النص المفهرس

صفحات 241-260

وفيه أنه عليه الصلاة والسلام قال له يوم الفتح : يا عثمان أن ائتني بالمفتاح فأتيته به ، فأخذه
مني ، ثم دفعه إلي ، وقال : خذوها تالدة خالدة لا ينزعها منك إلا ظالم ، يا عثمان إن
الله تعالى استأمنك على بيته ، فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف .
قال عثمان : فلما وَلَّيْتُ ناداني فرجعت إليه ، فقال: ألم يكن الذي قلتُ لك ؟ قال:
فذكرت قولَه لي بمكة قبل الهجرة : لعلك سترى هذا المفتاح يوماً بيدي أضعه حيث شئت .
فقلت : بلى أشهد أنك رسول الله(١).
وروينا عن سعيد بن المسيب أن العباس تطاول يومئذ لأخذ المفتاح في رجال من بني
هاشم ، فدفعه رسول الله عَ لّه لعثمان(٢).
ودخل النُّ عَ لَّمِ يومئذ الكعبة ومعه بلال فأمره أن يؤذِّن ، وأبو سفيان بن حرب
وعَتَّاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوسٌ بفِناء الكعبة، فقال عَثَّاب: لقد أكرم الله أُسيداً
أن لا يكون سمع هذا، فيسمعَ منه ما يَغيظه. فقال الحارث: أما والله لو أعلم أنه حق
لاتبعته . فقال أبو سفيان: لا أَقولُ شيئاً، لو تكلمت لأُخبرت عني هذه الحصباء . فخرجَ
عليهم النبيُّ عَلِّ، فقال لهم: لقد علمتُ الذي قلتم، ثم ذكر ذلك لهم، فقال الحارث
وعتاب : نشهد أنك رسولُ الله ، والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول أُخبرَك .
وروينا عن ابن إسحاق من طريق زياد البكاني ، قال : حدثني سعيد بن أبي سعيد
المقبري ، عن أبي شُريح الخزاعي ، قال: لما قدم عمرو بن الزبير مكة لقتال أخيه عبد الله بن
الزبير جئته ، فقلت له: يا هذا إنا كنا مع رسول الله عَ لم حين افتتح مكة ، فلما كان الغدُ
من يوم الفتح عَدَتْ خُزاعة على رجل من هذيل فقتلوه وهو مشرك ، فقام رسولُ اللهِ مَّلآِ فينا
خطيباً ، فقال: يا أيُّها الناس إن الله تعالى حرَّمَ مكة يوم خلق السماوات والأرض فهي حرام
من حرام إلى يوم القيامة ، فلايحلُّ لامرىء يُؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفِك فيها دماً ،
ولا يعَضِد فيها شجراً . الحديث . وفيه: فقال عمرو لأبي شُريح: انصرف أيها الشيخ فنحن
أعلم بحرمتها منكم، إنها لا تمنعُ سافكَ دم ، ولا خالعَ طاعة ، ولا مانعَ جزية ..
الحديث(٣).
(١) الطبقات الكبرى ، وهذا الخبر ليس في شيء من الكتب الستة .
(٢) الخبر عن سعيد بن المسيب مرسل ، وليس في شيء من الكتب الستة ، وانظر نور النبراس ٢ ١٩٤/٣.
(٣) السيرة النبوية ؛ لابن هشام ٤١٥/٢ - ٤١٦.
- ٢٤١ -

قلت : الذي وقع في الصحيح(١) أن هذا الخبر لعمرو بن سعيد بن العاص مع أبي شريح
لا لعمرو بن الزبير وهو الصواب. والوَهَم فيه عن من دون ابن إسحاق . وقد رواه يُونس بن
بکیر عنه على الصواب .
وحين افتتح رسول الله عَ لله مكة وقف على الصفا يدعو وقد أحدقت به الأنصار،
فقالوا فيما بينهم: أترون أنَّ رسول الله عَ ليه إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها؟ فلما فرغٌ
من دعائه ، قال : ماذا قلتم ؟ قالوا : لا شيء يا رسول الله . فلم يزل بهم حتى أخبروه ، فقال
رسولُ الله ◌َ ◌ّةِ: معاذ الله المحيا محياكم والممات مماتكم. ذكره ابن هشام، وذكر أن
فَضَالة بن عمير بن المُلَوَّح أراد قتلَ النبي ◌َ ◌ّه وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه ،
قال رسول الله عَ الله أفضالة؟ قال: نعم ، فضالة يا رسول الله. قال: ماذا كنتَ تُحدِّث به
نفسك؟ قال: لا شيء، كنت أذكر الله. فضحكَ النِّ عَّ ◌ُلِ، ثم قال: استغفرِ اللهِ ، ثم
وضع يده على صدره فسكنَّ قلبُه . فکان فضالة يقول : والله ما رفع يده عن صدري حتى
ما خلق الله شيئاً أحبَّ إليَّ منه . قال فضالة: فرجعتُ إلى أهلي قمررتُ بامرأة كنت أتحدث
إليها ، فقالت : هَلُّمَّ إلى الحديث . فقلت : لا ، وانبعث فَضالة يقول :
يأبى عليكِ الله والإسلام
قالت هَلُمَّ إلى الحديثِ فقلت لا
بالفتح يوم تُكسَّرُ الأصنامُ
لو ما رأيتٍ محمداً وقبيلَه
والشركُ يغشى وجهَه الإظلامُ
لرأيتِ دينَ الله أُضحِى بَيِّناً
وفر يومئذ صفوان بن أمية فاستأمنَ له عُميرُ بن وهب الجمحي رسولُ الله ◌ِّ ◌َه، فَأُمَّنه
وأعطاه ◌ِمامته التي دخل بها مكة ، فلحقه عُمير وهو يُريد أن يركبَ البحر ، فردَّه، فقال:
يا رسول الله اجعلني بالخيار شهرين . فقال : أنت بالخيار أربعة أشهر .
وكانت أمُّ حكيم بنت الحارث بن هشام تحت عِكرمة بن أبي جهل ، فأسلمت
واستأمنتْ له رسولَ الله عَ لّه، فأمَّنه، فلحقته باليمن، فردَّته، وأقرَّهما رسولُ الله ◌َ له هو
وصفوان على نكاحهما الأول .
(١) رواه البخاري في العلم والحج والمغازي (باب منزل النبي عليه يوم الفتح رقم /٤٢٩٥/ ومسلم في الحج
( باب تحريم مكة .. ) رقم١ /١٣٥٤/، والترمذي في الحج ( باب ما جاء في حرمة مكة) رقم /٨٠٩٪
والنسائي في المناسك ( باب تحريم القتال في الحرم) ٢٠٥/٥ - ٢٠٦.
- ٢٤٢ -

قال ابن سعد: ثم بعث رسولُ اللهِ عَ لِ تميم بن أسد الخزاعي فجدَّد أنصابَ(١) الحرم،
وحانت الظهر فأذَّن بلال فوق ظهر الكعبة، وقال رسول الله مَ له : لا تُغزى قريش بعد هذا
اليوم إلى يوم القيامة- يعني على الكفر _ ووقف رسول الله عَّ له بالحَزْوَرَة(٢)، فقال: إنك
لخيرُ أرض الله ، وأحبُّ أرض الله إليَّ، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت ، وبثّ
رسولُ الله عَ الِ السرايا إلى الأصنام التي حول مكة فكسرها ، منها العُزَّى ومَناة وسُواع وبُوانة
وذو الكفّين ، فنادى مناديه بمكة : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدعُ في بيته صنماً إلا
كسره(٣) .
#
(١) (( أنصاب الحرم)): حدوده .
(٢) ((الحزورة)): سوق مكة آنذاك، ومن معانيها: الرابية الصغيرة . قال في نور النبراس: وقد دخلت الحزورة
في المسجد لما زيد فيه . لوحة ٢/ب ١٩٦.
(٣) الطبقات الكبرى ١٣٧/٢.
- ٢٤٣ -

--
ومما قيل من الشعر يوم الفتح
قول حسان بن ثابت
إلى عذراءَ منزلُها خَلاءِ(١)
عفتْ ذاتُ الأصابع فالجواءُ
تُعَفيِّها الروامسُ والسَّمَاءِ(١)
خِلالَ مُروجها نَعَمٌ وشَاءُ
يُؤْرِّقني إذا هب العشاء
فليس لقلبهِ منها شِفَأُ(١).
يكونُ مزاجَها عسلٌ ومَاء (٢)
فهنَّ لطيِّب الرَّاحِ الفداءُ(٣)
إذا ما كان مَعْثٌ أَوْ لِحَاءُ (٤)
وأُسْدَاً لا يُنُهْنِهُنّا اللقاءُ
تُثير النَّفْعَ مَوْعِدُها كَدَأُ(٥)
على أكتافها الأسَلُ الظَّمَاء (٦)
تُلَطمهن بالحُمرِ النساء(٧)
فكان الفتحُ وانكشفَ الغِطاء
يُعين الله فيه مَنْ يشاء
ديار من بني الحَسْحَاسِ قفرٌ
وكانت لا يزالُ بها أنيسٌ
فدعْ هذا، ولكنْ مَنْ لِطَيِفٍ
الشعثاءَ التي قد تَيَّمتْه
كَأَنَّ خبيئةً من بيتٍ رأسٍ
إذا ما الأُشرباتُ ذُكرنَ يوماً
نُوليها الملامة إن ألمنا
ونشربُها فتتركنا ملوكاً
عدمًا خيلنا إنْ لم تَرْهًا
يُنازعنَ الأُعِنَّة مُصغياتٍ
تَظَلُّ جِيادُنا مُتَمِطُّراتٍ
فإما تُعرضوا عِنَّا اعتَمَرْنَا
وإلا فاصبروا لجِلاَدِ يومٍ
(١) سيأتي شرح الغريب في فوائد المؤلف ص ٢٤٦ .
(٢) ((خبيئة)) كذا في الأصل، وفي (د)»: سبيئة: وهما بمعنى: الخمرة مصونة أو منقولة . وبيت رأس: موضع
بالأردن مشهور بالخمر .
(٣) ((الأشربات)): جمع أشربة ، فهي جمع الجمع .
(٤) (( أُمَا)): يُقال: أُلامَ الرجلُ، إذا فعل ما يستحق عليه اللوم ، فهو مُليم.
(٥) (( گداء)) : موضع بأعلى مجة .
(٦) ((مُصْغيات)): مائلات منحرفات الطعن، والأسّل: الرماح.
(٧) ((متمطرات)): مسرعات. و((الخمر)): جمع خِمار، وهو ما تُغطي المرأة به رأسها ووجهها.
- ٢٤٤ -

ورُوحُ القُدس ليس له ◌ِفَاء
وجبريلٌ رسولُ الله فينا
وقال الله قد أرسلتُ عبداً
شهدتُ به فَقُوموا صَدِّقوه
وقالَ الله قد يَسَّرْتُ جُنداً
لنا في كلِّ يومٍ مِن مَعَدّ
فنحكمُ بالقوافي مَنْ مجانا
ألا أبلغ أبا سفيان عني
بأن سيوفنا تركتْكَ عبداً
هجوتَ محمداً فأجبتُ عنه
أتهجوه ولست له بكفء
هجوتَ مُباركاً بَرَّاً حَنيفاً
فمن يهجو رسولَ الله منكم
فإن أبي ووالده وعِرضي
لساني صارمٌ لا عيبَ فيه
يقول الحقَّ إن يَقعِ البلاء
فقَالوا لا نقومُ ولا نشاء
هم الأنصار عُرْضَتُها اللقاء(١)
سِبابٌ أو قتالٌ أو هِجاء
ونضربُ حين تختلطُ الدماء
مغلغةً فقد بَرِحَ الخَفَاءِ(٢)
وعبدُ الدار سادتُها الإماء
وعند الله في ذاك الجزاء
فشرٌّ كا لخيركُما الفِدَاء
أمينَ الله شيمتُه الوَفاء
ويمدخُه وينصرُه سواء
لِعرض محمدٍ منكم وِقاء
وبحري لا تُكَدِّرهُ الدِّلاءِ
وقال أنس بن زُنيم يعتذر إلى رسول الله عَ لَه مما قال فيهم عمرو بن سالم من أبيات:
أبرٌّ وأوفى ذمةٌ من محمدٍ
وما حملتْ من ناقةٍ فوق رحْلِها
أُحَثٌ على خير وأسبغَ نائلاً
وأكسى لبُردِ الخالِ قبلَ ابتذاله
إذا راح كالسيف الصقيل المهنّدِ
وأعطى لرأسِ السَّابق المتجرِّد(٣)
وأن وعيداً منكَ كالأخذ بالیدِ
تَعَلَّمْ رسولَ الله أَنَّكَ مُدركي
على كل صِرْمٍ ، مُتهمين ومُنجد (٤)
تعلَّمْ رسولَ الله أنك قادرٌ
(١) ((عُرْضتها اللقاء)): عادتها أن تتعرض له ، فهي قوية عليه.
(٢) أبا سفيان: هو المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب، وهو ابن عم التي عَ ليه، وكان هجا الني مَني قبل أن
يُسلّمَ. ((مغلغلة)): رسالة تُرسل من بلد إلى آخر .
(٣) ((السابق المتجرد)): الفرس السابق.
(٤) ((صيرْم ): بيوت مجتمعة.
- ٢٤٥ -

هم الكاذبون المخلفو كلِّ موعدٍ
تعلَّمْ بأنَّ الركبَ ركَبُ عُويمر
فلا حملتْ سوطي إليَّ إِذاً يدي
ونَبَّوْا رسولَ الله أني هجوتُه
ذكر فوائد تتعلق بخبر الفتح
سوى ما تقدم
الوتير : ماء لخزاعة، وهي في كلام العرب: الورد الأبيض . والعَنَان : السحاب .
وقوله « قد كنتُم ◌ُلْداً وكُنَّا والداً * يريد أن بني عبد مناف أُمُّهم من ◌ُزاعة ،
وكذلك قصيّ أُمّه فاطمة بنت سعد الخزاعية . والوُلْد : الولد .
• وقوله ((ثمت أسلمتًا)): من السِّلم؛ لأنهم لم يكونوا آمنوا بعد. وفيه * هم قتلونا
ركّعاً وسّجداً * يدل على أن فيهم من كان أسلم وصلَّى . قاله السهيلي .
• وحاطب بن أبي بلتعة مولى عُبيد الله بن حُميد بن زهير بن أسد بن عبد العزى ،
واسم أبي بلتعة عمرو . من ولده زياد بن عبد الرحمن شبطون . روى الموطأ عن مالك،
أندلسي ، ولي قضاء طليطلة . قال السهيلي: وقد قيل إنه كان في الكتاب الذي كتبه
حاطب بن أبي بلتعة: إن رسول الله عَ لِ قد توجَّه إليكم بجيش كالليل، يسيرُ كالسيل،
وأقسم بالله لو صار إليكم وحدَه لنصره الله عليكم ، فإنه منجزّ له ما وعده . قيل : وفي الخبر
دليل على قتل الجاسوس ، لتعليقه عليه الصلاة والسلام المنع من قتله بشهوده بدراً .:
، وحمشتهم الحرب: يقال حمشتُ الرجلَ إذا أغضبتُه، ويُقال حمشتُ النَّارَ : إذا
أوقدتها ، ويُقال : حمست بالسین .
• وأبو سفيان بن الحارث: كان رضيعَ رسول الله سَ لِ أرضعتهما حليمة، وكان آلفَ
الناس له قبل النبوة ، ثم كان أبعدهم عنه بعد ذلك، ثم أسلم يوم الفتح وحَسُن إسلامُه، ولم
يُنقم عليه شيء بعد ذلك ، وهو الذي أشار إليه حسان بقوله :
ألا أبلغ أبا سفيان عني مُغلغلةً فقد بَرحَ الخَفَاءُ
فإنه هو الذي كان يهجو رسولَ الله قبل إسلامه .
• والحَميت: الزِّقُ. والأحمس: الشديد، والأحمس الذي لا خير عنده .
- ٢٤٦ -

● ودخل عليه الصلاة والسلام مكة من ثنية كَداء ــ بفتح الكاف والمد - من
أعلاها ، حيث وقف إبراهيم عليه السلام ، فدعا لذريته وهو قوله تعالى: ﴿فاجعلْ أفئدةٌ من
النَّاسِ تَهوي إليهم﴾ [ إبراهيم: ٣٧ ] فاستجيب له تبركاً بذلك.
· والصّيْلم الصلعاء : الداهية .
• وخُنيس بن خالد: كذا هو عند ابن إسحاق، وقد قُيِّد بالحاء المهملة المضمومة
والباء الموحدة مفتوحةً والشين المعجمة .
· والنهيت : صوت الصدر ، وأكثر ما يوصف به الأسد .
• وابن خَطَل : اسمه عبد الله ، وقيل : هلال ، وقيل بل هلال أخوه ، وكان يقال لهما
الخَطَلان من بني تيم بن غالب .
· وصلاته عليه الصلاة والسلام في بيت أم هانىء ، قال السهيلي: هي صلاة الفتح
تُعرف بذلك ، وكان الأمراء إذا افتتحوا بلداً يُصلُّونها ، وحكي عن الطبري قال : صلاّها
سعدُ بن أبي وٍقَّاص حين افتتح المدائن، ودخل إيوانَ كسرى ، ثمان ركعات ، لا يفَصلُ
بينها ، ولا تُصلَّى بإمام ، ولا يُجهر فيها بالقراءة.
· وذات الأصابع والجِوَاء : منزلان بالشام .
وعذراء : قرية بقرب دمشق معروفة .
• وبنو الحَسْحَاس : من بني أسد .
• والروامس : الرياح . والسماء : يعني المطر.
• وشعثاء : بنت سَلام بن مِشكم اليهودي .
• وخبر (كأن خبيئة): محذوف، تقديره كأنَّ في فيها خبيئةً، نحو قوله: إنّ محلاً وإِنَّ
مرتحلاً ، أي : إنَّ لنا محلاً .
• وألمنا: أتينا بما يُلام فاعُله، أي نصرُفُ اللومَ إلى الخمر، ونعتذرُ بالسُّكر .
· والمغث: الضرب باليد. واللّحاء: الملاحاة باللسان.
- ٢٤٧ -

• وشرّ كما لخيرٍ كُما الفِداء : أنصفُ بيت قالته العرب ، وهو من باب قوله عليه الصلاة
والسلام: ((شُّ صفوفٍ الرِّجال آخرُها» يُريد نقصان حظهم عن حظ الصف الأول . قال
سيبويه : ولا يجوز أن يُريد التفضيل في الشر. حكاه أبو القاسم السهيلي.
، قال ابن إسحاق: وبلغني عن الزهري: أنه لما رأى رسولُ الله عََّلِ النساءَ يُلْطَّمْنَ
الخيلَ بالخُمُر تبسَّمَ إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه .
• ونُحكم بالقوافي: أي نردُّ، من حكمة (١) الدابة .
• وفي شعر أنس بن زُنيم: ((وأعطي لبُردِ الخالِ)) الخال: من بُرود اليمن، وهو من
رفيع الثياب .
(١) ((حَكْمة الدابة)): لحامها، وبه تُرد وتُمنع. وسمي الحاكم حاكماً؛ لأنه يردُّ الناس عن التعدِّي، ويمنعهم عن
الفساد .
- ٢٤٨ -

سرية خالد بن الوليد
قال ابن سعد : ثم سرية خالد بن الوليد إلى العزى ، لخمس ليالٍ بقين من شهر رمضان
سنة ثمان ، ليهدمَها ، فخرجَ في ثلاثين فارساً من أصحابه حتى انتهوا إليها ، فهدمَها ، ثم رجع
إلى رسول الله عَّلِ فأخبرَه . فقال: هل رأيتَ شيئاً؟ قال: لا . قال : فإنك لم تهدمْها،
فارجع إليها فاهدمْها، فرجع خالد وهو متغيظ ، فجرَّد سيفَه فخرجتْ إليه امرأةٌ عُريانة
سوداء ثائرةُ الرأس ، فجعلَ السادنُ يصيحُ بها ، فضربَها خالد فجزَلَها (١) باثنتين، ورجَع إلى
رسول الله عَ لِ فأخبرَه. فقال: نعم، تلك العزى، وقد أيستْ أن تُعبد ببلاد كم أبداً ،
وكانت بنخلة(٢) ، وكانت لقريش وجميع بني كنانة وكانت أعظمَ أصنامهم ، وكان سدنتُها
بنو شيبان من بني سُليم (٣) .
سرية عمرو بن العاص إلى شواع
ثم سرية عمرو بن العاص إلى سُواع في شهر رمضان سنة ثمان ، وهو صنم لهذيل ليهدمه .
قال عمرو : فانتهيتُ إليه وعنده السادن ، فقال: ما تريد ؟ فقلت : أمرني
رسولُ اللهِ عَّلِ أن أهدمَه . قال: لا تقدرُ على ذلك. قلتُ: لم ؟ قال: تُمنع. قلت :
حتى الآن وأنت على الباطل ويحكَ وهل يسمع أو يُبصر. قال: فدنوتُ منه فكسرتُه ، وأمرتُ
أصحابي فهدموا بيت خِزانته ، فلم يجدوا فيها شيئاً ، ثم قلت للسادن : كيف رأيت ؟ قال
أسلمت لله تعالى(٤).
سرية سعد بن زيد الأشْهَلي إلى مَناة
ثم سرية سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة في شهر رمضان سنة ثمان، وكانت بالُشَلَّل(٥)،
(١) ((فَجَزَ لّها باثنين)): الباء زائدة، وجزلَه بالسيف يَجْزِله: قطعه جِزْلتين؛ أي قطعتين.
(٢) ((نخلة)): موضع بين مكة والطائف.
(٣) الطبقات الكبرى ١٤٥/٢ - ١٤٦.
(٤) الطبقات الكبرى ١٤٦/٢ .
(٥) ((الْمُشَلِّل)): من ناحية البحر، وهو الجيل الذي يُهبط منه إلى قديد .
- ٢٤٩ -

للأوس والخزرج وغسان .
فخرج في عشرين فارساً حتى انتهى إليها وعليها سادن ، فقال السادن : ما تُريد ؟ قال :
هَدم مناة . قال : أنت وذاكٍ . فأقبل سعد يمشي إليها ، وتخرج إليه امرأة سوداء مُريانة ثائرة
الرأس ، تدعو بالويل ، وتضرب صدرَها ، فقال السادن : مناةُ دونَكِ بعضَ عُصَاتِكِ:
ويضربُها سعدُ بن زيد فيقتلُها ، ويُقبل(١) إلى الصنم معه أصحابه فهدموه ، ولم يجدوا في:
خزانتها شيئاً، وانصرف راجعاً إلى رسول الله عَ لَه لستُّ بقين من شهر رمضان.
سرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة من كنانة
ثم سرية خالد بن الوليد إلى بني جَذِيْمةً من كنانة ، وكانوا بأسفل مكة على ليلة بناحية
يَلَمْلَم في شوال سنة ثمان وهو يوم الغُمَيْصَاءَ.
وهي عند ابن إسحاق قبل سريته لهدم العزى . وسياق ما أذكره لابن سعد : قال : .
قالوا: لما رجع خالد بن الوليد من هدم العزى، ورسول الله عَ ه مقيم بمكة ، بعثه إلى بني
جَذيمة داعياً إلى الإِسلام، ولم يبعثه مُقاتلاً، فخرج في ثلاثمائة وخمسين رجلاً من المهاجرين
والأنصار ويني سُليم ، فانتهى إليهم. قال: ما أنتم ؟ قالوا : مسلمون ، قد صلَّينا وصدَّقنا
بمحمد وبنينا المساجد في ساحاتنا وأذنًا فيها ، قال: فما بال السلاح علیکم ؟ قالوا : إن بيننا
وبين قوم من العرب عداوة ، فخِفنا أن تكونوا هم فأخذنا السلاح . قال : فضعوا السِّلاحَ .
فوضعوه . فقال لهم: استأسروا، فاستأسر القومُ، فأمر بعضَهم فكتَّف بعضاً، وفرَّقهم في
أصحابه، فلما كان في السَّحْرِ نادى منادي خالد: مَنْ كان معه أسيرٌ فَلْيُذَلِفْه(٢) ، والمُذَافَّة :
الإجهاز عليه بالسيف . فأما بنو سُليم فقتلوا من كان في أيديهم. وأما المهاجرون والأنصار
فأرسلوا أساراهم. فبلغ النبيّ ◌َ ◌ّمِ ما صنع خالد. فقال: (( اللهم إني أبرأً إليك مما صنعَ
خالد)). وبعثَ عليّ بن أبي طالب فودى لهم قتلاهم وما ذهبَ منهم، ثم انصرف إلى
رسول الله عَ لّه فأخبره(٣).
(١) كذا في الطبقات الكبرى؛ لابن سعد، وفي الأصول: ((.فأقبل)).
(٢) ((فليُدافّه)): تروى بالدال المهملة وبالذال المعجمة، والمعنى واحد.
(٣) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ١٤٧/٢.
- ٢٥٠ -

وعند ابن إسحاق في هذا الخبر أن خالداً قال لهم ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا ،
فلما وضعوه ، أمر بهم عند ذلك فكُتِّفوا ، ثم عرضهم على السيف ، وقد كان بين خالد
وعبد الرحمن بن عوف كلام في ذلك ، فقال له عبد الرحمن : عملت بأمر الجاهلية في
الإِسلام . فقال: إنما ثأرتُ بأبيك. فقال عبد الرحمن: كذبت . قد قتلتُ قاتلَ أَبي ، وإنما
ثأرت بعمِّك الفاكه بن المغيرة، حتى كان بينهما شرّ، فبلغ ذلك النبَّ عَ ◌ّله، فقال: مهلاً
يا خالد، دع عنك أصحابي ، فوالله لو كان لك أُحُدٌ ذهباً، ثم أنفقته في سبيل الله
ما أدركتَ عَدْوةَ رجل منهم ولا روحته .
وكان بنو جَذيمة قتلوا الفاكه بن المغيرة وعوفَ بن عبد عوف قبل ذلك ، وقتلَ
عبدُ الرحمن خالد بن هشام قاتل أبيه منهم .
قال ابن إسحاق : وحدثني يعقوب بن عُتبة بن المغيرة بن الأخنس ، عن الزهري ، عن
ابن أبي حدرد الأسلمي ، قال : كنت يومئذ في خيل خالد بن الوليد ، فقال لي فتى من بني
جَذيمة هو في سني ، وقد جُمعت يداه إلى عنقه بِرمَّة (١) ، ونسوة مجتمعات غير بعيد منه :
يا فتى! قلت : ما تشاء؟ قال : هل أنت آخذ بهذه الرُّمة فقائدي إلى هؤلاء النسوة حتى
أقضي إليهن حاجة ، ثم تردَّني بعد فتصنعوا بي ما بدا لكم ؟ قال: قلت والله ليسير
ما طلبت ، فأخذته برُمّته فقدته بها، حتى وقفته عليهن ، فقال: اسلمي حُبيش على نفد(٢)
العيش :
بِحَلْيَةَ أو ألفيتُكم بالخوانقِ (٣)
أُرِيتُكِ إذ طالبتُكم فوجدتُكم
تَكلَّفَ إِلاَجَ السُّرى والوَدائقِ
ألم أكُ أهلاً أن يُنَوَّلَ عاشقٌ
أثسي بودٌّ قبل إحدى الصَّفائقِ (٤)
فلا ذنبَ لي قد قلتُ إذ أهلُنا معاً
وينأى الأميرُ بالحبيب المُفارقِ(٥) (٦)
أثيي بودٌّ قبل أن يشحطَ النوى
(١) (بُرُمّة)): الرُّمَّة : قطعة من الحيل.
(٢) سيأتي شرحها في فوائد المؤلف ص ٢٥٢ .
(٣) سيأتي الشرح للغريب في فوائد المؤلف ص ٢٥٢ .
(٤) (( أثيي)): أنعمي، و((الصفائق)): جمع صفيقة، وهي الخطوب والحوادث.
(٥) (( يشحط)): بعد.
(٦) السيرة النبوية؛ لابن هشام، ٤٣١/٢ - ٤٣٤.
- ٢٥١ -

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد المؤمن الصُّوري بقراءتي عليه بظاهر دمشق ، قلت :
أخبركم الشيخان أبو الفخر أسعد بن سعيد بن روح وأم حبيبة عائشة بنت مَعمر بن الفاخر
في كتابهما إليكَ من أصبهان؟ فأقرَّ به ، قالا: أخبرتنا أم إبراهيم فاطمة بنت عبد الله
الجُوزدانية ، قالت: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن ريذة ، أخبرنا أبو القاسم الطبراني،
حدثنا أحمد بن شعیب ؛ أبو عبد الرحمن النسائي ، حدثنا محمد بن حرب المروزي ، حدثنا
علي بن الحسين بن واقد ، عن أبيه ، عن يزيد النَّحْوي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ؛ أن
النِّ عَ لِ بعثَ سرية فغنموا، وفيهم رجل، فقال لهم: إني لستُ منهم، عشقتُ امرأة،
فلحقتُها ، فدعوني أنظرْ إليها ، ثم اصنعوا بي ما بدا لكم ، فإذا امرأة طويلة أدماء ، فقال لها:
اسلمي حُبيش قبل نفاد العيش:
أَرَيْتُكِ(١) لو تابعتُكُمْ فلحقتُكم
بَحِلْيَةَ أو أدركتُكم بالجَوانق
تكلُّف إدلاجَ الُّرى والودَائق
أما كان حقاً أن يُنَوَّلَ عاشقٌ
قالت : نعم فديتُك. قَال فقدَّموه فضَربوا عنقَه. فجاءت المرأة فوقعت عليه فشهَقت
شهقةً أو شهقتين ثم ماتت. فلما قدموا على رسول الله عَ ل أخبروه الخبرَ ، فقال
رسول الله عَ لِ: ((أما كان فيكم رجلٌ رحيم))(٢).
الغميصاء : ماء لبني جَذيمة .
والنفد : مصدر نفدّ الشيءُ ؛ إذا فني .
• وحُبيش : مرّم من حُبيشة .
• وحَلْيَة والخوانق : موضعان ..
● والودائق : جمع وديقة ، وهي شدة الحر .
(١) في الأصول ((أرأيت لوتبعتكم .. )) والوزن يقتضي ما أثبتناه .
(٢) رواه النسائي ومنه ذكره السهيلي ، وأخرجه المؤلف من المعجم الأوسط للطبراني ؛ لأنه وقع له من المعجم أعلى
برجل ، لكن في طريقه إجازة، والله أعلم . نور النبراس لوحة ٨٣/٣ .
- ٢٥٢ -

غزوة حُنين
وهي غزوة هوازن .
قال ابن إسحاق: ولما سمعتْ هوازن برسول الله عَ لّله، وما فتح الله عليه من مكة جمعها
مالكُ بن عوف النَّصْري ، فاجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلُّها ،
وسعد بن بكر وناس من بني هلال وهم قليل، ولم يشهدها من قيس عَيْلان إلا هؤلاء ،
غابت عنها فلم يحضرْها من هوازن كعب ولا كلاب ، ولم يشهدها منهم أحد له اسم ، وفي
جشم دُريد بن الصِّمّة ، شيخٌ كبير ليس فيه شيء إلا التيمُّنُ برأيه ومعرفته بالحرب ، وكان
شجاعاً مُحْرِباً(١) ، وفي ثقيف سيدان لهم، وفي الأحلاف قَارِب بن الأسود بن مُعَثِّب ، وفي
بني مالك ذو الخمار سُبيع بن الحارث بن مالك ، وأخوه أحمر بن الحارث . وجماع أمر الناس
إلى مالك بن عوف النَّصْري، فلما أجمعَ السيرَ إلى رسول الله عَ لِ حَطَّ مع الناس أموالهم
ونساءهم وأبناءهم ، فلما نزل بأوطاس اجتمع إليه الناس وفيهم دريد بن الصمَّة ، فلما نزل
قال : بأي واد أنتم ؟ قالوا بأوطاس. قال: نعمَ محلُّ(٢) الخيل، لا حَزْنْ ضِرْسٌ (٣) ولا سهلٌ
دَهْسُ(٤)، ما لي أسمع رُغاء البعير ونُهاق الحمير وبُكاء الصغير ويُعار الشاء؟ قالوا: ساق
مالك بن عوف النَّصْي مع الناس أموالَهم ونساءهم وأبناءهم . قال : أين مالِك ؟ قيل : هذا
مالِك . ودُعي له . فقال : يا مالِك! إنك قد أصبحتَ رئيسَ قومك ، وإن هذا يوم كائن له
ما بعده من الأيام ، ما لي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصغير ويُعار الشاء ؟ قال :
سقت مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم . قال : ولم ؟ قال : أردتُ أن أُجعلَ خلف كل
رجل أهله وماله ، ليقاتل عنهم . قال: فأنقضَ(٥) به، ثم قال: راعي ضأن والله . وهل يردُ
(١) (( مُحرباً)): اسم فاعل من قولهم: أحربَ الرجل: إذا كان صاحبَ حروب.
(٢) في السيرة النبوية، وفي زاد المعاد: (( نعم مجال الخيل)).
(٣) ((حزنٌّ ضِرسٌ)): مرتفع من الأرض ذو حجارة حادة .
(٤) ((سهل دهسٌ)): لين كثير التراب .
(٥) ((فأنقضَ به)): من الإنقاض؛ وهو الزجر. وسيأتي شرحها في فوائد المؤلف ص ٢٦٧ .
- ٢٥٣ -

المنهزمَ شيء، إنها إن كانت لك لم ينفعْك إلا رجل بسيفه ورمحه ، وإن كانت عليك فضحت
في أهلك ومالك . ثم قال : ما فعلتْ كعب وكلاب؟ قالوا: لم يشهدْها منهم أحد ، قال:
غاب الحَدُّ والجَدُّ(١)، لو كان يوم عَلاء ورفعةٍ لم يغبْ عنه كعب وكلاب، ولوددت أنكم
فعلتم كما فعلتْ كعبٌ وكلاب . فمن شهدها منكم ؟ قالو : عمرو بن عامر، وعوف بن
عامر. قال : ذانك الجَذَعَان(٢) من عامر، لا ينفعان ولا يضران . يا مالك إنك لم تصنع
بتقديم البيضة (٣) بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئاً ، ارفعهم إلى مُتمتَّع بلادهم وتُليا قومهم ،
ثم ألقِ الصُّبَّى(٤) على متون الخيل، وإن كانت لك لحق بك من وراءك ، وإن كانت عليك
ألقاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالكَ ، قال : والله لا أفعل ، إنك قدِ كَبِرت وكَبُر عقلُك.
والله لتُطيعُنَّني يا معشرَ هوزان ، أو لأتكئنَّ على هذا السيف حتى يخرجَ من ظهري ، وكره أن
يكون لدُريد فيها ذكرٌ أو رأي. قالوا: أطعناك. فقال دُريد بن الصِّمّة: هذا يومٌ لم أَشهدْه
ولم يفتني :
ياليتني فيها جَذْعْ
ـهـا وأضعْ(٥)
أخبُّ فيبـ
أقود وطفاءَ الزمعْ(٦).
ـا شاةٌ صَدَعْ(٧)
كأنهـ
ء
(١) ((الحَدُّ والَجَدُّ)): الحَدُّ: الحدّة والشجاعة، والجدُّ بكسر الجيم، ضد الهزل، وبالفتح: الخَظَّ.
(٢) ((الجَذَعان)): تثنية الجذع؛ من الضأن، يُشير إلى ضعف خبرتهما بالحرب .
(٣) (( البيضة)) : الجماعة.
(٤) (( الصُّبَّى)): بالقصر، كما في جميع النسخ ، جمع صَابٍّ، كغازٍ وغزى ، اسم فاعل من قولهم : صَبَا يَصبو .
والمقصود : الذين يشتهون من قومه ويميلون إليها ، ويُحبون التقدم فيها والبراز
1
قال في النهاية : وقيل : إنما هوِ صُبَّاء ، جمع صابىء بالهمز . كشاهد وشهَّاد.
(٥) (أخبُّ)): من الخيب، وهو ضرب من السير ذو خطو فسيح. و((أضع)): من الوَضَع: وهو ضرب من:
السير أسرع من الخبب .
(٦) ((وطفاء الزمع)): الزمع: الشعر الذي يكون فوق مربط قيد الدابة ، والوطف: طول الشعر وطول الزمع :
!
محمودٌ في الخيل .
(٧) ((شاةُ صَدَع)): المقصود بالشاة هنا: الوَعْل، وهو تيس الجبل المعروف ، والصَّدع: المتوسط الحجم منه.
- ٢٥٤ _

ثم قال مالك للناس : إذا رأيتموهم فاكسروا جُفون(١) سيوفكم، ثم شُدّوا شَدَّة رجل
واحد . وبعث عُيوناً من رجاله فأتوه وقد تفرقت(٢) أوصالُهم. قال : ويلَكم ما شأنكم؟
قالوا : رأينا رجالاً بيضاً على خيل بلق ، والله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى ، فوالله ما رده ذلك
عن وجهه أن مضى على ما يُريد .
ولما سمع بهم نُّ الله عَّ له بعث إليهم عبدَ الله بن أبي حدرد الأسلمي، وأمره أن يدخلَ
في الناس ، فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم ، ثم يأتيه بخبرهم . فانطلق ابنُ أبي حدرد ، فدخل
فيهم، حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا له من حرب رسول الله عزّه . وسمع من مالك ، وأمرٍ
هوازن ما هم عليه، ثم أقبل حتى أتى رسولَ الله عَ لَّهِ فأخبرَه الخبر. فلما أجمع
رسولُ الله عَّلِ السير إلى هوازن ذُكر له أن عند صفوان بن أمية أدراعاً وسلاحاً ، فأرسل إليه
وهو يومئذ مشرك، فقال: يا أبا أمية أعرنا سلاحَك هذا نلقَ فيه عدوّنا غداً. فقال
صفوان : أغصباً يا محمد ؟ قال : بل عارية ، وهي مضمونةٌ حتى نؤديَها إليك . قال : ليس
بهذا بأس. فأعطاه مائة درعٍ بما يكفيها من السلاح. فزعموا أن رسول الله عَ ل سأله أن
يكفيَهم حملَها، ففعل. ثم خرجَ رسول الله عَ لِ معه ألفان من أهل مكة ، مع عشرة آلاف
من أصحابه الذين خرجوا معه ، ففتح الله بهم مكة ، فكانوا اثني عشر ألفاً ، واستعملَ
عَتَّابَ بن أَسيد على مكة أميراً ، ثم مضى يُريد لقاء هوازن(٣) .
قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، عن عبد الرحمن بن جابر ، عن
أبيه جابر بن عبد الله ، قال : لما استقبلنا وادي حُنين انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوفَ
خطوط (٤)، إنما تنحدر فيه انحداراً . قال: وفي عَماية الصبح ، وكان القوم قد سبقونا إلى
الوادي ، فكمنوا لنا في شعابه وأحنائه ومضايقه ، وقد أجمعوا وتهيؤوا وأعدوا ، فوالله ما راعنا
ونحن مُنحطُّون إلا الكتائبُ قد شَدُّوا علينا شدة رجل واحد ، وانشمرَ الناسُ راجعين لا يَلْوي
أحدٌ على أحد، وانحاز رسولُ الله ◌َّلِ ذاتَ اليمين، ثم قال: يا أيها الناس هلمّ إليَّ أنا
(١) « جفون سيوفكم » : أغمادها.
(٢) تفرَّقتْ أوصالُهم : ارتعدت خوفاً .
(٣) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٤٣٧/٢ - ٤٤٠.
(٤) ((أجوفَ خطوط)): متسع شديد الانحدار.
- ٢٥٥ _

رسولُ الله عَِّ، أنا محمد بن عبد الله. قال: فلاشيءٍ(١). حملتِ الإِبلُ بعضَها على بعض،
فانطلق الناس ، إلا أنه قد بقي مع رسول الله عَلَه نفرٌّ من المهاجرين وأهل بيته .
وفيمن ثبت(٢) معه من المهاجرين: أبو بكر وعمر . ومن أهل بيته عليّ بن أبي طالب ،
والعباس ، وأبو سفيان بن الحارث وابنه ، والفضل بن العباس، وربيعة بن الحارث ،
وأسامة بن زيد ، وأيمن بن أم أيمن - وقُتل يومئذ ..
قال : ورجلٌ من هوازن على جمل له أحمر ، بيده راية سوداء في رأس ربح طويل أمام
هوزان ، وهوزانُ خلفَه ، إذا أدركَ طعنَ برمحه، وإذا فاتَّه الناس رفعَ رمحه لمن وراءَه فاتَّبعوه ،
فبينما هو كذلك إذ أهوى إليه علي بن أبي طالب ورجلٌ من الأنصار يُريدانه . قال: فيأتي علىّ
من خلفه فيضرب عرقوبي الجمل ، فوقع على عجزه، ووثبَ الأنصاريُّ على الرجل فضربه
ضربةً أُطَنَّ قدمَه بنصف ساقه، فانجعفَ(٣) عن رحله. قال: واجتلد الناسُ، فوالله
ما رجعتْ راجعةُ الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسارى مكتفين عند رسول الله عَ اقِ(٤).
قال ابن إسحاق: فلما انهزم الناس - يعني المسلمين - ورأى من كان مع
رسول الله عَ لله من جفاة أهل مكة الهزيمة، تكلَّم رجالٌ منهم بما في أنفسهم من الضُّغَن،
فقال أبو سفيان بن حرب : لا تنتهي هزيمتهم دون البحر . وإنَّ الأزلام لمعه في كنانته .
(١) ((فلا شيء)): أي فلم يستطع الأكثرون الإسراع لإجابته: هول المباغتة.
(٢) نقل سبط ابن العجمي رحمه الله تعالى عن بعض مشايخ مشايخه؛ أن الذين ثبتوا مع رسول الله عَ له عند
الصدمة الأولى عشرة، وعند ذكر المؤلف لأعمام وعمات رسول الله عَ ليه، مع من ذكر أسماءهم هنا يصل
العدد إلى ثلاثة عشر رجلاً، وذكر ابن الملقن عن الحارث بن النعمان: أن الذين ثبتوا مع رسول الله صدفة
مائة رجل . وفي الترمذي أنه ثبت معه مائة . وهذا الباب قابل للزيادة ، فمن وقف على أحدٍ ممن ثبت معه في
حنين فليُلحقه ؛ نظراً للكثرة ، فقد خرج من المدينة عشرة آلاف ، وانضم من الطلقاء ألفان . والخلاصة أن :
من ثبت أولاً كان قليلاً ثم ازداد من المهاجرين والأنصار، إذ عادوا مباشرة للذب عن رسول الله عطائه ،
وسيأتي هذا التوضيح ظاهراً فيما نقله المؤلف عن العباس بن عبد المطلب ؛ حينما دعا الأنصار إلى العودة
والثبات . وانظر نور النبراس لوحة ٨٦/٣ .
(٣) ((انجعف)): انقلع.
(٤) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٤٤٢/٢ - ٤٤٣.
- ٢٥٦ -

وصرخَ جَبَلةُ بن الحنبل - وصوّبه ابن هشام: كَلَدة -: ألا بطلَ السحر اليوم ، فقال له
صفوان أخوه لأمه - وكان بعدُ مُشركاً - اسكت فضَّ الله فاك، فوالله لَعَن يَرَبَّني رجلٌ من
قريش أحبُّ إلي من أن يَرُبَّني رجلٌ من هوازن(١) .
وروينا عن ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر ، حدثنا عمر (٢) بن عثمان المخزومي ، عن
عبد الملك بن عُبيد ، قال محمد بن عمر : حدثنا خالد بن إلياس ، عن منصور بن
عبد الرحمن الحَجَبي(٣)، عن أمه (٤) وغيرها، قالوا: كان شيبة بن عثمان رجلاً صالحاً له
فضل، وكان يُحدِّث عن إسلامه وما أراد الله به من الخير ، ويقول : ما رأيت أعجب مما كنا
فيه من لزوم ما مضى عليه آباؤنا من الضلالات . ثم يقول: لما كان عام الفتح ودخلَ
رسولُ الله ◌َّ الِ مِكة ◌ُنوة ، قلت: أسير مع قريش إلى هوازن ◌ُجنين، فعسى إن اختلطوا أن
أُصيب من محمد غِرَّة، فأثأرَ منه ، فأكون أنا الذي قمت بثأر قريش كلِّها ، وأقول : لو لم
يبق من العرب والعجم أحدٌ إلا اتبع محمداًما تبعته أبداً، وكنت مُرْصداً لما خرجت له،
لا يزداد الأمر في نفسي إلا قوة، فلما اختلطَ الناس، اقتحم رسولُ اللهِ عَ لِ، عن بغلته
وأصلتَ السيفَ ، فدنوت منه أُريد ما أريد ، ورفعتُ سيفي حتى كدتُ أَسَوِّره(٥)، فُرُفع لي
شُواظ من نار كالبرق كاد يَمْحُشني(٦)، فوضعت يدي على بصري خوفاً عليه، والتفتُّ إلى
رسول الله عَ لّهِ ، فناداني: يا شيبُ ادن. فدنوتُ، فمسحَ صدري ، ثم قال: اللهم أعده
من الشيطان . قال : فوالله لهو كان ساعتئذٍ أحبّ إلي من سمعي وبصري ونفسي ، وأذهبَ
(١) المصدر السابق ٤٤٣/٢ - ٤٤٤. ومعنى ((يربني)): يملكني ويسوسني.
(٢) عمر بن عثمان المخزومي : اختلف في اسمه ، هل هو عُمر أو عمرو ، وذكره المزي في عَمرو ؛ بفتح العين
وزيادة واو. ذكره ابن حبان في الثقات، وأخرج له أبو داود . نور النبراس لوحة ٨٧/٣ .
(٣) منصور بن عبد الرحمن: منسوب إلى حجابة الكعبة ، روى عن أمه صفية ، قال أبو حاتم : صالح الحديث ،
وقال ابن سعد وغيره: ثقة، مات سنة ١٣٧ هـ . ميزان الاعتدال ١٨٦/٤.
(٤) في الأصول ((عن أبيه، عن أمه وغيرها .. )) والتصحيح من نور النبراس، فإن زيادة ((عن أبيه)) من أخطاء
النساخ في هذا السند . وأمه : هي صفية بنت شيبة الحاجب بن عثمان بن عبد الدار بن قصي ، العبدرية ،
يقال لها : رويه، وحديثها عن النبي عَّهِ في أبي داود والنسائي وابن ماجه.
(٥) ((أُسوِّره)): أعلوه .
(٦) ((يمحشني )) : يحرقني .
- ٢٥٧ -

الله تعالى ما كان فيَّ، ثم قال : ادنُ فقاتلْ. فتقدمت أمامَه أضرب بسيفي ، الله يعلم أني
أُحبُّ أن أقيَه بنفسي كلَّ شيءٍ ، ولو لقيتُ تلك الساعة أبي لو كان حياً لأوقعت به السيف .
فجعلتُ ألزمُه فيمن لزمَه ، حتى تراجع المسلمون ، وكروا كرةَ رجل واحد، وَقَرَّبتُ بغلةً.
رسول الله عَ لله فاستوى عليها، فخرج في أثرهم، حتى تفرقوا في كل وجه ، ورجع إلى
معسكره ، فدخل خِباءه ، فدخلت عليه ، ما دخل عليه غيري حباً لرؤية وجهه ، وسروراً
به ، فقال : يا شيبُ الذي أراد الله بك خيرٌ مما أردتَ بنفسك. ثم حدثني يكل ما أضمرتُ
في نفسي ، مما لم أكن أذكره لأحد قط. قال: فقلت: فإني أشهدُ أن لا إله إلا الله وأنَّك
رسولُ الله ، ثم قلت : استغفر لي . فقال : غفر الله لك.
قال ابن إسحاق : وحدثني الزهري عن كثير بن العباس ، عن أبيه العباس بن
عبد المطلب ، قال: إني لمع رسول الله عَّ الله آخذٌ تَحكمة بغلته البيضاء، وقد شجرتها (١) بها.
قال : وكنت امرأً جسيماً شديدً الصوت . قال : ورسولُ الله ێێ يقول حین رأى ما رأى من
الناس : إلى أين أيها الناس ؟ قال: فلم أرَ الناسَ يلوون على شيء، فقال: يا عباس اصرعْ:
يا معشر الأنصار يا معشر أصحاب السَّمُرة(٢)، فأجابوا: لَبَّك لَبَّيَّك . قال: فيذهب
الرجل ليَثنيَ بعيرَه، فلا يقدر على ذلك، فيأخذ درعَه فيقذفها في عنقه ، ويأخذ سيفه".
وترسه، ويقتحم عن بعيره ويخلي سبيله، ويؤمُّ الصوتَ، حتى ينتهي إلى رسول الله عَ له،
حتى إذا اجتمعَ إليه منهم مائة استقبلوا الناسَ ، فاقتتلوا ، فكانت الدعوى أول ما كانت :
يا للأنصار، ثم خلصت أخيراً يا للخزرج، وكانوا صُبُراً عند الحرب؛ فأشرفَ
رسولُ اللهِ عَّلِ في ركائبه، فنظرَ إلى مُجتلد القوم وهم يجتلدون، فقال: الآن حمي
الوطيس(٣) . وزاد غيره :
أنا النُّ لا كذبْ أنا ابنُ عبدِ المطلب
وفي صحيح مسلم: ثم أخذ رسولُ الله عَ لِ حَصَياتٍ فرمَى بها وجوهَ الكفار ثم قال :
(١) ((شجرتها بها)): ضربتها بالحكَمة ( اللجام).
(٢) ((السمرة)): شجرة كبيرة ذات شوك، والمقصود: من بايعوا رسول الله عَ لم تحتها بيعة الرضوان.
: (٣) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٤٤٤/٢ - ٤٤٥، ((الوطيس)): التنور .
- ٢٥٨ -
-

((انهزِمُوا وربِّ محمد)) ثم قال: فما هو إلا أنْ رماهم، فما زلتُ أرى حَدَّهم كليلاً وأمرَهم
مُدبراً(١) . ومن رواية أخرى أن البَّ ◌َّهِ نزلَ عن البغلة ثم قبض قبضةً من ترابٍ الأرض ، ثم
استقبلَ بها وجوههم، فقال: ((شاهَتِ الوجوهُ)) فما خلقَ الله تعالى منهم إنساناً إلا ملأ
عينيه تُراباً بتلك القبضة، فولَّواْ مدبرين (١).
قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: وحدثني أبي إسحاق بن يسار، أنه حُدِّث عن
جُبير بن مُطعم ، قال : لقد رأيتُ قبل هزيمةِ القوم ـ والناسُ يقتتلون - مثل البِجَاد(٢)
الأسود ، أقبل من السماء حتى سقطَ بيننا وبين القوم ، فنظرتُ فإذا نملٌ أسود مبثوثٌ قد ملأ
الوادي ، لم أُشكَّ أنها الملائكة ، ولم يكن إلا هزيمة القوم(٣).
قال ابن إسحاق : ولما انهزمت هوازن استحرَّ القتل من ثقيف في بني مالك، فقُتل منهم
سبعون رجلاً . ولما انهزم المشركون أُتُوا الطائف ومعهم مالك بن عوف ، وعسكر بعضهم
بأوطاس، وتوجَّه بعضهم نحو نخلة ، وبعث رسول الله عَّهِ في آثار من توجَّه قبل أوطاس أبا
عامر الأشعري ، فأدركَ من الناس بعضَ من انهزم ، فناوشوه القتال فُرُمي بسهم فقُتل ، فأخذَ
الراية أبو موسى الأشعري - وهو ابن عمه - فقاتلَهم، ففتحَ الله عليه وهزمهم الله،
فيزعمون أنَّ سلمةَ بن دُريد هو الذي رمى أبا عامر فقتله .
وقال ابن سعد: قتل أبو عامر منهم تسعةً مُبَارَزَة، ثم برز العاشر مُعْلَما بعمامة صفراء
فضرب أبا عامر فقتله ، واستخلفَ أبو عامر أبا موسى الأشعري فقاتلهم حتى فتحَ الله عليه ،
وقُتل قاتل أبي عامر، فقال رسول الله عَّله: اللهم اغفرْ لأبي عامر ، واجعله من أعلى أمتي في
الجنة . ودعا لأبي موسى أيضاً .
وقُتل من المسلمين أيضاً أيمن بن عُبيد(٤)، وهو ابن أم أيمن ، وسراقة بن الحارث ،
ورَقيم بن ثعلبة بن زيد بن لَوْذان - وعند ابن إسحاق : يزيد بن زمعة بن الأسود بن
(١) رواه مسلم في الجهاد والسير (باب في غزوة حنين ) رقم /١٧٧٥/.
(٢) انظر شرحها في فوائد المؤلف ص ٢٦٧ .
(٣) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٤٤٩/٢ .
(٤) في طبقات ابن سعد : أيمن بن عُبيد بن زيد الخزرجي ، وهو ابن أم أيمن ، أخو أسامة بن زيد لأمه .
- ٢٥٩ -

----
المطلب بن أسد، جمح به فرسٌ يقال له الجَنَاحُ فقتل - واستحرَّ القتلُ في بني نصر بن
معاوية ، ثم في بني رئاب، فذكر ذلك للنبي عَّهِ ، فقال: اللهم اجبرْ مصيبتهم.
ووقف مالك بن عوف على ثنية من الثنايا حتى مضى ضعفاء أصحابه وتتامًّ آخرهم ، ثم
هربَ فتحصَّن في قصر يليه ، ويقال : دخلَ حصن ثقيف .
وأمرَ رسولُ اللهِ عَِّ بالسي والغنائم تُجْمَع، فَجُمع ذلك كله ، وحدروه إلى الجعرَّانة ،
فُوُقف بها إلى أن انصرف رسولُ الله عَ لِه من الطائف، وهم في حظائر لهم يستظلون بها من
الشمس . وكان السبي ستة آلاف رأس، والإبل أربعة وعشرون ألفاً، والغنم أكثر من أربعين
ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضة، فاستأنى رسولُ اللهِ عَ ل﴾ بالسبي أن يقدم عليه وفلُهم ،
وبدأ بالأموال فقسَّمها ، وأعطى المؤلّفَةَ قلوبهم أوَّلَ الناس ، فأعطى أبا سفيان بن حرب :
أربعين أوقية ومائة من الإِبل . قال : ابني يزيد؟ قال: أعطوه أربعين أوقية ومائة من الإبل.
قال : ابني معاوية ؟ قال : أعطوه أربعين أوقية ومائة من الإبل . وأعطى حكيم بنَ حزام مائة
من الإبل ، ثم سأله مائة أخرى فأعطاه . وأعطى النَّضْرَ بن الحارث بن كَلَدة مائة من الإبل ،
وأعطى أُسيد بن جارية الثقفي مائة من الإبل ، وأعطى العلاء بن جارية الثقفي خمسين
بعيراً، وأعطى مخرمة بن نوفل خمسين بعَيراً، وأعطى الحارث بن هشام مائة من الإبل ،
وأعطى سعيدَ بن يربوع خمسين من الإبل ، وأعطى صفوان بن أمية مائة من الإبل ، وأعطى
قيسَ بن عديّ مائة من الإبل، وأعطى عثمان بن وهب خمسين من الإبل ، وأعطى سُهيل بن
عمرو مائة من الإبل ، وأعطى حُويطب بن عبد العزى مائة من الإبل ، وأعطى هشام بن
عمرو العامري خمسين من الإبل ، وأعطى الأقرع بن حابس التميمي مائة من الإبل ، وأعطى
تُيينة بن حصن مائة من الإبل، وأعطى مالك بن عوف مائة من الإبل ، وأعطى العباس بن
مِرداس أربعين من الإِبل . فقال في ذلك شعراً ، فأعطاه مائة من الإبل . ويُقال خمسين .
وأعطى ذلك كلّ من الخمس وهو أثبتُ الأقاويل عندنا .
ثم أُمرَ زيد بن ثابت بإحصاء الناس والغنائم ، ثم فضَّها على الناس ، فكانت سهمانهم
لكل رجل أربعاً من الإبل وأربعين شاة ، فإن كان فارساً أخذ ثنتي عشرة من الإِبل وعشرين
(١) في جميع النسخ ((الجمَّاح))، والتصحيح من السيرة النبوية، ونور النبراس لوحة ٩٠/٣.
: - ٢٦٠ -