النص المفهرس

صفحات 261-280

ومائة شاة ، وإن كان معه أكثر من فرس واحد لم يُسهم له (١) .
قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، عن محمود بن لبید ، عن أبي
سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: لما أعطى رسول الله عَ ليه ما أعطى من تلك العطايا
في قريش وفي قبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء، وَجِد هذا الحيُّ من الأنصار في
أنفسهم، حتى كثرت منهم القالة، حتى قال قائلهم: لقي والله رسول الله عَ لَه قومَه.
فدخل عليه سعدُ بن عُبادة ، فقال : يا رسول الله إن هذا الحيّ من الأنصار قد وَجِدوا
عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبتَ ، قسمتَ في قومك ، وأعطيتَ
عطايا عظاماً في قبائل العرب ، ولم يكن في هذا الحيّ من الأنصار منها شيء. قال: فأين
أنتَ من ذلك يا سعد؟ فقال: يا رسول الله ما أنا إلا من قومي . قال: فاجمع لي قومَك في
هذه الحظيرة . قال : فجاء رجالٌ من المهاجرين ، فتركهم فدخلوا؛ وجاء آخرون فردِّهم ،
فلما اجتمعوا له ، أتى سعد فقال : قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار ، فأتاهم
رسولُ اللهِ عَِّ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال: يا معشر الأنصار ما قالة
بلغتني عنكم ، وجدة وجدتموها عليَّ في أنفسكم ؟ ألم آتكم ضُلاّلاً فهداكم الله ؟ وعالةً فأغناكم
الله ، وأعداء فألّف الله بين قلوبكم؟ قالوا: بلى، الله ورسولُهُ أُمَنُّ وأفضلُ. ثم قال: ألا
تجيبوني يا معشر الأنصار؟ قالوا: بماذا نجيبكُ يا رسول الله ، لله ولرسوله الَرُّ والفضلُ.
قال: أما والله لو شئتم لقلتم فلصَدقتم ولصُدِّقْتُم: أتيتنا مُكَذَّباً فصدَّقناك، ومخذولاً فنصرناكَ ،
وطريداً فآويناك، وعائلاً فآسيناك. أُوجِدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لغاغة (٢) من
الدنيا تألَّفتُ بها قوماً ليُسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم؟ ألا ترضون يا معشر
الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم ؟ فوالذي نفسُ محمد
بيده لولا الهجرة لكنتُ امرأً من الأنصار، ولو سلكَ النَّاسُ شِعباً وسلكتِ الأنصار شعباً
لسلكتُ شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار . قال :
فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم ، وقالوا: رضينا برسول الله عَ الِ قَسْماً وحظّاً . ثم انصرف
(١) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ١٥٢/٢ - ١٥٣.
(٢) ((لغاغة)): بمعجمتين، وفي السيرة النبوية، وبعض النسخ ((لعاعة)) بالمهملتين، واللغاغة: الكلأ
الخفيف ، والمعنى : أغضبتم لأجل شيء يسير من الدنيا ؟ ! .
- ٢٦١ -

رسول الله عٍَّ وتفرّقوا (١)
٠
وقدمتِ الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى، أختُ رسول الله عَظُلم من الرضاعة ،
فقالت : يا رسول الله إني أختك. قال : وما علامة ذلك؟ قالت : عضة عضضتنيها في
ظهري وأنا متورٌّ كَتُك. قال: فعرف رسولُ الله عَ لِّ العلامةَ، فبسطَ لها رداءه، وأجلسها
عليه ، وخيَّرها ، وقال : إن أحببتٍ فعندي محببةً مكرمةً ، وإن أحببتٍ أن أمتعك وترجعي إلى
قومِك فعلتُ . قالت : بل تمتعني وتردُّني إلى قومي ففعل ، فزعمتْ ينو سعد أنه أعطاها غلاماً
له يُقال له مكحول وجارية، فزوَّجت أحدهما الآخر، فلم يزل فيهم من نسلهما بقية (٢).
وقال أبو عمر: فأسلمتْ، فأعطاها رسولُ الله عَ لِ ثلاثة أعبد وجارية ونَعَماً وشاء.
وسماها : حذافة ، وقال : الشيماء لقب .
وقدمَ وفدُ هوازن على رسول الله عَ لِ، وهم أربعة عشر رجلاً، ورأسهم زهير بن صُرَد ،
وفيهم أبو برْقان عم رسول الله عَ ليه من الرضاعة، فسألوه أن يمنَّ عليهم بالسبي. فقال أبناؤكم
ونساؤكم أحبُّ إليكم أم أموالُكم؟ قالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئاً . فقال: أما ما لي
ولبني عبد المطلب فهو لكم، وسأسألُ لكم النَّاسَ . فقال المهاجرون والأنصار: ما كان لنا
فهو لرسول الله عَّةٍ. فقال الأقرعُ بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا. وقال عُيينةُ بن
حصن . أما أنا وبنو فَزارة فلا . وقال العبّاس بن مِرداس: أما أنا وبنو سُليم فلا فقالت بنو
سُليم: ما كان لنا فهو لرسول الله عَ له. فقال العباسُ بن مِرداس: وهَّنْتُمُوني . وقال
رسول الله عَ ل : إن هؤلاء القوم جاؤوا مسلمين ، وقد كنت استأنيت بنبيهم، وقد
خيَّرتُهم فلم يعَدِلوا بالأبناء والنساء شيئاً ، فمن كان عنده منهنَّ شيءٍ فطابَتْ نفسُه بأن يردَّه
فسبيلُ ذلك، ومن أبى فليزدَّ عليهم وليكنْ ذلك فَرْضاً علينا ؛ ستُّ فرائض (٢) من أول
(١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٤٩٨/٢ - ٥٠٠.
(٢) المصدر السابق ٤٨٥/٢ .
(٣) عبارة السيرة النبوية؛ لابن هشام: (( أما من تمسك منكم بحقه من هذا السبي ؛ فله بكل إنسان ست فرائض
من أول سبي أصيبه )) .
--
و((الفرائض)): جمع فريضة، وهي البعير، وأصلها البعير المأخوذ في الزكاة ، سمي بذلك لأنه فرض واجب:
على ربِّ المال ، ثم سُمي به البعير مطلقاً.
- ٢٦٢ -

ما يُفيء الله علينا . قالوا : رضينا وسلَّمنا. فردوا عليهم نساءهم وأبناءهم، ولم يتخلف منهم
أحدٌ غيرُ عُبينة بن حصن ، فإنه أبى أن يردّ عجوزاً صارتْ في يديْه منهم ، ثم ردَّها بعد ذلك .
وكان رسولُ الله عَ لِ قد كَسَا السِيَ قُبطيةٌ قُبْطِيةٌ(١).
أخبرنا أبو عبد الله بن أبي الفتح المقدسي سماعاً بالزُّعيزعية(٢) بمرج دمشق ، أنبأنا أبو
الفخر أسعد بن سعيد بن رَوْح الصالحاني وأم حبيبة عائشة بنت الحافظ أبي أحمد معمر بن
الفاخر الأصبهانيان إجازة منهما ، قالا : أخبرتنا أم إبراهيم فاطمة بنت عبد الله بن أحمد بن
القاسم بن عقيل الجُوزدانية ، قال الأول سماعاً ، وقالت الثانية حضوراً ، قالت : أنبأنا أبو بكر
محمد بن عبد الله بن رِيْذَة ، أنبأنا أبو القاسم الطبراني ، حدثنا عبيد الله بن رُمَاحِس القيسي
برمادة (٣) الرملة سنة أربع وسبعين ومائتين ، حدثنا أبو عمرو زياد بن طارق - وكان قد أتت
عليه مائة وعشرون سنة - قال: سمعتُ أبا جرول زهير بن صُرد الجُشَمي يقول: لما أُسرَنا
رسولُ الله ◌َ له يوم حُنين يوم هوازن، وذهبَ يفرق السني والشاء ، أتيته فأنشأتُ أقول هذا
الشعر :
فإنك المرء نرجوه وننتظر
أمننْ علينا رسولَ الله في کرم
مُثَثَّتٌ شملُها في دهرها غِيَر (٤)
امنن على بيضةٍ قد عاقَها قَدَرٌ
على قلوبهمُ الغمَّاءِ والعَمَرُ
أبقت لنا الدهرَ هتَّافاً على حَزَنٍ
يا أرجحَ النَّاس حِلْماً حين يُختبر
إن لم تَداركهمُ نعماء تنشرُها
إذ فوك تملؤه من مَحْضِها الدَّرَرُ(٥)
امنن على نسوة قد کنتَ تَرضعُها
وإِذا يَزينُكَ ما تأتي وما تَذَرُ
إذ أنت طفل صغير كنت ترَضعُها
(١) (( قُبطية)) : ضمت قافُها على غير قياس، والتزموا كسرها في نسبة الإِنسان، جمعها قباطي، نسبة إلى
القبط ، وهي ثوب رقيق أبيض مصنوع في مصر .
(٢) ((الزُّعُيِزِعيّة)): قرية بمرج دمشق، من غوطتها الشرقية.
(٣) ((رمادة الرملة)): وهي رمادة فلسطين؛ كما في معجم البلدان ٦٦/٣.
(٤) ((على بيضةٍ)): البيضة هنا الأصل والعشيرة.
(٥) ((محضها)): حليبها الخالص. و((الدرر)): ما يدره ثديها من الحليب.
- ٢٦٣ -

لا تجعلَنَّا كمِنْ شَالتْ نَعامَتُه
إنا لنشكرُ للنعَماءِ إِذْ كُفرتْ
فألبسِ العفوَ من قد كنتَ تَرضعُه
ياخيرَ من مَرِحَتْ كُمْتُ الجياد به
إنا نُؤمِّل عفواً منك تُلبسُه
واستبقٍ منا فإنا معشر زُهرُ(١)
وعندنا بعد هذا اليوم مُدَّخِرُ
مِن أُمَّهاتِك إن العفوَ مُشتَهرُ
عند الهياج إذا ما استوقدَ الشَّرَرُ(٢)
هذي البريّةَ إذ تعفو وتتصرُ
· يوم القيامة إذ يُهدى لك الظفرُ
فاعفُ عفا الله عما أنت راهبُه
قال: فلما سمع النُّ عَّلِ هذا الشعر قال: (( ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو
لكم)). وقالت قريش: ما كان لنا فهو لله ولرسوله . وقالت الأنصار: ما كان لنا فهو الله
ولرسوله .
قال الطبراني : لا يُروى عن زهير بن صُرد بهذا التمام إلا بهذا الإسناد ، تفرَّد به
عبيد الله بن رماحس .
ومما قيل من الشعر في يوم حنين : قول العباس بن مِرداس السُّلَمي :
فمِطْلى أريكٍ قد خلا فالمصانعُ(٣)
عفى مَجْدَلٌ من أهله فمُتَالِعُ
رخيٍّ وصرْفُ الدهر للحيِّ جامعُ (٤)
ديار لنا يا جُمْلُ إذْ جُلُّ عیشیا
لبينِ، فهل ماضٍ من العيش راجعٌ؟ (٥)
حُبِبَةٌ ألوت بها غُرْبةُ النَّوى
فَإني وزيرٌ للنيّ وتابعُ
فإنّ تتبعِ الكفارَ غيرَ ملومةٍ
◌ُزِيمةُ والمرَّارُ منهم وواسع(٦)
دعانا إليه خيرُ وفِدٍ عَلِمتُهِمْ
(١) (شالت نعامته)): النعامة: باطن القدم، وشالت: ارتفعت. ومن هلكَ ارتفعت رجلاه فبانت نعامته،
فالتركيب كناية عن الهلاك .
(٢) ((كُمْتُ)): جميع كميت، وهو ما كان لونه أحمر ضارب إلى السواد، و((مَرِحَتْ)): نشطت.
(٣) (( مُتَالِعُ)): جبل بنجد. و((أريك)): موضع في ديار ذبيان. و((المصانع)): مستودعات تُصنع للماء مثل
الصهاريج . وانظر شرح غيرها من الألفاظ الغربية في فوائد المؤلف ص ٢٦٧ .
(٤) ((جُمْلُ)): اسم امرأة. و((صَرْفُ الدهر)): في الأصول: ((صرفُ الدارِ)) والتصحيح من السيرة الشامية
٥٠٤/٥ . وصَرْفه: تغيُره .
(٥) ((حُبَيَِّةٌ )): تصغير حبيبة، وفي السيرة الشامية ((حُبيبية)) وقال: نسبة إلى بني حُبيب، و( ألوت بها))
غيَّرَتها .
(٦) ((خزيمةُ والَرَّارُ وواسع)»: ثلاثهم ممن وفد على رسول الله عَّه من بني سُلَيمْ.
- ٢٦٤ _

فجئنا بألفٍ من سُليمٍ عليهمُ
نبايعُه بالأخشبين وإنما
فُجُسْنَا مع المهديِّ مكة عنْوةُ
علانيةً والخيلُ يغشَى مُتوتَها
ويومَ حُنينٍ حين سارتْ هوازنٌ
صبرنا مع الضحاكِ لا يستفزُّنَا
أمامَ رسولِ الله يخفِقُ فوقَنا
عَشِيَّةَ ضَحَّاَكِ بن سفيانَ مُعتصٍ
نذود أخانا عن أُخِینا ولو نرى
ولكنَّ دينَ الله دينَ محمد
أقامَ به بعد الضلالةِ أمرَنا
وقوله :
ما بالُ عينِك فيها عائِرٌ سَهِرُ
عينٌ تأُوَّبَها من شجوِها أرقٌ
كأنه نظمُ دُرِّ عندَ ناظِمِهِ
يا بعدَ منزلٍ من ترجُو مَوَدَّتَه
دع ما تقدَّم من عهد الشباب فقد
لَبوسٌ لهم من نَسْجِ دَاودَ رائعٌ
يدّ الله بين الأخشبين تُبايعُ
بأسيافنا والنقعُ كابٍ وساطعُ(١)
حميمٌ وآنّ من دمِ الجوفِ ناقعُ(٢)
إلينا وضَاقَتْ بالنفوس الأُضالعُ
قِراعُ الأعادى منهمُ والوقائعُ(٣)
لواء كَخُذْرُوفِ السَّحابةِ لامِعُ (٤)
بسيف رسول اللَّهِوالموت كانعُ (٥)
مَصالاً لكنَّا الأقربينَ نُتابعٌ (٦)
رضِينا به ، فيه الهُدى والشرائعُ
وليس لأمرٍ حَمِّهُ اللَّهُ دافعُ (٧)
مِثْلُ الحماطَةِ أغضى فوقَها الشُّفرُ (٨)
فالماء يغمرُها طَوْرَاً وينحدرُ (٩)
تَقَطَّعَ السلكُ منه فهو منتثر
ومَنْ أَنتى دُونَه الصُّمَّانُ فَالَحَفِرُ
ولَّى الشبابُ وزارَ الشيبُ والدُّعُ( ١٠)
(١) ((كاب)): مرتفع، و((ساطع)): متفرق.
(٢) ((حميم)): عَرَق، و((أنّ)): دم حار، و((ناقع)): كثير.
(٣) ((الضحَّاك)): انظر نسبه في فوائد المؤلف ص ٢٦٧ .
(٤) ((خذروف السحابة)): انظر الشرح في فوائد المؤلف ص ٢٦٧ .
(٥) (( مُعتص)): اسم فاعل، من قولهم: اعتصى القوم بالسيوف؛ إذا ضاربوا بها .
(٦) انظر شرح الألفاظ ومعنى البيت في فوائد المؤلف ص ٢٦٧ .
(٧) (( حَمِّه الله)): قضاء وقدره .
(٨) ((الشُّغْر)»: وأصلها بسكون الفاء، وحُركت بالضم إتباعاً ، وهو أصل منبت شعر الجفن .
(٩) ((تأوِّبَها)): جاءها مع الليل.
(١٠) ((الذُّعُر)): الخوف، وتروى ((الزُّعُر)): وهو قلة الشّعر.
- ٢٦٥ -

وفي سُليم لأهل الفخرِ مُفتَخرُ
دينَ الرسول وأمرُ الناس مُشتجِرُ
ولا تخاورُ في مشتاهُم البقرُ(١)
في دارةٍ حولَها الأخطارُ والعَكرُ(٢)
وحيُّ ذكوانَ لا مِيلٌ ولا ضُجُرُ (٣)
ببطنٍ مكّةَ والأرواحُ تُنْتِدرُ
تخلّ بظاهرةِ البطحاءِ مُنْقَعِرُ
للدين عِزّاً وعندَ الله مُدَّخَرُ
والخيلُ ينجابُ عنها ساطعٌ حَدِرُ
كما مشى الليثُ في غاباتِهُ الَخَدِرُ (٤)
تكادُ تَأْفِلُ منه الشمسُ والقمرُ:
لله ننصرُ مَنْ شِئنا ونتصرُأ
لولا المليكُ ولولا نحنُ مَا صَدَرُوا
إلاَّ وأصبحَ مِنَّا فيهمُ أثرُ:
واذكرْ بلاءَ سُليمٍ في مواطِنها
قومٌ هُمُ نصَرُوا الرَّحِمَنَ وأَّبِعُوا
لا يغرسونَ فسيلَ النخل وسطَهُمُ
إلا سوائج كالعِقْبَانِ مَقْرُبَةً
يُدعی خُفاق وعوقّ في جوانها
الضَّاربونَ جنودَ الشُرك ضاحيةً
حتى رفعنَا وقتلاهمْ كأَنَّهمُ
ونحن يومَ حُنينٍ كَانَ مشهِدُنا
إذ نركبُ الموتَ مُخْضرّاً بطائنه
تحتَ اللوامِعِ والضَجَّاكُ يَقْدُمُنًا
في مأزقٍ من مَكَرِّ الحربِ کَلْکَلُها
وقد صبرئًا بأوطاسٍ أَسِثنًا
حتى تأوَّبَ أقوامٌ منازلَهم
فما ترى معشراً قَلُّوا ولا كَثُرُوا
وقد تركت من شعر العباس ما يبدو فضلُه ويُستحسن مثلُه، إيثاراً للاختصار ،
والله تعالى أعلم .
(١) يُريد أنهم ليسو أهل زرع، ولا أُهل تربية نَعَم، وإنما أهل حرب وانتقال .
(٢) انظر الشرح في فوائد المؤلف ص ٢٦٧ .
(٣) ((خِفاف)): هو ابن عُمير بن الحارث، من شعرائهم المعدودين، المعروف بابن ندية، ممن شهد حُنيناً،
وثبت على إسلامه في الردة . نُور النبراس لوحة ٩٨/٣ ..
و((عوف)): هو ابن أبي عوف الأشجعي ، أول مشاهده خيبر، وشهد الفتح ، وكانت معه راية أشجع رضي
الله عنه ، عمر دهراً، وسكن الشام، وتوفي في إمرة عبد الملك بن مروان سنة ٧٣ هـ ، نور النبراس لوحة
٩٨/٣.
(٤) ((الحَدِر)) : الداخل في خدره؛ أي في عرينه .
- ٢٦٦ -

ذكر فوائد تتعلق بغزوة حُنين
وما اتصل بها
• حنين بن قانية بن مهلائيل هو الذي يُنسب إليه الموضع . وهي غزوة حُنين وهوازن
وأوطاس ، سميت بأوطاس باسم الموضع الذي كانت فيه الوقعة أخيراً حيث اجتمع فُلاّلهم ،
وتوجَّه إليهم أبو عامر الأشعري كما سبق .
• والوطيس: التنور، وفي هذه الغزوة قال عليه الصلاة والسلام: ((الآنَ حمي
الوطيسُ)) حين استعرت الحرب، وهي من الكلم التي لم يُسبق إليها عَِّ، وكذلك قوله
عليه الصلاة والسلام في غير هذه الوقعة: (( يا خيلَ اللَّهِ اركبي)).
، وقوله: ((فأُنقضَ به )) أي صوَّتَ بلسانه في فيه ، من النقيض وهو الصوت.
• وقوله: ((راعي ضأن )) يَجِهِّلُه بذلك .
• وفرارُ من كان معه عليه الصلاة والسلام يوم حُنين ، قد أعقبَه رُجوعهم إليه
سَرَعَةٍ(١)، وقتالهم معه حتى كان الفتح، ففي ذلك نزلت: ﴿ويومَ حُنينٍ إذ أُعَجَبتْكم
كثرتُكُم فلم تُعْنِ عِنكُم شيئاً﴾ إلى قوله: ﴿واللَّهُ غفورٌ رحيم﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٧ ]
كما قال فيمن تولَّى يوم أُحد ﴿ولقد عفا الله عنهم﴾ [آل عمران: ١٥٥] وإن اختلف
الحال في الواقعتين .
• ويوم حُنين قال عليه الصلاة والسلام: ((من قتَل قتيلاً فله سَلَبُه)) فصار حكماً
مستمراً، وقتلَ أبو طلحة يومئذ عشرين وأخذ أسلابهم ، وفي هذه المسألة خلاف بين العلماء
ليس هذا موضع ذكره .
· وفي خبر ◌ُبير بن مطعم عن رؤيته الملائكة : رأيت مثل البِجَاد من النمل
- والبجاد: الكساء - وقد قال غيره يومئذ: رأيتُ رجالاً بيضاً على خيل بُلْقٍ ، فكانت
الملائكة .
(١) ((سَرَعَة)): مُسرعين، والمفرد منها: سارع، والفعل: سَرُعَ، مثل كاتب وكتبة، وبارِّ وبررة.
- ٢٦٧ -

والبغلة التي كان عليها النبيُّ عَ ﴾ يومئذ: هي المسماة ((فضة)) التي أهداها له فروةُ بن
ثُفاثةَ .
والمجدل : القصر ، وهو في هذا البيت اسم علم لمكان .
• ومِطلاء: يُمدُّ ويُقصر ، وهي أرض تعقلُ الرجلَ عن المشي.
• وخُذروف السحاب : أراد به البرق الذي في السحاب .
· وكانع : حاضر نازل .
· والضحاك بن سفيان : كانت بيده رايةُ سُليم يوم حُنين . قال البرقي : ليس هو
الضحاك بن سفيان الكلابي ، إنما هو الضحاك بن سفيان السلمي . وفي رواية غير البكاني.
عن ابن إسحاق رفع نسبه إلى بهتة بن سُليم ، لم يذكر أبو عمر: السلميّ.
وقوله : نذود أخانا .. البيت : يُريد أنه من سُليم ، وسُليم من قيس ، كما أن هوازن من
قيس ، كلاهما ابن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس . ومعناه : نقاتل إخوتنا وندودهم.
عن إخوتنا من سُليم ، ولو نرى في حُكم الدِّين مَصالا: مَفعلاً، من الصولة لكنا مع الأقربين
یرید هوازن .
، والحماطة : من ورق الشجر ما فيه خشونة .
والعائر : كالشيء يَنْسُ في العين لأنه يُعوِّرها .
· والسَّهِرُ: الرجل، لأنه لَمَّا لم يُفتر عنه ، فكأنه سَهِرَ ولم ينم .
، والصَّمان والحَفَرُ : موضعان .
، وقوله لا يغرسون فَسِيلَ النخل : يعني أهل المدينة ، يُعِّرهم بذلك.
• والَقْرُبَة : الخيل التي قُرِّبت مرابطها .
· والأخطار : جمع خطر ، وهو القطيع الضخم من الإبل .
، والعَكَر : ما فوق خمسمائة من الإبل .
· وضاحية كل شيء : نواحيه البارزة . والظاهرة من الأرض : ما غَلُظَ منها.
- ٢٦٨ -

سرية الطفيل بن عمرو الدوسي
إلى ذي الکفین في شوال سنة ثمان
قال ابن سعد: لما أراد رسولُ الله عَّلِ المسير إلى الطائف، بعث الطفيل بن عمرو إلى
ذي الكفين - صنم عمرو بن حُممة الدوسي - يهدمه، وأمره أن يستمد قومه ويوافيَه
بالطائف ، فخرج سريعاً إلى قومه فهدم ذا الكفين ، وجعل يحشَّ(١) النارَ في وجهه ويحرقه،
ويقول :
يا ذا الكفين لستُ من عُبَّادِكًا ميلادُنا أقدمُ من ميلادِكًا
أنا حششتُ النَّارَ في فؤادِكًا
قال: وانحدر معه من قومه أربعمائة سراعاً، فوافَوْا البَّ مَ لِ بالطائف بعد مقدمه
بأربعة أيام، وقدم بدبابة(٢) ومَنجنيق، وقال: يا معشر الأزد من يحملُ رايتكم ، فقال
الطفيل : من كان يحملُها في الجاهلية؟ قالوا: النعمان بن الرازية اللّهْبِيِّ. قال: أصبتم (٣).
(١) ((يحشُ النار)): يُوقدها .
(٢) ((بدبابة)): آلة من آلات الحرب، يدخل فيها الرجال، فيدنون بها إلى الأسوار ؛ لينقبوها .
(٣) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ١٥٧/٢.
- ٢٦٩ -

--
غزوة الطائف
في شوال سنة ثمان
قال ابن سعد : قالوا : خرج رسولُ الله پلآلِ من حُنین يُريد الطائفَ ، وقدّم خالد بن
الوليد على مقدّمته، وقد كانت ثقيف رَمُّوا(١) حصنَهم ، وأدخلوا فيه ما يُصلحهم لسنة ،
فلما انهزموا من أوطاس دخلوا حصنهم وأغلقوه عليهم ، وتهيؤوا للقتال، وسار رسولُ الله ◌َٹے.
فنزلَ قريباً من حصن الطائف وعسكر هناك، فرمَوْا المسلمينَ بالنبل رَمْياً شديداً كأنّه
رِجْل(٢) جراد ، حتى أُصيب من المسلمين ناس بجراحة ، وقُتل منهم اثنا عشر رجلاً ، فارتفعَ
رسولُ اللهِ عَّ ◌ُلِ إلى موضع مسجد الطائف اليوم، وكان معه من نسائه أم سلمة وزيني،
فضرب لهما قبّتين ، وكان يُصلِّي بين القبّتين حصارَ الطائف كلَّه، فحاصرهم ثمانية عشر
يوماً ، ويُقال خمسة عشر يوماً(٣) .
وقال ابن إسحاق : بضعاً وعشرين ليلة . وقال ابن هشام : سبعة عشر يوماً ، ونصب
عليهم المَنْجنيق، وهو أوّل ما زَمى به في الإسلام فيما ذكر ابن هشام (٤) .
وروینا عن ابن سعد قال: أخبرنا قبيصة بن عقبة ، أخبرنا سفيان الثوري ، عن ثور بن
يزيد، عن مكحول؛ أن النبيَّ نَ لِ نصب المنجنيق على أهل الطائف أربعين يوماً(٥).
قال ابن إسحاق : حتى إذا كان يومُ الشَّدْخةِ عند جدار الطائف ، دخل نفر من
أصحاب رسول الله عَ له تحت دبابةٍ، ثم زحفوا بها إلى جدار الطائف ليخرقوه، فأرسلت
عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار ، فخرجوا من تحتها ، فرمتهم ثقيف بالنبل ، فقتلوا
منهم رجالاً، فأمرَ رسولُ الله عَ لِ بقطع أعنابِ ثقيف، فوقع الناس فيها يقطعون (٤).
(١) (( رَمُّوا حصنهم)): أصلحوه ورَّمُوهُ.
(٢) ((رِجْلُ جراد)): بكسر الراء، الكثير منه.
(٣) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ١٥٨/٢.
(٤) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٤٨٢/٢ - ٤٨٣.
(٥) الطبقات الكبرى ١٥٩/٢.
- ٢٧٠ -

قال ابن سعد: ثم سألوه أن يدعها لله وللرحم، فقال رسول الله عَ لّه: فإني أدعُها لله
وللرحم . ونادى منادي رسول الله عَّ﴾ أيما عبدٍ نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر.
فخرج منهم بضعة عشر رجلاً فيهم أبو بَكْرة ، نزل في بَكرة(١)، فقيل: أبو بَكْرة . فعتقهم
رسولُ اللهِ عَ ◌ّله ، ودفع كلَّ رجل منهم إلى رجل من المسلمين يُمَوِّنه، فشقَّ ذلك على أهل
الطائف مشقة شديدة، ولم يُؤْذِن لرسول الله عَّ ◌َّلُه في فتح الطائف .
واستشارَ رسولُ اللهِ عَ لِ نوفلَ بن معاوية الديلي، فقال: ما ترى؟ فقال: ثعلب في
جُحْر إن أقمتَ عليه أخذتَه، وإن تركته لم يضرّك. فأمر رسولُ الله عَلِ عمر بن الخطاب
فأذن في الناس بالرحيل، فضجَّ الناس من ذلك، وقالوا: نرحلُ ولم يُفتحْ علينا الطائف ؟
فقال رسولُ اللهِ عَ لِّ : فاغدوا على القتال . فغدوا، فأصابتِ المسلمين جراحات ، فقال
رسولُ اللهِ عَ لِّ إنا قافلون إن شاء الله، فسروا بذلك، وأذعنوا، وجعلوا يرحلون
ورسول الله عَ له يضحك، وقال لهم رسول الله عَ ليه: قولوا لا إله إلا الله وحده ، صدقَ
وعده، ونصرَ عبدَه، وهزم الأحزابَ وحده. فلما ارتحلوا واستقلوا، قال: قولوا : آيبون ،
تائبون ، عابدون، لربنا حامدون . وقيل : يا رسول الله ادع الله على ثقيف . قال : اللهم
أهد ثقيفاً وائت بهم مسلمين(٢) . والله تعالى أعلم .
تسمية من استشهد بالطائف مع رسول الله هو
عن ابن إسحاق : سعيد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس ، وعُرْفطة بن
جنَّاب حليف لهم من الأزد بن الغوث ، قال ابن هشام: ويقال : ابن حُبَاب . وعبد الله بن
أبي بكرالصديق، رُمي بسهم فمات منه بالمدينة بعد وفاة رسول الله عَّ ◌ُلم، وعبد الله بن أبي
أمية المخزومي ، وعبد الله بن عامر بن ربيعة العدوي ؛ حليف لهم ، والسائب بن الحارث
السهمي ، وأخوه عبد الله(٣).
ومن بني سعد بن ليث : جُليحة بن عبد الله .
(١) ((بَكَرة)): خشبة مستديرة في وسطها مَحَرُّ يجري فيه الحبل، والبَكّرة: يُستقى عليها.
(٢) الطبقات الكبرى ٢٠٢/٢ .
(٣) هؤلاء كلهم من قريش .
- ٢٧١ -

ومن الأنصار : ثابت بن الجَذَعِ السَّلْمي ، والحارث بن سهل بن أبي صعصعة المازني
النجاري، والمنذر بن عبد الله الساعدي(١). ومن الأوس: رُقيم بن ثابت بن ثعلبة (٢).
ثم خرجَ رسولُ الله عَ ◌ّه عن الطائف إلى الجِعْرانة، وبها قسم غنائم حُنين كما تقدم
قال ابن سعد: ثم بعثَ رسول الله عَ لِّ المُصدّقين(٣)، قالوا: لما رأى رسولُ الله عَّه
هلال المحرم سنة تسع بعث الُصدِّقين، يُصلِّقون العرب ، فبعث عيينة بن حصن إلى بني
تميم ، وبعث بريدة بن الحُصيب إلى أسلم وغفار، ويقال : بعث كعب بن مالك ، وبعث
عيّاد بن بشر الأشهلي إلى سُليم ومُزينة ، وبعث رافعَ بن مَكيث إلى جُهينة ، وبعث عمرُو بن
العاص إلى بني فزارة ، وبعث الضحَّاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب ، وبعث بُسرَ بن
سفیان الکمبي إلى بني کعب ، وبعث ابن اللُّتبية الأزدي إلى بني ذبيان ، وبعث رجلاً من بني
سعد هُذيم على صدقاتهم. وأمر رسولُ الله عَ لِ مصدقيه أن يأخذوا العفوَ منهم، ويتوقُّوْا
كرائمَ أموالهم(٤) .
قال ابن إسحاق : وبعث المهاجرين أبي أمية إلى صنعاء ، فخرج عليه العنسيُّ وهو بها ،
وبعثَ زياد بن لَبيد إلى حضرموت ، وبعث عديَّ بن حاتم على طيء وبني أسد ، وبعث
مالكَ بن نُويرة على صدقاتٍ بني حنظلة ، وفرَّق صدقاتٍ بني سعد على رجلين : الزِّبرقان بن
بدر على ناحية، وقيس بن عاصم على ناحية ، والعلاء بن الحضرمي على البحرين ، وبعثَ
عليّاً إلى نجران ليجمعَ صدقاتهم ويقدم عليه بجزيتهم(٥) .
(١) هؤلاء الثلاثة من الخزرج .
(٢) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٤٨٦/٢ - ٤٨٧.
(٣) ((المصدقين)): جباة الزكاة.
(٤) الطبقات الكبرى ١٦٠/٢ .
(٥) السيرة النبوية ؛ لابن هشام ٠/٢ ٦٠.
- ٢٧٢ -
:

سرية عُيينة بن حصن الفَزَاري إلى بني تميم
وكانوا فيما بين السقيا وأرض بني تميم وذلك في المحرم سنة تسع
قالوا: بعث رسولُ اللهِ عَ لِ عُيينةَ بن حِصن الْفَزَارى إلى بني تميم في خمسين فارساً من
العرب ، ليس فيهم مهاجريٌّ ولا أنصاريّ ، فكان يسير الليل ويكمن النهار ، فهجم عليهم في
صحراء، فدخلوا وسرَّحوا مواشيهم ، فلما رأوا الجمعَ ولَّوا ، وأخذ منهم أحدَ عشر رجلاً،
ووجدوا في المحلّة إحدى وعشرين امرأة وثلاثين صبيّاً، فجلهم إلى المدينة ، فأمر بهم
رسولُ الله عَ لِ فُحُبسوا في دار رَمْلة بنت الحارث، فقدم فيهم عِدّة(١) من رؤسائهم ،
عطارد بن حاجب ، والزِّبْقان بن بدر ، وقيس بن عاصم ، والأقرع بن حابس ، وقيس بن
الحارث، ونعيم بن سعد، وعمرو بن الأهتم ، ورَباح بن الحارث بن مجاشع. فلما رأوهم
بكى إليهم النساء والذراري، فعجَّلوا فجاؤوا إلى باب النبي عَّهِ، فنادَوْا: يا محمد اخرج
إلينا. فخرج رسول الله عَّله، وأقام بلالٌ الصلاة، وتعلَّقوا برسول الله عَّه يُكلِّمونه،
فوقف معهم، ثم مضى فصلَّى الظهر ، ثم جلس في صَحْن المسجد ، فقدَّموا عطاردَ بن
حاجب فتكلّم وخطبَ، فأمرَ رسولُ الله عَ لِ ثابت بن قيس بن شَّاس فأجابهم ، ونزل
فيهم: ﴿إِنَّ الذين يُنادونك من وراء الحجرات أكثرهُم لا يعقلون﴾ [ الحجرات: ٤] فردًّ
عليهم رسولُ الله عَّلِ الأسرى والسي(٢).
وذکر ابن إسحاق ما وقع بينهما من المفاخرة ، وما وقع بین الشاعرین الزِّبْرقان بن بدر
وحسان بن ثابت من المفاخرة نظماً ، فأنشد الزِّبْرقان:
البيع (٣)
منا الملوك وفينا تنصب
نحنُ الكرام فلا حيِّ يُعادلنا
عند النُّهابِ وفضلُ العزِّ يُتَّبعُ
وكم تسرنا من الأحياء كلِّهمُ
(١) في (( ب)) زيادة : قيل : كانوا سبعين.
(٢) الطبقات الكبرى ١٦٠/٢ - ١٦١.
(٣) (( البِيَعُ)): جمع بيعة، بكسر الباء، مواضع الصلوات والعبادات.
- ٢٧٣ -

ونحنُ يُطعم عند القحط مُطعمُنًا
أما ترى الناسَ يأَتْينا سَرَاتُهم
فننحرَ الكُومَ عُبْطاً في أُرومتنا
فلا ترانا إلى حيِّ نُفاخِرِهُم
فَمِنْ يُفاخرنا في ذاك نعرفه
إِنَّا أبينا ولا يأبى لنا أحدٌ
وأُنشِد لحسان مُجيباً له :
إنَّ الذوائبَ من فهرٍ وإخوتهم
برضى بهم كلُّ من كانت سريرتُه
قومٌ إذا حاربوا ضرُّوا عَدِوَّهم
سجيةٌ تلك منهم غيرُ مُحدثةٍ
إن كان في الناس سبَّاقونَ بِعِدَهم
لا يرفعُ الناسُ ما أُوهتَ أُكِفُهم
إن سابقوا النَّاسَ يُوماً فاز سبقُهم
أعفةٌ ذُكرتْ في الوُحِي عِفْتُهم
لا يبخلون على جار بفضلهم
إذا نصبَنا لحِّ لم نَدِبَّ له
نسمو إذا الحربُ ثُالتَنَا مَخَالبُها
لا يفخرونَ إِذا نالوا عدوَّهِمُ
کأنهم في الوغی والموتُ مکتنع
من الشّواء إذا لم يُؤْنسِ القرعُ (١)
من كلٌّ أرضٍ هُوِيّاً ثم نصطنعُ(٢)
للنازلينَ إذا ما أُنزلوا شَبعوا (١)
إلا استقادُوا فكانوا الرأسَ يُقتطعُ
فيرجعُ القِومُ والأخبار تُستمعُ
إنا كذلك عند الفخر نرتفعُ
قد بيَّنوا سُنّة للناسِ تُتَبعُ
تقوى الإله ، وكلُ الخير يُصطنعُ
أو حاولوا النفع في أشياعِهم نفعُوا
إِنَّ الخلائقَ - فاعلم - شرُّها البدُ
فكلُّ سَبْقٍ لأُدنی سَبْقِهِم تبعُ
عند الدفاع، ولا يُوهون ما رَفعوا
أو وَازنوا أهلَ مجدٍ بالنَّدَى مَتعوا(١)
لا يَطبعون ، ولا يُردِهِمْ طَمَعُ
ولا يَمسُّهم من مطمعٍ طَبَعُ (٢)
كما يَدِبُّ إلى الوحشية الذَّرَعُ(١)
إذا الزعانفُ من أظفارها حَشَعوا
وإن أصيبوا فلا خُورٌ ولا مُلُعُ
أُسْدٌ بحليةَ في أرساغِها فَدَعُ(٤).
(١) انظر شرح الألفاظ في فوائد المؤلف ص ٢٧٥ .
(٢) ((هُوِيّاً)): سراعاً.
(٣) ((طَبَع)): الطبع: الدنس، وهو من باب فرح، وفي جميع النسخ والمطبوع اضطراب في البيتين،
والتصحيح من السيرة النبوية ؛ لابن هشام .
(٤) ((مكتنع)): دان، و((حلية)): مأسدة باليمن، و((الفَدَع )): اعوجاج الرسغ من اليد والرجل، وهو في
الأسود محمود ؛لأنه يدل على قوتها وتمكنها في مشیها ..
- ٢٧٤ -

شراً يُخاض عليه السُّم والسَلَعُ(١)
إذا تفاوتتِ الأهواءُ والشّيعُ
فيما أُحِبُّ لسانٌ حَائِك صَنَعُ
أهدي لهم مِدحتي قلبٌ يُؤازرُه
فإنَّهم أفضلُ الأحياء كلِّهمُ
ولا يكنْ هُمُّكَ الأَمرُ الذي منعوا
خذ منهم ما أتى عفواً إذا غضبوا
فإنّ في حرہم - فاتركْ عداو تَهم -
أُكرمْ بقومٍ رسولُ الله شِيعُتُهم
إن جدَّ بالنَّاسِ جِدُّ القولِ أَوَ شَمَعُوا (١)
فلما فرغ حسان ، قال الأقرعُ بن حابس : إنَّ هذا الرجلَ لُؤْثى له ، لخطيبُه أخطبُ من
خطيبنا ، ولشاعرُه أشعرُ من شاعرنا ، ولأصواتُهم أعلى من أصواتنا ، فلما فرغَ القومُ أسلموا ،
وجوَّزَهم رسولُ الله عَلِ فأحسنَ جوائزهم(٢) .
ذكر فوائد تتعلق بهذا الخبر
والكلام على شيء من غريب شعره
• الأقرع بن حابس لقب ، واسمه فِراس وكان في رأسه قَرَعٌ فَلُقب بذلك. ذُكر ذلك
عن ابن دريد .
• واسم عُيينة بن حِصن: حُذيفة ، وكانت عينه جَحَظت فلقب بذلك .
• والزِّبرقان : القمر ، قال الشاعر :
عليها مثلُ ضوء الزِّبرقان
تُضيء به المنابرُ حين يَرقى
والزِّبْرقان : الخفيف العارضين ، واسمه الحصين .
• وقوله : إذا لم يُؤنس القزع : يُريد إذا كان الجدب ، ولم يكن في السماء سحاب
ينقزع . والتقزع : تفرق السحاب .
• والكُوم : جمع كوماء ، وهي العظيمة السنام .
(١) انظر شرح الألفاظ في فوائد المؤلف ص ٢٧٦.
(٢) السيرة النبوية ؛ لابن هشام ٥٦٣/٢ - ٥٦٧.
- ٢٧٥ -

· والاعتباط : الموت في الحداثة . قال: من لم يمت عَبْطةً يمت هرماً.
· ومَتعوا : ارتفعوا ، متع النهار إذا ارتفع .
، والذَّرَع: ولد البقر، وجمعه ذُرعان ، وبقرة مذرع: إذا كانت ذات ذُرعان .
• والسَّلَع : شجر مرا.
• وشَمَعوا: أي ضحكوا، وفي الحديث (( مَنْ تَتَّع المشمعةَ شَمعَ الله به )) يُريد من
ضحك من الناس وأفرطَ في المزح ، وشَمعتِ الجارية والدابة شُموعاً: لعبت ، ومعناه في
البيت هزلوا ، ومنه امرأة شموع ، إذا كانت مَزَّاجة . وذكروا أن قيس بن عاصم كان يُغضُ
عمرو بن الأهتم ، وهو الذي ضرب أباه فهتم فاه (١)، فشُهرَ بالأهتم ، واسمه سِنان(٢) بن
سُمَيّ، فغضَّ منه بعضَ الغَضِّ عند رسول الله عَّ له، ومع ذلك فأعطاه رسول الله عَ ليهِ كما
أعطى القوم .
● ولما دار بين عمرو والزبرقان قال عليه الصلاة والسلام يومئذ: إن من البيان لسحراً.
وذلك أن عمراً قال في الزِّبرقان: إنه لمطاع في أدنيه ، سيِّدٌ في عشيرته. فقال الزِّبرقان: لقد
حسدني يا رسول الله لشرفي، ولقد علم أفضل مما قال. فقال عمرو: إنه لَذمِرُ (٣) المروءة،
ضَيِّقُ العَطن (٤)، القيم الخال. فُعُرف الإنكار في وجه رسول الله محمد له. فقال:
يا رسول الله! رضيتُ، فقلبُ أحسنَ ما علمت، وسخطتُ فقلت أقبحَ ما علمت ، ولقد
صدقت في الأولى وما كذبت في الثانية . ويُقال كانت أم الزِّبرقان باهلية، فذلك أراد
عمرو .
(١) « متم فاه ) : کسر ثناياه
(٢) كذا في الأصول وهو الصحيح ؛ كما أورده الحفاظ ؛ كابي عمر وابن الجوزي ، وانظر نور النبراس لوحة
٠١٠٤/٣
(٣) ((لَذَمِرُ المروءة)): القليل المروءة.
(٤) ((الْعَطَن)): مبرك الإبل، يُشير إلى بخله .
- ٢٧٦ -

سرية قطبة بن عامر بن حَديدة
إلى خعثم بناحية بيشة قريباً من تُرَبّة في صفر سنة تسع
قال ابن سعد: قالوا: بعثَ رسول الله عَ لِّ قُطْبَةَ في عشرين رجلاً إلى حي من خثعم ،
بناحية تَبَالة ، وأمره أن يشن الغارة ، فخرجوا على عشرة أبعرة يعتقبونها ، فأخذوا
رجلاً فسألوه، فاستعجم(١) عليهم ، فجعلَ يصيحُ بالحاضرة ويُحَذِّرهم ، فضربوا عنقه ، ثم
أقاموا حتى نام الحاضرُ ، فشَنُّوا عليهم الغارة ، فاقتلوا قتالاً شديداً، حتى كثرت الجرحى في
الفريقين جميعاً، وقَتل قطبةُ بن عامر من قتل ، وساقوا النَّعَم والشاء والنساء إلى المدينة ، وجاء
سيلٌ أَنّ فحال بينهم وبينه ، فما يجدون إليه سبيلاً ، وكانت سهمانهم أربعةَ أَبعرةٍ ، والبعيرُ
يُعْدَلُ بعشر من الغنم ، بعد أن أفرد الخمس(٢).
سرية الضحاك بن سُفيان الكلابي إلى بني كلاب
في شهر ربيع الأول سنة تسع
قالوا: بعثَ رسولُ الله عَ لِ جيشاً إلى القُرَطاء، عليهم الضحاك بن سفيان بن
عوف بن أبي بكر الكلابي ، ومعه الأصْيدُ بن سَلَمة بن قرط ، فلقوهم بالرُّخِ زُخ لاوة ،
فدعوهم إلى الإسلام فأبوا ، فقاتلوهم فهزموهم ، فلحق الأصْيَد أباه سلمة ، وسَلَمة على فرس
له في غدير بالزخ ، فدعا أباه إلى الإسلام وأعطاه الأمان ، فسبَّه وسبَّ دينه، فضرب الأصْيدُ
عرقوبي فرس أبيه ، فلما وقع الفرسُ على عُرقوبيه ارتكز سلمة على رمحه في الماء ، ثم استمسكَ
حتى جاءه أحدهم فقتله، ولم يقتلْه ابنه (٢).
• الزغّ : بالزاي والخاء المعجمتين(٤).
(١) ((استعجمَ)): الاستعجام: السكوت، والمقصود: امتناعه عن إجابتهم.
(٢) الطبقات الكبرى ؛ لابن سعد ٢٠٦/٢ .
(٣) الطبقات الكبرى ٢٠٧/٢ .
(٤) (( زج لاوه)) بالجيم ، قالوا: وهي موضع بضَرِيّة من ناحية نجد ، وقال في نور النبراس: إنها تصحفت على
المؤلف، ولم أر أحداً ذكرها بالخاء . نور النبراس لوحة ١٠٧/٣.
- ٢٧٧ -

سرية علقمة بن مُجَزّر المُذلجي إلى الحَشة
في شهر ربيع الآخر سنة تسع
قالوا: بلغ رسولَ الله عَ لِّ أن ناساً من الحبشة ترآهم أهلُ جُدةٍ، فبعث إليهم.
علقمةً بن مُجزِّر في ثلثمائة ، فانتهى إلى جزيرة في البحر ، وقد خاض إليهم البحرَ فهربوا منه ..
فلما رجعَ تعجّل بعضُ القوم إلى أهليهم فأذن لهم ، فتعجل عبدُ الله بن حذافة السهمي فيهم ،
فأمَّره على من تعجّل ، وكانت فيه دعابة ، فنزلوا ببعض الطريق ، وأوقدوا ناراً يصطلون عليها
ويصطنعون ، فقال : عزمت عليكم إلا تواثبتم في هذه النار . فقام بعضُ القوم فتحجّزوا حتى
ظنّ أنهم واثبون فيها ، فقال : اجلسوا إنما كنتُ أضحك معكم. فذكروا ذلك
لرسول الله عَ ◌ّه، فقال: من أمركم بمعصية فلا تُطيعوه(١).
سرية عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه
إلى الفُلْس صنمٍ طيء ، ليهدمَه في التاريخ(٢).
قالوا: بعث رسول الله بَ له عليّ بن أبي طالب في خمسين ومائة رجل من الأنصار على
مائة بعير وخمسين فرساً ، ومعه رايةٌ سوداء ولواءٌ أبيض، إلى الفُلْس ليهدمَه ، فشنوا الغارة على:
مَحلَّة آل حاتم مع الفجر . فهدموا الفُلْسَ وحرقوه ، وملوّوا أيديهم من السبي والنَّعم والشاء .
وفي السي أخت عدي بن حاتم ، وهرب عدي إلى الشام ، ووُجد في خزانة الفُلْس ثلاثة
أسيافٍ: رَسُوب، والِخْذَم، وسيفٌ يُقال له: اليماني. وثلاثة أدراع. واستعملَ
رسول الله عَ لّهِ على السبي أبا قتادة، واستعمل على الماشية، والرِّقَة (٢) عبد الله بن عتيك.
فلما نزلوا رَككَ (٤). وعزل للنبي عَّلِ صفيّاً: رَسُوباً والِخْذَم، ثم صار له بعدُ السيفُ
الآخر . وعزلَ الخمسَ ، وعزل آل حاتم ، فلم يقسمهم حتى قدم بهم المدينة .
• والفُلْس : بضم الفاء وسكون اللام .
(١) الطبقات الكبرى ٢٠٧/٢ .
(٢) ((في التاريخ)) أي في نفس تاريخ السرية السابقة، وهو شهر ربيع الآخر سنة تسع.
(٣) ((والرُّقة)): جمعها رِقات؛ كُصِفة وصِفات، وعِدَة وعِدَات، الوَرِق، وهو الفضة والدراهم.
(٤) (( ركك)): اسم موضع يقع شرقي جبل سلمى من بلاد طَيء.
- ٢٧٨ -

سریة ◌ُگاشة بن مِحْصَن
إلى الجِبَاب أرض عُذرةَ وبَلَّ، وكانت في شهر ربيع الآخر سنة تسع من الهجرة .
- ٢٧٩ -

خبرُ کعب بن زھیر مع النبي ◌ٍّ وقصيدته
وكان فيما بين رجوعه عَّ له من الطائف وغزوة تبوك
قال ابن إسحاق: ولما قدم رسولُ الله عَّ الِ من منصرفه عن الطائف، كتب بُجير بن
زهير إلى أخيه كعب يخبرَه أن رسول الله عَ لِ قتلَ رجالاً بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه، وأن
من بقي من شعراء قريش ابن الزِّبعرى وهُبيرة بن أبي وَهب قد هربوا في كل وجه ، فإن كانت
لك في نفسك حاجة فطرْ إلى رسول الله عَ له فإنه لا يقتل أحداً جاءه تائباً، وإن أنت لم
تفعل فانجُ إلى نَجَائِكَ(١)، وكان كعب قد قال :
. فهل لك فيما قلتَ - وَيَحكَ - هل لكًا؟
ألا أبلغا عني بُجِيراً رسالةً
على أيّ شيء غيرَ ذلك ذَلَّكَا ؟
فبيِّنْ لنا إن كنتَ لُتَ بفاعل
عليه ، ولا تُلفي عليه أخاً لكا
على خلقٍ لم أُلفِ أماً ولا أباً
ولا قائل إما عثرت لعاً لكا(٢)
فإن أنتَ لم تفعل فلستُ بآسف
فأنهلك المأمونُ منها وعلَّكـا (٢).
سقاكَ بها المأمون كأساً رؤِّيةً
قال: وبعث بها إلى بُجِير، فلما أتت بُجيراً كره أن يكتمَها رسولَ الله عَ لَه، فأنشده
إياها، فقال رسول الله عَ له: سقاك بها المأمون؟ صدقَ، وإنه لكذوب، وأنا المأمون . ولما
سمع: ((على خلقٍ لم أُلفِ أمّاً ولا أباً عليه)) قال: أجل لم يلف عليه أباه ولا أمه . ثم قال
بُجير لكعب :
تلومُ عليها باطلاً وهي أحزمُ
من مبلغٍ كعباً فهل لكَ في التي
فتنجو إذا كان النَّجَاء وتسلمُ
إلى الله - لا العزى ولا اللات ـــ وحده
لدى يومٍ لا ينجُو وليس بمفلتٍ
من النار إلا طاهرُ القلب مسلمٌ
ودينُ أبي سُلمى علَّ مُحرَّمُ
فدينُ زهير وهو لا شيء دينُه
(١) ((إلى نجائك)): إلى محل يُنجيك منه.
(٢) انظر شرح الألفاظ في فوائد المؤلف ص ٢٨٧ .
- ٢٨٠ -