النص المفهرس
صفحات 141-160
الإفصاح (١)، ورواية في التلخيص(٢) مجزوماً، ولذا جزم به النووي في أصل
الروضة (٣).
السابعة: كان يحرم عليه خائنة الأعين، لأنه رَ لّ لما كان يوم فتح
مكة آمن الناس إلا ستة (٤) منهم عبدالله بن أبي سرح فاختبأ عند عثمان
(١) هو الإمام الحسين بن القاسم الطبري، والإفصاح كتاب له في فروع الشافعية. انظر إلى
فهرس الكتب ٥٦٨/٨ لطبقات الشافعية للسبكي .
(٢) هو لابن القاصّ في فروع الشافعية.
(٣) في روضة الطالبين ٥/٧. جزم فيها بهذه والتي بعدها.
(٤) هؤلاء الستة :
أ - بينهم النسائي في روايته، فقال بعد سياق سنده إلى مصعب بن سعد عن أبيه، قال:
لما كان يوم فتح مكة آمن رسول الله وَيّر الناس إلا أربعة نفر وامرأتين. وقال: اقتلوهم
وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل، وعبدالله بن خطل،
ومقيس بن صبابة، وعبدالله بن سعد بن أبي سرح ... الحديث. انظر المجتبى
١٠٥/٧ - ١٠٦.
ب- وأخرجه أبو داود في السنن ٤٤٢/٢، واختصر القصة في ذكر استئمان عثمان
رضي الله عنه لعبدالله بن سعد، ومبايعة الرسول و # له بعد الامتناع وسياقه كسياق
المؤلف .
جـ - وأخرجه الحاكم في المستدرك ٤٥/٣، من طريق شيخه القاسم بن زكريا بن دينار،
وباقي رجال السند رجال أبي داود من طريقه. وأخرجه أيضاً من طريق عبدالله بن
عباس، وقال: صحيح على شرط البخاري وأقره الذهبي .
د - وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٤٠، من حديث سعد بن أبي وقاص، كالذي
عند النسائي. وأخرج البيهقي عقبه حديث جابر المتفق عليه: ((الحرب خدعة)). وأورد
قصة قتل كعب بن الأشرف. قلت: وإنما ذكر ذلك لرفع توهم خلاف المراد، والله أعلم
وأعز وأكرم.
سند أبي داود:
١ - عثمان بن أبي شيبة: قال الحافظ في التقريب ١٤/٢: عثمان بن محمد بن
إبراهيم بن عثمان العبسي، أبو الحسن ابن أبي شيبة الكوفي، ثقة حافظ.
٢ - أحمد بن الفضل: قال الحافظ في التقريب ٢٦/١: أحمد بن المفضل الحفري - بفتح =
١٤١
رضي الله عنه، فلما دعا رسول الله و له الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه
على النبي ◌َّر فقال: يا نبي الله بايع عبد الله، فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثاً
كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ذلك، ثم أقبل إلى أصحابه فقال: ((أما كان
فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت عن مبايعته فيقتله؟)).
فقالوا: يا رسول الله ما ندري ما في نفسك ألا أومأت إلينا بعينك؟ قال:
((إنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة الأعين)). رواه أبو داود والنسائي، من
حديث سعد بن أبي وقاص. وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط
مسلم .
= المهملة والفاء - أبو علي الكوفي، صدوق شيعي، في حفظه شيء. مات سنة خمس
عشرة. /م د س.
٣ - أسباط بن نصر الهمداني: قال الحافظ في التقريب ٥٣/١: أسباط بن نصر
الهمداني - بسكون الميم - أبو يوسف، ويقال: أبو نصر، صدوق كثير الخطأ يغرب، من
الثامنة. /خت مع.
٤ - السدي: قال الحافظ في التقريب ٧١/١: إسماعيل بن عبدالرحمن بن أبي كريمة
السدي - بضم المهملة وتشديد الدال ــ صدوق يهم ورُمي بالتشيع، من الرابعة
(ت ١٢٧ هـ). /مع.
٥ - مصعب بن سعد: قال الحافظ في التقريب ٢٥١/٢: مصعب بن سعد بن أبي وقاص
الزهري أبو زرارة المدني، ثقة، من الثالثة. /ع.
٦ - سعد بن أبي وقاص: هو الصحابي الجليل أحد العشرة المبشرة بالجنة رضي الله عنه.
قلت: هذا الإسناد كما هو ظاهر لا بأس به .
ولهذا قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ١٣٠/٣ بعدما عزاه لأبي داود والنسائي
والبزار والحاكم: إسناده صالح. قال الحافظ في تلخيص الحبير ١٣٠/٣: وروى أبو داود
والترمذي والبيهقي، من طريق أخرى، عن أنس، قال: غزوت مع رسول الله وتمثلهذه
فحمل علينا المشركون حتى رأينا خيلنا وراء ظهورنا ... الحديث. قال: وفي القوم رجل
يحمل علينا فيدقنا ويحطمنا. وذكر قصة الرجل الذي نذر بقتل هذا الرجل فلما أمكنه الله
منه فأمسك رسول الله * عن البيعة ليفي الأنصاري بنذره، فلما رآه لا يصنع شيئاً
فبايعه رسول الله وسلم فقال: يا رسول الله نذري ... الحديث.
١٤٢
واختلف في المراد بخائنة الأعين، كما قال ابن الصلاح(١) في مشكِله
فقيل: هي الإيماء بالعين وقيل: مسارقة النظر، وعبارة الرافعي هي:
الإيماء إلى مباح من ضرب أو قتل على خلاف ما يظهر، ويُشعر به الحال.
وإنما قيل لها خائنة الأعين تشبيهاً بالخيانة من حيث إنه يخفي خلاف ما
يظهر ولا يحرم ذلك على غيره إلا في محظور.
واستدل به صاحب(٢) التلخيص على أنه لم يكن له أن يخدع في
الحرب. وخالفه المعظم كما قال الرافعي معللاً بأنه اشتهر أنه كان إذا أراد
سفراً ورّى بغيره وهو في الصحيح من حديث كعب بن مالك(٣). وصح أنه واله
قال: ((الحرب خدعة))(٤) وهو بفتح الخاء لغة النبي وَيليه(٥). والفرق أن
الرمز يزري برامزه بخلاف الإبهام في الأمور العظام(٦).
الثامنة: اختلف أصحابنا، هل كان يحرم عليه أن يصلي على من
عليه دَيْنٌ؟ على وجهين. وفي جوازه مع وجود الضامن على طريقين حكاهما
(١) تقدمت ترجمة ابن الصلاح ص ٦٩. كتابه هذا يُعرف بشرح مشكل الوسيط في فروع
الشافعية .
(٢) صاحب التلخيص: هو ابن القاصّ، والتلخيص كتاب له في فروع الشافعية.
(٣) متفق عليه :
أ - أخرج البخاري من حديثه في صحيحه ١١٣/٨، في قصة تخلفه واثنين معه في غزوة
تبوك.
ب - ومسلم في الصحيح ٨٧/١٧، من حديث كعب بن مالك أيضاً. والشاهد فيه:
((فكان رسول الله هر قلما يريد غزوة إلا ورّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة ...
الحديث.
(٤) متفق على صحته، من حديث أبي هريرة وجابر بن عبدالله رضي الله عنهما.
أ - أخرجه البخاري من حديثهما ١٥٨/٦، في كتاب الجهاد.
ب - ومسلم كذلك عنهما ٤٥/١٢، في كتاب الجهاد والسير.
(٥) أي: لغة قريش التي نزل بها القرآن الكريم وهي أفصح اللغات العربية.
(٦) لذا كان النبي ◌َّ فعل الثاني دون الأول.
١٤٣
أبو العباس في الجرجانيات(١) فيما حكاه الرافعي عنه. قال النووي في
الروضة بعد أن حكى الخلاف: في الثانية وجهين على خلاف من كونه
طريقين. والصواب الجزم بجوازه مع الضامن ثم نسخ التحريم. فكان
النبي ◌َّ يصلي على من عليه دين ولا ضامن له ويوفيه من عنده.
والأحاديث الصحيحة مصرّحة بذلك(٢).
(١) كتاب لأحمد بن محمد بن أحمد أبو العباس الروياني. انظر طبقات الشافعية للسبكي
٣٢/٣.
(٢) ذكره في الروضة ٦/٧.
قال الحافظ في التلخيص الحبير ١٣١/٣: ثبت في الصحيحين، عن أبي هريرة رضي الله
عنه، ((أن رسول الله و لو كان يؤتى بالمتوفى عليه الدين فيسأل: هل ترك لدينه من قضاء؟
فإن قيل: إنه ترك وفاء صلى عليه وإلا فلا)). فلما فتح الله عليه الفتوح قام فقال: ((أنا
أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفي وترك ديناً فعليّ وفاؤه ومن ترك مالاً فلورثته)). قلت:
أ - رواه خ في كتاب الكفالة ٤٧٧/٤، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
ورواه خ في كتاب الكفالة ٤٦٦/٤، من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه.
ب - رواه م في كتاب الفرائض من صحيحه ٥٩/١١ - ٦٠، من حديث أبي هريرة
رضي الله عنه.
قال الحافظ في التلخيص الحبير ١٣١/٣: وفي الباب أحاديث عن سلمة بن الأكوع عند
البخاري .
قلت: أخرجه في كتاب الكفالة ٤ /٤٦٦.
وعن أبي قتادة في أبي داود، والترمذي.
وعن ابن عمر في الطبراني في الأوسط، وعن أبي أمامة في الكبير، وعن ابن عباس في
الناسخ للحازمي، وعن أبي سعيد عند البيهقي، وفي حديث سلمة أن الضامن كان أبا
قتادة .
وفي حديث أبي سعيد أن الضامن كان علياً، ويُحمل على تعدد القصة.
واختلف في الحكمة في ذلك، فقيل: كان تأديباً للأحياء لئلا يستأكلوا أموال الناس.
وقيل: إن صلاته تطهير للميت، وحق الآدمي فلا تطهير منه فيتنافيان، اهـ. ارجع إلى
التلخيص الحبير لابن حجر العسقلاني ١٣١/٣ .
١٤٤
التاسعة: كان يحرم عليه وَ ﴿ أن يمنّ ليستكثر ومعناه أن يعطي شيئاً
ليأخذ أكثر منه، قال الله تعالى: ﴿ولا تمنن تستكثر﴾(١).
قال المفسرون: ذلك خاص به عليه الصلاة والسلام كما نقله
الرافعي (٢).
(١) سورة المدثر: الآية ٦.
(٢) في الشرح الكبير ١٣١/٣، قال: قال المفسرون: ذلك خاص بالنبي ◌َ﴾ - يعني تحريم
المنّ ليستكثر -.
قال الحافظ في التلخيص الحبير ١٣١/٣: هو قول الضحاك بن مزاحم. رواه ابن أبي
حاتم وغيره من طريق سفيان الثوري، عن رجل، عنه، قال: هي للنبي وَّ خاصة
وللناس متسع عليهم، قال الحافظ هنا: وروي عن ابن عباس، وعطاء، ومجاهد،
وطاوس، وأبي الأحوص، وإبراهيم النخعي، وقتادة والسدي، ومطر، والضحاك في
إحدى الروايتين عنه، أن المراد لا يهدي الهدية فينتظر مثلها.
وذكره ابن جرير في تفسيره ٩٤/٢٩، وقال: معناه ولا تُعْطِي يا محمد عطية لتُعْطَى أكثّرَ
منها، وهذا مثل أقوال المتقدمين. وذكر في هذا المعنى جملة من الأقوال. وراجع تفسير
غرائب القرآن وعجائب الفرقان لنظام الدين القمي النيسابوري ٨٠/٢٩.
١٤٥
القسم الثاني
المحرّمات المتعلقة بالنكاح
وفيه مسائل :
الاولى: إمساك من كرهت نكاحه ورغبت عنه، واستشهد له بما
رواه البخاري في صحيحه(١) من حديث عائشة رضي الله عنها أن ابنة
الجون لما دخلت على رسول الله و لليه ودنا منها فقالت: أعوذ بالله منك،
فقال: ((لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك)).
وفي رواية ابن سعد: علمها نساؤه ذلك. ولكن إسنادها ضعيف(٢).
(١) أخرجه خ في الصحيح ٥٣/٧، من حديث عائشة رضي الله عنها، وسماها ابنة الجون.
وفي الباب عن أبي أسيد رضي الله عنه.
أخرجه البخاري أيضاً ٣٩٦/٩، ولفظه بعد سياق سنده إليه أنه قال: خرجنا مع
النبي * حتى انطلقنا إلى حائط يقال له: الشوط، حتى انتهينا إلى حائطین جلسنا بينهما.
فقال النبي وهي: ((اجلسوا ههنا)) ودخل وقد أتي بالجونية فأنزلت في بيت في نخل في بيت
أميمة بنت النعمان بن شراحيل ومعها دايتها أي: حاضنة لها، فدخل عليها النبي ولية
قال: ((هبي نفسك لي)). وهل تهب الملكة نفسها للسوقة، فأهوى بيده يضع يده عليها
لتسكن، فقالت: أعوذ بالله منك ... الحديث.
وجاءت رواية أخرى مختصرة، عن أبي أسيد بلفظ: ((تزوج النبي صل أميمة بنت
شراحيل، فلما أدخلت عليه بسط يده عليها، فكأنها كرهت ... الحديث. ولم يذكر
التعوذ، والظاهر أنها مختصرة من الأولى.
(٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات ١٤٣/٨. وفي سنده الواقدي مشهور بالضعف، ولذلك
ضعفها المؤلف.
١٤٦
وفي مستدرك الحاكم (١) أن المعلم لها ذلك(٢) إما عائشة وإما حفصة، وقد
أوضحتُ طرق هذا الحديث أحسن إيضاح في تخريجي لأحاديث الرافعي.
وذكرت في اسم هذه المستعيذة سبعة أقوال فاستفد ذلك منه(٣). فإنه لا
يوجد لك ذلك في غيره.
وفهم مما ذكرناه أنه حرم عليه نكاح كل امرأة كرهت صحبته،
وجدير أن يكون الأمر كذلك لما فيه من الإيذاء، ويشهد لذلك إيجاب
التخيير المتقدم(٤).
ومن أصحابنا من قال: إنما كان يفارقها تكرّماً. وهو غريب كما في
الرافعي(٥) .
الثانية: نكاح الحرة الكتابية حرام عليه. قال الله تعالى:
﴿وأزواجه أمهاتهم ... ﴾ (٦) الآية.
وقال وسلّ: ((سألت ربي عز وجل أن لا أزوج أحداً من أمتي ولا
أتزوج إلا كان معي في الجنة فأعطاني)). رواه الحاكم في مستدركه، من
(١) أخرجه في المستدرك ٣٧/٤. وقال الذهبي في التلخيص: سنده واهٍ.
(٢) وفي(ش) بزيادة: ذلك، كما أثبته.
(٣) ثبت على هامش (ن د): الأقوال التي ذكرها المصنف في التخريج أن اسمها أميمة، أو
أسماء، أو عمرة، أو فاطمة، أو مليكة، أو سناء، أو العالية، والله أعلم.
ولم يتيسر لي مراجعة التخريج في الوقت الحاضر، وقد نظرت في مختصر التخريج ولم أرَ
فیه طائلاً.
(٤) تقدمت مسألة التخيير في القسم الثاني ص .
(٥) قلت: وجه الغرابة في هذا لأن حديث عائشة الثابت في البخاري في قصة المستعيذة
ظاهر الدلالة في المسألة، والله أعلم.
(٦) سورة الأحزاب: الآية ٦ .
١٤٧
حديث ابن أبي أوفى، وقال: صحيح الإسناد(١). وفي البيهقي، من حديث
حذيفة، أنه قال لامرأته: إن سرك أن تكوني زوجتي في الجنة فلا
تزوجين(٢) بعدي، فإن المرأة في الجنة لآخر أزواجها في الدنيا، فلذلك حرم
على أزواج النبي ◌َ ◌ّر أن ينكحن بعده لأنهن أزواجه في الجنة.
ولما تكلم القاضي حسين في فضل عائشة رضي الله عنها على فضل
فاطمة رضي الله عنها، قال: إن فاطمة قالت لها: أنا أفضل منك لأني
بضعة من رسول الله وَله، فقال عائشة رضي الله عنها: أما في أمور الدنيا
فالأمر كما تقولين، لكن الفخر في الآخرة فأنا أكون مع النبي ◌َّ في درجته
في الجنة، وأنت تكونين مع علي في درجته في الجنة، فانظري الفضل بين
الدرجتين، فبكت فاطمة حين عجزت عن الجواب، فقامت عائشة وقبلت
رأسها وقالت: ليتني شعرة في رأسك.
إذا تقرر ذلك، فالجنة حرام على الكافرين ولأنها تكره صحبته ولأنه
أشرف من أن يضع ماءه في رحم كافرة. وعبارة القاضي حسين: إنه لا
يجوز له أن يفرغ ماءه في رحمها، ولأن الله تعالى شرط في إباحة النساء
الهجرة فقال: ﴿اللاتي هاجرن معك ... ﴾(٣).
فإذا حظر عليه، عليه الصلاة والسلام غير المهاجرة فأولى أن يحرم
عليه من لم تسلم ولم تهاجر.
(١) أخرجه في المستدرك ١٣٧/٣، في ترجمة علي رضي الله عنه، وقال: صحيح الإسناد،
وأقرّه الذهبي.
قال الحافظ في التلخيص الحبير ١٣٣/٣: وفي الطبراني في الأوسط، من طريق عبد الله بن
عمر مثله. وعلّق الحافظ بقوله: وفي ملاقاته لحديث الباب تكلف، اهـ.
(٢) ثبت على هامش (ن د): بلفظ فلا تزوجي على صيغة النهي، وهي الموافقة للقواعد.
قلت: وهذا الأثر أخرجه البيهقي في السنن ٦٩/٧ - ٧٠، عن حذيفة رضي الله عنه.
(٣) سورة الأحزاب: الآية ٥٠.
١٤٨
وخالف أبو إسحاق (١) من أصحابنا فقال: لا يحرم عليه نكاحها كما
في حق الأمة(٢)، وحكمه عليه الصلاة والسلام في النكاح أوسع من حكم
أمته، وهي حلال لهم فله أولى.
وهذا القائل يقول: لو نكحت كتابية لهديت إلى الإسلام كرامة له
عليه الصلاة والسلام.
وفي الحاوي (٣) أنه عليه الصلاة والسلام استمتع بأمته ريحانة بنت
عمرو اليهودية بملك اليمين (٤) -، وهي من سبي بني قريظة - بعد أن عرض
عليها الإسلام فأبت ثم أسلمت بعد ذلك(٥)، وهذا دليل للقائل بجواز
التسري بالأمة الكتابية كما سيأتي. وعلى هذا الوجه، فهل عليه تخييرها بين
أن تسلم فيمسكها أو تقيم على دينها فيفارقها؟(٦) فيه وجهان حكاهما
(١) هو الشيخ الجليل إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي مؤلّف كتاب المهذّب والتنبيه،
وطبقات الفقهاء، وهو من كبار أئمة الشافعية (ت ٤٧٦ هـ). له ترجمة في (ط ش ك)
٢١٥/٤.
(٢) لعموم قوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن
أجورهن مُخْصِنين غير مُسافحين ولا مُتخذي أخْدانٍ ... ﴾ سورة المائدة: الآية ٥.
(٣) كتاب لأبي الحسن الماوردي في فروع الشافعية. ارجع إلى طبقات الشافعية للسبكي
٥٧٢/٨.
(٤) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ١٢٩/٨ - ١٣٠، بسند فيه الواقدي وهو مشهور
بالضعف.
أن ريحانة أصلها نضيرية، ولكنها تزوجت في بني قريظة، وذكر أسانيد فيها الواقدي: فلما
وقع السبي على بني قريظة، سباها رسول الله ورسله، فأعتقها وتزوجها وماتت عنده. وقال
الواقدي: وهذا ما روي لنا في عتقها وتزويجها، وهو أثبت الأقاويل وهو الأمر عند أهل
العلم.
وقد سمعت من يقول ويروي: أنها كانت عند رسول الله و 18 لم يعتقها وكان يطؤها بملك
الیمین حتى ماتت.
(٥) أخرجه ابن سعد ١٣١/٨، بسند فيه الواقدي.
(٦) وأخرجه أيضاً - ابن سعد في الطبقات ١٣١/٨، من طريق عبدالملك بن سليمان، عن =
١٤٩
الماوردي. أحدهما: نعم، لتكون من زوجاته في الآخرة. والثاني: لا، لأنه
لما عرض على ريحانة الإسلام فأبت لم يزلها عن ملكه وأقام على الاستمتاع.
الثالثة: في تسريه بالأمة الكتابية الخلاف المذكور قبله لكن الأظهر
هنا الحل كما قاله الرافعي في الكبير(١)، وبه أجاب الشيخ أبو حامد(٢)، وما
ذكرناه عن الماوردي في ريحانة يقويه.
الرابعة: اختلف أصحابنا في تحريم الأمة المسلمة على وجهين:
أيوب بن عبدالرحمن بن أبي صعصعة، عن أيوب بن بشير المعاوي، قال: لما سبت قريظة
=
أرسل رسول الله عليه بريحانة إلى بيت سلمى بنت قيس أم المنذر، فكانت عندها حتى
حاضت حيضة ثم طهرت من حيضتها، فجاءت أم المنذر فأخبرت رسول الله وله
فجاءها رسول الله * في بيت أم المنذر، فقال لها رسول الله وسلم: ((إن أحببت أن أعتقك
وأتزوجك فعلت، وإن أحببت أن تكوني في ملكي))، فقالت: يا رسول الله أكون في
ملكك أخفّ علي وعليك. فكانت في ملك رسول الله ( ** يطؤها حتى ماتت.
قلت: هذا حاصل ما قيل في أمر ريحانة، وسيأتي مزيد بيان للمؤلف عقب الحديث على
الزوجات الشريفات إن شاء الله تعالى.
رجال السند :
١ - عبدالملك بن سليمان القرقساني أو قرقسائي كما في اللباب. قال الذهبي في الميزان
٦٥٦/٢، قال العقيلي: حديثه غير محفوظ.
٢ - أيوب بن عبدالرحمن بن صعصعة. قال الحافظ في التقريب ٩٠/١: صدوق من
السادسة.
٣ - أيوب بن بشير المعاوي.
قال الحافظ في التقريب ٨٨/١: أيوب بن البشيربن سعد بن النعمان، أبو سليمان
المدني، له رؤية، وثّقه أبو داود وغيره، مات سنة خمس وستين. /د ت بخ. وفي تهذيب
التهذيب ٣٩٦/١ أنه مات وهو ابن خمس وسبعين سنة، اهـ.
وفي هذا السند نظر لأجل هذا الراوي الضعيف، عبدالملك بن سليمان.
(١) قلت: نفاه الرملي في تحفة المحتاج ١٧٨/٦ بقوله: لا التسري.
(٢) المروزي: الإمام أحمد بن بشر بن عامر العامري (ت ٣٦٢ هـ). (ط ش ك) ٨٢/٢.
١٥٠
أحدهما عن ابن أبي هريرة(١) لا تحرم عليه كما في حق أمته وهو عليه
الصلاة والسلام أوسع نكاحاً من أمته. وأصحهما (٢) يحرم لأن جوازه
مشروط (٣) بخوف العنت، وهو عليه الصلاة والسلام معصوم وبفقدان طَول
الحرة، ونكاحه عليه الصلاة والسلام غير مفتقر إلى المهر ابتداء وانتهاء.
ولأن من نكح أمة كان ولده رقيقاً، ومنصبه عليه الصلاة والسلام منزّه عن
ذلك. وبهذا قطع جماعة، وادعى الماوردي أنه لا خلاف فيه.
قال الرافعي: لكن من جوّز ذلك قال: خوف العنت إنما يُشترط
في حق الأمة، وفي اشتراط فقدان الطّول تردد. عن الشيخ أبي محمد (٤)
وغيره على وجه الجواز، قال الإمام: فإن شرطناه لم تجز الزيادة على أمة
واحدة وإلا جازت.
الخامسة: إذا قلنا بنكاح الأمة فأتت بولد لم يكن رقيقاً على
الصحيح، وإن قلنا بجريان الرق على العرب على قول(٥)، وفي لزوم قيمة
هذا الولد لسيدها وجهان.
(١) الحسن بن الحسين الإمام الجليل القاضي أبو علي بن أبي هريرة، ونعته الخطيب في تاريخ
بغداد بقوله: الفقيه القاضي أحد شيوخ الشافعيين (ت ٣٤٥ هـ). (ط ش ك)
٢٥٦/٣.
(٢) وفي (ش): أصحهما نعم.
(٣) لقوله تعالى: ﴿ذلك لمن خشي العنت منكم ... ﴾ سورة النساء: الآية ٢٦.
(٤) الجويني: والد إمام الحرمين. انظر ترجمته ص ٦٩.
(٥) هذه القضية جرى فيها خلاف بين العلماء من صدر الإسلام، منهم من يرى جريان
الرق على العرب كغيرهم من الشعوب، ومنهم من لا يرى ذلك، وحاصل ما ذكره
الإمام الشافعي :
قال الشافعي في الأم ١٨٦/٤، في كتاب الجهاد: وإذا قوتل أهل الحرب من العجم
جرى السباء على ذراريهم ونسائهم ورجالهم لا اختلاف في ذلك.
وإذا قوتلوا وهم من العرب فقد سبا رسول الله وضعله بني المصطلق وهوازن وقبائل من
العرب وأجرى عليها الرق حتى مَنَّ عليهم بعد. ثم قال: فاختلف أهل العلم بالمغازي =
١٥١
قال أبو عاصم العبّادي(١): نعم رعاية لحقه، وقال القاضي(٢)
حسين: لا، بخلاف ولد المغرور لأن هناك فات الرق بظنه. وهنا الرق
متعذّر(٣). قال صاحب المطلب: وفيه نظر مع القول بانعقاده حراً.
فزعم بعضهم أن النبي # لما أطلق سبي هوازن قال: ((لو كان تاماً على أحد من العرب
=
سبي تم على هؤلاء ولكنه إسار وفداء)) فمن أثبت هذا الحديث زعم أن الرق لا يجري
على عربي بحال، وهذا قول الزهري، وسعيد بن المسيب، والشعبي. وفي سنده
الواقدي مشهور بالضعف.
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعمر بن عبدالعزيز. أما أثر عمر بن الخطاب
رضي الله عنه من طريق سفيان، عن يحيى بن يحيى الغساني. وعن عمر بن عبدالعزيز،
قال: أخبرنا سفيان، عن الشعبي، أن عمر بن الخطاب رضي الله قال: لا يسترق
عربي. وقال الشافعي: لولا أننا نأثم بالتمني لتمنينا أن يكون هذا هكذا.
قلت: ذهب على جواز الاسترقاق إذا قام سببه من غير تفريق بين العربي وغيره
الجمهور.
واستدل هؤلاء بحديث أبي سعيد في غزوة بني المصطلق.
أخرجه خ ١٢٩/٣، في باب العتق. وفي كتاب المغازي ٩٩/٥، في باب غزوة بني
المصطلق من خزاعة.
وحديث عائشة رضي الله عنها: لما قسم رسول الله وع يه سبايا بني المصطلق ... الحديث.
أخرجه أبو داود ٣٤٧/٢، في كتاب العتق؛ وأحمد ٢٧٧/٦؛ والبيهقي ٧٤/٩.
قلت: وظاهر ما وقع في قصة بني المصطلق وقصة هوازن جريانها عليهم، لأن نصوص
الشريعة التي أباحته لم تفرق بين الأجناس.
(١) هو الإمام الجليل محمد بن أحمد بن محمد بن عبدالله بن عباد الهروي القاضي، أبو عاصم
العَبَّادي صاحب الزيادة والمبسوط. والعبادي بفتح العين والباء المشدّدة. (م ٣٥٠ -
ت ٤٥٨ هـ). (ط ش ك) ٤٢/٣.
(٢) هو الإمام الجليل الحسين بن محمد بن أحمد أبو علي القاضي المروزي، المشهور بقاضي
حسين (ت ٤٦٢ هـ). (ط ش ك) ١٥٥/٣.
(٣) حاصل ما ذكره النووي في الروضة ٦/٧ في هذه المسائل:
أ - التسري بالأمة الكتابية الحل.
ب - وفي نكاح الأمة المسلمة التحريم.
جـ ـ وكذا نكاح الأمة الكتابية التحريم عليه على المذهب.
١٥٢
=
قال الرافعي: ويوافق ما ذكره القاضي وما حكاه الإمام: أنه لو قدر
نكاح غرور في حقه عليه الصلاة والسلام لم تلزمه قيمة الوليد، لأنه - مع
العلم بالحال ـ لا ينعقد رقيقاً كما في حق غيره. قال الإمام: وهذا هذيان لا
يحل اعتقاده(١). وطردَ الحنّاطي(٢) الوجهين في أنه هل يحل له نكاح الأمة
الكتابية؟ .
قال النووي في أصل الروضة: والمذهب التحريم، يعني القطع به.
قال صاحب المطلب: وفي إمكان تصور نكاح الغرور ووطء النبي ◌َّ فيه
نظر، إذا قلنا: إن وطء الشبهة حرام مع كونه لا إثم فيه فيجوز أن يصان
جانبه العلي عن ذلك(٣)، ويجوز أن يقال: الإثم مفقود بالإجماع وعند الله
يصير كفعل الشيء على النسيان ونحوه.
قلت: والإمساك عن الخوض في هذا أسلم، ولو حذفته لكان
أولى(٤) لكن تتبعت الأصحاب فيه.
قلت: ليس في هذه المسائل ما يدل على الخصوصية، والإمساك عن الخوض في هذا
أُسلم .
ولد المغرور: هو الذي غرت أمه بالحرية لشخص فتزوجها معتقداً حريتها، فلما أنجبت
ولداً أو أكثر تبين أنها أمة، فالولد يسمى ولد المغرور، وله أحكام تطلب من كتب
الفروع، والله الموفق.
(١) قلت: ولا يجوز افتراضه لبعده عن الواقع وليس متوقعاً تبنى عليه الأحكام، ولهذا يأتي
للمصنف بأن القول بالإمساك في مثل هذا أسلم. والهذيان: الكلام الباطل هذى
هذياناً. وفي حديث عائشة الثابت في الصحيح: ((والله إنهم ليهذون)) أي: يقولون من
غير وعي، وفسره ابن الأثير بكثرة الكلام. النهاية في غريب الحديث.
(٢) الحنّاطي: الإمام أبو عبدالله الحسين بن محمد بن عبد الله الإمام الكبير الحنّاطي الطبري.
قال السبكي: وفاة الحنّاطي بطبرستان بعد الأربعمائة بقليل أو قبلها بقليل.
(٣) لكونه - وَلـ ـ معصوماً من جميع المحرمات حتى الصغائر على الصحيح.
(٤) هذا الذي تقدمت الإشارة إليه قريباً. قلت: يا ليته فعل ما وده وتمناه صوناً لجانبه وله.
١٥٣
النوع الثالث
ما اختص به من المباحات والتخفيفات
توسعة عليه وتنبيهاً على أنه ما خص به من الإباحة لا تلهيه عن
طاعة الله وإن أْهَى غيره. وهو قسمان أيضاً: متعلق بغير النكاح، ومتعلق
به. واعلم أن معظمها لم يفعلها مع إباحتها له، وليس المراد بالمباح هنا ما
استوى طَرَفاه، بل ما لا حرج في فعله ولا في تركه. فإنه عليه الصلاة
والسلام واصَل، وسيأتي أن الإمام قال: إنه قربة في حقه، وكذا صفى
المغنم، والاستبداد بالخمس، كما سيأتي قد يكون راجح الفعل لصرفه في
أهم المصالح، وقد يكون راجح الترك لفقد هذا المعنى. ودخول مكة بغير
إحرام قد يترجح فعله وقد يترجح تركه - وكذا الزيادة على الأربع(١) في
القسم الثاني(٢) لا يساوى فيه - فإن أفعاله وأقواله كلها راجحة مُثاب عليها
فيما نظنه حتى في أكله وشربه لأن الواحد منا يُندب له أن يقصد وجه الله
بذلك(٣)، وهو بذلك أولى (٤)، والله أعلم.
(١) من النساء.
(٢) المباح المتعلق بالنكاح.
(٣) ليحصل له الثواب.
(٤) لعلو همّته ورفعة شأنه وصله .
١٥٥
القسم الأول
المباحات له في غير النكاح
وفيه مسائل :
المسألة الأولى: الوصال في الصوم أبيح له وَلّ، قال
القضاعي(١): دون غيره من الأنبياء. واختلف فيه في حقنا. قال وليفين لما
قيل له إنك تواصل، قال: ((إني لست مثلكم، إني أطعم وأسقى)). متفق
على صحته(٢).
(١) هو القاضي أبو عبدالله محمد بن سلامة بن جعفر القضاعي، قاضي مصر ومصنف كتاب
الشهاب. قلت: وقد أكثر المصنف النقل عنه ولا سيما في الخصائص التي قيل إنها خاصة
بنبينا دون سائر الأنبياء. توفي سنة ٤٥٤ هـ. ترجمته في (ط ش ك) ٦٢/٣.
(٢) أ- أخرجه خ في صحيحه ٤٦/٢، من حديث قتادة، عن أنس، عن النبي ولو بلفظ:
((لا تواصلوا))، قالوا: إنك تواصل، قال: ((لست كأحد منكم إني أطعم وأسقى)) أو ((إني
أبيت أطعم وأسقى)). وفي الباب عن أبي سعيد الخدري، وعائشة، كلها عند البخاري
٤٦/٢.
ب - ومسلم في الصحيح ٢١١/٧ - ٢١٢، من حديث ابن عمر وأبي هريرة رضي الله
عنهما. ولفظ حديث ابن عمر كالذي عند البخاري، أما لفظ أبي هريرة، قال: نهى
رسول الله ﴿ عن الوصال، فقال رجل من المسلمين: فإنك تواصل يا رسول الله، قال
رسول الله (18: ((وأيكم مثلي، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني)). فلما أبَوْا أن ينتهوا عن
الوصال، واصل بهم يوماً ثم يوماً، ثم رأوا الهلال، فقال: ((لو تأخر الهلال لزدتكم))،
كالمنكِّل لهم، حين أبَوْا أن ينتهوا.
قال النووي في شرح مسلم ٢١١/٧ - ٢١٢: اتفق أصحابنا على النهي عن الوصال
وهو صوم يومين فصاعداً من غير أكل أو شرب بينهما. ثم قال: ونصّ الشافعي =
١٥٦
كذا قاله الشافعي، والجمهور أنه من المباحات(١)، وقال الإمام: هو
قربة في حقه. قال ابن حبان في صحيحه: وفي هذا الحديث دليل على أن
الأخبار التي فيها ذكر وضع النبي ◌َّ الحجر على بطنه كلها أباطيل(٢)،
= وأصحابه على كراهته ولهم في هذه الكراهة وجهان، وأصحهما كراهة التحريم. وبالنهي
عنه قال جمهور العلماء.
وقال القاضي عياض: اختلف العلماء في أحاديث الوصال فقيل: النهي عنه رحمة
وتخفيفاً، فمن قدر فلا حرج. وقد واصل جماعة من السلف الأيام، ثم حكى عن
الأکثرین کراهته.
وقال الخطابي وغيره من أصحابنا: الوصال من الخصائص التي أبيحت لرسول الله واله
وحرمت على الأمة.
(١) قلت: هذا لا يتنافى مع قول النووي السالف وبالنهي عنه قاله جمهور العلماء، لحملهم
النهي على الكراهة التنزيهية. وهي من قبيل الجواز، وحجة من قال بالإباحة ما في بعض
طرق مسلم: نهاهم عن الوصال - رحمة لهم .. وفي حديث أبي هريرة: لما أَبّوْا أن ينتهوا
واصل بهم يوماً ثم يوماً ثم رأوا الهلال، فقال: ((لو تأخر الهلال لزدتكم ... )) الحديث.
(٢) قلت: لقد ثبت في الصحيح ما يدل على أنه يحصل ذلك في بعض الأحيان.
أ - روى مسلم في صحيحه، عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، قال: ذكر عمر بن
الخطاب رضي الله عنه ما أصاب الناس من الدنيا، فقال: لقد رأيت رسول الله وسلّم ذات
يوم أو ليلة فإذا هو بأبي بكر ويظل اليوم يتلوى ما يجد من الدقل ما يملأ به بطنه.
والدقل بفتح الدال والقاف: رديء التمر.
ب - وروى مسلم في صحيحه ٢١٠/١٣، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: خرج
رسول الله8* ذات يوم أو ليلة فإذا هو بأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فقال: ((ما
أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟)) قالا: الجوع يا رسول الله !! قال: ((وأنا والذي نفسي
بيده، أخرجني الذي أخرجكما، قوما ... )) الحديث في كتاب الأشربة .
جـ ـ وعن جابر رضي الله عنه، قال: إنا كنا في يوم الخندق نحضر فعرضت كدية شديدة
فجاءوا إلى النبي وير فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: أنا نازل ثم قام
وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً ... الحديث.
أخرجه الإمام أحمد وفي ألفاظه بعض الاختلاف ٣٠٠/٣.
قلت: معنى الحديث أن الله تعالى يعطي نبيه قوة الطعام والشراب إذا واصل تكريماً
لە لل .
١٥٧
وإنما معناه الحجز لا الحجر والحجز طرف الإزار، إذ الله عز وجل كان
يطعم نبيه ويسقيه إذا واصل فكيف يُترك جائعاً مع عدم الوصال حتى
يحتاج على شد حجر على بطنه. وما يغني الحجر عن الجوع.
قلت: قد ذكر هو في صحيحه حديث ابن عباس: خرج أبو بكر
رضي الله عنه بالهاجرة إلى المسجد فسمع بذلك عمر - يعني فخرج - فقال:
يا أبا بكر ما أخرج هذه الساعة؟ قال: ما أخرجني إلا ما أجد من حاق
الجوع(١). قال: ((أنا والله ما أخرجني غيره فقوما ... )) ثم ذكر ما في
الحديث(٢).
(تنبيه) قد اشتهر عن كثير من العلماء الوصال، فلعل وصالهم جاء
من غير قصد إليه بل اتفق ترك تناول المفطر لغفلة عنه أو الاشتغال
بالاستغراق في المعارف، ونحن نشاهد الترك عند اشتغال القلب بما يسر
أو يحزن، فكيف بذلك. على هذا تكون الخصوصية له وسار على كل أمته لا
على أحد أفرادها، والنهي توجه بحسب المجموع لأنه مشرّع، نبه عليه
صاحب المطلب.
المسألة الثانية: اصطفاء ما يختاره من الغنيمة قبل قسمتها من
جارية أو غيرها ويسمى المختار الصفي، والصفية والجمع الصفايا. ومن
صفاياه ◌َّ صفية بنت حبي(٣)، اصطفاها وأعتقها وتزوجها كما أخرج
(١) هذا دليل واضح. وأصل مس الجوع ليس ممتنعاً في حقه وم طهر. وحديث جابر في الصحيح
في قصة الشاة عند حفر الخندق في يوم الأحزاب مما يقوي ذلك، وكذا حديث أنس فيه.
(٢) قوله في الحديث: ((من حاق الجوع)) أي: صادقه وشدته ويروى بالتخفيف من حاق
يحيق حيقاً وحاقاً. إذا أحدق به. اهـ من النهاية في غريب الحديث ١ /٤١٤.
(٣) صفية بنت حيي بن أخطب. إحدى أمهات المؤمنين رضي الله عنها.
١٥٨
البخاري، ومسلم من حديث أنس(١) رضي الله عنه، وفي سنن أبي داود(٢)
من حديث عائشة رضي الله عنها، أنها من الصفي، وأخرجه عن قتادة(٣)
أيضاً.
قال أبو عمر(٤): سهم الصفي مشهور في صحيح الآثار، معروف
(١) في صحیحیهما:
أ - البخاري ١٢٩/٩، من حديث أنس بلفظ: ((إن رسول الله وَلقر أعتق صفية وجعل
عتقها صداقها)).
ب - مسلم في الصحيح ٢١٩/٩ - ٢٢٠، وفي آخر الحديث، أن ثابتاً سأل أنساً بقوله:
((يا أبا حمزة ما أصدقها؟ قال: نفسها، أعتقها وتزوجها ... )) الحديث.
وقد علّق الإمام النووي في الشرح على هذه الجملة بقوله: قوله: أصدقها نفسها،
اختلف في معناه فالصحيح الذي اختاره المحققون: أنه أعتقها تبرعاً بلا عوض ولا
شرط، ثم تزوجها برضاها بلا مهر. وهذا من خصائصه ﴿ أنه يجوز نكاحه بلا مهر لا
في الحال ولا فيما بعد، اهـ ٢٢١/٩.
وذكر ابن القيم في زاد المعاد ٥٦/١: أنه سنة ليست من الخصائص، ونسبه إلى الإمام
أحمد وكثير من أهل الحديث.
وعزا القول بالخصوصية للأئمة الثلاثة ومن وافقهم، وأيّد الأول. وكذا الإمام ابن حزم
کما یأتي إن شاء الله تعالى.
(٢) من طريق هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كانت صفية من الصفي
١٣٧/٢.
(٣) أخرجه أبو داود ١٣٧/٢، عن قتادة مرسلاً، قال: كان رسول الله { إذا غزا كان له
سهم صافٍ يأخذه من حيث شاء، فكانت صفية من ذلك السهم. وكان إذا لم يغز
بنفسه ضرب له بسهمه ولم يخير، ومثله عن عامر الشعبي. أخرجه أبو داود أيضاً.
وقتادة: هو الإمام الجليل قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز، الحافظ العلّامة أبو الخطاب
السدوسي البصري الضرير، مات بواسط في الطاعون سنة ثمان عشرة ومائة وقيل: سبع
عشرة ومائة وله سبع وخمسون سنة. له ترجمة في تذكرة الحفاظ ١٢٢/١ - ١٢٤.
(٤) أبو عمر: هو الحافظ المتقن يوسف بن عبدالله بن محمد بن عبدالبربن عاصم النمري
القرطبي حافظ المغرب، مولده سنة ثمان وستين وثلاثمائة في ربيع الآخر، ومات ليلة
الجمعة سلخ ربيع الآخر سنة ثلاث وستين وأربعمائة. له ترجمة في تذكرة الحفاظ
١١٢٨/٣.
١٥٩
عند أهل العلم، ولا يختلف أهل السير في أن صفية منه. وأجمع العلماء
على أنها خاص به(١). قلت: حكى القرطبي(٢) عن بعض العلماء أنه قال:
هو للأئمة بعده.
واعلم أن في الصحيح أيضاً أنها صارت لدحية الكلبي فاشتراها
بسبعة رؤوس(٣) فيحتاج إلى تأويل ما قاله أهل السير، أو إلى تأويلها. وقد
يجاب أن الشراء ليس على حقيقته. وذكر الرافعي أن ذا الفقار كان من
الصفي .
(١) قال القرطبي في تفسيره ١٤/٨: أخرجه أبو داود، عن عامر الشعبي.
حاصل ما رد به القرطبي ١٤/٨: ذهب بعض أصحاب الشافعي رضي الله عنه إلى أن
خمس الخمس كان للنبي #. وهذا يرده ما رواه عمر رضي الله عنه: كانت أموال بني
النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب ...
الحديث. أخرجه مسلم في الصحيح ١٢/ ٧٠.
(٢) القرطبي: هو الحافظ أبو عبدالله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي
الأندلسي المالكي، ومن تصانيفه الجامع لأحكام القرآن المبين لما تضمنه من السنة وآي
القرآن، توفي سنة ٦٧١ هـ. معجم المؤلفين ٢٣٩/٣.
(٣) أخرجه البخاري ١٦٦/٥، من حديث أنس؛ ومسلم ٢٢٠/٩، من حديثه أيضاً. وقال
أبو عمر في الاستيعاب ٣٤٦/٤ - ٣٤٧ على هامش الإصابة لابن حجر، قال: روى
حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس: أن النبي 18 اشترى صفية بنت حيي بسبعة
رؤوس، وخالفه عبدالعزيز بن صهيب وغيره عن أنس، فقال فيه: إن رسول الله (أپټ لما
جمع سبي خيبر جاء دحية، فقال: أعطني جارية من السبي، فقال: ((اذهب فخذ
جارية)) فأخذ صفية بنت حيي، فقيل: يا رسول الله إنها سيدة قريظة والنضير لا يصلح
إلا لك، فقال له النبي : ((خذ جارية من السبي غيرها))، اهـ. وظاهر كلام ابن
عبدالبر ترجيح هذه الرواية على رواية حماد.
أما النووي فجمع بين الحديثين: بأنها صارت لدحية أولاً ثم صارت للنبي ومثله.
وأجاب على القول أنها وقعت في سهم دحية: لأن النبي # أذن له في أخذ جارية،
فلما أخذها بإذنه فكأنها صارت في سهمه. ومعنى اشتراها: أعطى بدلها لدحية سبعة
أنفس تطبيباً لقلبه لا أنه جرى عقد بيع. قال: وعلى هذا تتفق الروايات. وهذا الإعطاء
لدحية محمول على التنفيل. وأخرجه أيضاً ابن ماجه من حديث أنس وعائشة ٦٢٩/١.
١٦٠