النص المفهرس

صفحات 221-240

لا تغفر ◌ُحلِّم بن جَنَّامة )) ثلاثاً، فقام يتلقى دمعَه بفضل ردائه . الحديث(١) . وفي حديث
عن الحسن : ما مكثَ إلا سبعاً حتى مات ، فلفظته الأرضُ مرات ، فعمدوا به إلى صُدَّين(٢)
فسطحوه بينهما ، ثم رضموا عليه الحجارة حتى واروه(٣).
سرية ابن أبي حَذْرَد الأسلمي إلى الغابة
قال ابن أبي حدرد فيما حكاه ابن إسحاق : تزوجتُ امرأةٌ من قومي ، فجئتُ
رسولُ الله ◌َ ◌ّلِ أستعينه على نكاحي، فقال: وكم أصدقتَ؟ قلت : مائتي درهم . فقال:
سبحان الله لو كنتم تأخذون الدراهم من بطن واد ما زدتم ، والله ما عندي ما أُعينُك به .
قال: فلبثت أياماً ، وأقبل رجلٌ من بني ◌ُشَم بن معاوية ، يقال له : رفاعة بن قيس ، أو
قيس بن رفاعة ، في بطن عظيم من بني جشم ، حتى نزلَ بقومه ومن معه بالغابة ، يُريد أن
يجمعَ قيساً على حرب رسول الله عَ ليه ، وكان ذا اسم في جُشم وشرف، فدعاني
رسولُ الله عَظُّلِ ورجلين معي من المسلمين ، فقال اخرجوا إلى هذا الرجل ، حتى تأتوا منه
بخبر وعلم . قال : وقدَّم لنا شارفاً عجفاء(٤)، فحملَ عليها أحدَنا ، فوالله ما قامت به ضعفاً ،
حتى دعمها الرجال من خلفها بأيديهم ، حتى استقلت(٥) وما كادت ، ثم قال : تبلَّغوا عليها
واعتقِبوها . قال: فخرجنا ومعنا سلاحُنا من النبل والسيوف ، حتى إذا جئنا قريباً من
الحاضر ، عُشيشية مع غروب الشمس، كمنتُ في ناحية، وأمرت صاحيَّ فكمَّنَا في ناحية
أخرى من حاضر القوم ، وقلت لهما : إذا سمعتماني قد كبَّرت وشددتُ في ناحية العسكر
فكِّرا وشُدًّا معي ، فوالله إنا لكذلك ننتظر غِرة القوم ، أو أن نُصيبَ منهم شيئاً ، وقد غشينا
الليلُ ، حتى ذهبت فحمةُ العشاء، وكان لهم راع سرحَ في ذلك البلد ، فأبطأ عليهم حتى
(١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٦٢٨/٢ وفيها: أن قومه قالوا: إنا لنرجو أن يكون رسول الله عَ ليه قد استغفرّ
له .
(٢) ((صُدَّين)): تثنية صُدّ، بضم الصاد وفتحها، وهو الجبل.
(٣) السيرة النبوية ٦٢٨/٢، وفيها: فبلغ رسول الله عَ ليه شأنه فقال: ((والله إن الأرضَ لتطّابق على من هو شرٌ
منه ، ولكن الله أراد أن يعظكم في حُرَم مِا بينكم بما أراكم منه)) . وهو خبر مرسل عن الحسن البصري .
(٤) ((شارفاً عجفاء)): الشارف: الناقة المسنّة، والعجفاء: المهزولة.
(٥) ((استقلت)): نهضت.
- ٢٢١ -

تخوفوا عليه، فقام صاحبُهم ذلك، وأخذ سيفَه فجعلَه في عنقه، ثم قال: والله لأتبعنَّ أَثَر
راعينا هذا، ولقد أصابَه شرّ . فقال نفر ممن معه : والله لا تذهبُ أنتَ ، نحن نكفيك.
قال : والله لا يذهبُ إلا أنا. قالوا: فنحن معك. قال: والله لا يتبعني أحدٌ منكم . وخرجَ
حتى مرَّ بي ، فلما أمكنني نفحتُه(١) بسهمٍ فوضعتُه في فؤاده ، فوالله ما تكلّم ، ووثبت إليه،
فاحتززْتُ رأسَه ، وشَدَدْتُ في ناحية العسكر، وكبّرتُ، وشدَّ صاحباي وكبًّا، فوالله
ما كان إلا النجاء ممن فيه ؛ عندك ، عندك (٢)! بكل ما قَدروا عليه من نسائهم وأبنائهم،
وما خفَّ معهم من أموالهم، واستقنا إبلاً عظيمة وغنماً كثيرة ، فجئنا بها إلى
رسول الله عَ له، وجئتُ برأسه أحملُه معي، فأعاني رسولُ الله عَلّمه من تلك الإبل بثلاثة
عشر بعيراً في صَدَاقي فجمعتُ إليَّ أهلي(٣) .
۔ ۔۔
(١) (( نفحته بسهم )) : رميته به
(٢) ((عندك، عندك)) بمعنى الإغراء. تقول : عندك زيد؛ أي خذه.
(٣) السيرة النبوية ٦٢٩/٢ - ٦٣٠ .
- ٢٢٢ -

فتح مكة
شرّفها الله تعالى
وكانت في شهر رمضان سنة ثمان . وكان السبب فيها فيما ذكر ابن إسحاق : أن بني
بكر بن عبد مناة بن كِنانة عَدَتْ على خزاعة ، وهم على ماء لهم بأسفل مكة يقال له الوتير .
وكان الذي هاجَ ما بين بكر وخُزاعة ؛ أن رجلاً من بني الحضرمي يقال له : مالك بن عَبَّاد
- وحلفُ الحضرميِّ يومئذٍ إلى الأسود بن رَزْن - خرج تاجراً، فلما توسط أرضَ خزاعة
عدوًا عليه فقتلوه ، وأخذوا ماله ، فعدَتْ بنو بكر على رجل من خزاعة فقتلوه ، فعدتْ خُزاعة
قَبْلَ الإِسلام على بني الأسود بن رَزْن الدِّيلي، وهم مِنْخَر (١) بني كنانة وأشرافهم: سَلْمى
وكُلثوم وذُؤيب ، فقتلوهم بعرفة عند أنصاب الحرم ، فبينما هم كذلك حجز بينهم الإِسلام .
وتشاغلَ الناسُ به، فلما كان صلح الحديبية بينَ رسول الله علمه وبین قریش، كان فيما
شرطوا؛ أنه من أحبَّ أن يدخلَ في عقد رسول الله عَ ليه وعهده فليدخل فيه، ومن أحبَّ أن
يدخلَ في عقد قريش وعهدهم فليدخلْ فيه . فدخلتْ بنو بكر في عهد قریش ، ودخلت
◌ُخزاعةُ في عقد رسول الله عَِّ، فلما كانت الهدنة اغتنمها بنو الدِّيل بن بكر ؛ وأرادوا أن
يُصيبوا منهم ثأراً بأولئك النفر الذين أصابوا منهم في الأسود بن رَزْن ، فخرج نوفلُ بن مُعاوية
الدِّيلي في بني الدِّيل بن بكر من كِنانة ، حتى بيَّتَ خُزاعةَ وهم على الوتير - ماء لهم -
فأصابوا منهم رجلاً ، وتجاوزوا واقتتلوا ، ورفدتْ بني بكر قريشٌ بالسلاح، وقاتلَ معهم من
قريش مَنْ قاتل بالليل مُستخفياً(٢).
ذكر ابن سعد منهم : صفوان بن أمية ، وحُويطب بن عبد العزى ، ومِكرز بن
حفص بن الأخيف(٣) .
(١) ((مَنْخر بني كنانة)): المنخر: الأنف، وهو الأبرز من أعضاء الوجه، والمقدم فيها، والمقصود أنهم سادتهم
والمقدّمون فيهم .
(٢) السيرة النبوية ٣٨٩/٢ - ٣٩٠.
(٣) الطبقات الكبرى ١٣٤/٢.
- ٢٢٣ -

حتى حاوزوا(١) خزاعة إلى الحرم . . فلما انتهوا إليه ، قالت بنو بكر يا نوفل إنا قد دخلنا
الحرمَ إِلهَكَ إِلهَكَ(٢) . فقال كلمةً عظيمةً: لا إِله اليوم يا بني بكر، أصيبوا ثأركم، فلعمري
إنكم لتسرقون في الحرم ، أفلا تُصيبون ثأرَكم فيه ؟ .
وقد أصابوا منهم ليلةَ بيتوهم بالوتير رجلاً: يُقال له مُنَبِّه ، فلما دخلت خزاعة مكة لجؤوا
إلى دار بُديل بن ورقاء الخزاعي ، ودار مولى لهم يُقال له رافع . ولما تظاهر بنو بكر وقريش على
خزاعة، ونقضوا ما كان بينهم وبينَ رسول الله عَّ له من العهد والميثاق، خرجَ عمرو بن سالم
الخزاعي - قال ابن سعد: في أربعين راكباً (٣) - حتى قدم على رسول الله عَ ليه المدينة،
وكان ذلك ما هاج فتحَ مكة ، فوقفَ عليه وهو جالس في المسجد بين ظُهراني الناس ،
فقال :
ياربِ : إني ناشدٌ محمداً
جلفَ أبينا وأبيه الأقلدا(٤)
قِدِ كُمْ وُلْداً وَكُنَّا والداً
ثُمَّتَ أسلمنا فلم نتزعْ يدا
فانصْ هداكَ الله نصراً أعتدا
وادُ عبادَ الله يأتوا مددا(٥)
فيهم رسولُ الله قد تجرّدا
إِن سِيمِ خسفاً وجهُه ترَبَّدا (٦)
في فيلقٍ کالبحر یجري مُزْبِدا
إِنَّ قريشاً أخلفوكَ الموعدا
ونقضوا ميثاقَك الموكَّدا
(١) ((حاوزوا خزاعة)): ساقوهم، وفي الأصول ((جاوزوهم)) والتصحيح من السيرة النبوية.
(٢) («إلهكَ إلهكَ)): منصوبان على التحذير بفعل محذوف تقديره: اتق أو احذر، ونحو ذلك.
(٣) الطبقات الكبرى ١٠١٣٤/٢
(٤) (( ناشد)): طالب، و((الأتلد)): القديم.
(٥) ((نصراً أعتداً)): نصراً عتيداً ، أي حاضراً .
(٦) ((تجردا)): تهيأ للحرب، و((تَّرَبَّدا)): تغيَّر غضباً، ورفضاً للخسف والذل.
- ٢٢٤ -

وجعلوا لي في كَدَاءٍ رُصَّدا
وزعموا أنْ لستُ أدعو أحدا
وهم أذلُّ وأقلُّ عددا
هم بَيَّتونا بالوتير مُجَّدا
وقَتَّلُونا رُكّعاً وسُجَّدا
يقول: قُتلنا وقد أسلمنا. فقال رسول الله عَّهِ: نُصرتَ يا عمرو بن سالم. ثم عرض
لرسول الله عَ لْ عَنَانٌ من السماء، فقال: ((إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب)).
ثم خرج بُديل بن ورقاء في نفر من بني خزاعة، حتى قدموا على رسول الله عَ ليه،
فأخبروه بما أصيب منهم ، وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم(١) .
قلت : لعل الأربعين راكباً الذين ذكر ابن سعد قدومهم من خزاعة مع عمرو بن سالم
هم هؤلاء .
رجع إلى خبر ابن إسحاق: ثم رجعوا إلى مكة، وقد قال رسول الله عَ له للناس:
كأنكم بأبي سفيان قد جاءكم ليشدَّ العقدَ، ويزيدَ في المدة. ومضى بُديل بن ورقاء في
أصحابه، حتى لَقُوا أبا سفيان بن حرب بعُسفان، وقد بعثته قريش إلى رسول الله عَ ◌ٍّ ليشدً
العقدَ ويزيدَ في المدة ، وقد رَهبوا الذي صنعوا، فلما لقي أبو سفيان بُديلَ بن ورقاء، قال :
من أين أقبلتَ يا بدُيل؟ وظنَّ أَنه قد أتى النبيَّ مَِّ، قال: سرتُ في خزاعة في هذا
الساحل، وفي بطن هذا الوادي . قال: أو ما جئت محمداً؟ قال: لا. فلما راح بديل إلى
مكة ، قال أبو سفيان : لئن كان جاء المدينة، لقد علفَ بها النوى ، فأتى مَبْرَكَ راحلتِهِ ،
فأخذَ من بعرها فَقَتَّه، فرأى فيه النوى ، فقال: أحلف بالله لقد جاء بُديل محمداً . ثم خرجَ
أبو سفيان حتى قدم المدينةَ، فدخل على ابنته أمّ حبيبة ، فلما ذهبَ ليجلسَ على فِراش
رسول الله عَ لّه طوته عنه، فقال: يا بنية ما أدري أرغبتِ بي عن هذا الفراش ، أم رغبتِ به
عني؟ قالت: بل هو فراشُ رسول الله عَ له وأنتَ مشركٌ نجس. قال: والله لقد أصابَكِ
بعدي شرٌّ. ثم خرج حتى أتى رسولَ الله عَّ له، فَكلَّمَه، فلم يردَّ عليه شيئاً، ثم ذهب إلى
(١) السيرة النبوية ٣٩٤/٢ - ٣٩٥.
- ٢٢٥ -

أبي بكر ، فكلَّمه أن يُكلِّمَ له رسولَ الله عَ لّه، فقال: ما أنا بفاعل. ثم أتى عمر بن
الخطاب، فكلَّمه، فقال: أنا أشفع لكم إلى رسول الله عَليه؟ فوالله لو لم أجد إلا الذرّ
جاهدتکم به . ثم جاء فدخل على عليّ بن أبي طالب ، وعنده فاطمة وحسن غلام یدبُّ بین
يديْها ، فقال : يا علّ إنك أمسُّ القوم بي رحماً ، وإني قد جئتُ في حاجة ، فلا أرجعنَّ كما
جئتُ خائباً، اشفع لي إلى رسول الله عَ ليه. فقال: ويحك يا أبا سفيان والله لقد عَزَمَ
رسولُ اللهِ مَّلِ على أمرٍ ما نستطيعُ أن نكلِّمَه فيه . فالتفتَ إلى فاطمةَ ، فقال: يا بنتَ
محمد! هل لك أن تأمري ابنكِ هذا فيجيرَ بين الناس فيكونَ سيِّدَ العرب إلى آخر الدهر ؟
قالت: والله ما يبلغُ بُنّ ذاك، أن يجير بين الناس، وما يُجيرُ أحدٌ على رسول الله حَظٹے
قال : يا أبا الحسن إني أرى الأمورَ قد اشتدت عليّ فانصحني. قال : والله ما أعلمُ لك شيئاً.
يغني عنك، ولكنَّك سيِّدُ بني كنانة ، فقم وأجرْ بينَ الناس ، ثم الحقّ بأرضِك. قال: أو ترى
ذلك مُغنياً عني شيئاً؟ قال : لا والله ما أظنُّه، ولكني لا أجدُلك غيرَ ذلك. فقام أبو سفيان
في المسجد ، فقال : أيُّها الناس إني قد أجرتُ بينَ الناس ، ثم ركبَ بعيرَه فانطلقٍ . فلما قدم
على قريش ، قالوا : ما وراءك ؟ قال: جئتُ محمداً فكلمتُه ، فوالله ما ردَّ علَّ شيئاً ، ثم جئت.
ابن أبي قُحافة، فلم أجد فيه خيراً ، ثم جئتُ عمر بن الخطاب فوجدتُه أدنى العدو . ثم
جئت عليّاً، فوجدته ألينَ الْقُوم، وقد أشارَ عليّ بشيءٍ صنعتُه ، فوالله ما أدري هل يُغنِي عني
شيئاً أم لا . قالوا : وبم أمرك ؟ قال : أمرني أن أُجير بين الناس ففعلتُ . قالوا : فهل أجاز
ذلك محمد ؟ قال: لا . قالوا : ويلك والله إنْ زادَ الرجلُ على أن لعب بك. قال: لا والله،
ما وجدت غير ذلك .
وأمر رسولُ اللهِ عَّ ◌َلِ النَّاسَ بالجهاز، وأمر أهلَه أن يُجهّزوه ، فدخل أبو بكر على ابنته.
عائشة وهي تُحرِّك بعض جَهاز رسول الله عَّله، فقال: أي بنية أمركنَّ
رسولُ اللهِ عَّهِ بتجهيزه؟ قالت: نعم فتَجَّهزْ. قال: فأين تَرَيْنَه يُريد؟ قالت : لا والله.
ما أدري. ثم إن رسولَ الله عَلِ أَعلَمَ الناس أنه سائر إلى مكة، وأمرهم بالجد والتَّجَهُّز،
وقال : اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتَها في بلادها . فتجهز الناس .
فكتبَ حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش كتاباً يُخبرهم بذلك، ثم أعطاه امرأةٌ ، وجعل لها
جُعْلاً على أن تُبَلِّئَه قريشاً، فجعلته في قرون رأسها، ثم خرجتْ به، وأتى رسولَ الله عَ اه
- ٢٢٦ -

الخبرُ من السماء بما صنعَ حاطب ، فبعثَ عليَّاً والزبيرَ - وغيرُ ابن إسحاق يقول: بعث عليّاً
والمقداد - فقال: أدركا أمرأة ، قد كتب معها حاطب بكتاب إلى قريش ، يُحذّرهم ما قد
أجمعنا له في أمرهم ، فخرجا حتى أدركاها ، فاستنزلاها ، والتمسا في رحلها ، فلم يجدا شيئاً ،
فقال لها علَّ: إني أحلف بالله ما كُذِبَ رسولُ الله عَ لِّ ولا كُذْبنا، ولتُخرجِنَّ هذا الكتاب
أو لنكشفنَّك. فلما رأت الجِدَّ منه، قالت: أعرض. فأعرض، فحلَّتْ قرونَ رأسها،
فاستخرجت الكتاب منها، فدفعته إليه، فأتى به رسولَ الله عَ لَّه، فدعا حَاطِباً، فقال له :
ما حمَلَكَ على هذا؟ فقال : والله إني لمؤمنٌ بالله ورسوله ، ما غيَّرتُ ولا بُدُّلتُ ، ولكني ليس
لي في القوم أصلٌ ولا عشيرةٌ ، ولي بين أظهرهم ولدٌ وأهلٌ ، فصانعتهم عليهم . فقال عمر بن
الخطاب: يا رسول الله دعني فلأضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق. فقال رسول الله عَ ◌ٍّ :
وما يُدربك يا عمر لعلَّ الله قد اطَلَعَ على أصحاب بدر يومَ بدرٍ ، فقال : اعملوا ما شئتم فقد
غفرتُ لكم .
ثم مضى رسولُ الله عَ لِ لسفره، فاستخلف على المدينة أبا رُهم كُلثوم بن الحصين
الغِفاري - وقال ابن سعد: عبدَ الله بن أمِّ مكتوم - فخرجَ لعشرٍ مضينَ من شهر رمضان،
فصامَ وصامَ النَّاسُ معه، حتى إذا كانوا بالكُديد أفطر ، ثم مضى حتى نزل مَرَّ الظهران في
عشرة آلاف . وعميت الأخبارُ عن قريش ، فهم على وجل وارتقاب ، فخرج أبو سفيان بن
حرب وحكيم بن حِزام وبُديل بن ورقاء يتجسسون الأخبار .
وكان العباس قد خرجَ قبل ذلك بعياله مُسلماً مُهاجراً، فلقيَ رسولَ الله عَّهِ، قيل:
بالجحفة، وقيل: بذي الحليفة. وكان فيمن خرجَ ولقي رسولَ الله ◌ُّلِ ببعض الطريق أبو
سفيان بن الحارث ، وعبدُ الله بن أبي أمية بن المغيرة بالأبواء ، وقيل بين السقيا والعَرْج ،
فأعرضَ عنهما ، فقالت له أم سلمة : لا يكن ابنُ عمِّك وابُ عمتك أخي ؛ أشقى الناس
بك . وقال علي لأبي سفيان - فيما حكاه أبو عمر - انت رسولَ الله عَّله من قِبل وجههِ
فقل له ما قال إخوة يوسف عليه السلام ليوسف: ﴿ تالله لقد آثركَ الله علينا وإنْ كنّا
الخاطئين﴾ [يوسف: ٩١ ] فإنه لا يرضى أن يكون أحْدٌ أحسنَ قولاً منه . ففعل ذلك أبو
سفيان، فقال له رسول الله عَ ◌ّهِ: ﴿لا تثريبَ عليكم اليومَ يغفرُ الله لكم وهو أرحمُ
الراحمين﴾ [يوسف: ٩٢ ] وقبلَ منهما إسلامَهما، فأنشده أبو سفيان معتذراً أبياتاً ، منها:
- ٢٢٧ -

لتغلبَ خيلُ اللَّتِ خيلَ محمّدٍ
لعمرُك إني يومَ أحملُ رايةً
فهذا أواني حين أُهدى فأهندي
لكالمديجِ الحيرانَ أَظلَمَ ليلُه
على الله مَنْ طَرَّدْتُه كَلَّ مَطردٍ
هىدائي هادٍ غيرُ نفسي ودلّني
فضربَ رسول الله عَ لِ صدرَه، وقال: أنتَ طَرَّدتني كلَّ مَطردٍ (١).
وكان أبو سفيان بعد ذلك ممن حسن إسلامُه، فيقال: إنه ما رفع رأسه إلى
رسول الله عَ لِ منذ أسلم حياء منه، وكان رسولُ الله عَ لِ يُحبُّه ويشهدُ له بالجنة ، ويقول:
أرجو أن يكون خَلَفاً من حمزة. ويُروى أنه لما حضرته الوفاة ، قال: لا تبكوا عليّ فإني لم
أتنطفْ (٢) بخطيئة منذ أسلمتُ .
فلما نزلَ رسولُ اللهِ عَ لِ مَرَّ الظهران - وقال ابن سعد : نزله عشاء ، فأمر أصحابه
فأوقدوا عشرة آلاف نار ، وجعل على الحرس عمر بن الخطاب(٣) ـ رَقَّتَ نفُس العباس
لأهل مكة ، قال: فجلستُ على بغلة رسول الله عَ لِ البيضاء، فخرجتُ عليها حتى جئت.
الأراك، فقلت: لَعِّي أجدُ بعض الخَطَّابة، أو صاحب لَبَن، أو ذا حاجة ، يأتي مكة
فيخبرَهم بمكان رسول الله عَ له، ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلَها عُنوةٍ ، فوالله إني
لأسير عليها ، إذ سمعتُ كلامَ أبي سفيان وبُديلَ بن ورقاء، وهما يتراجعان ، وأبو سفيان.
يقولُ : ما رأيتُ كالليلة نيراناً قطُّ ولا عسكراً . قال : يقول بُديل: هذه والله خزاعة ،
حَمَشَتْها(٤) الحرب ، فيقول أبو سفيان : خزاعةُ أذلُّ وأقلُّ من أن تكون نيرانها وعسكُرها ..
قال: فعرفت صوتَه، فقلت: يا أبا حنظلة! فعرف صوتي ، فقال: أبو الفضل ؟ قلت :
نعم . قال : مالك فداك أبي وأمي ؟ قال : قلت والله هذا رسولُ الله في الناس ، واصاخ
قريش والله . قال: فما الحيلة فداك أبي وأمي ؟ قال: قلت: والله لئن ظَفِرِ بك ليضربَنَّ.
عنقكَ، فاركبْ في عَجُز هذِه البغلة، حتى آتي بك رسولَ الله عَ لِ فأستأَمنَه لك. فُركب
خلفي ، ورجع صاحباه . قال : فجئتُ به ، كلما مررتُ بنارٍ من نيران المسلمين ، قالوا :
(١) السيرة النبوية ٣٩٧/٢ - ٠١
(٢) («لم أتنظَّفْ)»: لم أَتْلطَّعْ.
(٣) الطبقات الكبرى ١٣٥/٢.
(٤) ((حمشتها الحرب)): أحرقتها
- ٢٢٨ _
=

مَنْ هذا؟ وإذا رأواْ بغلةَ رسول الله عَلِ وأنا عليها، قالوا: عُّ رسولِ الله عَ له على بغلته،
حتى مررتُ بنار عمرَ بن الخطاب ، فقال: من هذا؟ وقام إليَّ، فلما رأى أبا سفيان على
عَجُز الدابة ، قال : أبو سفيان عدوُّ الله ؟ الحمدُ لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد . ثم
خرجَ يَشتدُّ نحوَ رسول اللهِ مَّلِ، ورَكَضْتُ البغلةَ، فسبقتُ ، فاقتحمت عن البغلة ،
فدخلتُ على رسول الله عَ الِ، ودخل عليه عمر، فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان
فدعني فلأضرب عنقه . قال: فقلت : يا رسولَ الله إني قد أجرتُه ، ثم جلستُ إلى
رسول الله عَ لِ فأخذتُ برأسه ، فقلت: والله لا يُناجيه الليلةَ رجلٌ دوني، فلما أكثرَ عمر
في شأنه ، قلت: مهلاً يا عمر ، فوالله لو كان من رجال بني عديّ بن كعب ما قلتَ مثل
هذا . قال : مهلاً يا عباس فوالله لإسلامُك يومَ أسلمتَ كان أحبّ إليَّ من إسلام الخطابِ
لو أسلمَ، وما بي إلا أني قد عرفتُ أن إسلامَك كان أحبَّ إلى رسول الله عَ ◌ّه من إسلام
الخطاب. فقال رسول الله عَ له: اذهبْ به يا عباس إلى رَحْلِكَ، فإذا أصبحتَ فأتني به .
فذهبتُ به، فلما أصبحَ غدوتُ به إلى رسول الله عَّ له، فلما رآهُ رسولُ الله عَ لَّهِ، قال:
ويحكَ يا أبا سفيان ألم يأنِ لك أن تعلمَ أنه لا إله إلا الله؟ قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمَكَ
وأكرمَك وأوصلَك، لقد ظننتُ أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى شيئاً بعدُ . قال: ويحك
يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله ؟ قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك
وأوصلك أمَّا هذه والله فإن في النفس حتى الآن منها شيئاً . فقال له العباس : ويحك أسلم ،
واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسولُ الله قبلَ أن تُضرب عنقُك. قال فشهد شهادة الحقِّ
فَأُسلم . قال العباس . قلت يا رسول الله إن أبا سفيان رجلٌ يُحبُّ الفخرَ ، فاجعلْ له
شيئاً . قال : نعم ، من دخلَ دارَ أبي سفيان فهو آمن ، ومن أُغلقَ بابَه عليه فهو آمن ، ومن
دخلَ المسجدَ فهو آمن . ثم أمر العباسَ أن يحبسَ أبا سفيان بمضيق الوادي عند خطم الجبل(١)
حتى تمرَّ به جنود الله فيراها ، ففعل ، فمرت القبائل على راياتها ، كلما مرت قبيلةٌ ، قال :
يا عباس من هذه؟ فأقول: سُليم. قال: يقول: ما لي ولسُليم؟ ثم تمرُّ به القبيلةُ ، فيقول :
يا عباس من هؤلاء؟ فأقول: مُزينة . فيقول : ما لي ولمزينة ؟ حتى نفدت القبائلُ، ما تمرُّ به
قبيلة إلا سألني عنها ، فإذا أخبرته بهم ، قال: ما لي ولبني فلان؟ حتى مرَّ به رسولُ الله عَ لَّهِ
(١) (( خَطْم الجبل)): أتفه ، وهو طرف منه بارز تضيق به الطريق.
- ٢٢٩ -

في كتيبته الخضراء، فيها المهاجرون والأنصار، لا يُرى منهم إلا الحَدَق من الحديد . قال :
سبحان الله يا عباس من هؤلاء؟ قال: قلت: هذا رسولُ اللهِ عَّةٍ في المهاجرين
والأنصار. قال: ما لأحدٍ مهؤلاء قِيَلٌ ولا طاقة (١).
وفي صحيح البخاري : أن كتيبةً الأنصار جاءت مع سعد بن عبادة ، ومعه الراية ،
قال: ولم يُرَ مثلُها، قال: ثم جاءت كتيبةٌ هي أقلُّ الكتائب، فيهم رسول الله عَ الله
وأصحابُه، وراية النِّ عَله مع الزبير (٢).
كذا وقع عند جميع الرواة ، ورواه الحميديُّ في كتابه : هي أجلُّ الكتائب ، وهو
الأظهر (٣) .
رجع إلى الأول : فقال أبو سفيان: والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم
عظيماً . قال: قلت: يا أبا سفيان إنها النبوة. قال: فنعم إذن. قال: قلت: النجاء إلى
قومك ، حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته : يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم فيما لا قِبَلَ
لکم به ، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن . فقامت إليه هند بنت عتبة ، فأخذت بشاربه ، ..
فقالت : اقتلوا الحَمِيْتَ الدَّسِمَ الأحمسَ(٤)، قُبِّحَ من طليعة(٥) قوم. قال: ويلكم لا تغرَّنَّكم.
هذه من أنفسكم ، فإنه قد جاءكم ما لاقبل لكم به ، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ..
قالوا: قاتلكَ الله وما تُغني عنا دارُك ؟ قال: ومن أغلقَ عليه بابه فهو آمن، ومن دخلَ
المسجد فهو آمن . فتفرَّق النَّاسُ إلى دورهم وإلى المسجد(٦).
وذكر الطبري أن النَّ ◌َعَ له وجَّه حكيم بن حزام مع أبي سفيان بعد إسلامهما إلى
(١) السيرة النبوية ٤٠٢/٢ - ٤٠٤.
(٢) رواه البخاري في المغازي ( باب أين ركز النبي مَ ظلم الراية يوم الفتح) رقم /١٤٢٨٠.
(٣) قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٩/٨: (( .. وهي أقل الكتائب)): أي أقلّها عدداً. قال عياض: وقع
للجميع بالقاف، ووقع في الجمع للحميدي ((أجلّ)) بالجيم، وهي أظهر، ولا يبعد صحة الأولى ؛ لأن
.عدد المهاجرين كان أقل من عدد غيرهم من القبائل .
(٤) (( الدَّسِم)): الكثير الودَك، وسيشرح المؤلف غيرها في الفوائد .
(٥) ((طليعة قوم ): طليعة الجيش، من يُبعث ليطلع على مقدم العدو، ويستطلع أخباره.
(٦) السيرة النبوية ٤٠٤/٢ - ٤٠٥ .
- ٢٣٠ -

مکة ، وقال : من دخلَ دارَ حکیم فهو آمن - وهي بأسفل مکة ۔۔ ومن دخل دار أبي
سفيان فهو آمن - وهي بأعلى مكة - فكان هذا أماناً منه لكل من لم يقاتل من أهل
مکة(١) .
ولهذا قال جماعة من أهل العلم منهم الشافعي رحمه الله: إن مكة مُؤمَّنة وليست عنوة ،
والأمان كالصلح . ورأى أن أهلَها مالكون رباعَهم ، فلذلك كان يُجيز كِراءها لأربابها ،
وبيعَها وشراءها ، لأن من أُمِّنَ فقد حُرِّم مالُه ودمُه وذريته وعياله . فمكة مُؤْمَّنَة عند من قال
بهذا القول ، إلا الذين استثناهم رسولُ الله عَّه وأمر بقتلهم وإن وُجدوا متعلقين بأستار
الكعبة .
وأكثرُ أهل العلم يرون أن فتحَ مكة عنوة ، لأنها إنما أُخذت بالخيل والركاب . والخلافُ
بين العلماء في جواز أخذٍ أجرٍ المساكن بمكة أو المنع منه مشهور معروف ، وقد جاء في
حديث عن عائشة من طريق إبراهيم بن مهاجر في مكة ؛ أنها مُنَاخُ من سَبَقَ(٢).
أخبرنا أبو عبد الله بن أبي الفتح الصُّوري بمرج دمشق ، أخبرنا أسعد بن سعيد بن روح
وعائشة بنت مَعْمَر بن الفاخر إجازة من أصبهان ، قالا : أخبرتنا أم إبراهيم فاطمة الجُوزدانية
سماعاً ، قالت : أخبرنا أبو بكر بن رِيْذَة الضَّبِّي ، قال : أخبرنا أبو القاسم الطبراني ، حدثنا
يوسف بن الحسن بن عبد الرحمن العبَّاداني ، حدثنا نصر بن علي الجهضمي ، حدثنا
وهب بن جرير بن حازم ، حدثنا أبي ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر بن
محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري ، عن علي بن عبد الله بن العباس ، عن ابن عباس ،
قال: دخلَ رسولُ الله عَ ◌ّه مكة يومَ الفتح، وعلى الكعبة ثلثمائة وستون صنماً، قد شدَّ لهم
إبليس أقدامَها برصاص ، فجاء ومعه قضيبٌ ، فجعلَ يُهوي به إلى كل صنم منها ، فيخرُّ
لوجهه ، فيقول: ﴿جاءَّ الحقُّ وزهقَ الباطلُ إن الباطلَ كان زهُوقاً ﴾ [الإسراء: ٨١] حتى
(١) تاريخ الطبري ٥٥/٣.
(٢) رواه أبو داود في المناسك (باب تحريم حرم مكة) رقم /٢٠١٩/ والترمذي في الحج ( باب مِى مُنَاخ مَن
سبق) رقم / ٨٨١/ وابن ماجه في المناسك رقم /٣٠٠٦/ وأحمد في المسند ١٨٧/٦ و٢٠٧ ولفظ أبي داود :
عن عائشة قالت : قلت يا رسول الله ألا نبني لك يمنى بيتاً، أو بناء يُظلُّك من الشمس؟ فقال: «لا، إنما
هو مُناخٌ من سبقَ إليه)) . وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .
- ٢٣١ -

.-
مرَّ عليها كلَّها (١).
ولا خلافَ أنه لم يجر فيها قسم ولا غنيمة، ولا سُيَ من أهلها أحد ، لما عظّم الله من
حرمتها، ألا ترى إلى قوله عَّ له: ((مكة حرام مُحَرَّم لم تحلَّ لأحد قبلي، ولا تحلُّ لأحدٍ
بعدي ، وإنما أُحِلَّت لي ساعة من نهار، ثم هي حرام إلى يوم القيامة)) (٢).
قال أبو عمر: والأصَّحُ - والله أعلم - أنها بلدة مُؤْمَّنة، أُمّن أهلُها على أنفسهم،
وكانت أموالهم تبعاً لهم(٢) .
وقال الأموي: كانت راية رسول الله عَ ﴾ يوم الفتح بيد سعد بن عبادة ، فلما مرَّ بها
على أبي سفيان ، وكان قد أسلم أبو سفيان ، فقال سعد إذا نظر إليه : اليومَ يومُ الملحمة ،
اليوم تُستحلُّ الْحُرَمة، اليوم أذلَّ الله قريشاً. فأقبلَ رسول الله عَّه في كتيبة من الأنصار،
حتى إذا حاذى أبا سفيان ، فإداه : يا رسول الله أُمرتَ بقتل قومك ؟ فإنه زعم سعدٌ ومن معه
حين مرَّ بناء أنه قاتلُنا ، أنشدُك اللّهَ في قومك، فأنت أبرُّ الناس وأرحُمهم وأوصلُهم. فقال
عثمان وعبد الرحمن بن عوف : يا رسول الله والله ما نأمنُ سعداً أن تكون منه في قریش
صولة . فقال رسول الله عَ له: يا أبا سفيان اليومَ يومُ المرحمة، اليومَ أعزَّ الله فيه قريشاً
وقال ضرار بن الخطاب الفهري يومئذ :
ي قريشٍ ، ولاتَ حين لَجَاء
يا نِيّ الهدى إليكَّ لَجا حيُـ
ضِ ، وعاداهمُ إلَّهُ السماء
حين ضاقتْ عليهمُ سَعَةُ الأَر
والتقتْ حَلْقَتَا الْبِطَان على القو
م. ونُودوا بالصَّيْلِمِ الصَّلْعَاءِ(١).
ر بأهلِ الحُجون والبطخاء
إن سعداً يُريد قاصمةَ الظهـ
(١) ذكره الهيئمي في مجمع الزوائد ٥٤/٧ وقال: رواه الطبراني في المعجم الصغير وفيه ابن إسحاق وهو مدلس
ثقة ، وبقية رجاله ثقات .
(٢) رواه أبو عبيد في كتابه الأموال ص ٩٥، وهو في المسند ٢٥٣/١ عن ابن عباس رضي الله عنهما ..
(٣) الدرر ص ٢١٤.
(٤) ((حَلْقتا البِطَان)): البِطان: هنا الحزام للقتب يُجعل تحت بطن البعير، يُقال: التقتا حَلْقتا البطان: كناية
عن اشتداد الأمر وضيقه ، وسيشرح المؤلف غيرها في الفوائد .
- ٢٣٢ -

خزرجيّ لو يستطيعُ من الغيـ
وَغِرُ الصَّذِرِ لاَ يُهِمُّ بشيءٍ
قد تَلَظِّى على البطاحِ وجاءتْ
إذ ينادي بِذُلِّ حيٍّ قريشٍ
فائنْ أقحمَ اللواء ونادى
سط رمانا بالنسمر والعَوَّاء(١)
غيرٍ سفكِ الدِّمَا وَسَبْي النساء
عنه هندٌ بالسوءةِ السَّوَآء
وابنُ حربٍ بذا من الشهداء
يا حُماة اللواء أهلَ الَّلواء
رج والأوسِ أنجمُ الهيجاء(٢)
ثم ثابت إليه من بُهَمِ الخز
فقعةَ القاعِ في أُكفِّ الإِماء (٣)
لتكوننَّ بالبِطاحِ قريشٌ
فأنْهَيْه فإنَّه أَسدُ الأُسِـ
إنه مُطرقٌ يُدير لنا الأمـ
ــدٍ لدى الغابِ والغَّ في الدِّماءِ
ـرَ سكوتاً كالحَيَّة الصَّماءِ(٤)
فأرسل رسول الله عَ ل إلى سعد بن عبادة فنزعَ اللواء من يده ، وجعله بيد قيس ابنه ،
ورأى رسولُ الله ◌ُګ أن اللواء لم يخرج عنه إن صار إلى ابنه قيس . قال أبو عمر : وقد رُوي
أن النبيَّ عَلِ أعطى الراية للزبير إذ نزعها من سعد .
رجع إلى خبر ابن إسحاق: وأمرَ رسولُ الله عَ لِ خالد بن الوليد، فدخل من اللّيط
أسفلَ مكة في بعض الناس، فكان خالد على المجنَّة اليمنى، وفيها أسلم وسُلَيم وغِفار ومُزينة
وُهينة وقبائل من قبائل العرب . وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصفِّ من المسلمين ينصبُّ
لمکة بين يدي رسول الله لتز (٥).
وروينا في صحيح مسلم أن أبا عبيدة كان على البَيَاذقة - يعني الرجالة(٦) -.
(١) ((((بالنسر)): النَّسر: أحد النسرين، هما نجمان معروفان، والعَوَّاء: بالمد، وقد تُقصر: أحد منازل
القمر .
(٢) (( بُهَم )): جمع بُهْمَة: وهو الشجاع الذي لا يُدرى من أين يُؤْنى من شدة بأسه .
(٣) ((القاع)): الأرض المنخفضة المستوية فيها اتساع. و((الفِقعة)): الكمأة، وحين تكون في القاع تأتي رخوة
سطحية ، تنالُها الدواب بأرجلها ، يشبهون بها الرجل الذليل يُهانُ ويُمتهنُ .
(٤) ((الحية الصَّمَّاء)): التي لا تسمع.
(٥) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٤٠٧/٢ .
(٦) رواه مسلم في الجهاد والسير (باب فتح مكة) رقم / ١٧٨٠/ والنسائي في التفسير ؛ كما في نور النبراس لوحة
٢/ب ١٨٥ .
- ٢٣٣ -

قال ابن إسحاق: ودخلَ رسولُ الله عَّم من أَذَاخر حتى نزل بأعلى مكة ، وضُربت له
هناك قبة .
وكان صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسُهيل بن عمرو ، قد جمعوا أناساً بالخَتَدَمة.
ليُقاتلوا. وقد كان حِمَاسُ بن قيس بن خالد أخو بني بكر ، يُعدُّ سلاحاً قبل دخول
رسول الله عَّه ويُصلح منه، فقالت له امرأته: لماذا تُعِدُّ ما أُرى؟ قال: لمحمد وأصحابه .
قالت : والله ما أراه يقومُ لمحمدٍ واصحابه شيء ، قال: والله إني لأرجو أنْ أُخْدِمَكَ بعضَهم ،
ثم قال:
إِنْ يُقبلوا اليومَ فَمَالِي عِلَّه
هذا سلاحٌ كاملٌ وألَّه (١).
وذو غِرارين سريعُ السَّلَه(٢).
ثم شهد الخدمة مع صفوان وسهيل وعكرمة ، فلما لقيهم المسلمون من أصحاب
خالد بن الوليد وناوشوهم شيئاً من قتال ، فقُتل کرز بن جابر الفهري ، وخُنَيْس بن خالد بن
ربيعة بن أصرم الخزاعي ، وكانا في خيل خالد بن الوليد ، فشذا عنه ، فسلكا طريقاً غير
طريقه فقُتلا جميعاً. وأُصيب من جُهينة سلمة بن الميْلاء، وأُصيب من المشركين قريب من
اثني عشر رجلاً أو ثلاثة عشر رجلاً ، ثم انهزموا .
وقال ابن سعد: قُتل أربعةٌ وعشرون رجلاً من قريش وأربعةٌ من هذيل - قال(٣):
فخرجَ حِماس منهزماً ، حتى دخل بيته ، ثم قال لأمرأته : أغلقي عليَّ بابي ، قالت : وأين
ما كنت تقول ؟ فقال :
إذْ فِرَّ صفوانٌ وفرَّ عِكرمه
إنَّكِ لو شهدتِ يومَ الخندمه
يقطعنَ كلَّ ساعد وجمجمِه
واستقبلتنا بالسيوف المُسلمه
لهم نَهيِتّ حولنا وهمهمه
ضرباً فلايُسمع إلا غمغمه
لم تَنْطِقي في اللوم أدنى كلمه
(١) (( أَلَّهْ ): الآلَّة : الحربة لها سنان طويل .
(٢) ((ذو غِرارينْ)): السَّيف له حَدَّان .
(٣) قال : أي ابن إسحاق، كما في السيرة ٤٠٨/٢
- ٢٣٤ -

أخبرنا أبو الفضل الموصلي بقراءة والدي عليه رحمهما الله ، قال : أخبرنا الشيخ أبو علي
حنبل بن عبد الله بن الفرج بن سعادة الرصافي المكبر سماعاً عليه بسفح قاسيون سنة اثنتين
وستمائة ، قال : أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحصين الشيباني ،
قال : أخبرنا أبو علي الحسن بن علي بن المذهب ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن
حمدان بن مالك القطيعي ، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي ، حدثنا بهزّ
وهاشم ، حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت ، قال هاشم : حدثني ثابت ، حدثنا عبد الله بن
رباح ، قال: وفدتْ وفودٌ إلى معاوية أنا فيهم وأبو هريرة، فذكر حديثاً. وفيه : قال : فقال
أبو هريرة : ألا أعلمُكم بحديث من حديثكم يا معشر الأنصار؟ قال: فذكر فتح مكة :
قال: أقبل رسولُ الله عَ لِ فدخل مكة، قال: فبعثَ الزبيرَ على إحدى المجنِّتين(١)، وبعثَ
خالداً على المجنِّبة الأخرى ، وبعث أبا عبيدة بنَ الجراح على الحُسَّرِ (٢) ، فأخذوا بطنَ الوادي ،
ورسولُ اللهِ مَ له في كتيبة، قال: قد وَبَّشَتْ(٣) قريش أوباشاً لها ، قال: فقالوا نقدم هؤلاء
فإن كان لهم شيء كنا معهم ، وإن أُصيبوا أعطينا الذي سُئلنا . وفيه : فقال: يا أبا هريرة ؟
فقلت : لبيك يا رسول الله . قال: فقال اهتف لي يا للأنصار. وفيه : ولا يأتني إلا
أنصاريٍّ. فهتف بهم فجاؤوا، فأطافوا برسول الله عَ له. قال: فقال رسول الله عز له:
ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم ؟ ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى : احصدوهم حصداً
حتى توافوني بالصفا . فقال أبو هريرة : فانطلقنا ، فما يشاءُ أحد منا أن يقتلَ منهم ما شاء ،
وما أحد يُوجّه إلينا منهم شيئاً . قال: فقال أبو سفيان: يا رسول الله أُبيحتْ خضراءُ
قريش(٤)، لا قريشَ بعد اليوم. قال فقال رسول الله عَ له: ((مَنْ أغلق بابه فهو آمن، ومن
دخلَ دارَ أبي سفيان فهو آمن. قال: فغلَّقَ النَّاسُ أبوابَهم. قال: فأقبلَ رسولُ الله عَّهِ إلى
الحَجَر فاستلمَه ، ثم طاف بالبيت . قال: وفي يده قوس، آخداً بسِية القوس(٥) ، فأتى في
(١) ((المجنبتين)): هما الميمنة والميسرة.
(٢) (« الحُسَّر)»: جمع حاسر، وهو المقاتل لا درع له .
(٣) (( أَوْبَاشَاً لها )): جموعاً من قبائل شتى، ووبِّشتهم : جمعتهم .
(٤) ((خضراء قريش)): جمهرتهم وعامتهم ، كنى بالخضرة عن السواد الذي يعني هنا الجماعة الكاثرة ، والعرب
تكني بالخضرة عن السواد ، وبالسواد عن الخضرة ، ومنه سواد العراق .
(٥) (سية القوس)): ما عُطف من طرفيها، وللقوس سيتان .
- ٢٣٥ -

طوافه على صنم إلى جنب البيت يعبدونه ، قال: فجعل يطعن بها في عينه ، ويقول: ﴿جاءً
الحقَّ وزهقَ الباطلُ إِنَّ الباطلَ كان زَهُوقاً﴾ [الإسراء: ٨١] ﴿جاءَ الحقُّ وما يُبدىُ
الباطلُ وما يُعيد﴾ [ سبأ: ٤٩ ]، قال: ثم أتى الصفا فعلاه حيث ينظر إلى البيت ، فرفع
يديه فجعل يذكر الله تعالى بما شاء أن يذكرَه ويدعوه، قال: والأنصارُ تحته . قال : يقول
بعضُهم لبعض : أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ، ورأفة بعشيرته . قال : وجاء الوحيُ
- وكان إذا جاء الوحيُ لم يخفَ علينا، فليس أحد من الناس يرفع طرفه إلى رسول الله عَليه
حتى يُقضى - قال هاشم: فلما قُضي الوحي رفع رأسه ، ثم قال: يا معشر الأنصار قلتم :
أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته . قالوا : قلنا ذلك يا رسول الله. قال : فما :
اسمي إذن ؟ إني عبدُ الله ورسولُه، هاجرتُ إلى الله وإليكم ، فالمحيا محيا كم والمماتُ مماتكم .
قال : فأقبلوا إليه بيكون ، ويقولون : والله ما قلنا الذي قلنا إلا الضنُّ بالله ورسوله . فقال
رسولُ الله عَّ ◌ُله: فإن الله ورسولَه يَعْذِرانِكم ويُصَدِّقانِكم. رواه أبو داود عن (١) الإِمام
أحمد بن حنبل .
وكان رسولُ الله عَ ◌ِّ قد عهد إلى أمرائه من المسلمين حين أمرّهم بدخول مكة أن
لا یقاتلوا إلا من قاتلهم ، إلا أنه قد عهد في نفر سمًّاهم بقتلهم ، وإن وُ جدوا تحت أَستار
الكعبة، منهم : عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري ، وعبد العزى بن خَطِلَ ،
وعكرمة بن أبي جهل ، والحويرث بن نُقيذ بن وهب بن عبد بن قصي ، ومِقيس بن صُبابة ،
وهُبَّر بن الأسود، وقينتا ابن خطل، كانتا تُغنَّيَان ابنَ خطل بهجو رسول الله عَلّهِ، وسارّة
مولاة لبني عبد المطلب .
فأما ابن أبي سرح فكان ممن أسلم قبل ذلك وهاجر ، وكان يكتبُ الوحيّ
لرسول الله عَ لّه، ثم ارتدَّ مشركاً، وصار إلى قريش، فلما كان يوم الفتح فرَّ إلى عثمان
- وكان أخاه من الرضاعة، أرضعت أمُّه عثمانَ - فغيَّه حتى أتى به رسولَ الله عَ لِّ بعد
ما اطمأن الناسُ، فاستأمنه له، فصمتَ رسولُ اللهِ مَّهِ طويلاً، ثم قال: نعم. فلما
(١) رواه مسلم في الجهاد والسير ( باب فتح مكة) رقم /١٧٨٠/ والنسائي في التفسير ، وأبو داود في الخراج
والإمارة ( باب ما جاء في خبر مكة) رقم /٣٠٢٤/ والإمام أحمد في المسند ٥٣٨/٢. وانظر نور النبراس
لوحة ٢/ب ١٨٨ لتعرف سبب عدول المؤلف إلى إخراجه من المسند .
- ٢٣٦ -

انصرفَ عثمان، قال رسول الله عَ لَّه لمن حولَه: ما صمتُّ إلا ليقومَ إليه بعضُكم فيضربَ
عنقه . فقال رجلٌ من الأنصار : فهلا أومأتَ إليَّ يا رسول الله؟ فقال: إن النبيّ لا ينبغي أن
تكون له خائنةُ أعين .
قلت : وكان بعد ذلك ممن حسن إسلامه ، ولم يظهر منه شيء يُنكر عليه ، وهو آخر
النجباء العقلاء الكرماء من قريش ، وكان فارسَ بني عامر بن لؤي ، المقدَّم فيهم ، وولاه
عمر بن الخطاب ثم عثمان رضي الله عنهم .
وأما ابن خَطّل فإنما أمر بقتله أنه كان مسلماً، فبعثه رسولُ اللهِ عَّلِّ(١) مُصَدِّقاً، وبعث
معه رجلاً من الأنصار ، وكان معه مولى له يخدمه ، وكان مسلماً ، فنزل منزلاً وأمر المولى أن
يذبَ له تيساً ، فيصنعَ له طعاماً ، فنامَ ، فاستيقظ ابن خطل ولم يصنع له شيئاً ، فعدا عليه
فقتلَه ثم ارتد مشركاً. وكانت له قينتان: فَرْتَنًا وقَرِيبة، وكانتا تغنيان بهجاء رسول الله مَّ ◌َلَه،
فأمر بقتلهما معه ، فقتلَه سعيد بن حريث المخزومي وأبو برزة الأسلمي .
وروینا عن ابن جُمیع ، حدثنا محمد بن أحمد الخولاني بمكة ، حدثنا أحمد بن رشدین ،
قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن لَهيعة ، عن عُقَيل ، عن ابن شهاب ، عن أنس بن
مالك ، عن التي عَلِ ؛ أنه دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المِعْفر ، فلما نزعه جاءه رجلٌ
فقال: ابنُ خَطَل مُتعلُّق بأستار الكعبة . فقال : اقتلوه(٢) . قال ابن شهاب: ولم يكن
رسولُ الله عَّه يومئذ مُحرماً (٣).
وأما عكرمة بن أبي جهل(٤)، فُقِّر إلى اليمن، فاتبعته امرأته أم حكيم بنت الحارث بن
هشام فردته ، فأسلم وحسن إسلامه ، وكان يُعدُّ من فضلاء الصحابة .
(١) (( مصدقاً): جامعاً للصدقة .
(٢) حديث أنس رواه البخاري في المغازي (باب أين ركز النبي عَل الراية يوم الفتح) رقم /٤٢٨٦/، ومسلم
في الحج ( باب جواز دخوله مكة بغير إحرام) رقم /١٣٥٧/، والموطأ في الحج ٤٢٣/١، وأبو داود في
الجهاد رقم /٢٦٨٥/، والترمذي في الجهاد رقم /١٦٩٣/، والنسائي في الحج ٢٠١/٥.
(٣) هذا تعليل للأمر بالقتل . وفي الموطأ: ولم يكن فيما نرى يومئذ - والله أعلم - مُحرماً.
(٤) كان السبب في إهدار دمه - والله أعلم - هو أنه كان شديداً كأبيه في إيذاء رسول الله عز رائيل .
- ٢٣٧ -

وأما الخويرث بن نُقيذ(١) فكان يؤذي رسولَ الله عَّ ◌َله بمكة، فقتله علي بن أبي طالب
يوم الفتح .
وأما مِقيس بن صُبابة فكان قد أتى النبيِّ عَ لّمه قبل ذلك مسلماً، ثم عدا على رجل من
الأنصار فقتلَه بأخيه هشام بن صُبابة بعد أن أخذ الدية ، وكان الأنصاريُّ قتل أخاه مسلماً
خطأ في غزوة ذي قَرَدَ(٢) وهو يُرى أنه من العدو . وقد تقدم ذلك في غزوة ذي تُرد وأبيات
مِقيس في ذلك، ثم لحق بمكة مرتداً ، فقتله يومَ الفتح ثُمَيْلة بن عبد الله الليثي وهو ابن عمه.
قال أبو عمر: ومن سنَّبَه عَ لم أنه قال: ((لا أعفي أحداً قتل بعد أخذ الدية)). هذا
من المسلمين(٢). وأما مقيس فارتد(٤) أيضاً .
وأما هَبَّار بن الأسود: فهو الذي عرضَ لزينبَ بنت رسول الله عَّ له في سفهاء قريش
حين بعث بها أبو العاص زوجها إلى المدينة ، فأهوى إليها هبار هذا ونخس بها ، فسقطت على
صخرة ، فألقت ذا بطنها ، واهراقت الدماء ، فلم يزل بها مرضها ذلك حتى ماتت سنة ثمان ،
فقال عليه الصلاة والسلام: إن وجدتم هباراً فأحرقوه بالنار ، ثم قال : اقتلوه فإنه لا يُعذب
بالنار إلا ربُّ النار. فلم يوجد يوم الفتح، ثم أسلم بعد الفتح وحسن إسلامه وصحبَ
النّ ێِ .
:
وذكر الزبير أنه لما أسلم وقدم مهاجراً جعلوا يسبُّونه، فذكر ذلك لرسول الله عَ ل﴾.
فقال : سُبَّ من سَبَّكَ . فانتهوا عنه .
وأما فينتا ابن خَطَلَ فَرْتَنَا وقَرِيبة فقتلت إحداهما واستُؤْمِن رسول الله عَ لِّ لِلأخرى،
فَأَمَّنَهَا، فعاشت مدة، ثم ماتت في حياة النبي عَِّ.
: (١) كذا في الأصول، وفي السيرة الشامية ٣٤٠/٥: الحويرث بن نُقيدر؛ بضم النون وفتح القاف وسكون
التحتية فدال مهملة ، فراء مهملة .
(٢) سبق للمؤلف أن ذكر هذه الحادثة في غزوة بني المصطلق ، ويبدو أنه تابع هنا ابن عبد البر في الاستيعاب في
ترجمة هشام بن صُبابة .
(٣) الدرر ص ٢٢٠.
(٤) عبارة أبو عمر بن عبد البر في المصدر السابق: وأما مِقْيَس بن صُبابة فارتد وقُتل بعد أخذ الهية.
- ٢٣٨ -

وأما سارة فاستؤمن لها أيضاً فأمَّنها عليه الصلاة والسلام فعاشت إلى أن أوطاها(١) رجل
فرساً بالأبطح في زمن عمر فماتت .
واستجار بأم هانىء بنت أبي طالب رجلان ، قيل : هما : الحارث بن هشام ، وزهير بن
أبي أمية ، وقيل : أحدهما جعدة بن هبيرة . فأجارتهما، فأراد علّ قتلهما، فدخلت إلى
رسول الله عَّهِ وهو يُصلِّي الضحى ، فذكرت ذلك له ، فأمضى جوارها ، وقال : قد أجرنا
من أجرت وأمَّنَّا من أَمَّنْتِ . وأسلمت أم هانىء يوم الفتح ، وهي شقيقة علي بن أبي طالب
وعقيل وجعفر وطالب ، أُمُّهم فاطمة بنت أسد، قيل: اسمها فاختة ، وقيل: هند . ومن
حجة من قال إن اسمها هند قول زوجها هبيرة بن أبي وهب المخزومي حين فر يوم الفتح ولم
يسلم ولحق بنجران ومات على شركه من أبيات أولها :
كذاك النوى أسبابُها وانفتالها (٢)
أُشاقتكَ هندٌ أم جفاكَ سؤالها
بنجرانَ يسري بعد نومٍ خيالُها
وقد أرَّقتْ في رأس حصنٍ ممرَّدٍ
وعاذلةٍ هبَّتْ علي تلومني
لئن كنتِ قد تابعت دينَ محمد
فكوني على أعلى سحيقٍ بهضبة
فإنَّ من قومٍ إذا جدَّ جِدُّهم
وإني لأحمي مِن وراء عشيرتي
وطارتْ بأيدي القوم بيضٌ كَأَنَّها
وإِنَّ كلامَ المرء في غير كُنهه
وتعذلني بالليل ، ضلَّ ضلالها(٣)
وعَطَّفَتِ الأرحامَ منك حِبَالُها
ممنَّعةٍ لا يُستطاع قِلالُها(٤)
على أيّ حالٍ أصبحَ اليومَ حالُها
إذا كثرتْ تحت العوالي مجالُها(٥)
مخاريقُ ولدانٍ يطيشُ ظِلالُها (٦)
لكالنبل تهوي ليس فيها نصالها
(١) ((أوطاها)): حملها عليه فوطئها؛ أي داسها . وهي التي كان معها كتاب حاطب بن أبي بلتعة. انظر الإصابة
٠٣٢٣/٤
(٢) ((انفتالُها)): تقلبها من حال إلى حال .
(٣) (( ضل ضلالها)): هذا دعاء عليها بالضلال .
(٤) ((سحيق)): بعيد. (( قلالها)): جميع قلّة، وهي القمة .
(٥) ((العوالي)): الرماح الطويلة. ((مجالها)): اسم مكان من الجَوّلان.
(٦) في السيرة النبوية ٤٢١/٢: ((وصارت)). و((مخاريق)): مناديل، يعقد الأطفال طرف كل واحد منها،
يضرب بها بعضهم بعضاً في لعبهم .
- ٢٣٩ -

بقية الخبر عن فتح مكة
ولما نزل رسولُ الله عګ مکة واطمأن الناسُ ، خرج حتى جاء البيت فطاف به سبعاً
على راحلته ، يستلم الركن يمحجن(١) في يده ، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ
منه مِفتاحَ الكعبة ، فَقُتِحِتْ له فدخلها ، فوجدَ بها حمامةٌ من عِيدان ، فکسرها بيده ثم
طرحها، ثم وقفَ على باب الكعبة ، فقال : لا إله إلا الله وحده ، لا شريك له ، صدق
وعده، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده. ألا كلُّ مأثرة(٢) أو دم أو مال يُدَّعى فهو تحت
قدميَّ هاتين ، إلا سِدانة البيت وسقاية الحاج . ألا وقتيل الخطأ شبه العمد السوطُ والعصا
ففيه الدية مغلظةً مائة من الإبل، أربعون منها في بطونها أولادها. يا معشر قريش! إن الله
أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظّمَها بالآباء ، الناس من آدم وآدمُ من تراب . ثم تلا هذه الآية
﴿يا أيُّها النَّاسُ إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى﴾ الآية [ الحجرات: ١٣] ثم قال: يا معشر
قريش ما ترون أني فاعلٌ فيكم ؟ قالوا خيراً، أخ كريم وابنُ أخ كريم . ثم قال : اذهبوا فأنتم
الطلقاء. ثم جلس في المسجد، فقام إليه علىّ ومفتاح الكعبة في يده ، فقال: يا رسول الله
اجمع لنا الحِجابة مع السِّقاية صلى الله عليك وسلم .
فقال رسول الله عَّهِ: أين عثمان بن طلحة؟ فدُعي له، فقال: هاك مِفتاحَك
یا عثمان ، الیوم یومُ بر ووفاء .
وروينا عن عثمان بن طلحة ، من طريق ابن سعد ، قال : كنا نفتح الكعبة في الجاهلية
يوم الاثنين والخميس، فأقبل ـت يعني النبي عَ ل ــ يوماً يريد أن يدخل الكعبة مع الناس،
فعَلَظْتُ عليه وفِلتُ منه ، وحَلُم عني ، ثم قال : يا عثمان لعلك سترى هذا المفتاح يوماً بيدي
أضعه حيث شئت . فقلت : لقد هلكتْ قريش يومئذ وذَلَّتْ. فقال: بل عَمُرتِ وعزَّثْ
يومئذ . ودخلَ الكعبة ، فوقعت كلمتُه مني موقعاً ظننت يومئذٍ أن الأمر سيصيرُ إلى ما قال .
(١) ((يمِحْجَن)): بعصاً معقوفة الرأسنُ.
(٢) ((مَأثرة)): مكرمة ومفخرة معروفة موروثة.
-- ٢٤٠ -