النص المفهرس
صفحات 81-100
لكن قال النووي في شرح المهذب (١) في كلامه على الوتر: إن من خصائصه *، جواز فعل هذا الواجب الخاص به عليه على الراحلة. وفي ذهني أن القرافي المالكي (٢) ادعى وجوبه عليه في الحضر دون السفر، وهو كما ظننت، فإنه قال: فعل الوتر في السفر على الراحلة والوتر لم يكن واجباً عليه إلا في الحضر صرح به في شرح المحصول، وشرح التنقية، والحليمي (٣) في شعب الإيمان، والشيخ عز الدين (٤) في قواعده(٥). ثانيها: روى الترمذي (٦)، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، قال: كان النبي وَله يصلي الضحى حتى نقول لا يدعها، (١) راجع المهذب ٢٠/٤. (٢) هو الإمام الجليل أبو العباس أحمد بن إدريس بن عبدالرحمن شهاب الدين الصنهاجي القرافي، نسب إلى القرافة بفتح القاف محل قبر الإمام الشافعي بالقاهرة. (م ٦٨٤ - .... ). الأعلام ٩٠/١. (٣) هو الحافظ أبو عبدالله الحسين بن الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الشافعي (م ٣٨٨ - ت ٤٠٣ هـ). قلت: تاريخ الوفاة فيه نظر. ارجع إلى ترجمته ٣٣٣/٤ - ٣٣٤ في تذكرة الحفاظ ١٠٣٠/١٠؛ وطبقات الشافعية للسبكي ٣٣٣/٤ - ٣٣٤؛ وذكره في الشعب ص ٢٠١، في ضمن مباحث قيام الليل. (٤) هو الإمام شيخ الإسلام عبد العزيز بن عبدالسلام بن أبي القاسم بن حسن بن محمد السلمي سلطان العلماء (م ٥٧٨ - ت ٦٦٠ هـ). له ترجمة في: البداية والنهاية ٢٣٥/١٣؛ طبقات الشافعية للسبكي ٨٠/٥؛ العبر ٢٦٠/٥؛ شذرات الذهب ٣٠١/٥. (٥) ارجع إلى كتاب قواعد الأحكام في مصالح الأنام وهو القواعد الكبرى ٣٨/١ - ٣٩؛ والصغرى ٥٦/١ - ٥٧، في مراتب الرواتب. ونقل الحافظ ابن حجر - في التلخيص الحبير ١٢٠/٣ - عنهما. (٦) في الجامع ٥٨٦/٢، وقال: حسن غريب. قلت: لعله بالاعتضاد، لأن في سنده فضيل بن مرزوق وعطية بن سعيد بن جنادة العوفي وهما ضعيفان. ٨١ ويدعها حتى نقول لا يصلي، ثم قال: حسن غريب. وهو بظاهره يقتضي عدم الوجوب. وكذا حديث عبدالله بن شقيق: قلت لعائشة: أكان النبي ◌َلم يصلي الضحى؟ قالت: لا إلا أن يجيء من مغيبه. رواه مسلم(١). وحديثها أيضاً: ما رأيت رسول الله وَ له يسبح سبحة الضحى وإني لأسبحها. رواه البخاري ومسلم(٢). ولم أر من قال به، ونقله النووي في شرح المهذب عن العلماء، أنه وَالرّ كان لا يداوم على صلاة الضحى مخافة أن تفرض على الأمة فيعجزوا عنها، وكان يفعلها في بعض الأوقات (٣). (١) م في الصحيح ٢٢٨/٥ مع شرح النووي. (٢) خ ٥٥/٣؛ م ٢٢٨/٥، مع شرح فتح الباري. وخرّجاه من حديث أم هانىء بنت أبي طالب رضي الله عنها خ ٥١/٣ مع شرح فتح الباري؛ م ٢٢٩/٥ مع شرح النووي. قلت: وظاهر رواية عائشة رضي الله عنها نفي رؤية صلاة الضحى عن النبي مهيار، وقد ثبت عنها ما يخالفه، وهو ما رواه مسلم في الصحيح ٢٢٩/٥ بسنده المتصل عنها، قالت: كان رسول الله ولم يصلى الضحى أربعاً ويزيد ما شاء الله. وأخرجه الإمام أحمد أيضاً ٢٦٥/١ من حديثها. وهذا يدل على أنه # كان يصلي الضحى أحياناً، فيكون النفي العام في كلام أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ليس على ظاهره، لثبوت ما يخالفه من حديثها وحديث أم هانىء وغيرهما. (٣) ذكره النووي في الشرح المذكور ٣٧/٤، وقد أحسن الإمام النووي صنعاً حينما تعرض للجمع بين حديثيْ عائشة رضي الله عنها فقال: أما الجمع بين حديثي عائشة في نفي صلاته الضحى ﴿ وإثباتها فهو: أن النبي * كان يصليها في بعض الأوقات لفضلها ويترك في بعضها خشية أن تفرض كما ذكرته عائشة. ويُتأول قولها: ((ما يصليها إلا أن يجيء من مغيبه)) على أن معناه: ما رأيته؛ كما قالت في الرواية الثانية: ((ما رأيت رسول الله (* يسبح سبحة الضحى ... )) الحديث. وسببه أن النبي ﴿ ما كان يكون عند عائشة في وقت الضحى إلا في النادر من الأوقات، فإنه قد = ٨٢ قلت: وكيف يجمع بين هذا وبين ما ذكره في الروضة وغيرها أنها واجبة عليه، ولو قال: إنه عليه الصلاة والسلام كان يظهرها في وقت ويخفيها في وقت آخر لكان أولى. وادعى الماوردي(١) أنه ◌َّير لما صلاها يوم الفتح واظب عليها إلى أن مات، وفيه نظر. ففي سنن أبي داود، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى(٢)، = يكون في ذلك مسافراً وقد يكون حاضراً ولكنه في المسجد أو في موضع آخر. وفي وجه آخر حمل النفي على المداومة لا نفي أصل الصلاة. ونقل عن ابن عمر نفي صلاة الضحى ووصفها بأنها بدعة، وقد ثبت عنه أثر صحيح خرّجه البخاري بسنده المتصل إلى مورق، قال: قلت لابن عمر رضي الله عنهما: أتصلي الضحى؟ قال: لا، قلت: فعمر، قال: لا، قلت: فأبو بكر، قال: لا، قلت: فالنبي ◌َّ، قال: لا أخاله، اهـ. صحيح البخاري مع شرح فتح الباري ١/٣. قال الحافظ في الفتح ٥١/٣: هذا محمول على التظاهر بها في المساجد. والاستحباب بالمحافظة عليها ثابت من حديث أبي الدرداء وأبي ذر. قلت: أخرج الترمذي في الجامع ٥٨٥/٢ مع شرح مباركفوري، وفي سنده إسماعيل بن عياش وروايته عن الشاميين مقبولة - وهذا سنده شامي - ومغلط في غيرهم، وقد نقل صاحب التحفة عن المنذري في تلخيص السنن أنه خرّج هذا الحديث فقال: حسن غريب، وناقش هذا التحسين: لعل ذلك في النسخة التي بيده؛ وأما في هذه النسخة غريب فقط دون لفظة حسن، وهذه ملاحظة جيدة وهي قضية اختلاف النسخ في أوصاف الحديث التي في هذا الكتاب، والله الموفق. ولفظ الحديث: ((ابن آدم اركع لي أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره)). خاتمة: قال الحافظ في الفتح: ٥٦/٣: تنبيه: إن حديث عائشة يدل على ضعف ما روي عن النبي ₪ أن صلاة الضحى كانت واجبة عليه، وعدها لذلك جماعة من العلماء من خصائصه ولم يثبت ذلك في خبر صحیح، اهـ. (١) أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب. تقدمت ترجمته ص ٦٨ . (٢) قال الحافظ في التقريب ٤٩٦/١: عبدالرحمن بن أبي ليلى الأنصاري المدني ثم الكوفي، ثقة، من الثانية، اختلف في سماعه عن عمر، مات بوقعة الجماجم سنة ست وثمانين، روى عنه الجماعة . ٨٣ قال: ما أخبرنا أحد أنه رأى النبي وَالّ صلى الضحى غير أم هانىء(١)، فإنها أخبرت بها يوم فتح مكة ولم يره أحد صلاهن بعد(٢). وذكر البخاري في صحيحه من حديث أنس، أن رجلاً(٣) صنع طعاماً ودعا رسول الله وَ له، ونضح له طرف الحصير فصلى فيه ركعتين فقال فلان بن فلان بن الجارود(٤) لأنس: أكان النبي ◌َّل يصلي الضحى؟ قال ما رأيته صلى غير ذلك اليوم(٥) . لا جرَم ذهبت طائفة من السلف إلى حديث عائشة السابق ولم يروا صلاة الضحى(٦)، حكاه ابن بطّال(٧)، وأبعد بعضهم فقال: إنها بدعة (٨)، (١) بنت أبي طالب بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، واسمها فاختة، وهي شقيقة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنهما. لها ترجمة في: طبقات ابن سعد الكبرى ١٥١/٨؛ الإصابة ٣٧٣/٤؛ الاستيعاب ٣٨٦/٤. (٢) أخرجه د في كتاب الصلاة ٢٩٧/١، من طريق شيخه حفص بن عمر، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى، عنها. (٣) قال الحافظ في الفتح ٥٨/٣: قيل: هو عتبان بن مالك لأن في قصته شبهاً بقصته. (٤) على هامش (ن د): هو عبدالحميد بن المنذر بن الجارود. قال الحافظ في الفتح ١٥٨/٢: وكأنه عبدالحميد بن المنذر بن الجارود البصري، وذلك أن البخاري أخرج هذا الحديث من رواية شعبة، وأخرجه في موضع آخر من رواية خالد الحذّاء، كلاهما عن أنس بن سيرين، عن عبدالحميد بن المنذر بن الجارود، عن أنس. وأخرجه ابن ماجه وابن حبان من رواية عبدالله بن عون، عن عبدالحميد بن المنذر بن الجارود، عن أنس. فاقتضى ذلك أن في رواية البخاري انقطاعاً، وهو مندفع بتصريح أنس بن سيرين عنده بسماعه عن أنس؛ فحينئذ رواية ابن ماجه إما من المزيد في متصل الأسانيد، وإما أن يكون فيها وهم، لكون ابن الجارود كان حاضراً عند أنس لما حدث بهذا الحديث، وسأله عما سأله من ذلك وظن بعض الرواة أن له فيه رواية. (٥) أخرجه خ في أبواب الإمامة ١٥٨/٢، وفي كتاب التهجد ٥٧/٣ مع شرح فتح الباري. (٦) كونها واجبة في حقه رَطير . (٧) هو الحافظ عمرو بن زكريا بن بطّال أبو الحكم الإشبيلي (ت ٥٤٩ هـ). معجم المؤلفين ٩/٨. (٨) وهو مروي عن ابن عمر وابن مسعود رضي الله عنهما، وقد تقدم ص ٨٣. ٨٤ وحكى الطبري(١) عن جماعة استحباب فعلها غبّاً، وهو رواية عن أحمد. وذهبت طائفة على أنها إنما تفعل لسبب من الأسباب، وأن النبي وَلّ إنما فعلها لسبب، فصلاته لها يوم الفتح كانت من أجل الفتح . ثالثها: هل كان الواجب عليه وَّلتر - إذا قلنا به - أقل الضحى أو أكثرها أو أدنى كمالها؟ لم أرَ في ذلك نقلًا. نعم، في رواية لأحمد: ((أمرت بركعتي الضحی ولم تؤمروا بها))، وقد سلفت(٢). رابعها: هل كان الواجب عليه في الوتر أقله أم أكثره أم أدنى كماله؟ لم أرَ فيه نقلاً (٣). خامسها: هل كان الأضحى (٤) في الحديث السالف وكلام أصحابنا، المراد به الضحايا كما قاله ابن الصلاح: يقال: أضحى(٥) في الواحد والجمع أضحى، ويقال: ضحية وضحايا وأضحية وأضاحيّ بالتشديد(٦). وهذا التقرير قد يُفهِم أنه كان الواجب عليه ضحايا في كل سنة ولعل الإشارة به إلى وجوب ذلك في الأعوام. وقد ضحّى وَ لّ بكبشين كما أخرجه البخاري ومسلم(٧) من حديث (١) هو الإمام أبو علي الحسين بن القاسم الطبري (ت ٣٥٠ هـ). (ط ش ك): ٢١٧/٢. (٢) رواه الإمام أحمد والبزار، وفي سنده جابر الجعفي وهو ضعيف جداً، وقد تقدم ص ٧٨. (٣) وفي (ن د): لم أر نقلاً فيه، وهو خلاف يسير. (٤) وفي (ن د): دون أداة الاستفهام، ولفظة كان. قلت: ولعل الصواب إثباته كما في بقية المسائل. (٥) وفي (ن د): أضحاة في الواحد ... إلخ. (٦) وفي (ن د): بتشديد الياء. (٧) أي: في صحيحهما: أما البخاري فأخرجه ٩/١٠. أخرجه بروايات عن أنس وأتمها = قوله: ((إن رسول الله ( انكفأ إلى كبشين أقرنين أملحين فذبحهما بيده))، اهـ. ٨٥ عائشة، وفي ابن ماجه والحاكم من حديث أبي هريرة وعائشة، أنه أَّ كان إذا أراد أن يضحّي اشترى كبشين عظيمين(١) ... الحديث. سادسها: وقع في كلام الآمدي(٢) وتبعه ابن الحاجب(٣) عدُّ ركعتي الفجر من خصائصه (٤) ولم أرَ لهما سلفاً في ذلك، وحديث ابن عباس السالف يشهد له لكنه ضعيف كما سلف (ورأيت صاحب الفصول من الحنابلة عدهما من خصائصه)(٥). = وخرّج م ٧٧/٦، من طريقه أيضاً، ولفظه: ((ضحّى رسول الله (صلفيه بكبشين أقرنين ... )) الحديث. قلت: هنا ملاحظة حسنة وهي أن المصنف جعل هذا الحديث من مسند عائشة، ولكن بعد البحث والتأمل لم نجده بهذا اللفظ إلا من مسند أنس. وإنما الثابت عنها في الصحيح عند مسلم، من طريق عروة بن الزبير، عنها، قالت: ((إن رسول الله ﴿ل أمر بكبش أقرن يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد ... )) الحدیث بطوله. (١) أما حديث ابن ماجه ففي السنن ١٠٤٣/٢. قال البوصيري في الزوائد: فيه عبدالله بن محمد مختلَف فيه. قال الحافظ في التقريب ٤٤٨/١: صدوق، في حديثه لین، ويقال: تغير بأخرة. وذكره الحاكم في المستدرك ٢٢٧/٤، وسكت عنه الذهبي في التلخيص. (٢) الآمدي: هو الإمام الجليل علي بن أبي علي بن محمد بن سالم الثعلبي أبو الحسن سيف الدين، الأصولي المتكلم، أحد أذكياء العالم. ولد بعد الخمسين وخمسمائة بيسير بمدينة آمد. له ترجمة في: البداية والنهاية ١٤٠/١٣؛ حسن المحاضرة ٥٤١/١؛ شذرات الذهب ١٤٤/٥؛ العبر ١٢٤/٥ - ١٢٥؛ لسان الميزان ١٣٤/٣؛ مرآة الجنان ٧٣/٤ - ٧٥؛ مفتاح السعادة ١٧٩/٢ - ١٨١؛ ميزان الاعتدال ٢٥٩/٢؛ النجوم الزاهرة ٢٨٥/٦ - ٢٨٦؛ وفيات الأعيان ٤٥٥/٢ - ٤٥٦، ٣٠٦/٣؛ طبقات الشافعية للسبكي ٣٠٦/٣. (٣) ابن الحاجب: هو الحافظ عزالدين أبو الفتح عمر بن محمد بن منصور الأميني الدمشقي (م ٥٩٣ - ت ٦٠٣ هـ). (٤) كتب بعضهم على هامش (ن د): رأيت بخط بعض الفضلاء المتأخرين عن أبي الفرج ابن الجوزي في الخصائص، أن ركعتي الفجر واجبتان عليه وصلت، اهـ. (٥) هذه العبارة التي وضعناها بين القوسين لم تكن موجودة في (ن د)، و(ش). ٨٦ المسألة الرابعة: التهجد، أكان(١) واجباً عليه؟ قال القفّال(٢): وهو أن يصلي بالليل وإن قلّ. قال الله تعالى: ﴿ومنَ الليلِ فتهجدْ به نافلةً لك ... ﴾(٣) الآية. أي: زيادة على ثواب الفرائض بخلاف تهجد غيره فإنه جابر للنقصان المتطرق إلى الفرائض، وهو عليه الصلاة والسلام معصوم عن تطرق الخلل إلى مفروضاته، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ حكاه إمام الحرمين، وذكر البغوي (٤) في تفسيره(٥) نحوه. قال الحسن(٦) وغيره: ليس لأحد نافلة إلا النبي ◌َّـ، لأن فرائضه كاملة وأما غيره فلا يخلو عن نقص، فنوافله تكمل فرائضه. واستدل البيهقي (٧) في (١) سقط في (ن د) أداة الاستفهام، وكذا في (ش). (٢) القفّال: هو الشيخ الجليل محمد بن علي بن إسماعيل القفّال الكبير الشاشي، الإمام الجليل أحد أئمة الدهر، قلت: وقد أثني عليه خيراً. مولده سنة إحدى وتسعين ومائتين، ووفاته - على ما أوضحه الحاكم واستصوبه النووي - في سنة خمس وستين وثلاثمائة بالشاش (ط ش ك): ٢٠٠/٣. (٣) سورة الإسراء: الآية ٧٩. (٤) ذكره البغوي في تفسيره ٢١٢/٥. قال: وكانت صلاة الليل فريضة على النبي وَ ل ﴿ في الابتداء وعلى الأمة، بقوله تعالى: ﴿يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً﴾. ثم نزل التخفيف فصار الوجوب منسوخاً في حق الأمة بالصلوات الخمس، وبقي الاستحباب لقوله تعالى: ﴿فاقرؤا ما تيسر منه﴾. وبقي الوجوب في حق النبي وَله، واستدل لذلك بحديث عائشة: ((ثلاث هن عليّ فريضة وهن لكم سنة: الوتر والسواك وقيام الليل)). تقدم هذا الحديث، وأن البيهقي رواه في سننه وخلافيّاته، وأنه حديث ضعيف لأنه في مسنده موسى بن عبدالرحمن الثقفي الصنعاني ضعيف جداً. (٥) البغوي: هو الإمام الجليل الحسين بن مسعود بن محمد بن الفرّاء الشافعي البغوي، صاحب معالم التنزيل وشرح السنة والتهذيب والمصابيح، وتوفي بمدينة مرو سنة ست عشرة وخمسمائة ودفن عند شيخه القاضي حسين. تذكرة الحفاظ ٤ /١٢٥٨. (٦) الحسن بن أبي الحسن يسار الإمام شيخ الإسلام، أبو سعيد البصري، يقال: مولى زيد بن ثابت، ويقال: مولى جميل بن قطبة، وأمه خيرة مولاة أم سلمة. وفاته سنة عشر ومائة وله ثمان وثمانون سنة. ترجمته في تذكرة الحفاظ ٧١/١ - ٧٢. (٧) تقدمت ترجمته ص ٧٤. ٨٧ دلائل النبوة عن مجاهد(١) وكذا ابن المنذر(٢) في تفسيره، وذكر - أعني ابن المنذر - عن الضحّاك نحوه. وذكره سليمان بن حيان عن أبي غالب، عن أبي أمامة .. إلخ. ثم استدل الرافعي وغيره أيضاً بحديث عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله وَ﴾ قال: ((ثلاث هن عليّ فرائض وهن لكم سنة: الوتر والسواك وقيام الليل)). وهو حديث ضعيف أخرجه البيهقي في سننه(٣) وخلافياته، وفي سنده موسى بن عبدالرحمن الصنعاني. قال ابن عدي: منكر الحديث(٤)، وضع على ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس كتاباً في التفسير، جمعه من كلام مقاتل الكلبي(٥)، وقال البيهقي: موسى هذا ضعيف جداً، ولم يثبت في هذا إسناد. واعلم أن الشيخ أبا حامد (٦) نقل بعد حكاية ذلك عن الأصحاب، (١) هو الإمام المقرىء المفسّر مجاهد بن جبر أبو الحجاج المخزومي مولاهم (ت ١٠٣ هـ). ترجمته في تذكرة الحفاظ ٩٢/١. (٢) هو الفقيه المفسّر أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري (ت ٣١٨ هـ). ارجع لترجمته في تذكرة الحفاظ ٧٨٢/٣. (٣) الكبرى ٣٩/٧. ثم قال موسى بن عبدالرحمن: هذا ضعيف جداً، ولم يثبت في هذا إسناد، والله أعلم. (٤) ذكره في الكامل ١٣/٣ بقوله: موسى بن عبدالرحمن الثقفي الصنعاني، يُعرف بأبي محمد المفسّر، منكر الحديث. ونقله عنه الذهبي في ميزانه ٢١١/٤ . (٥) مقاتل الكلبي، قال الذهبي في الميزان: مقاتل بن سليمان البلخي المفسّر أبو الحسن، روى عن مجاهد والضحاك وابن بريدة، وذكر من كلام النقّاد فيه قول ابن المبارك: ما أحسن تفسيره لو كان ثقة، وقال وكيع: كان كذاباً، وقال البخاري: سكتوا عنه. وأُرّخ وفاته سنة خمسين ومائة. ميزان الاعتدال ١٧٣/٤ - ١٧٤. (٦) هو أحمد بن بشر بن عامر العامري أبو حامد المروزي، توفي سنة اثنتين وستين وثلاثمائة. (ط ش ك) ٨٢/٢ - ٨٣ ٨٨ أن الشافعي نص على أنه نسخ وجوبه في حقه(١) كأمته، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح والنووي في الروضة(٢): وهذا هو الصحيح الذي تشهد له الأحاديث، منها حديث سعد بن هشام، عن عائشة في مسلم، وقد قال لها: انبئيني عن قيام رسول الله وَ لجر، قالت: ألست تقرأ ﴿يأيها المزمل﴾. فقالت: كان الله فرض قيام الليل من أول هذه السورة، فقام عليه الصلاة والسلام وأصحابه حولاً وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهراً، حتى أنزل الله في آخرها التخفيف، فصار قيام الليل تطوعاً بعد فريضة(٣). وفي آخره: فانطلقت إلى ابن عباس رضي الله عنه فحدثته بحديثها(٤)، فقال: صدقت. وأشارت - رضي الله عنها - بالآخر إلى قوله: (١) ذكره في الأم ولفظه: قال الشافعي رحمه الله تعالى: سمعت من أثق بخبره وعلمه یذکر أن الله أنزل فرضاً في الصلاة ثم نسخه بفرض غيره، ثم نسخ الثاني بالفرض في الصلوات الخمس، ثم ذكر الآية في المزمل إلى قوله: ﴿أو انقص منه قليلاً﴾. وقال: أولها منسوخ بقوله تعالى: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى ... ﴾ الآية إلى قوله: ﴿فاقرؤا ما تيسر من القرآن﴾. قال: فنسخ قيام الليل أو نصفه أو أقل أو أكثر بما تيسر، ثم نسخ هذا الناسخ بقول الله عز وجل: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ ودلوكها: زوالها ﴿إلى غسق الليل﴾ العتمة ﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً﴾ الصبح ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك﴾ فأعلمه أن صلاة الليل نافلة لا فريضة، وأن الفرائض فيما ذكر من ليل أو نهار. قلت: هذا هو الاستدلال الأول في كلام الإمام الشافعي رحمه الله، والثاني وتره بَير على الراحلة. قال الشافعي: ففرائض الصلوات خمس وما سواها تطوع فأوتر رسول الله صل قر على البعير ولم يصلّ مكتوبة علمناه على البعير. وقد تقدم قول النووي: إن من خصائصه ير فعل هذا الواجب الخاص به عليه على الراحلة، وذلك يخالف نص الشافعي، ولكل وجهة، والله الموفق. (٢) ذكره في الروضة ٣/٧. (٣) أخرجه مسلم مع شرح النووي ٢٦/٥. أخرج القصة بطولها في سؤال سعد بن هشام عن خلُق رسول الله وَ ل﴿ وقيامه ووتره. وأخرجه البيهقي في السنن ٣٠/٣. (٤) تقدم هذا الحديث من حديثها عند مسلم في التعليق السابق. ٨٩ = ﴿علم أن لن تحصوه فتاب عليكم ... ﴾(١) وبعضهم قال: إن الناسخ قوله تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك﴾(٢). وقوله تعالى: ﴿علم أن لن تحصوه فتاب عليكم﴾ ناسخ لقيام الليل في حق أمته وفيه نظر، لأن الخطاب في أول السورة للنبي وَّر وقد شركته فيه فالخطاب في آخرها إذاً يتوجه لمن يتوجه إليه الخطاب في أولها(٣). وقد قيل: إن المنسوخ من صلاة الليل ما كان مقدراً، وأما أصل الوجوب فهو باقٍ لقوله تعالى: ﴿فاقرؤا ما تيسر منه﴾(٤). فتكون الآية كقوله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدي﴾(٥). إذ لا بد من الهدي، فكذلك لا بد من صلاة الليل(٦). أ - أخرج الإمام أحمد القصة بطولها في المسند ٥٤/٦. = ب - وأخرجه أبو داود في السنن ٢٢٠/٤ - ٢٢١، من حديث عائشة. وأخرجه أيضاً من حديث ابن عباس في تفسير سورة المزمل موقوفاً عليه، ولفظه بعد سياق سنده: قال في المزمل: ﴿قُمِ الليلَ إلا قليلاً﴾ الآية نسختها الآية التي فيها: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فتابَ عليكم ... ) الآية. وناشئة الليل: أوله، وكانت صلاتهم لأول الليل، يقول: هو أجدر أن تحصوا ما فرض الله عليكم من قيام الليل، وذلك أن الإنسان إذا نام لم يدر متى يستيقظ ... إلخ الأثر. سنن أبي داود ١٨٨/٤. جـ ـ وابن ماجه أيضاً ٣٧٦/١، من حديث سعد بن هشام عن عائشة، واقتصر في سؤالها عن وتر رسول الله ومثل﴾ . د - وأخرجه البيهقي في السنن ٣٠/٣، من حديث سعد بن هشام مع طول القصة في السؤال لها عن خلق رسول الله وم طهر وقيامه ووتره. (١) سورة المزمل: الآية ٢٠. (٢) سورة الإسراء: الآية ٧٩. (٣) ويتضح من هذا أن المصير إلى تأويل أم المؤمنين عائشة وحبر الأمة ابن عباس رضي الله عن الجميع، أن المصير إلى ذلك أولى. (٤) تقدم هذا عن الشافعي أنه منسوخ أيضاً بالصلوات الخمس، وأن لا بقاء لوجوب سواها أصلاً. (٥) سورة البقرة: الآية ١٩٦. (٦) وهذا التنظير الذي أبداه المصنف هنا غير جيد لأن الهدي المشار إليه في الآية - وهو هدي ٩٠ = والحديث الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها: ((أفلا أكون عبداً شكوراً))(١) من جملة ما يدل على عدم وجوبه عليه، ولا أعلم أحداً قال بوجوبه علينا دونه. تنبيهات : الأول: إن قلت قوله تعالى: ﴿نافلة لك﴾ يقتضي أن ذلك غير واجب عليه، قال الجوهري(٢): النفل والنافلة عطية التطوع حيث لا يجب ومنه نافلة الصلاة والنفل التطوع. فالجواب أن النافلة الزيادة، ومنه قوله تعالى: ﴿ويعقوب نافلة﴾(٣) ولا يلزم منه كونها غير واجبة . الثاني: حديث جابر الطويل - في الحج - الثابت في صحيح مسلم (٤)، أنه رَ لي أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان وإقامتين ولم التمتع - هو واجب بالاتفاق كما أشار إليه ابن رشد في بداية المجتهد ٣٧٦/١. وأما = وجوب قيام الليل فهو إما منسوخ - على رأي الشافعي - وهو الظاهر الذي تدل عليه الأحاديث الكثيرة في السنة؛ وإما وجوبه خاصة على النبي وفر نافلة له على سائر الفرائض، كما سيأتي للمصنف تأويله بذلك عن قريب إن شاء الله تعالى. (١) أما حديث: ((أفلا أكون عبداً شكوراً)) فمتفق عليه من حديث عائشة والمغيرة بن شعبة. أ - أخرج البخاري من حديثهما ٥٨٤/٨، ولفظ عائشة: إن النبي ومليّ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: ((أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً)). ولفظ حديث المغيرة: قام رسول الله طر حتى تورمت قدماه، فقيل له: غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: ((أفلا أكون عبداً لله شكوراً)). قلت: ودلالته قوية. ب - وأخرجه مسلم في الصحيح ٥٢٨/٢ - ٥٢٩، من حديثهما واتفقا في اللفظ. (٢) هو الإمام اللغوي إسماعيل بن حماد صاحب الصحاح المتوفى سنة ٣٩٣ هـ. ذكره فيه، ١٨٣٣/٥. انظر ترجمته في معجم المؤلفين ٢٦٧/٢ . (٣) سورة الأنبياء: الآية ٧٢ . (٤) هو المعروف عند المحدثين بمنسك جابر. أخرجه م بطوله في الصحيح ١٧٠/٨ - ١٧٥، ودلالته لمقصود المؤلف قوية . ٩١ يسبّح بينهما شيئاً، ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، دالٌ على عدم وجوب الوتر والتهجد، لأن الظاهر أنه لم يفعلهما تلك الليلة. وقد يجاب عن التهجد بأنه لعله إذ ذاك كان منسوخاً، وفي هذا رد على ما خرج به الدارمي(١) من أصحابنا في استذكاره من أن الجامع بالمزدلفة يأتي بالوتر دون سنة العشاء، والذي نص عليه الشافعي في الأم وغيرها: أن السنة ترك النفل بعد العشاء كما يسن تركه بعد المغرب، وصرح به الماوردي والقاضي حسين (٢) وغيرهما، وأبعد العجلي (٣) فقال: يأتي، فقال: إنه يأتي بسنة المغرب بعد العشاء ثم سنة العشاء بعد الوتر، وهو مصادِم للنص (٤). الثالث: قال الرافعي: مقتضى الراوي عن عائشة - أي الذي سلف - وكلام الأئمة هنا: كون الوتر غير التهجد المأمور به وذلك مخالف لما مر في باب صلاة التطوع، أنه يشبه أن يكون الوتر هو التهجد، ويعتضد به الوجه المذكور هناك عن رواية القاضي الروياني. قال: وكأن التغاير أظهر، وكذا قال في تذنيبه(٥) على الشرحين إنه الأظهر، وتبعه صاحب الحاوي الصغير(٦). قلت: وحديث عائشة في (١) هو الإمام الجليل محمد بن عبدالواحد بن محمد أبو الفرج الدارمي، صاحب الاستذكار من كبار علماء الشافعية. (م ٣٥٨ - ت ٤٤٨ هـ). (ط ش ك) ١٨٢/٤. والاستذكار كتاب له معروف في فروع الشافعية . (٢) الحسين بن محمد بن أحمد أبو علي القاضي المروزي من عظماء أصحاب الشافعي (ت ٤٦٢ هـ). (ط ش ك) ٣/ ١٥٥. (٣) هو الإمام سعد بن محمود بن خلف بن أحمد بن محمد العجلي منتخب الدين أبو الفتوح الأصبهاني (م ٥١٥ - ت ٦٠٠ هـ). (ط ش ك) ٥٠/٥. (٤) وحينئذ فلا يلتفت إليه. (٥) التذنيب كتاب لأبي القاسم الرافعي. انظر فهرس المخطوطات لفؤاد سيد ٢٩٥/١. (٦) لنجم الدين عبدالغفار بن عبدالكريم القزويني. راجع المقدمة ثبت كتب المؤلف ص ٣٠. ٩٢ الصحيحين(١): ((ما كان رسول الله وَ ل يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً) يدل على أن التهجد هو عين الوتر. نعم، حديثها الآخر يدل على مقابله، وهو ما أخرجه مسلم عنها(٢)، أنها قالت: كان رسول الله وَعليه يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شيء إلا في آخرها. الرابع: فصلاته عليه الصلاة والسلام بالليل كانت أنواعاً. أ - ست ركعات(٣)مفصولاتٍ ويوتر بثلاث. رواه ابن عباس رضي الله عنهما. ب - إحدى عشرة مفصولاتٍ ويوتر بواحدة (٤). روته عائشة رضي الله عنها . جـ - ثلاث عشرة كذلك(٥). (١) أخرجه خ في باب قيام الليل ٣٣/٣، من حديث عائشة رضي الله عنها؛ ومسلم في الصحيح ١٧/٦، من حديثها أيضاً. (٢) وأخرجه مسلم ١٧/٦، من حديثها. (٣) أخرجه خ ١٨/٢، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما؛ ومسلم في الصحيح ٠١١٣/٣ (٤) أخرجه مسلم ١٦/٥، من حديث عائشة رضي الله عنها، ولفظه: كان رسول الله وله يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء، وهي التي يدعو الناس العتمة إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة، فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر وتبين له الفجر وجاءه المؤذن قام فركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة . (٥) أخرجه مسلم في الصحيح ١٧/٦، من حديث عائشة رضي الله عنها، ولفظه: كان رسول الله # يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء إلا في آخرها. ٩٣ د - ثمان ركعات موصولاتٍ ويوتر بخمس متوالية لا يجلس إلا في آخرها. هـ ـ تسع ركعات لا يجلس في شيء منهن إلا في الثامنة، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة ويسلم، ويصلي ركعة (١) بعد ما یسلم(٢). و- سبع ركعات كالتسع المذكورة، ثم يصلي بعدها ركعتين جالساً مثنى، ویوتر بثلاث موصولة(٣). ز - أربع (٤) ركعات روي، فتأمل ذلك. (١) وفي هامش (ن د): ويصلي ركعتين بعدما يسلم. ومثله في (ش). (٢) أخرجه مسلم في الصحيح ٢٧/٦، من حديث عائشة الطويل في سؤال سعد بن هشام لها، ولفظه: قال: قلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن وتر رسول الله # فقالت: كنا نعد له سواكه وطَهوره، فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل فيتسوك ويتوضأ ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يَقْعُدُ فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليماً يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم وهو قاعد. فتلك إحدى عشرة ركعة. (٣) وهو جزء من الحديث الطويل الذي أخرجه مسلم ٢٧/٦، من حديث عائشة، حيث قالت: فلما أسن نبي الله وأخذه اللحم أوتر بسبع وصنع في الركعتين مثل صنيعه الأول. (٤) في هامش (ند): رواه النسائي. قلت في الصغرى ٢١٦/٣، من حديث حذيفة، ولفظه فيها: عن حذيفة رضي الله عنه، أنه قال صلى مع رسول الله (8# في رمضان فركع فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم مثل ما كان قائماً ثم جلس يقول: رب اغفر لي مثل ما كان قائماً، ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى مثل ما كان قائماً. فما صلى إلّ أربع ركعات حتى جاء بلال إلى الغداة. وأعله بالإرسال. قال أبو عبدالرحمن: هذا الحديث عندي مرسل، طلحة بن يزيد لا أعلمه سمع من حذيفة شيئاً، وغير العلاء بن المسيب يقول في هذا الحديث: عن طلحة، عن رجل، عن حذيفة. وتسميته مرسلاً على مذهب من يطلقه فيما سقط فيه راوٍ بقطع النظر عن الصحابي أو غيره، فهو أعم من المصطلح عليه عند المتأخرين. = ٩٤ فائدة: حكى النووي في شرح مسلم(١) في باب صلاة الليل، عن بعض السلف، أنه يجب على الأمة من قيام الليل ما يقع عليه الاسم ولو قدر حلب شاة، قال: وهو غلط مردود بإجماع من قبله مع النصوص الصحيحة أنه لا واجب إلا الصلوات الخمس. الخامس: تعبيره في الروضة في التهجد بالصحيح (٢) لأجل الوجه الآخر أنه نسخ في حقه، فإياك أن تعترض عليه كما وقع لبعضهم. السادس: ذكر في ((الروضة)) في كتاب السِّير(٣): أنَّ اللّه تعالى فرض من قيام الليل أولاً ما ذكر في سورة المزمل، ثمَّ نسخه بما (في آخرها (4)، ثم نسخه بالخَمْس(٥). السابع: السواك وكان واجباً عليه، وَّر على الصحيح واستدلَّ له بحديث عائشة السالف وقد علمت ضعفه(٦). = طلحة بن يزيد: قال الحافظ في التقريب ٣٨٠/١: طلحة بن يزيد الأيلي - بفتح الهمزة وسكون الياء - أبو حمزة، مولى الأنصار، نزل الكوفة، وثّقه النسائي، من الثالثة. (١) ذكر النووي في الشرح المذكور ٢٦/٦ عند قول عائشة رضي الله عنها: فصار قيام الليل تطوعاً بعد فريضة. قال النووي: هذا ظاهره أنه صار تطوعاً في حق رسول الله وح# وحق الأمة. فأما الأمة فهو تطوع في حقهم بالإجماع، وأما النبي # فاختلفوا في النسخ في حقه، والأصح - عندنا - نسخه، وأما ما حكاه القاضي عياض عن بعض السلف أنه يجب على الأمة من قيام الليل ما يقع الاسم ولو قدر حلب شاة فغلط مردود بإجماع من قبله مع النصوص الصحيحة أنه لا واجب إلا الصلوات الخمس. (٢) انظر الروضة للنووي ٣/٧. (٣) هذا نصه في كتاب السير من ((الروضة)) ٢٠٦/١٠، أول ما وجب الإنذار والدعاء إلى التوحيد، ثم فرض من قيام الليل ما ذكره في سورة المزمل، ثم نسخه بما في آخرها، ثم نسخه بإيجاب الصلوات الخمس في ليلة الإسراء بمكة بعد النبوة بعشر سنين وثلاثة أُشھر. (٤) الزيادة من (ن س) والروضة للنووي، والسياق يقتضيها. (٥) هذا يوافق لما تقدم ص ٨٩ عن الشافعي في الأم. (٦) تقدم ص ٨٨ لأن في سنده موسى بن عبدالرحمن الصنعاني وهو ضعيف جداً. ٩٥ نعم روى أبو داود والبيهقي في سننهما وابن خزيمة وابن حبَّان في صحيحهما، من حديث(١) عبدالله بن حنظلة بن عامر الغسيل(٢)، أن رسول الله ( كان يؤمر بالوضوء لكل صلاة طاهراً أو غير طاهر، فلما شق ذلك على رسول الله و لو أمر بالسواك عند كل صلاة ووضع عنه الوضوء إلا من حدَث وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال: حديث على شرط مسلم ولم يخرجاه. ومن أصحابنا من حكى وجهاً (٣) في حقه كما في حق الأمة. قلت: واستدل(4) بحديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَله: ((أمرت بالسواك حتى خشيت أن يُكتب عَلَيَّ)). رواه الإمام أحمد في مسنده(٥)، والطبراني في أكبر معاجمه من طريقين مدارهما على لیٹ. (١) حديث عبدالله بن حنظلة بن عامر الغسيل. أ - أخرجه أبو داود في السنن ٧٢/١ من طريق عبيدالله بن عبدالله بن عمر. ب - وأخرجه كذلك ابن خزيمة في صحيحه ٧٢/٢. جـ ـ وأخرجه الحاكم في المستدرك ١٥٦/١ وقال: صحيح على شرط مسلم. وأقره الذهبي . د - وأخرجه البيهقي في السنن ٣٧/١. قال القسطلاني في المواهب اللدنيّة: ٣٨٦/١ وفي سنده محمد بن إسحاق وقد رواه بالعنعنة وهو مدلس. قلت: وذكره الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ١٢٠/٣ وقال: إسناده حسن. (٢) حنظلة بن عامر - رضي الله عنه - عرف بغسيل الملائكة لما ذكر في سيرة ابن هشام ٧٥/٢ أنه استشهد في أحد فقال رسول الله وَله: ((إن صاحبكم لتغسله الملائكة فاسألوا أهله ما شأنه))، فسئلت صاحبته عنه فقالت: خرج وهو جنب حين سمع الهاتفة. (٣) للوجه القائل باستحبابه في حقه مثلا . (٤) المثبت من (ن د) وفي (ن ج، ن س): ويستدل ... إلخ. وكذا في (ش). (٥) أخرجه أحمد في مسنده ٤٩٠/٣، بلفظ: أمرت بالسواك حتى خشيت أن يُكتب عَلَيّ. وفي سنده ليث بن أبي سليم بن زنيم القرشي مولاهم، أبو بكر الكوفي، روى عن طاوس = ٨ ٩٦ وروى ابن ماجه من حديث(١) أبي أمامة رضي الله عنه، أن النبي وشري قال: ((تسوكوا فإن السواك مطهرة للفم مرضاة للرب، ما جاءني جبريل إلا أوصاني بالسواك، حتى خشيت أن يفرض علي وعلى أمتي، ولولا = وعطاء ومجاهد ونافع وأبي إسحاق السبيعي، وروى عنه الثوري والحسن بن صالح وجماعة، قال عبدالله بن أحمد عن أبيه: مضطرب الحديث، وقال ابن حبان: اختلط في آخر عمره فكان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل ويأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم. تركه القطان وابن معين وأحمد. (١) أخرجه في السنن ١٠٦/١، ولفظه: ((تسوكوا فإن السواك مطهرة للفم مرضاة للرب، ما جاء لي جبريل إلا أوصاني بالسواك حتى لقد خشيت أن يفرض عليّ وعلى أمتي، ولولا أني أخاف أن أشق على أمتي لفرضته عليهم، وإني لأستاك حتى لقد خشيت أن أحفي مقادم فمي)). في الزوائد: إسناده ضعيف. قلت: لأنه من رواية عثمان بن أبي عاتكة الأزدي، أبو حفص الدمشقي، عن علي بن يزيد الألهاني، وقد ضعّفوه في روايته عنه. رجال السند عند ابن ماجه: أ - هشام بن عمار، هو شيخ ابن ماجه في الحديث .. قال الحافظ في التقريب ٣٢٠/٢: هشام بن عمار بن نُصَير، بنون مصغراً، السلمي الدمشقي، صدوق مقرىء، كبر فصار يتلقن فحديثه القديم أصح. مات سنة خمس وأربعين على الصحيح. /خ ٤. ب - محمد بن شبيب الزهراني. قال الحافظ في التقريب ١٦٩/٢: محمد بن شبيب الزهراني البصري، ثقة، من السادسة. /م س. جــ عثمان بن أبي عاتكة، أبو حفص الدمشقي. قال الحافظ في التقريب ١٠/٢: صدوق، ضعّفوه في روايته عن علي بن يزيد الألهاني. قلت: وهذه منها. د- علي بن يزيد الألهاني صاحب القاسم بن عبدالرحمن. قال الحافظ في التقريب ٤٦/٢: ضعيف، من السادسة. هــ القاسم بن عبدالرحمن الدمشقي. قال الحافظ في التقريب ١١٨/١: صدوق يرسل كثيراً، من الثالثة. و- أبو أمامة الباهلي. قال الحافظ في التقريب ٣٦٦/١: صُدَيُّ - بالتصغير - ابن عجلان، أبو أمامة الباهلي، صحابي مشهور، سكن الشام ومات بها سنة ست وثمانين للهجرة. ٩٧ خشيت على أمتي لفرضته عليهم، وإني لأستاك حتى إني خشيت أن تدردر مقادم فمي))(١). وفي سنده من تكلم فيه(٢). تنبيهان : الأول: هل المراد بوجوبه في حقه بالنسبة إلى الصلاة المفروضة أو في النافلة أيضاً (٣) أو إلى الأحوال التي أكدها في حقنا(1)؟ أو ما هو (٥) أعم من (١) شرح غريب الحديث: (أن تدردر) بمعنى تسقط، أو تتحرك للسقوط. ((أن أحفي مقادم فمي)): (أحفي) من الإحفاء وهو الاستئصال والمبالغة في الإزالة (مقادم الفم) هي الأسنان المتقدمة، وقيل اللثة، وقيل: ما حول الأسنان من اللحم، وهذا أقرب والله تعالى أعلم. (٢) وقد بيّنا من تكلم فيه، والحديث ضعيف لذلك من هذا السند، ولكنه تقوّى برواية الإمام أحمد من حديث واثلة بن الأسقع، وإن مداره على ليث كما تقدم. (٣) أثبتها من (ش). (٤) المراد بالأحوال التي أكدها - أي الشارع - في حقنا وهي: أ - عند إرادة الوضوء أو الغسل أو الصلاة. ب - عند الانتباه من النوم. ج - عند تغير الفم. د - عند إرادة قراءة القرآن. ويدل للأول ما أخرجه مسلم في الصحيح ١٤٣/٣، من حديث أبي هريرة: ((لولا أن أشق على أمتي - وفي رواية: على المؤمنين - لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة))، وفي لفظ الموطأ: ((مع كل وضوء)) كأنه مبينًّ للمراد. ويدل للثاني ما أخرجه النسائي في الصغرى ٢١٢/٣، عن شقيق، عن حذيفة، قال: كنا نؤمر بالسواك إذا قمنا من الليل. والأخير يدل عليه حديث علي بن أبي طالب، قال: إن أفواهكم طرق القرآن فطيّبوها بالسواك. موقوف. قال أبو الحسن السندي: وفي الزوائد: إسناده ضعيف، اهـ. من سنن ابن ماجه ٧٦/١. قلت: إن الأوقات التي أكدها الشارع في حقنا يشمل كل ما ذكره المصنف، ويعلم ذلك كل من تأمله والله الموفق. (٥) أثبتها من (ش) أيضاً. ٩٨ ذلك؟ لم أرَ فيه نقلاً. وسياق حديث عبدالله بن حنظلة السالف يقوّي الأول. وادعى ابن الرفعة في كفايته في باب السواك: أنه لم يصح أنه وَلّ فعل السواك إلا عند القيام إلى الصلاة وعند تغير الفم، ثم قال: فإن قلت: قد روى مسلم عن شريح بن هانىء: سألت عائشة رضي الله عنها عن أي شيء كان يبدأ به النبي بَالفر إذا دخل بيته قالت: بالسواك. ولفظة کان تؤذن بالدوام. ثم أجاب بأنه يحتمل أن يكون فعل ذلك لأجل تغير حصل في فمه، ثم استبعده بأن في رواية النسائي عن ابن عباس قال: كان رسول الله وله يصلي ركعتين ثم ينصرف فيستاك(١). الثاني: قال الشيخ تقي الدين ابن الصلاح: ترددوا في وجوب السواك عليه وقطعوا بوجوب الضحى والأضحى والوتر، مع أن مستنده الحديث الضعيف(٢). ولو عكسوا فقطعوا بوجوب السواك للحديث السالف(٣) وترددوا في الأمور الثلاثة لكان أقرب (٤). ويكون مستند التردد فيهما أن ضعف الحديث من جهة ضعف رواية أبي جناب الكلبي، وفي ضعفه خلاف بين أئمة الحديث، وقد وثّقه بعضهم(٥). قلت: قد ترددوا في وجوب الوتر والأضحى أيضاً كما سلف (٦). (١) لعله في الكبرى، أما في الصغرى فلم نجده بعد البحث والاعتناء، ودلالته قوية في رد الوجه الذي ذكره ابن الرفعة في الكفاية . (٢) تقدم هذا البحث ص ٧٨ وممن قطع به النووي في الروضة ٣/٧. (٣) المقصود به حديث عبدالله بن حنظلة بن عامر الغسيل، فإنه أقوى حديث في الباب، وقد تقدم ص ٩٦. (٤) إلى الصواب. (٥) هو يزيد بن هارون، كان حسن الرأي فيه. (٦) وقد تقدم أن منشأ التردد ضعف المرويات في هذا الباب، ولذلك من ترجح عنده شيء قال به، والعلم عند الله تعالى. ٩٩ المسألة السادسة: مشاورة (١) ذوي الأحلام(٢) في الأمور. وهي واجبة عليه على الصحيح عند أصحابنا، لظاهر قوله تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾(٣) وظاهر الأمر الوجوب (٤)، ووجه من قال باستحبابها القياس على غيره والأمر للاستحباب استمالةً لقلوبهم، وحكاه ابن القشيري عن نص الشافعي، وأنه جعله كقوله عليه الصلاة والسلام: ((البكر تستأمر تطييباً لقلبها لا أنه واجب، وهو قول الحسن(٥) رضي الله عنه، حيث قال في قوله تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر .. ﴾ علم الله أنه ما به إليهم من حاجة ولكن أراد أن يستن به من بعده. (١) قال الراغب في مفرداته ص ٢٧٠: التشاور والمشاورة والمشورة استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض من قولهم: شرت العسل إذا اتخذته من موضعه واستخرجته منه، ثم قال: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ والشورى: الأمر الذي يُتشاور فيه. (٢) الأحلام جمع حلم. قال الراغب في المفردات ص ١٢٩: الحلم ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب، وجمعه أحلام. (٣) ﴿وشاورهم في الأمر﴾ سورة آل عمران: الآية ١٥٩. (٤) كما هي القاعدة الأصولية: أن الأمر إذا خلا عن الصارف يدل على الوجوب. (٥) خلاصة ما ذكره أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تفسيره ١٠١/٤: قال رحمه الله تعالى: وأولى الأقوال بالصواب في ذلك أن يقال: إن الله عز وجل أمر نبيه و # بمشاورة أصحابه فيما حزبه من أمر عدوه ومكائد حربه تألفاً منه بذلك، من لم تكن بصيرته بالإسلام البصيرة التي يؤمن إليه معها فتنة الشيطان، وتعريفاً منه أمته في الأمور التي تحزبهم من بعده ومطلبها ليقتدوا به في ذلك، فيتشاور فيما بينهم في النوازل التي تنزل بهم، كما كانوا يرونه في حياته وسير يفعله. فأما النبي ﴿ فإن الله كان يعرفه مطالب وجوه ما حزبه من الأمور بوحيه وإلهامه إياه صواب ذلك، وأما أمته فإذا تشاوروا مستنّين بفعله في ذلك على تصادق وتوخٍّ للحق وإرادة جميعهم للصواب من غير ميل إلى هوى ولا حيد عن هدى، فالله موفقهم ومسددهم. اهـ. وذكر السيوطي في الدر المنثور ٩٠/٢: الأثر المروي عن الحسن من طريق سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه، عن الحسن في قوله: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ قال: قد علم الله أنه ما به إليهم من حاجة ... الأثر. = ١٠٠