النص المفهرس

صفحات 201-220

قالوا: بعث رسولُ اللهِ عَ لِّ بشيرَ بن سعد في ثلاثين رجلاً إلى بني مرة بفدك،
فخرج ، فلقي ◌ِرِعَاءَ الشاء، فسأل عن الناس ، فقيل: في بواديهم . فاستاق النَّعَمَ والشاء ،
وانحدر إلى المدينة ، فخرج الصريخ، فأخبرهم ، فأدركَه الدَّهْم(١) منهم ، عند الليل ، فباتوا
يرامونهم بالنبل حتى فنيتْ نبلُ أصحاب بشير. وقاتل بشير حتى ارْتُكَّ(٢)، وضُرب كعبُه،
وقيل: قد مات . ورجعوا بنعَمهم وشائهم، وقدم عُلْبَة بن زيد الحارثي بخبرهم على
رسول الله عَ ل ، ثم قدم من بعده بشير بن سعد(٢) .
سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى الميْفَعَة
قال : ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى المَيَفْعَة في شهر رمضان ، سنة سبع . قالوا :
بعث رسولُ اللهِ عَ لِ غالب بن عبد الله إلى بني عُوَال ـ بضم العين - وبني عبد بن ثعلبة،
وهم بالَيْفَعة ، وهي وراء بطن نخل إلى النُّقْرة قليلاً بناحية نجد ، وبينها وبين المدينة ثمانية برد ،
بعثه في مائة وثلاثين رجلاً، ودليلُهم يسار مولى رسول الله عَ ليه، فهجموا عليهم جميعاً،
ووقعوا في وسط مَحالّهم ، فقتلوا من أشراف لهم، واستاقوا نَعَماً وشاء، فحدروه إلى المدينة
ولم يأسروا أحداً . وفي هذه السرية قتلَ أسامةُ بن زيد الرجلَ الذي قال لا إله إلا الله، فقال
النِّ عَظُلِ: ((ألا شققتَ عن قلبه فتعلمَ أصادقٌ هو أم كاذب؟)). فقال أسامة: لا أقاتلُ
أحداً يشهدُ أن لا إله إلا الله (٤).
وبَوَّبَ البخاريُّ على هذه السرية: بابُ بعث النبي عَّ ◌ُلِ أسامة بن زيد إلى الحُرقَات من
جهينة ، قال : حدثني عمرو بن محمد ، حدثنا هشيم ، أخبرنا حصين ، أخبرنا أبو ظَبيان
قال: سمعتُ أسامة بن زيد، يقول: بعثنا رسول الله عَّ له إلى الحُرَقة، بطن من جُهينة،
فَصَبَّحْنا القومَ ، فهزمناهم، ولحقتُ أنا ورجلٌ من الأنصار رجلاً منهم ، فلما غشيناه قال :
لا إله إلا الله. فكفَّ الأنصاريُّ، فطعنتُه برمجي حتى قتلته. فلما قدمنا بلغ النبيَّ عَلِ ،
فقال: (( يا أسامة أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟)). قلت: إنما كان مُتعوِّذاً، فما زال
(١) ((الدَّهْم)): العدد الكثير .
(٢) ((ارْتُتَّ)»: حُمل من المعركة جريحاً منقطع القوى.
(٣) الطبقات الكبرى ١١٨/٢ - ١١٩.
(٤) المصدر السابق ١١٩/٢ .
- ٢٠١ -

يكررها ، حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم(١).
سرية بشير بن سعد الأنصاريّ إلی یَمْن وجَبَار
قال : ثم سرية بشير بن سعد الأنصاريّ إلى يَمْن وجَبَار في شوال سنة سبع . قالوا : بلغ
رسولَ الله عَ له أن جمعاً من غطفان بالجنَاب، قد واعدهم عيينة بن حصن الفزاري، ليكون
معهم، ليزحفوا إلى رسول الله عَ الله. فدعا رسولُ الله عَّلِ بشيرَ بن سعد، فعقدَ له لواء؛
وبعث معه ثلاثمائة رجل ، فساروا الليل وكَمنوا النهار ، حتى أتوا إلى يَمْن وجَبَار ، وهي نحو
الجناب ، والجناب مَعارض سلاح وخيبر ووادي القرى، فنزلوا بسلاح، ثم دنوا من القوم،
فأصابوا لهم نَعَماً كثيراً، وتفرَّق الرعاء، فَحَذَّروا الجمع ، فتفرقوا ولحقوا بُعليا بلادهم ،
وخرج بشير بن سعد في أصحابه حتى أتى مَحالَّهم ، فيجدها وليس فيها أحدٌ ، فرجعَ بالنَّعَم
وأصابَ منهم رجلين فأسرَهما وقدم بهما إلى رسول الله عَ له فأسلما، فأرسلهما(٢).
ويمن : بفتح الياء آخر الحروف ، وقيل بضمها ، وقيل بالهمزة مفتوحة ساكنة الميم .
• وجَبَار بفتح الجيم وباء معجمة ثانية الحروف مخففة ، وبعدها ألف وراء .
والجِنَاب: بكسر الجيم ، من أرض غطفان ، وذكره أيضاً الحازمي ، وقال : من بلاد
فَارة .
• وعارضتُ فلاناً في السير ، أي : سرت حِيَّاله .
• وسلاح: بكسر السين المهملة وبالحاء المهملة ، موضع قريب من خيبر.
(١) رواه البخاري في المغازي (باب بعث البني عَ له أسامة .. ) رقم /٤٢٦٩/ ومسلم في الإيمان ( باب تحريم
قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلا الله ) رقم /٩٦/، وأبو داود في الجهاد ( باب على ما يقاتل المشركون ) رقم
/٠/٢٦٤٣
ولم يُرد أسامة أنه يتمنى أنه ألم يكن مسلماً قبل ذلك ، وإنما هو استعظام لما صدر منه بعد شدة إنكار
الرسول عَلَه عليه، فهو يتمنى أن لو كان ما صدر منه ضمن أخطاء جاهلية تُجَبُّ بالإِسلام.
وذكر البغوي: أن رسول الله عَّلِ استغفر بعدُ لأسامة ثلاث مرات، وقال له: أعتقْ رقبةً . انظر شرح
السنة .
(٢) الطبقات الكبرى ١٢٠/٢.
- ٢٠٢ -

عمرة القضاء
ويُقال لها عمرة القصاص
وكان من خبرها أن رسولَ الله عَّةِ خرج في ذي القعدة من السنة السابعة قاصداً مكة
للعمرة ، على ما عاقد عليه قريشاً في الحديبية . فلما اتصل ذلك بقريش ، خرج أكابرٌ منهم
عن مكة، عداوة لله تعالى ولرسوله عَ له ، ولم يقدروا على الصبر في رؤيته يطوف بالبيت هو
وأصحابه، فدخل رسول الله عَ ليه مكة، وأتمّالله له عمرتَه، وقعد بعضُ المشركين
بقُعيقعان(١)، ينظرون إلى المسلمين وهم يطوفون بالبيت، فأمرهم رسول الله عَ له بالرّمَل
ليروا المشركين أن بهم قوة ، وكان المشركون قالوا في المهاجرين: قد وهنتهم حُمَّى يثرب .
وتزوَّج رسولُ الله عَلِه في عمرته تلك ميمونة بنت الحارث الهلالية ، قيل: تزوجها قبل
أن يُحرم بعمرته ، وقيل: بعد أن حلَّ من عمرته ، وقيل : تزوجها وهو محرم . فلما تمت
الثلاثة الأيام التي هي أمد الصلح ، جاء حُويطب بن عبد العزى ومعه سُهيل بن عمرو إلى
رسول الله عَ له عن المشركين بأن يخرج عن مكة، ولم يُمهلوه حتى يبني على ميمونة ، فخرج
رسولُ الله عَ ◌ّهِ وبنى بها بِسَرِف(٢) .
وذكر ابن سعد أن المعتمرين بها كانوا ألفين ، هم أهل الحديبية ومن انضاف إليهم ، إلا
من مات منهم أو استُشهد بخيبر. واستخلفَ رسول الله عَ لِّ على المدينة أبا رُهم الغفاري،
وقيل : غيره ، وساقَ ستين بدنة ، وجعل عليها ناجيةً بن جندب ، ومائة فرس ، قدَّم عليها
محمد بن مسلمة أمامه . وجعلَ على السلاح أوسَ بن خولي في مائتي رجل ببطن يَأْجَج ، ثم
خَلَفهم غيرُهم حتى قضى الكلُّ مناسكَ عمرتهم رضي الله عنهم (٣).
أخبرنا أحمد بن يوسف السَّاوي بقراءة والدي عليه رحمهما الله تعالى سنة ست وسبعين
وستمائة ، أخبرنا أبو رَوْح المطهر بن أبي بكر البيهقي سماعاً عليه سنة خمس وستمائة ، أخبرنا
(١) (( قُمَيْقعان)): جبل مشهور بمكة .
(٢) ((شَرِف)): موضع على ستة أميال من مكة.
(٣) الطبقات الكبرى ١٢٠/٢ - ١٢١.
- ٢٠٣ -

الإِمام أبو بكر محمد بن علي الطُّوسي ، أخبرنا أبو علي نصر الله بن أحمد بن عثمان الخشنامي ،
أخبرنا القاضي أبو بكر الخيري ، أخبرنا أبو علي الميداني ، أخبرنا محمد بن يحيى الذَّهلي،
حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر؛ عن الزهري، عن أنس بن مالك، أن النبيِّ حَّ ◌َلِ دخلَ مكة
في عُمرة القضاء، وعبدُ الله بن رواحة آخذٌ بغَرْزُ النِي عَلَّهِ، وهو يقول:
خَلُّوا بني الكفار عن سبيلِه قد أُنزلَّ الرحمنُ في تنزيل
بأن خيرَ القتلِ في سبيله(١)
وكان إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة قُبَيلَ عمرة القضاء،
وقيل بعدها .
سرية ابن أبي العَوْجاء السُّلَمي إلى بني سُليم
قال ابن سعد : ثم سريةً ابن أبي العوجاء إلى بني سُليم في ذي الحجة سنة سبع . قالوا :
بعثَ رسولُ الله عَّمِ ابْنَ أبي العَوْجاء السُّلمي في خمسين رجلاً إلى بني سُليم ، فخرج إليهم ،
وتقدمه عين لهم كان معهم فحذَّرهم ، فجمعوا ، فأتاهم ابن أبي العوجاء وهم مُعدُّون له ،
فدعاهم إلى الإسلام، فقالوا: لا حاجة لنا إلى ما دَعَوْتنا إليه ،فترامَوْا بالنبل ساعة ،
وجعلتِ الأمداد تأتي ، حتى أحدقوا بهم من كل ناحية، فقاتلَ القومُ قتالاً شديداً ، حتى قُتل:
عامَّتُهم، وأُصيب ابنُ أبي العَوْجاء جريحاً مع القتلى، ثم تحاملَ حتى بلغَ رسولَ الله عَ لّهِ ،
فقدموا المدينةَ في أول يوم من صفر سنة ثمان (٢).
(١) رواه النسائي في الحج (باب إنشاد الشعر في الحرم .. ) ٢٠٢/٥.
ورواه الترمذي في الأدب ( باب ما جاء في إنشاد الشعر) رقم /٢٨٥١/، وقال : هذا حديث حسن
صحيح غريب من هذا الوجه .
:
وقد روى عبد الرزاق هذا الحديث أيضاً عن معمر عن الزهري عن أنس نحو هذا ، وروي في غير هذا
الحديث أن النبي صَُّ دخل مكة في عمرة القضاء وكعب بن مالك بين يديه ، وهذا أضح عند بعض أهل
الحديث ، لأن عبد الله بن رواحة قتل يوم مؤتة ، وإنما كانت عمرة القضاء بعد ذلك .
(٢) الطبقات الكبرى ١٢٣/٢.
- ٢٠٤ -

سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني المُلَوِّح بالكَدِيد
قال ابن سعد : ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الُلَوَّح بالكَدِيد(١) في صفر سنة
ثمان . قال : أخبرنا عبد الله بن عمرو أبو معمر ، حدثنا عبد الوارث بن سعيد ، حدثنا
محمد بن إسحاق ، عن يعقوب بن عتبة ، عن مسلم بن عبد الله الجهني ، عن جندب بن
مَكيث الْجُهني، قال: بعثَ رسولُ الله عَ لِ غالب بن عبد الله الليثي، ثم أحد بني
كلاب بن عوف في سرية كنتُ فيهم ، وأمرهم أن يَشُتُّوا الغارةَ على بني الملَوِّح بالكَدِيد ، وهم
من بني ليث . قال : فخرجنا ، حتى إذا كنا بالكَدِيد لقينا الحارثَ بن البَرْضَاء الليثي ،
فأخذناه، فقال: إنما جئتُ أُريد الإِسلام، وإنما خرجتُ إلى رسول الله عَ ◌ّه. قلنا: إن
تكن مسلماً لم يَضْرُرْكَ رباطنا يوماً وليلة ، وإن تكن على غير ذلك نستوثق منك . قال :
فشددناه وثاقاً ، وخَلَّفنا عليه رُويجلاً منا أسود، فقلنا: إن نازَعك فاحتزَّ رأسه ، فسرنا حتى
أتينا الكَدِيد عن غروب الشمس ، فكمنّا في ناحية الوادي . وبعثني أصحابي ربيئة لهم ،
فخرجتُ حتى آتي تلاً مشرفاً على الحاضر يُطلعني عليهم ، حتى إذا أسندتُ فيه ، علوتُ على
رأسه ، ثم اضطجعتُ عليه. قال : فإني لأنظرُ إذ خرجَ رجلٌ منهم من خِباء له ، فقال :
لامرأته : إني أرى على هذا الجبل سَواداً ما رأيته أولَ من يومي هذا. فانظري إلى أوعيتِك
لا تكونُ الكلابُ جَرَّتْ منها شيئاً . قال: فنظرتْ ، فقالت: والله ما أفقدُ من أوعيتي شيئاً .
قال : فناوليني قوسي ونبلي ، فناولته قوسَه وسهمين معها، فأرسلَ سهماً ، فوالله ما أخطأ بين
عيني ، قال : فانتزعتُه فوضعتُه ، وثبتُّ مكاني ، ثم أرسلَ آخر فوضعه في منكي ، فانتزعتُه
فوضعتُه ، وثبتُّ مكاني . قال: فقال لامرأته: والله لو كانت ربيئة لقد تحركت بعدُ ، والله
لقد خالطَها سهمان لا أبا لك، فإذا أصبحتِ فانظريهما لا تمضغُهما الكلاب . قال : ثم
دخلَ ، وراحتِ الماشية من إبلهم وأغنامهم ، فلما احتلبوا واطمأنوا ، فناموا، شننا عليهم
الغارة؛ واستقنا النَّعَم . قال: فخرجَ صريحُ القوم في قومهم ، فجاء ما لا قبل لنا به ، فخرجنا
بها نحدرُها ، حتى مررنا بابن البَرْصاء، فاحتملناه واحتملنا صاحبنا ، فأدركنا القومُ ، حتى
نظروا إلينا ، ما بيننا وبينهم إلا الوادي ، ونحن مُوجّهون في ناحية الوداي ، إذ جاء الله بالوادي
(١) ((الكَدِيد)): موضع بين قُديد وعُسفان، بينه وبين مكة ٤٢ ميلاً.
- ٢٠٥ -

من حيث شاء يملأ جنبيه ماء، والله ما رأينا يومئذ سحاباً ولا مطراً، فجاء بما لا يَستطيع أحد
أَن يَجَوَزه ، فلقد رأيتُهم وقوفاً ينظرون إلينا وقد أسندناها في المسيل . وقال الواقدي : في:
المُشَلَّل(١) - بدل المسيل - نحدرها وفتناهم فوتاً، لا يقدون فيه على طلبناً، قال: وكانوا.
بضعةً عشر رجلاً(٢) .
سرية غالب بن عبد الله الليثي
إلى مُصاب أصحاب بشير بن سعد بفَدَك
ثم سرية غالب بن عبد الليثي أيضاً إلى مُصاب أصحاب بشير بن سعد بفَدك في صفر :
سنة ثمان . قال : أخبرنا محمد بن عمر ، حدثني عبدُ الله بن الحارث بن الفضيل ، عن أبيه ،
قال: هيأ رسولُ الله عَ لِّ الزبير بن العوام، وقال له: سرْ حتى تنتهي إلى مُصاب أصحاب
بشير بن سعد ، فإِن أظفرك الله بهم فلا تُبق منهم. وهيأ معه مائتي رجل ، وعقد له لواء،
فقدم غالبٌ من الكَديد من سرية قد ظَفَّره الله عليهم، فقال رسولُ اللهِ عَِّ للزبير:
اجلسْ ، وبعثَ غالبَ بن عبد الله في مائتي رجل ، وخرج أسامة بن زيد فيها ، حتى انتهى إلى
مُصاب أصحاب بشير، وخرج معه عُلْبة بن زيد فيها ، فأصابوا منهم نَعَماً ، وقتلوا منهم
قتلى . قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثني أفلح بن سعيد ، عن بشیر بن محمد بن
عبد الله بن زيد ، قال : خرجَ مع غنالب في هذه السرية عتبة بن عمر وأبو مسعود ،
وكعب بن عجرة ، وأسامة بن زيد، وعُلْبة بن زيد الحارثي. أخبرنا محمد بن عمر ، قال:
: حدثني شبل بن العلاء بن عبد الرحمن، عن إبراهيم بن حُويِّصة ، عن أبيه ، قال : بعثني
رسولُ الله عَ ◌ّه في سرية مع غالب بن عبد الله إلى بني مرة ، فأغرنا عليهم من الصبح ، وقد
أوعز إلينا أميرُنا أن لا نفترقَ، وَوَاخَى بيننا، فقال: لا تعصوني، فإن رسول الله عَلّهِ ،
قال: (( من أطاعَ أميري فقد أطاعني ومن عَصَاه فقد عصاني)) وإنكم متى ما تعصوني
(١) ((المشلَّل)): هو بُقديد من ناحية البحر، وهو الجبل الذي يهبط منه إلى قُديد، والله أعلم.
(٢) الطبقات الكبرى ١٢٠/٢ - ١٢١. والحديث أخرجه أحمد في المسند ٤٦٧/٣ عن يعقوب، عن أبيه،
عن ابن إسحاق به بزيادة یسیرة في آخره ، وأبو داود في الجهاد رقم /٢٦٧٨/ بسند ابن سعد سواء ، عن أبي
معمر عبد الله بن عمرو به غير أن فيه : بعث عبد الله بن غالب والصواب العكس .
- ٢٠٦ _

فإنكم تعصون نبيِّكم . قال : فآخى بيني وبين أبي سعيد الخدريّ ، قال: فأصبنا القوم (١).
سرية شجاع بن وهب الأسدي إلى بني عامر بالسِّيء
ثم سرية عامر بن وهب الأسدي إلى بني عامر بالسّيء ، في شهر ربيع الأول سنة ثمان .
قال : أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي ، قال : حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي
سَبْرَةَ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن عمر بن الحكم ، قال : بعثَ
رسولُ الله عَِّ شجاعَ بن وهب في أربعة وعشرين رجلاً إلى جمع من هوازن بالسِّيء ناحية
رُكبّة، من وراء المعدن، وهي من المدينة على خمس ليال، وأمره أن يُغيرَ عليهم ، فكانَ يسيرُ
الليل ويكمن النهار ، حتى صبَّحهم وهم غَارُون ، فأصابوا نَعَماً كثيراً وشاء ، واستاقوا ذلك
حتى قدموا المدينة ، واقتسموا الغنيمة ، وكانت سُهمانهم خمسة عشر بعيراً، وعدلوا البعيرَ
بعشر من الغنم ، وغابت السرية خمس عشرة ليلة (٢).
سرية كعب بن عُمير الغِفَاري إلى ذاتِ أطلاح
وهي من وراء وداي القرى
ثم سرية كعب بن عمير الغفاري إلى ذات أطلاح ، وهي من وراء وادي القرى ، في شهر
ربيع الأول سنة ثمان . قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثني محمد بن عبد الله ، عن
الزهري، قال: بعثَ رسولُ اللهِ عَ لِ كعب بن عُمير الغفاري في خمسة عشر رجلاً، حتى
انتهوا إلى ذات أطلاح من أرض الشام ، فوجدوا جمعاً من جمعهم كثيراً ، فدعوهم إلى الإسلام
فلم يستجيبوا لهم ورشقوهم بالنبل. فلما رأى ذلك أصحابُ رسول الله عَّ ◌َلِ، قاتلوهم أشدَّ
القتال ، حتى قُتلوا ، وأَفلت منهم رجلٌ جريح في القتلى، فلما برد عليه الليل تحاملَ حتى أتى
رسولَ الله عَ لَّهِ فأخبره الخبر، فشقَّ ذلك عليه، وهَّ بالبعثة إليهم ، فبلَغه أنهم قد ساروا إلى
موضع آخر فتركهم(٣) .
(١) الطبقات الكبرى ١٥٢/٢، وعبد الله بن الحارث وثقة ابن حبان ويحيى بن معين . وأبوه الحارث بن فُضيل
ثقة أيضاً أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه ، وهو تابعي ، فحديثه مرسل . نور النبراس لوحة
٢/ب ١٥٧.
(٢) الطبقات الكبرى ١٢٧/٢ وعمر بن الحكم تابعى ، فالحديث مرسل أيضاً .
(٣) المصدر السابق ١٢٧/٢ وابن شهاب الزهري تابعي ثقة ، فالحديث مرسل .
- ٢٠٧ -

غزوة مؤتة
وهي بأدنى الیلقاء من أرض الشام في جمادى الأولى سنة ثمان
وكان سببها أن رسولَ الله عَ لِ بعثَ الحارث بن عُمير الأزدي، أحدَ بني لِهْب بكتابه
إلى الشام ، إلى ملك الروم ، وقيل إلى ملك بُصرى ، فعرضَ له شُرحبيل بن عمرو الغسَّاني ،
فأوثقه رباطاً ثم قُدِّمَ فضربَ عِنْقَه صبراً، ولم يُقتل لرسول الله عَّ له رسولٌ غيرُه، فاشتدَّ ذلك
عليه حين بلغَه الخبرُ عنه .
قال ابن إسحاق : حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة بن الزبير ، قال : بعثَ
رسولُ اللهِ عَ لَّهِ بَعْتَه إلى مُؤتة في جمادى الأولى من سنة ثمان، وأمَّرَ عليهم زيد بن حارثة ،
وقال : إن أُصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس ، فإن أُصيب جعفر فعبد الله بن
رواحة على الناس ، فتجهّزَ النَّاسُ، ثم تهيؤوا للخروج، وهم ثلاثةُ آلاف ، فلما حضر
خُروجُهم ، وَدَّعَ الناسُ أمراءَ رسول الله عَلِ وسلَّموا عليهم. فلما وُدِّع عَبدُ الله بن رواحة
بكى ، فقيل : ما يُكيك ؟ فقال : أما والله ما بي حبّ للدنيا ولا صبابة بکم ، ولكني سمعتُ
رسولَ الله عَ له يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار:﴿وإنْ منكم إلا واردُها كان على ربِّك
حتماً مَقْضِيّاً﴾ [مريم: ٧١]. فلستُ أدري كيف لي بالصَّدَر بعد الورود. فقال
المسلمون: صحبَكم الله ودفعَ عنكم وردّكم إلينا صالحين ، فقال عبد الله بن رواحة :
وضربةً ذاتَ فَرْغِ تقذُفُ الرَّبدَا(١)
لكنني أسألُ الرحمن مغفرةً
بحربة تُنْفِذُ الأحشاء والكَبد!(٢)
أو طعنةً بيديْ حَرَّانَ مُجْهِزةٌ
أرشدَه الله من غازٍ وقد رَشَدا
حتى يُقالَ إذا مروا على جدثي
ثم مضوا ، حتى نزلوا مَعان من أرض الشام ، فبلغ النَّاسَ أن هرقل قد نزل مآب من أرض
البلقاء في مائة ألف من الروم، وانضمّ إليهم من لَهُم وجُذامِ والقَيْن وبَهراء وبَلِّ مائة ألف
(١) ((ذات فَرْغ)): ذات سعة، و((الزَّبَد)): هنا رغوة الدم.
(٢) ((حَرَّانَ)): محترق الجوف ألماً. و((مجهزةً)): سريعة القتل.
- ٢٠٨ -

منهم ، عليهم رجل من بَلِّ يُقال له مالك بن رافلة . فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على مَعَان
ليلتين، ينظرون في أمرهم، وقالوا نكتب إلى رسول الله عَ لَّم فنخبره بعدد عدونا، فإما أن
يمدَّنا بالرجال ، وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له . قال: فشجَّعَ الناسَ عبدُ الله بن رواحة ،
وقال : يا قوم والله إن الذي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة ، وما نُقاتلُ بَعَدد ولا قوة
ولا كثرة ، وما نقاتلُهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى
الحسنيين إما ظُهورٌ وإما شهادة(١).
قال ابن إسحاق : ثم مضى الناس ، فحدثني عبدُ الله بن أبي بكر ، أنه حُدِّث عن
زيد بن أرقم ، قال : كنتُ يتيماً لعبد الله بن رواحة ، فخرجَ في سفره ذلك مُردفي على
حقيبةٍ(٢) رَحْلِهِ ، فوالله إنه ليسير ليلة إذ سمعته وهو يُنشد ، ويقول:
مسيرةَ أربعِ بعد الحِساءِ
إذا أَدفيتني وحملتِ رَحْلي
فشأُنُكِ فانعمي وخَلاكِ ذَِّ
ولا أرجعْ إلى أهلي ورائي
بأرضٍ الشامِ مُنتهيَ الثَّواءِ
وجاء المسلمون وغادروني
في أبيات ، فلما سمعتهن بكيْتُ ، فخفقني بالدِّرة ، وقال: ما عليك يا لكع أن يرزقني
الله شهادةٌ ، وترجعَ بين شُعبتي الرحل . قال : ثم قال عبد الله بن رواحة في سفره ذلك ، وهو
يرتجز ، ويقول :
يا زيدُ زِيدَ الْيَعْمَلاتِ الدُّبل
تطاولَ الليلُ هُديتَ فانزل
ثم مضى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء ، لقيتهم جُموع هرقل من الروم والعرب بقرية
من قرى البلقاء يقال لها مَشَارف ، ثم دنا العدو ، وانحازَ المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة ،
فالتقى الناسُ عندها ، فتعبأ لهم المسلمون ، فجعلوا على ميمنتهم رجلاً من بني عُذْرة ، يقال
له : قطبة بن قتادة ، وعلى ميسرتهم رجل من الأنصار يُقال له : عَبابة بن مالك ، ويقال
عُبادة. ثم التقى الناس فاقتلوا، فقاتل زيدُ بن حارثة براية رسول الله عَ لّله حتى شاطَ في
رماح القوم ، ثم أخذها جعفر؛ فقاتل بها حتى إذا ألحمه(٣) القتال ، اقتحم عن فرسٍ له
(١) السيرة النبوية ؛ لابن هشام ٣٧٣/٢ - ٣٧٥ والخبر عن عروة بن الزبير مرسل .
(٢) (( حقيبة رحله )): مؤخرته.
(٣) ((ألحَمَه القتالُ)): نشب فيه فلم يجد مخلصاً.
- ٢٠٩ -

شقراء ، فعقرَها، ثم قاتل القومَ حتى قُتل، فكان جعفرٌ أوَّلَ مَنْ عرقِب فرساً في الإسلام(١).
وقاتل . وروي أنه أخذ اللواء بيمينه ، فقاتل به حتى قُطعت يمينه، فأخذَ الراية بيساره فقُطعت
يسارُه، فاحتضن الراية وقاتل حتى قُتل رحمه الله، وسِتُّه ثلاثٌ وثلاثون، أو أربع وثلاثون.
سنة . ثم أخذها عبد الله بن رواحة ، وتقدم بها وهو على فرسه ، فجعل يستنزلُ نفسَه ويتردد
بعض التردد ، ثم نزل ، فلما نزلَ أتاه ابنُ عم له بَعْرقٍ (٢) من لحم، فقال: شُدَّ بها صلبك ..
فإنك قد لقيت أيامَك هذه ما لقيت، فأخذه من يده، فانتهشَ منه نهشةً، ثم سمع الحَطْمة (٣).
في ناحية الناس ، فقال : وأنتَّ في الدنيا؟ ثم ألقاه من يده، ثم أخذَ سيفَه، فقاتل حتى قُتل ..
ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم أخو بني العجلان ، فقال : يا معشر المسلمين اصطلحوا على:
رجل منكم . قالوا: أنت . قال : ما أنا بفاعل . فاصطلحَ النَّاسُ على خالد بن الوليد . فلما
أخذَ الراية دافع القومَ وحاشى بهم ، ثم انحاز وانحيز عنه ، حتى انصرف بالناس(٤).
وقد حكى ابن سعد وغيرُه أنَّ الهزيمةَ كانت على المسلمين ، وحكى أيضاً أن الهزيمةَ
كانت على الروم . وكذا ورد في صحيح البخاري ، والمختار من ذلك ما ذكره ابن إسحاق من
انحياز كل فئة عن الأخرى من غير هزيمة ، وقد وقع ذلك في شعر لقيس بن المُسَّر اليعمري.
كذلك .
وأطلع الله رسوله عَ له على ذلك من يومه فأخبر به عليه الصلاة والسلام أصحابَه رضي
الله عنهم بالمدينة قبل ورود الخبر بأيام. وقال: ((لقد رُفعوا إلى في الجنة فيما يرى النائم على
سُرر من ذهب ، فرأيتُ في سرير عبد الله بن رواحة ازوراراً عن سريرَيْ صاحبَيْه ، فقلت :
عمَّ هذا؟! فقيل لي : مضياً ، وتردَّد عبدُ الله بعضَ التردد ثم مضى» .
(١) كذا في الأصل ((أ)) و(ب)) و((ج))، وفي ((د)) والمطبوع: فكان جعفر أول من عرقبّ فرساً في
سبيل الله .
و(( قاتل)) أي بعد عرقية فرسه، وكان بعضُ الفرسان يفعلونها وسيلةً لتثبيت من معهم وحملهم على القتال .
(٢) (( بعَرْق من لحم)): العظم عليه بعض لحم .
(٣) ((الحَطْمة)): واحدة الحطام، وهو الكسر، والمقصود الهجمة، مع ما يُصاحبها من أصوات السلاح
. والمقاتلين .
(٤) السيرة النبوية ٣٧٧/٢ - ٣٨٠.
- ٢١٠ -

قال أبو عمر : وذكر عبدُ الرزاق ، عن ابن عيينة ، عن ابن جُدْعان ، عن ابن المسيب ،
قال: قال رسول الله عَ ◌ّه: مُثِّل لي جعفر وزيد وابن رواحة في خيمة من در ، كلُّ واحد
منهم على سريره ، فرأيت زيداً وابن رواحة في أعناقهما صدود ، ورأيتُ جعفراً مستقيماً ليس فيه
صدود . قال : فسألتُ - أو قيل لي ــ إنهما حين غشيَهما الموتُ أُعرَضا، أو كَأَنَّهما صَدَّا
بوجوههما، وأما جعفر فإنه لم يفعل. وقال رسول الله عَ له في جعفر: إن الله أبدلَه بيديه
جناحين يطيرُ بهما في الجنة حيث شاء(١). قال أبو عمر: وروينا عن ابن عمر، أنه قال :
وجدنا ما بين صدر جعفر ومَنكبْه وما أقبلَ منه تسعين جراحة ، ما بين ضربة بالسيف وطعنة
بالرمح . وقد روي : أربع وخمسون ، والأول أثبت(٢).
وقال موسى بن عقبة: قدم يَعلى بن مُّنْيَة على رسول الله عَ ليه بخير أهل مؤتة ، فقال له
رسول الله عَ لَله : إن شئتَ فأخبرني، وإن شئتَ أخبرتُك. قال: فأخبرني يا رسول الله ..
فأخبره عََّلِّ خبرَهم كلّهُ، ووصفَه له . فقال: والذي بعثك بالحق ما تركت من حديثهم
حرفاً واحداً لم تذكره ، وإنَّ أمرَهم لَكَما ذكرتَ. فقال رسول الله عَ له: » إِنَّ اللهَ رَفعَ لي
الأرضَ حتى رأيتُ معتركهم(٣))).
ذكر تسمية من استُشهد يوم مُوتة
ذكر ابن إسحاق منهم : من بني هاشم : جعفر بن أبي طالب ، وزيد بن حارثة .
ومن بني عديّ بن كعب : مسعود بن الأوس بن حارثة بن نضلة .
ومن بني مالك بن حِسل : وهب بن سعد بن أبي سرح .
ومن الأنصار : من بني الحارث بن الخزرج : عبد الله بن رواحة ، وعبّاد بن قيس .
(١) الاستيعاب ٢١٢/١، وابن جُدعان: علي بن زيد، ضعيف، والخبر مرسل.
(٢) الاستيعاب ٢١١/١، وهو في البخاري في المغازي (باب غزوة مؤتة) رقم /٤٢٦٠/.
(٣) روى الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) أن عبد الرحمن بن سمرة هو الذي جاء بخبر أهل مؤتة . وقال
موسى بن عقبة: إنه يَعْلَى بن مُنَيَة . وذكر ابن عبد البر أن كلاً منهما أسلم يوم الفتح ؛ ففي الخبرين نظر ،
والله أعلم ، نور النبراس لوحة ٢/ب ١٦٥ .
- ٢١١ -

---
ومن بني غنم بن مالك بن النجار : الحارث بن النعمان بن أساف بن نضلة بن عبد بن
عوف بن غنم .
ومن بني مازن بن النجار : سُراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء .
وزاد ابن هشام عن الزهري فيهم : أبا كليب وجابراً ابني عمرو بن زيد بن عوف بن
مبذول ، وهما لأب وأم . وفي بني مالك بن أفصى : عمراً وعامراً ابني سعد بن الحارث بن
عبَّاد بن سعد بن الحارث بن عباد بن سعد بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفضى (١).
ذكر فوائد تتعلق بهذه الأخبار
· مؤتة : بضم الميم وبالهمز .
• ولِهْب : بكسر اللام وسكون الهاء .
• وقوله في شعر ابن رواحة ((وضربةً ذاتَ فَرْغٍ)): بفتح الفاء وسكون الراء المهملة ،
وبعدها غين معجمة ، قال أبن سيده : وطعنة فرغاء وذات فرغ: واسعة يسيل دمها :.
· ومعان: بضم الميم ، وقال الوقشيُّ: الصواب فتحُها، وفي الغريب المصنف : المبآة
المنزل . والمعان مثله .
• والحساء : جمع حبي، وهو موضع رمل تحته صلابة، فإذا قطرت السماء على ذلك
الرمل نزل الماء ، فمنعته الصلابة أن يغيض ، ومنعَ الرملُ السمائمَ(٢) أن تنشفه ، فإذا بُحث
ذلك الرملُ وُجد الماء ، والحِساء هاهنا: اسم منزلة معروفة.
• وقوله: ((فشأنك فانعمي)): استحسنه المبرِّد، وكان قد أُنشدَ قبله قول الشمَّاخ
يمدح عرابة بن أوس :
إذا بلَّغْتِني وحملتِ رَحْلِي عَرابةَ، فاشرَقي بدم الوتينِ
قال : وقد أحسن كلَّ الإِحسان ، كأنه يقول : لست أحتاج أن أرحل إلى غيره . قال :
(١) السيرة النبوية ٣٨٨/٢ - ٣٨٩.
(٢) (( السَّمَائم)): رياح السموم ، المعروفة بشدة لفحها وحرارتها.
- ٢١٢ -

وقد عاب بعض الرواة قوله: ((فاشرَفي بدم الوتين)) قال: وكان ينبغي أن ينظرَ لها بعد
استغنائه عنها . وذكرَ قصة الأنصارية التي نجت على الناقة ، وقالت : إني نذرت إن نجوتُ
عليها أن أنحرَها. فقال رسول الله مَله: ((بئس ما جزيتها(١) .. )) الحديث . قلت: وقد
سلم بيت ابن رواحة من هذا .
• وقوله : ولا أرجعْ: دعاء، وهو مجزوم بالدعاء، ومعناه: اللهم لا أرجع، وهذا
الدعاء ينجزم بما ينجزم به الأمر والنهي .
• وقال الوقشيُّ الصواب: مُشتهيَ الثَّواء ، ولما وقع في الأصل(٢) وجه .
• وقوله: (( يا زيدُ زِيدَ الْيَعَملات الذبَّل)» قال ابن إسحاق: يقوله لزيد بن أرقم ،
وكان يتيمَّه . قال أبو عمر : قيل : بل قال ذلك في غزوة مؤتة لزيد بن حارثة .
· وتخوم البلقاء: في مختصر العين: تَخوم الأرض - يعني بفتح التاء - اسم على مثال
فَعول ، وبعضهم يقول: تخُوم - بالضم - كأنه جمع، وهو فصل ما بين الأرضين.
· وشاط: هلك، قال: ((وقد يشيطُ على أرماحِنا البطلُ )).
· وقوله : وخاشى بهم: بالخاء المعجمة ، قال ابن قتيبة : هو من الخشية ، كأنه خاف
عليهم . وقال ابن هشام : ويُقال : فحاشى بهم(٣).
#
#
(١) الحديث رواه مسلم في النذر ( باب لاوفاء لنذر في معصية الله) رقم /١٦٤١/، وأبو داود في الأيمان والنذور
( باب في النذر فيما لا يملك ) رقم /٣٣١٦/.
(٢) يعني ((منتهيَ الثَّوَاء)): أي نهايته ومثواه بالاسشتهاد في أرض الشام. أما «مشتهيَ الثواء)): فمعناها: راغباً
في أن تکون مثواه .
(٣) (( فحاشى بهم)): لجأ بهم إلى حاشية المكان، أي ابتعد بهم ناحية. أما ((فخاشى بهم)): فهي تعني أنه
حجزهم عن العدو خشيةً عليهم من الهلاك ، وذلك لقلة عددهم .
- ٢١٣ -

سرية عمرو بن العاص إلى ذات السَّلاسِل
وهي من وراء وادي القرى .
سميت بماء بأرض جذام ، يُقال له السلسل ، وقال السهيلي : ذات السلاسل، بضم
السين الأولى وكسر السين الثانية ؛ ماء بأرض جذام ، به سميت الغزاة(١) .
ثم سرية(٢) عمرو إلى ذات السلاسل ، وبينها وبين المدينة عشرة أيام ، وكانت في جمادى
الآخرة سنة ثمان. قال ابن سعد: قالوا: بلغ رسولُ الله عَ لِ أن جمعاً من قُضاعة قد تجمعوا
يُرُيدون أن يدنوا إلى أطراف المدينة، فدعا رسولُ الله عَّ ◌ُلِ عمرو بن العاص، وعقد له لواء
أبيض ، وجعل معه رايةً سوداء ، وبعثه في ثلثمائة من سراة المهاجرين والأنصار ، ومعهم ثلاثون
فرساً وأمَّره أن يستعين بمن مر به من بَلِّ وعُذْرة وبَلْقَيْن ، فسار الليل وكمن النهار ، فلما قرب
من القوم بلغه أن لهم جمعاً كثيراً، فبعث رافع بن مَكيث الجهني إلى رسول الله عَ ليه
يستمدُّه، فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح، في مائتين، وعقدَ له لواءً، وبعثَ معه سراة
المهاجرين والأنصار وفيهم أبو بكر وعمر ، وأمره أن يلحق بعمرو ، وأن يكونا جميعاً ،
ولا يختلفا ، فلحق بعمرو ، فأراد أبو عبيدة أن يؤمَّ الناسَ ، فقال عمرو: إنما قدمتَ عليّ.
مدداًوأنا الأمير، فأطاع له بذلك أبو عبيدة ، فكان عمرو يُصلِّي بالناس . وسار حتى وَطِىء
بلاد بَلَّ ودوَّخَها(٣) ، حتى أتى إلى أقصى بلادهم وبلاد عُذْرةَ وبَلقَيْن، ولقي في آخر ذلك
جمعاً ، فحمل عليهم المسلمون فهربوا في البلاد وتفرقوا . وبعثَ عوف بن مالك الأشجعي
بريداً إلى رسول الله عَّلِ فأخبرَه بقُفولهم وسلامتهم وما كان في غزاتهم(٤).
وذكر ابن إسحاق نزولَهم على ماء بجذام يقال له السَّلْسَل ، قال : وبذلك سُميت ذات
السلاسل .
(١) الروض الأنف ٢٥٢/٤ .
: (٢) من هنا يبدأ كلام ابن سعد؛ كما في الطبقات الكبرى ١٣١/٢ .
(٣) (( دُوَّخَها)): يُقال: داخ الجيشُ البلاد يدُوخها، ودوَّخها يدوِّخها، بالتشديد : قهرها واستولى عليها
: (٤) الطبقات الكبرى ١٣١/٢.
- ٢١٤ -

أخبرنا عبد الرحيم بن يوسف المزي بقراءة والدي عليه - رحمهما الله - قال: أخبرنا
أبو علي حنبل بن عبد الله بن الفرج الرصافي ، قال : أخبرنا الرئيس أبو القاسم هبة الله بن
محمد بن عبد الواحد بن الحصين الشيباني ، قال : أخبرنا أبو علي الحسن بن علي بن
المذهب ، قال : أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي ، قال : أخبرنا
عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن أبي عدي ، عن داود ، عن عامر ،
قال: بعثَ رسولُ الله ◌َِّ جيشَ ذات السلاسل، فاستعملَ أبا عيدة على المهاجرين ،
واستعمل عمروَ بن العاص على الأعراب ، وقال لهما : تطاوعا. قال: فكانوا (١) يُؤْمَرون أن
يُغيروا على بكر ، فانطلقَ عمرو وأغارَ على قُضاعة ، لأن بكراً أخوالُهُ ، قال : فانطلقَ المغيرةُ بن
شعبة إلى أبي عبيدة، فقال: إن رسولَ الله عَ ل قد استعملك علينا، وإن ابن فلان قد اتَّبع
أميرَ القوم، فليس لك معه أمر، فقال أبو عبيدة: إن رسولَ الله عَ لِ أمرنا أن نتطاوع ، فأنا
أُطيع رسول الله عَّه وإنْ عصاه عمرو(٢) .
(١) ((فكانوا)): الضمير يعود على من كانوا تحت إمرة أبي عبيدة من المهاجرين.
(٢) هذا الحديث مرسل، وليس في أحد الكتب . انظر نور النبراس لوحة ٢/ب ١٦٩.
- ٢١٥ -

سرية الخَبَط
ثم سرية الخَبَطْ(١) أميرُها أبو عبيدة بن الجراح، وكانت في رجب سنة ثمان.
قالوا: بعثَ رسولُ اللهِ عَّلِ أبا عبيدة بن الجراح في ثلاثمائة رجل من المهاجرين
والأنصار، وفيهم عمر بن الخطاب إلى حيٍّ من جُهينة بالقَيَلِّة مما يلي ساحل البحر ، وبينها
وبين المدينة خمس ليال ، فأصابَهم في الطريق جوعٌ شديد، فأكلوا الخَبَط. وابتاعَ قيسُ بن
سعد جَزُراً ونحرها لهم ، وألقى لهم البحرُ حوتاً عظيماً، فأكلوا منه وانصرفوا ولم يلقوا كيداً(٢).
قرأتُ على أبي الهيجاء غازي بن أبي الفضل الدمشقي ، أخبركم الشيخ أبو حفص
عمر بن محمد بن طبرزذ قراءة عليه وأنت تسمع؟ فأقرَّ به . أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن
محمد بن عبد الواحد بن الحصين الشيباني ، أخبرنا أبو طالب محمد بن محمد بن إبراهيم بن
غَيْلان البزاز ، أخبرنا أبو محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي ، حدثنا إبراهيم بن إسحاق ،
حدثنا محمد بن سهل ، حدثنا ابن أبي مريم ، أخبرنا يحيى بن أيوب ، حدثني جعفر بن ربيعة
وعمرو بن الحارث أن بكرَ بنَّ سوادة حدثهما ، أنَّ أبا حمزة الحميري حدثه ، سمعَ جابر بن
عبد الله ، يقول: إن رسولَ الله عَ ليه بعثَهم بعثاً عليهم قيس بن سعد بن عبادة، فَجَهِدوا،
فنحرَ لهم قيس تسعَ ركائب. قال عمرو في حديثه: فقال رسول اللهِ عَ له: إن الجودّ لمن
شيمة أهل ذلك البيت . قال إبراهيم: لم يكن قيسُ بن سعد أميرَ هذا الجيش ، إنما كان أبو
عبيدة ، وقيس معه ، كذا أخبرني محمد بن صالح عن محمد بن عمر . قال : وحدثني داود بن
قيس وإبراهيم بن محمد الأنصاري وخارجة بن الحارث، قالوا: بعثَ رسولُ الله عَ لِّ أبا
عبيدة في سرية ، فيها المهاجرون والأنصار ، وهم ثلاثمائة رجل إلى ساحل البحر ، إلى حيٍّ من
جُهينة ، فأصابَهم جوعٌ شديد ، فقال قيسُ بن سعد : من يَشتري مني تمراً مَجْزُر ، بُوفيني
الجُزُر هاهنا، وأُوفيه التمرَ بالمدينة ، فجعل عمر يقول: واعجباه لهذا الغلام ، لا مال له ،
: (١) ((الخَبَط)): بفتح الخاء والباء؛ أي المخيوط، وهو الورق الذي يتساقط من الأشجار بعد خبطها بالعصا
ونحوها ؛ لتأكله الإبل. قالوا : وهو فَعَل بمعنى مفعول .
(٢) الطبقات الكبرى ٠١٣٢/٢
- ٢١٦ -

يُدَيِّنُ في مال غيره . فوجد رجلاً من جُهينة . فقال قيس : بعني جزوراً أوفيك وسقه من تمر
المدينة . فقال الجهني : والله ما أعرفك . فمن أنت ؟ فقال : أنا ابن سعد بن عبادة بن دليم ،
قال الجهني : ما أعرفني بنسبك وذكر كلاماً ، فابتاع منه خمسَ جزائرَ ، كلُّ جزورٍ بوسق من
تمر ، يشترط عليه البدويُّ من تمر آل دُلَيم ، يقول قيس : نعم . قال: فأشهدْ لي . فأشهدَ له
نفراً من الأنصار ، ومعهم نفرٌ من المهاجرين . قال قَيس : أشهدْ مَنْ تحب . قال : وكان فيمن
أُشهد عمر بن الخطاب. فقال عمر: ما أشهدُ ، هذا يُدَيِّنُ ولا مال له ، وإنما المال لأبيه .
قال الجهني: والله ما كان سعد ليُخْنِي(١) بابنه في وسقة من تمر، وأرى وجهاً حسناً
وفعالاً شريفاً. فكان من عمر وقيس كلامٌ ، حتى أغلظَ لقيس . وأخذ الجزُرَ فنحرَها لهم في
مواطن ثلاثة ، كلَّ يوم جزوراً . فلما كان اليوم الرابع نهاه أميره ، فقال: أَتُريد أن تُخْفِرَ ذمتك
ولا مال لك ؟ قال محمد : فحدثني محمد بن يحيى بن سهل ، عن أبيه ، عن رافع بن خديج ،
قال : أقبل أبو ◌ُبيدة ومعه عمر ، فقال: عزمت عليك أن لا تنحَر ، أتريد أن تُخفرَ ذمتك؟
قال قيس : يا أبا عبيدة أترى أبا ثابت يقضي ديون الناس، ويحملُ الكَلَّ ، ويُطعم في المجاعة
، لا يقضي عني وسَقةٌ من تمر لقوم مجاهدين في سبيل الله ؟ فكاد أبو عبيدة أن يلين له ،
وجعلَ عمر يقول: اعزمْ . فعزم عليه وأبى أن ينحرَ ، وبقيت جزوران ، فقدم بهما قيس المدينة
ظهراً ، يتعاقبون عليهما، وبلغ سعداً ما أصاب القوم من المجاعة ، فقال: إن يكُ قيس كما
أعرف فسينحر للقوم . فلما قدم قيسٌ لقيه سعد ، فقال: ما صنعتَ في مجاعة القوم ؟ قال :
نحرتُ . قال أصبتَ ، قال : ثم ماذا؟ قال : ثم نحرت . قال: أصبتَ . قال : ثم ماذا ؟ قال:
ثم نحرت . قال : أصبت . قال : ثم ماذا؟ قال : ثم نُهيت . قال : مَنْ نهاك؟ قال : أبو
عبيدة أميري . قال: ولم ؟ قال : زعم أنه لا مال لي ، وإنما المال لأبيك . فقلت : أبي يقضي
عن الأباعد، ويحمل الكلَّ، ويُطعم في المجاعة ، ولا يصنعُ هذا بي ، قال: فلك أربعُ
حوائط ، أدَناها حائطٌ تجذُّ منه خمسين وَسْقاً. قال: وقدم البدويُّ مع قيس ، فأوفاه
أَوْسُقَه، وحمله وكساه، فبلغَ النِّ عَ لِ فعل قيس، فقال: ((إنه في قلب جود(٢))).
(١) ((ليُخْنِي بابنه)): يتخلى عنه، ويُخْفِر ذمته .
(٢) هذا الخبر معضل أو مرسل وهو في الغيلانيات ، وفيه أبو حمزة الحميري لا يُعرف حاله ، وفيه الواقدي ،
والاختلاف على اسم الأمير، وهو أبو ◌ُبيدة بلا خلاف ، وقيس بن سعد كان في السرية ، ونحرَ ثلاثة
- ٢١٧ -

خبر العنبر
وروينا من طريق البخاري : حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا سفيان ، قال: الذي
حفظناه من عمرو بن دينار، قال: سمعتُ جابر بن عبد الله، يقول: بعثنا رسولُ اللهِ عَّه
في ثلثمائة راكب ، أميرنا أبو عبيدة بن الجراح، نرصد عير قريش، فأقمنا بالساحل نصفَ.
شهر، فأصابنًا جوعٌ شديد ، حتى أُكلنا الخَبَط، فسُمي ذلك الجيشُ جيشَ الخبط، فألقى:
لنا البحرُ دابةً يُقالُ لها : العنبر ، فأكلنا منها نصف شهر ، وادّهنا من وَدّ که ، حتى ثابتْ إلينا.
أجسامنا، فأخذَ أبو عبيدة ضِلْعَاً من أعضائه فنصبه، فعمد إلى أطول رجل معه - قال
سفيان مرة : ضلعاً من أضلاعه فنصبَه وأخذ رجلاً وبعيراً فمرَّ تحته - قال جابر : وكان رجلٌ.
من القوم نحرَ ثلاث جزائرَ . وذكر تمام الحديث(١).
۔۔
جُزُر، ثم نهاه أميره أبو مُبيدة عن نحر الرابع، فانتهى ... كما في البخاري عن عمرو بن دينار ، عن أبي:
صالح .. وانظر نور النبراس لوحة ٢/ب ١٧٠. وفتح الباري ٨١/٨ وفيه عن ابن خزيمة؛ أن التي تعطيه.
قال : (( إن الجودَ من شيمة أهل ذلك البيت)).
(١) رواه البخاري في المغازي ( باب غزوة سيف البحر) رقم /١٤٣٦٠.
ورواه مسلم في الصيد رقم / ١٩٣٥/ والنسائي في الصيد رقم ٢٠٧/٧ و ٢٠٩ ، وأبو داود في الأطعمة رقم .
/٣٨٤٠/ والموطأ ٩٣٠/٢ في صفة التي عَ له، والترمذي في صفة القيامة رقم /٢٤٧٧/.
- ٢١٨ -

سرية أبي قتادة بن رَبْعي إلى خُضْرة
وهي أرض مُحَارب
ثم سرية أبي قتادة بن رَبعي الأنصاري إلى خُضْرة(١)، وهي أرض محارب بنجد في
شعبان سنة ثمان. قالوا: بعثَ رسولُ الله عَ لِ أبا قتادة، ومعه خمسة عشر رجلاً إلى
غطفان ، وأمره أن يشنَّ عليهم الغارة ، فسار الليلَ وكمن النهارَ ، فهجمَ على حاضر منهم
عظيم ، فأحاطَ به ، فصرخَ رجلٌ منهم : يا خُضْرة! وقاتل منهم رجال ، فقتلوا من أشرافٍ
لهم، واستاقوا النَّعم فكانت الإِبلُ مائتي بعير والغنم ألفي شاة ، وسبَوْا سبباً كثيراً، وجمعوا
الغنائم ، فأخرجوا الخمس فعزلوه ، فأصابَ كلُّ رجل اثني عشر بعيراً، فَعُدلَ البعيرُ بعشرٍ من
الغنم ، وصارت في سهم أبي قتادة جارية وضيئة، فاستوهَبها منه رسولُ اللهِ عَّةِ، فوهَبها
له ، فوهَبها رسولُ الله عَّلِ لمحميّة بن جَزْء. وغابوا في هذه السرية خمس عشرة ليلة(٢).
قرأتُ على أبي الهيجاء غازي بن أبي الفضل الدمشقي بقَرافة (٣) سارية ، أخبركم أبو علي
حنبل بن عبد الله الُكَبِّر، أخبرنا أبو القاسم بن الحصين ، أخبرنا أبو علي بن المُذْهِب،
أخبرنا أبو بكر بن مالك ، أخبرنا عبد الله ، حدثني أبي : حدثنا سفيان ، عن أيوب ، عن
نافع، عن ابن عمر؛ أن رسولَ الله عَ لَّلِ بعثَ سريةً إلى نجد فبلغت سُهمَانُهُم اثني عشر
بعيراً، ونفلنا رسولُ اللهِ عَِّ بعيراً بعيراً(٤).
(١) كذا ضبطها صاحب نور النبراس لوحة ٢/ب ١٧١، وضبطها الشامي في سيرته ٢٩١/٦: بفتح الخاء
وكسر الضاد ، وكذا في النسخة (( د)) من عيون الأثر .
(٢) الطبقات الكبرى ؛لابن سعد ١٣٢/٢ - ٠١٣٣
(٣) ((قَرَافة سارية)): مقبرة أهل القاهرة.
(٤) المسند ١٠/٢ و٦٢، ورواه البخاري في المغازي (باب السرية التي قبل نجد) رقم /٤٣٣٨/ ومسلم في
الجهاد والسير ( باب الأنفال) رقم /١٧٤٩/، وإنما رواه من المسند لأنه من طريقه أعلى برجل .
- ٢١٩ -

سرية أبي قتادة بن ربعي الأنصاري إلى بطن إضَم
وهي في أول شهر رمضان سنة ثمان
قالوا: لما هَّ رسولُ اللهِ عَ لِ بغزو أهل مكة، بعثَ أبا قتادة بن رَبُّعى في ثمانية نفر ،.
سرية إلى بطن إضم - وهي فيما بين ذي خُشُب وذي المروة ، وبينها وبين المدينة ثلاثة بُرد
- ليظنَّ ظانٌّ أن رسولَ الله عَ لِ توجه إلى تلك الناحية، ولأن تذهَب بذلك الأخبار .
وكان في السرية مُحَلِّم بن جَثَّامة الليثي، فمرَّ عامرٍ بن الأضبط الأشجعي ، فسلّم بتحية
الإِسلام ، فأمسك عنه القوم، وحمل عليه مُحلِّم بن جَثَّمة فقتلَه وسلبَه متاعَه وبعيرَه
ووطْب(١) لبن كان معه، فلما لحقوا بالنبي عَ له نزل فيهم القرآن: ﴿يا أيُّها الذين آمنوا إذا
ضربتُم في سبيل الله فتبيّنُوا ولا تقولُوا لمن ألقى إليكم السلامَ لستَ مُؤمنا تبتغونَ عِرضَ الحياة
الدنيا فعند الله مغانم كثيرة﴾ إلى آخر الآية [النساء: ٩٤]. فمضوا؛ فلم يلقوا جمعاً؛
فانصرفوا حتى انتهوا إلى ذي خُشُب، فبلَغهم أن رسولَ الله عَ لِّ قد توجَّه إلى مكة ، فأخذوا
على بَيْن(٢) حتى لقوا النِّ عَ لِ بِالسُّقيا(٣) (٤).
وهي عند ابن إسحاق منسوبة لابن أبي حدرد . وذكر ابن إسحاق في خبرِ مُحَلِّم بن
جَثَّامة بعد ذلك يوم حنين، أن النبي عَ لَّهِ صَلَّى الظهرَ ثُحنين، ثم عمد إلى ظِلِّ شجرة ،
فجلس تحتها ، فقام إليه الأقرع بن حابس وعُيينة بن حصن ، يختصمان في عامر بن الأضبط ، :
عُيينة يطلبُ بدمه وهو يومئذٍسيّدُ غطفان ، والأقرع يدفعُ عن محلّم لمكانه من خِندَف ،
فتداولا الخصومة ، ثم قبلوا الدية ، ثم قالوا: أين صاحبُكم هذا يستغفر له رسول الله ع ه} ،
فقام رجلٌ آدم ضَرْبٌ(٥) طويلٌ، هو مُحلِّم، فرفع رسولُ الله عَلِ يديه، ثم قال: ((اللهم
(١) ((وطبُ لبن)): وعاء كبير من جلد، يُشبه القربة.
(٢) ((تَيْن)) كذا ضبطها في نور التبراس لوحة ٢/ب ١٧٣ وسبل الهدى ٢٩٧/٦ ومعجم البلدان ٥٣٣/٨:
قالوا : وادٍ به عين ، من أعراض المدينة .
: (٣) ((السقيا)) قرية من قرى وادي الفرع.
(٤) الطبقات الكبرى ١٣٣/٢.
. (٥) (ضَرْب)): خفيف اللحم، ممشوق مستدق.
- ٢٢٠ _