النص المفهرس
صفحات 321-340
· قوله : وغاب الوافد : بالواو ، وقال بعض الناس لا معنى له إلا على وجه بعيد ، قال : ووجدت الرقام ذكره في كتابه : الرافد بالراء ، وهو أشبه . قدوم فَروة بن مُسيْك المرادي قال ابن إسحاق: وقدم فروة على رسول الله عَ لى مفارقا لملوك كندة ، وقد كان قُبيل الإِسلام بين مُراد وهَمْدان وقعةٌ ، أصابت فيها هَمْدانُ من مُراد ما أرادوا، حتى أثخنوهم في يوم كان يُقال له الرَّدْم . فكان الذي قاد إلى مُرادَ هَمْدانَ : الأجدعُ بن مالك في ذلك اليوم . وابن هشام يقول: مالك بن حُرَيْم(١) . وعن الدارقطني وابن ماكولا فيه: حَرِيم ، بفتح الحاء مكسور الراء المهملتين ، قيل : هو والد مسروق بن الأجدع . حكاه الدارقطني ، وتبعه ابن ماكولا ، وهو مما أنكره الوقشي ، وقال : ليس مالك بن حَرِيم جد مسروق كما زُعم ، لأن مالكاً من بني دالان بن سابقة بن ناشح بن دافع بن مالك بن جشم بن حيوان بن نوف بن همدان ، ومسروقاً من بني معمر بن الحارث بن سعد بن عبد الله بن وادعة بن عمرو بن عامر بن ناشح ، رأيته بخط الأستاذ أبي علي الشَّلُوبِيْن ، وقد أسقط بين جشم بن حَيوان حاشد بن جشم. كذا هو عند الرُّشاطي : جشم بن حاشد بن جشم بن حَيوان بن نوف . ولما توجه(٢) فروة إلى رسول الله عَ ◌ِّ، قال: كالرِّجلِ خانَ الرّجلَ عِرْقُ نَسائِها (٣) لما رأيتُ مُلوك كِندةَ أعرضتْ أرجو فواضلَها وحُسْنَ ثَرَائِها قَرَّبْتُ راحلتي أَوْمُّ محمّداً وقال له رسول الله عَ ليه: هل ساءك ما أصابَ قومَك يوم الرَّدْم؟ قال: يا رسول الله! (١) السيرة النبوية ٥٨١/٢ . (٢) رجع إلى كلام ابن إسحاق . (٣) ((عرق نَسَائها)): هو عِرق مستبطن في الرِّجل، كعِرق الأكحل في اليد، والأصل فيه - النَّسَا - بالقصر . - ٣٢١ - من ذا يُصيب قومَه مثلُ ما أصابَ قومي يوم الرَّدْم ولا يسوؤُه؟ فقال له رسولُ اللهِ عَ لَّهِ: أما إن ذلك لم يزد قومَك في الإسلام إلا خيراً. واستعملَه على مُراد وزُبيد ومَذْحِج كلِّها، وبعثَ معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة ، فكان معه في بلاده حتى توفي رسول الله مط﴾(١). قدوم عمرو بن معدي كرب في أناس من بني زُیید قدم عمرو ، فأسلم ، وقد كان قال لقيس بن مَكشوح المرادي - وقيس ابن أخته ــ يا قيسُ إنك سيَّدُ قومِك، وقد ذُكر لنا أن رجلاً من قريش يُقال له محمد ، قد خرج بالحجاز ، يقول : إنه نبي . فانطلق بنا إليه ، حتى نعلمَ عِلْمَه، فإن كان نبيًّاً كما يقول فإنه لن يخفى عنك ، إذا لقيناه اتبعناه. وإن كان غير ذلك علمنا عِلْمه . فأبى عليه قيس ذلك وسفَّه رأيه ، فركب عمرو حتى قدم على رسول الله عَ لِ فأسلمَ وصدَّقه وآمن به ، فلما بلغ ذلك قيساً أوعدَ عمراً، فقال عمرو في ذلك شعراً أوله : : أمرتك يومَ ذي صنعا ءٌ أمراً بادياً رُشِْدُهُ وأقام عمرو في قومه منّ بني زُبيد وعليهم فروة بن مُسيك، فلما تُوفي رسول الله عَّهُ ارتد عمرو .. قاله ابن إسحاق(٢). وذكر أبو عمر من طريق ابن عبد الحكم قال : حدثنا الشافعي ، قال: وجَّه رسولُ الله عَ ليه عليّ بن أبي طالب وخالدَ بنَ سعيد بن العاص إلى اليمن، قال: إذا اجتمعتما فعِّ الأمير ، وإذا افترقتما فكلُّ واحد منكم أمیر . فاجتمعا ، وبلغ عمرو بن معدي کرب مكانَهما ، فأقبلَ في جماعة من قومه ، فلما دنا منهما ، قال : دعوني حتى أتي هؤلاء القوم ، فإني لم أُسمَّ لأحدٍ قطُّ إلا هابني. فلما دنا منهما نادى أنا أبو ثور ، أنا عمرو بن معدي کرب ، فابتدره علَّ وخالدٌ ، وكلاهما يقولُ لصاحبه : خَلِّني وإياه ، ويُقدِّيه بأبيه وأمه . فقال (١) السيرة النبوية ٥٨٢/٢ - ٥٨٣. (٢) المصدر السابق ٥٨٣/٢ _ ٥٨٥. - ٣٢٢ - عمرو إذ سمع قولَهما : العرب تُفَزِّعُ بي، وأُراني لهؤلاء جَزَرَة(١). فانصرف عنهما . وكان عمرو فارسَ العرب مشهوراً بالشجاعة ، وكان شاعراً مُحسناً، مما يُستجاد من شعره قوله : وكلُّ مُقلِّصٍ سَلسٍ القِياد(٢) أعاذلَ عُدّتي يَزَني ورمحي إجابتي الصريخ إلى المنادي أعاذلَ إنما أفنى شبابي وأفرحَ عاتقي حملُ النِّجادِ مع الأبطالِ حتى سُلَّ جسمي ويفنى قبل زاد القوم زادي ويبقى بعد حلم القوم حلمي وددتُ ، وأينما مني ودادي ؟ تمنّى أَن تُلاقيني قييسٌ يرودُ بنفسه شرَّ المرادِ فمن ذا عاذري من ذي سَفاه عذيُركَ من خليلِك من مُرادِ(٣) أُرِيدُ حَيَاتَه ويُريد قتلي يُريد قيس بن مكشوح، وأسلم قيس بعد ذلك ، وله ذكر في الصحابة ، وقيل : كان إسلامه بعد وفاة رسول الله مَ اله، وكان شجاعاً فارساً شاعراً ، وكان يُناقض عمراً ، وهو القائل لعمرو : وودَّعْتَ الحبائبَ بالسَّلامِ فلو لاقيتني لاقيتَ قِرْناً وما قامعتُ من تلك اللئامِ لعلك مُوعِدِي بيني زُبيدٍ إلى اللِّحيين يمشي في الخِطَّامِ ومثلُك قد قَرنتُ له يديْهِ قدوم الأشعث بن قيس وقدم الأشعث بن قيس في ثمانين راكباً من كندة، فدخلوا على رسول الله عَ لّه مسجدَه (١) ((جَزَرة)): شاة سمينة. (٢) ((يَزَني)): كذا في الأصول، نسبة إلى (( يَزَن)) أحد ملوك حمير، تنسب إليه الرماح. وفي الاستيعاب ((بدني )) معناه: درعي ، على حد قوله تعالى عن فرعون ﴿ فاليوم ننجيك ببدنك﴾ أي بدرعك، كما فسره بعضهم - نور النبراس لوحة ١٤٠/٣ .. (٣) كذا في الاستيعاب ٥٢١/٢ وبعض النسخ، ويُروى ((حِبَاؤُه)) والأول أسير. - ٣٢٣ - وقد رَجَّلوا (١) جُمْمِهَم وتكحلوا، وعليهم جُبَبُ الخَبِرَة قد كفَّفُها بالحرير ، فلما دخلوا على رسول الله عَ لّه، قال: ألم تُسلموا؟ قالوا: بلى. قال: فما بال هذا الحرير في أعناقكم؟ قال: فشَقُّوه منها وألقَوْه، وقالوا: يا رسول الله نحن بنو آكلِ الْمُرار وأنت ابن آكلِ الْمُرار. فتبسَّم رسولُ الله عَّله وقال: ((نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أمَّا ولا ننتفي من أبينا ))(٢) . وکان الأشعث رئيساً مُطاعاً في الجاهلية وجيهاً في قومه في الإسلام ، إلا أنه كان ممن ارتد. بعد النبي ◌َّلِ، ثم راجعَ الإِسلام في خلافة أبي بكر الصديق ؛ وشهدَ بعد ذلك مع سعد: القادسية والمدائن وجلولاء ونهاوند ، ومات سنة أربعين أو اثنتين وأربعين بالكوفة . • وآكل المُرار: الحارث بن عمرو بن حِجْر بن عمرو بن معاوية من كندة ، وقيل: جده حِجْر بن عمرو، أكل هو وأصحابه في غزوة شجراً يُقال له الْمُرار، وللني عَلِّ جدة من كندة مذكورة ، هي أم كلاب بن مرة ، فذاك أراد الأشعث(٣). ( قدوم صُرَد بن عبد الله الأزدي ) وقدم صُرَد بن عبد الله الأزدي على رسول الله عَ لٍَّ في وفد من الأزد ، فأمَّره على من أسلم من قومه ، وأمره أن يُجاهد بمن أسلم من كان يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن ، فخرج حتى نزل بُرش ، وهي يومئذ مدينة مغلقة وبها قبائل من قبائل اليمن . وقد ضوت إليهم خثعم ، فدخلوها معهم حين سمعوا بمسیر المسلمین إليهم ، فحاصروهم فيها قريباً من شهر ، وامتنعوا فيها منه . ثم إنه رجع عنهم قافلاً حتى إذا كان بجبل يُقال له شَكْر ، ظن أهل جُرش إنما ولَّى عنهم منهزماً، فخرجوا في طلبه ، حتى إذا أدركوه عطفَ عليهم فقتلَهم قتلاً شديداً . وقد كان أهل ◌ُرش بعثوا رجلين منهم إلى رسول الله عَ لّله بالمدينة يرتادان وينظران، فبينما هما. عند رسول الله عَ له عشيةً بعد العصر، إذ قال رسول الله عَّهِ: بأي بلاد الله شَكْر؟ فقام (١) ((رَجَّلُوا جُمَمَهم)): سرَّحوا ومشَّطوا نواصيهم. (٢) ((لا نقفوا أمناً .. )) لا نترك النسب إلى الآباء وننتسب إلى الأمهات. والحديث رواه ابن ماجه في الجدود ( باب من نفى رجلاً من قبيلة ) رقم/٢٦١٢/ وإسناده صحيح وانظر الفصول في سيرة الرسول للحافظ ابن كثير ص ٨٦ بتحقيقنا . i (٣) السيرة النبوية ٥٨٥/٢ - ٥٨٦ . - ٣٢٤ - الجُرشيان فقالا: يا رسول الله ببلادنا جبلٌ يُقال له كشر، وكذلك يسميه أهل جُرش. فقال: إنه ليس بكَشْر ولكنه شَكْر. قالا: فما شأنه يا رسول الله ؟ قال: إنَّ بُدُنَ الله لتنحرُ عنده الآن . قال : فجلس الرجلان إلى أبي بكر - أو إلى عثمان - فقال لهما: ويحكما إن رسولَ الله عَ لِ الآن لينعى لكما قومكما، فقوما إلى رسول الله عَ لّه فاسألاه أن يدعوَ الله أن يرفع عن قومكما. فقاما إليه فسألاه ذلك . فقال: اللهم ارفعْ عنهم . فخرجا من عند رسول الله عَ له راجعين إلى قومهما، فوجدا قومَهما قد أصيبوا يوم أصابهم صُرَدُ بن عبد الله في اليوم الذي قال فيه رسولُ الله ◌َِّ ما قال، وفي الساعة التي ذكر فيها ما ذكرً . فخرجَ وفدُ جُرش حتى قدموا على رسول الله عَ لَّه فأسلموا وحمىَ لهم حِمىً حول قريتهم (١) . ( قدوم رسول ملوك حِمْيَر بكتابهم ) وقدم على رسول الله مَّ لِ كتابُ ملوك حِمير، ورسولُهم إليه بإسلامهم الحارث بن عبد كُلال، ونُعيم بن عبد كُلال، والنعمان - قَيْلُ ذي رُعيْن، ومُعافر، وهَمْدان -. وبعثَ إليه زُرْعَةُ ذو يزنٍ بإسلامهم، فكتب إليهم رسولُ الله عَاتٍ: بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد رسول الله النبي إلى الحارث بن عبد كُلال ، وإلى النعمان قَيْلِ ذي رُعين ومُعافر وهَمْدان، أما بعد : فإني أحمدُ الله إليكم الذي لا إله إلا هو . أما بعد : فإنه وقعَ بنا رسولُكم منقلبنا من أرض الروم ، فلقينا بالمدينة ، فبلَّغَ ما أرسلتم به ، وخبََّ ما قِلَكُم، وأنبأنا بإسلامكم وقتلِكم المشركين ، وأن الله قد هداكم بهداه إن أصلحتم وأطعتم الله ورسولَه ، وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة ، وأعطيتم من المغانم ◌ُخُمسَ الله تعالى، وسهمَ النِّ وصفيَّه، وما كتُبَ على المؤمنين من الصدقة ، من العَقار عُشْرُ ما سقت العين وسقت السماء، وما سقى الغَرْبُ نصفُ العُشْر، وأن في الإبل الأربعين ابنةُ لَبون ، وفي ثلاثين من الإِبل ابنُ لَبون ذكر ، وفي كلِّ خمس من الإِبل شاةٌ ، وفي كلِّ عشرٍ شاتان ، وفي كُلِّ أربعين من البقر بقرةٌ ، وفى كل ثلاثين من البقر تبيعٌ جَذْعٌ أو جَذْعٌ ، وفي كل أربعين من الغنم سأئمةٌ وحدَها : شأةٌ ، وأنها فريضة الله التي فرض على المؤمنين في الصدقة ، فمن زاد خيراً فهو خير (١) السيرة النبوية ٥٨٦/٢ - ٥٨٧ . - ٣٢٥ - له، ومن أدَّى ذلك وأشهدَ على إسلامه وظاهرَ المؤمنين على المشركين فإنه من المؤمنين ، له : ما لهم وعليه ما عليهم، وله ذمة الله وذمة رسوله ، وأنه من أسلم من يهوديٍّ أو نصرائيّ فإنه من المؤمنين ، له مالهم وعليه ما عليهم ، ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يُردُّ عنها وعليه الجزية ، على كل حالمٍ ذكرٍ أو أنثى، حرٍّ أو عبد، دينارٌ وافٍ من قيمة الْمَعَافِرِ (١)، أو عوضُه: ثياباً. فمن أدى ذلك إلى رسول الله عَ له فإن له ذِمّةَ الله وذِمّةَ رسوله، ومن منعه فإنه : عدوٌّ لله ولرسوله . أما بعد : فإن محمدًا النَّ أرسلَ إلى زُرعة ذي يزن أَنْ: إذا أتاكم رُسلي فأوصيكم بهم خيراً، معاذ بن جبل ، وعبد الله بن زيد، ومالك بن عُبادة ، وعُقبة بن نمر ، ومالك بن مُرارة وأصحابُهم ، وأن اجمعوا ما عندكم من الصدقة والجزية من مَحَاليفكم(٢)، وأبلغوها رسلي ، وأن أميرهم معاذ بن جبل ، فلا ينقلبن إلا راضياً . أما بعد : فإن محمداً يشهدُ أن لا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله . ثم إن مالك بن مُرارة الرّهاوي قد حدثني أنك قد أسلمت من أوّل جمیر ، وقتلت المشركين، فأبشر بخير، وآمرُكُ بِحِمْيَرٍ خيراً ، ولا تخونوا ولا تخاذلوا ، فإن رسولَ الله عَ اله هو مولى غنيّكم وفقيركم، وأن الصدقة لا تحِلُّ لمحمد ولا لأهل بيته، إنما هي زكاة يُزَكَّى بها على فقراء المسلمين وابن السبيل، وأن مالكاً قد بلَّغ الخبرَ وحَفِظَ الغيب، وآمرُ كم به خيراً ، فإنه منظور إليهم(٣) والسلام عليكم ورحمة الله . إسلام فروة بن عمرو قال ابن إسحاق: وبعث فَروةُ بن عمرو بن النَّافِرة الجذامي رسولاً إلى رسول الله عَ ل. بإسلامه، وأهدى له بغلةً بيضاء . وكان فروة عاملاً للروم على من يليهم من العرب ، وكان منزلُه مَعان وما حولها من أرض الشام ، فلما بلغ الرومُ ذلك من إسلامه أخذوه فحبسوه (١) ((المعَافر »: ثياب منسوبة إلى مَعَافر؛ بلد باليمن، ويقال: معافريّ أيضاً كما جاء في النهاية؛ لابن الأثير. (٢) ((مخاليفكم)): جمع مخلاف، وهو المدينة بلغة اليمن. (٣) كذا في النسخة ((هـ)) وفي (أ) و((ج)): ((إليه )). وفي النص سقط من كلام ابن إسحاق بعد قوله : (( وآمركم به خيراً .. )) هو : وإني قد أرسلتُ إليكم من صالحي أهلي، وأولي دينهم ، وأولي علمهم ، وآمركم. بهم خيراً، فإنهم منظور إليهم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. انظر السيرة النبوية؛ لابن هشام ٥٩٠/٢، والسيرة الشامية ؛ للصالحي ٤٩٢/٩ . - ٣٢٦ - عندهم ، ثم ضربوا عنقه وصلبوه على ماء لهم يقال له عفراء بفلسطين ، فزعم الزهري ابن شهاب أنهم لما قدموه ليقتلوه قال : سَلْمٌّ لوبي أعظمي ومُقسامي أبلغُ سَراءَ المسلمينَ بأنني ثم ضربوا عنقه وصلبوه على ذلك الماء . إسلام بني الحارث بن كعب على يدي خالد بن الوليد گًا سار إليهم ثم بعثَ رسولُ الله عَ لِ خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر - أو جمادى الأولى - سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب بنجران ، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ، ثلاثاً : فإن استجابوا فاقبلْ منهم ، وإن لم يفعلوا فقاتلْهم . فخرج خالد حتى قدم عليهم ، فبعث الركبانَ يضربون في كل وجه ويدعون إلى الإسلام ، ويقولون: أيها الناس أسلموا تسلموا . فأسلم النَّاسُ ودخلوا فيما دُعوا إليه ، فأقام فيهم خالد يُعلِّمهم الإسلام، وكتب إلى رسول الله عَ ل بذلك، فكتب له رسول الله عز له أن يُقبلَ ، ويُقبلَ معه وفدهم . فأقبل وأقبلَ معه وفدُهم، منهم : قيس بن الحصين ذي الغُصَّة ، ويزيد بن عبد المَدَان ، ويزيد بن المُحَجَّل ، وعبد الله بن قُرَاد الزيادي ، وشدَّاد بن عبد الله القَنَاني، وعمرو بن عبد الله الصِّبابي(١). وقال لهم رسول الله عَ له بيم كُنتُم تَغليون من قاتلَكم في الجاهلية ؟ قالوا: لم نكن نَغلب أحداً . قال : بلى . قالوا : كنا نجتمعُ ولا نتفرَّقُ ، ولا نبدأ أحداً بظلم. قال: صدقتم . وأمَّر عليهم قيسَ بن الحصين ، فرجعوا إلى قومهم في بقيةٍ من شوال - أو في ذي القعدة ــ فلم يمكثوا إلا أربعة أشهر ، حتى توفي رسولُ اللهِ عَ له . · وذو القُصَّة: لقب لأبي قيس ، قيل له ذلك، لِغُصَّة كانت بحلقه لا يكاد يُبين منها . (١) الاسم السادس ساقط من الأصول، وأثبتناه من السيرة النبوية؛ لابن هشام ٥٩٣/٢، ونور النبراس لوحة ٠١٤٤/٣ - ٣٢٧ - (قدوم رفاعة بن زيد الجذامي ) وقدم على رسول الله عَ لٍ في هدنة الحديبية قبل خيبر ، رفاعةُ بن زيد الجذامي ، وأهدى لرسول الله عَ للِ غلاماً، وأسلم فحسن إسلامُه، وكتبَ له رسولُ الله عَليه كتاباً إلى قومه : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من محمد رسول الله ، الرفاعة بن زيد ، إني بعثته إلى قومه عامة ، ومن دخل فيهم ، يدعوهم إلى الله وإلى رسوله ، فمن أقبل منهم ففي حزب الله وحزب رسوله ، ومن أدبَر فله أمان شهرین . فلما قدم رفاعة على قومه أجابوا وأسلموا، ثم ساروا إلى الحرّة حرة الرَّجْلَاءِ فنزلوها (١). ( قدومُ وفد هَمْدَان ) وقدم على رسول الله عَ ل وفدٍ عَمْدَان، منهم مالك بن (٢) تَمّط أبو ثور، ومالك بن أيفع، وضِمام بن مالك السَّلْماني، وعَميرة بن مالك الخَارفي. فلقُوا رسولَ الله عَِّ مِرجعَه من تبوك ، وعليهم مُقَطْعَتُ الحِبرات، والعماتُم العدنية، على الرواحل المَهْرِيَّة والأرحبّة ، ومالك بن نمط يرتجز بين يدي رسول الله عَ له ، ويقول : إليك جاوزنَ سَوَادِ الرِّيفِ فِي هَبَواتِ الصيفِ والخِرِيفِ مُحَطَّماتٍ بحيالِ الليفِ وذكروا له كلاماً كثيراً حسناً فصيحاً. فكتب لهم رسول الله عَ ليه كتاباً أقطعهم فيه ما سألوه، وأمَّرَ عليهم مالك بن نمط ، واستعمله على من أسلم من قومه ، وأمره بقتال ثقيف ، فكان لا يخرج لهم سَزْح إلا أغار عليه، وكان مالك بن نمط شاعراً مُحسناً، فقال: ونحنُ بأعلى رَحْرَ حَانَ وَصَلْدِهِ (٣) ذكرتُ رسولَ الله في فَحمة الدُّجی (١) السيرة النبوية ٥٩٦/٢ . (٢) مالك بن ◌َتَّمَط: كنيته أبو ثور، ولقبه: ذو المِشعار، وقد جاءت الواو خطأ بين اسمه كنيته في السيرة النبوية ٠٥٩٧/٢ نور النبراس لوحة ١٤٥/٣ . (٣) ((رَحْرَ حَان وصَلْدَد)): موضعان. - ٣٢٨ - وهنَّ بنا خُوصٌ قلائصُ تغتلي على كلِّ فتلاء الذراعينِ جَسْرَةٍ حلفتُ بربِّ الراقصاتِ إلى مِنّ بأنَّ رسولَ الله فِينا مُصَدَّقٌ فما حملتْ من ناقةٍ فوقَ رَحْلِها وأعطى إذا ما طالبُ العرفِ جاءه بركبانها في لاحبٍ مُتَمَدِّدٍ (١) تمرُّ بنا مَرَّ الِحِجَفِّ الْخَفَيْدَدِ(٢) صوادرَ بالرُّكبانِ من هَضْبٍ قَرْدَدٍ (٢) رسولٌ أتى من عندِذي العرش مهندٍ أشدَّ على أعدائِه مِن محمَّدٍ وأمضى بحدّ المَشَربيّ الْمِهَنَّدِ • الهِجَفّ : الظليمُ المسن . • والخَفيدد : الطويل الساقين من الظُّلمان. ( وفد تُجِيْب ) وقدم على رسول الله عَ له وفد تُجِيب، وهم من السَّكُون ، ثلاثة عشر رجلاً، قد ساقوا معهم صدقاتِ أموالهم التي فرض الله تعالى عليهم، فسُرَّ رسولُ الله عَ لَّه بهم وأكرمَ منزلَهم ، وقالوا: يا رسول الله سقنا إليك حق الله في أموالنا. فقال رسولُ اللهِ عَّه: رُدُّوها فاقسموها على فقرائكم . قالوا: يا رسول الله ما قدمنا عليك إلا بما فَضَل عن فقرائنا . فقال أبو بكر : يا رسول الله ما وفد علينا وفدّ من العرب مثلُ ما وفد به هذا الحي من تُجيب . فقال رسول الله عَّله: إن الهُدَى بيد الله عز وجل، فمن أراد به خيراً شرح صدره للإيمان . وسألوا رسول الله عَ ل أشياء فكتب لهم بها، وجعلوا يسألونه عن القرآن والسنن ، فازداد رسولُ الله عَ لِ فيهم رغبة، وأمرَ بلالاً أن يُحسن ضيافتهم، فأقاموا أياماً، ولم يُطيلوا اللَّبْثَ ، فقيل لهم: ما يُعِجلُكم؟ فقالوا: نرجع إلى من وراءنا فنخبرهم برؤيتنا رسول الله عَ لّه وكلامِنَا إياه وما ردَّ علينا. ثم جاؤوا إلى رسول الله عَ الِ يُودِّعونه ، فأرسل (١) ((خوص)): جمع خوصاء، وهي الغائرة العيون من شدة الجري، و((تغتلي)): تشتد في سيرها . و((لاحب)): طريق بيّن . (٢) ((جَسْرَة)): ناقة قوية على السير، و((الهِجَفِّ)): الذكر الضخم من النَّعام، و((الخَفَيْدُد)): بمعناه أيضاً. (٣) ((الراقصات)): الإبل، والرقص: ضرب من السير في حركة، و((الصوادر)): الرواجع، و((القَرْدد »: ما ارتفع من الأرض . - ٣٢٩ - إليهم بلالاً، فأجازهم بأرفع ما كانَ يُجيز به الوفود . قال: هل بقي منكم أحدٌ ؟ قالوا : غلام خلَّفناه على رِحالنا هو أحدُثنا سِنَّاً. قال: فأرسلوه إلينا. فلما رجعوا إلى رحالهم قالوا: للغلام: انطلق إلى رسول الله عَ ليه فاقض حاجتك منه، فإنا قد قضينا حوائجنا منه وودَّعْنَاه . فأقبلَ الغلامُ حتى أتى رسولَ الله عَ لِ ، فقال : يا رسول الله إني امرؤ من بني ابْذَی - قال الواقدي : هو أبدى بن عدي ، وأم عدي تُجيب بنت ثَوْبان بن سُليم بن مَذْحِج ، وإليها يُنسبون - يقول الغلام: من الرهط الذين أتوك آنفاً فقضيتَ حوائجهم،: فاقضٍ حاجتي يا رسول الله . قال: وما حاجتك؟ قال : إن حاجتي ليست كحاجة: أصحابي ، وإن كانوا قدموا راغبين في الإسلام وساقوا ما ساقوا من صدقاتِهم، وإنى والله. ما أعملني(١) من بلادي إلا أَنْ تسألَ الله عزَّ وجل أن يغفرَ لي وأن يرحمني ، وأن يجعلَ غناي في قلبي. فقال رسولُ الله عَّه - وأقبل على الغلام -: اللهم اغفر له وارحمه واجعل غناه في قلبه . ثم أمر له بمثل ما أمر به لرجل من أصحابه ، فانطلقوا راجعين إلى أهليهم . ثم وافوًا رسولَ الله عَّه في الموسم يمنى سنة عشر، فقالوا: نحن بنو أبذى . قال رسول الله عَ له: ما فعل الغلام الذي أتاني معكم؟ قالوا: يا رسول الله والله ما رأينا مثلَه قط ، ولا حُدثنا بأقنعَ منه بما رزقه الله ، لو أن الناس اقتسموا الدنيا ما نظرَ ولا التفت إليها . فقال رسول الله عَّله: الحمد لله، وإني لأرجو أن يموتَ جميعاً(٢). فقال رجل منهم: أو ليس الرجلُ يموت جميعاً يا رسول الله؟ قال رسول الله عَ ليه: تَشْعَبَّ أهواؤُه وهمومُه في أودية. الدنيا ، فلعلَّ أَجلَهِ أن يُدركَه في بعض تلك الأودية فلا يُيالي الله عز وجل في أيّها هلِكَ . قالوا : فعاشَ ذلك الرجل فينا على أفضل حال وأزهده في الدنيا وأقنعِه بما رُزق . فلما توفي: رسولُ الله عَطَّهِ ورجعَ من رجعَ من أهل اليمن عن الإسلام قام في قومه فذكّرهم الله والإِسلام فلم يرجع منهم أحد . وجعل أبو بكر رضي الله عنه يذكره ويسألُ عنه حتى بلغَه حالُه ، وما قام به ، فكتب إلى زياد بن لبيد يُوصيه به خيراً . (١) ((ما أعملني)): ماحثني وساقفي: (٢) الطبقات الكبرى ٣٢٣/١ وفيها ((أن نموت)). والسيرة الشامية ٤٣٤/٦ - ٤٣٥, - ٣٣٠ - ( وفدُ بني ثعلبة ) وقدم على رسول الله عَ ل وفد بني ثعلبة سنة ثمان، مرجعَه من الجعِرَّانة، أربعةُ نفر، فنزلوا دارَ رَمْلَة بنت الحارث ، وجاءهم بلال بجفنةٍ من ثريد بلبن وسمن ، فأكلوا وشهدوا الظهرَ مع النِّ عَِّ، وقالوا له: إنه لا إسلام لمن لا هجرةَ له . فقال عليه الصلاة والسلام: حيثما كنتم وانَّيْتُمُ اللّهُ فلا يضرُّكم .. ثم لما جاؤوا يُؤدِّعُونه قال لبلال: أجزْهم . فأعطى كلَّ رجل منهم خمسَ أواقي فضة(١) . ( وفد بني سعدِ هُذَيمٍ ) وقدم على رسول الله عَّ له بنو سعدٍ هُذَيم، من قضاعة في سنة تسع. ذكره الواقدي عن ابن النعمان منهم، عن أبيه ، قال: قدمت على رسول الله عَ اه وافداً في نفر من قومي ، وقد أوطأ رسولُ الله عَلِ البلاد غلبةً وَأَذَاخَ(٢) العربَ، والنَّاسُ صنفان ؛ إما داخل في الإسلام راغب فيه ، وإما خائف من السيف ، فنزلنا ناحية من المدينة، ثم خرجنا نؤُمُّ المسجدَ، حتى انتهينا إلى بابه، فنجدُ رسولَ الله عَِّ يُصلِّي على جنازة في المسجد ، فقمنا خلفَه ناحيةً ، ولم ندخلْ مع الناس في صلاتهم، حتى نلقى رسولَ الله عَ لِ ونبايعَه. ثم انصرف رسولُ الله عَ ◌ّه، فنظرَ إلينا، فدعا بنا، ثم قال: من أنتم ؟ فقلنا : من بني سعدٍ هُذيم ، فقال: أمسلمون أنتم ؟ قلنا نعم . قال: فهلا صَلَّيتم على أخيكم ؟ قلنا: يا رسول الله ظننا أن ذلك لا يجوز لنا حتى نبايعَك. فقال رسولُ الله عَلِ: أينما أسلمتم فأنتم مسلمون. قال: فأسلمنا وبايعنا رسولَ الله عَ لّه بأيدينا على الإسلام، ثم انصرفنا إلى رِحالنا، وقد كُنَّا خلَّفنا عليها أصغرَنا، فبعثَ رسولُ اللهِ عَ ◌ّه في طلبنا، فأُتي بنا إليه ، فتقدَّمَ صاحبُنا فبايعه على الإِسلام . فقلنا : يا رسول الله إنه أصغرُنا ، وإنه خادمُنا . فقال: أصغرُ القوم خادمهم ، باركَ الله عليه . قال: فكان والله خيرَنا وأقرأنا للقرآن ، لدعاء رسول الله عَ ◌ّله له. ثم أمَّرَةَ رسولُ الله عَِّ علينا، فكان يَوْمُّنَا، فلما أردنا الانصراف أمرَ (١) الطبقات الكبرى ٢٩٨/١. (٢) ((أذاخ)): بالذال المعجمة : قهر واستولى. - ٣٣١ - بلالاً فأجازَنا بأواقٍ من فضة ، لكلِّ رجل منا ، فرجعنا إلى قومنا ، فرزقهم الله الإسلام(١). ( وفدُ بني فَزَارة ) قال أبو الربيع بن سالم في كتابه المسمى بـ ((الاكتفاء في مغازي رسول الله عَ هه ومغازي الثلاثة الخلفاء)): ولما رجع رسول الله عَ له من تبوك قدم عليه وفد بني فَزَارة بضعةً. عشر رجلاً، فيهم خارجةُ بن حصن ، والحُرُّ بن قيس بن حصن ابن أخي عُيينة بن حصن ، وهو أصغرُهم، فنزلوا في دار(٢) بنت الحارث، وجاؤوا رسولَ الله عَلِ مُقرِّين بالإِسلام، وهم مُسنتون(٣) على ركاب عجاف، فسألهم رسولُ الله عَّلِ عن بلادهم، فقال أحدهم: يا رسولَ الله أُسْنَتْ بلادُنًا، وهلكتْ مواشينا، وأجدبَ جَنَابْنَا وَغَرِثَ (٤) عيالْنَاً ، فادعُ لنا رَبَّك يُغثنا، واشفعْ لنا إلى ربِّك، وليشفعْ لنا ربُّك إليك. فقال رسولُ الله ◌ِعَلِ: سبحان: الله ويلك(٥) هذا! أنا أشفعُ إلى ربي عز وجل؟ فمن ذا الذي يشفعُ ربُنا إليه ، لا إله إلا هو العلّ العظيم، وسعَ كرسيُّه السمواتِ والأرضَ ، فهي تَقِطُّ(٦) من عظمته وجلاله ، كما يغط الرحل الجديد. وقال رسول الله عَ له: إن الله ليضحكُ من شَفَقِكم وأُزْلِكُم(٧)، وقُربٍ غيائِكُم .. فقال الأعرابيّ: يا رسول الله ويضحكُ ربنا عز وجل؟ قال: نعم . قال الأعرابي: لن يَعْدِمَكَ من ربِّ يضحكُ خيرٌ. فضحكَ النِّ عَ له من قوله، وصَعِدَ الِنِبَرَ ، فتكلَّمَ بَكلماتٍ ، وكان لا يرفعُ يديه في شيء من الدعاء إلا رفعُ الاستسقاء(٨) ، فرفع يديه : (١) الطبقات الكبرى ٣٢٩/١ - ٣٣٠ بأخصر مما هنا. (٢) هي رملة بنت الحارث المتقدمة في وفد بني ثعلبة ص ٣٣١ . (٣) ( مستتون)): مُجدبون . (٤) «وغَرِثَ عيالُنا)) : جاعوا . (٥) (( ويلك هذا)): ويلك يا هذا (٦) ((تطُّ)»: من الأطيط، وهو صوت الرَّحْل. (٧) (( من شَفْقِكم وأُزْلِكُم)). من إشفاقكم وضيقكم . (٨) ((إلا رَفع الاستسقاء)): كذا قال في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه .. قالوا في معناه : لا يرفع الرفع البالغ ؛ أو أن الراوي لم يره ، وإلا فقد ثبت فيهما أو في أحدهما نحو ثلاثين حديثاً في كل منهما رفع اليدين في الدعاء .. نور النبراس لوحة ١٤٩/٣. - ٣٣٢ - حتى رؤي بياضُ إبطيه ، وكان مما حُفظ من دعائه : اللهم اسق بلادَك وبهاتمَكَ ، وانشر رحمتك، وأحي بلدَك الميت ، اللهم اسقنا غيثاً مُريحاً مَرِيعاً، طبقاً واسعاً، عاجلاً غير آجل، نافعاً غير ضار ، اللهم اسقنا رحمة ، ولا تسقنا عذاباً ، ولا هدماً ولا غَرَقاً ولا مَحْقَاً ، اللهم اسقنا الغيثَ وانصرنا على أعدائنا. فقام أبو لبابة بن عبد المنذر الأنصاري ، فقال : يا رسول الله التمر في المرابد. فقال رسولُ الله عَلِ: اللهم اسقنا حتى يقومَ أبو لُبابة مُرِياناً يسدُّ ثعلبَ(١) مِربده بإزاره . قالوا: لا والله ما في السماء سحابٌ ولا قَزَعةٌ ، ولا بين المسجد وبين سلع من شجر ولا دار ، فطلعتْ من وراء سلع سحابةٌ مثلُ التُّرس ، فلما توسطت السماء انتشرت ، ثم أمطرت، فوالله ما رأينا الشمسَ سبتاً(٢)، وقام أبو لُبابة مُريانا يسدُّ ثعلب مِرْبدِهِ بإزاره ، لئلا يخرجَ التمر منه ، فجاء ذلك الرجل أوغيرُه، فقال: يا رسول الله هلكتٍ الأموالُ، وانقطعتِ السبلُ. فَصَعِدَ رسولُ اللهِ عَل ◌َّهِ الِبَر، فدعا ورفع يديه مَدَّاً ، حتى رُؤي بياض إبطيه ، ثم قال: اللهم حَوَالَيْنا ولا علينا، اللهم على الآكام والظّرابِ(٣) وبطون الأودية ومنابت الشجر. قال : فانجابتِ السحابةُ عن المدينة انجيابَ الثوب(٤) . ( وفدُ بني أسد ) وقدم على رسول الله عَ ليه وفد بني أسد، عشرة رهط ، فيهم وابصة بن معبد، وطُليحة بن خُويلد، ورسول الله عَّلم جالس في المسجد مع أصحابه، فسلّموا وتكلَّموا، فقال متكلمهم: يا رسول الله إنا شهدنا أنَّ اللّهَ وحده لا شريكَ له وأنَّكَ عبدُه ورسولُه، وجئناك يا رسولَ الله ولم تبعثْ إلينا بعثاً(٤)، ونحن لمن وراءنا . قال محمد بن كعب القرظي : فأنزل الله على رسوله عليه الصلاة والسلام ﴿ يَمنُّونَ عليك أن أسلَموا قل لا تُمُنُّوا عليّ إسلامَكم بل الله يمنُّ عليكم أن هَداكم للإيمان إنْ كُنتم صَادقين﴾ [ الحجرات : ١٧]. وكان مما سألوا رسولَ الله عَ لِ عنه يومئذ العِيافةُ (٥) والكِهانة وضربُ الحصى ، فنهاهم (١) (( ثعلب مِرْبده)): مخرج الماء منه . (٢) ((سبتاً)): أراد أسبوعاً؛ من السبت إلى السبت، وورد في صحيح البخاري ((ستاً)) أي ستة أيام. (٣) (( الظّراب)): الروابي الصغار. (٤) الطبقات الكبرى ٢٩٧/١. (٥) ((العِيافة)): زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها. - ٣٣٣ - عن ذلك كلِّه ، فقالوا: يا رسول الله إن هذه أمورٌ كنَّا نفعلُها في الجاهلية .. أرأيتَ خصلةً. بقيتْ؟ قال : وما هي ؟ قالوا: الخط(١). قال عُلِّمَهُ نبّ من الأنبياءِ فَمنْ صادِقَ(٢) مثلَ علمِه عَلِمَ . ( وفد بهراء ) وذكر الواقدي عن كريمة بنت المقداد ، قالت : سمعت أمي ضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ، تقول : قدم وفد بَهراء من اليمن، وهم ثلاثة عشر رجلاً ، فأقبلوا يقودون رواحلَهم حتى انتهوا إلى باب المقداد ، ونحن في منازلنا ببني جَديلة ، فخرج إليهم المقداد فَرَّحبَ بهم وأنزلَهم ، وجاءهم بجفنة من حَيْسٍ (٣)، كنّا قد هيَّناها قبلَ أن يَحِلُّوا؛ لنجلسَ عليها. فحملَها أبو مَعبد المقداد - وكان كريماً - على الطعام ، فأكلوا منها ، حتى نهلوا، وُرِدَّتْ إلينا القصعةُ وفيها أُكَلٌ، فجمعنا تلك الأُكلَ في قصعة صغيرة ، ثم بعثنا بها إلى رسول الله عَ ليه، مع سِذْرةَ مولاتي، فوجَدَتْه في بيت أم سلمة، فقال رسول الله عَ اهِ: ضُباعة أرسلتْ بهذا؟ قالت سِدْرَةُ: نعم يا رسول الله . قال: ضعي. ثم قال: ما فعلَ ضيفُ أبي معبدَ ؟ قلت: عندنا . فأصاب منها رسولُ الله ګ آكلاً هو ومن معه في البيت ، حتى نَّهِلوا (٤)، وأكلتْ معهم سِدْرَةُ، ثم قال : اذهبي بما بقي إلى ضيفِكم . قالت سِدْرةُ : فرجعتُ بما بقي في القصعة إلى مولاتي . قالت : فأكلَ منها الضيفُ ما أقاموا ، نُرِدِّدُهَا عليهم وما تغيضُ(٥) ، حتى جعل الضيفُ يقولون: يا أبا مَعبد! إنك لتُنْهلِنا من أحبُّ الطعام إلينا ، (١) ((الخط): ضرب الرمل، وهو نوع من الكهانة منهي عنه؛ كما بين ذلك النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم في الصلاة ( باب تحريم الكلام في الصلاة ) ٢٣/٥ فقال: فحصل من مجموع كلام العلماء فيه الاتفاق على النهي عنه . (٢) ((فمن صادف)): في صحيح مسلم: ((فمن وافق)) قال النووي رحمه الله تعالى: اختلف العلماء في معناه ، فالصحيح أن معناه : من وافق خطه فهو مباح له ، ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة ، فلا يُياح، والمقصود أنه حرام، لأنه لا يُباح إلا بيقين الموافقة، وليس لنا يقين بها ... صحيح مسلم بشرح النووي ٢٣/٥. (٣) ((حَيْس)): طعام متخذ من التمر والأقط والسمن. (٤) ((نَهِلُوا)) طعموا. (٥) ((تغيض)): تنقص. - ٣٣٤ _ ٠ وما كُنَّا نقدر على مثل هذا إلا في الحِيْن، وقد ذُكر لنا أن بلادَ كم قليلةُ الطعام إنما هو العُلَّقُ(١) أو نحوُه، ونحن عندك في الشّبع. فأخبرهم أبو معبد بخبر رسول الله عَ ل أنه أكل منها أُكَلاً وردَّهَا، فهذه بركة أصابع رسول الله عَ له، فجعلَ القومُ يقولون: نشهد أنه رسول الله، وازدادوا يقيناً، وذلك الذي أرادَ رسولُ اللهِ عَ ◌ّهِ . وتعلَّموا الفرائضَ وأقاموا أياماً، ثم جاؤوا رسولَ الله عَ لّمه فودَّعُوه وأمرَ لهم بجوائزهم، ثم انصرفوا إلى أهليهم(٢). ( وفد بني عُذْرة ) وقدم على رسول الله عَ﴾ وفد بني عذرة في صفر سنة تسع ، اثنا عشر رجلاً ، فيهم جمرة بن النعمان ، فقال رسول الله عَّلِ: من القوم؟ فقال مُتكلِّمُهم: مَنْ لا تُنكر، نحن بنو عذرة ، إخوة قصي لأمه ، نحن الذين عضدوا قصياً وأزاحوا من بطن مكة خزاعةً وبني بكر، ولنا قراباتٌ وأرحام. قال رسول الله عَّ له: مرحباً بكم وأهلاً، ما أعرفني بكم ! فأسلموا. وبشِّرهم رسولُ الله عَ لم يفتح الشام وهربِ هرقل إلى ممتنع بلاده، ونهاهم عن سؤال الكاهنة ، وعن الذبائح التي كانوا يذبحونها ، وأخبرهم أن ليس عليهم إلا الأُضحية ، فأقاموا أياماً بدار رملة ، ثم انصرفوا، وقد أُجيزوا (٣) . ( وفد بلي ) وقدم على رسول الله عَ لِ وفدُ بلي في ربيع الأول سنة تسع ، فأنزلهم رويفع بن ثابت البلوي عنده، وقدم بهم على رسول الله عَّله، فقال: هؤلاء قومي . فقال له رسول الله عَّ الله: مرحباً بك وبقومك. فأسلموا، قال لهم رسولُ الله عَ لِ: الحمد لله الذي هداكم للإسلام ، فكلُّ من مات منكم على غير الإِسلام فهو في النار . وقال له أبو الضُّبَيْب - شيخ الوفد -: يا رسول الله إن لي رغبة في الضّيافة، فهل لي فى ذلك أجر؟ قال : نعم ، وكل معروف صنعتَه إلى غَنِيّ أو فقير فهو صدقة . قال : يا رسول الله ما وقت (١) (( العُلَقُ)): جمع عُلْقة، وهي البُلْغة من الطعام. (٢) الطبقات الكبرى ٣٣١/١ مختصراً . (٣) الطبقات الكبرى ٣٣٢/١. - ٣٣٥ - الضيافة ؟ قال : ثلاثة أيام ، فما كان بعد ذلك فهو صدقة ، ولا يَحِلُّ للضيف أن يقيمَ عندك. فيحرجَك ، قال: يا رسول الله أرأيتَ الضَّالة من الغنم، أجدُها في الفلاة من الأرض؟. قال: لك أو لأخيك أو للذئب . قال : فالبعير ؟ قال : مالك وله ، دعه حتى يجدّه صاحبُه .. قال رويفع: ثم قاموا فرجعوا إلى منزلي، فإذا رسولُ اللهِ عَ لِ يأتي منزلي، يحملُ (١) تمراً، فقال: استعن بهذا التمر .. فكانوا يأكلون منه ومن غيره، فأقاموا ثلاثاً، ثم ودَّعوا. رسولَ الله عَّله، وأجازهم، ورجعوا إلى بلادهم(١). ( وفدُ بني مُرَّة ) وقدم على رسول الله عَّ له وفد بني مرة ثلاثة عشر رجلاً، رأسهُم الحارث بن عوف . قال : يا رسول الله إنَّا قومُك وعشيرتُك، نحن قومٌ من بني لؤيّ بن غالب. فتبْسَّم رسولُ الله ◌َ له، وقال للحارث: أين تركت أهلك؟ قال: بسَلاَح(٢) وما والاها. قال : : فكيف البلاد؟ قال والله إنا لُسنتون، وما في المال(٣) مُّ، فادع الله لنا، قال: رسول الله عَ له: اللهم اسقهم الغيث. فأقاموا أياماً، ثم أرادوا الانصراف إلى بلادهم، .. فجاؤوا رسولَ الله عَ لِ، مُودِّعينَ له، فأمرَ بلالاً أن يُجيزَهم، فأجازَهم بعشرٍ أواقٍ، عشرٍ أواقٍ فضَّة ، وفضَّل الحارثَ بن عوف اثني عشرة أوقية ، ورجعوا إلى بلادهم ، فوجدوا البلادَ مطيرةٌ ، فسألوا: متى مُطرتم؟ فإذا هو ذلك اليوم الذي دعا رسولُ الله عَ له فيه، وأخصبت بعد ذلك بلادهم (٤). : ( وفد خَوْلاَن ) وقدم على رسول الله عَظلهم في شعبان سنة عشر وفدُ خولان، وهم عشرة ، فقالوا : یا رسول الله نحن على مَنْ وراءنا من قومنا ، ونحن مؤمنون بالله عز وجل ، مُصدّقون برسوله ، قد ضربنا إليك آباطَ الإِبل، وركبنا حُزون الأرض وسهولَها، والِنَّة لله ولرسوله علينا ، وقدمنا (١) المصدر السابق ٣٣٠/١، وفيها ((يأتي بحمل تمر .. )). (٢) (( بسَلاَح)): کسحاب، موضع بأسفل خيبر . (٣) ((وما في المال خٌ)): كناية عن ذهاب مواشيهم بالقحط. (٤) الطبقات الكبرى ٢٩٧/١ - ٢٩٨. - ٣٣٦ - زائرين لك. فقال رسول الله عَ لّله: أمّا ما ذكرتم من مسيركم إليَّ فإن لكم بكل خُطوة خطاها بعيرُ أحدِكُم حسنةً . وأما قولكم زائرين لك ، فإنه من زارني بالمدينة كان في جواري يوم القيامة. قالوا: يا رسول الله هذا السفر الذي لا توى (١) عليه. ثم قال رسول الله عَ لِ: ما فعلَ عُمُّ أنس؟ - وهو صنُم خَوْلان الذي كانوا يعبدونه - قالوا : بشِّ ، بَدَّلَنا الله ما جئتَ به ، وقد بقيت منا بعدُ بقايا من شيخ كبير وعجوز كبيرة متمسكون به ، ولو قد قدمنا عليه هدمناه إن شاء الله ، فقد كنا منه في غرور وفتنة . فقال لهم رسول الله عَّهِ: وما أعظمُ ما رأيتم من فتنته؟ قالوا: لقد رأيتُنا وأَسْتَثْنَا حتى أكلْنَا الرُّمة، فجمعنا ما قدرنا عليه وابتعنا مائة ثورٍ ، ونحرناهم لعمّ أنس قرباناً في غداة واحدة ، وتركناها تردُها السِّبَامُ ، ونحن أحوجُ إليها من السباع . فجاءنا الغيثُ من ساعتِنا ، ولقد رأينا العشبَ يُواري الرِّجالَ ، ويقول قائلُنا: أنعمَ علينا عُ أنس. وذكروا لرسول الله عَ له ما كانوا يقسمون لصنمهم هذا من أنعامهم وحروثهم، وأنهم كانوا يجعلون من ذلك جزءاً له وجزءاً لله بزعمهم ، قالوا : كنا نزرع الزرع فنجعلُ له وَسَطه ، فنسميه له ، ونسمي زرعاً آخر حَجْرة لله ، فإذا مالت الريح بالذي سمَّيناه لله جعلناه لعم أنس ، وإذا مالت الريح بالذي جعلناه لعم أنس لم تجعلْه لله. فذكر لهم رسول الله عَ ل أن الله عز وجل أنزل عليه في ذلك: ﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً .. الآية ) [ الأنعام: ١٣٦] قالوا: وكنا نتحاكم إليه فتُكَلُّم. فقال رسول الله عَ له: تلك الشياطين تُكَلِّمُكُم . وسألوه عن فرائض الدين فأخبرهم ، وأمرهم بالوفاء بالعهد ، وأداء الأمانة ، وحُسن الجوار لمن جاوروا، وأن لا يظلموا أحداً، قال: فإن الظُّلَم ظلماتٌ يوم القيامة. ثم ودَّعوه بعد أيام ، وأجازهم، ورجعوا إلى قومهم ، فلم يَحُلُّوا عقدةً حتى هدموا عمّ أنس(٢) . الحجرة : الناحية . (١) ((لا توى)): لا هلاك، مصدر توى يتوي؛ إذا هلك المال. (٢) الطبقات الكبرى ٣٢٤/١ مختصراً . - ٣٣٧ - ( وفد بني مُحَارِب ) وقدم على رسول الله عَ لم عام حجة الوادع وفدُ بني مُحارب، وهم كانوا أغلظَ العرب وأفظّه(١) على رسول الله عَّله في تلك المواسم أيام عرضه نفسه على القبائل، يدعوهم إلى الله، فجاء رسولَ الله عَ ليه منهم عشرةً نائبين عمن وراءهم من قومهم، فأسلموا، وكان بلال يأتيهم بعَداء وعَشاء إلى أن أجلسوا مع رسول الله عَ له يوماً من الظهر إلى العصر، فعرفَ رجلاً منهم، فأَمدَّه النظرَ ، فلما رآه المحاربُّ يُديم النظرَ إليه، قال: كَأَنَّك يا رسولَ الله تَوَهُّمُنِي؟ قال: لقد رأيتُكِ؛ فقال المحاربيُّ: إي والله لقد رأيتني وكلَّمتني، وكلَّمتُك بأقبَحٍ. الكلام، ورددتُك بأقبحِ الردّ بعكاظ وأنت تطوف على الناس. فقال رسول الله عَ لَّهِ: نعم. ثم قال المحاربيُّ: يا رسول الله ما كان في أصحابي أشدُّ عليك يومئذٍ ولا أبعد عن الإِسلام مني ، فأحمدُ الله الذي أبقاني حتى صدَّقتُ بك ، ولقد مات أولئك النفر الذين كانوا معي على دينهم. فقال رسول الله عَ له: إن هذه القلوب بيد الله عز وجل. فقال المحاربيُّ: يا رسول الله استغفرْ لي من مراجعتي إياك. فقال رسول الله عَ ل: ((إن الإِسلام يجبُّ ما كان قبله من الكفر)). ثم انصرفوا إلى أهليهم(٢) .. ( وفد صُدَاء ) وقدم على رسول الله عَ له وفد صُدَاء في سنة ثمان، وذلك أن رسول الله عَ الم لما انصرف من الجِعِرَّانة بعثَ بعوثاً إلى اليمن، وهيَّأَ بعثاً استعمل عليهم قيس بن سعد بن عبادة ، وعقدَ له لواء أبيضَ ، ودفع له رايةً سوداء ، وعسكر بناحية قناة في أربعمائة من المسلمين ، وأمرَه أن يطأ ناحية من اليمن كان فيها صُدَاء، فقدم على رسول الله عَّهِ رجلٌ منهم، وعلم بالجيش، فأتى رسولَ اللهِ عَّ له، فقال: يا رسول الله جئتك وافداً على من ورائي، فاردد الجيشَ وأنا لك بقومي. فردَّ رِسولُ اللهَ عَ لِ قيس بن سعد من صدور قناة، وخرجَ الصُّدَائي إلى قومه، فقدم على رسول الله عَ ل خمسةَ عشرَ رجلاً منهم ، فقال سعد بن عيادة : (١) ((وأفظّه)) كذا بالأصول بإنزال الجمع منزلة المفرد. (٢) الطبقات الكبرى ٢٩٩/١ مختصراً . - ٣٣٨ - يا رسولَ الله دعهم ينزلوا عليّ. فنزلوا عليه، فحيّاهم وأكرمَهم وكساهم ، ثم راحَ بهم إلى البِّ معَّله، فبايعوه على الإسلام، وقالوا: نحن لك على من وراءنا من قومِنا. فرجعوا إلى قومهم ، ففشا فيهم الإِسلام ، فوافى رسولَ الله عَ ليه منهم مائةُ رجل في حجة الوادع. ذكر هذا الواقديُّ عن بعض بني المصْطَلِقِ. وذكرَ من حديث زياد بن الحارث الصدائي، أنه الذي قدم على رسول الله عَ لّه، فقال له: ارددِ الجيشَ وأنا لك بقومي ، فردَّهم . قال : وقدم وفدُ قومي عليه ، فقال لي : يا أخا صُداء! إنك لمطاع في قومك ؟ قال: قلت: بلى، مَنُّ الله عز وجل ومَنُّ رسوله. وكان زياد هذا مع رسول الله عَ له في بعض أسفاره، قال: فاعتشى رسول الله عَ ل ــ أي: سار ليلاً - واعتشينا معه، وكنت رجلاً قوياً . قال: فجعلَ أصحابُه يتفرَّقون عنه، ولزمتُ غَرْزه(١). فلما كان في السحر قال : أَذِّنْ يا أخا صُدَاء . فأَذَنتُ على راحلتي ، ثم سرنا حتى نزلنا ، فذهبَ لحاجته ثم رجع ، فقال : يا أخا صُدَاء هل معك ماء ؟ قلت : معي شيء في إداوتي(٢) . قال: هاته . فجئت به . فقال: صُبَّ . فصببتُ ما في الإدارة في القعب ، وجعلَ أصحابُه يتلاحقون ، ثم وضعَ كفَّه على الإناء ، فرأيتُ بين كل إصبعين من أصابعه عيناً تفورُ. ثم قال: يا أخا صُدَاء لولا أني أستحيي من ربي عزَّ وجلَّ لسَقَيْنَا واسْتَقَيْنَا. ثم توضَّأ وقال: أَذْنْ في أصحابي: من كانت له حاجة بالوضوء فليرد . قال: فوردوا من آخرهم، ثم جاء بلال يُقيم، فقال رسول الله عَ لّه إِنَّ أخا صُدَاء أَذَّنَ، ومَنْ أَذَّن فْهو يقيم. فأقمتُ، ثم تقدَّمَ رسولُ الله عَ لِ فِصلَّى بنا، وكنتُ سألته قبلُ : أَن يُؤمِّرني على قومي ويكتبَ لي بذلك كتاباً ، ففعل . فلما سلّم ــ يُريد من صلاته - قام رجلٌ يَشتكي من عامله، فقال: يا رسول الله! إنه أخذنا بذحولٍ (٣) كانت بيننا وبينه في الجاهلية. فقال رسول الله عَ له: لا خير في الإمارة لرجل مسلم. ثم قام رجل فقال: يا رسول الله أعطني من الصَّدقة. فقال رسول الله عَ لِ: إِنَّ الله لم يكلْ قَسْمَها إِلى مَلَك مُقَرَّب ولا نبيِّ مرسلٍ ، حتى جزَّأها على ثمانية أجزاء ، فإن كنتَ جزءاً منها أعطيتُك ، وإن كنتَ غنيّاً عنها فإنما هو صُدَائعٌ في الرأس وداء في البطن . فقلت في نفسي : (١) ((غَرْزَه)): الغرز: ركاب رحل البعير، يكون من جلد أو خشب والمقصود هنا ملازمته له . (٢) ((إداوتي)): الإدارة : إناء صغير من جلد . (٣) ((بذحول)): الذحول: جمعُ ذَحْل، وهو العداوة والثأر. - ٣٣٩ - هاتان خصلتان ؛ حين سألتُ الإمارة وأنا رجل مسلم ، وسألتُه من الصدقة وأنا غني عنها .. فقلت: يا رسول الله هذان كتاباك فاقبلْهما. فقال رسول الله عَ لِ: ولم؟ قلتُ : إني سمعتك تقول : لا خيرَ في الإمارة لرجل مسلم ، وأنا مسلم . وسمعتُك تقول : من سألَ من الصدقة وهو عنها غني فإنما هي صداٌ في الرأس وداء في البطن وأنا غني . فقال رسول الله عَ له: أما إن الذي قلتُ كما قلتُ. فقبلَهما رسولُ اللهَ يَ ◌ّه، ثم قال: دُلَّني على رجل من قومِك أستعملُه . فدلتُه على رجل منهم ، فاستعمله . قلت : يا رسول الله إن لنا بئراً إذا كان الشتاءُ كفانا ماؤها ، وإذا كان الصيف قلَّ علينا، فتفرَّقْنا على المياه، والإِسلام اليومَ فينا قليل، ونحن تخاف فادعُ الله عز وجل لنا في بئرنا. فقال رسولُ اللهِ عَّهِ: ناولني سبعَ حَصَيَاتٍ . فناولتُه ، فعرّكهنَّ بيده، ثم دفعهنَّ إلىَّ وقال: إِذا انتهيتَ إليها ، فألق فيها حصاة حصاة وسم الله . قال: ففعلتُ ، فما أدركنا لها قعراً حتى الساعة(١). ( وفد غَسَّان ) وقدم على رسول الله عَلٍ وفدُ غَسَّان في شهر رمضان سنة عشر، ثلاثةُ نفر، فأسلموا ، : وقالوا: لا ندري أيتبعنا قومُنا أم لا، وهم يُحبُّون بقاء ملكهم، وقربَ قيصر. فأجازهم: رسولُ اللهِ عَلِ بجوائزَ ، وانصرفوا راجعين، فقدموا على قومهم ، فلم يَستجيبوا لهم ، وكتموا إسلامَهم حتى مات رجلان منهم على الإسلام ، وأدرك الثالث منهم عمر بن الخطاب عام اليرموك ، فلقي أبا عبيدة ، فخبَّره بإسلامه، فكان يكرمُه (٢). ( وفد سَلامَان ) وقدم على رسول الله عَ له وفدُ سَلاَمان، سبعة نفر، فيهم حَبيب بن عمرو السلاماني ، فأسلموا ، وقال : حبيب: فقلت: أي رسول الله !ما أفضلُ الأعمال؟ قال: الصَّلاةُ في وقتها .. ثم ذكر حديثاً طويلاً. وصَلُّوا معه يومئذ الظهر والعصر. قال: فكانت صلاةُ العصر أخفَّ في القيام من الظهر. ثم شكوا إليه جدبَ بلادهم. فقال رسول الله عَ ل بيده : اللهم اسقهمُ الغيثَّ في دارهم. فقلت: يا رسول الله ! ارفع يديْكُ فإنه أكثرُ (١) الطبقات الكبرى ٣٢٦/١ ٣٢٧. : (٢) الطبقات الكبرى ٣٣٨/١ - ٣٣٩. - ٣٤٠ -