الفقه .
(٢) هو المروزي، تقدم غير مرة.
(٣) سورة الحشر: الآية ٧ .
(٤) بنت حيي بن أخطب الإسرائيلية، من نسل هارون بن عمران عليه السلام.
(٥) مارية القبطية أم ولده إبراهيم عليه السلام، بعثها المقوقس صاحب الإسكندرية سنة سبع من
الهجرة، وسيأتي مزيد من الترجمة عقب الحديث في الأزواج الشريفات إن شاء الله تعالى.
(٦) التي ستأتي في آخر الأقسام - إن شاء الله تعالى - من الكتاب.
١٦٨

يجوز أن يكون له التصدق بجميع ماله بعد موته بخلاف أمته كما أبداه
بعضهم بحثاً(١).
ثانيها: هذا ليس خاصاً به وله من بين سائر الأنبياء عليهم السلام.
ففي السنن الكبرى للنسائي من حديث الزبير وغيره: ((إنا معشر الأنبياء لا
نورث، ما تركناه فهو صدقة))(٢). نعم، يمتاز به من بين أمته(٣). وأما القضاعي
فلما ذكر خصائصه من بين سائر الأنبياء قال: ومنها أن ماله كان بعد موته
قائماً على نفقته وملكه.
ثالثها: ما الحكمة في كون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يورثون؟
فيه أوجه أحدها: لئلا يتمنى قريبهم موتهم فيهلك بذلك. ثانيها: لئلا ينفر
الناس عنهم ويظنوا فيهم الرغبة في الدنيا وجمعها لوراثهم بهم. ثالثها: لئلا
يفتن بعض الذين أسلموا وتابعوهم بظنهم فيهم الرغبة والجمع
لوراثهم (٤).
رابعها: ما الجواب عن قوله تعالى: ﴿فهب لي من لدنك ولياً یرثني
(١) وهو كلام وجيه من حيث النظر والاستنباط، لكون النهي معللاً بحرمان الورثة من حقهم في
الميراث. وهنا الإرث ممتنع لأنه وَ ل قال: ((لا نورث)).
(٢) قال في تحفة الأشراف: رواه النسائي في الفرائض في الكبرى ١٨٥/٣ . قال الحافظ في التلخيص
الحبير١٠٠/٣ بعد إيراد الحديث: وإسناده على شرط مسلم. ثم قال: ويستدل له أيضاً بما رواه
النسائي في مسند حديث مالك، عن قتيبة، عنه، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: أن أزواج
النبي وس لما توفي رسول الله ولم أردن أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر فيسألنه ميراثهن من رسول الله
فقالت لهن عائشة: أليس قد قال رسول الله: ((لا يورث نبي، ما تركنا صدقة)).
قلت: ولا يقال إن هذه الرواية تخالف ما ثبت في الصحيحين، من حديث عائشة وغيرها: ((لا
نورث، ما تركنا صدقة)). وهذه الرواية أفادت أن سائر الأنبياء تشاركه في ذلك.
(٣) وهذا متفق عليه عند جميع العلماء.
(٤) هذه تغني عنها الأولى، ويمكن حمل الأولى على العموم والثانية لمن أسلم فقط، والله أعلم.
١٦٩

ويرث من آل يعقوب ... ﴾(٢) الآية. وقوله تعالى: ﴿وورث سليمان
داود ... ﴾ (٢) الآية. قلت: المراد الوراثة في النبوة والعلم والدين لا في
المال. وفي هذا رد على ما حكاه القاضي عياض(٣) عن الحسن البصري (٤)،
أنه قال: عدم الإرث منهم يختص بنبينا وَّر. واستدل بالآية الأولى، وزعم
أن المراد وراثة المال. قالوا: ولو أراد وراثة النبوة لم يقل: ﴿وإني خفت
الموالي من ورائي﴾ إذ لا يخاف الموالي على النبوة ثم استدل بالآية الأخرى.
والصواب الذي عليه جميع العلماء أن جميع الأنبياء لا يورثون، ويؤول ذلك
بما سبق(٥).
خامسها: قوله وَله: ((صَدَقَةٌ)) هو مرفوع خلافاً للإمامية(٦) حيث
نصبوه، قالوا: ويورث - بمثناة تحت - أي: ما تركناه صدقة فلا يورث(٧).
(١) سورة مريم عليها السلام: الآية ٦ .
(٢) سورة النمل: الآية ١٦.
(٣) القاضي عياض: هو الحافظ العلامة عیاض بن موسى بن عیاض بن عمرو بن موسى بن عياض
أبو الفضل اليحصبي السبتي، مولده بسبتة في سنة ست وسبعين وأربعمائة، وتوفي في ليلة الجمعة
التاسعة من جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة. له ترجمة في تذكرة الحفاظ ٤ / ١٣٠٤،
١٣٠٦.
(٤) الحسن البصري : تابعي مشهور معروف بالزهد والصلاح، قال الذهبي في التذكرة: الإمام شيخ
الإسلام أبو سعيد البصري، يقال: مولى زيد بن ثابت، ويقال: مولى قطبة، وأمه خيرة مولاة أم
سلمة، مات سنة عشر ومائة. له ترجمة في تذكرة الحفاظ ١ / ٧١ - ٧٢ .
(٥) وهو الحمل على وراثة النبوة والعلم والدين.
ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في التلخيص الحبير ١٠٠/٣.
(٦) هي من فرق الشيعة تعرف بالإمامية الاثني عشرية، وإنما قيل لهم ذلك لدعواهم أن الإمام المنتظر هو
الثاني عشر في سلسلة الأئمة الذين يزعمون أن رسول الله و # نص على إمامتهم من بعده، وهذا
الإمام الأخير هو محمد بن الحسن العسكري اهـ، من كتاب الأديان للأستاذ عبدالقادر شيبة
الحمد. ص ١٨١ .
(٧) وذكر الأستاذ إحسان إلهي ظهير في كتابه الشيعة والسنة ص ٩٩: أن الشيعة يعتقدون أن مسألة =
١٧٠

(تنبيه) هل يرث؟ لم أر فيه نقلاً لكن في كتاب مشكل الحديث(١) في
أواخره، قالوا: حديث ينقضه القرآن. قالوا: رويتم أن النبي وير قال:
((إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة، ومن الدليل أيضاً على أن
رسول الله وَله لا يورث أنه كان لا يرث. بعد أن أوحى الله إليه، وإنما
كانت وراثته أبويه قبل الوحي(٢).
[قلت: وآية المواريث لم تشهد للسياق قبلها وبعدها والخطاب فيها
للموروث والوارث. وفي عيون المسائل: من لا وارث بماله في قوله عليه
الصلاة والسلام: ((أنا وارث من لا وارث له أعقل عنه، وأرثه))(٣). أنه
خبر متروك الظاهر، لأنه عليه الصلاة والسلام لا يرث ولا يعقل بالإجماع.
قلت: إن معناه أنه لا يأخذ المال أخذ الوارث إذا خلا المال عن
الاستحقاق والموصى له مستحق المال إذا خلا](٤).
= الإمامة داخلة في المعتقدات الأساسية يكفر منكرها. قلت: لأن الأئمة عندهم هم أوصياء
الرسل، عليهم الصلاة والسلام ويجب إشراكهم في الطاعة .
(٧) قال الحافظ في الفتح ٧/١٢ بعد إيراد هذا: ورد عليهم بأن الرواية ثابتة بالرفع.
(١) كتاب مشكل الحديث ويسمى أيضاً تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة، ذكره في ص ٣٠٠ بقوله:
قالوا: حديث ينقضه القرآن. ثم ذكره ورد عليه. انظر فيه ص ٣٠٠ - ٣٠٥.
(٢) أخرج ابن سعد في الطبقات ٩٩/١، بسنده عن الواقدي، قال: ترك عبدالله بن عبد المطلب أم
أيمن وخمسة أجمال أوارك -يعني تأكل الأراك -وقطعة غنم، فورث ذلك رسول الله ويالغير، فكانت
أم أيمن تحضنه واسمها بركة.
(٣) أخرجه أبوداود في الفرائض ١١١/٢، في باب ميراث ذوي الأرحام، من طريق شيخه حفص بن
عمر، قال: ثنا شعبة، عن بديل، عن علي بن أبي طلحة، عن راشد بن سعد، عن أبي عامر
الهوزني عبدالله بن لحي، عن المقدام، قال: قال رسول الله طاهر: ((من ترك كلّ فإليّ» وربما قال:
(إلى الله وإلى رسوله، ومن ترك مالاً فلورثته، وأنا وارثُ من لا وارث له أعقل له وأرثه، والخال
وارث من لا وارث له یعقل عنه ویرثه».
(٤) وفيلفظ آخر: «أنامولی من لا مولی له، أرث ماله وأفك عانه، واخالمولى من لا مولى له یرث ماله
ويفك عانه».
=
١٧١

المسألة السابعة: كان له * أن يقضي بعلمه، وفي غيره خلاف(١).
واستدل له البيهقي بقصة هند في الصحيحين(٢)، وقوله وَلقيته :
يكفيك وولدك بالمعروف)» وهذا بناء على أنه قضاء لا فتيا، وفي ذلك
اضطراب أوضحته في شرح العمدة (٣).
المسألة الثامنة: كان له وَلّ أن يحكم لنفسه ولولده على الأصح،
= وفي آخر: «أنا وارث من لا وارث له، أفك عانيه وأرث ماله، والخال وارث من لا وارث له يفك
عانیه ويرث ماله)).
والحديث صحيح من حديث المقدام الكندي .
قال الحافظ في التقريب ٢٧٢/٢ : مقدام بن معدیکرب بن عمروالکندي ، صحابي مشهور، نزل
الشام، مات سنة سبع وثمانين على الصحيح. خ ع.
ورواه أحمد في المسند ١٣١/٤؛ وابن ماجه في السنن ٢ /٩١٤؛ والحاكم في المستدرك ٤/ ٣٤٤،
وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وخالفه الذهبي فقال: علي بن أبي
طلحة قال أحمد: له أشياء منكرات، ثم قال الذهبي : ولم يخرج له البخاري .
والبيهقي في الكبرى ٢١٤/٦ .
(١) المثبت بين القوسين من قوله: (قلت في الصفحة السابقة .. إلى قوله: خلا) من(ن ج ــن س) وهو
غیرموجود في(ن د) ولذلك وضعت له قوساً ليتميز.
(٢) أما حديث هند فمتفق عليه .
أ - أخرجه خ في كتاب النفقات ٥٠٧/٩، من حديث عائشة رضي الله عنها، أن هنداً بنت عتبة
قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني ... الحديث.
ب - أخرجهم في كتاب الأقضية ١٢ /٧، من حديث عائشة أيضاً. وألفاظهما متقاربة .
(٣) حاصل ماذكره المؤلف في شرح العمدة ٤ /٢٣٢، في باب القضاء:
أولاً: أورد حديث عائشة رضي الله عنها وضبط کلمة مسِیك في قول هند: إن أبا سفيان رجل
مسيك - بفتح الميم وتخفيف السين - وبين لها وجهاً آخر هوكسر الميم وشد السين، وقال: هذا
الأخير هو الشايع بين المحدثين، والأول هو الجاري عند علماء العربية.
ثم قال: وقد اختلف أصحابنا في إذنه عليه الصلاة والسلام لهند أكان إفتاءً أم قضاءً؟ وجهین،
أصحهما أولهما. انظر شرح المؤلف والاضطراب الذي أشار إليه إنما هو في فهم العلماء لهذا الحديث،
هل هو قضاء أو إفتاء؟ والله أعلم .
١٧٢

لأنه معصوم. وفي غيره وجه في حكمه لولده(١) حكاه الماوردي وحكى معه
وجهاً آخر أنه يجوز بالإقرار دون البينة للتهمة في تسامحه بتعديلها، وجعل
القضاعي هذه الخصوصية والآتية بعدها مما خص بهما من دون سائر
الأنبياء (٢).
(فرع) كان لا يكره في حقه الفتوى والحكم في حال الغضب لأنه لا
يخاف عليه ما يخاف علينا، ذكره النووي في شرحه لمسلم في كتاب
اللقطة(٣)
المسألة التاسعة: كان يقبل شهادة من يشهد له كما قبل شهادة
خزيمة لنفسه، وقصته في أبي داود والحاكم وصحّحهما (٤)، وخالف ابن حزم
(١) إن كان مبرزاً.
(٢) أما بالنظر للعلة التي ذكرها، فإن الفرق لا يتضح لأن جميع الأنبياء معصومون.
(٣) وعبارته في الشرح المذكور ١٢ /٢٤: وفيه جواز الفتوى والحكم في حال الغضب وأنه نافذ، لكن
يكره ذلك في حقنا ولا يكره في حق النبي مثل لأنه لا يخاف عليه ... إلخ العبارة.
(٤) أخرجه أبو داود ٢٧٦/٢ -٢٧٧، من طريق محمد بن يحيى بن فارس وهو الذهلي، عن الحكم بن
نافع هو أبو اليمان، عن شعيب هو ابن أبي حمزة، عن الزهري، عن عمارة بن خزيمة، أن عمه
حدثه وهو من أصحاب النبي صل : ((أن النبي لة ابتاع فرساً من أعرابي فاستتبعه النبي وصلاليه
ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع رسول الله وعل﴾. وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي
فيساومونه بالفرس، ولا يشعرون أن النبي ولابتاعه، فنادى الأعرابي رسول الله صلله فقال: إن
كنت مبتاعاً هذا الفرس وإلا بعته، فقام النبي وسلم فقال: ((أو ليس قد ابتعته منك؟)) فقال
الأعرابي: لا، والله ما بعتكه فقال النبي : ((بلى قد ابتعته، منك)) فطفق الأعرابي يقول: هلم
شهيداً. فقال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنك قد بايعته. فأقبل النبي ولا على خزيمة فقال: ((بم
تشهد؟ فقال: بتصديقك يا رسول الله. فجعل النبي (## شهادة خزيمة بشهادة رجلين)).
وأخرجه الحاكم في المستدرك ١٨/٢، من طريق شيخه أبي الحسين علي بن أحمد بن قرقوب التمار
بهمدان، عن إبراهيم بن الحسين، عن أبي اليمان، هو الحكم بن نافع. وبقية رجالهمثل رجال أبي
داود، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ورجاله باتفاق الشيخين ثقات ولم يخرجاه .
ثم قال: وعمارة بن خزيمة سمع من أبيه أيضاً. قلت: لكن الرواية هنا عن عمه. ووافقه الذهبي في
التلخيص على صحة الحديث.
١٧٣

فأعلها(١). وادعى صاحب المطلب أنها في الصحيح مشهورة(٢)، ومقتضى
إطلاق الحاوي الصغير(٣) أن من خصائصه أيضاً قبول شهادة من يشهد
لولده أيضاً، وبه صرح البارزي (٤) في توضيحه الکبیر.
(فرع) له أيضاً أن يشهد لنفسه ولولده وَيه .
(فرع) لو قال عليه السلام لفلان: على فلان كذا، هل للسامع أن
يشهد لفلان على كذا؟ فيه وجهان عن روضة الحكام للقاضي شريح(٥).
(١) ابن حزم: هو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الفارسي القرطبي الظاهري. (م ٣٨٤ -
ت ٤٥٦ هـ). له ترجمة في تذكرة الحفاظ ٣/ ١١٤٦.
(٢) وادّعى صاحب المطلب أنها في الصحيح مشهورة، قلت: لعل مراد صاحب المطلب ما
أخرجه البخاري في صحيحه ٥١٨/٨، في تفسير سورة الأحزاب، من طريق أبي
اليمان، عن شعيب - هو ابن أبي حمزة - عن الزهري، قال: أخبرني خارجة بن زيد بن
ثابت أن زيد بن ثابت، قال: لما نسخنا الصحف في المصاحف، فقدت آية من سورة
الأحزاب كنت كثيراً أسمع رسول الله ولم يقررها لم أجدها عند أحد إلا مع خزيمة
الأنصاري الذي جعل رسول الله * شهادته شهادة رجلين: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا
ما عاهدوا الله عليه﴾ .
قال الحافظ في الفتح: يشير إلى قصة خزيمة المذكورة في الشهادة التي أخرجها أبو داود
والنسائي .
قلت: والحاكم في المستدرك كما كتبناه آنفاً، ولم يخرجه البخاري لعلّ ذلك لأنه ليس على
شرطه مع أن الحاكم قال: على شرطهما ولم يخرجاه، ولعل نظراً لهذه الإشارة قال صاحب
المطلب ما قال، والله تعالى أعلم.
(٣) الحاوي الصغير لعبد الغفار بن عبدالكريم بن عبدالغفار القزويني انظر (ط ش ك)
٢٧٧/٨.
(٤) البارزي: هو قاضي القضاة إبراهيم بن مسلم بن هبة الله الحموي الشافعي (م ٥٨٠ -
ت ٦٦٩ هـ). معجم المؤلفين ١١٢/٢، وله ترجمة في مرآة الجنان للشافعي ٤ /١٧٠ .
(٥) القاضي شريح: هو ابن عبدالكريم بن أحمد الروياني أبو نصر صاحب روضة الأحكام
وزينة الحكام (ت ٥٠٥ هـ). الأعلام ٢٣٦/٢.
١٧٤

المسألة العاشرة: كان له ولّ أن يحمي لنفسه ولم يقع ذلك منه،
ولو وقع لكان ذلك أيضاً لمصلحة المسلمين، لأن ما كان مصلحة له فهو
مصلحة لهم. وليس للأئمة بعده، ولا لغيرهم أن يحموا لأنفسهم كما هو
مقرر في موضعه من كتب الفقه وذكر القضاعي هذه الخصيصة فيما خص به
دون من قبله من الأنبياء.
(فرع) ما حماه وير للمسلمين لا ينقض بحال لأنه نص وقيل: إن
بقيت الحاجة التي حمى لها لم ينقض وإن زالت فوجهان، والأصح: المنع
أيضاً، لأنه تغيير(١) المقطوع بصحته باجتهاد.
أما الإمام بعده فله نقض حماه للحاجة على الأصح.
المسألة الحادية عشرة: له عليه الصلاة والسلام أن يأخذ
الطعام والشراب من مالكهما المحتاج إليهما إذا احتاج إليهما(٢)، وإن كان
مالكهما محتاجاً، وعليه البذل ويفدي مهجته بمهجته(٣) عليه أفضل الصلاة
والسلام. قال تعالى ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ (٤).
ومثله ما ذكره الفوراني (٥) وإبراهيم المروذي (٦) وغيرهما، أنه لو قصده
ظالم وجب على من حضره أن يبذل نفسه دونه وسلم، أي: كما وقاه
(١) في (ن د): يعتبر إلخ، والذي أثبته من (ن س) ولعله الصواب.
(٢) قلت: لا يلزم من جواز ذلك الوقوع، لأنه 18 ما وقع منه ذلك بل كان يؤثر الناس في
أحوال الشدة، ووضع مبدأ لنفسه الزكية وأهل بيته البررة إذا جاع الناس هو أول من
يجوع إذا شبعوا آخر من يشبع ومؤ .
(٣) مهجة النبي ◌َّرَ بمهجته: أي شخصه ◌َلّ بشخصه.
(٤) سورة الأحزاب: الآية ٧٠ .
(٥) الفوراني: الإمام الجليل، تقدمت ترجمته.
(٦) إبراهيم المروذي بن أحمد بن إسحاق أبو إسحاق الشافعي، فقيه من أصحاب المزني.
(ت ٣٤٠ هـ). له ترجمة في معجم المؤلفين ٣/١.
١٧٥

طلحة بن عبيدالله رضي الله عنه بنفسه يوم أحد(١). وعدّ القضاعي هذه
الخصوصية مما خص بها دون غيره من الأنبياء.
المسألة الثانية عشرة: أنه يجب على أمته أن يحبوه أعلى درجات
المحبة، كما ثبت في الصحيح، أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((لا يؤمن
أحدكم حتى أكون أحب إليه من أهله وماله ووالده وولده والناس
أجمعين))(٢). وأسباب المحبة الإجلال والإعظام(٣) والكمال في الصفات
(١) مما حدا بالنبي وهو أن قال: ((من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر
إلى طلحة بن عبيدالله)). ذكره ابن هشام في السيرة ٢ / ٨٠.
وثبت في حديث متفق عليه من حديث أبي عثمان، وهو تابعي يروي عن طلحة والزبير.
أ - أخرج البخاري عنه من حديثهما ٨٢/٧، ولفظه: لم يبق مع رسول الله وئية في تلك
الأيام التي قاتل فيهن غير طلحة وسعد - هو ابن أبي وقاص -. وذكر الحافظ في الفتح:
والقصة ثابتة أن سعد بن أبي وقاص والزبير وطلحة بن عبيدالله كلهم أخبروا التابعي
الجليل أبا عثمان النهدي .
وقد كان أبو بكر يقول إذا ذكر عنده يوم أحد: ذلك يوم كله لطلحة بن عبيدالله لأنه
وقی رسول الله ٹے حتی شلّت یده.
ب - ومسلم في الصحيح ١٢٧/٧ .
(٢) هذا الحديث متفق عليه من حديث أنس وأبي هريرة:
أ - أخرج البخاري ٥٨/١، من حديث أنس وأبي هريرة، في كتاب الإيمان. ورواية أنس
أتم ولفظه: عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وسلم: ((فوالذي نفسي
بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده».
ورواية أنس وهي أتم - كما قلنا - ولفظه: عن أنس، قال: قال النبي ◌ُّلجر: ((لا يؤمن
أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين».
ب - أخرج مسلم في الصحيح ١٥/٢، من حديث أنس رضي الله عنه، ولفظه: عن
أنس بن مالك، قال: قال رسول الله وسلم: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من
والده وولده والناس أجمعين)).
وأخرج عنه بلفظ: ((لا يؤمن عبد - وفي حديث عبدالوارث: الرجلُ - حتى أكون أحب إليه
من أهله وماله والناس أجمعين)).
=
١٧٦

المعنوية والحسن (١) والإشفاق(٢)، وهي كلها موجودة في حقه عليه الصلاة
والسلام فوجبت له المحبة الكاملة(٣).
(فرع) قال القاضي حسين(٤): يجب على المرء أن يكون جزعه
وحزنه، وقلقه على فراق النبي ◌َ ل# من الدنيا أكثر من حزنه على فراق
أبويه، كما يجب عليه أن يكون عنده أحب إليه من نفسه وأهله وماله (٥).
المسألة الثالثة عشرة: كان لا ينتقض وضوءه بالنوم بخلاف
غيره لأن كانت تنام عيناه ولا ينام قلبه كما ورد في الصحيح(٦). وفيه إشارة
= قلت: يُعلم بهذا أن المصنف - رحمه الله تعالى - مزج حديثيْ أنس وأبي هريرة في الألفاظ
التي أشار إليها، والله الموفق.
(٣) كمحبة الوالد لأنها محبة إجلال وإعظام.
(١) ومحبة معرفة الكمال في الصفات المعنوية: كالحلم والكرم، والوفاء والأمانة، وسائر
مكارم الأخلاق وأحاسن الخلال، والحسن في الصورة والشكل.
(٢) ومحبة إشفاق ورحمة، كمحبة الولد، فجمع لل أصناف المحبة في محبته. قال ابن بطّال
رحمه الله تعالى: معنى الحديث أن من استكمل الإيمان علم أن حق النبي مخلل آكد عليه
من حق أبيه وابنه والناس، لأن به * استنقذنا الله من النار وهدانا من الضلال. ذكره
النووي في شرح مسلم ١٦/٢.
(٣) قال الحافظ في الفتح ٥٩/١: ومن علامة الحب المذكور أن يعرض على المرء أن لو خير
بين غرض من أغراضه أو فقد رؤية النبي ◌ّ أن لو كانت ممكنة، فإن كان فقدها أن لو
كانت ممكنة أشد عليه من أغراضه، فقد اتصف بالأحبّة المذكورة. ومن لا فلا. وفي
هذا الحديث إيماء إلى فضيلة التفكر. انظر الفتح بالصفحة المشار إليها.
(٤) الإمام الجليل الحسين بن محمد القاضي المروزي، تقدمت ترجمته ص ٩٢.
(٥) تقدم ما يدل لذلك فيما رويناه عن الحافظ في الفتح. انظر ٥٩/١.
(٦) أخرجه البخاري في الجامع الصحيح ٥٧٩/٦، من حديث عائشة رضي الله عنها، في
قصة التهجد، وفيه قلت: يا رسول الله أتنام قبل أن توتر؟ قال: ((تنام عيني ولا ينام
قلبي)).
ومن حديث أنس في قصة الإسراء، ومحل الشاهد قوله: ((والنبي مثلة نائمة عيناه ولا ينام
قلبه، وكذلك الأنبياء ... )) الحديث ٥٧٩/٦. وهي الموافقة لرواية المصنف.
١٧٧
=

على أن نوم العين المجردة لا ينقض الوضوء وفيه (وجه غريب أنه ينقض
کأمته)(١).
(فائدة) عدّ القضاعي هذه الخصوصية وهي نوم عينيه دون قلبه مما
خص به دون الأنبياء قبله. ووهم فيه، ففي صحيح البخاري، من
حديث أنس، في قصة الإسراء: ((وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام
قلوبهم)).
(فائدة) ذكر القاضي عياض في الشفاء في أوائل الباب الثالث في
الكلام على شق البطن، أن في رواية: إن جبريل قال: قلب وكيع - أي
شديد - فيه عينان تبصران وأذنان سميعتان(٢).
المسألة الرابعة عشرة: في انتقاض وضوئه باللمس وجهان. قال
النووي في الروضة: والمذهب الجزم بانتقاضه. قلت: لكن في النسائي الكبير،
من حديث القاسم، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله (عليه.
= وأخرجه ٢٤٩/١٣، من حديث جابر رضي الله عنه، وهو قصة طويلة في ضرب المثل
بالنبي 18 بالداعي، والجنة بالدار، والنعيم بالمأدبة ... إلخ القصة.
والشاهد في هذا الحديث قوله: فقالوا أوّلوها له يفقهها، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال
بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، قالوا: فالدار الجنة والداعي محمد {# .
(١) ما كان بين القوسين مصحح من (ن د).
(٢) حادثة شق صدره وَ ل98، ذكرها ابن إسحاق في السيرة ١٠٧/١، من طريق ثوربن
يزيد، عن خالد بن معدان الكَلَاعي، عن بعض أصحاب النبي ◌َّر. وذكرها ابن كثير -
أيضاً - في السيرة ٢٢٨/١، وأورد طريق ابن إسحاق عنه، وقال: سنده جيد قوي.
وأطال - رحمه الله - في سرد الطرق، ولكنه لم يذكر الزيادة التي ذكرها القاضي عياض في
الشفاء ١٠٣/١، بلفظ: إن جبريل قال: قلب وكيع ـ أي شديد - إن فيه عينان
تبصران ... إلخ.
ومن ثَم يعلم الواقف أن هذه الزيادة لم تصح، والله أعلم.
١٧٨

ليصلي وإني لمعترضة بين يديه اعتراض الجنازة، حتى إذا أراد أن يوتر مسّني
برجله. وإسناده صحيح جليل(١)، وظاهره يؤيد عدم النقض(٢).
وفي مسند البزار(٣)، من حديث عبدالكريم الجزري (٤)، عن
عطاء (٥)، عن عائشة أن رسول الله وَله، يقبل بعض نسائه ثم يخرج إلى
(١) قلت: أصله في الصحيحين، من حديث عائشة رضي الله عنها.
أ - أخرجه البخاري في الجامع الصحيح ٥٨٨/١، من حديث عائشة بلفظ: كنت أنام
بين يدي رسول الله صل ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام
بسطتهما. قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح.
ب - أخرجه مسلم في الصحيح ٦١/٢، من حديثها بلفظ مساوٍ للفظ البخاري
رحمهما الله تعالى.
(٢) قلت: دلالته قوية. انظر نص النووي في الروضة ٨/٧.
وأخرجه في الصحيح ٥٧٩/٦: والشاهد في الحقيقة في قوله: ((وكذلك الأنبياء .. )) إلخ
الحديث. وفيه رد على زعم القضاعي رحمه الله تعالى.
حاصل ما ذكره النووي في شرح المهذب ٢٠/٢، قال: إن من خصائص نبينا * أنه لا
ينتقض وضوءه بالنوم مضطجعاً، الأحاديث الصحيحة، منها حديث ابن عباس في
الصحيحين: أنه نام حتى سمع غطيطه ثم صلى ولم يتوضأ، وقال لي : ((إن عيني تنامان
ولا ینام قلبي»، اهـ.
أما حديث ابن عباس رضي الله عنهما. فأخرجه خ ٤٧٧/٢، ومسلم في الصحيح
٤٤/٦.
قلت: محط الخصوصية النوم مضطجعاً، وأما بهيئة غير الاضطجاع ففيها تفاصيل وبحث
يطول شرحها عند الشافعية. انظر شرح المهذب ١٢/٢ - ٢٠.
(٣) هو الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبدالخالق العمري، صاحب المسند (الكبير)
(ت ٢٩٢ هـ) بالرملة. له ترجمة في تذكرة الحفاظ ٦٥٣/٢.
(٤) قال الحافظ في التقريب ٥١٧/١: عبدالكريم بن مالك الجزري، أبو سعيد مولى بني
أمية، وهو الخضرمي - بالخاء والضاد المعجمتين - نسبة إلى قرية من اليمامة، ثقة من
السادسة، مات سنة سبع وعشرين. /ع.
(٥) قال الحافظ في التقريب ٢٣/٢: عطاء بن يسار الهلالي، أبو محمد المدني مولى
ميمونة، ثقة فاضل له عبادة ومواعظ (ت ٩٤ هـ).
١٧٩

الصلاة ولا يتوضأ، ثم قال(١): لا نعلمه يروى عن النبي وَ له إلا من رواية
عائشة ولا نعلمه يروى عنها إلا من حديث حبيب (٢) عن عروة(٣)، ومن
حديث عبدالكريم عن عطاء.
قال عبدالحق(٤): ولا أعلم لهذا الحديث علة توجب تركه، ولا أعلم
فيه أكثر من قول يحيى بن معين(٥): حديث عبدالكريم عن عطاء حديث
فردي لأنه غير محفوظ. وانفراد الثقة بالحديث لا يضر، فإما أن يكون قبل
أن تنزل الآية(٦) أو يكون أن الملامسة الجماع كما قال ابن عباس رضي الله
(١) وفي (ش): بزيادة ((وهذا الحديث)).
(٢) قال الحافظ في التقريب ١٤٨/١: حبيب بن أبي ثابت: قيس، ويقال: هند بن دينار
الأسدي مولاهم، أبو يحيى الكوفي، ثقة فقيه جليل وكان كثير الإرسال والتدليس، من
الثالثة (ت ١١٩ هـ)./ع.
وذكره في تهذيب التهذيب ١٧٨/٢: وفي سماعه عن عروة بن الزبير خلاف ذكره
الحافظ هنا.
ولعله الحبيب بن الأعور المدني مولى عروة بن الزبير، ذكره الحافظ في التقريب ١٥١/١.
وقال فيه: مقبول من الثالثة.
وأشار في التهذيب ١٩٣/٢: أنه روى عن عروة بن الزبير، وغيره. انظر التهذيب.
(٣) قال الحافظ في التقريب ١٩/٢: عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي، أبو
عبدالله المدني، ثقة فقيه مشهور، من الثانية (ت ٩٤ هـ) على الصحيح. /ع. ترجمته في
تذكرة الحفاظ ٦٢/١.
(٤) هو الحافظ المتقِن أبو محمد عبدالحق بن عبدالرحمن بن عبدالله الأزدي الإشبيلي
(م ٥٠١ هـ - ت ٥٨١ هـ). له ترجمة في الأعلام ٤ /٥٢.
(٥) يحيى بن معين الإمام الحافظ، أبو زكرياء المري مولاهم، البغدادي (م ١٥٨ -
ت ٢٣٣ هـ) بالمدينة المنورة. له ترجمة في تذكرة الحفاظ ٤٢٩/٢؛ وتقريب التهذيب
لابن حجر ٣٥٨/٢.
(٦) المراد بها قوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾ الآية من سورة المائدة. وقد فصل أبو
الوليد ابن رشد في بداية المجتهد آراء العلماء حول هذه القضية.
ونسب القول بنقض الوضوء بالملامسة باليد مطلقاً - التذّ أم لا - للشافعية، وكذا مذهب
مالك.
١٨٠