النص المفهرس

صفحات 101-120

قال الماوردي: واختلف فيما يشاور فيه فقال قوم: في الحروب
ومكايدة العدو خاصة، وقال آخرون: في أمور الدنيا والدين تنبيهاً لهم على
علل الأحكام وطريق الاجتهاد، وقال الثعلبي في تفسيره: اختلف في المعنى
الذي أمر الله تعالى نبيه بالمشاورة لهم فيه مع كمال عقله، وجزالة رأيه
وتتابع الوحي عليه، ووجوب طاعة أمته فيما أحبوا أو كرهوا، فقيل: هو
خاص في المعنى وإن كان عاماً في اللفظ. ومعنى الآية: وشاورهم فيما ليس
عندك فيه من الله تعالى عهد.
يدل عليه قراءة ابن مسعود: ﴿وشاورهم في بعض الأمر)). قال ابن
الكلبي : يعني ناظرهم في لقاء العدو ومكابدة الحروب عند الغزو، ثم ذكر
قول الحسن السالف وغيره.
المسألة السابعة: كان يجب عليه * مصابرة العدو وإن كثر
عددهم(١) والأمة إنما يلزمهم الثبات إذا لم يزد عدد الكفار على
= وقال السيوطي رحمه الله في الدر المنثور ٩٠/٢: أخرج ابن عدي والبيهقي في الشعب -
بسند حسن - عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قال: لما نزلت ﴿وشاورهم في الأمر﴾
قال رسول الله ويلي: أما إن الله ورسوله لغنيان عنها، ولكن جعلها الله رحمة لأمتي، فمن
استشار منهم لم يُعدم رشداً، ومن تركها لم يُعدم غياً.
(١) قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ١٢١/٣: وكأنه يشير إلى ما وقع في أحد، فإنه
أفرد في اثني عشر رجلاً كما رواه البخاري. قلت: أخرجه من حديث البراء بن عازب في
انهزام المسلمين في أحد بسبب مخالفة الرماة عن أمر النبي ولار. ومكان الشاهد فيه: فلم
يبق مع النبي # غير اثني عشر رجلاً ... الحديث ١٦٢/٦ - ١٦٣ مع شرح فتح
البخاري .
وقال الحافظ أيضاً: ويوم حنين فإنه أفرد في عشرة، وقال: رواه البخاري. التلخيص
الحبير ١٢١/٣.
قلت: أخرجه البخاري من حديث البراء أيضاً، ولم يذكر العدد المذكور. ولفظ
الحديث: قيل له: أوليتم مع النبي وم 14 يوم حنين؟ فقال: أما النبي فلا ... الحديث. وفي
رواية: أفررتم عن رسول الله { 14 يوم حنين؟ فقال: لكن رسول الله وخلال لم يفر، كانت
هوازن رماة، وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا، فأكببنا على الغنائم فاستقبلنا بالسهام. ولقد =
١٠١

الضعف(١) ولم يبوّب البيهقي على هذه الخصوصية في سننه(٢).
المسألة الثامنة: هل كان يجب عليه وسلم إذا رأى منكراً(٣) أن
ينكره ويغيره، وغيره إنما يلزمه ذلك عند الإمكان؟ ووجهه أن الله تعالى
وعده بالعصمة والحفظ فقال: ﴿والله يعصمك من الناس﴾(٤).
وفي الصحيحين، من حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: ((ما خيّر
رسول الله 18 في أمرين إلا أخذ(٥) أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإذا كان إثماً
كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله وَلّ لنفسه إلا أن تنتهك
حرمة الله فينتقم لله بها))(٦).
= رأيت رسول الله ﴿ على بغلته البيضاء - وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بزمامها -
ويقول: أنا النبي لا كذب. ٢٨/٧ مع شرح فتح الباري.
(١) قلت: يدل لهذا الآية ٦٦ من سورة الأنفال: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم
ضعفاً فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين
بإذن الله والله مع الصابرين﴾.
(٢) وقد بوّب في أكثر مسائل الخصائص ولكنه أهمل هذا، فلعله لا يراها كذلك، والله
أعلم .
(٣) المنكر بخلاف المعروف، والمراد به: ما ينكره الشرع وينهى عنه، قولا أو فعلاً أو
اعتقاداً.
(٤) سورة المائدة: الآية ٦٧ .
(٥) وفي (ش): إلا اختار ... إلخ.
(٦) متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها. رواه البخاري في كتاب المناقب ٦/ ٥٦٦،
وأطرافه في: ٦١٢٦، ٦٧٨٦، ٦٨٥٣، ومسلم في الصحيح ٨٠/٣، ومحل الدلالة من
الحديث: ((ما انتقم رسول الله ﴿ لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها)).
وقد علق الحافظ في الفتح على هذا بقوله: فلا يرد أمره بقتل عقبة بن أبي معيط
وعبدالله بن خطل وغيرهما ممن كان يؤذيه لأنهم كانوا مع ذلك ينتهكون حرمات الله.
وقيل: أرادت أنه لا ينتقم إذا أوذي في غير السبب الذي يخرج إلى الكفر، كما عفا عن
الأعرابي الذي جفا في رفع صوته عليه، وعن الآخر الذي جبذ بردائه حتى أثَّر في كتفه.
فتح الباري ٥٧٥/٦.
١٠٢

وأورد النووي في الروضة سؤالاً، فقال: قد يقال هذا ليس من
الخصائص، بل كل مكلف تمكن من إزالة المنكر لزمه تغييره. ثم أجاب
بأن المراد لا يسقط عنه للخوف فإنه معصوم بخلاف غيره، وهذا قد ذكرته
في غضون کلامي.
المسألة التاسعة: كان يجب عليه قضاء دين من مات من
المسلمين معسراً عند اتساع المال. ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة(١)
رضي الله عنه، أن رسول الله وسلم كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين
فيسأل: ((هل ترك لدينه من قضاء؟)) (٢) فإن حدث أنه ترك وفاء صلى عليه
وإلا قال للمسلمين: ((صلوا على صاحبكم)). فلما فتح الله عليه الفتوح قام
فقال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين فترك(٣) ديناً
فَعَليّ قضاؤه، ومن ترك مالاً فلورثته، وحكى الإمام (٤) وجهاً، أنه لم يكن
واجباً عليه بل كان يفعله تكرماً، وبه جزم الماوردي، وقال النووي في
شرح مسلم: كان يقضيه من مال المصالح، وقيل: من خالص ماله(٥).
وعلى الأول هل يجب ذلك على الأئمة بعده من مال المصالح؟ وجهان. وقد
(١) أ- حديث أبي هريرة هذا أخرجه البخاري في كتاب الكفالة ٤٧٧/٤ مع شرح فتح
الباري. وأخرجه أيضاً ٩/١٢، وهو مختصر، ولم يذكر قصة أنه يؤتى بالميت ... إلخ.
وأخرجه أيضاً من حديث سلمة بن الأكوع، في كتاب الكفالة ٤٧٤/٤.
ب - وأخرجه مسلم في الصحيح ٦٢/٥ - ٦٣، من حديث أبي هريرة.
(٢) من قضاء هکذا في (ن د)، وفي (ن جـ ن س): قضاء، بدون زيادة من.
(٣) فترك هكذا في (ن د) بصيغة الماضي، وفي (ن ج): فيترك بصيغة المضارع. والذي أثبتّه
هذا هو الثابت في صحيح البخاري، والله الموفق.
(٤) تقدم غير مرة أن المراد بالإمام إمامُ الحرمين عبدالملك الجويني.
(٥) هذا نص النووي في الشرح المذكور ٦٠/١١ - ٦١: قيل: إنه مسر كان يقضيه من مال
مصالح المسلمين، وقيل: من خالص مال نفسه، وقيل: كان هذا القضاء واجباً
عليه ورَ*، وقيل: تبرع منه.
=
١٠٣

جاء في رواية، قيل: يا رسول الله وعلى كل إمام بعدك؟ قال: ((وعلى كل
إمام بعدي))، ولكنها ضعيفة عزيزة الوجود. وقال الإمام بعد حكايتها: وفي
الإطلاق نظر. لأن من استدان وبقي معسراً حتى مات لم يُقْض دينه من
بيت المال لأنه يلقى الله ولا مظلمة عليه.
قالت عائشة رضي الله عنها: لأن أموت وعليّ مائة ألف وأنا لا أملك
قضاءها أحب إليّ أن أخلف مثلها. وإن ظلمه بالمطال فاعسر(١) فمات ففيه
احتمال، والأوْلى أن لا يقضى، فإن أوجبناه فشرطه اتساع المال وفضله عن
مصالح الأحياء(٢).
ووجه القضاء ترغيبُ أرباب الأموال في معاملة المعسرين. وفي زوائد
الروضة(٣) في باب قسم الصدقات: عن صاحب البيان (٤) حكاية وجهين
في أن من مات وعليه دين ولا وفاء له، هل يقضى من سهم الغارمين؟
= ثم قال: واختلف أصحابنا في قضاء دين من مات وعليه دين فقيل: يجب قضاؤه من
بيت المال، وقيل: لا يجب ومعنى هذا الحديث أن النبي قال: ((إنما أنا قائم
بمصالحكم في حياة أحدكم وموته، وأنا وليه في الحالين، فإن كان عليه دين قضيته من
عندي إن لم يخلف وفاء، وإن كان له مال فهو لورثته، ولا آخذ منه شيئاً، وإن خلف
عيالاً محتاجين ضائعين فليأتوا إليّ فعليَّ نفقتهم ومؤنتهم)).
(١) وفي (ش): ثم أعسر.
(٢) وفي (ن د): وفضله على مصالح (الأحياء) بدل (القضاء). هو ظاهر وجيه كما أثبتّه. وفي
(ن ج - ن س): عن مصالح (القضاء).
(٣) ذكره فيها ٢/ ٣٢٠. وعبارته فيها مطابقة لنقل المؤلف.
(٤) هو الإمام يحيى بن أبي الخير بن سالم بن سعيد بن عبدالله بن محمد بن موسى بن عمران
العمراني اليماني، صاحب كتاب البيان وغيره من المصنفات الشهيرة (م ٤٨٩ -
ت ٥٥٨ هـ). ارجع إلى ترجمته في (ط ش ك) ٣٢٤/٤.
١٠٤

قال: ولم يتبين الأصح منهما، والأصح الأشهر لا يقضى منه. قلت(١):
وحكي ذلك عن أبي حنيفة(٢) ومالك(٣) وغيرهما.
ونقل أبو عبيد(٤) الإجماع عليه(٥)، وهي الدعوى توجب التوقف في
إثبات الوجهين، وكأنه إنما افترق الحي والميت في كونه يقضى عن الغارم في
حياته دون موته أن الحي يحتاج إلى وفاء دينه، والميت إن كان عصى به أو
بتأخيره فلا يناسب حاله الوفاء عنه. وإلا فإنه لا يطالب به، ولا حاجة له،
والزكاة إنما تعطى لمحتاج بخلاف الأداء من غير الزكاة لبراءة ذمته
والتخفيف عنه في الآخرة.
(١) وفي (ش) ما أثبتّه.
(٢) هو الإمام المجتهد نعمان بن ثابت مشهور غني عن التعريف (م ٨٠ - ت ١٥٠ هـ).
ارجع لترجمته في تذكرة الحفاظ ١٦٨/١ .
(٣) مالك بن أنس: هو إمام دار الهجرة المحدّث الفقيه المجتهد المطلق مشهور - غني عن
التعريف - أمير المؤمنين في الحديث (م ٩٣ - ت ١٧٩ هـ). ارجع إلى ترجمته في تذكرة
الحفاظ ٤٠٧/١.
(٤) أبو عبيد: قال فيه الحافظ في التقريب ١١٧/٢: القاسم بن سلام - بالتشديد - البغدادي
أبو عبيد الإمام المشهور، ثقة فاضل مصنف، من العاشرة. ولم أرَ له في الكتب حديثاً
مسنداً بل من أقواله في شرح الغريب.
قلت: وهو متعقب. انظر إلى هامش التقريب ١١٧/٢.
(٥) ذكره في كتاب الأموال ٦١٠/١. ونصه فيه: وإنما افترق الحي والميت، إن يكون الميت
غارماً، لأن الدين الذي أدانه قد تحول إلى غيره وهو الوارث، فإن كان للميت وفاء
لدينه كان في ميراثه وكان ذلك عليه دون الصدقة، وإن يكن له مال فليس على وارثه
شيء، وليس بغارم لأنه ليس هو الذي أدان هذا الدين. فلهذا أجمعت العلماء أن لا
يعطى من الزكاة في دين ميت. وأما الحي فإنه يعطاها بالكتاب والسنّة.
أما الكتاب ففي قوله تعالى: ﴿والغارمين﴾.
وأما السنّة فقول النبي وله لقبيصة بن محارق حين تحمل بحمالة: ((أقم حتى تأتينا الصدقة
فإما أن نعينك عليها وإما أن نحملها عنك)).
١٠٥

المسألة العاشرة (١): كان يجب عليه إذا رأى شيئاً يعجبه أن يقول:
لبيك إن العيش عيش الآخرة، وذكر الرافعي(٢) بصيغة قيل: وجزم به ابن
القاص(٣) في تلخيصه لفظه فيه: وكان ◌َ ل﴿ إذا رأى شيئاً يعجبه قال:
((لبيك إن العيش عيش الآخرة))، ثم قال: هذه كلمة صدرت من
رسول الله قي في أنعم حاله يوم حجه بعرفة (٤) ثم ساقه بإسناده. وفي أشد
حاله يوم الخندق، ثم ساقه بإسناده.
كما ذكرته عنه في كتابي المسمى بالبدر المنير في تخريج أحاديث
(١) وفي (ش): بدون ذكر لفظة مسألة.
(٢) الرافعي: هو الإمام أبو القاسم عبدالكريم بن محمد بن عبدالله (ت ٦٢٣ هـ). ارجع
إلى ترجمته في طبقات الشافعية للسبكي ١١٩/٥ - ١٢٠.
(٣) هو الفقيه أحمد بن أبي أحمد، أبو العباس المطيري، صاحب التلخيص والمفتاح وأدب
القاضي والمواقيت وغيرها (ت ٣٣٥ هـ). (ط ش ك) ١٠٣/٢ - ١٠٤.
وهذا الحديث أخرجه البيهقي في سننه في كتاب الحج ٤٥/٥، من رواية عكرمة عن ابن
عباس رضي الله عنهما، بلفظ: ((لبيك اللهم لبيك إنما الخير خير الآخرة)). ذكره من
خطبة النبي * بعرفات.
وأخرجه موقوفاً على مجاهد، أنه قال: كان النبي * يظهر من التلبية: ((لبيك اللهم
لبيك)) - حتى إذا كان ذات يوم - قلت: هو يوم عرفة - والناس ينصرفون عنه فكأنه
أعجبه ما هو فيه فزاد فيها لبيك إن العيش عيش الآخرة. قال ابن جريج: والسبب أن ذلك
كان يوم عرفة. وأخرجه البيهقي أيضاً في كتاب النكاح ٤٨/٧. وبوّب له فيه كما فعل
المصنف .
وذكره الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ١٢١/٣ وقال: وليس في ذلك ما يدل على
الوجوب .
(٤) وثبت على هامش (ن د) من تعليق بعض العلماء: يستحب ذلك في حق الأمة عند معاينة
ما يكره كما قال الأذرعي، أخذاً من كلام الشافعي.
وأما قصة الخندق فقد يقال: قاله عند انشراح صدره إذ رآهم على ما يجب لأنهم كانوا
فيما هم فيه وصدورهم منشرحة لذلك، فانشرح صدره لذلك.
١٠٦

الرافعي الكبير للإمام أبي القاسم الرافعي، وهو الكتاب الذي لا يستغنى
عنه(١).
المسألة الحادية عشرة: كان عليه أداء فرض الصلاة كاملة لا
خلل فيها، قاله الماوردي. وقد تقدم في المسألة الرابعة(٢) مثله عن حكاية
الإمام، وذكره العراقي(٣) في شرح المهذب أيضاً.
المسألة الثانية عشرة: كان يلزمه كل تطوع يبتدىء به، حكاه
البغوي(٤) عن بعضهم، وسيأتي منزعه في المسألة الخامسة من النوع الثاني.
المسألة الثالثة عشرة: عد ابن القاص أموراً أخرى(٥) ومنه
نقلتها، منها أن يدفع بالتي هي أحسن(٦)، ومنها أنه كلف من العلم وحده
(١) ولم أتمكن من مراجعة أصل البدر المنير، ولكني رجعت إلى مختصر البدر المنير ص ١٨ .
قال المؤلف رحمه الله تعالى: حديث لبيك إن العيش عيش الآخرة رواه الشافعي والبيهقي
من رواية محمد بن موسى، وفيه سعيد القداح وثقه ابن معين وغيره، وقال بعضهم فيه:
إنه ليس بحجة .
ورواه متصلاً بدون سعيد من رواية عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن
رسول الله ﴿ وقف بعرفات قال: ((لبيك اللهم لبيك إن الخير خير الآخرة)). وقال:
حديث صحيح، اهـ.
(٢) تقدم ص ٨٧.
(٣) زين الدين العراقي. تقدمت ترجمته، وهو من أقران ابن الملقّن.
(٤) ذكره في المسألة الخامسة كما سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى بعنوان: ((كان يحرم عليه إذا
لبس لأمته أن ينزعها)) وفيه ما ذكره من كلام البغوي.
(٥) دعوى الخصوصية في هذه الأمور تحتاج إلى دليل، ولعله أخذ من ظاهر القرآن
والحديث، وهو لا يكفي في ذلك، والله أعلم.
(٦) وثبت على هامش (ن د) من تعليق بعض العلماء: هي معاملة الناس بالجميل مع فعلهم
القبيح .
قلت: ويدل له قوله تعالى: ﴿ادفع بالتي هي أحسن نحن أعلم بما يصفون﴾. سورة
المؤمنين: الآية ٥٦ .
١٠٧

ما كلفه الناس بأجمعهم، ومنها أنه كان يغان على قلبه فيستغفر الله(١)
ويتوب إليه في اليوم سبعين مرة، ومنها أنه يؤخذ عن الدنيا.
(١) أما حديث الاستغفار فمتفق عليه أخرجه خ وم:
أ - أخرجه خ ١٠١/١١، في كتاب الدعوات، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
ب - وأخرجه م ٧٢/٨، في كتاب الدعاء والذكر، من حديث الأغر المزني رضي الله
عنه، بلفظ: إن رسول الله * قال: ((إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة
مرة)) .
قال الحافظ في الفتح ١٠١/١١: من ادّعى الخصوصية كأنه حمل الاستغفار على
الوجوب .
كلمة في الغين:
قال الحافظ في الفتح ١٠١/١١، نقلاً عن القاضي عياض: المراد بالغين فترات عن
الذكر الذي شأنه أن يداوم عليه فإذا فتر عنه لأمرٍ مّا عدّ ذلك ذنباً فاستغفر منه. وقيل:
هو شيء يعتري القلب مما يقع من حديث النفس.
ومن الإشكالات عندهم: فيمَ يستغفر النبي م # وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما
تأخر؟ أجاب الحافظ بأجوبة، وأقربها إلى الصواب أن استغفاره ما تشريع لأمته أو من
ذنوب الأمة فهو كالشفاعة لهم.
قلت: وقد يكون تعبدياً، لأنه مظهر من مظاهر العبودية التي يدعو إليها النبي بح 4*، فهو
يستغفر لإظهار العبودية لله تعالى.
خاتمة: إلى هنا انتهى القسم الأول من الواجبات المتعلقة بغير النكاح وجملتها ثلاث عشرة
مسألة.
١٠٨

القسم الأول
الواجب المتعلق بالنكاح(١)
الأول: كان يجب عليه تخيير زوجاته بين اختيار زينة الدنيا ومفارقته
وبين اختيار الآخرة والبقاء في عصمته، ولا يجب ذلك على غيره.
قال الله تعالى: ﴿يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا
وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً﴾(٢) إلى قوله: ﴿أجراً
عظيماً).
واختلف في سبب نزولها على أقوال:
إحداها: أن نساءه تغايرن عليه فحلف أن لا يكلمهن شهراً ومكث
في غرفته شهراً(٣).
(١) الأولى التعبير بالقسم الثاني من النوع الأول .. إلخ. وهذا شروع في الواجبات المتعلقة
بالنكاح، وقد قدّمت أن المؤلف قسّم الواجبات إلى متعلق بالنكاح وغيره كما فعل في
المحرمات التي تلي هذا القسم.
(٢) سورة الأحزاب: الآية ٢٨.
(٣) أ- حديث الإيلاء. أخرجه خ ٤٢٥/٩، من حديث أنس رضي الله عنه، بلفظ: آلَى
رسول الله # من نسائه وكانت انفكت رجله فأقام في مشربة له تسعاً وعشرين، ثم نزل
فقالوا: يا رسول الله آليت شهراً، آليت شهراً. فقال: ((الشهر: تسع وعشرون)).
ب - وأخرجه مسلم ٨٠/١٠، من حديث جابر بن عبدالله الأنصاري وهو حديث
طويل، ذكر فيه: ((أن الناس استأذنوا رسول اللهوسلم. ولم يأذن لهم وأن أبا بكر استأذنه =
١٠٩

قال الغزالي: فأمر يتخييرهن لأن الغيرة توغر الصدور وتنفر القلب
وتوهن الاعتقاد.
ثانيها: أنهن اجتمعن وقلن: نريد كما يريد النساء من الحلي والثياب
فطالبنه بذلك وليس عنده فتأذى، وإلزامهن الصبر على الفقر يؤذيهن،
ومطالبتهن إياه بذلك يؤذيه. فأمر بإلقاء زمام الأمر إليهن ليفعلن ما يخترنه.
ونزّه منصبه العالي عن التأذي والإيذاء.
وقيل: إن بعض نسائه التمست منه خاتماً من ذهب فاتخذ لها خاتماً
من فضة وصفّره بالزعفران فسخطت.
ثالثها: أن الله تعالى امتحنهن بالتخيير ليكون لرسوله وصله خير
النساء .
رابعها: أن الله تعالى خيّره بين الغنى والفقر(١) فاختار الفقر،
فأمره الله بتخيير نسائه لتكون من اختارته منهن موافقة لاختياره.
= فأذن له، ثم استأذنه عمر فأذن له. فلما دخل فوجد النبي مثل جالساً وحوله نساؤه واجماً
ساكتاً ... الحديث.
وفيه: ((أنه اعتزلهن شهراً أو تسعاً وعشرين ثم نزلت عليه هذه الآية: ﴿يا أيها النبي قل
لأزواجك﴾ قال: فلما نزلت فبدأ بعائشة ... القصة بطولها.
قلت: وهذا يقوي ما ذكره المؤلف من ثاني الأقوال في سبب نزول الآية الكريمة. وإن
كان هذا ليس مصرحاً به في رواية الصحيحين.
(١) قال الحافظ في التلخيص الحبير ١٢٢/٣: ويدل عليه ما رواه النسائي من حديث ابن
عباس رضي الله عنهما: ((إن الله خيّره بين أن يكون نبياً عبداً، وبين أن يكون ملكاً نبياً
فاختار أن يكون عبداً نبياً)). وفي الباب أحاديث، منها حديث عمر في الصحيحين وفيه
ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا.
أ - أخرجه خ في كتاب النكاح ٢٧٨/٩، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما في سؤاله
عمر رضي الله عنه عن المرأتين من أزواج النبي # اللتين قال الله تعالى: ﴿إن تتوبا
﴾ الآية. وذكر الحديث بطوله.
إلى الله فقد صَغَتْ قلوبُكما .
=
١١٠

وعبارة الرافعي: المعنى أنه عليه الصلاة والسلام آثر لنفسه الفقر
والصبر عليه، فأمر بتخييرهن لئلا يكون مُكرهاً لهن على الفقر والصبر.
قلت: سيأتي قريباً أن إيلاءه وس - كان من نسوته سنة تسع، وتخييره
بعدها، وهذا يضعّف أن سبب النزول ما كن فيه من ضيق العيش لأنه والآن
وسع له في آخر عمره وكان له سهمه من خيبر وغيره. وذكر(١) الرافعي
مثل هذا الكلام على الكفاءة (٢) - أعني أنه وَّل اختار الفقر - وقد يعارضه ما
ثبت في الحديث الصحيح(٣) أنه كان يتعوذ من الفقر وقد ذكر ذلك في باب
قسم الصدقات (٤).
خامسها: أن سبب نزولها قصة(٥) مارية في بيت حفصة رضي الله
= ب - ومسلم في الصحيح ٨٠/١٠ - ٩٤، في كتاب الطلاق، من حديث ابن عباس،
عن عمر رضي الله عنهما، بطوله .
قلت: وأخرج خ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في كتاب الرقاق ٢٨٣/١١، قال:
قال رسول الله : ((اللهم ارزق آل محمد قوتاً). والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
انظر البداية والنهاية لابن كثير ٤٨/٦. وقد ترجم لهذه الأحاديث بقوله: باب زهده عليه
السلام وإعراضه عن هذه الدار. فشفى فيه وكفى .
(١) وفي (ن ج - ن س): وذكره الرافعي. بإثبات الضمير، والمثبت هنا من (ن د).
(٢) والمثبت هنا من (ن د)، وفي (ن ج - ن س): على الكفارة.
(٣) وسيأتي - للمؤلف - الجمع بينهما قريباً، وأنه لا تعارض بين ذلك لانفكاك الجهة، والله
الموفق .
(٤) وفي (ن د): وقد ذكره لذلك في باب قسم الصدقات.
والمعنى على هذا: أن الرافعي ذكر الأحاديث التي تدل أن النبي # آثر لنفسه الفقر،
وأخرى دلت على استعاذته من الفقر، فجمع بينهما بأنه وهو استعاذ من فقر القلب، أو
الذي لا يحصل معه الكفاف، وآثر التقلل من الدنيا وعدم الاحتفال بها، والله أعلم.
(٥) وهي قصة مشهورة ورفع الناس حديثه من طرق شتی:
أ - أخرجه البخاري في كتاب التفسير ٦٥٦/٨، من حديث عائشة رضي الله عنها.
ب - وأخرجه م في كتاب الطلاق ٧٣/١٠، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما . =
١١١

عنهما، وقيل: بل قصة العسل الذي شربه 18 في بيت زينب بنت جحش،
وتواطأت عائشة وحفصة على أن يقولا له عليه الصلاة والسلام: إنا نجد
منك ريح مغافير، فحرمه النبي لة على نفسه ونزل فيهما ﴿إن تتوبا إلى الله
فقد صَغَتْ قلوبُكما﴾(١). كما أخرج في الصحيح(٢) من حديث عائشة
رضي الله عنها.
والمغافير(٣) بالغين المعجمة: صمغ حلو كالناطف له رائحة كريهة،
وأُبعدَ من قال: إن له رائحةً حسنةً.
= بلفظ: ((إذا حرم الرجل امرأته فهي يمين يكفرها)). وقال: ﴿لقد كان لكم في رسول الله
أسوة حسنة﴾ .
جـ ـ وأخرج ابن جرير في تفسيره ١٠١/٢٨، بطرق، من حديث ابن عباس رضي الله
عنهما، قال: كانت حفصة وعائشة متحابتين وكانتا زوجتيْ النبي ##، فذهبت حفصة إلى
أبيها فتحدثت عنده فأرسل النبي # إلى جاريته فظلت معه في بيت حفصة، وكان اليوم
الذي يأتي فيه عائشة رضي الله عنها، فرجعت حفصة فوجدتهما في بيتها فجعلت تنتظر
خروجهما وغارت غيرةً شديدةً، فأخرج رسول الله وي فر جاريته ودخلت حفصة رضي الله
عنها، فقالت: قد رأيت من كانت عندك والله لقد سؤتني، فقال النبي وعثر: ((والله
لأرضينك فإني مُسر إليك سراً فاحفظيه)). قالت: ما هو؟ قال: ((إني أشهدك أن سريتي
هذه علي حرام إرضاء لك)).
وكانت حفصة وعائشة رضي الله عنهما تظاهران على نساء النبي وم. فانطلقت حفصة إلى
عائشة رضي الله عنهما فأسرت إليها أن أبشري أن النبي وم لف* قد حرم عليه فتاته.
9
فلما أخبرت بسر النبي ◌َّ فأنزل الله على رسوله: ﴿يا أيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ ما أحل الله
لك ... ) الآية.
(١) سورة التحريم: الآية ٤.
(٢) أ- أخرجه البخاري ١٥٩/٨، في التفسير، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
ب - ومسلم في كتاب الطلاق ٨٥/١٠ من حديثه أيضاً.
جـ ـ والبيهقي في السنن ٣٦/٨، وأشار إلى أنه في الصحيحين.
(٣) حلوى شامية تشبه الدبس ولكنه أبيض.
١١٢

وحكى الحنّاطي(١) - بالحاء المهملة ثم نون - من أصحابنا وجهاً أن
التخيير لم يكن واجباً عليه وإنما كان مندوباً، والمشهور الأول. فلما نزلت
الآية بدأ بعائشة فاختارته كما أخرج في الصحيح، ثم أخبر به باقي نسائه
كما هو مخرج في الصحيح(٢) أيضاً، وبه قال الأكثرون. وقال الماوردي: إلا
فاطمة بنت (٣) الضحّاك الكلابية وكان قد دخل بها، فاختارت الحياة الدنيا
وزينتها فسرّحها فلما كان في زمن عمر رضي الله عنه وجدت تلقط البعر
وتقول: اخترت الدنيا على الآخرة فلا دنيا ولا آخرة.
وقال ابن الطلاع(٤): إنها كانت تلقط البعر وتقول: إنها الشقية.
(١) الحناطي: هو الإمام الجليل الحسين بن محمد بن عبدالله أبو عبدالله الحناطي - بحاء
مهملة بعدها نون مشددة - الطبري من أهل طبرستان، وفاته قبل الأربعمائة بقليل أو
بعدها. انظر إلى ترجمته في (ط ش ك) ١٦٠/٣.
(٢) أ - أخرجه خ في كتاب الطلاق ٣٦٧/٩، من حديث عائشة رضي الله عنها.
ب - ومسلم في الصحيح في كتاب الطلاق ٧٨/١٠، من حديثها أيضاً.
(٣) هذه المرأة الكلابية اختلف في اسمها، فقال قائل: هي فاطمة بنت الضحاك بن سفيان
الكلابي، وقال قائل: عمرة بنت يزيد، وقال قائل: العالية بنت ظبيان، وقال قائل: هي
سبا بنت سفيان بن عوف.
وبهذا اختلفوا هل هي كلابية واحدة أو أكثر، وهل الاختلاف في الاسم أو تعددت.
فقد ذكر ابن سعد في الطبقات ١٤١/٨ بسند فيه الواقدي من مراسيل الزهري، قال:
هي فاطمة بنت الضحاك بن سفيان فاستعاذت منه فطلقها، فكانت تلقط البعر وتقول:
أنا الشقية. وتزوجها رسول الله ## في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة وتوفيت سنة
ستین. اهـ.
ثم ساق ابن سعد ١٤١/٨ سنداً آخر عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله
عنها، قالت: تزوج النبي ( * الكلابية، فلما دخلت عليه فدنا منها قالت: إني أعوذ بالله
منك، فقال رسول الله ( *: ((عذتِ بعظيم، إلحقي بأهلك)).
قلت: وهذا يدل على أنها استعاذت منه فطلقها، ولكن سيأتي أن المستعيذة هي ابنة
الجون كما ثبت في الصحيح، عن عائشة رضي الله عنها.
(٤) ابن الطلاع: هو الإمام أبو عبدالله محمد بن فرج مولى محمد بن يحيى بن الطلاع
القرطبي المالكي (ت ٤٩٧ هـ).
١١٣
=

وكانت تحته قتيلة بنت قيس(١)، وإنه أوصى بتخييرها في مرضه فاختارت
فراقه قبل الدخول.
وقال الماوردي: وفي الآية دليل على أحكام خمسة (٢):
أ - أن الزوج إذا أعسر بالنفقة لها خيار الفسخ.
ب - وأن المتعة تجب للمدخول بها إذا طلقت (٣).
جـ ـ وجواز تعجيلها قبل الطلاق (٤).
د - وأن السراح الجميل صريح في الطلاق.
هـ ـ وأن المتعة غير مقدرة شرعاً(٥).
ورأيت في كتاب الأقسام والخصال(٦) لأبي بكر الخفّاف(٧) من قدماء
أصحابنا أن في تخييره 18 زوجاته تسع دلائل، فذكر الثلاثة الأول من
= العبر ٣٤٩/٣. قلت: وقوله هذا في أقضية رسول الله مع الحر ص ٣٨١ فما بعدها.
(١) وهي أخت الأشعث بن قيس بن معد يكرب الكندية.
فقد ذكر ابن سعد في الطبقات ١٤٧/٨ بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما، قال: لما
استعادت أسماء بنت النعمان من النبي وس#، خرج والغضب يعرف في وجهه. فقال له
الأشعث بن قيس: لا يسؤك يا رسول الله ألا أزوجك من ليس دونها في الجمال
والحسب، قال: ((من؟)) قال: أختي قتيلة. قال: ((قد تزوجتها)). قال: فانصرف الأشعث
إلى حضرموت فحملها حتى إذا فصل من اليمن بلغه وفاة النبي # فردها إلى بلاده
وارتد وارتدت فيمن ارتد. ولذلك تزوجت لفساد النكاح بالارتداد.
وذكر قصة زواج عكرمة بن أبي جهل منها ووجد أبي بكر رضي الله عنه لذلك، كما سيأتي
في مباحث النساء الشريفات إن شاء الله تعالى.
(٢) يستنبط منها ذلك.
(٣) وأما التي طلقت قبل الدخول، لها نصف الصداق دون المتعة.
(٤) لظاهر الآية: ﴿أُمَتِّعْكُنَّ وَأْسَرِّحْكُنَّ ... ) الآية.
(٥) وإنما هي على حسب وجد الشخص وسعة حاله.
(٦) هذا الكتاب لم أره في شيء من الكتب المطبوعة والمخطوطة، وقد سألت عنه الشيخ حماد
الأنصاري، فقال: لا يوجد.
(٧) أبو بكر الخفّاف، مبارك بن كامل. انظر فهرس طبقات الشافعية للسبكي ٢٢٤/٧.
١١٤

كلام الماوردي. وأن التخيير ليس بطلاق(١). وأنها متى اختارت فراقه وجب
عليه الطلاق(٢). وأن الخيار عليه دون سائر أمته، وأنه غير جائز(٣) أن
يتزوج كافرة، وأن أزواجه محرمات على التأبيد (٤)، إلا أن تكون مطلقة غير
مدخول بها، هذا لفظه إذا تقرر ذلك فتنبه لأمور:
أحدها: من اختارت منهن الحياة الدنيا، هل كان يحصل الفراق
بنفس الاختيار؟ فيه وجهان لأصحابنا أحدهما: نعم كما لو خيّر غيره زوجته
ونوى تفويض الطلاق إليها واختارت نفسها.
وأصحهما لا، لقوله تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً
جميلاً﴾(٥). ولو جعل الفراق باختيارها لما كان للتسريح معنى، ولأنه تخيير
بين الدنيا والآخرة كما لو خيّر واحد من الأمة زوجته فاختارت الدنيا.
وفي السراح الجميل تأويلات(٦).
أ - أحدها: أن يطلق دون الثلاث.
(١) هذا ثبت في حديث صحيح أخرجه الشيخان:
أ - أخرجه البخاري في كتاب الطلاق ٣٦٧/٩، بسنده المتصل إلى عائشة رضي الله
عنها، قالت: خيّرنا رسول الله مح له، فاخترنا الله ورسوله فلم يعدّ ذلك علينا شيئاً.
ب - وأخرجه م في كتاب الطلاق أيضاً ٧٩/١٠، من حديثها رضي الله عنها.
(٢) هذه الخصلة والتي بعدها هما محطّ الخصوصية.
(٣) المثبت من (ن د). وفي (ن ج - ن س): وأنه جائز أن يتزوج ... إلخ.
(٤) هذا مما دلّ عليه صريح التنزيل وأجمع عليه العلماء. إلا أن تكون مطلقة قبل الدخول،
ففيها خلاف سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى.
(٥) سورة الأحزاب: الآية ٢٨.
واستدلاله بها جيد حسن، ولله درّ مؤلفه رحمه الله تعالى. وقد أوفى البحث حقه فيما
يحتاج إليه من فقهيات، والله الموفق.
(٦) هذه المباحث مرجعها إلى الفروع الفقهية، ومن أراد الاطلاع فعليه أن يرجع إلى مظانها
من كتب الفروع، وهي مخرجة على قواعد مذهب الشافعي رضي الله عنه.
١١٥

ب - وثانيها: أن يوفى فيه المهر والمتعة.
جـ ـ وثالثها: أنه التسريح من الطلاق دون غيره.
د - ويحتمل رابعاً أبداه ابن القشيري(١) في تفسيره، وهو أن يكون في
مستقبل العدة في طهر لم يجر فيه جماع.
وقال الماوردي: هل كان التخيير بين الدنيا والآخرة أو بين الطلاق
والمقام؟ فيه قولان للعلماء(٢). وأشبههما بقول الشافعي الثاني. ثم قال
بعده: إنه الصحيح، فعلى الأول لا شيء حتى يطلق. وعلى الثاني فيه
وجهان، أحدهما: أن تخييره كتخيير غيره يرجع إلى نيته ونيتها. وثانيهما:
أنه صريح في الطلاق لخروجه مخرج التغليظ.
وعن أبي العباس الروياني حكاية وجهين، في أن قولها: اخترت
نفسي هل يكون صريحاً في الطلاق؟ حكاهما الرافعي عنه. والظاهر أنه ما
حكاه الماوردي أيضاً.
فإن قلنا: تحصل الفرقة بالاختيار أو بوقوع الطلاق، فطلقها دون
الثلاث، ففي كونه رجعياً كما في حق غيره، أو بائناً تغليظاً لأن الله عز
وجل غلظ عليه في التخيير فيغلظ عليه الطلاق، وجهان حكاهما الماوردي .
ثم في التحريم على التأبيد وجهان:
إحداهما: لا، ليكون سراحاً جميلاً.
وثانيهما: نعم، لاختيارها الدنيا على الآخرة فلم تكن من أزواجه في
الآخرة، وحكاهما الرافعي عن أبي العباس الروياني أيضاً.
(١) ابن القشيري: هو عبدالكريم بن هوازن بن عبدالملك النيسابوري القشيري الشافعي أبو
القاسم، من تصانيفه: التيسير في التفسير (ت ٤٦٥ هـ).
(٢) قلت: الظاهر أن التخيير بين الطلاق والمقام.
١١٦

ثانيها: هل يعتبر أن يكون جوابهن على الفور؟ فيه وجهان
أصحهما في أصل الروضة: لا(١). ويجوز فيه التراخي وبه قطع القاضي ابن
كج (٢)، لقوله ويله لعائشة رضي الله عنها: ((لا تبادريني بالجواب حتى
تستأمري أبويك)). متفق عليه من حديثها(٣).
واعترض الشيخ أبو حامد على هذا الاستدلال، فإنه عليه الصلاة
والسلام صرح بتراخي خيارها إلى مراجعة أبويها والكلام في التخيير
المطلق. قال الرافعي: وحكاه الإمام عن الأصحاب (٤).
وهما مبنيان على الوجهين في حصول الفراق بنفس الاختيار. فإن
قلنا به وجب أن يكون على الفور وإن قلنا: لا، فيه التراخي. وقال
الإمام: لا يجوز. كما لو قال الواحد منا لزوجته: طلقي نفسك. ففي كون
جوابها على الفور أو على التراخي قولان.
(١) ذكره في روضة الطالبين للإمام النووي ٥/٧.
(٢) هو الإمام يوسف بن محمد بن كج أبو القاسم القاضي الدِّيْنَوَري.
قال فيه ابن خلكان: ألّف كتباً كثيرة، انتفع بها الفقهاء. وقال اليافعي: كان يضرب به
المثل في حفظ المذهب الشافعي.
قتله العيارون في سنة ٤٠٥ هـ في دِيْنَوَر - بكسر الدال وإسكان الياء المثناة تحت وفتح
النون والواو - ونال الشهادة رحمه الله تعالى. له ترجمة في المشتبه ص ٥٤٥؛ طبقات
الشافعية للسبكي ٨٧/٣؛ الأعلام ٢٨٤/٩.
(٣) أ- أخرجه البخاري في كتاب الطلاق ٣٦٧/٩، من حديث عائشة رضي الله عنها.
ب - أخرجه مسلم في كتاب الطلاق أيضاً ٧٨/١٠، من حديثها أيضاً. وذلك لما نزلت
آية الأحزاب فقال لها النبي #: ((إني ذاكر لك أمراً فلا تبادريني بالجواب حتى تستأمري
أبويك)). وفيه أنها قالت بعدما تلا عليها الآية الكريمة: في هذا أوامر أبويّ؟! بل
اختار الله ورسوله .
(٤) الأصحاب هم طائفة الشافعية ووجهاء شيوخ المذهب الذين اشتهروا بخدمته في تحرير
مسائله ومعرفة أصوله وأدلته طبقة بعد أخرى.
١١٧

قال الإمام: وبناء على هذا، الخلاف السابق عندنا في غاية الضعف
لأجل الخبر(١). وإن قال متكلف: ما جرى من النبي ◌َّ لعائشة رضي الله
عنها تخيرٌ ناجز في حقنا، قلنا: فلم اكتفى النبي ◌َّه باختيارها الله ورسوله
ورآه جواباً عن التخيير، فلا حاصل لذكر الخلاف(٢) في اعتبار الفور وعدمه
مع جزمه بحصول الفراق بالاختيار، لكنه بناه على أن تلك فرقة طلاق أو
فسخ وفيه وجهان، فإن قلنا فرقة طلاق فهي على الفور وإلا فعلى
التراخي (٣).
(فرع): إن جعلنا على الفور فيمتد بامتداد المجلس أم يعتبر الفورية
المعتبرة في الإيجاب والقبول فيه، حكاهما الرافعي عن الهروي (٤).
ثالثها: هل كان يحرم عليه، عليه الصلاة والسلام طلاق من
اختارته؟ فيه وجهان لأصحابنا. أحدهما وبه قطع الماوردي، ونص عليه
الشافعي في الأم: نعم(٥)، كما يحرم إمساكها لو رغبت عنه(٦)، ومكافأة لهن
(١) الخبر: هو قوله : ﴿ لعائشة: ((لا تبادريني بالجواب ... )) الحديث. فإنه صريح أن
الجواب ليس على الفور، ولكن الفقهاء مولعون بتفريع المسائل استمتاعاً بالعلم الذي
وضعه الله في قلوبهم.
(٢) وفي هذا الكلام إنصاف مقبول وتقرير حسن أنه لا حاصل لذكر الخلاف.
(٣) ولم يتضح لي وجه التفرقة بينهما في هذا الفرع.
(٤) هو الإمام الجليل أحمد بن محمد بن عبدالرحمن أبو عبيد الهروي، صاحب الغريبين في
لغة القرآن ولغة الحديث، أخذ اللغة عن الأزهري وغيره (ت٤٠١ هـ). (ط ش ك)
٣٤/٣.
(٥) وهو في الأم ١٢٥/٥. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وأنا فرض الله عز وجل على
النبي * إن اخترن الحياة الدنيا أن يمتعهن فاخترن الله ورسوله فلم يطلق واحدة منهن.
فكل من خيّر امرأته فلم تختر الطلاق فلا طلاق عليه. وقال أيضاً: وكذلك كل من خيّر
فليس له الخيار بطلاق حتى تطلق المخيرة نفسها، اهـ.
(٦) فيكون في هذا دليله القياس، وقد تقدمت مسألة تحريم إمساك من كرهت نكاحه،
واستدل بقصة ابنة الجون المستعيذة.
١١٨

على صبرهن، وبه يُشعر قوله تعالى: ﴿ولا أنْ تَبَدَّلَ بهن من
أزواج ... ﴾(١) الآية. فإن التبدل (٢) فراقهن وتزوج غيرهن ففي تحريمه
تحريم مفارقتهن. وأظهرهما عند الإمام والرافعي في شرح الصغير،
والنووي في أصل الروضة: لا. كما لو أراد واحد من الأمة طلاق زوجته لا
يمنع منه(٣) وإن رغبت فيه، ولأن التبدل معناه مفارقتهن(٤) والتزوج بأمثالهن
بدلاً عنهن، وذلك مجموع أمرين فلا يقتضي المنع من أولهما، قال الإمام:
وادعاء الحجر على الشارع في الطلاق بعيد.
وفيه وَجْهٌ ثالث: أنه يحرم عقب اختيارهن ولا يحرم إذا انفصل عنه.
فإن قلت: هل يستدل للوجه الأظهر أنه عليه الصلاة والسلام طلق حفصة
وراجعها(٥). وعزم على طلاق سودة فوهبت يومها لعائشة (٦) رضي الله
عنها، قلت: لا. فإن الماوردي قال: كان ذلك قبل التخيير، وكذا قصة
الإفك، وقول علي رضي الله عنه - لما استشاره عليه الصلاة والسلام في
فراق أهله: لم يضيّق الله عليك، النساءُ كثيرٌ سواها. لعله قبل نزول آية
(١) سورة الأحزاب: الآية ٥٢.
(٢) وفي (ن د): فإن التبادل. ولا وجه له من الآية.
(٣) وهذا هو الأصل، إذ لا خصوصية إلا بدليل صحيح.
(٤) وفي (ش): بزيادة ((أولا)).
(٥) هذا موافق لما سبق أن سبب التخيير قصة مارية في بيت حفصة لأنها لما استكتمها
الرسول وَ﴿ وحرم على نفسه أمَتَهُ، ولم تكتم فحدثت بذلك عائشة فطلقها النبي وصثار،
ونزلت آية التخيير.
حديث أن النبي # طلق حفصة ثم راجعها:
أ - أخرجه أبو داود في السنن ٥٣١/١، من حديث عمر، من غير الزيادة.
ب - والنسائي في المجتبى ٢١٣/٦.
جـ ـ والبيهقي في السنن الكبرى ٣٢١/٧ - ٣٢٢.
(٦) حديث أن النبي _ أراد فراق سودة فقالت: لا تفارقني ودعني حتى يحشرني الله في
أزواجك، وأنا أهب ليلتي ويومي لأختي عائشة رضي الله عنها. ولم يذكر سنداً ١٤٣/٥.
كتاب الأم للإمام محمد بن إدريس الشافعي، وهذا سيأتي إن شاء الله .
١١٩

التخيير، وقد صرح به ابن الجوزي فقال: كان إيلاؤه عليه الصلاة والسلام
سنة تسع من الهجرة والتخيير بعدها، لكن اصطفى رسول الله موص له صفية
بنت حيي من سبي خيبر سنة سبع وتزوجها. وادعى الماوردي أن تزوجَه
لها كان بعد نزول آية التخيير.
رابعها: لما خير عليه الصلاة والسلام زوجاته كافأهن الله على
حسن صنيعهن بالجنة فقال: ﴿إِنَّ الله أُعَدَّ للمُحْسِنَاتِ﴾ أي: المختارات(١)
﴿منكن أجراً عظيماً﴾(٢) أي: الجنة، ومن للبيان لا للتبعيض وبأن حرم
على رسوله التزوج عليهن، والاستبدال بهن فقال تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لك
النساءُ مِنْ بعدُ ولا أن تَبَدَّلَ بهن من أزواج ... ﴾(٣) الآية. لكن نسخ
ذلك لتكون المنة لرسول الله وَلقه، بترك التزوج عليهن بقوله تعالى: ﴿يأيها
النبي إنا أُحْلَلْنا لك أزواجك ... ﴾(٤) الآية. قالت عائشة رضي الله عنها:
((ما مات رسول الله وَ ل﴿ حتى حل له النساء)).
رواه الشافعي(٥)، وأحمد، والترمذي، وقال: حسن صحيح وصححه ابن
حبان والحاكم(٦). وعائشة بهذا الشأن أخبر.
(١) هكذا فسّر الإحسان باختيارهن الله ورسوله وعليه، ولكن الذي يظهر من سياق الآية أنه
أعم من ذلك، وإن كان ما فسّر به يدخل فيها دخولاً أولياً.
(٢) سورة الأحزاب: الآية ٢٩.
(٣) سورة الأحزاب: الآية ٥٢.
(٤) سورة الأحزاب: الآية ٥٠.
(٥) أ- أخرجه في الأم ٥/ ١٤٠، من طريق الربيع، عن الشافعي، عن سفيان، عن عمرو،
عن عطاء، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: ((مامات رسول الله وم فر حتى أحل له النساء)).
ثم قال: أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: کأنها تعني اللاتي حظرن عليه، اهـ.
ب - وأحمد في المسند ٤١/٦، من حديثها أيضاً.
جـ ـ والترمذي في الجامع ٧٨/٩، عند تفسير سورة الأحزاب، من حديث عائشة
کذلك، وقال: حسن صحيح.
(٦) أخرجه الحاكم ٤٣٧/٢، في كتاب التفسير، من حديث عائشة، وقال: صحيح على
شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
١٢٠