النص المفهرس

صفحات 281-300

فلما بلغ كعباً الكتاب ضاقت به الأرض ، وأشفق على نفسه ، وأُرجفَ به من كان في
حاضره من عدوّه ، فقالوا: هو مقتول . فلما لم يجد من شيء بدّاً قال قصيدته التي يمدح فيها
رسول الله عَ لَّهِ، ويذكر خوفَه وإرجافَ الوشاة به من عدوّه، ثم خرج حتى قدم المدينة،
فنزل على رجل كانت بينَه وبينَه معرفة من جُهينة كما ذُكر لي، فغدا به إلى رسول الله عَ ليه
حين صلَّى الصبحَ، فصلَّى مع رسول الله عَ له ثم أشار له إلى رسول الله عَ ◌ّه، فقال: هذا
رسول الله عَ لَّه فقم إليه، واستأمِنْه. فذُكر لي أنه قام إلى رسول الله عَ له حتى جلس إليه،
فوضع يده في يدِهِ، وكان رسولُ الله عَّ له لا يعرفُه، فقال: يا رسول الله إنَّ كعب بن زهير
قد جاء ليستأمنَ منك تائباً مسلماً، فهل أنتَ قابلٌ منه إن أنا جئتُك به ؟ قال
رسول الله عَّله : نعم . قال : أنا يا رسول الله كعب بن زهير .
قال ابن إسحاق : فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أنه وثبَ عليه رجلٌ من الأنصار ،
فقال: يا رسول الله دعني وعدوَّ الله أضرب عنقه. فقال رسولُ الله عَ لِ: دعه عنك، فإنه
قد جاء تائباً نازعاً(١). قال: فغضب كعبّ على هذا الحي من الأنصار لما صنعَ به
صاحبُهم ، وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير ، فقال في قصيدته(٢) التي قال
حين قدم على رسول الله عَطَهِ :
مُتَبَّمٌ إثرها لم يُفْدَ، مكبولٌ(٣)
بانت سعادُ فقلبي اليوم مَتبولُ
إلا أغنُّ، غضيضُ الطرف، مكحولُ (٤)
وما سعادُ غداةَ البين إذ رحلوا
كَأَنَّه مُنْهَلٌ بالراح ، معلولُ(٥)
تجلو عوارضَ ذي ظَلْم إذا ابتسمتْ
صافٍ، بأبطحَ أضحى، وهو مشمولُ(٦)
شُجَّتْ بذي شَبَمٍ من ماء مَحْنية ،
(١) (( فازعاً)، تاركاً ما كان عليه .
(٢) سنقوم بشرح الألفاظ الغربية في قصيدة كعب بن زهير ؛ التي لم تشملها فوائد المؤلف رحمه الله تعالى .
(٣) ((متبول)) ذاهب العقل، و((متّمٌ)): مذلل، و((مكبولُ)) مقيد.
(٤) في (( ب)) و(( د)): إذا برزت. و((أغنُّ)): في صوته غنة ويكون الصوت كذلك إذا خرج من الخياشيم ،
وهو معروف في الظباء .
(٥) ((عوارض)): العوارض: الأسنان كلها أو الضواحك منها. و((ذي ظَلْم)): ذات ماء وبريق.
(٦) ((مَحْنِيَة)): المحْنية: منعطف الوادي، وهو معروف عندهم بصفاء الماء وبرودته. ((بأبطح)): الأبطح:
المسيل الواسع الذي فيه دقاق الحصا، يُريد صفاءه أيضاً. ((مشمول)): ضربته ربح الشمال فبرد.
- ٢٨١ -

تنفي الرياحُ القَذَى عِنْه، وأَفرَطَهُ
ويلُ آمِّها خُلَّةٌ لو أنها صدقتْ
لكنها خُلَّةٌ قد سِيطَ من دمها
فما تدومُ على حالٍ تقومُ بها
وما تَمَسَّكُ بالوصل الذي زعمتْ
كانت مواعيدُ مُرقوبٍ لها مثلاً
أرجو وآملُ أن يَعْجَلْنَ في أمدٍ
فلا يَغُرُّنْك ما مَنَّتْ وما وَعَدَتْ
أمستْ سعادُ بأرضٍ لا يُبَلِّغُها
ولا يُسَلِّغُها إلّ ◌ُعُذَافِرةٌ
من كُلِّ نَضَّاحَةِ الذِّفْرِى إذا عَرِقَتْ
ترمي النِّجَادَ بعيني مُفْرَدٍ لَّهَقٍ
من صَوْبٍ غاديةٍ بيضٌ يعاليلُ(١)
بوعدها، أو لوَ أن النُّصْحَ مِقْبولٌ(٢)
فَجْعٌ وولْعٍ ، وإخلاَفْ وتبديلُ
كما تَلَوَّنُ في أَثوابها الغُولُ(٣)
إلا كما يُمسكُ الماءَ الغرابيلُ
وما مواعيدها إلا الأباطيلُ
وما لهنَّ - إخالُ - الدهرَ تعجيلٌ (٤)
إن الأمانيّ والأحلامَ تضليلٌ
إلا العِتَاقُ النجيباتُ المراسيلُ
فيها على الأينِ إرقالٌ وتبغيلُ(٥)
عُرْضَتُها طامسُ الأعلامِ مجهولٌ(٦)
إذا تَوَقَّدَتِ الْحِزَّانُ والِسْلُ (٧)
(١) ((صوب غادية)): الصوب: المطر، والغادية: السحابة تُمطر في الغداة
-
(٢) في (( ج)) و((هـ )) أكرم بها نُلَّة. وفي السيرة النبوية: فيالَها خُلَّة. و((خُلَّة)): الخِلّة: الصديق الصافي
الود ، وهي في الأصل مصدر بمعنى الصداقة ؛ قال الله تعالى: ﴿يومٌ لا بيعٌ فيه ولا تُلَّة﴾ [ البقرة:
٢٤٥ ] . يستوي في الوصف به المذكر والمؤنث .
(٣) في (( د) و((هـ ): فما تقوم على حالٍ تكونُ بها. و((الغول)): يزعمون أن الغولَ تُرى في الفلاة بألوان:
شتى ، قيل : وهي ساحرة الجنّ .
(٤) السيرة النبوية ، وشرح قصيدة كعب ؛ لابن هشام ص ١٦٢ :
أرجو وآمالُ أنْ تدِنُو مودَُّها
وما إخالُ لَدَيْنَا مِنْكِ تنويلُ
(٥) في السيرة النبوية، وشرح قصيدة كعب ص ١٨٥: لم يُبلِّغها و((الأين)) الإعياء والتعب.
(٦) (( نضَّاخة)»: كثيرة رشح العرقى، و((الذِّفْرى)): النقرة التي خلف أذن الناقة أو البعير، وهي أول ما يعرف
منها، مأخوذ من الذَّفَر: وهو الرائحة الظاهرة، و((طامسُ الأعلام)»: دارس العلامات، و(( عُرْضتُها)):
همتها .
(٧) في السيرة النبوية، وشرح قصيدة كعب ص ١٩٧: ((ترمي الغيوب .. )) والغيوب : آثار الطريق التي غابت
معالمها عن العيون .
- ٢٨٢ -

ضخمٌ مُقُّلدُهَا، فعمْ مُقَّدُهَا
حرفٌّ ، أخوها أبوها، من مُهَجِّنَةٍ
يمشي القُرَادُ عليها ثم يُزْلِقُهُ
عَيْرَانَةٌ قُدْفِتْ بِالنَّحْضِ عن عُرُضٍ
قَنْوَاءُ في حُرَّتَيْها للبصير بها
كأنَّ ما فاتَ عينيها وَمَذْبحَها
تُمِرُّ مثلَ عسيبِ النخل ذا ◌ُصَلِ
تهوي على يَسَرَاتٍ وهي لاهيةٌ
سُمْرِ العُجَاياتِ يتركنَ الحَصى زِيَماً
يوماً يَظَلُ به الحِرْبَاءُ مُرتبئاً
في خَلْقِهَا عن بناتِ الفحلِ تفضيلٌ(١)
وعمُّها خالُها، قَوْدَاء، شِمليلُ
مِنَها لَبَانٌ وَأَقْرَابٌ زَهَالِيلُ(٢)
مِرْفَقُها عن بَنَاتِ الَّوْرِ مفتولُ(٣)
عِثْقٌّ مُبين ، وفي الخَدَّيْنِ تسهيلُ(٤)
من خطمها ، ومن اللَّحْيِينَ ، بِرْطِيْلُ (٥)
في غارزٍ، لم تَخوَّنْه الأحاليلُ(٦)
ذوابل وَقْعُهُنَّ الأرضَ تحليلُ (٧)
لم يَقِهِنَّ سوادَ الأُكْمِ تنعيلُ (٨)
كأنَّ ضَاحِيَه فِي الَّارِ محلولُ (٩)
(١) ((مُقَلَّدها)): موضع القلادة من العُنق، و((فعمٌ مقيدها)): ممتلىء موضع القيد منها، و((بنات الفحل)) :
الإناث من الإبل المنسوبة للفحل المعد للضراب . وفي السيرة النبوية، وشرح قصيدة كعب ؛ لابن هشام
ص ٢٠٦ - ٢٠٩ هذان البيتان :
في دفها سعة، قدَّامُها ميلُ
غلباء وَجْنَاءَ عُلْكُومٌ مُذَكَّرَةٌ
طِلْحٌ بضاحيةِ الَّتينِ مهزولٌ
وجلدُها من أَطومٍ مايُؤَّيِّسُه
(٢) ((يُزُلِقُه)): يُسقطه .
(٣) ((عيرانة)): العيرانة: الناقة المشبهة عَيْر الوحش في سرعته ونشاطه وصلابته، و((النّخْض)): اللحم،
و ((عُرُض)): جانب، و((الزَّوْر)): الصدر.
(٤) ((قَنْوَاء)): محدودية الأنف، و((حُرَّتيها)): أذنيها، و((عتق مبين)): كرم ظاهر، و((تسهيلُ ): سهولة
ولين .
(٥) (( خطمها)) : أنفها.
(٦) ((غارز)): ضرع، و((الأحاليل)): مخارج اللَّبن.
(٧) ((تهوي)): تُسرع، ((ذوابل)): شديدة صُلبة، وأصلُها الرماح، شبَّ قوائمها بها. وفي السيرة النبوية،
وشرح قصيدة كعب ؛ لابن هشام ص ٢٢٩ :
ذوايلِ مَسُّهُنَّ الأرضَ تحليلُ
تحدي على يَسَرَاتٍ وهي لاحقة
(٨) ((تنعيل)): شد النعل على الخف أو الحافر؛ لوقايته من الحجارة، يُريد أن خفافها صُلبة لا تحتاج إلى تفعيل.
(٩) ((مُرْتبئاً)): مرتفعاً، وفي السيرة النبوية وشرح قصيدة كعب: مُصْطخداً: أي محترفاً بحر الشمس،
و((ضاحية)): مابرز للشمس منه، و((مملول)»: موضوع في المَلَّة: وهي الرماد الحار .
- ٢٨٣ -

وقال للقوم خادیهم وقد جعلتْ
كَأَنَّ أوبَ ذراعيْهَا وَقد عَرِقَتْ
أُوبُ يديْ فاقدٍ شمطاء مُعْوِلَةٍ
نَوَّاحةٍ رِخْوَة الضُّبَعَيْنِ ليس لها
تفِرِي اللَّبَانَ بكفَّيْهَا، ومِذْرَعُها
تمشي الغواةُ بجنبيْهَا وقولُهمُ
وقالَ كلُّ صديق : كنتُ آملُه
فقلتُ خَلُّوا طريقي لا أبَا لَكُمُ
كلُّ ابْنُ أُنثى وإن طالتْ سلامتُه
نُبِئْتُ أَنَّ رَسُولَ الله أوعدني
مَهْلاً هداكَ الذي أعطاكَ نافلة الـ
لا تَأْخُذَنِّي بأقوالِ الوشاةِ ولَم
لقد أقومُ مَقاماً لو يقومُ به
لظلَّ تُرْعَدُ مِنْ وَنْدٍ بِوَادِرُه
يُقْعُ الجَنَادِبِ يركضنَ الحصى قيلو!(١)
وقد تَلَفَّعَ بِالقُوْرِ العَسَاقِيلُ (٢)
قامتْ فجاوبَها تُكْدٌ مشاكيلُ (٣)
◌ُّا نَعَى بِكْرَهَاَ الناعون معقولٌ (٤)
مُشَقَّقٌ عن تراقيها زعابِيلُ (٥)
إنّكَ يا ابن أبي سلمى لمقتولُ (٦)
لا أُلِيَنَّكَ إني عنكَ مشغولٌ
فكلُّ ما قَدَّرَّ الرحمنُ مفعولٌ
يوماً على آلةٍ حدباء محمول
والعفوُ عندَ رسولِ الله منأمُولُ
ـفرقانِ فيها مَوَاعِيْظٌ وتفضيلُ (٧)
أُذْنِبْ ولو كَثُرَتْ فيَّ الأقاويلُ
يُرِى ويُسمع ما قد أسمعَ الفيلُ (٨)
"إنْ لم يكنْ من رسول الله تنويلُ (٩)
(١) (( بُقْع)): جمع أبقع، وهو ما فيه بياض وسواد، و((قيلوا)) أمر من القيلولة ، أبي انزلوا واستريحوا.
(٢) (( أوب ذراعيها)) : سرعة تقلبهما ورجوعهما.
(٣) ((أوبُ)): خبر كأن في البيت السابق، و((تكْد)): جمع نكداء، وهي التي فقدت ولدها، و((المثاکیلُ ))
جمع مؤكل ، وهي الكثيرة الشكل . وفي السيرة النبوية ، وشرح قصيدة كعب :
(( شدَّ النهارِ ذراعا عَيْطَلِ نَصْفٍ .. )).
(٤) ((رخوة الضبعين)): مسترخية العضدين، و((معقول)): بمعنى العقل.
(٥) ((تفري)): تقطع، و((مدرعها)): قميصها، و(( رعابيل)): قطع متفرقة، مفرده: رعبول.
(٦) في السيرة النبوية: «تسعى الْغواةُ جَنَائِيْها ... )).
وفي شرح قصيدة كعب ص ٢٥٧: (يَسْعَى الوشاةُ جَنَابْها ... )).
(٧) في السيرة النبوية، وشرح قصيدة كعب ص ٢٧٢: ((نافلةَ القرآن .. )).
(٨) في السيرة النبوية :
لقد أقوم مقاماً لو يقومُ به أرى وأسمع ما لو يسمعُ القيلُ.
(٩) ((بوادره)): جمع بادرة، وهي اللحمة التي بين المنكب والعنق. وفي السيرة النبوية:
- ٢٨٤ -

حتى وضعتُ يميناً ما أنازعُها
فلهوَ أُخوفُ عندي إِذْ أُكُلِّمُه
مِن ضَيْغِ بِضَراء الأرضِ مُخْدَرُهُ
يغدو فيُلْحِمُ ضِرغامينِ عيشُهما
إذا يُساوِرُ قِرناً لا يَحِلُّ له
منه تَظَلُّ سباعُ الجوِّ نافرةٌ
ولا يزالُ بِواديه أخو ثقةٍ
إِنَّ الرسولَ لنورٌ يُستضاء به
في عُصبةٍ من قريشٍ قال قائلُهم
زَالوا فما زالَ أَنْكَاسٌ ولا كُشُف
يمشونَ مشيَ الجمال الزُّهْرِ يعصِمُهم
ثُمُّ العرانين أبطالٌ لَبُوسُهم
بيضٌ سوابغُ قد شُكَّتْ لها حَلَقٌ
ليسوا مفاريحَ إنْ نالتْ رماحُهُم
لا يقعُ الطعنُ إلا في نحورِهِمُ
في كفَّ ذي نَقِماتٍ قِيلُه القِيلُ
وقيلَ إِنَّكَ منسوبٌ ومسؤولُ
في بطنِ عَثَّرَ غِيلٌ دونَهُ غِيلُ(١)
لحسمّ من النَّاسِ مَعْفورٌ خراديلٌ (٢)
أن يترُكَ القِرنَ إلا وهو مَفلولُ (٣)
ولا تَمَثِّى بِواديه الأراجيلُ
مُضَرَّجُ الْبَرِّ والدِّرْسانِ، مأكولُ (٤)
مُهَنَّدٌ من سيوفِ الله مسلولُ
ببطنِ مَكَّةَ لما أسلموا زُولوا
عند اللقاء ولا مِيلٌ معازيلُ (٥)
ضَرْبٌ إذا عَرَّدَ السُّودُ التنابيلُ (٦)
من نسجِ داودَ في الهيجا سَرابيلُ
كَأَنَّها حَلَقُ القفعاء، مجدولٌ(٧)
قوماً ، وليسوا مَجازِيعاً إذا نِيلوا
وما لهم عن حِياض الموتِ تهليلُ
لظلَّ يُرعد إلا أن يكون له
=
من الرسولِ بإذنِ اللهِ تمويلُ
(١) ((ضَرَاء الأرض)): الأرض التي فيها شجر، و((مُخدرة)): المخدر: غابة الأسد، و((عَثَّرَ)): اسم مكان
مشهور بكثرة السّباع، و((الغيل)): الشجر الكثير الملتف .
(٢) (( يُلْحِمُ ضرغامين)): يُطعم شبليْه اللحم، و((معفور)): ملقى في العَفَر، وهو التراب، وذلك لكثرته
وشبعه منه .
(٣) ((يُسَاوِر)): يُواثب.
(٤) (( البَر)): السلاح.
(٥) (( أنكاسٌ)): جمع نكس ، وهو الرجل الضعيف ، و(( الکشف »: جمع أُکشف ، وهو الذي لا ترسَ معه ،
و((ميل)): جمع أميل، وهو الذي لا سيف له، و((المعازيل)): جمع مِعزال، وهو من لا سلاح معه .
(٦) (( الزُّهْر )): البيض، و((عَرَّد)): فرَّ وأعرضَ.
(٧) ((القفعاء)): شجر له ثمر كأنه حلق، و((مجدول)): محكم السرد.
- ٢٨٥ -

قال ابن هشام: قال كعب هذه القصيدة بعد قدومه على البي عةٍ المدينة ، وبيته :
((حرف أخوها أبوها)). وبيته: ((ويمشي القراد)). وبيته: ((عيرانة قذفت)). وبيته: ((تمر
مثل عسيب النخل)). وبيته: ((تفري اللبان)). وبيته: ((إذا يساور قرناً)). وبيته :
(( ولا يزال بواديه)): عن غير ابن إسحاق .
قال ابن إسحاق : قال عاصم بن عمر بن قتادة : فلما قال كعب :
* إذا عَرَّد السُّود التنابيلُ » .
ــ وإنما يُريد معشرَ الأنصار، لما كان صاحبنا صنع به ، وخصَّ المهاجرين من قريش
من أصحاب رسول الله عَ لَه بمدٍحته - غضبتْ عليه الأنصارُ، فقال بعد أن أسلم يمدح
الأنصار، ويذكر بلاءهم مع رسول الله عَ ليه ، وموضعهم من اليمن :
مَنْ سَرَّه كرمُ الحياة فلا يزلْ
وَرِثُوا المكارمَ جابراً عن كابرٍ
الباذلينَ نفوسَهم لنبيِّهم
والذائدينَ النَّاسَ عن أديانهم
المكرهينَ السَّمْهريَّ بأدرع
والناظرينَّ بأعينٍ مُحمرَّةٍ
والبائعينَ نفوسَهم لنبِّهم
يَتَطَهَّرونَ - يرونَه نُسْكَاً لهم -
دَرِبُوا كما دَرِبَتْ ببطنِ خَفِيّةٍ
وإذا حَلَلْتَ لِمِنْعُوكَ إليهمُ
ضَرَبوا عليّاً يُومَ بدر ضربةٌ
في مِقْنَبٍ من صَالحي الأنصارِ (١)
إِنّ الْخِيَارَ هُم بَنُو الأخيارِ
يومَ الهِياجِ وفتيةً الأحبارِ(٢)
بالمشرفيِّ وبالقَنا الْخَطَّارِ
كسوالفِ الهنديّ غِيرِ قِصَارٍ
كالجمرِ غيرِ كليلةِ الإبصارِ
للموتِ يومَ تَعانُقٍ وِكِرَارِ
بدماء من عَلِقُوا من الكُفَّارِ
غُلْبُ الرقابِ من الأسودِ ضَوَّارِ
أصبحتَ عند مَعاقل الأعفارِ (٣)
دانتْ لوقعتِها جميعُ نِزارِ (٤)
(١) ((مِقْنب)): جماعة الخيل.
(٢) هذا البيت لا وجود له في السيرة النبوية ؛ لابن هشام .
(٣) ((الأعفار)): جمع عَفْر وهو ولد الوَعِل، ويُضرب به المثل في الامتناع في قمم الجبال.
(٤) ((ضربوا عليّاً .. )): هو علي بن مسعود بن مازن الغساني، وإليه يُنسبُ بنو كنانة؛ لأنه كفل ولد أخيه لأمه
عبد مَنَاة بن كنانة بعد وفاة أخيه فنُسبواإليه، رمز به إلى بني كنانة ، وربما إلى قريش كلها.
- ٢٨٦ -

فيهمْ لصدَّقني الذين أُماري
لو يعلمُ الأقوامُ عِلْمي كُلَّه
للطارقين النازلينَ مَقاري
قومٌ إذا خوتِ النُّجومُ فإنهم
أَعَيتْ مَحَافِرُها على المِنْقَارِ(١)
في العزِّ من غَسَّانَ في جرثومةٍ
ذكر فوائد تتعلق بهذا الخبر
• أبو سُلمى : ربيعة بن رياح أحد بني مزينة .
• والمأمون: يعني البَّ عَ لِه، وكانت قريش تسميه أيضاً الأمين.
• ((ولَعَاً)): كلمة تقال للعاثر، دعاء له بالإِقالة.
تَبَلَتْ المرأةُ فؤادَ الرجل : رمته بهجرها فقطعت قلبه .
• ومعلول: من العَلَل، وهو الشرب الثاني، والأول النَّهَلُ، ومنه قوله: مُنْهَل ،
ويُستعمل معلول أيضاً من الاعتلال ؛ كما يقوله الخليل في العَرُوض ، حكاه ابن القُوطية ولم
يعرفه ابن سيده .
• وشُجتَّ بذي شَبَمٍ : يعني الخمر، وشُجَّت: كُسرت من أعلاها لأن الشَّجة
لا تكون إلا في الرأس ، والشَّبِم: البرد، والشَّيم البارد. قاله الأصمعي، وقال: شجَّ الشيء إذا
علاه ، ومن هذا شَجَّ الشراب ، وهو أن يعلوَه بالماء فيمزجَه به .
· ومشمولُ : ضربَه الشّمالُ.
• وأفرطه : أي ملأه ، عن السهيلي . وعن غيره : سبقه وتقدمه .
● واليعاليل : السحاب ، وقيل: جبال ينحدر الماء من أعلاها . واليعاليل أيضاً:
الغدران ، واحدها يَعلول، لأنه يَعُلُّ الأرضَ بمائه . وقال ابن سيده: الْيَعلول : الحَبَابةُ من
الماء ، وهو أيضاً السحاب المطرد . وقيل : القطعة البيضاء من السحاب . واليعلول : المطر
بعد المطر . وبعد هذا البيت في القصيدة ، وليس من الرواية :
(١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٥٠١/٢ - ٥١٥ .
- ٢٨٧ -

يَشفي مُضاجعَها شَهٌّ وتقبيلُ
من اللواتي إذا ما نُخُسلَّةٌ صدقتْ
لا يُشتكى قِصَرٌ منها ولا طولُ
بيضاءُ مقبلةٌ عجزاءٍ مدبرةٌ
قال الخشني: ساطٍ مثل شاط ، يقال: شاط دمُه إذا سال، وشاطت القدرُ إذا
غلت . والصواب(١) فيه: بيط، أي خُلط ومُزج. وكذلك فسره السهيلُّ، أي: خُلط
بلحمها ودمها .
وهذه الأخلاق التي وصفها بها : من الوَلْع، وهو عندهم الكذبُ والخُلْف. والفَجْع :
قاله ابن سيده : الفجيعة الرزيئة بما يكره ، فجعَّه يَفْجَعُه فَجْعاً .
، والغول : التي تتراءى بالليل ، والسِّعلاةُ : التي تتراءى بالنهار من الجن ،
● وعرقوب بن صخر من العماليق. وقيل: بل هو من الأوس أو الخزرج، وقصته في
إخلاف الوعد مشهورة حين وعد أخاه جَنَى نخلة له وعداً بعد وعد ، ثم جَذُّها ليلاً ولم يعطه
شيئاً . قاله السهيلي وغيره ، وقال : كان يسكن المدينة يثرب . والبيت المشهور:
* مواعيدَ عرقوبٍ أخاه بيثرب » .
ومن الناس من يقول إنما هو يثرب ، يعني أرضاً للعماليق، ولم تكن يثرب سكنى
العماليق ، فإن كان من ساكني المدينة كما ذكره السهيلي فالبيت مستقيم على الرواية المشهورة .
النجيبات : السلسة السير ، والنجيبات السريعة .
والمراسيل : السهلة السير التي تعطيك ما عندها عفواً ..
· عُذَافِرَةٌ: صُلْبة .
• وإرقال : إسراع .
والتبغيل : قال السهيلي: ضربٌ من السير سريع. وقال غيره: سير البغال .
· عُرْضَتُها : جهة سوقها .
• والنِّجادُ : الأرض الصُّلبة .
(١) المؤلف رحمه الله تعالى يُصَوِّب رواية ((سيط)) بالسين، وذلك له، غير أنها بالشين أيضاً تعني نفس المعنى
- ٢٨٨ -

• واللَّهق: الحمار الوحشي، وقال: مفرد؛ لأنه يرمي ببصره نحو الأُثْن ولا يمشي إلا
كداً معهن .
• والحِرَّان: ما غُلُظ من الأرض .
، والِيْلُ: الأعلام ، وقال السهيلي: ما اتسع من الأرض .
القوداء : الطويلة العنق .
والشمليل : السريعة السير .
• والحرف : الناقة الضامرة .
· من مُهجَّة : من إبل مستكرمة هِجَان .
• قال أبو القاسم(١) وقوله: أبوها أخوها، أي إنها من جنس واحد في الكرم ، وقيل:
إنها من فحل حمل على أمه فجاءت بهذه الناقة فهو أبوها وأخوها ، وكانت للناقة التي هي أم
هذه بنت أخرى من الفحل الأكبر ، فعمُّها خالُها على هذا ، وهو عندهم من أكرم النتاج .
• واللَّبَن : الصدر .
وأقراب زهاليل : خواصر ملس .
• وبنات الزَّوْر: يعني اللحمات النابتة في الصدر .
والبِرْطيل : حجر مستطيل ، وهو أيضاً المِعول.
· والعسيب: عظم الذَّنب، وجمعه ◌ِسْبان .
• والحُصَلُ : شعر الذنب .
• والتَّخوّن: قال الأصمعي: التنقص، والتخوّن أيضاً: التعهد. لم تخوَّنه الأحاليل:
يُريد رَوِيت من اللبن . والأحاليل : الذكور .
= الذي أورده، وهو المزج كما في القاموس، وقال ابن هشام: ويجوز أن يُقرأ ((قد شيط)) بالشين المعجمة؛
لأنه يُقال : شاطه ؛ بمعنى ساطه .
(١) هو السهيلي ، انظر الروض الأنف ١٧١/٤.
- ٢٨٩ -

!
• واليَسْر: اللَّيْن والانقياد. واليَسَر: السهل. قال ابن سيده: وإن قوائمه ليَسَراتٌ:
أي سهلة ، واحدتها يَسْرة ويَشَرةِ ..
· وتحليل : أي قليل .
والعُجَايات : عصب يكون في اليدين والرجلين ، الواحدة عُجَاية .
والزّيم : المتفرقة.
والقور : الحجارة السود .
• والعساقيل: هنا السَّراب ، قال أبو القاسم (١) الخثعمي: وهذا من المقلوب، أراد وقد
تلفعت القورُ بالعساقيل .
• وقوله : شمطاء مُعولةٌ : جعلها شمطاء ؛ لأنها يائس من الولد فهي أشدُّ حزناً .
والخراديل: القطع من اللحم، وفي الحديث ((ومنهم المخردل)) في قصة المارين على
الصراط ، أي تُردل لَحمّه الكلاليبُ التي حول الصراط .
، والأراجيل : جمع جمع ، وهو جمع أرجل ، وأرجل جمع رجل .
والدَّرِيْس : الثوب الْخَلِقِ .
زولوا : أي هاجروا .
والتنابيل : القصار .
والقفعاء : نبت ، قاله أبو حنيفة .
·
والتهليل : الفزع والجبن .
وكعبُ بن زهير من فحول الشعراء ، هو وأبوه ، وكذلك ابنه عقبة بن كعب ، وابن
عُقْبة أيضاً العوَّام ، وهو القائل :
ملاحةُ عينيْ أمّ عمروٍ وجِيدُها
ألا ليتَ شِعرْي هل تغيَّرَ بعدَنا
أُلا حَّذا أخلاقُها وجدیدھما
وهل بَلِيَتْ أثوابُها بعد جِدّةٍ
(١) هو السهيلي، انظر الروض الأنف ١٧١/٤.
- ٢٩٠ -

ومما يُستحسنُ لكعب قوله :
لو كنت أعجبُ من شيء لأعجبني
یسعی الفتی لأمور ليس يُدركُها
والمرء ما عاشَ ممدودّ له أملٌ
سعيُ الفتى وهو مخبوءٌ له القدرُ
فالنفسُ واحدةٌ والهمُّ مُنتشرُ
لا تنتهي العيش حتى ينتهي الأثرُ
ويُستحسنُ له أيضاً قولُه في النِي عَ لَّهِ :
تخدي به النّاقةُ الأدماءُ مُعتجِراً
ففي عِطافيه أو أثناءِ بُرْدِتِه
بِالْبُردِ كَالبَدْرِ جَلَّى ليلةَ الظُّلُّمِ
ما یعلمُ اللّهُ من دين ومن حَرَمِ
- ٢٩١ -

غزة تبوك
في شهر رجب سنة تسع توجَّه رسول الله عَ لغزو الروم
قال ابن إسحاق : وكان ذلك في زمن عُسْرة من الناس وجَدْبٍ من البلاد ، وجين
طابت الثمار، والنَّاسُ يُحبُّونِ الْمُقامَ في ثمارهم وظلالهم ، ويكرهون الشخوص على الحال من:
الزمان الذي هم عليه، وكان رسول الله عَ لِ قَلَّما يخرجُ في غزوة إلا كنَّى عنها وورَّى
بغيرها، إلا ما كان من غزوة تبوك، لبعد الشّقّة وشدة الزمان. فقال رسول الله: عَ للم ذات
يوم وهو في جَهازه ذلك للجَدَّ بن قيس - أحد بني سَلِمة - يا جَدُّ هل لك العام في جلاد
بني الأصفر ؟ فقال : يا رسول الله ائذن لي ولا تفتني، فوالله لقد عرف قومي أنه ما من
رجلٍ بأشدَّ عُجْبَاً بالنساء مني ، وإني أخشى إن رأيتُ نساء بني الأصفر أن لا أصبرَ . فأعرضَ
عنه رسول الله عَ لّه، وقال: قد أذنتُ لك. ففيه نزلت: ﴿ومنهم من يقولُ ائذن لي
ولا تفتني﴾ [ التوبة: ٤٩] وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض لا تنفروا في الحر . فأنزل
الله فيهم: ﴿وقالوا: لا تنفروا في الحَرِّ .. ﴾ الآية (١) [ التوبة: ٨١].
ثم إِنَّ رسولَ الله عَِّ جَدَّ في سفره، وأمر الناس بالجَهَاز، وحضَّ أهل الغِنى على النفقة
والحُملان في سبيل الله ، فحملَ رجالٌ من أهل الغِنى واحتسبوا، وأنفقَ عثمانُ في ذلك نفقةً
عظيمة لم يُنفق أحدٌ مثلَها (١)
وذكر ابن سعد: قالوا: بلغ رسولَ الله عَ ل أن الروم قد جمعت جموعاً كثيرة بالشام ؛
وأن هرقل قد رزق أصحابَه لسُنةٍ ، وأجلبتْ معه لخم وجُذام وعاملة وغسَّانِ وقدَّموا مقدّماتهم :
إلى البلقاء. وجاء البكاؤون وهم سبعة، يستحملون رسولَ الله عَ له، فقال: ﴿ لا أجدُ
ما أحملُكم عليه تَوَلَّوْا وأعينُهُم تفيضُ من الدمع حَزَناً أَنَّا يجدوا ما ينفقون﴾ [ التوبة: ٩٢ ]
وهم : سالم بن عُمير، وعُلّة بن زيد، وأبو ليلى المازني، وعمرو بن عَنَمَة ، وسلمة بن
(١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٥١٦/٢ - ٥١٨ .
- ٢٩٢ - :

صخر ، والعِرْباض بن سارية. وفي بعض الروايات : وعبد الله بن مُعَفّل، ومعقل بن
يَسار(١).
وعند ابن عائذ فيهم : مهديّ بن عبد الرحمن .
وبعضُهم يقول : البكاؤون بنو مُقَرِّن السبعة، وهم من مُزينةٍ(١).
وابن إسحاق يعد فيهم : عمرو بن الحمام بن الجموح ، وقال : وبعضُ الناس يقول :
عبد الله بن عمرو المزني بدل ابن المغفل، وهَرَمِيّ بن عبد الله الواقفي . وفيما ذكر ابن
إسحاق أنه بلغه أن ابن يامين بن عُمير بن كعب النَّصْري لقي أبا ليلى وابن مُعَفَّل ، وهما
كذلك، فأعطاهما ناضحاً (٢) له، وزوَدَهما شيئاً من تمر (٣).
وجاء المُعَذَّرون من الأعراب ليؤذنَ لهم فلم يَعْذِرْهم . قال ابن سعد: وهم اثنان وثمانون
رجلاً ، وكان عبدُ الله بن أبي بن سَلول قد عسكر على ثنّةِ الوَداع في حلفائه من اليهود
والمنافقين ، فكان يُقال ليس عسكُره بأقلِّ العسكرين(٤). وكان رسولُ الله عَ لم يستخلف
على عسكره أبا بكر الصديق يُصلِّي بالناس، واستخلف على المدينة محمد بن مسلمة
الأنصاري(٥) .
وقيل : سباع بن عُرفطة - ذكره ابن هشام - والأول أثبت(٥).
فلما سارَ رسولُ الله ◌َ لِ تخلَّفَ عبدُ الله بن أبيّ ومن كان معه ، وتخلَّفَ نفرٌ من
المسلمين من غير شك ولا ارتياب ، منهم : كعب بن مالك ، وهِلال بن أمية ، ومُرارة بن
الربيع ، وأبو خيثمة السالمي ، وأبو ذر الغفاري .
وشهدها رسول الله عَ ليه في ثلاثين ألفاً من الناس ، والخيل عشرة آلاف فرس ، وأقام بها
عشرين ليلة يُصلّي ركعتين، ولحقه بها أبو خيثمة السالمي وأبو ذر ، وهرقل يومئذ بحمص(٥).
(١) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ١٦٥/٢ .
(٢) ((ناضحاً)): الناضح: الجمَل الذي يُستقى عليه.
(٣) السيرة النبوية ٥١٨/٢ .
(٤) هذا الزعم ظاهر البطلان من وجهين ؛ أحدهما : أنه لا وجود لليهود في المدينة بعد إجلائهم عنها . وثانيهما :
أن المنافقين فئة قليلة في المجتمع المدني لا تُكوِّن عسکراً کائراً ؛ يمكن مقارنته بجيش رسول الله لآ الذي بلغ
عدده أربعين ألفاً من المقاتلة .
(٥) الطبقات الكبرى ١٦٥/٢ - ١٦٦.
- ٢٩٣ -

وفيما ذكر ابن إسحاق: أن رسولَ الله عَلِ عندما أراد الخروج، خَلَّفَ عليّ بن أبي
طالب على أهله ، فأرجفَ بهِ المنافقون ، وقالوا: ما خلَّفه إلا استثقالاً وتخففاً منه، فأخذَ علي
سلاحَه ثم خرج حتى أتى رسولَ الله عَّلِ وهو نازل بالحرف. فقال: يا نَّ الله ! زعم
المنافقون أنك إنما خلفتني أنك استثقلتني وتخفّفتَ مني. فقال: كذبوا، ولكني خَلَّفْتُكَ لما.
تركتُ ورائي ، فارجعْ في أهلي وأهلك ، أفلا ترضى يا عليّ أن تكونَ مني بمنزلة هارون من
موسى إلا أنه لا نَّ بعدي. فرجع عليّ إلى المدينة .
ثم إن أبا خيثمة رجعَ بعد أن سار رسولُ الله عَ لِّ أياماً إلى أهله في يوم حارّ ، فوجد
امرأتين له في عریشین هما في حائطه ، قد رشتْ کلُّ واحدةٍ منهما عریشها ، وبرَّدت له فيها
ماء ، وهيَّأت له فيه طعاماً . فلما دخل قام على باب العريش فنظَر إلى امرأتيه وما صنعتًا له ،.
فقال: رسولُ اللهِ عَ له في الصِّحُّ(١) والريحِ والحرِّ وأبو خيثمة في ظِلَّ بارد وطعام مُهيّاً وامرأةٍ
حسناء؟ ما هذا بالنَّصَف . ثم قال: والله لا أدخلُ عريشَ واحدةٍ منكما حتى ألحقَ
برسول الله عَ ◌ّه، فهيِّئًا لي زاداً، ففعلتا، ثم قدَّم ناضحَه فارتحلَه ، ثم خرج في طلب
رسول الله ټ۴﴾﴾ حتى أدر که حین نزل تبوك ، وقد کان أدركَ أُبا خيثمة عمیرُ بن وهب
الجُمحَي في الطريق، يطلبُ رسول الله عَّ له، فترافقا، حتى إذا دنوا من تبوك ، قال أبو
خيثمة لعمير : إن لي ذَّاً فلا عليك أن تِخِلَّفَ عني حتى آتي رسولَ الله عَّهِ، ففعلَ ، حتى
إذا دنا من رسول الله عَّهُ وهو نازلٌ بتبوك، قال الناس: هذا راكبٌ على الطريقِ مقبلٌ .
فقال رسول الله عَ له:(( كن أبا خيثمة)) قالوا: يا رسول الله هو والله أبو خيثمة. فلما أناخ
أقبلَ فسلَّم على رسول الله عَ لَّه، فقال له رسول الله عَ طٍ: ((أولى(٢) لك يا أبا خيثمة)). ثم
أخبرَ رسولَ الله عَ لّهِ الخبر. فقال له رسولُ الله عَ لَله خيراً ودعا له بخير.
وقد كان رسولُ اللهِ عَّ لُه حين مرَّ بالحِجْرِ فقال: لا تَشربوا من مائها شيئاً ولا يُتَوَضَّأُ
منه للصلاة ، وما كان من عجين عجنتموه فاعْلِفُوه الإِبلَ ، ولا تأكلوا منها شيئاً ، ولا يخرجنَّ
أحدٌّ منكم الليلة إلا ومعه صاحبٌ له . ففعلَ الناسُ ، إلا أن رجلين من بني ساعدة خرجَ
(١) ((الضُّحُ)): ضوء الشمس.
(٢) ((أولى لك)): كلمة تهديد ووعيد، معناها: اقتربت مما يُهلكك.
- ٢٩٤ -

أحدهم لحاجته ، وخرج الآخرُ في طلب بعيره ، فأما الذي خرج لحاجتِه(١) فإنه خُنق على
مذهبِه(٢) ، وأما الذي ذهب في طلب بعيره فاحتملته الربح حتى طرحته بجبلي طيء، فأخبر
بذلك رسولُ الله عَ له فقال: ألم أنهكم أن يخرج أحد منكم إلا ومعه صاحبُه ، ثم دعا للذي
خُنق على مذهبه فشُفي، وأما الآخر الذي وقع بجبلي طيء فإنَّ طيئاً أهدته لرسول الله عَ ◌ّ
حين قدم المدينة .
قال ابن إسحاق: بلغني عن الزهري أنه قال: لما مرَّ رسولُ الله عَلِّ بِالحِجْر سجَّى ثوبَه
على وجهه ، واستحثّ راحلته ، ثم قال : لا تدخلوا بيوتَ الذين ظلموا إلا وأنتم باكون ، خوفاً
أن يصيبكم ما أصابهم .
قال ابن إسحاق: فلما أصبحَ الناس ولا ماء معهم شكوْا ذلك إلى رسول الله عَ ليه،
فدعا رسولُ الله عَ لِّ ، فأرسلَ الله سحابةً فأمطرتْ ، حتى ارتوى الناسُ ، واحتملوا حاجتهم
من الماء . ثم إن رسولَ الله عَ ليه سار حتى إذا كان ببعض الطريق ضلَّتْ ناقته، فقال زيدُ بن
اللُّصَیت - و کان منافقاً - أليس محمد يزعم أنه نتّ ويُخبر كم عن خبر السماء ، وهو لا يدري
أين ناقتُه؟ فقال عليه الصلاة والسلام : إنّ رجلاً يقول: وذكر مقالته ، وإني والله ما أعلمُ إلا
ما علَّمني الله، وقد دلَّني الله عليها وهي في الوادي ، في شعب كذا وكذا ، قد حبستها شجرةٌ
بزمامِها ، فانطلِقُوا حتى تأتوني بها ، فذهبوا فجاؤوه بها .
ثم مضى رسولُ الله عَ لِ فجعلَ يتخلف عنه الرجل، فيقولون: تخلَّفَ عنا فلان .
فيقول : دعوه فإن يك فيه خير فسيُلحقه الله بكم ، وإن يك غيرَ ذلك فقد أراحكم الله منه .
وتلوَّمَ(٣) أبو ذرٍّ على بعيره، فلما أبطأُ عليه أخذ متاعَه فحملَه على ظهره ، ثم خرج يتبعُ أثرّ
رسول الله عَ لَّه ماشياً، ونزل رسول الله عَ له في بعض منازله، فنظر ناظرٌ من المسلمين،
فقال: يا رسولَ الله إنّ هذا لرجلٌ يمشي على الطريق وحده. فقال رسولُ اللهِ عَ له: « كن
أبا ذر )). فلما تأمله القومُ قالوا: يا رسول الله هو والله أبو ذر. فقال رسولُ الله عَلَّهِ:
(١) (لحاجته)): لقضاء حاجته.
(٢) ((على مذهبه)): المذهب هنا مكان قضاء الحاجة ( التغوط).
(٣) ((تلوّمَ)): تمكُّثَ وّهل .
- ٢٩٥ -

((رحمَ الله أبا ذر ؛ يمشي وحده، ويموت وحده، ويُبعث وحده(١))).
قال ابن إسحاق: فحدثني بريدة بن سفيان الأسلمي ، عن محمد بن كعب القرظي ،.
عن عبد الله بن مسعود ، قال : لما نفى عثمان أبا ذر إلى الربذة ، وأصابه بها قدرُه، لم يكن
معه أحد إلا امرأته وغلامُه ، فأوصاهما أن اغسلاني وكفناني ثم ضعاني على قارعة الطريق ؛
فأول ركب يمر بكم فقولوا: هذا أبو ذر صاحبُ رسول الله عليه ، فأعينونا على دفنه . فلما
مات فعلا ذلك به . وأقبلَ عبدُ الله بن مسعود في رهط من أهل العراق عُمّارٍ(٢) فلم يرعْهم إلا
بالجنازة على ظهر الطريق ، قد كادت الإبل تطأها ، وقام إليهم الغلام ، فقال : هذا أبو ذر
صاحبُ رسول الله عَ لِه ، فأعينونا على دفنه. قال: فاستهلَّ عبدُ الله يبكي ، ويقول : صدق
رسولُ اللهِ عَِّ: ((تمشي وجدَك، وتموتُ وحدك، وتُبعثُ وحدَك)). ثم نزل هو وأصحابه
فوارَوْه. ثم حدثهم عبد الله بن مسعود حديثَه وما قال له رسول الله عَ لمه في مسيره إلى
تبوك .
وقد كان رهطً من المنافقين ، منهم ودیعة بن ثابت أخو بني عمرو بن عوف ، ومنهم :
رجل من أشجع حليف لبني سَلِمة يُقال له: مُخَشِّن(٣) بن حُمَيِّر، يشيرون إلى
رسول الله عَ لّه وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض : أتحسيون جلاد بني الأصفر
كقتال العرب بعضهم بعضاً؟ والله لكأنكم غداً مُقرَّنين في الجبال، إرجافاً وترهيباً
للمؤمنين . فقال مُخَشِّن بن حُمَيِّر .. والله لوددتُ أني أُقاضى على أن يُضرب كلٌّ منا مائة
جلدة ، وأنّا لنفلتُ أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه .
وقال رسول الله عَ لّله فيما بلغني لعمار بن ياسر: أُدركِ القومَ فإنهم قد احترقوا ، فسلهم
عما قالوا ، فإن أنكروا فقل بلى قلتم كذا وكذا . فانطلق إليهم عمار، فقال ذلك لهم ، فأتوا
رسولَ الله عَلَّم يعتذرون إليه، فقال وديعةُ بن ثابت: إنما كنا نخوض ونلعب ، فأنزل الله
فيهم: ﴿ولئن سألتَهم ليقولنَّ إنما كنّا نخوضُ ونلعبُ﴾ [ التوبة: ٦٥] وقال مُخَشْن بن
حُمَيِّر : والله يا رسول الله قعد بي اسمي واسم أبي ، فكان الذي عُفي عنه في هذه الآية ،
(١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٥١٩/٢ - ٥٢٤.
(٢) ((عُمّار)): معتمرين.
(٣) قال ابن هشام : ويُقال : مخشي .
- ٢٩٦ -

فتسمَّى عبد الرحمن ، وسأل الله أن يقتلَه شهيداً لا يُعلم بمكانه ، فُقتل يومَ اليمامة فلم يُوجد له
أثر (١) .
وذكر ابن عائذ أن رسول الله عَ لّم نزل تبوك في زمان قل ماؤها فيه ، فاغترف
رسول الله عَ لَّهِ غرفة بيده من ماء، فمضمض بها فاه ، ثم بصقه فيها ، ففارت عينها حتى
امتلأت ، فهي كذلك حتى الساعة(٢) .
ولما انتهى (٣) رسولُ الله عَلِّ إلى تبوك أتاه يُحَنَّةُ بن رُؤية صاحبُ أيلةَ، فصالح
رسولَ الله عَ لَلِ وأعطاه الجزية، وأتاه أهلُ جرباء وأَذْرُح فأعطوْه الجزية ، وكتبَ لهم
رسولُ الله عَ لَله كتاباً فهو عندهم. وكتب لُيُحَنَّة بالمصالحة: بسم الله الرحمن الرحيم هذا أُمَنَةٌ
من الله ومحمد النبي رسول الله عَ لّه لَيُحَنَّةَ بن رُؤبة، وأهل أيلة سفنهم وسيَّارتهم في البر
والبحر ، لهم ذمّة الله ومحمد النبيِّ ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر ، فمن
أحدثَ منهم حدثاً فإنه لا يحولُ مالُه دون نفسه، وإنه طيّبٌ لمن أخذه من الناس ، وأنه
لا يحِلُّ أن يُمنعوا ماء يَردُونه، ولا طريقاً يُريدونه من بر أو بحر (٤).
بعثُ رسول الله عَ لّ خالد بن الوليد
إلى أُکیدر دومة
قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله عَ لل بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة ، وهو
أكيدر بن عبد الملك ، رجل من كندة ، كان ملكاً عليها ، وكان نصرانياً ، فقال
رسول الله عَ لِّه لخالد: إنك ستجده يصيدُ البقرَ . فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه
بمنظر العين في ليلة مقمرة صائفة ، وهو على سطح له ومعه امرأته ، فأتت البقرة تحك بقرونها
بابَ القصر ، فقالت له امرأته : هل رأيت مثل هذا قط ؟ قال: لا والله. قالت: فمن يتركُ
هذه ؟ قال : لا أحد. فنزل، فأمر بفرسه فأُسرج له ، وركب معه نفر من أهل بيته فيهم أخٌ
(١) السيرة النبوية ٥١٩/٢ - ٥٢٥.
(٢) خبر ابن عائذ معضل؛ كما ذكر في نور النبراس لوحة ١٢٣/٣.
(٣) رجع إلى كلام ابن إسحاق .
(٤) السيرة النبوية ٥٢٥/٢ - ٥٢٦.
- ٢٩٧ -

له يقال له حسان، فركب وخرجوا معه بمطاردهم(١)، فلما خرجوا تلقّتهم خيلُ
رسول الله عَ ل فأخذته، وقتلوا أخاه، وقد كان عليه قَباء من ديباج مُخوَّص(٢) بالذهب ،
فاستلبه خالد، فبعث به إلى رسول الله عَ لله قبل قدومه عليه. وفيه قال عليه الصلاة
والسلام: ((لَمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا (٣))). ثم إن خالداً قدم بأُكيدر
على رسول الله عَّله، فحقن له دمه، وصالحه على الجزية، ثم خلّى سبيلَه فرجع إلى
قريته (٤) .
قال ابن سعد: بعث رسول الله عَ لِ خالداً في أربعمائة وعشرين فارساً سريةً إلى أُكيدر
في رجب سنة تسع بدومة الجندل ، وبينها وبين المدينة خمس عشرة ليلة . وذكر نحو ما تقدم ،
وقال: وأجار خالدٌ أكيدرَ من القتل حتى يأتي به رسولَ الله عَ ◌ّله على أن يفتح له دومةً
الجندل ففعل ، وصالحه على ألفي بعير وثمانمائة رأس ، وأربعمائة درع، وأربعمائة رمح ، فعزل
النِي عَّهِ صَفيًَّ خالصاً، ثم قسم الغنيمة، فأخرج الخمس، وكان للنبي عَّةٍ، ثم قسم
ما بقي في أصحابه ، فصارَ لكل واحد منهم خمس فرائض(٥) (٦).
وذكر ابن عائذ في هذا الخبر أن أكيدر قال عن البقر: والله ما رأيته قط جاءتنا إلا
البارحة ، ولقد كنتُ أُضَمِّر لها اليومين والثلاثة ، ولكن قدرُ الله .
وذكر موسى بن عقبةُ: اجتماعَ أُكَيدر ويُحَنَّة عند رسول الله صَ لّه، فدعاهما إلى
الإسلام فأبيا، وأقرا بالجزية، فقاضاهما رسولُ الله عَ لّمه على قضيّة دُومةَ، وعلى تبوك، وعلى
أيلة ، وعلى تيماء ، وكتب لهما كتاباً .
رجع إلى خير تبوك: قال ابن إسحاق: فأقام رسولُ الله عَ ليه بتبوك بضع عشرة ليلة لم
(١) ((بمطاردهم)): جمع مِطرد، وهو آلة الطرد، رمح قصير يُطعن به الوحش في الطّراد .
(٢) ((مُخوَّص)): منسوج بالذهب.
(٣) رواه البخاري في اللباس ( باب من مسَّ الحرير من غير لبس) رقم /٣٨٠٢/ ومسلم في فضائل الصحابة
( باب فضائل سعد بن معاذ) رقم /٢٤٦٨/ والترمذي في المناقب ( باب مناقب سعد بن معاذ )
رقم/٣٨٤٦ /.
(٤) السيرة النبوية ٥٢٦/٢.
(٥) (( خمس فرائض)): خمس من الإبل، مفرده فريضة.
(٦) الطبقات الكبرى ١٦٦/٢.
- ٢٩٨ -

يجاوزها ، ثم انصرف قائلاً إلى المدينة ، وكان في الطريق ماء يخرج من وَشَلٍ(١) ما يروي
الراكب والراكبين والثلاثة، بوادٍ يقال له وادي المُشَفَّق. فقال رسول الله عَ لِ: من سبقنا إلى
ذلك الماء فلا يستقينَّ منه شيئاً حتى نأتيَه . قال: فسبقه إليه نفرٌ من المنافقين فاستقَوْا
ما فيه. فلما أتاه رسولُ الله عَ لِ وقف عليه فلم ير فيه شيئاً . فقال: من سبقنا إلى هذا
الماء ، فقيل له : يا رسول الله فلان وفلان وفلان . فقال: أو لم أنههم أن يستقوا منه شيئاً حتى
أتيَه، ثم لعنهم رسولُ الله عَ له ودعا عليهم . ثم نزل فوضع يده تحت الوَشَل فجعل يصبُّ في
يده ما شاء الله أن يصبَّ، ثم نضحه(٢) به، ومسحه بيده، ودعا رسول الله عَ لَه بما شاء الله
أن يدعوَ به، فانخرق من الماء - كما يقولُ من سمعَه - ما إنَّ له حِسَّاً كحسِّ الصواعق ،
فشربَ الناس واستقوا حاجتَهم منه. فقال رسول الله عَ ليه: لئن بقيتم ــ أو من بقي
منكم - ليسمعنَّ بهذا الوادي وهو أخصبُ ما بين يديه وما خلفه(٢) .
قال : وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التّيمي أن عبد الله بن مسعود كان يحدث ،
قال: قمت من جوف الليل وأنا مع رسول الله عَ لّه في غزوة تبوك، فرأيت شُعلةً من نار في
ناحية العسكر، فاتَّبعتُها أنظر إليها، فإذا رسول الله عَّ له وأبو بكر وعمر، وإذا عبد الله ذو
البجادين المزني قد مات ، وإذا هم قد حفروا له ، ورسولُ الله عليه في حفرته وأبو بكر وعمر
يدليانه إليه ، وهو يقول : أدنيا إليّ أخاكما، فدلَّياه إليه، فلما هيأه لشِقُّه ، قال : اللهم إني قد
أمسيتُ راضياً عنه فارضَ عنه . قال: يقول عبد الله بن مسعود : يا ليتني كنت صاحب
الحفرة (٤).
وقال عَّ له مرجعه من غزوة تبوك: ((إن بالمدينة لأقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً
إلا كانوا معكم)). قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة؟ قال: ((نعم، حبسهم العذر (٥))).
(١) ((وشل)): الوشل: الماء القليل، أو الحجر ونحوه، كالجبل يقطر منه الماء قليلاً قليلاً .
(٢) « نضحه » رشّه .
(٣) روى مسلم بعضه في الفضائل (باب معجزات النبي عَج) رقم /٧٠٦/ عن معاذ بن جبل رضي الله عنه.
(٤) السيرة النبوية ٥٢٧/٢ - ٥٢٨، ورواية محمد بن إبراهيم عن ابن مسعود مرسلة كما في نور النبراس لوحة
١١٥/٣.
(٥) رواه البخاري في المغازي ( باب غزوة تبوك) رقم/٤٤٢٣/.
- ٢٩٩ -

أمر مسجد الضِّرَار
ثم أقبلَ رسول الله عَ لِ حتى نزل في أوان(١) ، بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار ، وكان
أصحاب مسجد الضِّرار أتُوْه وهو يتجهز إلى تبوك ، فقالوا : يا رسول الله! إنا قد بنينا
مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية ، وإنا نحب أن تأتينا لتصلي لنا فيه.
فقال: إني على جناح سفر وحال شغل - أو كما قال عَ له ـــ ولو قد قدمنا إن شاء الله
لأتيناكم فصلينا لكم فيه. فلما نزل بذي أوان، أتاه خبر المسجد، فدعا رسولُ الله عَ لِّ
مالكَ بن الدُّحْثُم أخا بني سالم بن عوف، ومعنَ بن عدي أخا بني العجلان . فقال:
انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهلُه فاهدماه وحرِّقاه ، فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن
عوف ، وهم رهط مالك بن الدُّحْثُم ، فقال مالك لمعن: أنظرِني حتى أخرجَ إليك بنار من
أهلي، فدخل إلى أهله فأخذُّ سَعَفاً من النخل ، فأشعل فيه ناراً ، ثم خرجا يشتدان حتى
دخلاه وفيه أهله، فحرَّقاه وهدَماه ، وتفرقوا عنه. ونزل فيه من القرآن: ﴿والذين اتَّخِذُوا.
مسجداً ضراراً وكُفْراً وتَفريقاً بينَ المؤمنين﴾ [ التوبة: ١٠٧ ] إلى آخر القصة . وكان الذین
بَنَوْه اثني عشر رجلاً : خذام بن خالد من بني ◌ُبید بن زيد أحد بني عمرو بن عوف ، ومن
داره أُخرج مسجد الشقاق. وثعلبة بن حاطب من بني أمية بن زيد ، ومُعِّب بن قُشير، وأبو
حبيبة بن الأزعر من بني ضُبيعة بن زيد، وعبَّاد بن حُنيف، وجارية بن عامر وأبناه مُجمِّع
وزيد ، ونبتل بن الحارث ، وبَحْرَج وبجاد بن عثمان من بني ضُبيعة ، ووديعة بن ثابت من بني
أمية رهطِ أبي لبابة بن عبد المنذر(٢).
(١) ((أوَان)): موضع قريب من المدينة، وفي السيرة النبوية (بذي أوان)) بفتح الهمزة، وأبو ذر الخشني بروية
بضم الهمزة حيث وقع . نور النبراس لوحة ١١٦/٣ .
(٢) السيرة النبوية ٥٢٩/٢ - ٥٣,٠ .
- ٣٠٠ -