النص المفهرس

صفحات 341-360

وأطيبُ. فتبسََّمَ رسولُ الله ◌َّلِ، ورفعَ يديْه حتى رأيتُ بياض إبطيه. ثم قامَ وقمنا معه،
فأقمنا ثلاثاً ، وضيافته تجري علينا، ثم ودَّعناه، وأمر لنا بجوائزَ، فأعطينا خمسَ أواقي فضَّةٍ
لكل رجلٍ منا، واعتذرَ إلينا بلال، وقال: ليس عندنا اليوم مال. فقلنا: ما أكثرَ هذا
وأطيبَه. ثم رحلنا إلى بلادنا، فوجدناها قد مُطرت في اليوم الذي دعا فيه رسولُ اللهِ عَّ ◌َله في
تلك الساعة .
قال الواقدي : وكان مقدمهم في شوال سنة عشر(١).
( وفد بني عَبْس )
وقدمَ على رسول الله عَ لِ وفدُ بني عبس، فقالوا: يا رسول الله! قدمَ علينا قراؤنا،
فأخبرُونا أنه لا إسلام لمن لا هجرةَ له ، ولنا أموال ومواش، وهي معاشنا، فإن كان لا إسلامَ
لمن لا هجرةً له فلا خيرَ في أموالنا، بعناها وهاجرنا من آخرنا. فقال رسول الله عَ له: اتقوا
الله حيث كنتم، فلن يَلِتَكُم من أعمالِكُم شيئاً. وسألهم رسولُ الله عَلِ عن خالد بن
سِنان: هل له عقب؟ فأخبروه أنه لا عقب له ، وكانت له ابنة فانقرضتْ . وأنشأ
رسولُ الله عَ لِ يُحدِّث أصحابَه عن خالد بن سِنان، فقال: ((نُّ ضيَّعه قومُه))(٢) .
( وفد غامد )
قال الواقدي: وقدم على رسول الله عَ له وفدُ غامد سنة عشر، وهم عشرة ، فنزلوا في
بقيع الغرقد، وهو يومئذ أَثْلٌ وطَرَفَاء، ثم انطلقوا إلى رسول الله عَّله، وخَلَّفوا عند رَحْلِهم
أحدثَهم سِنَّا، فنامَ عنه، وأتى سارقٌ فسرقَ عيبةً لأحدهم فيها أثواب له . وانتهى القوم إلى
رسول الله عَ لَه، فسلَّموا عليه، وأقرُّوا له بالإِسلام، وكتب لهم كتاباً فيه شرائع من شرائع
الإسلام ، وقال لهم: مَنْ خَلَّفتم في رحالكم؟ قالوا: أحدثَنا سنّاً يا رسول الله. قال: فإنه قد
نامَ عن متاعِكم ، حتى أتى آتٍ فأخذَ عيبةَ أحدٍكم. فقال أحد القوم : يا رسول الله ما لأحدٍ
عيبةٌ غيري. فقال رسول الله عَ له: قد أخذت ورُدَّتْ إلى موضعها. فخرجَ القومُ سراعاً
حتى أتوا رحلَهم ، فوجدوا صاحبَهم ، فسألُوه عما خبَّرهم رسولُ الله عَ لِهِ . فقال: فزعتُ
(١) المصدر السابق ٣٣٢/١ - ٣٣٣.
(٢) المصدر السابق ٢٩٥/١ - ٢٩٦، والحديث رواه الحاكم في المستدرك ولم يتعقبه الذهبي، وفيه محمد بن
مهدي ، وفيه مقال . قال أبو حاتم : يأتي أحياناً بالمناكير ، ووثقه غيره . نور النبراس لوحة ١٥٤/٣.
- ٣٤١ -

من نومي ، ففقدتُ العيبةَ ، فقمتُ في طلبها، فإذا رجلٌ قد كان قاعداً ، فلما رآني ثارَّ يَعدُو.
مني ، فانتهيتُ إلى حيثُ انتهى، فإذا أثر حفرة، وإذا هو قد غيَّبَ العيبةَ، فاستخرجتُها ،
فقالوا: نشهدُ أنه رسولُ الله ، فإنه قد أخبرنا بأخذها، وأنها قد رُدَّتْ. فرجعوا إلى النِّ سَّه.
فأخبروه، وجاء الغلامُ الذي خَلَّفُوهِ فأسلم، وأمرَ النِّ عَ لَّهِ أَبِّ بن كعب فعلَّمهم قرآناً ..
وأجازهم عَ لِّ كما كان يُجيز الوفودَ وانصرفوا (١).
( وفد النَّخَع )
وقدمَ على رسول الله عَ له وفدُ النَّخَع، وهم آخر وفد. قدموا للنصف من المحرم سنة
إحدى عشرة في مائتي رجل ، فنزلوا دارَ الأُضيافِ، ثم جاؤوا رسولَ الله ◌ِّ ◌ُله مُقِرِّينِ
بالإِسلام ، وقد كانوا بايعوا معاذ بن جبل، فقال رجل منهم يُقال له زُرارة بن عمرو:
يا رسول الله إني رأيتُ في سفري هذا عجباً . قال : وما رأيتَ ؟ قال: رأيتُ أتاناً تركتُها في
الحيِّ كأَنَّها ولدتْ جَدْيَاً أسفعَ أحوى(٢). فقال له رسول الله عَّ ◌ُله: هل تركَتَ أَمَةً لك
مُصِرَّةٌ على حَمْلٍ ؟ قال : نعم. قال : فإنها قد ولدتْ غلاماً، وهو ابنك. قال :-
يا رسول الله فما بالُه أسفعَ أحوى؟ قال : ادنُ مني. فقال: هل بك من برص تكتمه؟
قال : والذي بعثك بالحقِّ مَا عَلِمَ به أحد ولا اطَّلَعَ عليه غيرُك . قال: فهو ذلك. قال:
يا رسول الله! ورأيتُ النعمان بن المنذر عليه قُرطان ودُمْلَجان ومَسَكَّتان. قال: ذلك مُلْكُ
العربِ رجعَ إلى أحسن زَيُّه وَبَهجتِه . قال : يا رسول الله! ورأيتُ عجوزاً شمطاء خرجت من
الأرض . قال : تلك بقيّة الدنيا . قال: ورأيتُ ناراً خرجت من الأرض فحالت بيني وبين ابن
لي يُقال له عمرو، وهي تقول: لظىِ لظىّ، بصيرٌ وأعمى، أطعموني أُكْلَكِم، أُهْدِكْكُم
ومالكم. قال رسول الله عَ له: تلك فتنة تكون في آخر الزمان. قال: يا رسول الله! وما
الفتنةُ؟ قال: يقتلُ النَّاسُ إِمَامَهم، ويشتجرون اشتجار أطباق الرأس - وخالفَ
رسولُ الله عَ لَّهِ بين أصابعِهُ - يَحْسبُ المسيء فيها أنه مُحسنٌ، ويكون دمُ المؤمن عند
المؤمن أحلَّ من شربِ الماءِ ، وإنْ ماتَ ابنُك أدركت الفتنةَ، وإن مِتَّ أنْتَ أُدرِكَها ابنُك
(١) الطبقات الكبرى ٣٤٥/١ مختصراً.
(٢) ((أسفع أحوى)) : أسود .
- ٣٤٢ -

قال: يا رسول الله! ادعُ الله أن لا أدرَكَها. فقال رسولُ الله عَّ ◌َله: اللهم لا يُدركُها.
فمات ، وبقي ابنه ، وكان ممن خلعَ عثمان رضي الله تعالى عنه(١).
• والَسَك: مفتوحُ الميم والسين المهملة: الذَّبْل (٢)، والمسَكْ: الأُسْوِرة والخلاخلُ من
الذَّبل والقُرون والعاج ، واحدتُه مَسَكَّة ، قاله ابن سِيْده .
*
(١) الطبقات الكبرى ٣٤٦/١.
(٢) (( الذَّبْل)»: شيء كالعاج، وقيل: ظهر السلحفاة البحرية.
- ٣٤٣ -

:
ذكر بعثه عَدٍ إلى الملوك
يدعوهم إلى الإسلام
بعث دحيةً الكلِّ إلى قيصرَ ملك الروم ، وعبد الله بن حُذافةَ السهميَّ إلى كسرى ملك
فارس ، وعمروَ بن أمية الضَّمْري إلى النجاشي ملك الحبشة ، وحاطب بن أبي بلتعة إلى
المقوقس صاحب الإسكندرية ، وعمرو بن العاص إلى جيفر وعبدٍ ابني الجلندى ملكي
عُمان، وسَلِيطَ بن عمرو العامري إلى تُمامة بن أُثَال وهَوْذةَ بن علي الحنفيين ملكي اليمامة ،
والعلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن سَاوَى العبدي ملك البحرين . وشُجَاعَ بنِ وَهْب
الأسدي إلى الحارث بن أبي شَمْر الغسَّاني ملك تُجُوم الشام، ويُقال بعثه إلى جَيِّلة بن الأيهم
الغسَّاني ، والمهاجرَ بن أبي أمية المخزومي إلى الحارث بن عبد كُلال الحميري ملك اليمن.
ذكر كتاب البيّ عَ ◌ّةٍ إلى قيصر
وما كان من خير دحية معه
ذكر الواقدي : من حديث ابن عباس ، ومن حديثه خَرَّجَ في الصحيحين ؛ أن
رسول الله عَ لِ كتبَ إلى قيصرَ يدعوه إلى الإسلام، وبعث بكتابه مع دحية الكلبي ، وأمره
أن يدفعَه إلى عظيم بصرى ليدفعَه إلى قيصر ، فدفعه عظيمُ بصرى إلى قيصر ، وكان قيصرُ لما
كشفَ الله عنه جنودَ فارس مشى من حمصَ إلى إيلياء شكراً لله عز وجل فيما أبلاه من ذلك ،
فلما جاء قيصرَ كتابُ رسول الله عَ ◌ّله، قال: التمسوا لي(١) هاهنا من قومه أحداً تُسألهم
عنه .
قال ابن عباس : فأخبرني أبو سفيان بن حرب أنه كان بالشام في رجال من قريش قدموا
تجاراً، وذلك في الهدنة التي كانت بين رسول الله عَ لّه وبين كفار قريش، قال: فأتانا رسولُ
قيصرَ ، فانطلق بنا حتى قدمنا إيلياء ، فأدخلنا عليه ، فإذا هو جالسٌ في مجلس ملكه وعليه
(١) كذا في ((أ)) و(( د)) وفي بعض النسخ (( لنا)).
- ٣٤٤ -

التاج وحوله عظماء الروم ، فقال لتَرْجمانه : سلهم أيهم أقرب نسباً بهذا الذي يزعم أنه نتيّ ؟
قال أبو سفيان : فقلت : أنا أقربهم نسباً ، وليس في الركب يومئذ رجل من بني عبد مناف
غيري . قال قيصر : أدنوه مني ، ثم أمر بأصحابي فجعلوا خلفَ ظهري ، ثم قال لترجمانه :
قل لأصحابه : إنما قَدَّمتُ هذا أمامَكم لأسألَه عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نتّ ، وإنما
جعلتكم خلفَ كتفيه لتردُّوا عليه كذباً إن قاله . قال أبو سفيان : فوالله لولا الحياء يومئذ أن
يأتِروا عليَّ كذباً لكذبتُ عنه ، ولكني استحييتُ فصدقتُ وأنا كاره . ثم قال لترجمانه : قل
له : كيف نسبُ هذا الرجل فيكم ؟ قلت : هو فينا ذو نسب . قال : قل له : هل قال هذا
القول أحدٌ منكم قبلَه ؟ قلت : لا . قال : فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقولُ ما قال ؟
قلت : لا . قال : هل كان من آبائه مَلِك ؟ قلت : لا . قال: فأشراف الناس يتبعونه أم
ضعفاؤُهم ؟ قلت : بل ضعفاؤهم . قال : فهل يَزيدون أو ينقصون ؟ قلت : بل يزيدون .
قال : فهل يرتدُّ أُحد منهم سَخْطَةً لدينه بعد أن يدخل فيه ؟ قلت : لا . قال : فهل يغدر ؟
قلت : لا ، ونحن الآن منه في مُدَّةٍ لا ندري ما هو فاعل فيها . قال : فهل قاتلمتوه ؟ قلت :
نعم . قال : فكيف حربُكم وحربُه؟ قلت: دُوَلٌ وسِجال نُدال عليه مرةً ويُدَال علينا
أخرى . قال : فما يأمركم به ؟ قلت : يأمرنا أن نعبدَ الله وحده ولا نشرك به شيئاً ، وينهانا عما
كان يعبدُ أباؤُنا، ويأمرُنا بالصَّلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة .
فقال لترجمانه : قل له : إني سألتك عن نسبه ، فزعمتَ أنه فيكم ذو نسب ، وكذلك
الرسلُ تُبعث في نسب قومها . وسألتك : هل قال هذا القول منكم أحدٌ قبلَه . فزعمتَ أن
لا ، فلو كان أحدٌ منكم قال هذا القول قبلَه لقلتُ رجلٌ يأْتُّ بقول قيل قبلَه ، وسألتُك : هل
كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمتَ أن لا ، فعرفتُ أنه لم يكن ليدعَ
الكذبَ على الناس ويكذب على الله. وسألتك: هل كان من آبائه مَلِكٌ ؟ قلت : لا ، فقلتُ
لو كان من آبائه مَلِكٌ قلتُ رجلٌ يطلب مُلكَ أبيه . وسألتُك: أشراف الناس يتبعونه أم
ضعفاؤهم ؟ فقلتَ : ضعفاؤهم ، وهم أتباعُ الرسل . وسألتُك : هل يزيدون أو ينقصون ؟
فزعمت أنهم يَزيدون ، وكذلك الإِيمان حتى يتمَّ. وسألتُك هل يرتدُّ أحدٌ سَخْطَةٌ لدينه بعد أن
يدخل فيه ، فزعمتَ أن لا ، وكذلك الإِيمان حين تُخالط بشاشتُه القلوبَ لا يسخطه أحد .
وسألتَك : هل قاتلمتوه ؟ فقلت: نعم ، وأن حربَكم وحربَه دُول وسِجَال ، يُدال عليكم مرة
- ٣٤٥ _

وتُدالون عليه أخرى، وكذلك الرسل تُبتلى، ثم تكون لهم العاقبة . وسألتُك: ماذا يأمركم به.
فزعمتَ أنه يأمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة ، وهو نّ ، وقد
كنتُ أعلم أنه خارج، ولكن لم أظنَّ أنه فيكم ، وإن كان ما أتاني عنه حقاًفيُوشك أن يُملكَ
موضعَ قدميَّ هاتين، ولو أعلم أني أخلصُ إليه لتجشمت لُفِيَّهُ(١) ، ولو كنت عنده لغسلت.
قدميه .
قال أبو سفيان: ثم دعا يكتاب رسول الله عَّهِ، فَقُرىء، فإذا فيه :
بسم الله الرحمن الرحيم ؛ من محمد بن عبد الله إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتّبعَ
الهدى، أما بعد : فإنى أَدعوك بدعاية الإسلام، أسلمْ تَسلم، وأسلمْ يُؤْتك الله أجركَ.
مرتين ، فإن تولَّتَ فإن عليك إثم اليريسيين(٢)، و﴿ يا أهل الكتاب تعالواْ إلى كلمةٍ سواءٍ
بيننا وبينكم أن لا نعبدَ إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يَتَّخِذَ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإنْ
تولَّوْا فقولوا اشهدوا بأنََّ مسلمون﴾ [ آل عمران: ٦٤ ].
قال أبو سفيان : فلما قضى مقالتَه وفرغ من الكتاب ، علت أصواتُ الذين حوله، وكثر
لغطُهم ، فلا أدري ما قالوا، وأمر بنا فأُخرجنا ، فلما خرجتُ أنا وأصحابي ، وخلصنا ، قلت
لهم : لقد أَمِرَ (٣) أمرُ ابنُ أبي كبشة، هذا ملك بني الأصفر يخافُه . قال: فوالله ما زلتُ ذليلاً
مستيقناً أن أمرَه سيظهر حتى أدخل الله عليّ الإسلام(٤).
ويروى(٥) في خبر أبي سفيان أنه قال لقيصر لما سأله عن النبي عَ له: أيها الملك ألا
أخبرك عنه خبراً تعرف به أنه قد كذبَ ؟ قال : وما هو ؟ قلت : إنه قد زعم لنا أنه خرج من
أرضنا أرضِ الحرم في ليلة، فجاء مسجدَ كم هذا مسجدَ إيلياء ، ورجع إلينا في تلك الليلة قبل
الصباح .
(١) ((لقيّه)): لقاءه، كلاهما مصدر لقي.
(٢) ((إثم اليريسيين)): اليريسيون: الأكارون، وهم الفلاحون والزراعون؛ أي عليك إثم رعاياك الذين
يتبعونك وينقادون لأمرك. ثور النبراس لوحة ١٥٧/٣.
(٣) ((أَمِرَ )): عظم، وأصله من الكثرة؛ يقال: أُمِر القوم ؛ إذا كثروا .
(٤) رواه البخاري في كتاب التفسير ( باب في تفسير سورة آل عمران) رقم /٤٥٥٦/.
(٥) ويُروى: قال سبط ابن العجمي : هذه الزيادة لا أعرف من ذكرها، والمؤلف رجل حافظ ثبت في كل
ما ينقله ويحكيه ، لا يشك فيه، وهي زيادة حسنة، فكان ينبغي أن يعزوها .. نور النبراس لوحة ١٥٨/٣.
- ٣٤٦ -

قال : وبطريقُ إيلياء عند رأس قيصرَ ، فقال: صدق أيها الملك . قال: وما عِلمُك
بهذا ؟ قال : إني كنتُ لا أنام كلَّ ليلةٍ حتى أغلقَ أبوابَ المسجد ، فلما كانت تلك الليلة
أُغلقتُ الأبواب كلَّها غير باب واحد غلبني، فاستعنتُ عليه عُمَّالي ومن يَحضرني فلم
نستطيع أن نحرِّه، فكأنما نزاولُ جيلاً ، فدعوتُ النَّجارين فنظروا إليه ، فقالوا : هذا باب
سقطَ عليه النِّجاف(١) والبنيان فلا نستطيع أن نحرِّكَه حتى نصبحَ فننظرَ من أين أتي ،
فرجعتُ وتركتُ البابين مفتوحين ، فلما أصبحتُ غدوتُ عليهما فإذا الحجر الذي في زاوية
المسجد مثقوب، وإذا فيه أثر مَرْبط الدابة ، فقلت لأصحابي : ما حُبِسَ هذا البابُ الليلةَ إلا
على نبيّ ، وقد صلَّى الليلةَ في مسجدنا هذا . فقال قيصر لقومه: يا معشرَ الروم ألستم تعلمون
أن بين عيسى وبين الساعة نبياً بَشَّرَكم به عيسى بن مريم ترجونَ أن يجعلَه الله فيكم ؟ قالوا :
بلى . قال : فإن الله قد جعلَه في غيركم في أقلَّ منكم عدداً وأضيقَ منكم بلداً ، وهي رحمة الله
عزَّ وجلَّ يضعُها حيث يشاء .
• اليريسيون : دهاقين القرى وكانوا إذ ذاك مجوساً.
ذكر (٢) توجّه عبد الله بن خُذافة السهمي إلى كسرى (٣)
صَلىالله
بكتاب النبي ◌َّد.
ذكر الواقدي: من حديث الشِّفَاء بنت عبد الله؛ أن رسولَ الله عَّهِ بعثَ عبد الله بن
حذافة السهمي منصرفه من الحديبية إلى كسرى ، وبعث معه كتاباً مختوماً فيه :
بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمّدٍ رسولِ الله إلى كسرى عظيمٍ فارس ، سلامٌ على من
أَّعَ الهُدى وآمنَ بالله ورسولِهِ ، وشهدَ أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له ، وأنَّ محمداً عبدُه
ورسولُهُ ، أدعوك بداعيةٍ (٤) الله ، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة ، ليُنذَرَ من كان حيّاً ،
(١) ((النِّجاف)): عتبة الباب، وتُسمى: الأُسْكُفَّة.
(٢) في بعض النسخ ((خبر)).
(٣) واسمه أبرويز بن هرمز: كذا سماه غير واحد ، منهم السهيلي . نور النبراس لوحة ١٥٨/٣.
(٤) في (( ج)) بدعاية الإسلام .
- ٣٤٧ -

ويَحِقُّ القولُ على الكافرين، أسلم تسلم ، فإنْ أبيتَ فعليكَ إِثُمُ المجوس(١).
قال عبدُ الله بن حذافة : فانتهیتُ به إلى بابه ، فطلبتُ الإِذنَ عليه ، حتى وصلتُ إليه ،
فدفعتُ إليه كتابَ رسول الله عَ لِّ، فَقُرىءٍ عليه، فَأَخذَه ومزَّقه، فلما بلغَ ذلك
رسولَ الله عَلِّ، قال مَزَّقَ اللَّهُ مُلْكَه .
وذ کر أيضاً : من حديث أبي هريرة وغيره ، أن کسری بینا هو في بیت کان یخلو فيه ،
إذا رجل قد خرجَ إلیه وفي يده عصا ، فقال : یا کسری إن الله قد بعث رسولاً، وأنزل عليه
كتاباً ، فأسلم تسلم ، واتَّبَعْهُ يبقَ لك مُلْكُكَ. قال كسرى: أَخِرْ هذا عني آثراً(٢) مّا. فدعاً
حُجَّابه وبوابيه ، فتَوَتَّدَهم ، وقال: من هذا الذي دخل علَّ؟ قالوا: والله ما دخلَ عليك
أحد ، وما ضَيَّعْنَا لكِ باباً، ومكثَ حتى كان العام المقبل ، أتاه فقال له مثل ذلك ، وقال :
إلا تُسلم أكسْر العصا. قال: لا تفعل أخِّر ذلك آثِراً مّا. ثم جاء العام المقبل ففعل مثل
ذلك، وضربَ بالعصا على رأسه فكسرَها ، وخرجَ من عنده . ويُقال إنَّ ابنه قتلَه في تلك
الليلة، وأعلَمَ الله بذلك رسولَه عَ لِ الحدثانٍ كونه(٣). فأخبرَ رسولُ اللهِ عَّ له بذلك رسلَ
باذان إليه .
وكان باذان عاملَ كسرى على اليمن ، فلما بلغه ظهورُ النِّ عَّلِ ودعاؤه إلى الله ؛ كتب
إلى باذان أن ابعث إلى هذا الرجل الذي خالفَ دينَ قومه ، فمرْه فليرجعْ إلى دين قومه ، فإن
أبى فابعثْ إليَّ برأسه - ويروى: وإلا فليُواعدك يوماً تقتتلون فيه ــ فلما ورد كتابه إلى باذان
بعثَ بكتابه مع رجلين من عنده، فلما قدما على رسول الله عَ لِ أنزلَهما وأمرَهما بالمقام،
فأقاما أياماً ، ثم أرسلَ إليهما رسولُ الله عَّ لِ ذاتَ غداةٍ، فقال: انطلقا إلى باذان فأعلماه أنَّ
ربِّی عزَّ وجلّ قد قتل کسری في هذه الليلة . فانطلقا حتى قدما على باذان ، فأخبراه بذلك ،
فقال: إن يكن الأمرُ كما قالٍ، فوالله إنَّ الرجلَ لبِّ،، وسيأتي الخبرُ بذلك إليَّ يوم كذا ، فأتاه
الخبر بذلك، فبعثَ باذان بإسلامه وإسلام من معه إلى رسول الله عَ لِ (٤).
(١) ((المجوس)): المقصود بهم رعيته وشعبه الذين يتبعونه وينقادون له.
(٢) ((آثراً)»: بمد الهمزة، ثم ثاء مثلة ثم راء، الظاهر أن معناه: ناقلاً وحاكياً عنك. نور النبراس لوحة
٠١٥٩/٣
(٣) في (( د)): بحدثان كونه . وأشار في نور النبراس أنهما بمعنى واحد ، وهو أول أمر حدوث الشيء ..
(٤) الطبقات الكبرى ٢٥٩/١ - ٢٦٠ مختصراً.
- ٣٤٨ -

ويُقال: إن الخبر أتاه بمقتل كسرى وهو مريض، فاجتمعتْ إليه أساورته(١)، فقالوا :
من تُؤْمِّر علينا؟ فقال لهم: ملكٌ مُدبرٌ ، وملكٌ مقبلٌ ، فاتَّبِعوا هذا الرجلُ، وادخلوا في
دينه ، وأسلموا. وماتَ باذان فبعثَ رؤوسُهم إلى رسول الله عَ لمه وفدَهم يُعرِّفونَه بإسلامهم.
ذكر إسلام النجاشي
وكتاب رسول الله عَ طَّه إليه ، مع عمرو بن أمية الضَّمري
ذكر ابن إسحاق أن عمراً قال له: يا أصحمة إن علَّ القول وعليك الاستماع ، إنك
كأنك في الرقة علينا منا ، وكأنا في الثقة بك منك، لأنا لم نظن بك خيراً قط إلا نلناه ، ولم
نخفْك على شيء قط إلا أُمِناه، وقد أخذنا الحجة عليك من فيك ، الإنجيل بيننا وبينك
شاهدلا يُردّ وقاضٍ لا يجور ، وفي ذلك الموقع الحَزّ وإصابة المفصل، وإلا فأنت في هذا النبي
الأميّ كاليهود في عيسى بن مريم، وقد فرَّقَ النِّ عَ لِ وسلَه إلى الناس، فرجاك لما لم يَرِجُهْمْ
له ، وأمَّنَكَ على ما خافهم عليه لخير سالف وأجر يُنتظر ، فقال النجاشي: أشهدُ بالله إنه للنَّ
الذي تنتظره أهلُ الكتاب ، وأن بشارة موسى براكب الحمار كبشارة عيسى براكب الجمل ،
وأن العَيان ليس بأشفى من الخبر .
وذكر الواقديُّ أن ذلك الكتاب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد رسول الله إلى النجاشي ملك الحبشة ، سِلْمٌ أنت ،
فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس ، السلام المؤمن المهيمن ، وأشهدُ أن
عيسى بن مريم روحُ الله وكلمتُه ، ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة ، فحملت بعيسى ،
فخلقه من روحه ونفخه كما خَلَقَ آدم بيده ، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له ، والموالاة
على طاعته ، وأن تتبعني وتُؤْمنَ بالذي جاءني ، فإني رسولُ الله، وإني أدعوك وجنودَك إلى الله
عز وجل ، وقد بلَّغتُ ونصحت ، فاقبلوا نصيحتي ، والسلام على من اتبع الهدى .
فكتبَ إليه النجاشيُّ: بسم الله الرحمن الرحيم ، إلى محمد رسول الله ، من النجاشي
(١) ((أساورته)) : جمع إسوار؛ أي : فرسانه .
- ٣٤٩ -

أصحمة ، سلام عليك يا نّ الله من الله ورحمةُ الله وبركاته الذي لا إله إلا هو ، أما بعد:
فقد بلغني كتابك يا رسول الله، فيما ذكرتَ من أمر عيسى، فوربِّ السماء والأرض إن
عيسى بن مريم لا يزيدُ على ما ذكرتَ تَفْرُوْقَاً، إنه كما ذكرتَ . وقد عرفنا ما بعثتَ به إلينا ،
وقد قرَّبنا ابن عمك وأصحابُه فأشهدُ أنك رسولُ الله صادقاً مُصَدِّقاً ، وقد بايعتك وبايعتُ
ابن عَمِّك، وأسلمتُ على يديه لله ربِّ العالمين(١) .
• الثَّفْرُوق : عُلَّقَةٌ ما بين النواة والقِمع .
وتوفي النجاشيُّ سنة تسع بالحبشة، وأخبرَ رسولُ اللهُ عَ لِ بموته يومَه، وخرجَ بالناس
إلى المُصلَّى فَصَلَّى عليه، والناس خَلقّه صفوفُ، وكَبَّرَ عليه أربعاً(٢).
كتاب النبيّ عَ ◌ّلِ إلى المقوقس
مع حاطب بن أبي بلتعة
بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد بن عبد الله إلى المقوقس، عظيم القِبْط ، سلام على
من اتبع الهدى ، أما بعد: فإنى أدعوك بداعية الإسلام ، أسلم تسلم ، وأسلمْ يُؤْتِكَ الله
أجرَك مرتين، فإن تولَّتَ فَإِن عليك إِثُمُ القِبط و ﴿ يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمةٍ سواعٍ
بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يَتَّخِذَ بعضُنا بعضاً أرباباً من دون الله،
فإِنْ تولَّْ فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون﴾ [ آل عمران: ٦٤ ].
وختم الكتابَ ، فخرج به حاطب حتى قدم عليه الإسكندرية ، فانتهى إلى جاجبه ، فلم
يُلْبئه أن أوصل إليه كتاب رسول الله عَّه. وقال حاطب للمقوقس لما لقيه: إنه قد كان
قبلَك رجلٌ يزعم أنه الرب الأعلى ، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى ، فانتقم به ، ثم انتقم.
(١) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ٢٥٨/١ - ٢٥٩، ولم يذكر نص الكتابين، وإنما أشار إليهما .
(٢) كلام المؤلف عن إسلام النجاشي وكتاب رسول الله عَ لِ إليه، ثم وفاته وصلاة رسول الله عليه، خطأ.
صريح؛ لأنه يفيد أن النجاشي الذي كتب إليه رسول الله عَ ◌ّةٍ هو الذي أسلم، وربما تابع المؤلف في هذا:
الواقدي، والصحيح أنهما اثنان؛ كما في صحيح مسلم: أن رسول الله عَ ل كتب إلى النجاشي، وليس
الذي صلى عليه رسول الله عَ ◌ّه. وقال سبط ابن العجمي: والعجب كيف خفي هذا على مثل المؤلف .
تور النبراس لوحة ١٥٩/٣
- ٣٥٠ -

منه ، واعتبرْ بغيرك ولا يُعتبرْ بك. قال: هاتٍ. قال: إن لنا ديناً لن ندعَه إلا لما هو خيرٌ منه
وهو الإِسلام، الكافي به الله فقدَ ما سواه، إن هذا النِي عَ لّ دعا الناس، فكان أشدَّهم
عليه قريش ، وأعداهم له يهودُ ، وأقربَهم منه النصارى ، ولعمري ما بشارة موسى بعيسى بن
مريم إلا كبشارة عيسى بمحمد عَ له، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهلَ التوراة إلى
الإِنجيل ، وكلُّ نيّ أدرك قوماً فهم من أمته ، فالحقُّ عليهم أن يُطيعوه ، فأنت ممن أدركه هذا
النبي ، ولسنا نتهاك عن دين المسيح، ولكنا نأمُرك به . فقال المقوقس: إني قد نظرتُ في أمر
هذا النبي فوجدته لا يأمر بمزهود فيه ، ولا ينهى إلا عن مرغوب عنه ، ولم أجده بالساحر
الضال، ولا الكاهن الكاذب ، ووجدتُ معه آلة النبوة بإخراج الخَبْءٍ، والإخبار
بالنجوى ، وسأنظر .
وأخذَ كتَابَ النِي عَِّ فجعله في حُقٍّ من عاج ، وختم عليه ، ودفعه إلى جارية له ، ثم
دعا كاتباً له يَكتب بالعربية، فكتب إلى النبي عَّهِ: بسم الله الرحمن الرحيم ، لمحمد بن
عبد الله ، من المقوقس عظيم القِبْط ، سلام عليك ، أما بعد : فقد قرأتُ كتابَك ، وفهمتُ
ما ذكرتَ فيه ، وما تدعو إليه ، وقد علمتُ أن نبياً بقي ، وكنتُ أَظنُّ أنه يخرج بالشام ، وقد
أكرمتُ رسولَك وبعثتُ إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم ، وبكسوة ، وأهديتُ إليك
بغلةً لتركبَها ، والسلام عليك . ولم يزد على هذا ، ولم يسلم .
الجاريتان : مارية وسيرين .
● والبغلة : دلدل ، بقيت إلى زمن معاوية ، وكانت شهباء.
وذكر الواقدي في هذا الخبر: أن المقوقس وصفَ لحاطب أشياءَ من صفة النِّ عَّ} ،
وقال : القبط لا يطاوعوني في اتباعه ، ولا أُحبُّ أن تعلمَ بمحاورتي إياك ، وأنا أضِنُّ بملكي أن
أفارقَه ، وسيظهر على البلاد ، وينزلُ بساحتنا هذه أصحابُه من بعده ، حتى يظهرَ على من
هاهنا ، فارجع إلى صاحبك فقد أمرت له بهدايا وجاريتين أختين ، وبغلة من مراكبي ، وألفَ
مِثقال ذهباً ، وعشرين ثوباً ، وغير ذلك ، وأمرتُ لك بمائة دينار، وخمسةِ أثواب ، فارحلْ من
عندي ولا تسمعْ منك القبطُ حرفاً واحداً . فرحلتُ من عنده وقد كان لي مُكرماً في الضيافة
وقِّة اللُّبث ببابه ، ما أقمت عنده إلا خمسة أيام . وإن الوفودَ وفودُ العجم ببابه منذ شهر
وأكثر .
- ٣٥١ -
٦

قال حاطب: فذكرتُ قولَه لرسول الله عَ له، فقال: ((ضَنَّ الخبيثُ بملكه ولا بقاء
لملكه ))(١) ..
قال الدارقطني : اسمه جُريح بن مِينا ، أثبته أبو عمر في الصحابة ، ثم أمر بأن يُضرب
عليه . وقال : يغلب على الظنِّ أنه لم يُسلم . وكانت شبهتُه في إثباته إياه في الصحابة أولاً
روايةً رواها ابن إسحاق عن الزهري عن عُبيد الله بن عبد الله بن ◌ُتبة قال : أخبرني المقوقسُ
أنه أهدى لرسول الله عَ لِ قَدُّحَاً من قوارير فكان يشرب فيه .
كتابُ رسول الله عَ ل إلى المنذر بن سَاوَى العَبْدي
مع العلاء بن الحضرمي بعد انصرافه من الحديبية
ذكر الواقدي بإسناد له عن عكرمة ، قال : وجدتُ هذا الكتاب في كتب ابن عباس
بعد موته ، فنسختهُ، فإذا فيه: بعثَ رسولُ اللهِ عَّ لِ العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن
---
سَاوَى، وكتب إليه رسولُ الله عَ لِ كتاباً يدعوه فيه إلى الإسلام، فكتب المنذرُ إلى
رسول الله عَّله: أما بعد، يا رسول الله فإني قرأتُ كتابَك على أهل البحرين ، فمنهم من .
أحبَّ الإِسلام وأعجبَه ودخل فيه ، ومنهم من كرهه . وبأرضي مجوس ويهود ، فأحدثْ إليَّ في
: ذلك أمركَ. فكتب إليه رسول الله عٍَّ :
بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد رسول الله إلى المنذر بن سَاوَى ، سلام عليك ، فإني
أحمدُ إليك الله الذي لا إله إلا هو وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله ، أما
بعد : فإنى أُذَكِّرُكَ اللهَ عز وجل ، فإنه من ينصحُ فإنما ينصحُ لنفسه، وإنه من يُطعِ رسلي
ويتبع أمرَهم فقد أطاعني ، ومن نصحَ لهم فقد نصحَ لي ، وإِن رسلي قد أثنوا عليك خيراً وإني
قد شفَّعْتُكَ في قومك، فاتركْ للمسلمين ما أسلموا عليه ، وعفوتُ عنْ أَهل الذنوب ، فاقبلْ:
منهم، وإنك مهما تُصلحْ فلن نعزلَك عن عملك، ومن أقام على يهودية أو مجوسية فعليه
الجزية (٢) .
(١) الطبقات الكبرى ٢٦٠/١ - ٢٦١ مختصراً.
(٢) الطبقات الكبرى ٢٦٣/١.
- ٣٥٢ -

أسلم المنذر هذا بكتاب رسول الله عَ له، وحسن إسلامه، ومات قبل ردة أهل
البحرين .
وذكر ابن قانع: أنه وفدَ على النِّ عَِّ. قال أبو الربيع بن سالم: ولا يصحُّ ذلك.
کتاب النِّ ځآلِ إلى جيفٍ وعبدٍ
ابنِي الْجُلَنْدَى الأزدبين، ملكي عُمان، مع عمرو بن العاص
بسم الله الرحمن الرحيم : من محمد بن عبد الله إلى جيفرٍ وعبدٍ ابني الجُلَنْدَى . سلام على
من اتبع الهدى ، أما بعد : فإني أدعوكا بداعية الإسلام ، أسلما تسلمًا، فإني رسول الله إلى
الناس كافة، لأنذرَ من كان حيّاً ، ويَحِقَّ القولُ على الكافرين. وإنكما إن أقررتما بالإِسلام
وَلَّيْتُكُما ، وإن أبيتما أن تُقِرَّا بالإِسلام فإن مُلكَكُما زائل عنكما ، وخيلي تَّحِلُّ بساحتِكما،
وتظهرُ نبوَّتَي على مُلكِكُماً .
وكتبَ أَبُّ بن كعب، وختمَ رسولُ الله عَ لَّلِ الكتابَ .
قال عمرو : ثم خرجتُ حتى انتهيتُ إلى عُمان ، فلما قدمتُها عمدتُ إلى عبدٍ وكانَ
أحلَمَ الرجلين وأسهلَهما خُلُقاً ، فقلت : إني رسولُ الله إليك وإلى أخيك، فقال : أخي
المقدَّمُ علَّ بالسِّنّ والملك ، وأنا أُوصلكَ إليه حتى يقرأ كتابَك . ثم قال لي : وما تدعو إليه ؟
قلت : أدعوكَ إلى الله وحده لا شريك له، وتخلعَ ما عُبدَ من دون الله ، وتشهد أن محمداً
عبده ورسوله . قال : يا عمرو إنك ابن سيِّدٍ قومك ، فكيف صنع أبوك ، فإن لنا فيه قدوة ؟
فقلت: مات ولم يُؤْمِنْ بمحمد عَ لِه، وددتُ أنه كان أسلم وصدَّق به ، وقد كنتُ أنا على
مثل رأيه ، حتى هداني الله للإسلام . قال : فمتى تبعته ؟ قلت : قريباً . فسألني أين كان
إسلامي ؟ فقلت : عند النجاشي ، وأخبرتُه أن النجاشيّ قد أسلم. قال: فكيف صنعَ قومُه
بملكه؟ قلت : أقروه واتبعوه. قال: والأساقفة والرهبان اتبعوه؟ قلت: نعم . قال : انظر
يا عمرو ما تقول ، إنه ليس من خَصلة في رجل أفضحَ له من كذب . قلت : ما كذبتُ
وما نستحلُّه في ديننا . ثم قال: ما أرى هرقل علم بإسلام النجاشي . قلت : بلى . قال : بأي
شيء علمتَ ذلك؟ قلت: كان النجاشيُّ يُخرج له خَرْجاً، فلما أسلم وصدَّقَ
بمحمد عَ له، قال: لا والله لو سألني درهماً واحداً ما أعطيتُهُ، فبلغ هرقلَ قولُه ، فقال له
- ٣٥٣ -

!
يَنَّاقُ أخوه : أتدع عبدَك لا يُخرج لك خرجاً، ويدينُ دينا مُحدثاً؟ قال هرقل: رجلٌ رغَبَ
في دين واختارَه لنفسه ما أَصْبُعُ به ، والله لولا الضَنُّ بملكي لصنعتُ كما صنع. قال : انظر
ما تقول يا عمرو ؟ قلت : والله صدقتُك . قال عبد : فأخبرني ما الذي يأمرُ به وینهی عنه .
قلت : يأمر بطاعة الله عز وجل ، وينهى عن معصيته ، ويأمر بالبر وصلة الرحم ، وينهى عن
الظلم والعدوان ، وعن الزنا وشرب الخمر ، وعن عبادة الحجر والوثن والصليب . فقال :
ما أحسن هذا الذي يدعو إليه ، لو کان أخي يُتابعني لر کبنا حتى نؤمنَ بمحمد ونُصدِّق به ،
ولكنَّ أُخي أضنُّ بملكه من أن يدعَه، ويصيرَ ذَباً. قلت: إنه إن أسلم مَلَّكَه
رسولُ الله عَ لِه على قومه، فأخذ الصدقةَ من غنيِّهم فردَّها على فقيرهم. قال: إن هذا
الخلق حسن ، وما الصدقة؟ فأخبرتُه بما فرضَ رسولُ الله عَ لِ من الصَّدَقَاتِ في الأموال حتى
انتهيتُ إلى الإبل، فقال : يا عمرو وتُؤخذ من سوائم مواشينا التي ترعى الشجرَ وتردُ المياهَ ؟
قلت : نعم . فقال : والله ما أرى قومي في بعد دارهم وكثرة عددهم يُطيعون بهذا . قال:
فمكثتُ ببابه أياماً وهو يصلُ إلى أخيه فیخبره کلّ خبري . ثم إنه دعاني يوماً فدخلتُ عليه ،
فأخذَ أعوانُه بضَبْعَيَّ ، فقال : دعوه . فأُرسلتُ ، فذهبتُ لأجلسَ ، فأبوا أن يدعوني
أجلسُ ، فنظرتُ إليه ، فقال: تكلّمْ بحاجتِك . فدفعتُ إليه الكتابَ مختوماً ، فَفَضَّ خاتمه ،
فقرأه حتى انتهى إلى آخره ، ثم دفعه إلى أخيه فقرأه مثلَ قراءته ، إلا أني رأيتُ أخاه أرقَّ منه .
ثم قال : ألا تُخبرني عن قريش كيف صنعت ؟ فقلت: تبعوه إما راغبٌ في الدين وإما مقهور
بالسيف . قال : ومن معه؟ قلت : النَّاسُ قد رغبوا في الإسلام واختاروه على غيره ، وعرفوا
بعقولهم مع هدي الله إياهم أنهم كانوا في ضلال، فما أعلم أحداً بقي غيرَك في هذه
الحَرَجة ، وأنت إنْ لم تُسلم اليوم وتَشَِّعْه يُوطئك الخيلَ ، ويُدْ خضراءك، فأسلم تسلم ،
ويستعملْك على قومِك ، ولا يُدخلْ عليك الخيل والرجال . قال : دعني يومي هذا ، وارجعْ
إليَّ غداً . فرجعتُ إلى أخيه ، فقال : يا عمرو إني لأرجو أن يُسلم إن لم يَضنَّ ملكه ، حتى
إذا كان الغد ، أتيتُ إليه ، فأبى أن يأذن لي ، فانصرفت إلى أخيه فأخبرته أني لم أصل إليه ،
فقال : إني فكرت فيما دعوتني إليه فإذا أنا أضعفُ العرب إن مَلَّکتُ رجلاً ما في يدي وهو
لا تبلغُ خيله إليَّ هاهنا، وإنّ بلغت خيله ألفتْ قتالاً ليس كقتال من لاقى ، قلت : وأنا
خارجٌ غداً ، فلما أيقنَ بمخرجي خلا به أخوه ، فقال : ما نحن فيما قد ظهرَ عليه، وكلُّ من
- ٣٥٤ -

أرسل إليه قد أجابه؟ فأصبحَ فأرسلَ إليَّ فأجابَ إلى الإِسلام هو وأخوه جميعاً، وصدَّقا
النَّ ◌َّلِ، وخلَّياً بيني وبين الصدقة وبين الحكم فيما بينهم. وكانا لي عوناً على من
خالفني(١) .
كتاب النبي عٍَّ إلى هوذة بن علي الحنفيِّ
صاحب اليمامة ، مع سَلِيط بن عمرو العامريّ
بسم الله الرحمن الرحيم . من محمد رسول الله إلى هوذة بن علي ، سلام على من اتبع
الهدى ، واعلم أن ديني سيظهرُ إلى منتهى الخُفِّ والحافر ، فأسلم تسلم ، وأجعل لك ما تحت
يديك .
فلما قدم عليه سَليط بكتاب النبي عَ لَلِ مختوماً؛ أنزله وحَبَاه، وقرأ عليه الكتاب ، فردَّه
دون ردٌّ، وكتب إلى النبي عَّ له: ما أحسن ما تدعو إليه وأجملَه، وأنا شاعرُ قومي
وخطيبُهم ، والعربُ تهابُ مكاني، فاجعل إليَّ بعضَ الأمر أُتَّبِعْكَ . وأجازَ سَليطا بجائزة ،
وكساه أثواباً من نسج هَجَر ، فقدم بذلك على النِي عَّهِ فأخبره. وقرأ النُّ عَ ◌ّلِ كتابه،
وقال: لو سألني سَيّابة(٢) من الأرض ما فعلت، بادَ وبادَ ما في يديه. فلما انصرف النِيُّ عَ لَالم
من الفتح، جاءه جبريلُ عليه السلام بأن هوذةَ قد مات(٣)، فقال عَ ◌ِّ: أما إن اليمامةَ
سيخرجُ بها كذَّابٌ يتنبأ ، يُقتل بعدي . فقال قائلٌ: يا رسول الله من يقتلُه؟ فقال له
رسول الله عَ لَّهِ : أنت وأصحابُك، فكان كذلك.
وفيما ذكر الواقدي أن أركون دمشق - عظيم من عظماء النصارى كان عند هوذة -
فسأله عن النبي ◌َّ ◌ُلِه، فقال: جاءفي كتابُه يدعوني فيه إلى الإسلام فلم أجبْه، قال
الأركون : لم لا تجيبُه ؟ فقال: ضننتُ بديني وأنا ملكُ قومي، ولئن تبعتُه لم أُمَلَّكْ. قال:
بلى والله لئن اتَّبِعَتَه ليُملِكَنَّك وإنَّ الخيرة لك في اتباعه ، وإِنَّه للنبي العربي الذي بَشَّرَ به
عيسى بن مريم ، وإنه لمكتوب عندنا في الإنجيل محمد رسول الله . وذكر باقي الخبر.
(١) الطبقات الكبرى ٢٦٢/١ - ٢٦٣ مختصراً.
(٢) (( سَيَابة)): بَلَحَة من ثمر النخيل.
(٣) الطبقات الكبرى ٢٦٢/١.
- ٣٥٥ -

كتاب النبي ◌َ ◌ِّ إلى الحارث بن أبي شَمْر الغسَّالي
مع شجاع بن وهب
ذكر الواقدي أن رسول الله عَ لّه بعث شجاعاً إلى الحارث بن أبي شمر، وهو بغوطة
دمشق ، فكتبَ إليه مرجعَه من الحديبية :
بسم الله الرحمن الرحيم . من محمد رسول الله إلى الحارث بن أبي شَمْر، سلام على من
اتبع الهدى وآمن به وصدَّق ، وإني أدعوك إلى أن تُؤْمنَ بالله وحده لا شريك له ويبقى لك
مُلككَ .
فختمَ الكتابَ ، وخرج به شجاع بن وهب ، قال : فانتهيتُ إلى حاجبه ، فأجدُه يومئذ
وهو مشغول بتهيئة الأنزال والألطاف(١) لقيصرَ، وهو جاء من حمص إلى إيلياء حيث كشف
: الله عنه جنود فارس ، شكراً لله تعالى . قال : فأقمتُ على بابه يومين أو ثلاثة ، فقلت :
لحاجبه : إني رسولُ رسول اللهِ صَ لِّ إليه، فقال حاجبه: لا تصلُ إليه حتى يخرجَ يومَ كذا
وكذا. وجعل حاجبه - وكان رومياً اسمه مُرَيّ - يسألني عن رسول الله عَ لٍ وما يدعو
إليه ، فكنتُ أحدثه ، فيرقُ حتى يغلبَه البكاء ، ويقول: إني قرأت في الإنجيل ، وأجدُ صفة.
هذا النبيِّ بعينه ، فكنت أراه يخرج بالشام، فأراه قد خرجَ بأرض القَرَظِ (٢)، فأنا أؤمن به
وأصدقه ، وأنا أخاف من الحارث بن أبي شَمْر أن يقتلني . قال شجاع : فکان - يعني هذا
الحاجب ــ يُكرمني ويُحسن ضيافتي، ويُخبرني عن الحارث باليأس منه ، ويقول: هو يخاف
قيصر . قال : فخرجَ الحارث يوماً وجلس ، فوضعَ التاجَ على رأسه ، فأذنَ لي عليه ، فدفعتُ
إلیه کتاب رسول الله عٹے ، فقرأه ثم رمی به ، وقال : مَنْ ينتزُ مني مُلکي ، وأنا سائر إليه ،
ولو كان باليمن جئته ، عليّ بالنَّاس ، فلم يزلْ جالساً يعرضُ حتى الليل . وأمر بالخيل أن تنعلَ ،
ثم قال : أخبرْ صاحبَك بما ترى . وكتبَ إلى قيصرَ يخبرُهُ خبري ، فصادفَ قيصرَ بإيلياء ،
وعنده دحية الكلّيّ، وقد بعثَه إليه رسولُ الله عَ لِ، فلما قرأ قيصرُ كتابَ الحارث كتبَ
(١) ((الأنزال والألطاف)): ما يُهيأ للنزيل من المآكل والهدايا ..
(٢) ((القَرَظ )): ورق السلم؛ تُدبغ به الجلود، وأرضُ القَرَظ: كناية عن جزيرة العرب، لأنها منبته.
- ٣٥٦ -

إليه : ألا تسر إليه ، والهُ عنه ، ووافني بإيلياء . قال: ورجع الكتابُ وأنا مقيمٌ ، فدعاني ،
وقال : متى تُريدُ أن تخرجَ إلى صاحبك؟ قلت : غداً . فأمرَ لي بمائة مثقال ذهباً ، ووصلني
مُرَيّ بنفقة وكسوة، وقال: اقرأ على رسول الله عَّلِ مني السلام، وأخبره أني مُتَّع دينه .
قال شجاع: فقدمتُ على النِيِ مَِّ فأخبرته، فقال: بادَ ملكُه. وأقرأته من مُرَيّ
السلام، وأخبرتُه بما قال، فقال رسول الله عَ له: صدق(١).
وابن هشام يقول : بأن المرسلَ إليه جَبَلَةَ بن الأيهم ، بدل الحارث بن أبي شمر .
وقد تقدَّم فيما ذكرناه عن ابن إسحاق كتابَ النِي عَّله إلى الحارث بن عبد كُلال ومن
معه باليمن ، والله تعالى أعلم .
(١) الطبقات الكبرى ٢٦١/١ - ٢٦٢.
- ٣٥٧ -

سرية علي بن أبي طالب
رضي الله تعالى عنه إلى اليمن
قال ابن سعد: يُقال مرتين: إحداهما في شهر رمضان سنة عشر من مُهاجره عٍَّ،
وعقد له لواءٌ وعمَّمه بيده ، وقال : امضٍ ولا تلتفتْ ، فإذا نزلتَ بساحتهم فلا تقاتلهم حتى
يقاتلوك . فخرجَ في ثلاثمائة فارس ، وكانت أوَّلَ خيلٍ دخلت إلى تلك البلاد ، وهي بلاد
مَذْحج ، ففرَّق أصحابه ، فأتُوا بنهبِ غنائمَ وأطفالٍ ونساء ونَعَمٍ وشاء وغير ذلك ، وجعل
علَّ على الغنائم بريدة بن الحُصيب الأسلمي ، فجمع إليه ما أصابوا ، ثم لقي جمعهم فدعاهم
إلى الإسلام فأبوًا ، ورموا بالنبل والحجارة ، فصفَّ أصحابَه ، ودفع لواءَه إلى مسعود بن سنان
الأسلمي(١)، ثم حملَ عليهم علَّ بأصحابه ، فقتلَ منهم عشرين رجلاً ، فتفرقوا وانهزموا ،
فكفَّ عن طلبهم ، ثم دعاهم إلى الإسلام فأسرعوا وأجابوا ، وتابعه نفر من رؤسائهم على
الإِسلام، وقالوا: نحن على من وراءنا من قومنا، وهذه صَدَقَاتُنا، فخذْ منها حقَّ الله. وجمعَ
علّ الغنائمَ فجزَّأُها على خمسة أجزاء، فكتب في سهم منها لله، وأقرع عليها ، فخرج أوّلُ
السهام سهمُ الخمس ، وقسم علّ على أصحابه بقيةً المغنم ، ثم قفل فوافى النيّ ټ بمكة ، وقد
قدمها للحج سنة عشر(٢).
قال الرُّشَاطي: وفي الحديث أن رسول الله عَ ليه بعث عليّ بن أبي طالب في سرية إلى
اليمن ، وذلك في شهر رمضان سنة عشر من الهجرة ، فأسلمت هَمْدان کلُها في يوم واحد ،
وكتب بذلك إلى رسول الله عَ الَّله، فلما قرأ كتابه خرَّ لله ساجداً، ثم جلسَ فقال: السَّلامُ
على هَمْدان. وتتابع أَهلُ اليمن على الإسلام . انتهى كلام الرُّشَاطي، ويُشبه أن تكون هذه
هي السرية الأولى ، وما في الأصل هو السرية الثانية، والله أعلم.
(١) في ((د)) والطبقات الكبرى ١٧٠/٢ ( السَّلِمي)). قالوا: والنسبتان صحيحتان، فهو أسلمي صلينة،
سَلِمِيٍّ بالحلف . نور النبراس لوحة ١٦٤/٣ .
(٢) الطبقات الكبرى ١٦٩/٢ - ١٧٠.
- ٣٥٨ -
:
١

حجّة الوداع
قال الفقيه الحافظ أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الفارسي رحمه الله(١): أعلم عليه
الصلاة والسلام الناسَ أنه حَاجٌّ ، ثم أمر بالخروج معه، فأصابَ النَّاسَ بالمدينة جُدري أو
حَصْبة منعت من شاء الله تعالى أن تمنعَ من الحج معه، فأعلمَ رسول الله عَ ◌ّلِ أن عمرة في
رمضان تعدل حجةٌ .
وخرجَ رسولُ الله عَّه إلى مكة عام حجة الوداع التي لم يحج من المدينة منذ هاجر عليه
الصلاة والسلام إليها غيرها ، فأخذ على طريق الشجرة ، وذلك يوم الخميس لست بقين من
ذي القعدة سنة عشر نهاراً ، بعد أن ترجَّلَ وادَّهن، وبعد أن صلَّى الظهر بالمدينة، وصلَّى
العصرِ من ذلك اليوم بذي الحُلَيفة ليلة الجمعة ، وطافَ تلك الليلةَ على نسائه ، ثم اغتسلَ ،
ثم صلَّى بها الصبح، ثم طيَِّتْه عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها بيدها بذريرة (٢)، وبطيب فيه
مسك. ثم أحرم ولم يغسل الطيبَ ، ثم ليَّد رأسه، وقلّد بدنته(٣) نعلين، وأشعرَها (٤) في
جانبها الأيمن ، وسلتُ(٥) الدم عنها ، وكانت هديَ(٦)تطوع، وكان عليه الصلاة والسلام
ساق الهديّ مع نفسه ، ثم ركب راحلته ، وأهلُّ حين انبعثت به من عند المسجد مسجد ذي
الحليفة بالقران بالعمرة والحج معاً ، وذلك قبل الظهر بيسير ، وقال للناس بذي الحليفة : من
أراد منكم أن يُهِلَّ بعمرةٍ وحجٌّ فليفعل، ومن أرادَأن يُهِلَّ بحج فليُهِلّ ، ومن أراد أن يُهِلَّ بعمرة
فليُهِلِّ. وكان معه عليه الصلاة والسلام من الناس جموعٌ لا يُحصيهم إلا خالقهم ورازقهم
عزَّ وجلَّ .
(١) هو ابن حزم الأندلسي المتوفى سنة ٤٥٦ هـ .
(٢) ((بذريرة)): الذريرة: نوع من الطيب المدقوق، مجموع من أخلاط.
(٣) ((قُلِّدَ بدنته نعلين)): وضعهما في رجليها؛ ليُعلم أنها هدي .
(٤) (( أشعرها)): شقّ أحد جني سنامها شقاً ضيِّقاً بمشرط ونحوه حتى تَدْمَى؛ ليُعرف أنها هدي.
(٥) (( سلت الدم عنها)): أزاله لتتضح علامتها .
(٦) وكانت هدي تطوع: هذا بناء من ابن حزم الظاهري على أصله الذي انفرد به عن الأئمة ؛ أن القارن لا يلزمه
هدي ، وإنما يلزم المتمتع . وبين بطلانه ابن القيم في زاد المعاد فانظره. نور النبراس لوحة ١٦٥/٣.
- ٣٥٩ -

ثم لَّى رسولُ الله ◌َّ ◌َله فقال: ((لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن
الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك)). وقد روي أنه عليه الصلاة والسلام زاد على
ذلك، فقال: لبيك إلّهَ الحقِّ. وأتاه جبريلُ عَ له وأمره أن يأمَر أصحابَه أن يرفعوا أصواتهم
بالتلبية .
وَوَلدتْ أسماء بنتُ عميس الخثعمية - زوج أبي بكر الصديق رضي الله عنهما -
محمدَ بن أبي بكر ، فأمرها رسولُ اللهِ عَ لِ أن تغتسلَ وأن تستثفر (١) بثوب، وتُحرم وتُهل .
ثم نهض عليه الصلاة والسلام وصلَّى الظهر بالبيداء ، ثم تمادى . واستهلَّ هلال ذي
الحجة ليلة الخميس ليلة اليوم الثامن من خروجه من المدينة ، فلما كان بِسَرف حاضت
عائشة رضي الله عنها، وكانت قد أهلَّت بعمرة، فأمرها رسولُ الله عَ لِ أن تغتسلُّ، وتنقض
رأسها، وتمتشطَ ، وتتركَ العمرة، وتدعَها وترفِضَها، ولم تحل منها ، وتدخل على العمرة
حجاً ، وتعملَ جميع أعمال الحج جاشى الطواف بالبيت ما لم تطهر .
وقال عليه الصلاة والسلام وهو بسرف للناس : من لم يكن منكم معه هدي وأحبَّ أن
يجعلها عمرة فليفعل ، ومن كان معه هدي فلا . فمنهم من جعلها عمرة کما أبيح له ، ومنهم
من تمادى على نية الحج ولم يجعلها عمرة ، وهذا فيمن لا هدي معه ، وأما من كان معه
الهديُ، فلم يجعلها عمرة أصلاً . وأمر عليه الصلاة والسلام في بعض طريقه ذلك من كان
معه هدي أن يُهِلَّ بالقران بالحج والعمرة معاً ، ثم نهضَ عليه الصلاة والسلام إلى أن نزل بذي
طُوى ، فبات بها ليلة الأحد لأربع خلون لذي الحجة ، فصلَّى الصبحَ بها ، ودخل مكة نهاراً
من أعلاها من كَداء ، من الثنية العليا صبيحة يوم الأحد المذكور المؤرخ ، فاستلم الحجر
الأسود، وطاف رسولُ اللهِ نَ له بالكعبه سبعاً، ورمل ثلاثاً منها، ومشى أربعاً ، يستلم
الحجرَ الأسود والركن اليمانيّ في كل طوفة، ولا يَمَسُّ الركنين الآخرين اللذين فى الحِجْرِ ،
وقال بينهما: ﴿ رَبِّنَا آتِنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً وقِنا عذابَ النَّارِ﴾ [ البقرة:
٢٠١] ثم صلّى عند مقام إبراهيم عليه السلام ركعتين يقرأ فيهما مع أم القرآن ﴿قل يا أيُّها
الكافرون﴾ و﴿ قل هو الله أحد﴾ جعل المقام بينه وبين الكعبة، وقرأ عليه الصلاة والسلام
(١) (تستثفر)): تشد على فرجها بخرقة عريضة بعد أن تحتشي قطناً فتمنع سيل الدم.
- ٣٦٠ -