النص المفهرس

صفحات 361-380

إذا أتى المقام: ﴿وأنَّخِذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ [البقرة: ١٥٨]. ثم رجع إلى الحجر
الأسود فاستلمه ، ثم خرج إلى الصفا فقراً: ﴿ إِنَّ الصَّفَا والمروةَ من شعائر الله﴾ [ البقرة:
١٥٨] أبدأ بما بدأ الله به ، فطاف بين الصفا والمروة أيضاً سبعاً راكباً على بعيره ، يخبُّ
ثلاثاً ، وبمشي أربعاً، إذا رفى الصفا استقبل القبلة ونظر إلى البيت ووَّحَد الله تعالى وكبَّره،
وقال: لا إله إلا الله وحده ، أنجز وعده ، ونصر عبده وهزم الأحزابَ وحده . ثم يدعو ، ثم
يفعل على المروة مثل ذلك . فلما أكمل عليه الصلاة والسلام الطواف والسعيَ أمرَ كلَّ من
لا هدي معه بالإحلال قارناً كان أو مُفرداً، وأن يُحِلُّوا الحِلَّ كلّه من وطء النساء والطّيب
والمخيط ، وأن يبقوا كذلك إلى يوم التروية ، وهو يوم مِنِى، فُهِلُّوا حينئذ بالحج ، ويُحرموا عند
نهوضهم إلى منى ، وأمر من معه الهدي بالبقاء على إحرامهم ، وقال لهم عليه الصلاة والسلام
حينئذ إذ تردّدَ بعضهم : لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما سُقت الهدي حتى أشتريه ،
ولجعلتُها عمرة ، ولأحللتُ كما أحللتم ، ولكني سقتُ الهديَ فلا أُحِلُّ حتى أنحر الهديَ. وكان
أبو بكر وعمر وطلحةُ والزبير وعلَّ، ورجال من أهل الوفر (١)، ساقوا الهديّ فلم يُحِلُّوا وبَقُوا
محرمين ، كما بقي هو عليه الصلاة والسلام مُحرماً ، لأنه كان ساقَ الهديّ مع نفسه ، وكن
أمهات المؤمنين لم يسقن هدياً فأحْلَلنَ ، وكن قارنات حجَّاً وعمرة، وكذلك فاطمة ابنة
النِي عَّهِ ، وأسماء بنت أبي بكر الصديق، أحلُّتا، حاشى عائشة رضي الله عنها من أجل
حيضها لم تُحِلَّ كما ذكرنا ، وشكا علَّ فاطمةَ إلى النِّ سَّ لِ إِذ حَلَّتْ، فصَدَّقها عليه الصلاة
والسلام في أنه أمرها بذلك . وحينئذ سأله سراقة بن مالك بن جُعشم الكِناني ، فقال :
يا رسول الله متعتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد ، ولنا أم للأبد ؟ فشبَّكَ عليه الصلاة والسلام
أصابعه وقال : لا ، بل لأبد الأبد ، دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة .
وأمر عليه الصلاة والسلام من جاء إلى الحج على غير الطريق التي أتى عليه الصلاة
والسلام عليها ، ممن أهل بإهلال كإهلاله ، بأن يبقَوْا على حالهم ، فمن ساقَ منهم الهديّ لم
يُحِلَّ ، فكان علَّ من أهل هذه الصفة ، ومن كان منهم لم يَسُقِ الهديَ أن يُحل ، فكان أبو
موسى الأشعري من أهل هذه الصفة .
(١) (( أهلُ الوفرِ)): من بأيديهم مال زائد عن الحاجة.
- ٣٦١ -

وأقام عليه الصلاة والسلام بمكة محرماً من أجل هديه يوم الأحد المذكور والاثنين
والثلاثاء والأربعاء وليلة الخميس. ثم نهضَ عَ لّه بكرةٌ يوم الخميس ، وهو يوم منى، ویوم
التروية مع الناس إلى منى ، وفي ذلك الوقت أحرمَ بالحجِّ من الأبطح كلُّ من كانَ أُحلَّ مِن
أصحابه رضي الله عنهم، فأحرموا في نهوضهم إلى منى في اليوم المذكور، فصلّى
رسولُ اللهِ عَّهِ بمنى الظهر من يوم الخميس المذكور والعصر والمغربَ والعشاء الآخرة، وبات
بها ليلة الجمعة ، وصلّى بها الصبحَ من يوم الجمعة ، ثم نهض عليه الصلاة والسلام بعد طلوع
الشمس من يوم الجمعة المذكور إلى عرفة بعد أن أمر عليه الصلاة والسلام بأن تُضرب له قُبَّةٌ
من شَعَر بنمرة ، فأتى عليه الصلاة والسلام عرفة ، ونزل في قبته التي ذكرنا ، حتى إذا زالت
الشمس أمر بناقته القَصْوَاء فَرُحِّلَتْ ، ثم أتى بطن الوادي ، فخطب على راحلته خطبة ذكر
فيها عليه الصلاة والسلام تحريمَ الدماء والأموال والأعراض، ووضع فيها أمور الجاهلية
ودماءها. وأَوَّلُ ما وضع دمَ ابن ربيعة (١) بن الحارث بن عبد المطلب، كان مُسترضَّعاً في بني
سعد بن بكر فقتلته هذيل . وذكر النَّسّابون أنه كان صغيراً يحبو أمام البيوت ، وكان اسمه(٢)
آدم ، فأصابه حجر عائر(٣) أو أسهم غَرْب(٤) من يد رجل من بني هذيل فمات .
ثم نرجعُ إلى وصف عمله عليه الصلاة والسلام
ووضع أيضاً عليه الصلاة والسلام في خطبته بعرفة ربا الجاهلية ، وأوَّلُ ربا وضعَه ربا عمه
العباس رضي الله عنه، وأوصى بالنساء خيراً ، وأباحهم ضربهنَّ غيرَ مُبرِّح إن عصين بما
· لا يَحِلُّ، وقضى لهنَّ بالرزق والكسوة بالمعروف على أزواجهنَّ ، وأمر بالاعتصام بعده بكتاب
الله عز وجل ، وأخبرَ أنه لا يَضِلُّ من اعتصم به، وأشهدَ اللَّه عز وجل على الناس أنه قد بلَّغهم
ما يَلزمه(٥)، فاعترف الناس بذلك، وأمر عليه الصلاة والسلام أن يُبَلِّغ ذلك الشاهدُ
الغائبَ . وبعثت إليه أمُّ الفضل بنت الحارث الهلالية ــ وهي أمُّ عبد الله بن عباس ـــ لبناً في
:
(١) ((ابن ربيعة)): قال المحققون والجمهور: أن اسم هذا الابن إياس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب.
. (٢) قال الدارقطني: وهو تصحيف؛ أي: من بعض النسابين . نور النبراس لوحة ١٦٧/٣.
(٣) ((حجرٌ عائر)): لا يُعرف من زماه .
(٤) ((سهمَّ غَرْبٌ)): السهم الذي أخطأ هدفه، أو لا يُعرف من رماه أيضاً .
(٥) كذا في (( د)) والمطبوع؛ أي ما يلزمه تبليغهم، وفي سائر النسخ ((ما يلزمهم)).
- ٣٦٢ -

قدح، فشربَه عليه الصلاة والسلام أمامَ الناس وهو على بعيره، فعلموا أنه عَّ ◌ُلّه لم يكن
صائماً في يومه ذلك ، فلما أتم الخطبة المذكورة أمر بلالاً فأذَّن ثم أقام ، فصلَّى الظهر ، ثم أقام
فصلَّى العصر، ولم يُصلِّ بينهما شيئاً ، لكنْ صلاَّهما عليه الصلاة والسلام بالناس مجموعتين
في وقت الظهر بأذان واحد لهما معا ، وبإقامتين ، لكل صلاة إقامة ، ثم ركب عليه الصلاة
والسلام راحلته حتى أتى الموقف، فاستقبل القبلةَ، وجعل حَبْلَ المشاةِ(١) بين يديْه، فلم يزل
واقفاً للدعاء .
وهنالك سقطَ رجلٌ من المسلمين عن راحلته وهو مُحرم في جملة الحجيج فمات ، فأمرّ
رسولُ الله عَِّ بأن يُكَفِّن في ثوبيه، ولا يُمَسَّ بطيب، ولا يُحَّط، ولا يُغطّى رأسه
ولا وجهه. وأخبر عليه الصلاة والسلام أنه يُبعث يوم القيامة مُلَبِّياً .
وسأله قومٌ من أهل نجد هنالك عن الحج ، فأعلمهم عليه الصلاة والسلام بوجوب
الوقوف بعرفة ، وَوَقتَ الوقوف بها ، وأرسلَ إلى الناس أن يقفوا على مشاعرهم ، فلم يزل عليه
الصلاة والسلام واقفاً حتى غربت الشمس من يوم الجمعة المذكور وذهبت الصفرة ، أردف
أسامة بن زيد خلفَه ، ودفع عليه الصلاة والسلام ، وقد ضمّ زمام القصواء ناقتِه ، حتى أن
رأسَها ليصيبُ طرفَ رحله ، ثم مضى يسيرُ العَتَق ، فإذا وجد فجوة نصَّ - وكلاهما ضرب
من السير ، والنص آكدهما ، والفجوة : الفسحة من الناس - كلما أتى ربوة من تلك الروابي
أرخى للناقة زمامَها قليلاً، حتى يُصْعِدَهَا ، وهو عليه الصلاة والسلام يأمر الناس بالسكينة في
السير . فلما كان في الطريق عند الشعب الأيسر نزل عليه الصلاة والسلام فيه ، فبال وتوضأ
وَضُوءاً خفيفاً، وقال لأسامة المصلى أمامك - أو كلاماً هذا معناه - ثم ركب حتى أتى
المزدلفة ليلة السبت العاشر من ذي الحجة ، فتوضأ ثم صلّ بها المغرب والعشاء الآخرة دون
خطبة ، لكن بأذان واحد لهما معاً ، وبإقامتين ، لكل صلاة منهما إقامة ، ولم يصلِّ بينهما
شيئاً ، ثم اضطجع عليه الصلاة والسلام بها حتى طلع الفجر ، فقام وصلَّى الفجرَ بالناس
بمزدلفة يوم السبت المذكور ، وهو يوم النحر ، وهو يوم الأضحى ، وهو يوم العيد ، وهو يوم
الحج الأكبر ، مُعَلِّساً أول انصداع الفجر .
(١) ((حبلُ المشاة)): طريقهم الذي يسلكونه في الرمل، وقيل: أراد صفهم ومجتمعهم في مشيهم ؛ تشبيهاً بحبل
الرمل ، وهو القطعة من الرمل الضخمة الممتدة .
- ٣٦٣ -

وهناك سأله عروة بن مُضَرِّس الطائي - وقد ذكر له عملَه - أله حج ؟ فقال عليه
: الصلاة والسلام : إنَّ من أدركَ الصلاة - يعني صلاة الصبح - بمزدلفة في ذلك اليوم مع
الناس ، فقد أدرك الحج، وإلا فلم يُدركْ. واستأذنته سودة وأم حبيبة في أن يدفعا من مزدلفة
ليلاً ، فأذنَ لهما ولأم سلمة في ذلك، وهن أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، وأذن أيضاً عليه
الصلاة والسلام للنساء والضعفاء في ذلك بعد وقوف جميعهم بمزدلفة ، وذكرهم الله تعالى
بها . إلا أنه عليه الصلاة والسلام أذن للنساء في الرمي بليل ، ولم يأذن للرجال في ذلك ،
لا لضعفائهم ولا لغير ضعفائهم ، وكان ذلك اليومُ يومَ كونه عليه الصلاة والسلام عند أم
سلمة .
فلما صلَّى عليه الصلاة والسلام الصبح كما ذكرنا بمزدلفة، أتى المشعر الحرام بها(١)،
فاستقبل القبلة ، فدعا الله عز وجل وكبَّر وهلَّلَ ووَّحَد ، ولم يزل واقفاً بها حتى أسفر جداً ،
وقبل أن تطلعَ الشمس ، فدفع عليه الصلاة والسلام حينئذ من مزدلفة ، وقد أردف
الفضلَ بن عباس ، وانطلق أسامةُ على رجليه في سُبَّق قريش. وهنالك سألت الخثعمية
البَّ ◌َ ◌ِّ الحج عن أبيها الذي لا يُطيق الحَجَّ، فأمرَها أن تحجَّ عنه، وجعل عَلِّ يصرفُ
بيده وجهَ الفضل بن عباس عن النظر إليها وإلى النساء ، وكان الفضلُ أبيضَ وسيماً ، وسأله
أيضاً عليه الصلاة والسلام رجلٌ عن مثل ما سألت عنه الخثعمية ، فأمره عليه الصلاة والسلام
بذلك .
ونهض عليه الصلاة والسلام يُريد مِنِى، فلما أتى بطنَ مُحَسِّر حَرَّكَ ناقته قليلاً ، وسلكَ
عليه الصلاة والسلام الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى ، حتى أتى مِنى، فأتى
الجمرة التي عند الشجرة ، وهي جمرة العقبة ، فرماها عليه الصلاة والسلام من أسفلها بعد
طلوع الشمس من اليوم المؤرخ ، بحصى التقطها له عبد الله بن عباس من موقفه الذي رمی
فيه مثل حصى الخَذَفِ ، وأمرَ بمثلها ، ونهى عن أكبرَ منها ، وعن الغلوِّ في الدين ، فرماها عليه
الصلاة والسلام وهو على راحلته بسبع حصيات كما ذكرنا ، يُكبِّر مع كل حصاة منها ،
وحينئذ قطعَ عليه الصلاة والسلام التلبية ، ولم يزل يُلِّي حتى رمى جمرة العقبة التي ذكرناها .
(١) كذا في ((هـ))، وفي بقية النسخ: ((أتى المشعر الحرام فوقف بها، فاستقبل القبلة .. )).
- ٣٦٤ -

ورماها عليه الصلاة والسلام راكباً ، وبلال وأسامة أحدُهما يُمسك بخطام ناقته عليه الصلاة
والسلام ، والآخر يُظِله بثوبه من الحر .
وخطب عليه الصلاة والسلام النَّاسَ في اليوم المذكور - وهو يوم النحر بمنى ــ خطبةٌ ،
كرر فيها أيضاً تحريم الدماء والأموال والأعراض والأبشار، وأعلمهم عليه الصلاة والسلام فيها
بتحريم يوم النحر ، وحرمة مكة على جميع البلاد ، وأمر بالسمع والطاعة لمن قادَ(١) بكتاب الله
عز وجل ، وأمر الناس بأخذ مناسکهم ، فلعله لا يحج بعد عامه ذلك ، وعلمهم مناسکھم ،
وأنزل المهاجرين والأنصار والناس منازلهم ، وأمر أن لا يرجعوا بعده كفاراً ، ولا يرجعوا بعده
ضُلاَّلاً يضربُ بعضُهم رقابَ بعض، وأمر بالتبليغ عنه ، وأخبر بأن رُبَّ مبلَّغ أوعى من
سامع .
ثم انصرف رسول الله عَ لّه إلى المنحر بمنى، فنحرَ ثلاثاً وستين بدنة، ثم أمر علياً فنحر
ما بقي منها ، مما كان علَّ أتى به من اليمن، مع ما كان عليه الصلاة والسلام أتى به من
المدينة ، وكانت تمام المائة .
ثم حلقَ عليه الصلاة والسلام رأسه المقدس ، وقسمَ شعرَه فأعطى من نصفه الشعرة
والشعرتين ، وأعطى نصفه الثاني كلَّه أبا طلحة الأنصاري ، وضحَّى عن نسائه بالبقر ،
وأهدى عمن كان اعتمرَ منهن بقرة ، وضحى هو عليه الصلاة والسلام في ذلك اليوم بكبشين
أملحين(٢)، وحلق بعضُ الصحابة وقصّر بعضُهم، فدعا عليه الصلاة والسلام للمُحَلِّقين
ثلاثاً وللمقصرين مرة ، وأمر عليه الصلاة والسلام أن يؤخذ من البُدْن التي ذكرنا ، من كل
بَدَنة بضعةً ، فجعلت في قدر وطُبخت ، فأكل هو عليه الصلاة والسلام وعلَّ من لحمها ،
وشربا من مرقها ، وكان عليه الصلاة والسلام قد أشركَ عليّاً بقسمة لحومها كلَّها وجُلودِها
وجِلالِهَا(٣)، وأن لا يُعطى الجازر شيئاً منها على جزارتها، وأعطى عليه الصلاة والسلام
الأجرة على ذلك من نفسه، وأخبر الناس أن عرفة كلَّها موقف حاشى بطنٍ عُرَنة ، وأن
(١) ((قاد)): أي حكم الناسَ وقادهم.
(٢) ((أملحين)): الأملح: الذي بياضه أكثر من سواده، وقيل : هو النقي البياض.
(٣) : جلالها)): جمع جُلٌّ، وهو الكساء الذي يوضع على ظهر الدابة لتصانَ به.
- ٣٦٥ -

مزدلفة كلَّها موقف حاشى بطن مُحَسِّر ، وأن مِنى كلَّها منحر ، وأن فجاجَ مكة كلَّها
منحر .
١
ثم تطيّبَ عليه الصلاة والسلام قبل أن يطوفَ طواف الإفاضة، ولإ حلاله قبل أن يُحِلَّ
في يوم النحر، وهو يوم السبت المذكور ، طَّته عائشة رضي الله عنها أيضاً بطيب فيه
مسك ، ثم نهضَ عليه الصلاة والسلام راكباً إلى مكة في يوم السبت نفسه ، فطاف في يومه
: ذلك طواف الإفاضة، وهو طواف الصَّدَر (١) قبل الظهر ، وشرب من ماء زمزم بالدلو ، ومن
نبيذ السِّقاية(٢).
ثم رجعَ مِن يومه ذلك إلى منى فصلّى الظهر. هذا قول ابن عمر ، وقالت عائشة
وجابر: بل صلَّى الظهر ذلك اليوم بمكة ، وهذا هو الفعلُ الذي أشكل علينا الفصل فيه ،
لصحة الطرق في ذلك ، ولا شكَّ أنَّ أحد الخبرين وَهَم والثاني صحيح ، ولا ندري أيهما
هو .
وطافت أم سلمة في ذلك اليوم على بعيرها من وراء الناس ، فاستأذنت النَّ عَله في
ذلك ، فأذن لها ، وطافت أيضاً عائشة ذلك اليوم ، وفيه طَهُرت ، وكانت رضي الله عنها
حائضاً يوم عرفة ، وطافت أيضاً صفية في ذلك اليوم ، ثم حاضت بعد ذلك ليلة النَّفْر .
ثم رجع عليه الصلاة والسلام إلى منى ، وسُئل عليه الصلاة والسلام حينئذ عن ما تقدم
بعضُه على بعض ، من الرمي والحَلَّق والنحر والإفاضة ، فقال في كل ذلك : لا حرج .
وكذلك قال أيضاً في تقديم السعي بين الصفا والمروة قبل الطواف بالكعبة. وأخبرَ عليه
الصلاة والسلام بأن الله تعالى أنزلَ لكلِّ داء دواء إلا الهرم، وعظّمَ إثم من اقترض(٣) عِرض
امرىء مسلم ظلماً. فأقام هنالك باقي يوم السبت، وليلة الأحد ، ويوم الأحد ، وليلة
الاثنين ، ويومَ الاثنين ، وليلة الثلاثاء، ويومَ الثلاثاء - وهذه أيام مِنى، وهذه هي أيام
(١) ((الصَّدَر)): الصدور من مِنى
(٢) ((نبيذ السقاية)): ما كانت قريش تسقيه الحجاج من الزبيب المنبوذ في الماء.
(٣) ((اقترضَ عرضَ امرىء)): نال منه وقطعه بالغيبة، وهو افتعال من القَرْض: وهو القطع. ويُروى
« افترصَ )) وهو أيضاً : القطع.
- ٣٦٦ -

التشريق - يرمي الجمار الثلاث كلَّ يوم من هذه الأيام الثلاثة. بعد الزوال ، بسبع
حصيات ، كلَّ يومٍ لكل جمرة ، يبدأ بالدنيا - وهي التي تلي مسجدَ مِنى ــ ويقفُ عندها
للدعاء طويلاً، ثم التي تليها ــ وهي الوسطى - ويقف أيضاً عندها للدعاء كذلك ، ثم جمرة
العقبة ولا يقف عندها . ويُكَبِّر عليه الصلاة والسلام مع كل حصاة .
وخطبَ النَّاسَ أيضاً يوم الأحد ، ثاني يوم النحر ، وهو يوم الرؤوس. وقد روي أيضاً أنه
عليه الصلاة والسلام خطبهم أيضاً يوم الاثنين وهو يوم الأكارع ، وأوصى بذي الأرحام خيراً ،
وأخبرَ عليه الصلاة والسلام أنه لا تجني نفس على أخرى .
واستأذنه العباس عمه في المبيت بمكة من أجل سقايته ، فأذن له عليه الصلاة والسلام ،
وأذن للرِّعاء أيضاً في مثل ذلك .
ثم نهضَ عليه الصلاة والسلام بعد زوال الشمس من يوم الثلاثاء المؤرخ ، وهو آخر أيام
التشريق ، وهو الثالث عشر من ذي الحجة ، وهو يوم النفر إلى المُحَصَّب ـ وهو الأبطح -
فضُربت بها قُبَّتُه، ضربها أبو رافع مولاه ، وكان على ثَقَلِهِ (١) عليه الصلاة والسلام. وقد كان
عليه الصلاة والسلام قال لأسامة بن زيد : إنه ينزل غداً بالمحصب خَيْف بني كنانة ، وهو
المكان الذي ضرب فيه أبو رافع قبته وفاقاً من الله عز وجل ، دون أن يأمره عليه الصلاة
والسلام بذلك
٠
وحاضتْ صفيةُ أُّ المؤمنين ليلة النّفْر بعد أن أفاضت، فأخبر بذلك النُّ ◌َ ◌ّهِ،
فسألَ : أفاضتْ يومَ النحر؟ فقيل له : نعم . فأمرها أن تَنْفِر ، وحكم فيمن كانت له حالة
كحالها أيضاً بذلك .
وصلّى عليه الصلاة والسلام بالمحصب الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة من ليلة
الأربعاء الرابع عشر من ذي الحجة ، وبات بها ليلة الأربعاء المذكورة ، ورقد رقدة .
ولما كان يوم النحر ويوم النفر رغبت إليه عائشة بعد أن طهرت أن يُعمِرَها عمرة مفردة ،
فأخبرها عليه الصلاة والسلام أنها قد حلَّتْ من حجها وعمرتها ، وأن طوافها يَكفيها ويُجزئها
(١) ((على ثَقَلِهِ)): على أمتعته .
- ٣٦٧ -

لحجها وعمرتها ، فأبتْ إلا أن تعتمرَ عمرةَ مفردة ، فقال لها : ألم تكوني طفتٍ ليالي قدمتٍ ؟
قالت : لا . فأمرَ عبد الرحمن بن أبي بكر أخاها بأن يردفَها ويُعمرَها من التنعيم . ففعلا
ذلك ، وانتظرَها عليه الصلاة والسلام بأعلى مكة حتى انصرفت من عمرتها تلك ، وقال لها :
هذه مكان عمرتك ، وأمرَ النّاسَ أن لا ينصرفوا حتى يكون آخر عهدهم الطواف بالبيت ،
ورخَّص في ترك ذلك للحائض التي قد طافت طواف الإفاضة قبل حيضها .
ثم إنه عليه الصلاة والسلام دخل مكة في الليل من ليلة الأربعاء المذكورة ، فطاف
بالبيت طواف الوداع ، لم يربل في شيء منه سحراً قبل صلاة الصبح من يوم الأربعاء
المذكور ، ثم خرج من كُدَي أسفلَ مكة ، من الثنية السفلى، والتقى بعائشة رضي الله عنها
وهو ناهض إلى الطواف المذكور ، وهي راجعة من تلك العمرة التي ذكرنا ، ثم رجع عليه
الصلاة والسلام ، وأمر بالرحيل ، ومضى عليه الصلاة والسلام من فوره ذلك راجعاً إلى
المدينة ، وخرج من مكة من الثنية السفلى ، فكانت مدة إقامته عليه الصلاة والسلام بمكة منذ
دخلَها إلى أن خرجَ منها إلى مِنى إلى عرفة إلى مزدلفة إلى منى إلى المحصب إلى أن وَجَّه راجعاً
عشرةَ أيام ، فلما أتى ذا الخليفة بات بها، فلما رأى المدينة كبَّرَ ثلاث مرات ، وقال: لا إله
إلا الله وحده ، لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، آيبون تائبون
عابدون ساجدون، لربنا حامدون ، صدق الله وعده ونصر عبده وهزمَ الأحزاب وحدَه. ثم
دخل عليه الصلاة والسلام المدينةَ نهاراً من طريق المُعَرَّس والحمد لله وحده .
:
( عُمَرُه عليه الصلاة والسلام )
وأما عمره عليه الصلاة والسلام فأربع. روينا من حديث قتادة ، قال : قلت لأنس : كم
اعتمرَ البِّ عَ لِ؟ قال: أربعاً ، عمرته التي صدَّه عنها المشركون عن البيت من الحديبية في
ذي القعدة ، وعمرته أيضاً من العام المقبل حين صالحوه في ذي القِعدة ، وعمرتُه حين قسم
غنائمَ حنين من الجِعِرَّانة في ذى القعدة ، وعمرته مع حجته(١).
وقد روي عن ابن عباس أن عمرة الجعِرَّانة كانت لليلتين بقيتا من شوال(١).
: (١) الطبقات الكبرى ١٧١/٢، وحديث قتادة رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي، وحديث ابن عباس
لا يصح .. نور النبراس لوحة ١٧٣/٣.
- ٣٦٨ -

سرية أسامة بن زيد بن حارثة إلى أُبْنى(١)
وهي أرض الشراة(٢) ناحية البلقاء
قالوا لما كان يوم الاثنين لأربع ليالٍ بقين من صفر سنة إحدى عشرة من مُهاجره ، أمرً
رسولُ اللهِ عَّلِ النَّاسَ بالتهيؤ لغزو الروم، فلما كان من الغد دعا أسامة بن زيد ، فقال: سر
إلى موضع مقتل أبيك ، فأوطئهم الخيلَ ، فقد ولَّيتك هذا الجيش ، فأغرْ صباحاً على أهل
أبنى، وحَرِّق عليهم، وأسرعِ السيرَ تسبقِ الأخبارَ ، فإن ظفَّرك الله تعالى فأقلَّ اللبث فيهم ،
وخذ معك الأدلاء، وقدِّم العيون والطلائع معك .
فلما كان يوم الأربعاء بُدىء برسول الله عَ لَّه وجعه، فحُمَّ وصُدِعَ، فلما أصبح يوم
الخميس عقدَ لأسامةَ لواءً بيده ، ثم قال : اغز بسم الله ، وفي سبيل الله ، فقاتل من كفر
بالله . فخرج بلوائه معقوداً ، فدفعه إلى بريدة بن الحُصَيْب الأسلمي ، وعسكر بالحُرْف ،
فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين الأولين والأنصار إلا انْتَدبَ في تلك الغزوة ، منهم : أبو
بكر ، وعمر بن الخطاب ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وسعد بن أبي وقاص ، وسعيد بن زيد ،
وقتادة بن النعمان ، وسلمة بن أسلم بن حَرِيس . فتكلّم قوم وقالوا : يَستعملُ هذا الغلام على
المهاجرين الأولين ؟ فغضبَ رسولُ الله عَّلِ غضباً شديداً، فخرج وقد عَصَّبَ على رأسه
عِصابةٌ وعليه قطيفة ، فصعد المنبرَ وحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ، أيها الناس فما
مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة ، ولئن طعنتم في إمارتي أسامة ، لقد طعنتم في
إمارتي أباه من قبله ، وايم الله إن كان لخليقاً للإمارة ، وإن ابنه من بعده لخليقٌ للإمارة ، وإن
كان لمن أحبُّ الناس إليَّ، وإنهما لَمِخِيْلاَن لكل خير - أي مَظَنَّةٌ لكل خير - فاستوصوا به
خيراً ، فإنه من خياركم . ثم نزل فدخل بيته ، وذلك في يوم السبت لعشر خلون من شهر ربيع
الأول سنة إحدى عشرة .
(١) (( أُبنى)): بضم الهمزة ثم موحدة ثم نون فألف مقصورة، موضع. قال السهيلي: هي القرية التي عند مؤتة
حيث قتل أبوه زيد . وقال ابن الأثير : أبنى : بضم الهمزة ، اسم موضع من فلسطين بين عسقلان والرملة .
(٢) ((الشَّرَاة )): جبل شامخ في عسقلان .
- ٣٦٩ -

وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة، يُودِّعون رسولَ الله عَّله، ويخرجون إلى.
العسكر بالجُرف، وثَقُلَ رسولُ اللهِ عَّ ◌َلِ، فجعلَ يقولُ أنفذوا بعثَ أسامة . فلما كان يوم
الأحد اشتدَّ برسول الله عَ لَه وجعه، فدخل أسامةُ من معسكره والنِّ عَ لِ مغمورٌ (١)،
وهو اليوم الذي لدُّوه (٢) فيه، فطأطأ أسامةُ فقبّله والبُّ عَ لِ لا يتكلّم، فجعلَ يرفعُ يديه إلى
السماء ثم يضعُهما على أسامة. قال أسامة: فعرفت أنه يدعو لي . ورجع أسامة إلى
معسكره ، ثم دخل يومُ الاثنين، وأصبح رسولُ الله عَ لِ مفيقاً، فقال له : اغْدُ على بركة
الله. فودَّعه أسامةُ وخرج إلى معسكرِه ، فأمر النَّاسَ بالرحيل ، فبينا هو يُريد الركوب إذا:
رسولُ أمه أم أيمن قد جاءه يقولُ: إنَّ رسولَ الله عَ لِ يموتُ . فَأَقبلَ وأقبلَ معه عمر وأبو
عبيدة ، فانتهوا إلى رسول الله عَ له وهو يموتُ، فتوفي حين زاغتِ الشمس يوم الاثنين لاثنتي.
عشرة ليلةً خلت من شهر ربيع الأول ، ودخل المسلمون الذين عسكروا بالجرف إلى المدينة ،:
ودخل بريدة بن الحُصَيَبْ بلواء أسامة معقوداً حتى أتى بابَ رسول الله مَ له ، فغرزه عنده .
فلما بُويع لأبي بكر أمر بريدة بن الحُصيب أن يذهبَ باللواء إلى بيت أسامة ، ليمضي
لوجهه ، فمضی به إلى معسكرهم الأول ، فلما ارتدت العربُ ، ◌ُلِّم أبو بكر في حبس
أسامة ، فأبى ، وكلَّم أبو بكر أسامةً في عمر أن يأذن له في التخلف ، ففعلَ ، فلما كان هلالُ:
شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة ، خرج أسامةُ فسارَ إلى أهل أبنى عشرين ليلة ، فشنَّ
عليهم الغارة ، وكان شعارهم (( يا منصور أمت )) فقتل من أشرف له، وسیی من قدم عليه ،
وحرَّقَ في طوائفها بالنار، وحرَّقَ منازلهم وحرثهم ونخلَهم ، فصارت أعاصيرَ من الدخاخين ،
وأجالَ الخيلَ في عَرَصَاتهم وأقاموا يومهم ذلك في تعبئة ما أصابوا من الغنائم ، وكان أسامة على
فرس أبيه (سبحة)) وقتلَ قاتِلَ أبيه في الغارة، وأسهم للفرس سهمين ، وللفارس سهماً ، وأخذ
لنفسه مثل ذلك، فلما أمسى أمر الناس بالرحيل؛ ثم أغذَّ (٣) السير فوردوا وادي القرى في
تسع ليال ، ثم بعث بشيراً إلى المدينة بسلامتهم ، ثم قصد(٤) بعد في السير فسار إلى المدينة
(١) ((مغموز)): مغمى عليه.
(٢) ((لَدُّوه)): سقوه الَّلدد ، وهو عندهم دواء يسقونه للمريض في أحد لَديْديْه ؛ أي في جانبي فمه.
(٣) ((أغذَّ)): أسرع.
(٤) (( قصدَ )) : اعتدل .
- ٣٧٠ -

ستاً ، وما أُصيب من المسلمين أحد . وخرج أبو بكر في المهاجرين وأهل المدينة يتلقونهم
سروراً بسلامتهم، ودخل على فرس أبيه (سبحة)) واللواء أمامَه، يحمله بريدة بن الحُصَيْب ،
حتى انتهى إلى باب المسجد ، فدخل فصلى ركعتين ، ثم انصرف إلى بيته .
وبلغ هرقل وهو بحمص ما صنعَ أسامةُ ، فبعثَ رابطةً (١) يكونون بالبلقاء ، فلم تزل هناك
حتى قدمت البعوث إلى الشام في خلافة أبي بكر وعمر(٢) رضي الله عنهما .
#
(١) ((رابطة)): جماعة.
(٢) الطبقات الكبرى ١٨٩ - ١٩٢.
- ٣٧١ -

ذكر الحوادث جملة
بعد قدوم رسول الله عَ مِ المدينة
في السنة الأولى : جُعلت صلاة الحضر أربع ركعات وكانت ركعتين بعد مقدمه عليه
الصلاة والسلام بشهر. وفيها صلَّى الجمعة عَ له حين ارتحل من قباء إلى المدينة، صَلاَّها في
طريقه ببني سالم، وهي أوَّلُ جمعة صلاُّها، وأول خطبة خطيها في الإِسلام . وفيها بنى
رسولُ الله عَ لِ مسجدَه ومساكنَه، ومسجدَ قباء، وفيها بَدْءُ الأذان، وفيها المؤاخاة بين
المهاجرين والأنصار بعد مقدمه بثمانية أشهر . وفيها أسلم عبدُ الله بن سَلام . ومات أسعدُ بن
زرارة، وأعرُسَ النبيُّ عَ لِ بعائشة، وبعث حمزة بن عبد المطلب في ثلاثين من المهاجرين
يعترض عيراً لقريش في رمضان ، وبعث ◌ُبيدة بن الحارث في ستين رجلاً من المهاجرين إلى
بطن رابغ ، وبعثَ سعد بن أبي وقاص إلى الخَرَّار (١) في ذي القِعدة في عشرين من المهاجرين
يعترضُ لعير قريش ، وغزوة الأبواء ، وغزوة وَدّان في صفر .
وفي السنة الثانية: غزوةُ بُوَاطِ ، وطَلَبُ كُرز بن جابر، وغزوةُ ذي العُشَيرة، وسريةٌ
عبد الله بن جحش إلى نخلة، وغزوة بدر الكبرى، ووفاة رقيّة ابنة النِي عَّ له، وسريةُ
عُمير بن عدي ، وسرية سالم بن عُمير ، وغزوة بني قينقاع ، وغزوة السَّوِيْق ، وغزوة قرقرة
الكُدر ، وتحويلُ القبلة ، وفرض صوم شهر رمضان في شعبان على رأس سبعة عشر شهراً،
وفرضُ زكاة الفطر قبل العيد أبيومين ، ووفاة عثمان بن مظعون بعد مشهده بدراً ، وفيها ضحّى
رسولُ الله عَّم بكبشين أحدهما عن أمته والآخر عن محمد وآله، ومولدُ عبد الله بن الزبير،
ومولد النعمان بن بشير ، وأعرسَ علَّ بفاطمة .
وفي السنة الثالثة : السرية لكعب بن الأشرف ، وغزوة غَطَفان ، وغزوة بني سُلَيم؛
وسرية زيد بن حارثة إلى الفَرَّدَةَ، وغزوة أحد ، وغزوة حمراء الأسد ، وسرية أبي سلمة إلى
(١) ((الخرَّار)): تقدم أنه موضع قرب الجحفة.
- ٣٧٢ -

قَطَن، وسرية عبد الله بن أنيس إلى سفيان بن خالد بعُرَنة ، وبئر معونة والرجيع ، وتزويجه
عليه الصلاة والسلام حفصة بنت عمر ، وتزويجه زينب بنت خزيمة ، وتزويج عثمان بن عفان
أمَّ كُلثوم بنتَ النبي ◌َّهِ، ومولد الحسن بن علي، وتحريم الخمر، وقيل في الرابعة .
وفي السنة الرابعة : تحريم الخمر ، وغزوة بني النضير ، وبدر الموعد ، وذاتُ الرِّقاع،
وصلاة الخوف ، ورجمه عليه الصلاة والسلام اليهودي واليهودية ، ومولدُ الحسين بن علي،
ووفاة زينب بنت خزيمة ، وتزويجه عليه الصلاة والسلام أم سلمة ، وتزويجه أيضاً زينب بنت
جحش على الأصح ، ونزول الحجاب .
وفي السنة الخامسة : غزوة دُومة الجندل ، وغزوة المريسيع ، وحديث الإفك ، وقد
تقدم الخلاف في ذلك ، وقول عبد الله بن أبي ﴿لئن رجعنا إلى المدينة﴾ [ المنافقون: ٨].
وغزوة الخندق وبني قريظة ،، وتزويجه عليه الصلاة والسلام ريحانة بنت يزيد النَّضَريّة ،
وجويرية بنت الحارث ، وسرية عبد الله بن عَتيك إلى أبي رافع ، وسرية محمد بن مسلمة إلى
القرطاء، وفيها زلزلتِ المدينة، فقال رسول الله عَ له: إن الله سيعتبكم فأعتبوه. وفيها سابق
بین الخيل .
وفي السنة السادسة : غزوة بني لِحيان ، وغزوة الغابة ، وسرية عُكّاشة إلى الغمر ،
ومحمد بن مسلمة إلى ذي القَصَّة فَأُصيبوا ، وبعثُ أبي عُبيدة إلى ذي القَصَّة فهربوا ، وسرية
زيد بن حارثة إلى بني سُليم ، وسريته إلى العيص ، وسريته إلى الطَّرف، وسريته إلى حِسمى ،
وسريته إلى وادي القرى ، وسريته إلى أم قِرْفة، وسرية ابن عوف إلى دومة الجندل ، وعليّ إلى
بني سعد بن بكر ، وابن عتيك إلى أبي رافع على قول . وقد تقدم في الخامسة . وسرية
عمرو بن أمية الضَّمْري ، وسلمة بن أسلم لقتل أبي سفيان بمكة ، وعمرة الحديبية ، وبيعة
الرضوان، وفيها قُحِطَ النَّاسُ فاستسقى لهم رسولُ الله عَ لِ فِسُقوا في رمضان.
وفي السنة السابعة: غزوة خيبر ، وسرية عمر إلى تُرَبة ، وسرية أبي بكر إلى بني كلاب
أو فَزارة ، وبشير بن سعد إلى بني مرة ، وغالبٍ الليثي إلى الميفعة ، وبشير بن سعد إلى يُمْن
وُجَبَار . وعمرة القضية ، وسرية ابن أبي العوجاء إلى بني سُليم ، وسرية غالبٍ إلى بني المُلَّوَّح ،
وسريته إلى فَدَك ، وتزويجه عليه الصلاة والسلام أَمَّ حبيبة بنت أبي سفيان ، وصفيةً بنت
حتّ، وميمونة بنت الحارث . وقدومُ جعفر من الحبشة ، وأبي موسى ومن معه ، وإسلام أبي
- ٣٧٣ -

هُريرة وعِمرانَ بن الحصين، وبعثُه عليه الصلاة والسلام الرسل إلى الملوك ، واتخاذ الخائَمِ ؛
لختم الكتب، وتحريمُ الحُمرُ الأهلية ، والنهي عن متعة النساء .
وفي السنة الثامنة: قدم خالد بن الوليد وعثمان بن طلحة وعمرو بن العاص فأسلموا ،
وسرية شجاع بن وَهْب إلى بني عامر، وكعب بن عمرو إلى ذات أطلاح، وغزوة مؤتة ،
وسرية عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل، وسرية الخَيَط، وسرية أبي قتادة إلى خَضِرة ثم إلى
بطن إضم ، وغزوة الفتح ، وسرية خالد بن الوليد إلى العزى، وعمرو بن العاص إلى سواع؛
وسعد بن زيد الأشهلي إلى مَنَاة في رمضان ، وسرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة ، وغزوة
حنين ، وسرية الطفيل بن عمرو إلى ذي الكفين ، وغزوة الطائف ، وسرية عيينة بن حصن
إلى بني تميم ، وسرية قطبة بن عامر إلى خثعم ، وبعث الوليد بن عُقْبة إلى بني المصطلق ، واتخاذ
المنبر والخطبة عليه، وحنين الجذع وهو أول منبر معُمل في الإسلام، وفيها أقاد النبيُّ عَ لله
رجلاً من هُذيل برجل من بني ليث، ومولد إبراهيم ابن النسبي عَّهِ، ووفاة زينب بنت
رسول الله عَ له، وفيها وهبت سودةُ يومها لعائشة حين أراد النبي عَّه طلاقها.
وفي السنة التاسعة : إيلاؤه عليه الصلاة والسلام من نسائه ، وسرية الضحَّاك إلى بني
كلاب، وعلقمةً إلى الحبشة، وعليّ إلى الفلس، وعُكّاشة إلى الجِنَاب، وثبُوكُ، وهدم
مسجد الضِّرار ، وقدوم الوفود ، ولعان عويمر العجلاني مع امرأته ، وموت عبد الله بن أتي ،
وحجُّ أبي بكر بالناس، وبداء عليّ بسورة براءة، وموت أم كلثوم بنت رسول الله عَ لهم ،
وموت النجاشي .
وفي السنة العاشرة: سرية خالد بن الوليد إلى بني عبد المَدَان بنجران، وعليّ إلى اليمن؛
وحجة الوداع، ونزول ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم﴾ الآية [المائدة: ٣]. ونزول
﴿ ياأيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم﴾ الآية [ النور: ٥٨ ]. وكانوا
"لا يفعلونه قبل ذلك، وموتُّ إبراهيم ابن النبي عٍَّ.
- ٣٧٤ -

ذكر نُبذة من معجزاته
عليه الصلاة والسلام
وإن أكثر ما نورده هنا قد سبق إيرادُه لكن مفرقاً، والغرض الآن ذكره مجموعاً كما فعلنا
في الباب الذي قبله . فمن ذلك : القرآن وهو أعظمها ، وشقُّ الصدر ، وإخباره عن البيت
المقدس ، وانشقاق القمر، وأن الملأ من قريش تعاقدوا على قتله ، فخرج عليهم فخَفَضوا
أبصارهم وسقطت أذقانهم في صدورهم ، وأقبل حتى قام على رؤوسهم فقبضَ قبضةٌ من تراب
وقال: شاهت الوجوه ، وحصبهم فما أصابَ رجلاً منهم شيء من ذلك الحصى إلا قُتل يومَ
بدر . ورمى يوم حنين بقبضة من تراب في وجوه القوم فهزمَهم الله تعالى، ونسجُ العنكبوت
عليه في الغار ، وما كان من أمر سراقة بن مالك بن جُعشم إذ تبعه في خبر الهجرة ؛ فساخت
قوائم فرسه في الأرض الجَلْد. ومَسَحَ على ضَرْعٍ عَنَاق(١)؛ لم ينز عليها الفحل ؛ فدرت .
وقصة شاة أم معبد، ودعوتُه لعمر أن يُعِزَّ اللّهُ به الإسلامَ . ودعوته لعليّ أن يُذهب الله عنه
الحرِّ والبردَ ، وتفلَ في عينيه وهو أرمد فعُوفي من ساعته ولم يرمد بعد ذلك. وردًّ عين قتادة بن
النعمان بعد أن سالت على خده ؛ فكانت أحسنَ عينيه ، ودعا لعبد الله بن عباس بالتأويل
والفقه في الدين ، ودعا لجمل جابر ؛ فصار سابقاً بعد أن كان مسبوقاً ، ودعا لأنس بطول
العُمرُ وكثرة المال والولد ، ودعا في تمر حائط جابر بالبركة ؛ فأوفى غرماءه وفضل ثلاثة عشر
وَسْقاً، واستسقى عليه الصلاة والسلام فُمُطروا أسبوعاً ؛ ثم استصحى لهم فانجابت
السحابة . ودعا على عتبة بن أبي لهب فأكله الأسد بالزرقاء من الشام . وشهدت له الشجر
بالرسالة في خبر الأعرابي الذي دعاه إلى الإسلام ؛ فقال هل من شاهد على ما تقول ، فقال :
نعم هذه الشجرة(٢) ؛ ثم دعاها فأقبلت ؛ فاستشهدها ، فشهدت أنه كما قال ثلاثاً ؛ ثم رجعت
إلى منبتها ، وأمر شجرتين فاجتمعتا ثم افترقتا ، وأمر أنساً أن ينطلق إلى نخلات فيقولُ لهنَّ:
أمركنَّ رسولُ الله ◌َّلِ أن تجتمعن فاجتمعنَ؛ فلما قضى حاجته أمره أن يأمرهنَّ بالعود إلى
أماكنهن فعدن ، ونام فجاءت شجرة تشقُّ الأرضَ حتى قامت عليه ؛ فلما استيقظ ذُكرت
(١) (عَنَاق)): الأنثى من صغار الماعز.
(٢) في (( د)»: السَّمُرة.
- ٣٧٥ -

له: فقال: هي شجرة استأذنت ربها في أن تُسَلِّمَ علَّ فأذن لها . وسَلَّم عليه الحجر والشجر
ليالي بُعث: السلام عليك يا رسول الله، وقال: إني لأعرف حَجَراً بمكةً كان يُسلِّم علَّ قبل
أن أبعث ، إني لأعرفه الآن. وحنَّ إليه الجذع ، وسِبَّحَ الحصى في كفه ، وسبِّحَ الطعامُ بينِ
أصابعه، وأعلمته الشاة بسُمِّها، وشكا إليه البعير قلَّةَ العلف وكثرةَ العمل ، وسألته الظبية أن
يُخُلِّصها من الحبل لتُرْضِعَ ولديها وتعود، فخلَّصها، فعادت وتلفَّظَتْ بالشهادتين . وأخبرعن
مصارع المشركين يوم بدر فلم يعدُ أحد منهم مصرعَه، وأخبر أن طائفة من أمته يغزون في
البحر ؛ وأن أُمّ حرام بنت ملحان منهم ، فكان كذلك . وقال لعثمان بن عفان : تُصيبه بلوى
شديدة ؛ فأصابته ؛ وقُتل ، وقال للأنصار : إنكم ستلقون بعدي أثرة ؛ فكانت زمن معاوية .
وقال في الحسن : إن ابني هذا سيد؛ ولعلَّ اللّه تعالى أن يُصلحَ به بين فئتين عظيمتين من
المسلمين ؛ فصالحَ معاويةَ؛ وحقن دماء الفئتين من المسلمين . وأخبر بقتل الأسود العنسيّ
الكذاب وهو بصنعاء ليلة قتله ، وبمن قتله. وقال لثابت بن قيس : تعيشُ حميداً وتُقتل .
شهيداً؛ فقُتل يوم اليمامة، وأرتدَّ رجلٌ ولحق بالمشركين ؛ فبلغه أنه مات ؛ فقال : إنَّ الأرضَ
لا تقبله ؛ فكان كذلك . وقال لرجل يأكلُ بشماله : كل بيمينك؛ فقال: لا أستطيع ؛ فقال
له : لا استطعت . فلم يُطْقّ أن يرفَعها إلى فيه بعد. ودخل مكة عام الفتح والأصنام حول
الكعبة معلقةٌ ، وبيده قضيب ؛ فجعل يُشير به إليها ، ويقول : جاء الحق وزهقَ الباطلُ ؛ وهي
تتساقط . وقصة مازن بن الغضوبة ، وخبر سواد بن قارب، وأمثالهما كثير . وشهدَ الصَّبُّ
بنبوته ، وأطعم ألفاً من صاغ شعير بالخندق فشبعوا والطعام أكثرُ مما كان ، وأطعمهم من تمر
يسير أيضاً بالخندق ، وجمعَ فضلَ الأزواد على النطعِ ، فدعا لها بالبركة ، ثم قسمها في
العسكر، فقامت بهم. وأتاه أبو هريرة بتمرات قد صَفّهنَّ في يده ، وقال: ادعُ لي فيهن
بالبركة ففعل ، قال أبو هريرة : فأخرجتُ من ذلك التمر كذا وكذا وَسْقاً في سبيل الله ، وكنا
نأكل منه ونُطعم ، حتى انقطع في زمن عثمان . ودعا أهل الصُّفة لقصعة ثريد ؛ قال أبو
هريرة : فجعلتُ أتطاول ليدعوَني ، حتى قام القوم وليس في القصعة إلا اليسير في نواحيها ،
فجمعه رسولُ الله عَّلِ فصار لقمة، فوضعها على أصابعه وقال لي: بسم الله. فوالذي
نفسي بيده ما زلتُ آكلُ منها حتى شبعتُ ، ونبعَ الماء من بين أصابعه حتى شرب القوم
وتوضؤوا وهم ألف وأربعمائة، وأتي بقدح فيه ماء فوضع أصابعَه في القدح فلم يَسع ، فوضعَ
- ٣٧٦ -

أربعة منها ، وقال : هلموا فتوضؤوا أجمعين ، وهم من السبعين إلى الثمانين . وورد في غزوة
تبوك على ماء لا يُرُوي واحداً ، والقوم عطاش، فشكوا إليه ، فأخذ سهماً من كِنانته وأمرَ
بغرسه ففارَ الماء وارتوى القوم ، وكانوا ثلاثين ألفاً. وشكا إليه قوم مُلوحةً في مائهم ، فجاء في
نفر من أصحابه حتى وقف على بئرهم فتفلَ فيه، فتفجَّرَ بالماء العذب المعين . وأتته امرأة
بصيٍّ لها أقرع ؛ فمسحَ على رأسه فاستوى شعره ؛ فذهب داؤه. وانكسرَ سيف عُكَّاشة بن
محصن يوم بدر ، فأعطاه جذلاً من حَطَبٍ فصار في يده سيفاً ؛ ولم يزل بعد ذلك عنده .
وكذلك وقع لعبد الله بن جحش يوم أحد ؛ وعَزَّتْ كُذْيَةٍ بالخندق عن أن يأخذَها المعول ،
فضربها فصارت كئيباً أهيل . ومسحَ على رِجْل ابن عتيك في خبر أبي رافع وقد انكسرت ،
فكأنه لم يشتكها قط .
ومعجزاته عّ لله أكثر من أن يجمعها كتاب أو يحصرها ديوان.
*
#
- ٣٧٧ -

صَلىالله
ذكر أولاده عليه
روينا عن ابن سعد : قال : أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلي ، عن أبيه ، عن
أبي صالح، عن ابن عباس، قال: كان أول من وُلد لرسول الله عَ له بمكة قبل النبوة
القاسم ، وبه كان يُكنَّى ، ثم ولدت له زينب ، ثم رقية ، ثم فاطمة ، ثم أم كلثوم ، ثم وُلد له في
الإسلام عبد الله، فسُمّي الطيب الطاهر، وأمهم جميعاً خديجة بنت خويلد بن أسد بن
عبد العزى بن قصيّ ، فكان أول من مات من ولده القاسم ، ثم مات عبد الله بمكة ، فقال:
العاص بن وائل السهمي: قد انقطع ولده فهو أبتر، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ شانئكَ هو
الأبتر﴾ [الكوثر: ٣] وقيل: بل الطيب والطاهر ابنان سواه ، وقيل: كان له الطاهر
والمطهر وُلدا في بطن واحد : وقيل: كان له الطيب والمطيب وُلدا في بطن أيضاً، وقيل: إنهم
كلهم ماتوا قبل النبوة(١).
وقال الزبير بن بكار : وُلد له القاسم ، ثم زينب ، ثم أم كلثوم ، ثم فاطمة ، ثم رقية ، ثم
عبد الله، هكذا رأيته بخط شيخنا الحافظ أبي محمد الدمياطي رحمه الله تعالى. قال: وفيه.
نظر .
وأما أبو عمر فحكى عن الزبير غيرَ ذلك، قال: ولد له القاسم وهو أكبر ولده ، ثم
زينب ، ثم عبد الله، وكان يُقال له الطيب ويُقال له الطاهر، وُلد بعد النبوة ، ثم أم كلثوم ،
ثم فاطمة ، ثم رقية ، هكذا الأول فالأول . ثم مات القاسم بمكة ، وهو أول ميت مات من
ولده ، ثم عبد الله مات أيضاً بمكة(٢).
وقال ابن إسحاق : ولدت له خديجةُ زينبُ ورقيةٌ وأمَّ كلثوم وفاطمةً والقاسمَ - وبه كان
يُكَنَّى - والطاهرَ والطَّيِّبَ، فهلكوا في الجاهلية. وأما بناته فكلّهن أدركن الإسلام وأسلمن
وهاجرن معه(٣).
(١) الطبقات الكبرى ١٣٣/١
(٢) الاستيعاب ٢٨١/٤ .
(٣) السيرة النبوية ؛ لابن هشام
- ٣٧٨ -

قال أبو عمر: وقال علي بن عبد العزيز الجرجاني: أولاد رسول الله عَ ليه القاسم، وهو
أكبر ولده ، ثم زينب . وقال ابن الكلبي : زينب ثم القاسم ثم أم كلثوم ثم فاطمة ثم رقية ثم
عبد الله، وكان يقال له: الطَّيِّب والطاهر. قال: وهذا هو الصحيح، وغيره تخليط(١).
وكانت سلمى مولاة صفية بنت عبد المطلب تُقَبِّل(٢) خديجةَ في ولادِها (٣) ، وكانت تعقُّ عن
كل غلام بشاتين وعن الجارية بشاة ، وكان بين كل ولدين لها سنة ، وكانت تسترضع لهم
وتُعِدُّ ذلك قبل ولادها .
فأما زينب فتزوجها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن
عبد مناف ، أمه هالة بنت خويلد، فولدت له علياً - أردفه النبيُّ عَّ وراءه يوم الفتح،
ومات مُراهقاً - وأُمامة تزوجها علي بعد خالتها فاطمة ، زوجها منه الزبير بن العوام ، وكان
أبوها أبو العاص أوصى بها إلى الزبير ، فلما قُتل علي رضي الله عنه، وآمت (٤) أمامة منه ، قالت
أم الهيثم النَّخَعِيّة :
أمامةُ حينَ فارقتِ القرينا
أشابَ ذؤابتي وأذلَّ ركني
فلما استيأست رفعت رنينا
تُطيف به لحاجتِها إليه
ثم تزوجها بعد عليّ المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ، فولدت له يحيى بن
المغيرة ، وهلكت عنده . وقد قيل: إنها لم تلد لعليّ ولا للمغيرة . وُلدت زينب سنة ثلاثين
من مولد رسول الله عَ له وماتت سنة ثمان من الهجرة، وكان رسول الله عَ لّه يُحبها، وكان
زوجها أبو العاص مُحبَّاً فيها، وهو القائل في بعض أسفاره إلى الشام :
ذكرتُ زينب لما وَرَّكَتْ أَزَمَا فقلت سَقْيَاً لشخص يسكنُ الحَرَمَا(٥)
(١) الاستيعاب ٢٨١/٤.
(٢) (( تُقَبِّل خديجة في أولادها)): تكون قابلة لها في ولادتها .
(٣) في الأصول (( أولادها)) والتصحيح من الطبقات، ونور النبراس لوحة ١٧٩/٣، وفيه: يقال: ولدت المرأة
ولاداً وولادة.
(٤) في ((ب): تأيَّمَت ، وهما بمعنى واحد .
(٥) ((ورَّكت أزماً)): نزلت به، والضمير عائد على الناقة التي كانت تحمله، و((أزم)): اسم موضع.
- ٣٧٩ -

i
بنتَ الأمين جزاها الله صالحةٌ
وكلُّ بعل سيثني بالذي علما(١)
وأما رقية فتزوجها عثمان بن عفان فولدت له عبد الله ، مات بعدها ، وقد بلغ ست
سنين . وتوفيت رقية يوم قدوم زيد بن حارثة بشيراً بقتلى بدر ، وقيل : كان مولدها سنة ثلاث
وثلاثین من مولد النبي
وأما أم كلثوم فتزوجها عثمان بعد موت رقية ، وماتت سنة تسع من الهجرة ولم تلد له .
وأما فاطمة فتزوجها عليّ وبنى بها مرجعهم من بدر، فولدت له حسناً وخسيناً ،
ومحسناً : مات صغيراً، وأم كلثوم وزينب ، وماتت فاطمة بعد أبيها بثلاثة أشهر ، وقيل:
بستة ، وقيل بثمانية ، وكذلك اختلف في مولدها . قال المدائني : قبل النبوة بخمس سنين .
وقال ابن السراج : سمعت عبيد الله بن محمد بن سليمان بن جعفر الهاشمي ، يقول : ولدت
سنة إحدى وأربعين من مولد النبي عَلَّهِ .
قال أبو عمر : وذكر الزبير أن عبد الله بن حسن بن حسن دخل على هشام بن
عبد الملك وعنده الكلي ، فقال هشام لعبد الله بن حسن : يا أبا محمد كم بلغت فاطمة من
السن ؟ فقال : ثلاثين سنة، فقال هشام للكلبي : كم بلغت من السن ؟ قال : خمساً وثلاثين
سنة ؟ فقال هشام لعبد الله بن حسن : اسمع الكلبي يقول ما تسمع ، وقد ◌ُني بهذا الشأن ..
فقال عبد الله بن حسن : يا أمير المؤمنين سلني عن أمي ، وسل الكلبي عن أمه(٢). وكان
عليّ رضي الله عنه قد خطبّ عليها ابنة أبي جهل، فأنكر ذلك رسول الله عَ له وقال: والله
لا تجتمعُ بنتُ رسول الله وبنتُ عدو الله عند رجل واحد أبداً. قال: فترك عليُّالخِطبة.
وروپنا من طريق مسلم : حدثنا أحمد بن حنبل ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا
أبي ، عن الوليد بن کثیر ، قال : حدثني محمد بن عمرو بن حلحلة الدؤلي ؛ أن ابن شهاب
حدثه ، أن علي بن الحسن أحدثه ، أنهم حين قدموا المدينة لقيه المِسْور بن مخرمة ، فذكر
حديثاً، وفيه أن علي بن أبي طالب خطبَ بنت أبي جهل على فاطمة، فسمعتُ
رسولَ الله عَ له وهو يخطبُ الناسَ في ذلك على منبره، وأنا يومئذ محتلم ، وفيه قوله عليه
(١) الطبقات الكبرى ٣٢/٨.
(٢) الاستيعاب ٣٨٠/٤.
- ٣٨٠ -