النص المفهرس

صفحات 441-460

الله قد أعطاك بما تواضعتَ له أنك سيد ولد آدم يوم القيامة ، وأولُ من تنشقُّ عنه الأرض ،
وأول شافع(١).
وخرج على قوم من أصحابه فقاموا له، فقال: (( لا تقوموا كما تقوم الأعاجم ، يُعظّم
بعضُها بعضاً ، وقال: إنما أنا عبدٌ آكلُ كما يأكلُ العبدُ وأجلسُ كما يجلسُ العبدُ(٢))). وكان
يركبُ الحمارَ ، ويُردف خلفَه ، ويعودُ المساكين ، ويُجالس الفقراء ، ويُجيب دعوة العبد ،
ويجلسُ بين أصحابه مختلطاً بهم ، حيث ما انتهى به المجلسُ جلس ، وقال لامرأة أتته في
حاجة : اجلسي يا أمَّ فلان في أيِّ طرق المدينة شئتِ أجلسْ إليك حتى أقضي حاجتك ،
فجلستْ وجلسَ (٣) . وكان يُدعى إلى خبز الشعير والإهالة السَّنِخةَ (٤) فُيُجيب، وحجَّ على
رحلَ رَتُّ عليه قطيفة ما تساوي أربعة دراهم ، وأهدى في حَجِّه ذلك مائةَ بدنة ، وكان يبدأ
من لقيَه بالسلام .
وروینا عن أبي بكر الشافعي ، حدثنا أبو جعفر محمد بن حماد بن ماهان ، حدثنا
محمد بن عبد الرحمن بن بكر ، حدثنا محمد بن سواء، عن سعيد ، عن قتادة ، عن أنس ؛
أَنَّ رسولَ الله عَِّ مرَّ على صبيان فسلّم عليهم(٥).
وكان في بيته في مهنة أهله يَفلْي ثوبَه، ويحلبُ شاتَّه، ويخصِف نعلَه ، ويخدم نفسَه ،
ويعلفُ ناضحَه (٦)، ويقمُّ البيتَ(٧)، ويعقِل البعيرَ ، ويأكل مع الخادم، ويعجن معها ،
ويحمل بضاعته من السوق .
(١) رواه أحمد عن أبي هريرة والبيهقي في الدلائل؛ عن ابن عباس كما في نسيم الرياض ٩٤/٢ وشرح ملا علي
القاري بهامشه .
(٢) رواه أبو داود في الأدب ( باب في قيام الرجل للرجل) رقم /٥٢٣٠/ وإسناده ضعيف، ومعناه في صحيح
مسلم برقم /٤١٣/ فيتقوى به .
(٣) رواه مسلم في الفضائل (باب قرب النبي عَ ئله من الناس) رقم /٢٣٢٦/ بلفظ قريب جداً .
(٤) ((الإِهالةِ السَِّخَة)): الإهالة: شحوم الحيوان من الإلية وغيرها والسَّنِخة: ما تغيرت رائحته منها .
(٥) رواه أبو داود في ( باب في السلام على الصبيان ) رقم / ٥٢٠٢/ والبخاري ومسلم والترمذي بنحوه .
(٦) ((ناضحه)): البعير يتخذ لتزح الماء من البئر.
(٧) ((يقمّ)): يكنس.
- ٤٤١ -

وعن أنس: إن كانت الأمةُ من أهل المدينة، لتأخذُ بيد رسول الله عَ لِّ ، فتنطلقُ به
حيث شاءت ، حتى يقضي حاجتها(١) .
• وكان عَ الله يُسمّى الأمين قبل النبوة؛ لما عرفوا من أمانته وعدله.
وعن الرَّبَيْعِ بن خُثَيمْ: كان يُتحاكم إلى رسول الله عَ لَه في الجاهلية قبل الإسلام(٢) .
وقال النضر بن الحارث لقريش : قد كان محمد فيكم غلاماً حدثاً ، أرضاكم فيكم ،
وأصدَقَكم حديثاً، وأعظمكم أمانة ، حتى إذا رأيتم في صُدْغيه الشيبَ، وجاءَكم بما جاءكم به:
قلتم ساحر ! لا والله ما هو بساحر(٣).
وفي الحديث عنه: ((ما لمستْ يَدُه يدَ امرأةٍ قطّ لا يملكُ رِقَّهَا))(٤). وقال: ((ويجكَ!
فمن يعدلُ إن لم أُعدل؟))(٥).
وعن الحسن: ما كان رسول الله عَ لَّه يأخذُ أحداً بقَرَفٍ(٦) ، ولا يصدقٌ أحداً على
أحد ، وكان أوقرَ الناس في مجلسه ، لا يكادُ يُخرج شيئاً من أطرافه(٧).
• وكان عَّه يُحِبَّ الطيبَ والرائحة الحسنة، ويستعملُها كثيراً، ويحضُّ عليها .
، ومن مروءته عَ لْ نهيُه عن النفخ في الطعام والشراب، والأمرُ بالأكل مما يلي، والأمر
(١) رواه البخاري في الأدب تعليقاً ( باب الكِبْر) رقم /٦٠٧٢ / ووصله ابن ماجه في الزهد ( باب البراءة من
الكبر ) رقم /١٤١٧٧.
(٢) رواه الربيع ، أبو يزيد الثوري ، تابعي ثقة عابد، عن ابن مسعود رضي الله عنه، وانظر نسيم الرياض
٠١٠٧/٢
(٣) رواه ابن إسحاق ٢٩٩/١، والبيهقى ٢٠١/٢ عن ابن عباس. والنضر هذا كان شديد العداوة للتی.
أخذ أسيراً ببدر، فأمر النبي ◌َّ الله علياً رضي الله عنه فقتله بالصفراء .
(٤) رواه البخاري في التفسير (تفسير سورة الممتحنة) رقم /٤٨٩١/، ومسلم في الإمارة ( باب كيفية بيعة
النساء) رقم /٠/١٨٦٦
،
(٥) رواه البخاري في المناقب ( با علامات النبوة في الإسلام) رقم /٣٦١٠/.
(٦) ((بقَرَف أحد)) : بفعلة أحدٍ وتهمته ..
(٧) رواه أبو داوود في مراسيله عن الحسن البصري رحمه الله تعالى. كما في نسيم الرياض ١١٣/٢.
- ٤٤٢ _

بالسواك ، وإنقاء البراجم والرواجب(١) ، واستعمالُ خصال الفطرة.
• وأما زهده فى الدنيا وعبادته ربه عز وجل : فقد توفي ودرعه مرهونة عند يهودي في
نفقة عياله . وكان يدعو: (( اللهم اجعلْ رزقَ آل محمد قوتاً(٢).
وعن عائشة قالت: ما شبعَ رسولُ الله عَ لِّ ثلاثةَ أيام تباعاً من خبزٍ برٍّ ، حتى مضى
لسبيله ، وفي رواية : من خبزٍ شعير يومين متواليين(٣).
وقالت عائشة: ما ترك رسول الله عَ لل ديناراً ولا درهماً، ولا شاة ولا بعيراً(٤). قالت:
ولقد ماتَ وما في بيتي شيء يأكلُه ذو كبد ، إلا شطرَ شعير في رفِّ لي(٥). وقال
لي : ((إني عُرض علّ أن يَجعل لي بطحاء مكة ذهباً. فقلت: لا يا رب بل أجوعُ يوماً
وأشبعُ يوماً ، فأما اليومُ الذي أجوعُ فيه فأتضرَُّ إليك وأدعوكَ ، وأما اليوم الذي أشبعُ فيه
فأحمدُك وأثني عليك)).
وقال ابن عباس: كان عَّ ◌ُلّ يبيت هو وأهلُه الليالي المتتابعة طاوياً لا يجدون عَشَاء(٦)
وكان يقول: ((لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً))(٧).
وفي حديث المغيرة: صلَّى رسولُ اللهِ عَ لِ حتى انتفختْ قدمَاه(٨) .
(١) البراجم ((والرَّواجب)): العُقد التي في ظهور الأصابع، يجتمع فيها الوسخ، والرواجب: هي ما بين عقد
الأصابع من الداخل .
(٢) رواه البخاري في الرقاق (باب كيف كان عيش البني حَ لّم) رقم /٦٤٦٠/، ومسلم في الزهد رقم
/١٠٥٥/ والترمذي في الزهد رقم /٢٣٦٢/.
(٣) رواه البخاري في الأطعمة (باب ما كان النبي عَ له وأصحابه يأكلون) رقم /٥٤١٦/ ومسلم في الزهد رقم
/٢٩٧٠ / والترمذي في الزهد رقم /٢٣٥٨/ وفي القيامة رقم /٢٤٧٣/.
(٤) رواه مسلم في الوصية ( باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي به ) رقم /١٦٣٥/.
(٥) رواه البخاري في الرقاق ( باب فضل الفقر) رقم /٦٤٥١/ ومسلم في الزهد رقم /٢٩٧٣/ والترمذي في
الزهد رقم /٢٥٦٩/ .
(٦) رواه الترمذي في الزهد ( باب ما جاء في معيشة التي عَ له) رقم /٢٣٦١/.
(٧) رواه البخاري في الرقاق ( باب قول النبي عملٍ: لو تعلمون ما أعلم) رقم /٦٤٨٥/ والترمذي في الزهد
( باب قول النبي عَ لل: لو تعلمون ما أعلم) رقم ٢٣١٤ .
(٨) رواه البخاري في التهجد ( باب قيام التي عَ ل) رقم /١١٣٠/ ومسلم في صفات المنافقين (باب
إكثار الأعمال .. ) رقم /٢٨١٩/ كما رواه أصحاب السنن إلا أبا داود .
- ٤٤٣ -

وقالت عائشة: كان عملُ رسول الله عَ لِ دِيمةً، وأيُّكم يُطيق ما كان يُطيق، وقالت:
كان يصومُ حتى نقولَ لا يُفطر، ويُفطر حتى نقولَ لا يصومُ (١).
وقال عوفُ بن مالك : كنتُ مع رسول الله عَ ليه ليلةً، فاستاك، ثم توضأ ، ثم قام
يُصلِّي ، فقمت معه ، فبدأ فاستفتح البقرةَ، فلايمرُّ بآية رحمةٍ إِلا وقفَ فسألَ، ولا بآيةٍ
عذابٍ إلا وقفَ فتعوَّذَ، ثم ركعَ فمكث بقدر قيامه، يقول: (( سبحان ذي الجبروت
والملكوت والعظمة )) ثم سجدَ وقال مثل ذلك ، ثم قرأ آل عمران، ثم سورةً سورةً يفعلُ مثل
ذلك (٢) .
وعن عائشة: قامَ رسولُ الله عَ لِّ بآيةٍ من القرآن ليلةً (٣).
وقال عَّ له: ((فإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة (٤))) .
(١) رواه الترمذي في الشمائل ( باب ما جاء في صوم رسول الله عَ ليه) رقم /٣٠٣).
(٢) رواه أبو داود في الصلاة ( باب ما يقول الرجل في ركوعه .. ) رقم /٨٧٣/ والنسائي في الصلاة (باب نوع.
آخر من الذكر) ١٩١/٢، والترمذي في الشمائل (باب ما جاء في صوم رسول الله) رقم /٣٠٦/.
(٣) رواه الترمذي في الصلاة ( باب ما جاء في قراءة الليل ) رقم /٤٤٨/.
(٤) رواه مسلم في الذكر ( باب استحباب الاستغفار) رقم /٢٧٠٢/.
- ٤٤٤ _

ذكر مصيبة الأولين والآخرين من المسلمين
بوفاة رسول الله چلّ
ولما قفل عَّله من حجة الوداع ، أقام بالمدينة ذا الحجة والمحرم وصفراً ، وضرب على
الناس بعثاً أُميُره أسامة بن زيد. وقد تقدم ذكره ، وهو آخر بعوثه ، فبينا الناس على ذلك
ابتدِىء صلوات الله عليه وسلامه بشكواه(١) الذي قبضَه الله فيه إلى ما أرادَ من رحمته وكرامته
في ليالٍ بقين من صفر - أو في أول شهر ربيع الأول - فكان أوَّلَ ما ابتدىء به ◌َّلِّ أنه قد
خرج إلى بقيع الغرقد - مقبرتهم - من جوف الليل، فاستغفرَ لهم . ثم رجع إلى أهله ، فلما
أصبحَ ابتدىء بوجعه من يومه ذلك .
قالت عائشة: رجعَ رسول الله عَ لِ من البقيع فوجدني وأنا أجدُ صُداعاً في رأسي ، وأنا
أقول: وارأساه، فقال: ((بل أنا والله يا عائشة وارأساه)). قالت: ثم قال: ((ما ضَرَّك
لو مِتِّ قبلي، فقمتُ عليكِ، وكَفَّنْتُكِ، وصلَّيتُ عليك، ودفنتُك)). قلت: والله لكأني
بك لو قد فعلتَ ذلك ، لرجعتَ إلى بيتي فأعرستَ فيه ببعض نسائِك . فتبسَّمَ
رسولُ الله ێه ، وتتامًّ به وجعه وهو يدور على نسائه ، حتى استُعِزَّ(٢) به وهو في بيت
ميمونة ، فدعا نساءه ، فاستأذنهنَّ في أن يُمرَّض في بيتي، فأذِنَّ له . قالت : فخرجَ
رسولُ الله ◌ِعَ لِ يمشي بين رجلين من أهله، أحدهما الفضل بن عباس ورجلٌ آخر ، عاصباً
رأسَه ، تخطُّ قدماه الأرض حتى دخل بيتي (٣) . - قال ابن عباس: الرجل الآخر : علي بن
أبي طالب - ثم غُمِرَ (٤) رسول الله عَ لّه واشتد به وجعه ، فقال: أهريقوا عليّ من سبع قِرِب
(١) : بشكواه)): بمرضه .
(٢) ((اسْتُعِزَّ)): اشتَّد به .
(٣) طبقات ابن سعد ٢٣٢/٢، وأنساب الأشراف للبلاذري ٥٤٤/١ - ٥٤٥، والمصنف لعبد الرزاق
٤٢٩/٥ - ٤٣٠ والسيرة النبوية؛ لابن هشام ٦٤٩/٢، ومصنف ابن أبي شيبة ٥٦٠/١٤، ودلائل
النبوة ؛ للبيهقي ١٦٨/٧ - ١٧٠.
(٤) ((غُمِر)): علاه المرض.
- ٤٤٥ -

من آبار شتى، حتى أخرج إلى الناس ، فأعهدَ إليهم ، فأقعدناه في مِخْضَبٍ(١) لحفصةَ بنت
عمرو ، ثم صيبنا عليه الماء حتى طفق يقول: (( حسبكم حسبكم(٢) )).
وعن الزهري ، قال: حدثني أيوب بن بشير، أن رسول الله عَ اللّه خرج عاصباً رأسه
حتى جلس على المنبر، ثم كان أول ما تكلم به ، أنه صلَّى على أصحاب أحد ، واستغفر لهم،
فأكثرَ الصلاة عليهم ، ثم قال : إن عبداً من عباد الله خيَّره الله بين الدنيا وبين ما عنده ،
فاختار ما عند الله ، ففهمها أبو بكر وعرف أن نفسَه يُريد . فقال : نفديك بأنفسنا وأبنائنا .
فقال : على رسْلِكَ يا أبا بكر ثم قال: انظروا هذه الأبواب اللافظة(٣) في المسجد فسدوها إلا
باب أبي بكر ، فإني لا أعلم أحداً كان أفضل في الصحبة عندي يداً منه (٤). وأراد عمر فتح
كوة لينظر إلى النبي عَ لَّه منها فمنعه من ذلك. وقال عليه الصلاة والسلام للعباس:
ما فتحتَ عن أمري ولا سددتَ عن أمري(٥). واستبطأُ الناسَ في بعث أسامة، فخرج عَّه
عاصباً رأسه . حتى جلسَ على المنبر - وقد كان النَّاسُ قالوا في إمرة أسامة: أمَّرَ غلاماً حَدَثاً
على جِلَّة المهاجرين والأنصار - فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال: أيها الناس
أنفذوا بعثَ أسامة ، فلعمري لئن قلتم في إمارته ، لقد قلتم في إمارة أبيه من قبله ، وإنه لخليق.
للإمارة، وإنْ كان أبوه لخليقاً بها. ثم نزل رسول الله عَ ◌ّه وانكمشَ(٦) الناس في جَهَازهم،
واستُعِزَّ برسول الله وجعه، فخرجَ أسامةُ ، وخرجَ جِيتُه معه حتى نزلوا الجُرْفَ ــ من المدينة.
على فرسخ - فضربَ به عسكرَه، وتَتَمَّ إِليه النَّاسُ، وَثَقُل رسولُ الله عَ لَّه ، فأقامَ أسامةُ
والنَّاسُ لينظروا ما الله قاضٍ في رسوله عليه الصلاة والسلام(٧).
(١) ((مِخْضَب)): المخضَب: وعاء من نحاس ونحوه، تُغسل فيه الثياب، منه الصغير والكبير، ومن أسمائه : ..
الإِجَّانة والمركن أيضاً .
(٢) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٦٤٩/٢
(٣) ((اللافظة)): كذا في ((هـ)) والمطبوع، وقال في نور النبراس: أي النافذة. وفي (أ)): اللاتي. وفي (( ب))
و(( ج)) و (( د)): اللاصقة.
(٤) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٦٤٩/٢.
(٥) الطبقات الكبرى ٢٢٨/٢ .
(٦) ((وانكمشَ الناسُ)»: أسرعوا ومضوا.
(٧) رواه ابن إسحاق عن الزهري؛ فهو مرسل. انظر السيرة النبوية؛ لابن هشام ٦٤٩/٢.
- ٤٤٦ __

ومن حديث عبد الله بن كعب بن مالك ، أن رسولَ الله عَ ل أوصى بالأنصار يومَ
صَلَّى واستغفرَ لأصحاب أحد ، وذكرَ من أمرهم ما ذكر ، فقال : يا معشر المهاجرين
استوصوا بالأنصار خيراً ، فإنَّ الناس يزيدون ، وإن الأنصار على هيئتها لا تزيد ، وإنهم كانوا
عَيْيتي (١) التي أويتُ إليها، فأحسنوا إلى مُحسِنهم وتجاوزوا عن مسيتهم. ثم نزلَ
رسولُ اللهِ عَلٍ(٢). وكان عليه الصلاة والسلام يُوعك(٢) وَعْكاً شديداً(٢) . دخل عليه أبو
سعيد الخدري ، وعليه قطيفة ، فوضعَ يدَه عليه ، فوجد حرارتها فوق القطيفة ، فقال :
ما أشدَّ حُمَّاك؟ فقال: ((إنا كذلك يُشدَّد علينا البلاء ويُضاعف لنا الأجر (٤))).
وعن علقمة قال: دخل عبد الله بن مسعود على النِي عَ له، فوضعَ يَده عليه، ثم
قال : يا رسول الله إنك لتُوعَكُ وَعْكاً شديداً . قال : أجل إني أوعك كما يُوعك رجلان
منكم . قال : قلت : يا رسول الله ذلك بأن لك أجرين .. الحديث (٥) .
وأمرَ رسولُ اللهِ عَِّ أبا بكر أن يُصلِّيَ بالناس، فصلَّى بهم فيما روينا سبع عشرةَ
صلاةٌ ، وصَلَّى البُّ مؤتماً به ركعة ثانية من صلاة الصبح ، ثم قضى الركعة الباقية . وقال : لم
يُقبضْ نّ حتى يؤمَّه رجلٌ من قومه .
وقال عليه الصلاة والسلام في مرضه ذلك : مر الناس فليصلوا - يقول ذلك
لعبد الله بن زمعة بن الأسود - فذهب ابنُ زمعة فقدَّم عمر لغيبة أبي بكر ، فلما سمعَ
رسولُ الله عَ لَه صوتَه، أخرجَ رأسه حتى أطلعه للناس من حجرته، ثم قال: لا، لا ، لا،
ليصل لهم ابن أبي قحافة (٦).
(١) ((غَيْبتي)): موضع سري، وهي في الأصل الحقيبة ونحوها.
(٢) قال سبط ابن العجمي في ((نور النبراس)): والحديث الذي ساقه المؤلف من حديث عبد الله هذا ليس في
شيء من الكتب الستة ولا في مراسيل أبي داود ، والله أعلم .
(٣) ((يوعك وعكاً)): حرارة الحُمَّى تشتد عليه.
(٤) رواه أبو يعلى في المسند ١٠٤٥/٢ وبها مشه: إسناده حسن ، وأخرجه ابن ماجه في الفتن (باب الصبر على
البلاء) رقم /٤٠٢٤ / والإمام أحمد في المسند ٩٤/٣ .
(٥) رواه الإمام أحمد في المسند ٣٨١/١، وقال الشيخ أحمد شاكر بعد أن رقمه بـ/٣٦١٨/: إسناده صحيح
ورواه الشيخان كما في الذخائر /٤٧١٢/.
(٦) رواه الإمام أحمد في المسند ٣٢٢/٤، وأبو داود في السنة (باب في استخلاف أبي بكر) رقم / ٤٦٦٠/.
- ٤٤٧ -

وعن أبي سعيد الخدري في هذا الخبر ، قال : فانتقضت الصفوف ، وانصرف عمر ،
فما برحنا حتى طلع ابن أبي قحافة ، وكان بالسُّنْح، فتقدَّم فصلَّى بالناس، وتبسَّمَ عليه
الصلاة والسلام لما رأى من هيئة المسلمين في صلاتهم سروراً بذلك(١).
وقال : ائتوني أكتبْ لكم كتاباً ، لا تَضِلُّوا بعدَه، فتنازعوا، فلم يكتب (٢)
وقالت عائشة: آخرُ ما عهد إلينا أن لا يُترك بجزيرة العرب دينان(٣).
وقالت أم سلمة : عامة وصيته عند الموت : الصلاة وما ملكت أيمانكم(٤). وكانت
عائشة : سمعته يقول قبل ذلك: ما من نبي يموت حتى يُخَيَّر ، قالت: فسمعته وهو يقول :
(( اللهم الرفيقَ الأعلى)) (٥) فعلمتُ أنه ذاهب.
وفي خبر عنها، فكانت تلك آخرَ كلمةٍ تكلّم بها رسولُ الله عَ ◌ّه. وقالت: رأيتُ
رسولَ الله ◌َ له وهو يموت، وعنده قدح فيه ماء، وهو يُدخلُ يدَه في القدح، ثم يمسحُ
وجهَه بالماء ، ويقول : اللهم أعني على سكرات الموت (٦).
وذكر ابن سعد في وفاته عليه الصلاة والسلام خبراً فيه : أنه لما بقي من أجله ثلاث ،
نزل عليه جبريل: فقال: يا أحمد إِنَّ الله أرسلني إليك إكراماً لك، وتفضيلاً لك، وخاصَّةٌ
لك ، يسألكُ عما هو أعلم به منك، يقول لك : كيف تجدك ؟ وفيه : أن ذلك ثلاث ، المرة
بعد المرة ، وفي الثالثة صحبّه مَلَكُ الموت ، فاستأذن عليه ، فأذن له ، ثم استأذنه في قبض
(١) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ٢٥٤/٢.
(٢) رواه البخاري في المغازي (باب مرض رسول الله عَ الله ووفاته) رقم / ٤٤٣١/ ومسلم في الوصية ( باب ترك
الوصية لمن ليس له شيء يُوطبي به ) رقم /١٦٣٧ / ..
(٣) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٢٨/٥ وقال: رواه أحمد والطبراني في الأوسط ، ورجال أحمد رجال
الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرَّح بالسماع .
(٤) رواه ابن ماجه في الجنائز (باب ما جاء في ذكر مرض رسول الله عز له) رقم /١٦٢٥/ وفي الزوائد: إسناده
صحيح على شرط الصحيحين .
(٥) رواه البخاري في المغازي (بأب مرض رسول الله مَ له ووفاته) رقم / ٤٤٥١/.
(٦) رواه الترمذي في الجنائز ( باب ما جاء في التشدید عند الموت ) رقم /٩٧٨/ وابن ماجه في الجنائز ( باب
ما جاء به في ذکر مرض رسول الله)رقم /١٦٢٣/ .
- ٤٤٨ -

نفسه ، أو تركها ، وأن الله أمره بطاعته في ذلك . فقال جبريل : يا أحمد إن الله قد اشتاق
إليك . قال : فاقبضْ يا مَلكَ الموتِ كما أمرت به . قال جبريل: السلام عليك يا رسولَ الله
هذا آخر موطي الأرضَ . فَتوفِي عَ لِ، وجاءت التعزية، يسمعونَ الصوت ولا يرون
الشخص ، السلام عليكم يا أهل البيت ورحمة الله وبركاته ، كلُّ نفس ذائقة الموت ، وإنما
تُوَفَّوْن أجوركم يوم القيامة ، إن في الله عزاء عن كل مصيبة ، وخَلَفاً من كل هالك ، ودَرَكاً من
كل ما فات ، فباللهِ فِثِقوا، وإياه فارْجوا، إنما المصاب من حُرم الثواب ، والسلام عليكم
ورحمة الله وبركاته . وقد ذُكر أن هذا المُعَزِّي هو الخضر عليه السلام(١).
واختلفَ أهلُ العلم في اليوم الذي توفي فيه ، بعد اتفاقهم على أنه يوم الاثنين في شهر
ربيع الأول ؛ فذكر الواقدي وجمهورُ الناس أنه الثاني عشر . قال أبوالربيع بن سالم: وهذا
لا يصح، وقد جرى فيه على العلماء من الغلط ما علينا بيانه . وقد تقدَّمه السهيلي(٢) إلى
بيانه؛ لأن حجة الوداع ، كانت وقفتها يوم الجمعة . فلا يستقيم أن يكون يوم الاثنين ثاني
عشر ربيع الأول ، سواء أتمت الأشهر كلُّها أو نقصت كلها ، أو تم بعضُها . وقال الطبري :
يوم الاثنين لليلتين مضتا من شهر ربيع الأول . وقال أبو بكر الخُوارَزمي : أول يوم منه.
وكلاهما ممكن .
ولما تُوفي رسول الله عَ لّه وسجَتْه الملائكة، دُهش النَّاسُ، وطاشت عقولُهم، واختلفت
أحوالُهم في ذلك، فأما عمر: فكان ممن خُبِلَ ، فجعلَ يقولُ : إنه والله ما مات ، ولكنه
ذهبَ إلى ربه كما ذهبَ موسى بن عمران حين غابَ عن قومه أربعين ليلة ، ثم رجع إليهم . وأما
عثمان : فأُخرسَ ، حتى جعلَ يُذهب به ويُجاء وهو لا يتكلم، وأُقعد علَّ، وأُضني
عبد الله بن أنيس ـ من الضنى: وهو المرض - وبلغ أبا بكر الخبرُ ، وكان بالسُّنْحِ، فجاء
وعيناه تَهْمَلان ، فقبّلَ النبي عَّله وهو يبكي، وقال: بأبي أنت وأمي، طِبْتَ حياً وميتاً.
(١) الطبقات الكبرى ٢٥٨/٢ - ٢٥٩.
(٢) الروض الأنف ٢٧٠/٤ .
- ٤٤٩ _

وتكلَّمَ كلاماً بليغاً، سكَّنَ بِه نفوسَ المسلمين ، وثبَّتَ جأشهم، وكان أثبتّ القوم رضي الله
عنه(١) ..
وغسَّلَه عليه الصلاة والسلام علَّ والعباس ، وابناه: الفضل وقُم. ومَوْلِيَاه(٢): أسامة
وشقران . وحضرَهم أوسُ بنُّ خَوْلَى الأنصاري .
وكُفِّنَ في ثلاثة أثواب بيضٍ سَحُولية ، ليس فيها قميص ولا عمامة .
وصلَّى عليه المسلمون أفذاذاً ، ولم يؤمُّهم أحدٌ ، وفُرش تحتَه قطيفةٌ حمراء، كان يتغطّى:
بها . ودخل قبرَه العباس وعلَّ، والفضل، وقثم ، وشقران، وأُطبق عليه تسعُ لبنات. ودُفن
في الموضع الذي توفّه الله فيه حول فراشه ..
وكانوا قد اختلفوا في غسله ، فقالوا: والله ما ندري: أنجرِّدُ رسولَ الله من ثيابه كما نُجرِّد
موتانا ، أو نُعَسِّلُهُ وعليه ثيابه. فلما اختلفوا ، ألقى الله عليهم النوم ، وكلَّمهم مُكَلِّم من ناحية
البيت لا يدرون من هو: اغسلوا البِّ عَ ◌ّمِ وعليه ثيابه. فقاموا إلى رسول الله عَطَلٍ ،
فغسَّلُوه وعليه قميصهِ ، يَصْبُّون عليه الماء فوق القميص ، ويدلكونه والقميصُ دون أيديهم ..
فأسندَه علّ إلى صدره ، والعباس والفضل، وقثم يقلبونه معه، وأسامةُ وشقران يَصِبَّان الماء،
وعلِّ يُغِسِّله بيده(٣) .
واختلفوا في موضع دفنه ، هل يكون في مسجده ؟ أو مع أصحابه ؟ فقال أبو بكر :
ادفنوه في الموضع الذي قبض فيه ، فإن الله لم يقبضْ روحَه إلا في مكان طَيِّبٍ ، فعلموا أن قد.
صدق .
وكان أبو عبيدة بن الجراح يُضَرِّحُ كحفر أهل مكة، وأبو طلحة زيد بن سهلَ يلْحَدُ
كأهل المدينة، فاختلفوا كيف يُصنع بالنبي عَّله، فوجَّه العَبَّاسُ رجلين، أحدهما لأبي:
(١) الطبقات الكبرى ٢٦٦/٢ - ٢٧٢.
(٢) ((ومَوْليَاه)): هما من موالي رسول الله عَ طّهه
(٣) الطبقات الكبرى ٢٧٥/٢ - ٢٧٧،
- ٤٥٠ -
٠٠.

عبيدة بن الجراح ، والآخر لطلحة، وقال: اللهم خِرْ لنبيِّك. فحضرَ أبو طلحة فَلَحَدٌ (١)
له .
ولما فُرغ من جهازه يوم الثلاثاء ، وكانت وفاته يوم الاثنين حين زاغت الشمس ، قال
علي : لقد سمعنا همهمة ولم نر شخصاً ، سمعنا هاتفاً يقول : ادخلوا رحمكم الله فصلُّوا على
نبێّکم .
ثم دقُن من وسط الليل ، ليلة الأربعاء، وكانت مدة شكواه ثلاث عشرة ليلة .
ولما دُفُن عليه الصلاة والسلام قالت فاطمةُ ابنته :
شمسُ النهارِ وأظلمَ العصرانِ
اغبرَّ آفاقُ السماء وحوَّرتْ
أسفاً عليه كثيرةُ الرجفانِ
فالأرضُ من بعد النبي كئيبةٌ
ولتبكه مُضَرٌ وكلُّ يمانٍ
فليبكهِ شرقُ البلاد وغربُها
والبيت ذو الأستار والأركان
وليبكهِ الطُّوْدُ المعظّم جوُّه
صلَّى عليك مُتَزِّلُ الفرقان
يا خاتمَ الرُّسْلِ المباركِ ضوؤه
ويروى أنها تمثلت بشعر فاطمة بنت الأحجم :
فتركتني أمشي بأجردَ ضاحٍ
قد كنتَ لي جبلاً ألوذُ بظلُه
أمشي البراز وكنتَ أنت جناحي
قد كنتَ ذاتَ حمّةٍ ما عِشْتَ لي
منه ، وأدفعُ ظالمي بالرَّاحِ
فاليومَ أخضعُ للذليل وأتّقي
ليلاً على فَتَنٍ دعوتُ صباحي
وإذا دعتْ قُمْرِيَّةٌ شجناً لها
ومما يُنسب لعلي أو فاطمة رضي الله عنهما :
ماذا على من شمَّ تربةَ أحمدٍ أَلا يَشُمَّ مدى الزمان غواليا
صُبَّتْ علَّ مصائبٌ لو أنها صُبَّتْ على الأيام عُدْنَ لياليا
وقال أنس بن مالك: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله عَ له ــ يعني المدينة -
أضاء منها كلُّ شيء ، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلمَ منها كلُّ شيء ، وما نفضنا الأيدي
(١) الطبقات الكبرى ٢٩٤/٢ -٢٩٨.
- ٤٥١ -

من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا(١).
وقد روي عنه عليه الصلاة والسلام، أنه قال: ((لتُعَزِّ المسلمينَ في مصائبهم المصيبةُ
بي(٢) )) . .
وفي حديث عنه: « أنا فرطٌ لأمتي ، لن يُصابوا بمثلي(٣))).
وقال أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يرثيه :
وليلُ أخي المصيبةِ فيه طولُ
أرقتُّ فباتَ ليُلي لا يزولُ
أصيبُ المسلمون به قليلُ
وأسعدني البكاء وذاكَ فيما
عشيَّةَ قيل قد قُبض الرسُولُ:
لقد عظمتْ مُصيبتنا وجلَّتْ
تكادُ بنا جوانبها تميل
وأضحتْ أرضُنا مما عَرَاها
يروحُ به ويغدو جبرئيلُ ..
فقدنا الوحيَ والتنزيلَ فينا
نفوسُ النَّاس أو كَرِبتْ تسيلُ:
بما يُوحى إليه وما يقولُ
علينا والرسولُ لنا دليلٌ
وإن لم تجزعي ذاك السبيل
وفيه سيِّدُ النَّاسِ الرسولُ:
وذاك أحقَّ ما سألتْ عليه
نّ كان يجلو الشُكَّ عنا
ويهدينا فلا تخشى ضَلالاً
أَفَاطُمْ إِن جزعتِ فذاكَ عذرٌ
فقبرُ أبيك سَيِّدُ كلِّ قير
ولو فتحنا باب الإكثار، وسمحنا بإيراد ما يُستحسن في هذا الباب من الأشعار ،
لخرجنا عما جنّحنا إليه من الإيجاز والاختصار، فالأشعار في هذا كثيرة ، ولأنواع الأسى
والأسف مثيرةٌ ، فياله من خطب جلَّ عن الخطوب ومُصابٍ علَّم دمعَ العين كيف
يَصُوبُ، ورُزءٍ غَرَبَتْ له النَّيْرَاتُ ، ولا تعلل بشروقها بعد الغروب ، وحادثٍ هجمَ هجومَ
الليل فلا نجاء منه لهاربٍ ، ولا فِرار منه لمطلوب، ولا صباحَ له فيجلو غياهبَه الملّة ودياجيه
(١) رواه الترمذي في الشمائل ( باب ما جاء في وفاة رسول الله عَ له) رقم /٢٧٤/ وفي المناقب برقم /٣٦٢٢/
وابن ماجه في الجنائز برقم / ١٦٣١/.
(٢) رواه مالك في الموطأ (باب جامع الحسبة في المصيبة) ٢٣٦/١.
(٣) رواه الترمذي في الجنائز ( باب ما جاء في ثواب من قدم ولداً) رقم /١٠٦٢ / وإسناده حسن .
- ٤٥٢ -

المُدلهمَّة، ولكل ليل إذا دَجى صباحٌ يؤوب ، ومن سرَّ أهلَ الأرض ثم أبكى أسى بكى بعيون
سَّها وقلوب ، فإنا لله وإنا إليه راجعون من نار حُنيت عليها الأضالع لا تخبو ولا تخمد ،
ومصيبةٍ تستَكُّ منها المسامع لا يَبلى على مَرِّ الجديدين حزنها المجدد :
رزيَّة يومٍ ماتّ فيه محمد
وهل عدلت يوماً رزيّةُ هالك
وما فقد الماضون مثلَ محمّد
ولا مثلُه حتى القيامة يُفقدُ
صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً .
٠٠٠
وقد انتهى بنا الغرضُ فيما أوردناه إلى ما أوردناه ، ولم نسلك بعون الله فيه غير الاقتصاد
الذي قصدناه ، فمن عثر على وَهَم أو تحريف أو خطأ أو تصحيف ، فليصلحْ ما عثرَ عليه
من ذلك ، وليسلكْ سبيلَ العلماء في قبول العذر هنالك، ومن مرَّ بخبر لم أذكرْه أو ذكرتُ
بعضَه ، فلعلَّه بحسب موضعه من التبويب ، أو نسقهٍ في الترتيب ، أو الاختصار الذي اقتضاه
التهذيب ، أو لنكارةٍ في متنه تُنقم على واضعه ، أو لأني ما مررت به في مواضعه . ومن برىء
من الإِحاطة - أيها الناظرُ - إليك، فليس لك أن تلزمَه بكل ما يردُ عليك .
#
- ٤٥٣ -

ذكر الأسانيد التي وقعت لي من المصنّفين
الذين أخرجتُ من كتبهم في هذا المجموع ما أخرجته
• فما كان فيه من صحيح البخاري : فأخبرنا به الشيخ أبو العز عبد العزيز بن
عبد المنعم بن علي بن نصر الحَرَّاني بقراءة والدي رحمة الله عليه ، وأنا أسمع ، قال : أخبرنا أبو
العباس أحمد بن يحيى بن هبة الله بن البيّع الحافظ قراءةً عليه وأنا أسمع ببغداد سنة ستمائة ،
وغيره إجازة . قالوا : أخبرنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى ، أخبرنا أبو الحسين الداودي ،
أخبرنا أبو محمد بن حَمُّويه ، أخبرنا أبو عبد الله الفربري عنه .
• وما كان فيه من صحيح مسلم : فأخبرنا به أبو محمد عبد العزيز ابن الحافظ أبي
الفتوح نصر بن أبي الفرج بن علي الحُصْرِي قراءةُ وأنا أسمع لجميعه ، أخبرنا أبو الحسين
المؤيد بن محمد بن علي الطوسي إجازة ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل بن أحمد
الصاعدي الفَرَاوي ، أخبرنا أبو الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسي ، أخبرنا أبو أحمد
محمد بن أحمد بن عيسى بن عمرويه الجُلودي ، أخبرنا ابن سفيان ، أخبرنا مسلم .
وقد سمعت قطعة منه : على أبي بكر محمد ابن الحافظ أبي الطاهر إسماعيل بن
عبد الله بن الأنماطي ، بسماعه من أبي القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل
الأنصاري بن الحرستاني ، وبإجازةٍ من المؤيد بن محمد ، قال الأول أنبأنا ، وقال الثاني أخبرنا
أبو عبد الله الفراوي بسنده .
· وما كان فيه من سنن أبي داود : فأخبرنا به أبو الفضل عبد الرحيم بن يوسف بن
يحيى بن العَلَم المَوْصلي قراءةً عليه وأنا أسمع لجميعه ، خلا من قوله : باب المستبان . إلى باب
الأرجوحة . فإجازة . قال : أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن طيرزذ قراءة عليه في
الخامسة ، وهو سمع الكتابَ كاملاً: من أبي البدر إبراهيم بن محمد بن منصور الكرخي
بعضَه ، وبعضَه من أبي الفتح مُفلح بن أحمد بن محمد الدومي كما هو مثبت عندي على
الأصل . قالا أخبرنا أبو بكر الخطيب الحافظ ، أخبرنا أبو عمر القاسم بن جعفر الهاشمي ،
- ٤٥٥ -

عن أبي علي اللؤلؤي عنه .
وما كان فيه من كتاب الجامع لأبي عيسى الترمذي فأخبرنا بجميعه أبو عبد الله
محمد بن إبراهيم بن تَرْجم المازني قراءة عليه وأنا أسمع لبعضه ، وبقراءتي عليه لبعضه ، قال :
أخبرنا أبو الحسن علي بن أبي الكرم نصر بن البنا قراءة عليه وأنا أسمع ، أخبرنا أبو الفتح
عبد الملك بن أبي القاسم الكَروُخي ، قال : أخبرنا بجميعه القاضي أبو عامر محمود بن القاسم
الأزدي ، وأبو بكر أحمد بن عيد الصمد الغُورَجي. وأخبرنا من أول الكتاب إلى مناقب
عبد الله بن عباس أبو نصر عبد العزيز بن محمد التِّرياقي . ومن مناقب ابن عباس إلى آخر.
كتاب العلل أبو المظفر ◌ُبيد الله بن علي بن ياسين ، قالوا : أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن
محمد الجراحي ، أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد المحبوبي ، حدثنا الترمذي .
· وما کان فيه من سنن ابي عبد الرحمن النسائي فأخبرنا به غير واحد من شيوخنا
شماعاً ، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد بن عمر بن سالم بن باقا البغدادي ، قال : أخبرنا أبو
زُرعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدسي ، حدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن حمد بن الحسن
الدوني ، أخبرنا أبو نصر أحمد بن الحسين الكسَّار، أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن
إسحاق بن السني عنه .
· وما كان فيه من سنن ابن ماجه فقد قرأتُ الكتابَ كاملاً على أبي علي يعقوب بن
أحمد بن فضائل الحلي ، قلت له : أخبرك الإمام موفق الدين أبو محمد عبد اللطيف بن
يوسف البغدادي قراءة عليه وأنتَ تسمع بحلب ؟ فأقرَّ به ، قال : أخبرنا أبو زُرعة طاهر بن
محمد بن طاهر المقدسي ، أخبرنا أبو منصور محمد بن الحسين المقومي إجازة إن لم يكن
سماعاً ، ثم ظهرَ سماعه ، أخبرنا أبو طلحة القاسم بن أبي المنذر الخطيب ، أخبرنا أبو الحسن
علي بن إبراهيم القطَّان عنه .
· وما كان فيه عن ابن إسحاق ، فمن كتاب السيرة النبوية من رواية أبي محمد
عبد الملك بن هشام النَّحوي وتهذيبه ، عن زياد بن عبد الله البَكَّائي عنه .
وقد قرأتها على أبي المعالي أحمد بن إسحاق الأُبُرُقْوهُي إلا يسيراً، فسمعته بقراءة غيري :
عليه، قال: أخبرنا أبو محمد عبد القوي بن عبد الله بن الجَبَّاب قراءة عليه وأنا أسمع،
- ٤٥٦ -

وإجازة لما خالف المسموع إن خالف . ومن أصل ابن الجَبَّاب كانت القراءة ، أخبرنا أبو
محمد عبد الله بن رفاعة بن غدير السعدي ، أخبرنا القاضي أبو الحسن الخِلَعي ، أخبرنا ابن
النحاس ، أخبرنا ابن الورد ، عن ابن البرْقي ، عن ابن هشام .
ولي في هذا الكتاب أسانيد أخر .
· وما كان فيه من كتاب المغازي عن موسى بن عقبة فقد سمعتُ من شيخنا الإمام
عز الدين أحمد بن إبراهيم بن الفرج الفاروثي أكثر هذا الكتاب ، وأجاز لي سائرَه بسماعه من
أبي محمد إسماعيل بن علي بن باتكين الجوهري بسماعه من أبي بكر أحمد بن المُقَرَّب
الكرخي ، أخبرنا أبو طاهر أحمد بن الحسين بن أحمد بن الباقلاني ، عن أبي طالب حمزة بن
الحسين بن أحمد بن سعيد بن القاسم بن شعيب الكوفي ، عن أبي الحسن علي بن محمد
الشُّونِيزي ، عن أحمد بن زنجويه المُخَرَّمي ، عن إبراهيم بن المنذر ، عن محمد بن فُلَيح ، عنه .
· وما كان فيه من كتاب المغازي عن أبي عبد الله محمد بن عائذ القرشي الكاتب
فقد قرأت على أبي القاسم الخضر بن أبي الحسين بن الخضر بن عبدان الأزدي الدمشقي بها
بعضَ هذا الكتاب ، فأجازني سائرَه وناولني جميعَه، قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن
علي بن الحسين بن الحسن بن محمد بن البُنّ الأسدي قراءة عليه وأنا أسمع بجامع دمشق ،
أخبرنا جدي ، أخبرنا أبو القاسم بن أبي العلاء ، أخبرنا أبو محمد بن أبي نصر ، أخبرنا أبو
القاسم علي بن يعقوب بن إبراهيم بن أبي العَقِب ، أخبرنا أبو عبد الملك أحمد بن إبراهيم
القرشي ، عنه .
· وما كان فيه عن محمد بن سعد فمن كتاب الطبقات الكبير له . وقد قرأت معظم
هذا الكتاب على الشيخ الإمام بهاء الدين أبي محمد عبد المحسن بن الصاحب محيي الدين
محمد بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة العقيلي ، وأجاز لي جميع ما يرويه ، وكان سمعه كاملاً
من الحافظ أبي الحجّاج يوسف بن خليل بن عبد الله الدمشقي ، وذهب يسيرٌ من أصل
سماعه ، فلم يقدر عليه حين قراءتي إياه عليه ، قال ابن خليل : أخبرنا أبو محمد عبد الله بن
دَهْبَل بن علي بن منصور بن إبراهيم بن كَارَة سماعاً عليه ببغداد ، قال : أخبرنا القاضي أبو
بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد بن عبد الله الأنصاري ، عن أبي محمد الحسن بن علي
- ٤٥٧ _

الجوهري ، قال : أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن زكرياء بن حيوية ، قال : قرىء على
أبي الحسن أحمد بن معروف بن بشر بن موسى الخَشَّاب وأنا أسمع في شعبان سنة ثمان عشرة
وثلاثمائة ، قال : أخبرنا أبو محمد الحارث بن محمد بن أبي أسامة التميمي ، أخبرنا ابن سعد .
هذا الإسناد من أول الكتاب إلى آخر ما فيه من خبر التي عَ له، وهو الذي أُخرج منه في
هذا المجموع ما أخرج .
وقد تغير إسناده في باقي الكتاب ، ولا حاجة بنا إلى بيانه ، غير أني رأيت بعض من كتبه
عن ابن دَهْبَل أسنده عنه عن القاضي أبي بكر سماعاً لجميع ما ذُكر عن الجوهري إجازة من
أول الكتاب إلى قوله: ذكرُ مقام رسول الله عَ ◌ّه بمكة حين نُبِّىء إلى الهجرة . وعن أبي
إسحاق البرمكي أيضاً إجازة، قالا : أخبرنا ابن حَيّويه والذي وقع لى في إسناد ابن خليل
بالعنعنة لم يتبيَّن فيه السماع من الإِجازة . وقد أخبرنا به إجازةً الشيخ المسند أبو الفرج
عبد اللطيف بن عبد المنعم بن علي بن نصر بن منصور الحَرَّاني ، قال : أخبرنا أبو محمد
عبد الله بن علي بن كَارة قراءةً عليه وأنا أسمع لبعضه ، وإجازة السائره ، بسنده المذكور
أيضاً .
· وما كان فيه عن أبي القاسم سليمان بن أحمد الطيراني فأخبرني أبو عبد الله محمد بن.
عبد المؤمن بن أبي الفتح الصوري بقراءتي عليه ، وبقراءة الحافظ أبي الحجّاج المزي ، أخبركم :
الشيخان : أبو الفخر أسعد بن سعيد بن روح الصالحاني ، وأم حبيبة عائشة بنت معمر بن :
الفاخر إجازةً من أصبهان ، قالا: أخبرتنا أم إبراهيم فاطمة بنت عبد الله الجُوزْدانِيَّة ، وعائشة
حاضرة ، قالت أم إبراهيم : أخبرنا أبو بكر بن ريذَةً ، أخبرنا الطبراني .
· وما كان فيه عن أبي يَعلى الموصلي فأخبرنا به أيضاً ابن عبد المؤمن بقراءتي عليه ،
: أخبرنا أبو مسلم المؤيد بن عبد الرحيم بن أحمد بن محمد بن الإخوة ، وعائشة بنت معمر بن
الفاخر إجازةً ، قالا : أخبرنا أبو الفرج سعيد بن أبي الرجاء الصيرفي ، أخبرنا أبو نصر
إبراهيم بن محمد بن علي الكسائي ، أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المقرىء ، عنه .
· وما كان فيه عن أبي بشر الدولابي فهو مما قرأته بدمشق على الشيخ الإمام أبي
العباس أحمد بن إبراهيم الفاروثي، أخبركم الأمير أبو محمد الحسن بن علي بن الحسن
السيّدي ، قال : أخبرنا الحافظ أبو الفضل محمد بن ناصر سماعاً ، أخبرنا أبو طاهر محمد بن
- ٤٥٨ -

أحمد بن أبي الصقر الأنباري ، أخبرنا أبو البركات أحمد بن عبد الواحد بن الفضل بن نظيف
الفرَّاء ، أخبرنا أبو محمد الحسن بن رشيق ، عنه .
· وما كان فيه عن أبي بكر الشافعي فمن الفوائد المعروفة بالغيلانيات من رواية أبي
طالب محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان البزاز ، عنه . وقد سمعتها بقراءة والدي رحمه الله
على أبي الفضل عبد الرحيم بن يوسف بن يحيى بن العلم ، ثم قرأتُها على أبي الهيجاء غازي بن
أبي الفضل بن عبد الوهاب الدمشقي ، قالا : أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزذ ،
أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن محمد بن الحصين ، عن ابن غيلان .
· وما كان فيه عن أبي عروبة الحسين بن أبي معشر الحراني فمما سمعته على الشيخ
أبي عبد الله بن عبد المؤمن بن أبي الفتح ، بظاهر دمشق ، عن زاهر بن أبي طاهر ،
ومحمود بن أحمد الثقفيين ، وهشام بن عبد الرحيم الأصبهانيين ، إجازةً بسماعهم من أبي نصر
محمد بن حُميد الكبريتي ، أخبرنا أبو مسلم محمد بن علي بن مُهْزَبَرد النحوي أخبرنا أبو
بكر بن المقرىء ، عنه .
· وما كان فيه عن أبي الحسين بن جُميع الغَسّاني فمن معجمه ، وقد قرأته على
الشيخ أبي حفص عمر بن عبد المنعم بن غدير القوَّاس ، بعربيل بظاهر دمشق بغوطتها ،
أخبركم القاضي أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن الحرستاني حُضوراً في الرابعة سنة تسع
وستمائة . قال : أخبرنا جمال الإسلام أبو الحسن علي بن المسلم بن محمد السلمي ، أخبرنا
الحسين بن أحمد بن طَلاَّب الخطيب ، عنه .
· وما کان فيه عن أبي عمر فمن كتاب الدرر في اختصار المغازي والسير له وهو مما
رويته عن والدي رحمه الله ، عن شيخه أبي الحسين محمد بن أحمد بن السراج ، عن خاله أبي
بكر بن خير ، عن أبي الحَجَّاج الشنتمَري ، عن أبي علي الغساني ، عنه .
· وما كان فيه عن أبي محمد عبد الله بن علي الرُّشَاطي فمن كتابه في الأنساب
وأخبرنا به والدي ، عن أبي الحسين بن السراج ، إجازة ، قال : أخبرنا أبو محمد عبد الله بن
محمد بن علي بن عبد الله بن عُبيد الله الحُجْري إجازة إن لم يكن سماعاً ، قال : أخبرنا
الرشاطى قراءة عليه .
- ٤٥٩ -

· وما كان فيه عن القاضي أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض اليَحصي، فمن
كتابه المسمى بـ الشفا بتعريف حقوق المصطفى عَ لله وقد سمعته كاملاً بقراءة والدي رحمه
الله بمصر على القاضي الإمام علم الدين أبي الحسن محمد بن الشيخ الإمام جمال الدين أبي علي
الحسين بن عتيق بن رشيق بمصر في سنة سبع وسبعين وستمائة ، قال : أخبرنا الإمام أبو
الحسن محمد بن أحمد بن جبير الكناني سماعاً عليه سنة تسع وستمائة ، قال: أخبرنا الإمام أبو
عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن عيسى التميمي إجازة ، أخبرنا القاضي عياض سماعاً .
· وما كان فيه عن الأستاذ أبي القاسم السهيلي فمن روايتي عن والدي رحمه الله ،
قال : أخبرنا الشيخ الراوية الزاهد أبو الحسين محمد بن أحمد بن السراج إجازة إن لم يكن
سماعاً. وقد سمع عليه الكثير بقراءة والده ، قال: قرىء كتاب الروض الأنف، والمشرع
الروي ، على أبي القاسم عبد الرحمن بن أبي الحسن الختعمي السهيلي، مصنفه من أوله إلى
آخره مرتين . وأنا أسمع . ومن كتابه هذا أثبت ما أثبت عنه هنا .
وربما أثبت فوائد في الفصول المتعلقة بشرح الأخبار السابقة لها وما اشتملت عليه من
الغريب من فوائد ألفيتها بخط جدي أبي بكر محمد بن أحمد عَلَّقَها عن شيخه الأستاذ أبي علي
عمر بن محمد الأزدي بن الشلوبين عند قراءة السيرة الهشامية عليه . وأثبتَها في طرر كتابه .
رحم الله جميعَهم ، ونفعنا بما يسَّر لنا من ذلك بمنَّه وكرمه آمين .
خاتمة النسخة (( أ)) هي
تمَّ كتاب (( عيون الأثر في المغازي والشمائل والسير)) بعون الله تعالى وحسن
توفيقه ، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم، وصلَّى:
الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم . وكان الفراغ من نسخ ذلك يوم الأحد
المبارك تاسع عشر ربيع الآخر من شهور سنة ١١٦٩ من الهجرة النبوية ، على يد
كاتبه خليل الحنفي ، تغمده الله بالرحمة والرضوان ، وغفر الله له ولمن قرأ فيه ،
ودعا له بالمغفرة ولسائر المسلمين أجمعين ، آمين .
- ٤٦٠ -.