النص المفهرس
صفحات 161-180
وروينا عن جابر كانوا خمس عشرة مائة ، أخبرنا الشيخ نظام الدين أبو عبد الله محمد بن الحسن بن الحسين بن الخليلي قراءة عليه وأنا أسمع بمصر ، أخبرنا أبو نصر بن الدجاجي إجازة من بغداد ، أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد بن علوي الكوفي قراءة عليه وأنا أسمع ، أخبرنا أبو الفرج محمد بن أحمد بن علوان الخازن ، أخبرنا القاضي أبو عبد الله الجعفي ، حدثنا أبو جعفر محمد بن رباح الأشجعي ، حدثنا أبو الحسن علي بن منذر الطريقي ، حدثنا محمد بن فُضيل بن غزوان الضَّبي ، حدثنا حصين بن عبد الرحمن ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن جابر بن عبد الله، قال: عطش النَّاسُ يوم الحديبية، ورسولُ الله عَ لِ بين يديه رَكْوة يتوضأ منها ، فأقبل النَّاس نحوَه ، فقال : ما لكم ؟ قالوا : يا رسول الله ليس عندنا ماء نشربُ ولا نتوضأ منه إلا ما في ركوتك. فوضعَ رسولُ اللهِ عَّه يده في الركوة (١)، فجعلَ الماءِ يفور من بين أصابعه أمثالَ العُيون . قال : فشربنا وتوضأنا . قال: فقلت لجابر : كم كُنتم يومئذ؟ قال : لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة (٢). وقال ابن سعد: ويقال ألف وخمسمائة وخمسة وعشرون رجلاً. وأحرم معه عَ لَّهِ زوجه أم سلمة(٣). وروينا عن عبد الله بن أبي أوفى من طريق ابن سعد : كانو ألفاً وثلاثمائة . قال ابن إسحاق: وخرج رسول الله عَّ له حتى إذا كنا بعُسفان ، لقيه بشر بن سفيان الكعبي ، وابن هشام يقول : يُسر. فقال: يا رسول الله هذه قريش قد سمعتْ بمسيركَ، فخرجوا معهم العوذ المطافيل(٥) ، قد ليسوا جلود النمور ، وقد نزلوا بذي طوى(٦) ، يعاهدون (١) ((الرَّكوة)): إناء صغير من جلد. (٢) رواه البخاري في المغازي ( باب غزوة الحديبية ) رقم /٤١٥٢/، ومسلم في الإمارة ( باب استحباب مبايعة الإمام بجيش عند إرادة القتال) رقم /١٨٥٦/، وإنما أثر المؤلف إخراجه من غيرهما طلباً للعلو . نور النبراس ، ونُطق العدد على هذا النحو لا يزال شائعاً إلى اليوم في بعض القبائل العربية . (٣) الطبقات الكبرى ٩٥/٢ . (٤) المصدر السابق ٩٨/٢ . (٥) انظر فوائد المؤلف ص ١٧٤ . (٦) ذو طوى : واد بمكة . - ١٦١ _ الله أن لا تدخلَها عليهم عَنوةً أبداً، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم ، وقد قدموها إلى كُرَاع العَمِيم . : وقال ابن سعد: قدَّموا مائتي فارس ، عليها خالد بن الوليد ، ويقال : عكرمة بن أبي جهل. قال: ودنا خالد في خيله حتى نظرَ إلى أصحاب رسول الله عَ لَه، فأمر رسولُ اللهِ عَ لّ عَبَّادَ بن بِشْر، فتقدَّم في خيله، فقام بإزائه، وصفَّ أصحابَه ، وحانتْ صلاةُ الظهر، فصلَّى رسولُ الله عَ لَّهِ بأصحابه صلاةَ الخوف(١) . رجع إلى خير ابن إسحاق: قال: فقال رسولُ الله عَ له: يا ويح قريش، أكلتهم الحرب ، ماذا علیهم لو خَلّوْا بيني وبين سائر العرب ، فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا ، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين ، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة ، فما تظن قريش ؟ فوالله لا أزالُ أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يُظهَره الله أو تنفردَ هذه السالفة(٢)، ثم قال: مَن رجلٌ يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها . فحدثني عبدُ الله بن أبي بكر ؛ أن رجلاً من أسلم ، قال : أنا يا رسول الله . قال : فسلكَ بهم طريقاً وَعْرَأ أجرل(٣) بين شعاب، فلما خرجوا منه وقد شق ذلك على المسلمين، وأفضَوْا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي. قال رسول الله عَ لّه للناس قولوا: نستغفرُ الله ونتوبُ إليه. فقالوا ذلك . فقال: والله إنها للحطة(٤) التي ◌ُرضت على بني إسرائيل فلم يقولوها . ۔۔ قال ابن شهاب: فأمرَ رسول الله عَ لَّه الناس، فقال: اسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحَمْضِ(٥) ، في طريق يُخرجه على ثنية المرار، مهبط الحديبية من أسفل مكة. قال: فسلك (١) الطبقات الكبرى ٩٥/٢. (٢) ((السالفة)): صفحة العنق، وهما سالفتان من جانبيه، وكتَّى بانفرادها عن الموت. (٣) انظر فوائد المؤلف ص ١٧٤ (٤) ((لَلْحِطَّة)): يُرِيد عَ لَّه قول اله تعالى لبني إسرائيل: ﴿وادخلوا الباب سُجَّداً وَقُولوا حِطّة .. ﴾ [ البقرة:". ٥٨ ] ومعناها : اللهم حط عنا ذنوبنا . (٥) ((الحَمْض)): ما كان ذا مرارة وملوحة من النبات كالرِّمث والأَثْلِ والطَّرْفَاءِ. والخلة من النبات ما فيه حلاوة، تقول العرب: الخُلَّةِ خبز الإبل والحَمْض فاكهتها . قاله في نور النبراس . - ١٦٢ - الجيشُ ذلك الطريق ، فلما رأتْ قريش قَتَّرة(١) الجيش قد خالفوا عن طريقهم ، ركضوا راجعين إلى قريش. وخرجَ رسولُ الله عَ لِ حتى إذا سلك في ثنية المرار بركت ناقته . فقال الناس : خلأت القصواء(٢) فقال: ما خلأتْ ، وما هو لها بخلق ، ولكن حبسَها حابسُ الفيل عن مكة ، لا تدعوني قريشٌ اليومَ إلى خُطّة يسألون فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها . ثم قال للناس : انزلوا . قيل له : يا رسول الله ما بالوادي ماء ننزل عليه . فأخرجَ سهماً من كنانته ، فأعطاهُ رجلاً من أصحابه ، فنزلَ في قَليب من تلك القُلُب ، فغرزه في جوفه ، فجاش بالرَّواءِ(٢) حتى ضربَ النَّاسُ عنه بعطن(٣). قال : فحدثني بعضُ أهل العلم ، عن رجال من أسلم ، أن الذي نزل في القليب ناجيةُ بن جُندب ، سائقُ بُدْنِ رسول الله عَّهِ. وقد زعمَ لي بعضُ أهل العلم أن البراء بن عازبَ كان يقول: أنا الذي نزلتُ بسهم رسول الله عَ ◌ّه، فالله أعلم. قال الزهري في حديثه: فلما اطمأن رسولُ الله عَ لِ أتاه بُديل بن ورقاء في رجال من ◌ُزاعة، فكلُّموه ، وسألوه ما الذي جاء به؟ فأخبرهم أنه لم يأت يُريد حرباً ، وإنما جاء زائراً للبيت ومُعظّماً لحرمته ، ثم قال لهم نحواً مما قال لبشر بن سفيان . فرجعوا إلى قريش ، فقالوا: يا معشر قريش إنكم تعجلون على محمد ، إن محمداً لم يأتِ لقتال، إنما جاء زائراً لهذا البيت ، فاتهموهم وجبَّهوهم(٢)، وقالوا: إن كان جاء ولا يُرُيد قتالاً ، فوالله لا يدخلُها علينا ◌ُنوةً أبداً، ولا تَحَدَّث بذلك عنا العرب . وكانت خزاعةُ عيبةً(٤) رسول الله عَِّ ، مسلمُها ومشركُها ، لا يُخفون عليه شيئاً كان بمكة . ثم بعثوا إليه مِكرزَ بن حفص بن الأخيف، أخا بني عامر، فلما رآه رسول الله عَ ليه مقبلاً، قال: هذا الرجل غادر(٥). فلما انتهى إلى رسول الله عَ ◌ّه وكلَّمه، قال له (١) (( قَتّرة الجيش)): غباره. (٢) انظر الفوائد ص ١٧٤ . (٣) (( بعَطَن)): مبرك الإبل حول الماء. (٤) ((عيبة)): العيبة: الحقيبة ونحوها، والمقصود أنهم خاصته وموضع سره. (٥) كذا هنا، وفي صحيح البخاري في المغازي رقم (٢٧٣١ و٢٧٣٢): ((فاجر)). وقال الحافظ: وفي رواية ابن إسحاق ((غادر)) وهو أرجح .. وأورد قصة من مغازي الواقدي ثبت فيها غدره . - ١٦٣ - -.. .. رسول الله عَ لله نحواً مما قال لبديل وأصحابه، فرجع إلى قريش وأخبرهم بما قال له رسول الله عَ له، ثم بعثوا إليه الحُلَيْس بن علقمة بن رَيَّان، وكان يومئذ سيد الأحابيش(١)، وهو أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة، فلما رآه رسولُ اللهُ عَّهِ، قال: إن هذا من قوم يتألهون ، فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه ، فلما رأى الهديّ يُسيرُ إليه من عُرِض(٢) الوادي بقلائده، قد أكل أوبَارَه من طول الحبس عن مَحِلُّه(٢)، رجعَ إلى قريش، ولم يصل إلى رسول الله عَّه؛ إعظاماً لما رأى، فقال لهم ذلك. فقالوا له: اجلس فإنما أنت أعرابي. لا علم لك. فحدثني عبدُ الله بن أبي بكر ، أن الحلیس غضب عند ذلك ، وقال : يا معشر. قريش والله ما على هذا حالفناكم ، ولا على هذا عاقدنا كم، أَنَصُدُّ عن بيت الله من جاءه. مُعَظِّماً، والذي نفس الحُلَيس بيده لتُخْلُنَّ بين محمد وما جاءله، أو لأَنفِرن بالأحابيش نفرةَ رجل واحد . قال : فقالوا : مه ، کفَّ عنا یا حُلَيس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به . قال الزهري في حديثه : ثم بعثوا إلى رسول الله عَّ ◌َلَّهِ عروة بن مسعود الثقفي ، فقال:" يا معشر قريش إني قد رأيتُ ما يَلقى منكم من بعثنموه إلى محمد إذا جاءكم؛ من التعنيف: وسوء اللفظ، وقد عرفتم أنكم والد وأني ولد ، ــ وكان عروةُ لسُبیعة بنت عبد شمس - وقد سمعتُ بالذي نابَكم ، فجمعتُ من أطاعني من قومي ، ثم جئتكم حتى آسيتُكم بنفسي، قالوا : صدقت ، ما أنت عندنا بمتهم ، فخرج حتى أتى رسول الله عێے ، فجلس بین یدیه ، ثم قال : يا محمد أجمعتَ أوشابَ الناس ثم جئتَ بهم إلى بيضتِك(٤) لنقضها بهم ؟ إنها قريش قد خرجت معها العوذُ المطافيل ، قد لبسوا جلود التمور ، يعاهدون الله لا تدخلَها عليهم عنوة أبداً ، وايم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غداً. قال: وأبو بكر الصديق خلف رسول الله عَِّ قاعد، فقال: امصُصْ بَظْرَ اللات، أنحن نتكشف عنه؟ قال : من هذا يا محمد ؟ قال : هذا ابن أبي قحافة، قال: أما والله لولا يدّ كانت لك عندي لكأفاتك بها، (١) ((الأحابيش)): هم أحياء من القَارَة انضموا إلى بني ليث في محاربتهم قريشاً، والتحُّش: التَّجمع، وقيل: حالفوا قريشاً تحت جبل يُسمَّى حبشيًَّ فسُمُّوا بذلك . (٢) ((عُرْض الوادي)) جانبه وناحيته، ويُطلق أيضاً على الوسط. (٣) ((مَحِلُّه)): موضعه الذي يُنجِّر فيه من الحرم. (٤) ( بيضتك)) : أهلُك وعشيرتُك . - ١٦٤ - ولكن هذه بها. قال: ثم جعل يتناول لحيةَ رسول الله عَ لّه وهو يُكلِّمه. قال: والمغيرةُ بن شعبة واقف على رأس رسول الله عَّةٍ في الحديد. قال: فجعلَ يقرعُ يدَه إذا تناول لحيةً رسول الله عَّله، ويقول: اكففْ يدكَ عن وجه رسول الله مَ له قبل أن لا تصلَ إليك، قال: فيقول عروة: ويحكَ ما أفظَّكَ !وما أغلظَكَ! قال: فتبسم رسولُ الله عَ لَّهِ، فقال له عروة : من هذا يا محمد؟ قال: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة ، قال: أي غُدَّرْ وهل غسلتُ سوأتك إلا بالأمس ؟ ! . قلت : كذا وقع في هذا الخبر ؛ أن عروة عَُّ المغيرة، وإنما هو عَمُّ أبيه . هو المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود فعروة وأبو عامر أخوان . قال ابن هشام : أراد عروةُ بقوله هذا أن المغيرةَ قبل إسلامه قتل ثلاثة عشرَ رجلاً من بني مالك من ثقيف، فتهايحَ الحيَّان من ثقيف: بنو مالك رهطُ المقتولِيْن، والأحلاف رهطُ المغيرة ، فَوَدَى عروةُ المقتولين ثلاثة عشر ديةً ، وأصلح ذلك الأمر . قال الزهري: فكَلَّمَه رسولُ الله عَ لِّ نحواً مما كلَّم به أصحابَه، وأخبره أنه لم يأت يُريد حرباً، فقام من عند رسول الله عَّ له، وقد رأى ما يصنعُ به أصحابه، لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه ، ولا يبصقُ بصاقاً إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه ، فقال: يا معشر قريش إني جئت کسری في ملكه ، وقيصر في ملكه ، والنجاشيّ في ملكه ، وإني والله ما رأيتُ مَلِكاً في قوم قط مثل محمد في أصحابه ، ولقد رأيتُ قوماً لا يُسلمونه لشيء أبداً ، فَرُوا رأيكم . قال ابن إسحاق: فحدثني بعضُ أهل العلم أنَّ رسولَ الله عَلِّ، دعا خِرَاشَ بن أمية الخزاعي ، فبعثَه إلى قريش بمكة، وحملَه على بعير له يُقال له الثعلب ، ليُبُلِّغ أشرافَهم عنه ما جاء له ، فعقروا به جملَ رسول الله عَ لِه، وأرادوا قتلَه، فمنعه الأحابيشُ، فخَلَّوْا سبيلَه، حتى أتى رسول الله عَ ◌ّله . وحدثني بعضُ من لا أتهم ، عن عكرمة مولى ابن عباس ، أن قريشاً كانوا بعثوا أربعينَ رجلاً منهم، أو خمسين رجلاً، وأمروهم أن يُطيفوا بعسكر رسول الله عَ له، ليُصيبوا لهم من أصحابه أحداً، فأخذوا أخذاً، فأُتي بهم رسولُ الله عَّهِ ، فعفا عنهم وخلَّى سبيلَهم، وقد كانوا رموا في عسكر رسول الله عَ ◌ّه بالحجارة والنّبل . ثم دعا - ١٦٥ - عمرَ بن الخطاب ليبعثَه إلى مكة فُيبلُغ عنه أشراف قريش ما جاء له ، فقال : يا رسول الله إني أخافُ قريشاً على نفسي بمكة ، وما بمكة من بني عدي بن كعب أحدٌ يمنعني ، وقد عرفتْ قريش عداوتي إياها ، وغلظني عليها ، ولكن أدلُّك على رجل أعزُّ بها مني ، عثمان بن عفان، فدعا رسولُ اللهِ عَ لِ عثمانَ بن عفان، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يُخبرهم أنه لم يأت لحرب، وأنه لم يأت إلا زائراً لهذا البيت ، ومعظماً لحرمته(١). فخرجَ عثمان بن عفان إلى مكة ، فلقيه أبانُ بن سعيد بن العاص حين دخل مكة ، أو قبل أن يدخلَها ، فجعله بين: يديه، ثم أجاره، حتى بلَّغ رسالةَ رسول الله عَ ليه، فانطلق عثمانُ حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلَّغهم عن رسول الله عَ ليه ما أرسله به. فقال لعثمان حين فرغ من رسالة شئتَ أن تطوفَ بالبيت فطفْ . قال : ما كنتُ لأُفعلَ حتى رسول الله عَ لُه إليهم: إِن يطوفَ به رسولُ اللهِ عَّهِ. فاحتبسته قريش عندها، فبلغ رسولَ الله عَ ◌ّه والمسلمين أن عثمانَ قد قُتل . قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسولَ الله عَ لّه قال حين بلغه أن عثمان قد قُتل: لا نبرحُ حتى أنناجزَ القومَ، ودعا رسولُ الله عَ لِ الناسَ إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة ، فكان الناسُ يقولون: بايعهَم رسولُ الله عَ لِ على الموت ، وكان جابرُ بن عبد الله يقول إن رسولَ الله عَ له لم يبايعْنا على الموت، ولكن بايعنا على أن لا نفِرَّ، فبايع رسولُ الله عَ لِّ الناسَ، ولم يتخلَّفْ عنه أحد من المسلمين حضرها، إلا الجَدُّ بن قيس ، أحد بني سَلِمةُ ، فكان جابر يقول: والله لكأني أنظرُ إليه لاصقاً بإبط ناقته ، قد ضبأ(٢) إليها ، يستتر بها من الناس. ثم أتى رسول الله عَ ليه أن الذي ذُكر من أمر عثمان باطل . : قال ابن هشام : فذکر و کیع ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي ؛ أن أوَّل من بايع رسولَ الله عَ ليه بيعة الرضوان أبو سنان الأسدي . قال ابن إسحاق : قال الزهري : ثم بعثتْ قريش سُهيلَ بن عمرو - أجا بني عامر بن لؤي - إلى رسول الله عَ ليه قالوا: ائت محمداً فصالحْه، ولا يكن في صلحه إلا أن برجعَ (١) كذا في السيرة النبوية؛ لابن هشام، وفي الأصول ((مُعَظِّماً له لحرمته)). (٢) ((ضبأ)): لجأ، ومن معانيها: الاختفاء والاستثار. - ١٦٦ - عنا عامَه هذا ، فوالله لا تَحَدَّثُ العربُ أنه دخلَها علينا مُنوة أبداً . فأتاه سهيلُ بن عمرو ، فلما رآه رسولُ الله عَّلِ مقبلاً، قال: قد أراد القومُ الصلحَ حين بعثوا هذا الرجل . فلما انتهى سهيلٌ إلى رسول الله عَِّ تكلَّم فأطالَ الكلام، وتراجعًا، ثم جرى بينهما الصلحُ ، فلما التأم الأمرُ ، ولم يبق إلا الكتاب ، وثبَ عمرُ بن الخطاب ، فأتى أبا بكر ، فقال له : يا أبا بكر أليس برسول الله ؟ قال: بلى. قال: أولسنا بالمسلمين ؟ قال : بلى . قال أوليسوا بالمشركين ؟ قال: بلى. قال: فعلامَ نُعطي الدنيئة(١) في ديننا ؟ قال أبو بكر : يا عمر الزم غَرْزَه(٢) فإني أشهدُ أنه رسولُ اللهِ عَ الِه. قال عمر: وأنا أشهد أنه رسولُ الله. ثم أتى رسولَ الله عَّه، فقال: يا رسول الله ألستَ برسول الله ؟ قال: بلى. قال: أُولسنا بالمسلمين ؟ قال: بلى. قال: أوليسوا بالمشركين ؟ قال: بلى. قال: فعلامَ نُعطي الدنيئة(١) في ديننا ؟ قال: أنا عبدُ الله ورسولُه، لن أخالفَ أمرَه ، ولن يُضيِّعني. قال: فكان عمر يقول : ما زلتُ أصومُ وأتصدَّقُ وأُصلِّي وأعتِقُ من الذي صنعتُ يومئذٍ ، مخافَة كلامي الذي تكلَّمتُ به حين رجوتُ أن يكون خيراً . ثم دعا رسولُ الله عَ لّه عليّ بن أبي طالب، فقال اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. قال : فقال سهيل بن عمرو: لا أعرفُ هذا، ولكن اكتبْ: باسمك اللهم . فكتبَها . ثم قال اكتب : هذا ما صالحَ عليه محمدٌ رسولُ الله سهيل بن عمرو . فقال سهيل بن عمرو : لو شهدتُ أنك رسولُ الله لم أقاتلْكَ، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك . قال : فقال رسولُ الله عَّ ◌َلِ اكتب: هذا ما صالَحَ عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو ، واصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشرَ سنين ، يأمن فيهنَّ الناسُ ، ويكفُّ بعضُهم عن بعض ، على أنه من أتى محمداً من قريش بغير إذن وَلِيُّه رَدِّه عليه، ومن جاء قريشاً ممن مع محمد لم يرده عليه، وأن بيننا عيبة مكفوفة (٣)، وأن لا إسلال ولا إغلال(٣)، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه ، ومن أراد أن يدخلَ في عقد قريش وعهدهم دخل فيه ، فتواثبتْ (١) ((الدنيئة)): ويُروى: الدنّة أيضاً بالتسهيل، ما فيه ذلة وحقارة، والفعل منه: دنا ودَنُو. (٢) (( الزمْ غَرْزه)»: الزم أمره ولا تُفارقه، والغَرْزُ: ركاب الإِبل خاصة، وكان يُصنع عندهم من الجلد أو الخشب . (٣) انظر فوائد المؤلف ص ١٧٥ . - ١٦٧ - خزاعة ، فقالوا : نحن في عقد محمد وعهده . وتواثبت بنو بكر ، فقالوا : نحن في عقد قریش وعهدهم ، وأنك ترجع عنا عامَك هذا فلاتدخلُ علينا مكة ، وأنه إذا كان عام قابل ، خرجنا: عنها فدخلتَها بأصحابك ، فأقمتَ بها ثلاثاً ، معك سلاح الراكب : السيوف في القُرُب ، لا تَدْخلُها بغيرها . غبينا رسولُ الله علبهلم یکتبُ الكتاب هو وسهيل بن عمرو ، إذ جاء أبو جندل بن سُهيل بن عمرو ، يرسفُ في الحديد، قد انفلت إلى رسول الله عَ ليه ، وقد كان أصحابُ رسول الله عَ لَّه خرجوا وهم لا يَشكُّونَ في الفتح لرؤيا رآها رسولُ الله عَّهِ، فلما رأَوْا ما رأَوْا من الصلح والرجوع، وما تحمَّل عليه رسول الله عَ ◌ّمه في نفسه، دخلَّ النَّاسَ من: ذلك علیہم أمرٌ عظيم ، حتی کادوا یهلکون . فلما رأی سهیلٌ اُبا جندل قام إليه فضربَ وجهَه، وأخذَ بتلبيبه(٢)، ثم قال: يا محمد قد لَجَّتِ (١) القضية بيني وبينَك قبل أن يأتيك هذا، قال : صدقت ، فجعل ينتره(٢) بتلبيبه ، ويجرُّه لیردَّه إلی قریش، وجعل أبو جندل يصرُ بأعلى صوته : يا معشر المسلمين أُرَدُّ إلى المشركين يفتنوني في ديني ؟ فزادَ الناسَ ذلك: إلى ما بهم. فقال رسول الله أَ له: يا أبا جَندل اصبرْ واحتسبْ، فإن الله جَاعِلٌ لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً ، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صُلحاً ، وأعطيناهم على: ذلك وأعطَوْنا عهدَ الله، وإنّا لا نغدر بهم . قال: فوثب عمر بن الخطاب مع أبي جندل يمشي إلى جنبه ، ويقول: اصبرْ يا أبا جندل ، فإنما هم المشركون ، وإنما دم أحدهم دمُ: كلب ، قال : ويُدني قائمَ السيفِ منه، قال: يقول عمر: وددتُ أن يأخذَ السنيفَ فيضربَ. به أباه . قال : فضنَّ الرجلُ بأبيه ، ونفذتِ القضية، فلما فرغَ الكتابُ(٣)، أشهد على الصلح رجالاً من المسلمين ورجالاً من المشركين : أبو بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وعبد الرحمن بن عوف ، وعبد الله بن سهيل بن عمرو ، وسعد بن أبي وقاص ، ومحمود بن مسلمة ، ومِكرز بن حفص وهو مشرك ، وعلي بن أبي طالب ، وكان هو كاتب الصحيفة . (١) ((لَجَّت)): تمت . (٢) (ينترهُ بتلبيبهِ)): ينتره: يجذبه جذباً شديداً. بتلبيبه: التلبيب: ما في موضع اللَّب من الثياب، جمعه تلابيب، واللَّبَب واللَّبَة: المنحر، والأخذ بتلبيب الرجل: أن يجمع ثيابه عند نحره في الخصومة . (٣) ((فرغ الكتاب )): انتهت الكتابة . - ١٦٨ - وكان رسول الله عَّهِ مُضطرباً(١) في الحِلِّ، وكان يُصلي(٢) في الحرم ، فلما فرغَ من الصلح قام إلى هديه فنحره ، ثم جلس فحلق رأسه ، وكان الذي حلقه فيما بلغني في ذلك اليوم خِراشَ بن أمية بن الفضل الخزاعي ، فلما رأى النَّاسُ رسول الله عَ لِه قد نحرَ وحلقَ تواثبوا ينحرون ويحلقون . وذكر ابن إسحاق عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس : دعا رسولُ الله عَّلِ بالرحمة للمُحلِّقين ثلاثاً، والمقصِّرين مرة(٣). وذكر ابن سعد بسنده ؛ أن عثمان وأبا قتادة الأنصاري ممن لم يحلق (٤). وقال ابن(٥) أبي نجيح : حدثني مجاهد ، عن ابن عباس ، أن رسولَ الله ێ أهدى عام الحديبية في هداياه جملاً لأبي جهل في رأسه بُرة (٦) من فضة ، ليغيظ بذلك المشركين . قال الزهري في حديثه: ثم انصرف رسولُ الله عَّل من وجهه ذلك قافلاً ، حتى إذا كان بين مكة والمدينة ، نزلت سورةُ الفتح: ﴿إِنَّا فتحنا لكَ فتحاً مبيناً. ليغفرَ لك الله ما تقَّدمَ من ذنبِكَ وما تأخّرَ ويُتِمَّ نعمتَه عليكَ ويهديَك صِرَاطاً مستقيماً﴾ [ الفتح: ١ -٢]. ثم كانت القصة فيه وفي أصحابه، حتى انتهى إلى ذكر البيعة، فقال: ﴿إنّ الذين يُبايعونَك إنما يُبايعون الله﴾ الآية [الفتح: ١٠]. ثم ذكر من تخلف عنه من الأعراب ، ثم قال حين استنفرهم للخروج معه فأبطؤوا عليه: ﴿سيقولُ لك الْمُحَلَّفونَ من الأعراب شَغَلَتْنَا أموالُنَا وأهلونًا﴾ [الفتح: ١١] ثم القصة عن خبرهم، حتى انتهى إلى قوله: ﴿ سيقولُ الْمُخَلَّفُون إذا انطلقْتُم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نَِّعْكُم يُريدون أن يُبَدِّلُوا كلامَ الله قلْ لن تتبعونا﴾ [الفتح: ١٥]. ثم القصة عن خبرهم، وما عرض عليهم من (١) ((مضطرباً في الحِلُّ)»: ضارباً خيامه خارج حدود حرم مكة . (٢) ((وكان يُصلِّي في الحرم)): يُريد أنه لم يكن يصلي في مخيمه عَ لّه خارج حدود الحرم، وإنما كان يُفارقه ليصلي في داخلها ، وذلك لقرب الحديبية منها . (٣) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٣٠٨/٢ - ٣١٩. (٤) الطبقات الكبرى ؛ لابن سعد ١٠٤/٢. (٥) رجع إلى ابن إسحاق . (٦) ((بُرة)): حلقة معدنية تُجعل في أنف البعير . - ١٦٩ - ۔۔ جهاد القوم أولي البأس الشديد ، فذكر آيات من سورة الفتح(١) . وذكر ابن عائذ : فيما رواه عن محمد بن شعيب ، عن عثمان بن عطاء الخراساني ، عن أبيه ، عن عكرمة، عن ابن عباس ، قال: ووعده ربُّه أنه فاتحها، وبيَّنَ له فتحها، ولم يجعل لمن تخلف عنه بالمدينة من غير معذرة نصيباً في مغانم خيبر، فقال: ﴿ سيقولُ الْمُخَلَّقُون إذا انطلقتم إلى مغانمَ لتأخذَوها﴾ حتى بلغ ﴿إلا قليلاً﴾ [الفتح: ١٥]. وقال ابن عقبة في تفسير قوله ﴿فتحاً قريباً﴾ [الفتح: ١٨] رجوعهم من العام المقبل. إلی مکة معتمرین ، وقيل خيبر . وهاجرت إلى رسول الله عَ له أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط في تلك المدة ، فخرج أخواها عمارة والوليد في ردها بالعهد، فلم يفعل النبي عَ ◌ّ ذلك. ونزلت: ﴿إذا جاءكم المؤمناتُ مهاجراتٍ فامتحنُوهُنَّ الله أعلمُ بإيمانهنّ﴾ [الممتحنة: ١٠ ] الآيات . وكان ممن طَلَّقَ عند نزول قوله تعالى: ﴿ولا تُمسكوا بِعصم الكوافر﴾ [الممتحنة: ١٠ ] عمر بن الخطاب ، ظُلَّق امرأته قُرَيْبة بنت أبي أمية بن المغيرة ، فتزوجها معاوية بن أبي سفيان وهما على: شركهما ، وأم كلثوم بنت جرول ، فتزوَّجَها أبو جهم بن حذيفة بن غانم رجل من(٢) قومه ، وهما على شركهما . وروي أن بعض من كان مع النبي عَّم قال له لما قدم المدينة: ألم تقلّ يا رسولَ الله إنك. تدخل مكة آمناً ؟ قال: بلى، أفقلت لكم من عامي هذا؟ قالوا : لا. قال: فهو كما قال جبريل(٣) . وذكر ابن عقبة: عن ابن شهاب؛ أن رسول الله عَ لمه استشار الناس حين بلغه أن: قريشاً تجمع له ، فقال: أترون أن نُغيرَ على ما جمعوا لنا ، وعلى جُلٌّ أموالهم ، فنصيبَهم ، فإن قعدوا قعدوا مَغيظين مَوتورين ، وإن تبقَ منهم عنق نقطعها؟ أم ترون أن نؤمَّ البيتَ الحرام ، (١) السيرة النبوية ٣١٩/٢ - ٣٢٢. (٢) في السيرة النبوية: ((وأم كلثوم بنت جرول؛ أم عبيد الله بن عمر الخزاعية .. )) فهى وزوجها وأبنها عبيد الله من خزاعة . (٣) السيرة النبوية ٣٢٥/٢ - ٣٢٧. - ١٧٠ - فمن صدَّنا عنه قاتلناه ؟ قال أبو بكر الصديق : الله ورسوله أعلم ، جئنا لأمر ، فنزى أن نؤمَّه، فمن صدَّنا عنه قاتلناه. قال رسول الله عَ ليه: فنعم. ويُقال: سار رسولُ الله ◌ِعَ ◌ّه حتى إذا كان يُعُسفان ، لقيه بشرُ بن سفيان الكعبي ، فقال : إن قريشاً قد نزلت بذي طُوى ، وذكر نحو ما تقدم . وفيه : بعد كتابة الصحيفة بالصلح ، فهم ينتظرون نفاذ ذلك وإمضاءه، رمى رجلٌ من أحد الفريقين رجلاً من الفريق الآخر ، فكان بينهم شيء من قتال ، يترامون بالنبل والحجارة ، فصاح الفريقان كلاهما ، وارتهن كلُّ واحد من الفريقين مَنْ كان عنده من الآخرين ، فارتهنَ المشركون عثمان بن عفان ومن كان معه ، وارتهن المسلمون سُهيلَ بن عمرو ومن كان معه من المشركين، يقولون: فعند ذلك دعا رسول الله عَ ليه المسلمين إلى البيعة ، وأراد القتال ، فبايعوه على الموت . وقال جابر : على أن لا يفروا ، وعمر آخذ بيده. والشجرة : سمرة. والخيل مائة فرس ، فبايعناه ، غير الجَدِّ بن قيس، فلما رأت قريش ذلك رعبهم(١) الله، وأرسلوا من كان في أيديهم من المسلمين ، فدعوا إلى الموادعة والصلح، والمسلمون لهم عالون، وصالحَهَم رسولُ الله عَ له، وكره عمرُ الصلحَ، ثم رجع عن ذلك. ولما رجع عليه الصلاة والسلام من الحديبية ، كلِّمه بعضُ أصحابه ، فقالوا : جهدنا وفي الناس ظهر (٢) فانحرْه لنأكلَ من لحمه، ولنَدَّهِنَ من شحومه، ولنَحْتِذِيَ(٣) من جلوده . فقال عمر بن الخطاب : لا تفعل يا رسول الله ، فإن النَّاسَ إن يكن فيهم بقيةُ ظهر أمثل، فقال رسول الله عَ ليه: ابسطوا أنطاعَكم(٤) وعباءَكم، ففعلوا ، ثم قال: من كان عنده بقية من زاد أو طعام فلينئره ، ودعا لهم ، فقال : قربوا أوعيتكم ، فأخذوا ما شاء الله . وقد روينا نحوه : من حديث إياس بن سلمة بن الأكوع ، عن أبيه من طريق مسلم ، وفي آخره: فقال النِّ عَلِ: ((فهل من وَضوء؟)) فجاء رجلٌ بإداوة(٥) ، فيها نطفةٌ من ماء ، فأفرغا في قدح، فتوضأنا كلُّنا .. الحديث(٦). (١) ((رَعَبهم الله)): بتخفيف العين: أفزعهم، ولا يُقال: أُرعبه، انظر الصحاح للجوهري. (٢) ((وفي الناس ظَهْرٌ)): إبل مركوبة. (٣) ((ولِنَحْتَذِيَ من جلوده)»: نتخذ منها أحذية. (٤) ((أنطاعكم)) : جمع نِطع ، وهو البساط من الجلد . (٥) (بإدارة)): إناء صغير من جلد، والنطفة: الماء القليل. (٦) رواه مسلم في كتاب اللقطة ( باب استحباب خلط الأزواد إذا قلت .. ) رقم /١٧٢٩/. - ١٧١ - قال ابن عقبة: وأقبل رسولُ اللهِ عَّلِ مِن الحديبية راجعاً، فقال رجلٌ من أصحاب رسول الله عٍَّ: ما هذا بفتح، لقد صَدُّونا عن البيت، وصُدَّ هَدْيُنا، وردَّ رسول الله عَ ليه رجلين من المؤمنين ، كانا خرجا إليه. فبلغ رسولَ الله عَ لمه قولُ أولئك(١)، فقال: بئس: الكلام بل هو أعظم الفتح، قد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ، ويسألوكم القضية ، ويرغبون إليكم في الأمان ، وقد رأَوْا منكم ما كرهوا، وأظفرَ كم الله عليهم، وردّكم الله سالمين مأجورين ، فهو أعظم الفتوح . وفيه : أنسيتم يومَ أُحد إذ تُصعدون ولا تَلوون على أحد ، وأنا أدعوكم في أخراكم ؟ أنسيتم يومَ الأحزاب إذا جاؤوكم من فوقكم ومن أسفلَ منكم وإذ زاغت الأبصارُ وبلغت القلوبُ الحناجر وتظنون بالله الظنونا؟ فقال المسلمون : صدق الله ورسولُه، فهو أعظمُ الفتوح، والله يا نبّ الله ما فَكَّرنا فيما فكّرتَ فيه، ولأنت أعلم بالله وأمره منا . وذكر ابن عائذ: أن رسول الله عَ له أقامَ في غزوته هذه شهراً ونصفاً. وقال ابن سعد : أقام بالحديبية بضعة عشر يوماً، ويقال : عشرين ليلة ، ثم انصرف رسول الله عَّلِ، فلما كانوا بضَجنان(٢) نزلت عليه: ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ فقال جبريل : نهنئك يا رسول الله. وهنأه المسلمون(٣). وروينا عن ابن سعد ، قال : أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أُويس، عن مُجمِّع بن يعقوب، عن أبيه، أنه قال: لما صُدَّ رسولُ الله عَّ له وأصحابُه، وحلقوا بالحديبية، ونحروا، بعثَ الله ريحاً عاصفاً، فاحتملت أشجارَهم فألقتها في الحرم(٤). وعن طارق بن عبد الرحمن ، قال : كنت عند سعيد بن المسيِّب ، فتذاكروا الشجرة ، (١) كذا في الأصول، وفي دلائل النبوة للبيهقي ١٦٠/٤: ((فبلغ رسولَ الله عَ لَّه قولُ رجالٍ من أصحابه، فقال .. )) وهو الأنسب . والخبر عن عروة بن الزبير، وفي إسناده ابن لهيعة ، وهو ضعيف. (٢) ((ضجنان)): جبل على بريد من مكة. (٣) الطبقات الكبرى ٩٤/٢ . (٤) الطبقات الكبرى ١٠٤/٢، والخبر مرسل ؛ لأن يعقوب بن مجمع بن يزيد بن حارثة الأنصاري ، تابعي ، ذكره ابن حبان في الثقات، كذا في نور النبراس لوحة ٢ ب/١٢٣. .- - ١٧٢ - فضحك ، ثم قال : حدثني أبي ، أنه كان ذلك العام معهم ، وأنه قد شهدها فتسوها من العام المقبل(١). وروينا عن ابن سعد، قال : أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء ، أخبرنا عبد الله بن عوف ، عن نافع ، قال : كان الناس يأتون الشجرةَ التي يُقال لها شجرة الرضوان ، فيُصلُّون عندَها، قال : فبلغ ذلك عمر بن الخطاب ، فأوعدهم فيها، وأمر بها فقُطعت(٢). وروينا عن ابن عمر، قال: كانت رحمةً من الله(٣). وروينا عن ابن سعد ، أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء العجلي ، قال : أخبرنا خالد الحَذَّاءِ، قال: أخبرني أبو الملَيح، عن أبيه ، قال: أصابنا يومَ الحديبية مطرٌ لم يَبْلَّ أسافلَ نعالنا، فنادى منادي رسول الله عَ ليه: أن صَلُّوا في رحالكم(٤). ذكر فوائد تتعلق بخير الحديبية • الحديبية : بئر سُمي المكان بها، والأعرف فيها التخفيف ، ورأيت بخط جدي: قال الأستاذ نقلاً عن أبي على الشلوبين : هي بتخفيف الياء لا غير ، وكأنه تصغير حدبى (١) حديث طارق رواه البخاري في المغازي ( باب غزوة الحديبية) رقم /٤١٦٥/ ومسلم في المغازي (باب استحباب مبايعة الأمير الجيش ) رقم /١٨٥٩/. (٢) الطبقات الكبرى ١٠٤/٢، وقال في نور النبراس: ونافع لم يدرك عمر بن الخطاب فاعلمه ، فروايته عنه مرسلة . (٣) لم يذكر سبط ابن العجمي من أخرجه وإنما قال : حديث ابن عمر أخرجه ... وترك له بياضاً ، وهذا في النسختين المخطوطتين من نور النبراس . وقال الصالحي : الحكمة في قطع عمر الشجرة وفي إخفاء مكانها أن لا يحصل بها افتان لما وقع تحتها من الخير ، فلو بقيت لما أُمن من تعظيم الجهال لها ... وإلى ذلك أشار ابن عمر بقوله : كانت رحمة من الله ... سبل الهدى والرشاد ١٢٢/٥ . (٤) الطبقات الكبرى ١٠٥/٢ وقال في نور النبراس : الحديث الذي ذكره المؤلف أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه .. وفي سنن أبي داود رقم /١٠٥٩/ عن خالد الحذّاء عن أبي قلابة ، عن أبي المليح .. وفي سنن ابن ماجه رقم /٩٣٦/ عن خالد الحذاء عن أبي المليح .. وخالد سمع منهما كما في نور النبراس لوحة ٢ ب/١٢٤، أو أن اسم أبي قلابة سقط من السيرة ، والله أعلم . - ١٧٣ - مقصورةً . قال ابن السَرَّاج: والجغْرانة بإسكان العين قاله الأصمعي ، وأتى بالتشديد(١) ، وذكر أنه سمعه من فصحاء العرب . وإحرامه عليه الصلاة والسلام كان من ذي الحليفة . • والأجرل: الكثير الحجارة ، والجرول والجَزَّل: الحجارة. • والعُوذ المطافيل: النساء اللاتي معهن أطفالهن، وقال السهيلي: جمع عائذ، وهي الناقة التي معها ولدها ، يُريد أنهم خرجوا بذوات الألبان من الإِبل ليتزوَّدوا بألبانها ، ولا يرجعوا حتى يُناجزوا محمداً عَ لّه وأصحابه . ● وخلأت القصواء : حرنت ، والخلاً في الإبل ، كالحران في غيرها من الدواب. · وماء رَوَاء: وروى(٢)، وقوم رواء من الماء، عن ثعلب. ● وناجية: كان اسمه ذكوان، فسماه رسول الله عَ لّله حين نجا من كفار قريش ناجية. · وجَبَهتَ الرجل : المستقبلته بما يكره . • ويتألّهون: يعظمون أمر الإله، وقال الخشني: التألُّه التعبُّد . • ورأيتُ عن ابن الكلبي في نسب الحُليس بن ريان : أنه الحليس بن عمرو بن الحارث بن المُغَفَّلَ، وهو الريان بن عبد ياليل ، ويقال الحُليس بن يزيد بن الريان. • والأوباش: والأوشاب ، الأخلاط من الناس . • وأبو سنان الأَسَدي: اسمه وهب بن مِحصن ، أخو ◌ُكّاشة بن محِصن . روينا عن أبي عروبة ، حدثنا علي بن المنذر ، حدثنا محمد بن فضيل ، عن عاصم ، عن: عامر ، قال: كان أوَّلَ من بايعَ بيعة الرضوان أبو سنان الأسَدي، قال: يا رسول الله! : بايعني . قال: على ماذا؟ قال: على ما في نفسك. قال: ما في نفسي؟ قال: الفتح أو الشهادة: فبايعَه رسولُ الله عَّةٍ، وجاء الناس ، فجعلوا يقولون نُبايعك على بيعةِ أبي سنان، (١) المقصود تشديد الياء من كلمة ((الحديبيّة))، وفي صحيح البخاري عن البراء ((الحديبية)): بئر. قال الحافظ بينها وبين مكة مرحلة ، وبينها وبين المدينة تسع مراحل . (٢) وماء رواء ورٍوىّ - ويقال: رويٍّ أيضاً -: كثيرٌ مُرٍْ. وقوم رواء: مرتوون .. - ١٧٤ - كذا روي هذا عن الشعبي من غير وجه(١) . والصَّواب سنان بن أبي سنان . قال الواقدي فيما حكى عنه أبو عمر : وسِنان أُوَّلُ من بايع بيعة الرضوان ، وتوفي سنان سنة اثنتين وثلاثين ، وأما أبوه أبو سِنان فمات في حصار بني قريظة ، ذكر ذلك أبو جعفر الطبري وغيرُه ، وقال : كان أسنَّ من أخيه ◌ُكّاشة بسنتين ، قال : ودفن بمقبرة بني قريظة اليوم . وقد تقدم ذلك. وقد ذكَر أن أوَّلَ المبايعين يومئذ عبد الله بن عمر . قال أبو عمر : ولا يصح (٢). وقد روينا من طريق البخاري ، قال : حدثني شجاع بن الوليد ، قال : سمع النضر بن محمد ، حدثنا صخر ، عن نافع ، قال : إن الناس يتحدثون أن ابن عمر أسلم قبل عمر ، وليس كذلك، ولكن عمر يوم الحديبية أرسلَ عبدَ الله إلى فرسٍ له عند رجل من الأنصار ليقاتل عليه، ورسولُ الله عَّلِ يُبايع عند الشجرة، وعمر لا يدري بذلك، فبايعه عبدُ الله ، ثم ذهبَ إلى الفرس فجاء به إلى عمر، وعمر يستلم للقتال، فأخبره أن رسولَ الله عَلِ يُبَايِعُ تحت الشجرة. قال: فانطلق عمر فذهب معه حتى بايع رسول الله عَّة ، فهي التي يتحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر (٣). روينا من طريق مسلم: عن سلمة بن الأكوع، ثم إن رسول الله عَ ليه دعا للبيعة في أصل الشجرة ، قال : فبايعته أوَّلَ الناس ، ثم بايعَ وبايعَ .. الحديث(٤). · قال السهيلي : وفي هذا الحديث مصالحة المشركين على غير مال يؤخذ منهم ، وذلك جائز إذا كان بالمسلمين ضعف ، وقد تقدم مصالحتهم على مال يُعطونه في غزوة الخندق . قال : واختُلف هل يجوز صُلْحُهم إلى أكثر من عشر سنين ، وحجة من منع ، أن حظر الصلح هو الأصل ، بدليل آية القتال ، وقد ورد التحديد بالعشر في حديث ابن (١) رواه أبو عروبة في كتابه التاريخ كما في نور النبراس ، وقال الصالحي: رواه الطبراني وغيره كما في القصة عن الشعبي ، ورواه ابن منده . سبل الهدى والرشاد ١٢٠/٥، وانظر مجمع الزوائد ١٤٩/٦، والإصابة ٩٤/٤ . (٢) الاستيعاب ٨٠/٢ و٣٤٢/٢ على هامش الإصابة . (٣) رواه البخاري في المغازي (باب غزوة الحديبية) رقم /٤١٨٦/. و((يستلئم)): يلبس اللأمة، وهي السلاح . (٤) رواه مسلم في الجهاد والسير ( باب غزوة ذي قَرَد وغيرها) رقم /١٨٠٧/. - ١٧٥ - إسحاق ، فحصلت الإِباحة في هذا المقدار متحققة ، وبقيت الزيادة على الأصل . قلت : ليس في مطلق الأمر بالقتال ما يمنع من الصلح ، وإن كان المراد ما في سورة براءة من ذلك ، مما نزل بعد هذه الواقعة ، ففي التخصيص بذلك اختلاف بين العلماء. وأما تحديد هذه المدة بالعشر ، فأهل النقل مختلفون في ذلك ؛ فروينا عن ابن سعد، كما روينا عن ابن إسحاق، وروينا عن موسى بن عقبة، قال: وكان الصلح بين رسول الله عَ له وبين قريش سنتين يأمَن بعضُهم بعضاً. وكذلك روينا عن ابن عائذ عن محمد بن شعيب عن عثمان بن عطاء عن أبيه ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أن مدة الصلح كانت إلى سنتين والله أعلم . • وأما كتابة الصلح: فقرىء على عبد الرحيم بن يوسف المزي وأنا أسمع ، أخبر كم أبو. علي حنبل بن عبد الله ، أخبرنا ابن الحصين ، أخبرنا أبو علي بن المُذْهِب ، أخبرنا القطيعي أخبرنا عبد الله بن أحمد ، حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، سمعت البراء بن عازب يقول: لما صالَح رسولُ الله عَ لَّهِ أهلَ الحديبية، كتبَ علَّ رضي الله عنه كتاباً بينهم . قال : فكتبَ : محمد رسول الله . فقال المشركون : ألا تكتب : محمد رسول الله، ولو كنتَ رسولَ الله لم نقاتلْك. قال: فقال لعلي: امحه . فقال: ما أنا بالذي أمحاه(١)، فمحاه رسولُ اللهِ عَُّلمه بيده .. الحديث(٢). وقد روى البخاري: أَنْ النِي عَُّلِّ كتبَ ذلك بيده(٣)، وعدَّ ذلك من وقف عنده (١) ((أمجاه )): هو مضارع محى الياني، تقول: أمحاه وأمحيه محياً أبي أذهبت أثره . وتقول: أنحوه محواً - بالواو أيضاً - وهو بمعناه . (٢) رواه البخاري في الصلح باب كيف يكتب هذا ما صالح فلان بن فلان .. ) رقم /٢٦٩٨/، والترمذي في الحج والبر ( باب ما جاء في بر الخالة ) رقم / ١٩٠٥/ والمناقب، والمسند ٢٩١/٤ . والحديث رواه مسلم أيضاً في الجهاد والسير ( باب صلح الحديبية ) رقم /١٧٨٣/، وعدل المؤلف إلى إخراجه من المسند ؛ لأنه وقع له أعلى ، كما في نور النبراس لوحة ٢ ب/١٢٥. (٣) رواه البخاري في الصلح ( باب كيف يكتب هذا ما صالح فلان بن فلان .. ) رقم /٢٦٩٩/ وفي عمرة القضاء من المغازي رقم / ٤٢٥١/ وقال الحافظ ابن كثير في كتابه ((الفصول)) بتحقيقنا ص ٢٩٦: وقد عُلم أن المقيد يقضي على المطلق ؛ ففي الرواية الأخرى - في البخاري - فأمرَ علياً فكتب .. وانظر هذا الموضوع مبسوطاً في فتح الباري ٥٠٣/٧ - ٥٠٤. - ١٧٦ - -- معجزة له عليه الصلاة والسلام، وما شهدَ به القرآن من أنه النُّ الأميُّ الذي لا يُحسن الكتابة ، مع ما كان يأتي به من أقاصيص الأولين وأخبار الأمم الماضين هو المعجزة العظمى ، لما تضمن من تكذيب من نسبَ ذلك إلى علم تلقاه من أساطير الأولين ، ممن كان اکتتبها فهي تُملى عليه . وهذا عَلَمٌ عظيم من أعلام نبوته ، وأصل كبير من دلائل صدقه في أنه عليه الصلاة والسلام إنما كان يتلقى ذلك من الوحي . وسلامة هذا الأصل من شبهة قد تركت للملحد حجة في معارضته ، وإن بعدت أولى . وذكر الإمام أبو الوليد الباجي أنه كتبَ ، فأنكر ذلك علماء الأندلس ، فبعث إلى الآفاق يستفتي بمصر والشام والعراق وغير ذلك ، فُجُلُّهم قال: لم يكتب النبي صَ لّه بيده قط، ورأوا ذلك محمولاً على المجاز، وأن معنى كتب : أمر بالكتابة . وقالت طائفة يسيرة منهم : كتبَ . وجرت هذه المسألة يوماً بحضرة شيخنا الإمام أبي الفتح القشيري رحمه الله ، فلم يعبأ بقول من قال : كتب . وقال عن الباجي : هو قولٌ أحوجَه إلى أن يستنجد بالعلماء من الآفاق . • وأبو جندل: اسمه العاصي، وهو أخو عبد الله بن سُهيل، شهد عبدُ الله بدراً مع النِي عَ ◌ّهِ، وكان إسلامُه قبل ذلك ، وأَوَّلُ مشاهد أبي جندل الفتح ، وإنما ذكرنا ذلك لُعلم الفرق بينهما ، فقد ◌ُکر أن بعض من الُّف في الصحابة سمّی أبا جندل عبد الله ، وليس کذلك . ورجع أبو جندل إلی مکة يوم الحديبية في جوار مِکرز بن حفص فیما حکی ابن عائذ . ● قال أبو القاسم السهيلي - وذكر قول الله سبحانه: ﴿إذا جاءكم المؤمنات مهاجراتٍ فامتحنوهن﴾ [الممتحنة: ١٠] - وهذا عند أهل العلم مخصوص بنساء أهل العهد والصلح ، وكان الامتحان أن تُستحلف المرأة المهاجرة أنها ما هاجرت ناشزاً، ولا هاجرت إلا لله ولرسوله، فإذا حلفت لم تُردَّ، ورُدَّ صَداقُها إلى بَعلها ، وإن كانت من غير أهل العهد لم تُستحلف ولم يُرد صداقها(١). · وعَيبة مكفوفة : أي صدور منطوية على ما فيها لا تُبدي عداوة . • والإغلال : الخيانة . والإسلال : السرقة . · (١) الروض الأنف ٣٦/٤. - ١٧٧ - ذکر الخبر عن أبي بصير وأبي جندل قال ابن إسحاق: فلما قدم رسولُ الله عَّ الِ المدينة أتاه أبو بصير؛ مُتبة بن أسيد بن جارية الثقفي، وكان ممن حُس بمكةٍ، فلما قدم على رسول الله عَّ له كتبَ فيه أزهرُ بن عبد عوف بن الحارث بن زهرة ، والأخنسُ بن شَريق بن عمرو بن وهب: الثقفي إلى رسول الله عَّله، وبعثا رجلاً من بني عامر بن لؤلي ، ومعه مولى لهم، فقدما على رسول الله عَّله بكتاب الأزهر والأخنس. فقال رسولُ الله عَ له: يا أبا بصير! إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمتَ ، ولا يصلحُ لنا في ديننا الغدرُ، وإن الله جاعلٌ لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرَجَاً ، فانطلقْ إلى قومك . قال: يا رسول الله ! أتردّني إلى المشركين يفتنوني في ديني؟ قال : يا أبا بصير ! انطلق فإن الله سيجعلُ لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً . فانطلق معهما ، حتى إذا كان بذي الحليفة جلس إلى جدار ، وجلس معه صاحباه ، فقال أبو بصير: أصارمٌ سيفُك هذا يا أخا بني عامر ؟ فقال: نعم ، انظر إليه إن شئت . فاستلَّه أبو بصير ثم علاه حتى قتله ، وخرج المولى سريعاً حتى أتى رسولَ اللهِ نَّهِ وهو جالسٌ في المسجد، فلما رآه رسولُ الله ◌َ ◌ّه طالعاً، قال: إن هذا الرجل قد رأى فَزعاً، فلما انتهى إلى رسول الله عَ لِ، قال: ويحك ما لك؟ قال: قتل صاحبُكم صاحبي، فوالله ما برِحَ حتى طلعَ أبو بصير متوشحاً السيف ، حتى وقف على. رسول الله عَّ لِه، فقال: يا رسول الله ! وفَّت ذِمَّتُك، وأدَّى الله عنك، أسلمتني بيد القوم، وقد امتنعتُ بديني أن أُفتن فيه، أو يُعبث بي. قال: فقال رسول الله عَ له: ((ويل امه(١) مِحَشَّ حربٍ ، لو كان معه رجال !)). ثم خرجَ أبو بصير حتى نزلَ العِيصَ من ناحية ذي المروة على ساحل البحر ، بطريق قريش التي كانوا يأخذون إلى الشام ، وبلغ المسلمين الذين: (١) ((ويل امه مِحَشَّ حربٍ)): الويل: الهلاك، ويجوز في لامه هنا: الضم والفتح والكسر، والمِحَشُ: ما يُحرك به النار من حديد ونحوه ، وهي منصوبة على التمييز، على تقدير: ((من مِحش حربٍ)) . ١ ولم يُرد التي عَ ◌ّه الدعاء عليه بالهلاك، وإنما هي عبارة جرت على ألسنة العرب ؛ كتربت يدك ونحوه . أراد بها التعجب من إقدامه في الحرب وإيقاده لنارها ، وامتداح شجاعته . - ١٧٨ ب کانوا اختُبسوا بمکة قول رسول الله له﴾ لأهي بصیر: « ویل امه مِحش حرب ، لو کان معه رجال ! )) فخرجوا إلى أبي بصير بالعِيص ، فاجتمع إليه قريب من سبعين رجلاً ، فكانوا قد ضَيَّقوا على قريش ، لا يظفَرون بأحد منهم إلا قتلوه، ولا تمرُّ بهم عير إلا اقتطعوها ، حتى كتبتْ قريش إلى رسول الله عَ لِ تسألُه بأرحامِها إلا آواهم، فلا حاجة لهم بهم، فآواهم رسولُ الله عَ لّهِ، فقدموا عليه المدينة(١). وذكر ابن عقبة هذا الخبر أطولَ من هذا، وسَّى الرجلَ الذي بعثته قريش في طلب أبي بَصير : جُحيش بن جابر من بني منقذ. قال : وكان ذا جلَدَ ورأي في أُنْفُس المشركين ، وجعل لهما الأخنس في طلب أبي بصير جُعْلاً، فقدما على رسول الله عَ ظُلِّ ، فدفع أبا بصير إليهما ، فخرجا به ، حتى إذا كان بذي الحليفة ، سلَّ جُحيش سيفَه ثم هزَّه ، فقال: لأضربنَّ بسيفي هذا في الأوس والخزرج يوماً إلى الليل . وذكر نحو ما تقدم ، وفيه : فجاء أبو بصير بسلبهِ إلى رسول الله عَ لَّه، فقال خَمِّسْه يا رسول الله. قال: إني إذا خَمَّسْتُه لم أفٍ بالذي عاهدتهم عليه ، ولكن شأنك بسلب صاحبك ، واذهب حيثُ شئتَ ، فخرجَ أبو بصير معه خمسةُ نفر كانوا قدموا معه مُسلمين من مكة ، حتى إذا كانوا بين العيص وذي المروة من أرض جُهينة ، وانفلت أبو جَندل بن سُهيل في سبعين راكباً أسلموا وهاجروا ، فلحقوا بأبي بصير ، وكرهوا أن يقدموا على رسول الله عَ لّهِ في هدنة المشركين ، وكرهوا النَّوَاء بين ظهري قومهم ، فنزلوا مع أبي بصير في منزل كريه إلى قريش ، فقطعوا به مادَّتهم من طريق الشام ، وأبو بصير يُصلِّي لأصحابه ، فلما قدم عليه أبو جندل كان هو يُؤُمُّهم ، واجتمعَ إلى أبي جندل ناس من غِفار وأسلم وجُهَينة وطوائف من الناس حتى بلغوا ثلاثمائة مقاتل وهم مسلمون ، لا يمر بهم عير لقريش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها . وذكروا مرورَ أبي العاص بن الربيع وقصته . قلت : وقد تقدَّم أن أبا العاص أخذ في سرية زيد بن حارثة إلى العيص . قال : وكتب رسولُ اللهِ عَّ له إلى أبي جندل وأبي بصير أن يقدّما عليه، ومن معهما من المسلمين أن يلحقوا بلادهم وأهليهم، فقدم كتابُ رسول الله عَ ليه عليهما وأبو بصير يموتُ ، فمات و کتابُ رسول الله عَ لّله في يده يقرأه ، فدفنه أبو جندل مكانه، وجعل عند قبره مسجداً ، وقدم أبو (١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٣٢٣/٢ - ٣٢٤. - ١٧٩ - جندل على رسول الله عَ له معه ناس من أصحابه، ورجع سائرهم إلى أهليهم . وقال أبو جندل فيما حكاه الزبير : أنا بذي المروة فالسَّاحِلِ أبلغ قريشاً عن أبي جندل بالبيض فيها والقنا الذابل: في معشر تخفِقُ أيمانُهم من بعد إسلامهمُ الواصلِ: يأبون أن تبقى لهم رفقةً والحقُّ لا يُغلبُ بالباطلِ أو يجعلَ الله لهم مخرجاً أو يقُتلَ المرء ولم يأتل فيسلمَ المرء بإسلامه · وأبو بصير : سماه ابن إسحاق ◌ُتبة، ومن الناس من يُسميه عبيداً، وهو ابن أسيد بن جارية بن أسيد بن عبد الله بن سَلَمة بن عبد الله بن غَيْرة بن عوف بن قِسي ، وهو: ثَقيف بن مُنبِّه بن بكر بن هوزان ، حليف بني زُهُرة . - ١٨٠ -