النص المفهرس

صفحات 121-140

قال أصحابنا: وأبيح له التبدل بهن ولكنه لم يفعل. وخالف أبو
حنيفة رحمه الله، فقال: دام التحريم ولم ينسخ (١) واستدل بأوجه:
أ - أحدها: أن قوله ﴿من بَعْدُ﴾ يدلُّ على التأبيد، والجواب أنه لا
دلالة في ذلك على عدم النسخ .
ب - وثانيها: أنه تعالى جعل جزاء لاختيارهن فلا يحسن الرجوع
فيه. قلت: لا تحسين(٢) إلا بالشرع لأن التحريم إنما كان بصبرهن على
الضيق وقد زال بفتح الفتوح(٣).
جـ ـ وثالثها: أنه لما كان يحرم طلاقهن، وجب أن يكون تحريم
النكاح عليهن باقياً لأنهما جميعاً جزاء.
والجواب بالفرق بينهما بأن الطلاق يخرجهن أن يكن أزواجه في
الآخرة بخلاف التزوج عليهن.
واعتُرض على هذا الاستدلال بالآية بأنها متقدمة في التلاوة على آية
التخيير، والناسخ لا يكون متقدماً على المنسوخ فوجب حملها على أن المراد
أنه أحل النساء اللاتي اخترنه .
وهو قول مجاهد، والجواب أن الآية وإن تقدمت في التلاوة فهي
(١) هكذا في (ن د). وفي (ن ج - ن س): فلم يبح. والذي أثبته أولى بدليل بعده.
(٢) هذا من قواعد المعتزلة التي بنوا عليها في أصول الدين. وهو القول بالتحسين العقلي
لبعض الأشياء. وقد أحسن المؤلف صنعاً حينما دحض هذا الزعم الذي سرى في كلام
بعض أهل السنة، والله الموفق.
(٣) المراد بفتح الفتوح: ما ذكره الآلوسي في تفسيره ١٦٢/٢١، قال: لما نصر الله نبيه داخله
ورد عنه الأحزاب وفتح عليه النضير وقريظة ظن أزواجه عليه الصلاة والسلام أنه
اختص بنفائس اليهود وذخائرهم فقعدن حوله وقلن: يا رسول الله ... الحديث.
وكذلك انظر ابن كثير ٤٧٩/٣ - ٤٨١.
١٢١

متأخرة في النزول كما وقع ذلك في قوله تعالى: ﴿والذين يُتَوَفَّوْنَ منكم
وَيَذَرون أزواجاً ... ﴾(١) الآية إلى قوله: ﴿عَشْراً﴾.
فإنه ناسخ لقوله تعالى: ﴿مَتَاعاً إلى الحَوْلِ غيرِ إِخْرَاجٍ﴾(٢) وإن كان
متأخراً عنه في التلاوة.
وإنما قدمت الآية الناسخة في التلاوة لأن جبريل عليه السلام(٣) كان
إذا نزل إلى النبي صل18 بآية قال: إجعلها في موضع كذا من سورة كذا،
فقدمت في التلاوة لسبق التالي إلى معرفة الحكم الذي استقر حتى لو لم
يعرف المنسوخ بعده لم يضره.
وأما حمل الآية على اللاتي اخترنه فلا يصح لوجهين:
أحدهما: أنهن كن حلالاً قبل نزول الآية فلم تفده هذه الآية (٤)،
ولأن قوله: ﴿إِنا أُحْلَلْنا لك﴾ تقتضي تقدم حظره.
والثاني: أنه قال فيها: ﴿وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك
وبنات خالاتك﴾. ولم يكن من المخيرات أحد من هؤلاء كما قاله الشافعي
في الأم(٥).
خامسها: إذا ثبت أنه أحل له التزوج فهل ذلك عام في جميع
النساء؟ فيه وجهان حكاهما الماوردي.
أحدهما: لا، ويختص ذلك ببنات الأعمام والعمات، والأخوال
والخالات المهاجرات معه لظاهر الآية.
(١) سورة البقرة: الآية ٢٣٤ .
(٢) سورة البقرة: الآية ٢٤٠ .
(٣) وفي هذه إلى ما استقر في علوم القرآن، أن ترتيب السور والآيات كلها توقيفي من الشارع.
(٤) وإلا لزم تحصيل الحاصل وهو محال.
(٥) في ١٣٥/٥ فراجعه هناك، والله الموفق.
١٢٢

وقد روى عن أم هانىء أنها قالت: نزلت هذه الآية فأراد رسول الله
﴿ي* أن يتزوجني فنهي عني لأني لم أهاجر(١).
وأظهرهما: أنه عام في جميع النساء. لأن الإباحة رفعت ما تقدم من
الحظر. فاستباح ما كان يستبيحه قبلها. ولأنه في استباحة النساء أوسع من
أمته فلم يجُز أن ينقص عنهم. وقد تزوج عليه الصلاة والسلام صفية
بعدُ(٢)، كما سلف عن الماوردي .
(١) حديث أم هانىء أخرجه الترمذي في الجامع ٧٤/٩، من طريق شيخه عبد بن حُميد،
عن عبيدالله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي صالح، عن أم هانىء بنت
أبي طالب، قالت: خطبني رسول الله : ﴿ فاعتذرت إليه فعذرني، ثم أنزل الله: ﴿إنا
أحللنا لك ... ) الآية. قالت: فلم أكن أحل له لأني لم أهاجر، كنت من الطلقاء.
وحسّن الترمذي سنده، وقال: لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وأخرجه الحاكم ٤٢٠/٢ نحوه، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره
الذهبي علی تصحيحه.
(٢) هي بنت حيي بن أخطب، إحدى أمهات المؤمنين رضي الله عنهن أجمعين.
قال ابن سعد في الطبقات ١٢٠/٨: صفية بنت حيي بن أخطب بن سعية بن عامر بن
عبيد بن كعب بن الخزرج بن أبي حبيب، من بني إسرائيل، من سبط هارون بن عمران
عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.
ثم قال: وخبر زواجها من النبي (# ثابت في الصحيح. تزوج صفية وجعل عتقها
صداقها، وهذا مما يعده من الخصوصيات. قلت: وسيأتي هذا إن شاء الله تعالى.
وأخرج ابن سعد ١٢٠/٨، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن صفية بنت حيي
وقعت في سهم دحية، فقيل لرسول الله و18: إنه قد وقع في سهم دحية جارية جميلة
فاشتراها رسول الله و # بسبعة رؤوس. وهذا سيأتي للمصنف إن شاء الله تعالى.
ونقل ابن سعد هنا عن الواقدي: أن صفية ماتت سنة خمسين في خلافة معاوية بن أبي
سفيان، وقيل: سنة اثنتين وخمسين في خلافة معاوية أيضاً، اهـ.
ولها ترجمة في: الاستيعاب ١٨٧١/٤؛ أسد الغابة ٤٩٠/٥؛ الإصابة ٣٣٧/٤ - ٣٣٨.
قال أبو عمر بن عبدالبر: كانت عاقلة حليمة فاضلة وتوفيت في شهر رمضان سنة
خمسين في زمن معاوية رضي الله عن الجميع، وأرّخ الحافظ ابن حجر تاريخ وفاتها =
١٢٣

وليست من المذكورات في الآية. والقاضي حسين قال: إن تحريم
النسوة عليه هل بقي مؤبداً أم ارتفع؟ فيه وجهان.
سادسها: قال الماوردي: تحريم طلاق من اختارته منهن، أي
إذا قلنا به كما سلف لم ينسخ بل بقي إلى الموت. وبه استدل أبو حنيفة على
بقاء تحريم نكاح غيرهن أيضاً وكلام الإمام يشير إلى خلافه.
سابعها: هل كان يجوز له عليه الصلاة والسلام أن يجعل
الاختيار إليهن قبل المشاورة إليهن؟ فيه وجهان، حكاهما الرافعي عن
الجرجانيات(١) لأبي العباس الروياني. ولم أرهما في الروضة.
= بقوله: قيل: ماتت سنة ست وثلاثين، حكاه ابن حبان وجزم به ابن منده، ثم قال
الحافظ: وهو غلط فإن علي بن الحسين لم يكن ولد وقد ثبت سماعه منها في الصحيحين.
ونقل ما أرّخ به الواقدي وأقره. وقال الواقدي: ماتت سنة خمسين. وهذا أقرب.
(١) الجرجانيات: كتاب لأبي العباس الروياني في فروع الشافعية، وقد سمّاه في معجم
المؤلفين ٦٩/٢: (جرجانية).
١٢٤

النوع الثاني
ما اختص به * من المحرمات [وذلك](١) تكرمة له، فإن أجر ترك
المحرم أكثر من أجر ترك المكروه وفعل المندوب، إذ المحرم في المنهيات
كالواجب في المأمورات، وهي أيضاً قسمان(٢):
الأول: المحرمات في غير النكاح
وفيه مسائل :
الاولى: الزكاة فإنها حرام عليه وشاركه في ذلك ذوو القربى بسببه
أيضاً، فالخاصية عائدة إليه(٣) فإنها أوساخ الناس كما أخرجه مسلم،
ومنصبه منزّه عن ذلك، وهي أيضاً تعطى على سبيل الترحم المنبىء عن ذل
الآخذ. فَأُبدلوا عنها بالغنيمة المأخوذة بطريق العز والشرف المنبىء عن عز
الآخذ وذل المأخوذ منه.
(١) ما أثبته من (ش).
(٢) أي: في النكاح وفي غيره، بدليل تفريع المصنف رحمه الله تعالى.
(٣) في حقيقة الأمر، والحديث أخرجه م في الصحيح ١٧٥/٧، من حديث أبي هريرة
رضي الله عنه.
١٢٥

وقد اختلف علماء السلف أن الأنبياء تشاركه في ذلك أم يختص به
دونهم(١)؟ فقال بالأول الحسن البصري، وبالثاني سفيان بن عيينة.
وأما صدقة التطوع ففي تحريمها عليه وعلى آله أربعة أقوال (٢):
أحدها: نعم. وثانيها: لا، وإنما كان عليه الصلاة والسلام يمنع عنها
ترفعاً. وأصحها تحرم عليه دونهم. ورابعها: يحرم عليهم الخاصة دون
العامة، أي: كالمساجد ومياه الآبار. وأبدى الماوردي وجهاً اختاره: إن ما
كان منها أموالاً متقومة كانت محرمة عليه وسلم دون ما كان منها غير متقوم،
فتخرج صلواته في المساجد وشربه ماء زمزم وبئر رومة (٣).
وحكى الرافعي هنا الخلاف من وجهين فقال: ومن المحرمات
(١) وذلك تكرمة له لهم.
(٢) أما من حيث الدليل فأخرج ابن سعد في الطبقات ٣٨٨/١، عن أبي هريرة، وعائشة،
وعبدالله بن بسر، أن رسول الله # كان يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة. وأخرج في
الطبقات ٣٩٠/١، عن الحسن بلفظ: ((إن الله حرم علي الصدقة وأهل بيتي)).
وعلى هامش (ند): قال ابن عبدالسلام في تفسير سورة يوسف في قوله: ﴿وَتَصَدَّقَ
عَلَيْنا﴾، ولم تحرم الصدقة إلا على نبينا وَّر، والله سبحانه أعلم، اهـ من هامش (ط)
المذكورة.
قلت: ولا وجه في الآية على جواز الصدقة على الأنبياء، لأن كل معروف صدقة لاحتمال
طلبهم المعروف من يوسف والقر، والله الموفق.
قلت: ولا وجه لهذه التفرقة من الأدلة الثابتة في ذلك، ولكن الفقهاء رحمهم الله مولَعون
بتفريع المسائل بالقيل والقال.
(٣) هذا التفصيل الذي أبداه الماوردي جيد، ولعله أخذه من الواقع، لأنه الثابت عنه
والواقع، والله أعلم.
قلت: قد يقال: إن الصدقة إذا بلغت محلها حلت لمن لا تحل له من قبل بدليل قصة
حديث بريرة: ((هي لها صدقة ولنا هدية)). والذي ذكرها هنا لما وضع المسلمون يدهم
عليها بالتصرف فحلت للنبي # بذلك لبلوغها محلها. والله تعالى أعلم وهو أعز
وأكرم.
١٢٦

الصدقة في أظهر الوجهين على ما سبق في قسم الصدقات، وتبع في حكاية
الخلاف كذلك الإمام هنا، والطبري صاحب العدّة (١). وكذا حكاه
العجلي(٢) في شرح الوسيط، والجرجاني في الشافي. لكن الذي سبق من
كلام الرافعي في قسم الصدقات أن الخلاف قولان، وهو الصواب المذكور
في بعض نسخ الرافعي هنا، وفي الروضة أيضاً. فقد قال الماوردي في
كتاب الوقف: إنهما منصوصان في الأم (٣).
(فرع): حكى ابن الصلاح عن أمالي أبي الفرج السرخسي (٤): أن
في صرف الكفارة والنذر إلى الهاشمي قولين، والظاهر جريانهما في المطلبي
أيضاً لأنه في معناه(٥).
(١) العدّة: شرح فيها حسين بن علي الطبري إبانة الفوراني، وستأتي ترجمة الفوراني إن
شاء الله .
(٢) العجلي: هو الإمام الجليل أسعد بن محمود بن خلف بن أحمد بن محمد العجلي، العلّامة
منتخب الدين أبو الفتوح، من أئمة الفقهاء والوعاظ، مولده في أحد الربيعين سنة
خمس عشرة وخمسمائة ووفاته في الثاني والعشرين من صفر سنة ستمائة للهجرة، اهـ.
(ط ش ك) ٥٠/٥.
(٣) ونص الشافعي في الأم ٦٩/٢. قال الشافعي: وأما آل محمد الذين جعل لهم الخمس
عوضاً عن الصدقة فلا يعطون من الصدقات المفروضات شيئاً قل أو كثر، لا يحل لهم أن
يأخذوها ولا يجزىء عمن يعطيهموها إذا عرفهم.
وآل محمد ﴿ الذين تحرم عليهم الصدقة المفروضة أهل الخمس، وهم أهل الشعب
وهم صُلبية بني هاشم وبني المطلب.
ولا يحرم على آل محمد به صدقة التطوع وإنما يحرم عليهم الصدقة المفروضة، اهـ.
وقال: مال جمهور فقهاء الشافعية إلى هذا الرأي، وقد نبهنا على أن الأدلة عامة لا دليل
على التفرقة فيما نرى، والله أعلم.
(٤) أبو الفرج السرخسي: هو الإمام عبدالرحمن بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عبدالرحمن بن
محمد بن أحمد النويزي أبو الفرج الزاز، مولده سنة إحدى أو اثنتين وثلاثين وأربعمائة،
ووفاته في سنة أربع وتسعين وأربعمائة للهجرة. له ترجمة في (ط ش ك) ١٠١/٥.
(٥) لما صحّ من تسوية النبي ◌ُ ﴾ بين بني هاشم وبني المطلب، ولم يفترقا في جاهلية ولا إسلام.
١٢٧

الثانية: كان ◌َلّ لا يأكل البصل والثوم والكراث وما له رائحة
كريهة من البقول. وفي الصحيحين، من حديث جابر، أنه وص لي أتي بقدر
فيه خضروات من البقول فوجد لها ريحاً، فسأل فأخبر من البقول، فقال:
قربوها إلى بعض أصحابه فلما رآه كره أكلها. فقال: ((كل فإني أناجي من
لا تناجي))(١).
وهل كان ذلك حراماً عليه؟ فيه وجهان:
أحدهما وبه جزم الماوردي: نعم، كيلا يتأذى به الملك. وأشبههما:
لا، وإنما كان ونَ﴾ يمتنع منه ترفعاً.
وفي صحيح مسلم، من حديث أبي أيوب (٢): أحرام هو؟ قال: ((لا،
(١) وهو حديث متفق عليه. أخرجه البخاري في كتاب الأطعمة، من حديث جابر
٥٧٥/٩، بلفظ: ((من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا أو ليعتزل مسجدنا)). وأخرجه من
حديث ابن عمر ٢٣٩/٢ .
وأخرج م ٣٣٩/٢، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي بصير قال في غزوة
خيبر: من أكل من هذه الشجرة - يعني الثوم - فلا يقربن مسجدنا. وأخرجه م أيضاً
٣٣٩/٢، من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، أن النبي ويظهر قال: ((من أكل
ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا، أو قال: فليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته، وأن النبي صل# أتي
بقدر فيه خضروات من بقول فوجد لها ريحاً، فسأل فأخبر بما فيها من البقول فقال:
قربوها إلى بعض أصحابه كان معه فلما رآه كره أكله، قال: ((كُلّ فإني أناجي من لا
تناجي)).
وأخرج نحوه في كتاب الصلاة ٣٣٩/٢، من حديث أنس رضي الله عنه.
وهذه الأحاديث دلّت على أن أكل الخضر التي لها رائحة كريهة جائزة لكن ينبغي إماتتها
بالطبخ لئلا يؤذي من يجامعه ويجالسه.
(٢) وحديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أخرجه مسلم في الصحيح ١٢٦/٨ مع شرح
النووي، ولفظه: كان النبي ﴿ إذا أتي بطعام أكل منه وبعث بفضله عليَّ، وإنه بعث
إليَّ يوماً بفضله لم يأكل منها لأن فيها ثوماً، فسألته: أحرام هو؟ قال: ((لا، ولكني أكرهه
من أجل ريحه))، قال: فإني أكره ما كرهت.
١٢٨

ولكني أكرهه من أجل ريحه)). قال: فإني أكره ما كرهت. قال: وكان
النبي ◌َّ يؤتى - يعني يأتيه جبريل بالوحي -. وهذا صريح في نفي التحريم
وإثبات الكراهة.
وفي مسند أحمد، وسنن أبي داود بسند صالح، من حديث عائشة
رضي الله عنها، أنها سئلت عن أكل البصل، فقالت: آخر طعام أكله
رسول الله صل﴿ فيه بصل(١). ولما ذكر ابن الصلاح حديث أبي أيوب، قال:
إنه يبطل وجه التحريم، اعترض عليه صاحب المطلب(٢)، وقال: فيه نظر
من جهة أن حديث أبي أيوب كان في ابتداء الهجرة، والنهي عن أكل الثوم
كان عام خيبر، كما رواه البخاري في صحيحه(٣).
قلت: لكن في صحيح مسلم، عن أبي سعيد الخدري في قصة خيبر
أيضاً، لكنه لما نهى عن أكل الشجرة الخبيثة قال الناس: حرمت، حرمت.
فبلغ ذلك رسول الله و #، فقال: ((يا أيها الناس إنه ليس بي تحريم ما
أحل الله لي ولكم ولكنها شجرة أكره ريحها)).
(١) حديث: آخر طعام أكله رسول الله و لإ طعام فيه بصل. أخرجه أحمد في المسند ٨٩/٦،
من حديث عائشة رضي الله عنها. وأخرجه أبو داود في السنن ٣٢٥/٢، من حديثها
أيضاً.
والمقصود من الحديث أن النبي ◌َّ أكله مطبوخاً لا ينافي النهي الوارد في ذلك، والله
أعلم .
(٢) صاحب المطلب، هو نجم الدين بن الرفعة، وقد تقدمت ترجمته ص ٩٣، والمطلب
كتاب له في فروع الشافعية وقد أكثر المصنف النقل عنه.
(٣) أخرجه خ ٤٨١/٧، من حديث ابن عمر، ولفظه: عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن
رسول الله وسلم نهى يوم خيبر عن أكل الثوم وعن لحوم الحمر الأهلية؛ م في الصحيح
٢٢٦/١، من حديث ابن عمر أيضاً، وهو متفق عليه، ولم يذكر مسلم الحمر الأهلية
وإنما ذكر الثوم ... إلخ الحديث. وذكره في ٢٢٧/١، من حديث أبي سعيد الخدري.
١٢٩

الثالثة: أنه عليه الصلاة والسلام كان لا يأكل متكئاً. ففي صحيح
البخاري(١) من حديث أبي جحيفة رضي الله عنه، قال: كنت عند
رسول الله وَل، فقال لرجل عنده: ((أنا لا آكل وأنا متكىء)). وفي شعب
الإيمان للبيهقي، عن يحيى بن أبي كثير، أنه عليه الصلاة والسلام، قال:
آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد، فإنما أنا عبد.
وأسنده في دلائله(٢) وسننه من حديث ابن عباس، ولفظه: ((بل
أكون عبداً نبياً)). قال: فما أكل بعد تلك الكلمة طعاماً متكئاً حتى
لقي الله. وله طرق أوضحتها في تخريجي لأحاديث الرافعي، فراجعها منه.
وهل كان ذلك حراماً عليه أو مكروهاً كما في حق الأمة؟ فيه
وجهان. أشبهها - كما قال الرافعي - الثاني(٣). وجزم بالأول صاحب
التلخيص (٤) أي لما فيه من الكبر والعجب، وعلل الأول بأنه لم يثبت فيه ما
يقتضي التحريم. واجتناب رسول الله ويسالقر الشيء واختياره غيره لا يدل على
کونه محرماً عنده.
(١) أخرجه في كتاب الأطعمة ٥٤٠/٩، من حديث أبي جحيفة كما قال المؤلف. وأخرجه
البيهقي في السنن ٤٩/٧، من حديثه أيضاً، وذلك في كتاب النكاح.
(٢) أ- أخرجه في الدلائل ٢٤٧/١، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، في قصة مجيء
الملك الذي قرن به وخيّره بين أن يكون نبياً ملِكاً أو نبياً عبداً. فنظر إلى جبريل
كالمستشير له فقال له: أن تواضع. فاختار أن يكون نبياً عبداً وبعد تلك الكلمة فما أكل
متكئاً.
ب - وأخرجه في السنن ٤٩/٧، من حديث ابن عباس أيضاً.
جـ ـ أخرجه القاضي عياض في الشفاء ٣١/١ - ٣٢.
(٣) ويدل ما تقدم من قوله وخطير: ((ليس بي تحريم ما أحل الله لي ولكم)).
(٤) الإمام أبو العباس بن القاصّ. تقدمت ترجمته ص ١٠٦ .
١٣٠

إذا تقرر ذلك. فما المراد بالمتكىء؟ فيه خلاف. قال الخطابي(١):
المراد به هنا الجالس المعتمد على وطاء تحته، وأقره عليه البيهقي في
سننه(٢). وأنكره عليه ابن الجوزي(٣)، وقال: المراد به المائل على جنب.
وأما صاحب الشفاء (٤) ففسره بما قاله الخطابي، ثم قال: وليس هو الميل
على شق عند المحققين، وكذا قال ابن دحية(٥) في كتابه المستوفى في أسماء
المصطفى: إن الاتكاء في اللغة هو التمكن في الأكل.
(١) هو الإمام الجليل أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي
(ت ٣٨٨ هـ). له ترجمة في تذكرة الحفاظ ١٠١٨/٣ - ١٠٢٠.
(٢) في السنن الكبرى ٢٨٣/٧، في كتاب النكاح. والبيهقي: الإمام أبو بكر الحافظ،
تقدمت ترجمته .
(٣) هو الإمام الجليل عالم العراق وواعظ الآفاق جمال الدين أبو الفرج عبدالرحمن بن أبي
الحسن علي بن محمد بن علي بن عبيدالله بن عبدالله القرشي التيمي البكري البغدادي،
وعُرف جدهم بجوزي لجوزة كانت بداره بواسط (م ٥١٠ - ت ٥٩٧ هـ). له ترجمة في
تذكرة الحفاظ ١٣٤٢/٤ - ١٣٤٧.
(٤) هو الحافظ عياض بن موسى بن عياض بن عمرو بن موسى القاضي، عالم المغرب، أبو
الفضل اليحصبي السبتي (م ٤٧٦ - ت ٥٤٤ هـ). له ترجمة في تذكرة الحفاظ
١٣٠٤/٤ - ١٣٠٦.
والشفاء: كتاب له مطبوع ومعروف بالشفاء بتعريف حقوق المصطفى بمثل، وهو كتاب
جليل في مادته دقيق في عبارته وله شروح متعددة، وفيه أخبار واهية، سوّغها تساهلهم
بالرواية في باب المناقب والشمائل. والحق: أن الأخبار الصحيحة تغني عن ذلك.
وأما تفسيره الذي ذكره المؤلف أورده في الشفاء ٨٦/١، قال: وفي صحيح الحديث
قوله وسلم: ((أما أنا فلا آكل متكئاً)). والاتكاء هو: التمكن للأكل والتقعد في الجلوس له
كالمتربع وشبهه من تمكن الجلسات التي يعتمد فيها الجالس على ما تحته، إلى قوله:
وليس معنى الحديث في الاتكاء الميل على شق عند المحققين. راجع الشفاء ٨٦/١ - ٨٩.
(٥) هو الإمام الجليل عمر بن حسن بن علي بن محمد الأندلسي الداني الأصل السبتي، وكان
يكتب عن نفسه ذو النسبين، بين دحية والحسين (ت ٦٣٣ هـ)، وعاش نيفاً وثمانين
سنة. له ترجمة في تذكرة الحفاظ ١٤٢٠/٤ - ١٤٢٢.
١٣١

الرابعة: الخط والشعر، قال تعالى: ﴿ولا تخطه بيمينك﴾(١) الآية.
وقال تعالى: ﴿وما عَلَّمْناهُ الشّعر وما ينبغي له ... ﴾(٢) الآية. وهما حرامان
عليه. قال الرافعي: وإنما يتجه(٣) القول بتحريمهما ممن يقول: إنه كان
يحسنهما. وقد اختلف فيه فقيل: كان يحسنهما ويمتنع منهما، والأصح أنه كان
لا يحسنهما.
قال النووي في الروضة(٤): ولا يمتنع تحريمهما وإن لم يحسنهما، ويكون
المراد تحريم التوصل إليهما، وتمسك القائل بأنه كان يحسن الكتابة بما رواه
البخاري(٥): أنه عليه الصلاة والسلام كتب: هذا ما صالح عليه محمد بن
عبدالله، ويجاب بأنه أمر بها(٦) ووقع في أطراف أبي مسعود الدمشقي(٧) أنه
عليه الصلاة والسلام أخذ الكتاب وليس يحسن أن يكتب فكتب مكان
رسول الله ول محمداً وكتب هذا ما قاضى عليه محمد. وقال ابن دحية في
(١) وتمامها: ﴿إذاً لارتاب المبطلون﴾ سورة العنكبوت: الآية ٤٨.
(٢) وتمامها: ﴿إن هو إلا ذكر وقرآن مبين﴾ سورة يَس: الآية ٦٩.
(٣) ذكره النووي في الروضة ٥/٧، في كتاب النكاح.
(٤) ذكره فيها ٥/٧ أيضاً.
(٥) أ- أخرجه خ في قضاء عمرة الحديبية ١٨٠/٥، من حديث البراء بن عازب، باللفظ
الذي ذكره المؤلف.
ب- ومسلم في الصحيح ١٣٥/١٢، من حديث البراء أيضاً، في قصة كتابة علي
رضي الله عنه في صلح الحديبية.
(٦) قال الحافظ في التلخيص الحبير ١٢٨/٣: وقد ورد في كثير من الأحاديث في الصحيح وغيره
إطلاق لفظة كتب بمعنى أمر، منها حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي {# كتب
إلى قيصر، وحديثه كتب إلى النجاشي، وحديثه كتب إلى كسرى، وحديث عبدالله بن
عكيم كتب إلينا رسول الله #*، وغير ذلك وكلها محمولة على أنه أمر الكاتب.
(٧) هو الحافظ إبراهيم بن محمد بن عبيد مصنّف كتاب الأطراف وأحد من برز في هذا
العلم. (ت ٤٠١ هـ). له ترجمة في تذكرة الحفاظ ١٠٦٨/٣.
١٣٢

كتاب التنوير بعد أن عزاها إليه: وهي زيادة منكرة (١) ليست في
الصحيحين .
قال: وذكر عمر بن شبة(٢) في كتاب الكُتَّاب له، أنه عليه الصلاة
والسلام كتب يوم الحديبية بيده ومحى في قوله إلى أنه قصد الكتاب عالماً به
في ذلك الوقت ولم يعلمه قبله، وأن ذلك من معجزاته أن يعلم الكتابة في
وقته لأن ذلك خرق للعادة.
وقال بهذا القول بعض المحدثين منهم: أبو ذر الهروي(٣)، وأبو
الفتح النيسابوري (٤)، والقاضي أبو الوليد الباجي(٥)، وصنّف في ذلك
کتاباً .
(١) ومما يدل على نكارته اتحاد القصة، لأن ذلك إنما وقع في صلح الحديبية. ((والتنوير في
مولد السراج المنير)) كتاب لابن دحية في السيرة.
انظر الرسالة المستطرفة ص ١٦٠ - ١٦٥.
(٢) عمر بن شبة بن عبيد، الحافظ الثقة، أبو زيد النمري البصري الأخباري. قال الذهبي
في التذكرة: وثقه الدارقطني وغيره (ت ٢٦٢ هـ)، وله تسعون سنة. له ترجمة في تذكرة
الحفاظ ٥١٦/٢ - ٥١٧.
وهذا الكلام الذي ذكره لا يتجه مع صريح القرآن أنه أميّ، وأن ذلك علم من أعلام
نبوته له.
(٣) هو الحافظ عبد بن أحمد بن محمد بن عبدالله بن غفير الأنصاري المالكي، شيخ الحرم.
(م ٣٥٥ - ت ٤٣٤ هـ). له ترجمة في تذكرة الحفاظ (١١٠٣/٣ - ١١٠٤).
(٤) هو الإمام ناصر بن سلمان بن ناصر بن محمد الأنصاري الشافعي (م ٤٨٩ -
ت ٥٥٢ هـ). معجم المؤلفين ٣/ ٧٠.
(٥) هو الإمام الجليل سليمان بن خلف بن سعيد بن أيوب بن وارث التجيبي القرطبي،
صاحب التصانيف. (م ٤٠٣ - ت ٤٧٤ هـ). له ترجمة في تذكرة الحفاظ ١١٧٨/٣.
وذكر الذهبي قصة تأليف الكتاب، فقال: ولما تكلم أبو الوليد في حديث الكتابة يوم
الحديبية الذي في البخاري، قال بظاهر لفظه فأنكر عليه الفقيه أبو بكر (ابن الصائغ)
وكفّره بإجازة الكتب على رسول الله بـ # ((النبي الأمي))، وأنه تكذيب بالقرآن فتكلم في
ذلك من لم يفهم الكلام حتى أطلقوا عليه الفتنة وقبّحوا عند العامة ما أتى به، وتكلم به =
١٣٣

وقيل: إنه كتب في ذلك اليوم غير عالم بالكتابة ولا مميز لحروفها لكنه
أخذ القلم بيده فخط به ما لم يميزه هو، فإذا هو كتاب ظاهر بينّ على
حسب المراد. قال: وذهب إلى ذلك القاضي أبو جعفر السمناني
الأصولي(١).
قال القاضي أبو الوليد: كان من أوكد معجزاته أن يكتب من غير
تعلم. قال ابن دحية: وهذا كله ليس بشيء(٢).
وقد رد على القاضي أبي الوليد وخطّأه في جزء كبير ابن مفوز
العالم(٣)، ثم حکی حكاية عظيمة في ذلك رؤیا.
قلت: وحديث مجالد: حدثني عون بن عبدالله، عن أبيه، قال: ((ما
مات رسول الله ﴿ حتى كتب وقرأ)). وهّاه البيهقي (٤) أنه حديث منقطع
وفي رواته جماعة من الضعفاء والمجهولين.
= خطباؤهم في الجُمَع. وقال شاعرهم:
فقال رسول الله قد كتبا
برئت ممن شرى دنيا بآخرة
وصنّف أبو الوليد رسالة بين فيها أن ذلك غير قادح في المعجزة فرجع بها جماعة،
اهـ.
(١) هو محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمود السمناني أبو جعفر، فقيه من أهل سمنان
العراق، ولي القضاء بالموصل وتوفي بها سنة ٤٤٤ هـ. له ترجمة في معجم المؤلفين
٣١٨/٨.
(٢) وهذا هو الحق الذي تشهد له الأدلة.
(٣) هو الإمام الجليل طاهر بن مفوز بن أحمد بن مفوز المعافري الشاطبي، من أثبت الناس
في ابن عبدالبر. (م ٤٢٩ - ت ٤٨٤ هـ). له ترجمة في تذكرة الحفاظ ١٢٢٢/٤.
(٤) أخرجه في السنن الكبرى ٤٢/٧، بسنده إلى مجالد بن سعيد، عن عون بن عبدالله، عن
أبيه، قال: ((ما مات رسول الله ﴿ حتى كتب وقرأ)). قال مجالد: فذكرت ذلك
للشعبي، قال: قد صدق، سمعت من أصحابنا من يذكرون ذلك. ثم قال: فهذا
حديث منقطع في رواته جماعة من الضعفاء والمجهولين، والله تعالى أعلم، اهـ.
١٣٤

قلت: وقد وقع مثله في قوله تعالى: ﴿لن تنالوا البر حتى
تنفقوا ... ﴾(١) الآية.
وما روي عنه وَل﴿ من الرجز كقوله:
((هل أنت إلا أصبع دميت))(٢).
قال الأخفش(٣): إنه ليس بشعر، وقيل: إنه عليه الصلاة والسلام لم
يقصده، وإنما وقع مرجزاً، ولا يسمى شعراً ولا قائله شاعراً.
(١) وتمامها: ﴿مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم) وهي الآية ٩٢ من سورة آل
عمران. وهكذا جميع النسخ، ولم يتضح لي سبب إيرادها هنا.
(٢) وتمامه: ((وفي سبيل الله ما لقيت)).
أ - أخرجه البخاري في كتاب الأدب من صحيحه ٥٣٧/١٠، من حديث جندب
رضي الله عنه .
ب - ومسلم في الصحيح ١٥٥/١٢، من حديثه أيضاً.
قال الحافظ في الفتح ٥٤١/١٠: اختلف، هل قاله النبي وَلّ متمثلاً أو قاله من قبل
نفسه غير قاصد لإنشائه فخرج موزوناً؟ قال: وبالأول جزم الطبري وغيره.
ويؤيده ما أورده ابن أبي الدنيا في محاسبة النفس، فذكر أن جعفر بن أبي طالب لما قتل
في غزوة مؤتة فقاتل فأصيب أصبعه فارتجز هذين القسمين، وزاد:
هذي حياض الموت قد صليت
يا نفس إن لم تقتلي تموتي
إن تفعلي فعلهما هديت
وما تمنيت فقد لقيت
قال: وجزم ابن التين أيضاً أنهما من شعر عبدالله بن رواحة.
قلت: وظاهر إيراد البخاري يدل أنه عليه الصلاة والسلام قاله من قبل نفسه، ولكنه
جاء موزوناً من غير قصد منه لفصاحته وكمال بلاغته ويلز، اهـ. فتح الباري.
(٣) سعيد بن مسعدة المجاشعي بالولاء البلخي ثم البصري أبو الحسن الأخفش الأوسط،
نحوي عالم باللغة والآداب، وأخذ العربية عن سيبويه (ت ٢١٥ هـ). الأعلام
١٥٤/٣.
وقوله: هذا ذكره القرطبي في تفسيره ٥٢/١٥.
١٣٥

قال الحربي(١): ولم يبلغني أنه عليه الصلاة والسلام أنشد بيتاً كاملاً
علی رویّه بل الصدر کقول لبيد :
ألا كل شيء ما خلا الله باطل(٢)
أو العجز كقول طرفة :
ويأتيك بالأخبار من لم تزود(٣)
فإن أنشد بيتاً كاملاً غَيِّرَهُ، قال يوماً:
أتجعل نهبي ونهب العبيد بين الأقرع والعيينة (٤)
فقيل له: إنما هو بين العيينة والأقرع. قال: ((إنما هو بين الأقرع
والعيينة)). فقال أبو بكر: أشهد أنك رسول الله ثم قرأ: ﴿وما عَلَّمْنَاهُ
الشِّعْرَ ... ) الآية.
ولا فرق في الخط بين العربي وغيره، وألحق الماوردي بقول الشعر
(١) هو الحافظ إبراهيم بن إسحاق البغدادي (م ١٩٨ - ت ٢٨٥ هـ). له ترجمة في تذكرة
الحفاظ ٥٩١/٢.
(٢) أخرجه م في الصحيح ١١/١٥، في كتاب الشعر، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه،
وتمامه: وكل نعيم لا محالة زائل.
بلفظ: ((أشعر كلمة تكلمت بها العرب))، وبلفظ: ((أصدق كلمة قالها شاعر))، وبلفظ:
((أصدق بيت قاله شاعر))، وبلفظ: ((أصدق بيت قالته الشعراء))، وبلفظ: ((أصدق كلمة
قالها شاعر كلمة لبيد ... )) فذكره، اهـ.
(٣) وصدره: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً.
أخرجه الترمذي في الجامع ١٤٠/٨، من حديث عائشة رضي الله عنها. ولفظه بعد
سياق السند: قيل لها: هل كان النبي * يتمثل بشيء من الشعر، قالت: كان يتمثل
بشعر ابن رواحة، ويقول: ويأتيك بالأخبار من لم تزود. وقال الترمذي: حسن
صحیح .
وأخرجه البزار، من حديث ابن عباس أيضاً. ذكره في تحفة الأحوذي .
(٤) وهو من شعر عباس بن مرداس السلمي. ذكره ابن هشام في السيرة ٤٩٣/٢. وانظر
هناك تمام القصة، والله الموفق.
١٣٦

روايته، وبالكتابة القراءةَ، أي: في الكتاب لقوله تعالى: ﴿وما كُنتَ تتلو
من قَبْلِهِ من كتابٍ ... ) الآية.
وعبارة القضاعي في عيون المعارف: إن من خصائصه أنه لم يكن له
أن يقول شعراً ولا أن يتعلمه .
(فائدة): جميع كتابات الأمم اثنا عشرة كتابة(١): العربية(٢)،
والحميرية(٣)، واليونانية (٤)، والفارسية(٥)، والسريانية(٦)، والعبرانية،
والرومية(٧)، والقبطية (٨)، والبربرية(٩)، والأندلسية، والهندية (١٠)
والصينية(١١). ذهب منها خمس فلا تعرف اليوم الحميرية واليونانية (١٢)
(١) قلت: يجدر بي أن أشير هنا إلى ما ذكره الشيخ أحمد رضا في مقدمة كتابه معجم متن
اللغة ٢٨/١ - ٣٠. حينما تعرض في الحديث على نشأة اللغات، فيحسن الاطلاع عليه.
(٢) وهي من اللغات الساميّة الحية، وادعى العرب أن العربية هي لغة آدم أبي البشر، ثم
حرفت فصارت سريانية. قلت: هذه الدعوى تحتاج إلى دليل، فكيف به؟ والله
المستعان .
(٣) الحميرية في الحقيقة هي من العربية.
(٤) القديمة والحديثة وهي من الآرية.
(٥) وهي أيضاً من الآرية.
(٦) وهي والتي بعدها من الساميّة الميتة. وقد فرّق الشيخ أحمد رضا بين الميتة والبائدة،
فجعل الميتة هي التي أهلها انصهروا مع شعوب أخَر لأسباب الغلبة ونحوها، فصاروا
ناطقين بغيرها فماتت لغتهم إلا القليل منها. والبائدة هي التي اندثرت لا تُعرف إلا في
مجال الأثريات.
(٧) وهي من الآرية.
(٨) جعلها من اللغات الميتة، وأما المصرية القديمة من البائدة.
(٩) هي والتي بعدها من الميتة.
(١٠) هي من الآرية، تسمى السنسكريتية، تفرعت منها الهندية والبنغالية والمهرانية.
(١١) وقد ادّعى الصينيون أن لغتهم أصل اللغات، ومنها انتشرت بقية لغات العالم.
(١٢) لعلها القديمة.
١٣٧

والقبطية والبربرية والأندلسية(١)، وثلاث بقيت في بلادها ولا تعرف في بلاد
الإسلام: الرومية والهندية والصينية(٢).
وبقيت أربع تستعمل في بلاد الإسلام: العبرانية والفارسية
والسريانية والعربية. كذا قيل ولا يخلو بعضُه من نزاع(٣).
واختلف في أول من خط بالعربية. قيل: إسماعيل عليه السلام
والصحيح مرامر بن مرة من أهل الأنبار. وقيل: إنه من بني مرة ومن
الأنبار. ثم انتشرت كتابة العربية في الناس (٤).
الخامسة: كان يحرم عليه إذا لبس لأمته أن ينزعها حتى يلقى
(١) هذا الذي أشار إليه المصنف هو المعروف عند علماء اللغات بالميتة، وهذه اللغات
الخمس في عداد اللغات الميتة.
(٢) لعل هذا في الأزمان الخالية، أما اليوم فقد أصبحت هذه اللغات وغيرها معروفة في بلاد
الإسلام. وكثير من الكتب الإسلامية مؤلفة بتلك اللغات.
(٣) لعله يقصد أن العبرانية والسريانية ليستا لغتين حيّتين فضلاً أن تُستعملا في بلاد
الإسلام.
(٤) حاصل ما ذكره صاحب المطالع النصرية ص ١١، قال: اختلفوا في أول من كتب
بالكتابة العربية، قيل: آدم عليه الصلاة والسلام، فيكون هو أول من كتب بالعربي
والسرياني وسائر الكتب الاثني عشر. وأن الكتابات كلها من وضعه.
وقيل: أول من خط بالعربي إسماعيل عليه الصلاة والسلام، ونقل عن السيرة الحلبية أن
أول من خط بالعربي نزار بن معد بن عدنان .
وقيل: أول من خط بالعربي: مرامر بن مرة، وأسلم بن سدرة، وعامر بن جدرة. تعلموا
من كتاب الوحي لسيدنا هود عليه السلام ثم علموا أهل الأنبار، ومنهم انتشرت الكتابة
في العراق الحيرة وغيرها، فتعلمها بشر بن عبدالملك أخو أكیدر بن عبدالملك صاحب
دومة الجندل، وكان له صحبة بحرب بن أمية لتجارته عندهم في بلاد العراق فتعلم
حرب بن أمية الكتابة فكان أول قرشي خط بالعربية ثم سافر معه بشر إلى مكة، فتعلم
منه جماعة من القرشيين ولم يأت الإسلام إلا وقد تعلم عدد منهم. راجع المطالع النصرية
ص ١٠ - ١٢.
١٣٨

العدو ويقاتل. ففي سنن البيهقي(١) مرسلاً: ((لا ينبغي لنبي إذا أخذ لأمة
الحرب وأذن في الناس بالخروج إلى العدو أن يرجع حتى يقاتل)). ثم قال:
وقد كتبناه موصولاً بإسناد حسن، فذكره من رواية ابن عباس(٢).
وأخرج الإمام أحمد من حديث أبي الزبير عن جابر(٣). وذكره
البخاري في صحيحه في باب المشاورة، بغير إسناد (٤).
وقوله في الحديث: ((لَأَمَته)) بالهمزة. كما قيّده صاحب المشارق
وغيره(٥). وقال ابن دحية في كتابه ((نهاية السول في خصائص الرسول ◌َل)):
کذا سمعته وأرویه.
(١) الكبرى ٤٠/٧، عن عروة بن الزبير، قال: هذه رواية مرسلة وفي سندها ابن لهيعة.
قال الحافظ في التقريب: عبدالله بن لهيعة بفتح اللام وكسر الهاء ابن عقبة الحضرمي أبو
عبدالرحمن المصري القاضي، صدوق، من السابعة، خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن
المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما، وله في مسلم بعض شيء مقرون. مات سنة
أربع وسبعين وقد أناف على الثمانين.
(٢) وأخرجه موصولاً، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وأخرجه من أصحاب المغازي
موسى بن عقبة وابن إسحاق عن شيوخه، وأبو الأسود عن عروة. ذكره الحافظ في
التلخيص الحبير ١٢٩/٣ - ١٣٠؛ ذكره ابن هشام في السيرة ٦٣/٢ .
(٣) حديث جابر أخرجه أحمد ٣٥١/٣، في رؤيا النبى * قبيل غزوة أحد. ولفظه بعد
سياق سنده: ((أن رسول الله # قال: رأيت كأني في درع حصينة ورأيت بقراً منحرة
فأولت أن الدرع الحصين المدينة وأن البقرة هو - والله خير -... الحديث. وسنده
صحيح .
(٤) علقه البخاري في صحيحه ٣٣٩/١٣. ولفظه: وشاور النبي وسلم أصحابه يوم أحد في
المقام والخروج فرأوا له الخروج فلما لبس لأمته وعزم قالوا: أقم، فلم يمل إليهم بعد
العزم وقال: ((لا ينبغي لنبي يلبس لأمته فيضعها حتى يحكم الله)).
(٥) قال في الصحاح: اللأم جمع لأمة وهي الدرع. وتجمع أيضاً على لؤم مثل نُفَر على غير
قياس كأنه جمع لؤمة. واستلأم الرجل أي لبس اللأمة ٢٠٢٦/٥.
قلت: لعل المراد بصاحب المشارق هو القاضي عياض في كتاب (مشارق الأنوار على
صحاح الآثار). فقد قال فيه ٣٥٣/١: نرهنك اللأمة هي السلاح. وكذا فسرها في
١٣٩

قال ابن فارس(١): اللأمة مهموزة الدرع. قال: كذا قيدتها بالهمز
في كتاب فقه اللغة(٢)، إلا أنه جعله الدرع التامة، وكذا قيدته أيضاً في
كفاية المتحفظ للأجدابي (٣) بالهمز، وجمعها: لأم، كتمرة وتمر. ويجمع
أيضاً على لؤم بوزن نُفَر على غير قياس، كما قال الجوهري (٤) كأنه جمع لؤمة
بضم اللام، واستلأم الرجل لبس اللأمة.
ثم ما جزمنا به من تحريم النزع عليه حتى يقاتل هو المشهور، وعن
رواية الشيخ أبي علي: أن ذلك كان مكروهاً لا محرماً، قال الإمام: وهذا
بعيد غير موثوق. قال البغوي: وقد قيل بناء عليه إنه كان لا يبتدىء تطوعاً
إلا لزمه إتمامه(٥).
السادسة: كان يحرم عليه مد العين إلى ما متع به الناس لقوله
تعالى: ﴿ولا تمدنَّ عينيك ... ﴾ (٦) الآية. نقله الرافعي عن صاحب
الحديث في البخاري ومسلم. واللأمة الدرع بنفسها. وقوله: وضع لأمته واغتسل،
=
أي: سلاحه ويستلئم للقتال. قال الأصمعي: لبس سلاحه. وقال الخليل: لبس درعه
إلى أن قال: وكذلك لأمته ممدود ومقصود مهموز کله.
(١) هو أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن حبيب القزويني، نزيل همذان، الشافعي ثم
المالكي، المعروف بالرازي أبو الحسين. لغوي مشارك في علوم شتّ توفي سنة ٣٩٥ هـ.
معجم المؤلفين ٤٠/٢؛ معجم الأدباء ٤ / ٨٠.
(٢) وذكره الثعالبي في فقه اللغة ص ٢٥٦، وانظر مقاييس اللغة ٢٢٦/٥.
(٣) هو أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل بن عبدالله المعروف بابن الأجدابي الطرابلسي،
عاش في القرن الخامس للهجرة، وكان من أهل اللغة والأدب والحفظ. وأجدابيه قرية
من قرى أفريقية ينسب سلفه إليها .
وذكر ضبط هذه الكلمة في كتابه كفاية المتحفظ ونهاية المتلفظ في غريب اللغة ص ٣٣٩،
وهو مطبوع ملحق مع فقه اللغة.
(٤) تقدم قوله مع ضبط هذه الكلمة ص ١٣٩ .
(٥) تقدم التنبيه على هذا الفرع.
(٦) سورة الحجر: الآية ٨٨.
١٤٠