النص المفهرس

صفحات 121-140

فيه . قال : فأوقدوا النيران واشتدوا في كل وجه يَطلبون ، حتى إذا يئسوا رجعوا إلى صاحبهم
فاكتنفوه وهو يقضي بينهم . قال : فقلنا : كيف لنا بأن نعلمَ بأن عدو الله قد مات ؟ قال :
فقال رجل منا : أنا أذهبُ فأنظرُ لكم فانطلقَ حتى دخل في الناس . قال : فوجدتُها ورجالُ
يهود حولهُ ، وفي يدها المصباح تنظر في وجهه ، وتحدثهم وتقول : أما والله لقد سمعت صوتَ
ابن عَتيك ثم أُكذبتُ(١). قلت: أَنّى ابن عتيك بهذه البلاد ؟ ثم أقبلتْ تنظرُ في وجههِ ، ثم
قالت : فاضَ وإله يهود. فما سمعتُ من كلمةٍ كانت ألذَّ إلى نفسي منها. قال: ثم جاءنا
فأخبرَنا الخيرَ، فاحتملْنَا صاحبَنَا، فقدمنا على رسول الله عَ لِ فأخبرناه بقتل عدو الله،
واختلفنا عندَه في قتله، كلُّنا يدعي. قال: فقال رسول الله عَ ل هاتوا أسيافكم فجئناه بها،
فنظرَ إليها، فقال لسيف عبد الله بن أنيس: هذا قتلَه، أرى فيه أَثْرَ الطعام (٢).
قال ابن سعد : هي في شهر رمضان سنة ست ، قال : وقالوا : كان أبو رافع قد أجلبَ في
غطفان ومَن حولَه من مشركي العرب، وجعلَ لهم الجعلَ العظيم لحرب رسول الله عَ لِ (٣).
وذكر ابن عقبة فيمن قتلَ أبا رافع : أسعدَ بن حرام ولم يذكرْه غيره .
· والعجلة : درجة من نخل ، قاله القُتَبي(٤).
*
(١) ((أُكذبتُ)): كذبت نفسي .
(٢) السيرة النبوية ؛ لابن هشام ٢٧٤/٢ - ٢٧٥ .
(٣) الطبقات الكبرى ؛ لابن سعد ٩١/٢ وفيها : أن تقديم عبد الله بن عتيك عليهم كان لمعرفته لغة يهود .
(٤) (( القُتَّي أو القُقْيي)): نسبة إلى قُتَبة، بطن من باهلة، وإلى تُحبيبة: جد أبي محمد عبد الله بن مسلم بن
قتيبة الدينوري الكاتب، له ((غريب الحديث)) وغيره توفي سنة ٢٧٦ هـ. اللباب؛ لابن الأثير ١٥/٣ .
- ١٢١ -

إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد
رضي الله عنهما
روینا عن ابن إسحاق قال : وحدثني یزید بن أبي حبيب ، عن راشد . مولى حبيب بن
أبي أوس الثقفي ، عن حبيب بن أبي أوس ، قال : حدثني عمرو بن العاص من فيه ، قال : لما
انصرفنا مع الأحزاب عن الخندق ، جمعت رجالاً من قريش كانوا يرون رأيي ويسمعون مني،
فقلت لهم : تعلمون والله إني أرى أمرَ محمد يعلو الأمور علواً منكراً ، وإني قد رأيتُ أمراً فما
ترون فيه ؟ قالوا : وماذا رأيتُ ؟ قلت : رأيتُ أن نكونَ عند النجاشي، فإن ظهر محمد على
قومنا کنا عند النجاشي ، فإنا أن نكون تحت يديه احتُّ إلينا من أن نكون تحت يدي محمد ،
وإن ظهر قومُنا فنحن من قد عُرفوا، فلن يأتينا منهم إلا خيرٌ. قالوا: إنَّ هذا الرأي . قلت:
فاجمعوا ما نهدي له ، وكان أحبُّ ما يُهدى إليه من أرضنا الأَدْمَ ، فجمعنا له أدَماً كثيراً، ثم
خرجنا حتى قدمنا عليه، فوالله إنا لعنده إذ جاءه عمرو بن أمية الضَّمْري ، وكان
رسول الله عَ ليه قد بعثه إليه في شأن جعفر وأصحابه ، قال: فدخل عليه ثم خرج من
عنده . قال : قلت لأصحابي هذا عمرو بن أمية الضَّمْري لو دخلتُ على النجاشي فسألتُه
إياه ، فأعطانيه فضربتُ عنقه ، فإذا فعلتُ ذلك رأتْ قريش أني قد أجزأتُ عنها حين قتلتُ
رسولَ محمد . قال : فدخلتُ وسجدت له كما كنت أصنع. فقال : مرحباً بصديقي ،
أهديتَ إلي من بلادك شيئاً؟ قال: قلت : نعم أيها الملك. قد أهديت لك أَدَماً كثيراً.
قال : ثم قربته إليه فأعجَبَه ذلك واشتهاه . ثم قلت له : أيها الملك إني قد رأيتُ: رجلاً خرج
من عندك، وهو رسولُ رجلٍ عدوٍّ لنا، فأعطنيه لأقتَلَه ، فإنه قد أصابَ منا من أشرافنا.
وخيارِنا. قال: فغضبَ، ثم مدَّ يدَه فضربَ بها أنفَه ضربةً ظننتُ أنه قد كسرَهُ ، فلو
انشقتْ لي الأرضُ لدخلتُ فيها فَرَقاً منه. ثم قلت له : أيها الملك والله لو ظنت أنك تكره
هذا ما سألتُكَه . قال : أتسألني أن أعطيَك رسولَ رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي.
على موسى لتقتلَّه؟ قال: فقلت: أيُّها الملك! أكذاك هو؟ قال: ويحكَ يا عمرو ! أُطِعْنِي وَأَِّعْه ،
فيإنه والله لعلى الحق ، ولَيظهرنَّ على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده . قال :
- ١٢٢ -

قلت : أفتبايعني على الإِسلام؟ قال: نعم . فبسطَ يدَه فبايعتُه على الإِسلام ، ثم خرجت إلى
أصحابي وقد حال رأيي عما كان عليه ، وكتمتُ أصحابي إِسلامي .
ثم خرجت عامداً إلى رسول الله عَ لِ لأسلم، فلقيتُ خالد بن الوليد، وذلك قُبيل
الفتح، وهو مقبل من مكة، فقلت: أين يا أبا سليمان؟ والله لقد استقام الِيْسم(١)، وإن
الرجلَ لنِّ ، أذهبُ والله فأسلم ، فحتى متى ، قال: قلت: وأنا والله ما جئتُ إلا لأُسلم .
قال: فقدمنا المدينة على رسول الله عَلِه، فتقدم خالد بن الوليد فأسلَم وبايعَ ، ثم دنوتُ،
فقلت يا رسول الله إني أبايعك على أن يُغفر لي ما تقدم من ذنبي - ولم أذكر ما تأخر -
فقال رسولُ الله عَّ له: يا عمرو بايعْ فإن الإِسلامَ يَجُبُّ ما كان قبلَه ، وإن الهجرةَ تجبُّ
ما كان قبلَها . قال : فبايعتُه ثم انصرفت .
قال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم أن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة كان معهما(٢).
قال أبو القاسم السهيلي : وذكر الزبير حديثَ عمرو هذا، وقال : وقدم معهما عثمان بن
طلحة صحبهما في تلك الطريق . قال عمرو : وكنتُ أسنَّ منهما ، فأردتُ أن أُكيدَهما
فقدَّمتهما قبلي للمبايعة، فبايعا رسولَ الله عَّ لِ على أن يُغفر لهما ما تقدَّم من ذنبهما،
وأضمرتُ في نفسي أن أذكرَ ما تقدم من ذني وما تأخّر ، فلما بايعتُ قلتُ : على أن يُغفرَ لي
ما تقدم من ذنبي . وأنسيت أن أقول ما تأخر (٣).
• قوله قد استقام الميْسم : أي ظهرت العلامة ، ومن رواه المَنْسم بالنون ، أراد الطريق .
(١) ((الميْسَم): العلامة.
(٢) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢٧٦/٢ - ٢٧٨.
(٣) الروض الأنف ٣٠٤/٣ .
- ١٢٣ -

غزوة بني لِخيان
هي عند ابن سعد لغرة هلال شهر ربيع الأول سنة ست(١).
وقال ابن إسحاق: وخرج - يعني النِّ سَ لِ ـ في جمادى الأولى على رأس ستة
أشهر من فتح بني قريظة إلى بني لِحيان ، يطلبُهم بأصحاب الرجيع ، خبيب بن عدي
وأصحابه، وأظهر أنه يُريد الشام؛ ليُصيبَ من القوم غِرَّة ، واستعمل على المدينة ابنَ
أم مكتوم فيما قال ابن هشام ، حتى أتى منازل بني لِحيان، فوجدهم قد حَذِروا وتمنَّعوا في
رؤوس الجبال ، فلما نزلها رسولُ الله عَ ◌ّه، وأخطأه من غيرتهم ما أراد. قال: لو أنا هبطنا
◌ُسفانَ لرأی أهلُ مکة أنا قد جئنا مکة ، فخرج في مائتي راکب من أصحابه حتى نزل
عُسفان ، ثم بعثَ فارسين من أصحابه حتى بلغا كُراع الغميم(٢)، ثم كرّا .
وراح رسولُ الله عَ لِ قائلاً، فكان جابر بن عبد الله يقولُ: سمعت رسول الله عَ ليه
يقول حين وَجَّه: ((آيبون تائبون إن شاء الله، لربنا حامدون، أعوذُ بالله من وَعْتَاء السفر؛
وكآبة: المنقلب، وسوء المنظر في الأهل والمال)).
والحديث عن غزوة بني لِحْيان : عن عاصم بن عمر بن قتادة ، وعبد الله بن أبي بكر ،
عن عبد الله بن كعب بن مالك(٣).
وقال ابن سعد : فبعث أبا بكر في عشرة فوارس لتسمعَ به قريش فَيَذْعَزِهم ، فأتوا الغميم
ثم رجعوا ولم يلقوا أحداً (٤)
(١) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ٧٨/٢ .
(٢) ((كُراع الغميم)): واد بعد ◌ُسفان بثمانية أميال، وقيل: بين عُسْفان ومرِّ الظُّهْران.
(٣) السيرة النبوية ٢٧٩/٢ - ٢٨٠.
(٤) الطبقات الكبرى ٧٩/٢ .
- ١٢٤ -

غزوة ذي قرد
ويقال لها غزوة الغابة
قال ابن إسحاق: ثم قدم رسول الله عَ ليه المدينة، فلم يقم بها إلا ليالي قلائل، حتى
أغار عُيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري في خيل من غَطَفان على لقاح(١)
رسول الله عَ لّه بالغابة، وفيها رجل من بني غفار وامرأة له، فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة في
اللقاح .
فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، وعبد الله بن أبي بكر ، ومَنْ لا أَتهم ، عن
عبد الله بن كعب بن مالك ، كلٌّ قد حدَّث في غزوة ذي فرد بعضَ الحديث ، أنه كان أول
من نَذِر بهم(٢) سلمةُ بن عمرو بن الأكوع، غدا يُريد الغابةَ مُتَوَشِّحاً قوسَه ونبلَه ، ومعه
غلام لطلحةً بن عبد الله معه فرس له يقوده ، حتى إذا علا ثنية الوَدَاع ، نظرَ إلى بعض
خيولهم ، فأشرف إلى ناحية سَلْع، ثم صرحَ واصباحاه ، ثم خرج يشتدُّ في آثار القوم ، وكان
مثل السَّبُع ، حتى لحق القومَ ، فجعل يردهم بالنبل ، ويقول إذا رمى :
* خذها وأنا ابنُ الأكوع.
* واليومُ يومُ الرُّضعْ(٣) *
فإذا وُجُّهت الخيل نحوه انطلق هارباً ، ثم عارضهم ، فإذا أمكنه الرمي رمى ، ثم قال :
* خذها وأنا ابنُ الأكوعْ.
، واليومُ يومُ الرُّضعْ *
(١) ((لِقَّاح)): جمع لِقحة، بكسر اللام وفتحها: هي الناقة ذات الدَّر، لم يمض على ولادتها أكثر من ثلاثة
أشهر .
(٢) (( نَذِرَ)): علم.
(٣) ((الرُّضع)): جمع راضع، وهو اللثيم، والمعنى: اليوم يوم هلاك اللئام .
- ١٢٥ -

قال : فيقول قائلُهم أوُكَيِّعنا(١)! هو أول النهار.
قال: وبلغ رسولَ اللهِ عَ ◌ّهِ صياحُ ابن الأكوع، فصُرِخَ في المدينة: الفزعَ الفزع !!
فكان أول من انتهى إلى رسول الله عَ لمه من الفرسان: المقداد بن عمرو - وهو الذي يقال
له : المقداد بن الأسود حلیف بني زهرة - ثم عباد بن بشر، وسعد بن زيد ، أحد بني
كعب بن عبد الأشهل ، وأُسيد بن ظهير ـــ يُشَكُّ فيه ــ وعُكَّاشة بن مِحصن، ومُحرز بن
نضلة ، وأبو قتادة، وأبو عيَّاش عبيد بن زيد بن صامت أخو بني زريق، فلما اجتمعوا إلى
رسول الله عَّ ◌ُلِ أَمَّرَ عليهم سعد بن زيد ، ثم قال: اخرج في طلب القوم، حتى ألحقَكَ
بالناس .
وقد قال رسول الله عَ ﴾ فيما بلغني ، عن رجال من بني زريق ، لأبي عياش : يا أبا
عياش لو أعطيتَ هذا الفرسَ رجلاً هو أفرسُ منكِ فلحق بالقوم . فقال أبو عياش: قلت:
يا رسول الله، أنا أفرسُ النَّس، ثم ضربتُ الفرسَ ، فوالله ما جرى بي خمسين ذراعاً حتى
طرحني ، فعجبت أن رسولَ الله عَ له يقولُ: لو أعطيتَه أفرسَ منك، وأنا أقولُ: أنا: أفرسُ
الناس. فزعم رجالٌ من بني زُريق أنّ رسولَ الله عَِّ أعطى فرسَ أبي عيَّاش معاذَ بن ماعصْ
- أو عائذَ بنَ ماعصٍ بن قيس بن خلدة وكان ثامناً - .
كذا وقع هنا ــ وبعض الناس يقول : إن معاذ بن ماعص وأخاه عائذاً قتلا يوم بئر معونة
شهيدين ، وقد تقدم ذلك، وبعض الناس يعد سلمةً بنَ الأكوع أحدَ الثمانية ، ويطرحُ
أسيد بن ظَهير، ولم يكن سلمة يومئذ فارساً، قد كان أوَّلَ من لحق بالقوم على رجليه ،
فخرج الفرسان في طلب القوم حتى تلاحقوا .
فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، أن أوَّلَ فارس لحق بالقوم محرز بن نضلة ، أخو بني
أسد بن خزيمة ، وكان يُقال ◌ُلمحْرز: الأخرم ، ويُقال له: قمير ، وأن الفزعَ لما كان جال فرسٌ
لمحمود بن مسلمة في الحائط حين سمع صاهلة الخيل ، وكان فرساً صنيعاً(١) جَامَّاً.، فقال نساء
من نساء بني عبد الأشهلُ - حين رأين الفرس يجول في الحائط ، بجذع نخل هو مربوط
(١) (( أوكَيُعنَا )): الهمزة الأولى للنداء، وأُكبِّع : تصغير أُکوع ؛ سهلت همزته واواً بعد التصغير = وُ كبِّع.
(٢) ((صنيعاً)): مُنْشَأُ بعناية واهتمام، و( جَاماً)): مرتاحاً ..
: - ١٢٦ -

به -: يا قمير! هل لك في أن تركب هذا الفرس فإنه كما ترى، ثم تلحق برسول الله عَ ليه
وبالمسلمين؟ قال: نعم. فأعطينه إياه ، فخرج عليه، فلم يلبث أن بذّ الخيل لجِمَامه ، حتى
أدركَ القوم ، فوقف لهم بين أيديهم ، ثم قال: قفوا يا معشر بني اللَّكِيعة(١)، حتى يلحق بكم
من وراءكم من أدباركم من المهاجرين والأنصار . قال: وحمل عليه رجل منهم فقتله ، وجال
الفرسُ فلم يُقدر عليه، حتى وقف على أرِيِّه (٢) في بني عبد الأشهل ، فلم يُقتل من المسلمين
غيره .
قال ابن هشام: قُتل يومئذ من المسلمين مع محرز: وقَّاص بن محرز المُذلِي، فيما ذكر
غير واحد من أهل العلم (٢).
قال ابن إسحاق : ولما تلاحقت الخيل قتل أبو قتادة حبيبَ بن عُيينة بن حصن ،
وغَشَّاه بردَه ثم لحق بالناس. وأقبل رسولُ اللهِ مَّه في المسلمين - واستعمل على المدينة ابنَ
أم مكتوم ، فيما قال ابن هشام - فإذا حبيب مُسَجَّى ببرد أبي قتادة ، فاسترجع الناس ،
وقالوا: قُتل أبو قتادة. فقال رسولُ الله عَّ ◌ُله: (( ليس بأبي قتادة، ولكنه قتيل لأبي قتادة
وضعَ عليه بردَه ، لتعرفوا أنه صاحبُه .
وأدرك عُكَّاشَةُ بن محصن أوباراً وابنه عمرو بن أوبار ، وهما على بعير واحد ، فانتظمهما
بالرمح فقتلَهما جميعاً، واستنقذوا بعضَ اللّقاح، وسارَ رسولُ اللهِ عَ لِ حتى نزل بالجبل من
ذِي قَرد ، وتلاحق به الناسُ، وأقام عليه يوماً وليلة، وقال له سلمة بن الأكوع :
يا رسول الله لو سرحتني في مائة رجل لاستنقذتُ بقيةَ السَّرْحِ ، وأخذتُ بأعناق القوم .
فقال رسول الله عَ له فيما بلغني: إنهم الآن ليغبقون (٤) في غطفان، فقسم رسولُ اللهِ عَّه في
أصحابه، في كل مائة رجل جزوراً، وأقاموا عليها، ثم رجع رسول الله عَ لم قافلاً حتى قدم
المدينة، وأقبلتِ امرأةُ الغفاري على ناقة من إبل رسول الله عَّ الله، حتى قدمت عليه فأخبرته
الخبر ، فلما فرغتْ ، قالت : يا رسول الله ! إني قد نذرتُ الله أن أنحرَها إن نجاني الله عليها .
(١) ((اللكيعة )) : اللقيمة.
(٢) ((أَرِيُّه)): مربطه .
(٣) السيرة النبوية ٢٨١/٢ - ٢٨٣.
(٤) ((ليُغبقون)): يُسقون الغبوق: وهو اللبن يُشرب في العشيّ.
- ١٢٧ -

قال: فتبسَّم رسولُ الله ◌َ ◌ّهِ، قال: (( بئس ما جَزَيْتها أن حملك الله عليها، وتجاك بها ثم
تنحرينها ، لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا تملكين ، إنما هي ناقة من إبلي ، ارجعي إلى
أهلك على بركة الله)) .
والحديث(١) عن امرأة الغفاري وما قالت، وما قال لها رسول الله عَ الم ، عن أبي الزبير
المكي ، عن الحسن البصري
وقال ابن عقبة : كان رئيس القوم - يعني المشركين _ مَسعدةُ الفِزاري ، وهو عنده
قتيل أبي قتادة، وفيه قوله عليه الصلاة والسلام: (( لتعرفوه ، فتخلّوا عن قتيله وسلبه )). ثم إن
فوارسَ الِبِي ◌َّلمِ أدركوا العدو والسَّرْح، فاقتتلوا قتالاً شديداً، واستنقذوا السَّرْحَ، وهزم
الله تعالى العدو . ويُقال : قُتل أبو قتادة قِرِفة ابن امرأة مسعدة .
وأما ابنُ سعد ، فقال: وقتل المقدادُ بن عمرو حبيب بن عيينة بن حصن ، وقرفة بن
مالك بن حذيفة بن بدر(٢) .
قال ابن عقبة: وقُتل يومئذ من المسلمين الأجدع محرز بن نضلة قتله أوبار - كذا
· قاله ـ وهو عند ابن سعد أثار، وعند ابن عائذ أبار. فشدَّ عُكَّاشة بن محصن فقتل أوباراً
وابنّه .
وذكر ابن عائذ عن الوليد بن مسلم ، عن عبد الله بن لَهيعة ، عن أبي الأسود ، عن
عروة نحوَ ما ذكرنا عن ابن عقبة .
وذكر ابن سعد أنها في شهر ربيع الأول سنة ست من الهجرة ، وأن اللقاح عشرون ،
فأغار عليها عُيينةُ في ليلة الأربعاء في أربعين فارساً ، فاستاقوها ، وكان أبو ذر فيها ، وقتلوا ابنُّ
أبي ذر ، وجاء الصريخ، فبادى: الفزعَ الفزعَ ، فُودي: يا خيل الله اركبي. وكان أُوَّلَ
ما نودي بها(٢).
قلت : قد تقدم عن قتادة من طريق ابن عائذ النداء بـ: يا خيَلَ الله اركبي في وقعة بني
(١) الحديث في السيرة النبوية؛ لابن هشام ٨٠/٢ عن الحسن البصري، ومعناه في صحيح مسلم عن عمران بن
حصين في النذر ( باب لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك العبد) رقم / ١٦٤١٪.
(٢) الطبقات الكبرى ٨٠/٢ .
:
- ١٢٨ -

قريظة ، وهي قبل هذه عندهم .
وركبَ(١) رسولُ الله عَِّ، فخرجَ غداةَ الأربعاء في الحديد مقنعاً فوقفَ، وكان أوَّلَ
من أقبلَ إليه المقدادُ بن عمرو ، وعليه الدرع والمغفر شاهراً سيفه، فعقد له رسول الله معد له.
لواء في رمحه وقال : امضٍ حتى تلحقَك الخيلُ ، وخلَّف سعد بن عبادة في ثلاثمائة من قومه
يحرسون المدينة . قال : وذهب الصريح إلى بني عمرو بن عوف، فجاءت الأمدادُ ، فلم تزلْ
الخَيلُ تأتي، والرجال على أقدامهم وعلى الإبل، حتى انتهوا إلى رسول الله عَ ليه بذي فرد،
فاستنقذوا عشرَ لقاح، وأفلت القوم بما بقي، وهو عشر. وصلى رسول الله عَ ليه بذي فرد
صلاة الخوف ، وأقام به يوماً وليلة يتحسب(٢) الخبر، وقسمَ في كل مائة من أصحابه جزوراً
ينحرونها ، وكانوا خمسمائة ، ويقال سبعمائة، وبعث إليه سعد بن عبادة بأحمالٍ تمرٍ ، وبعشر
جزائر، فوافت رسولَ الله عَ لِ بذي قرد . قال ابن سعد : والثبت عندنا أن سعد بن زيد
أمير هذه السرية ، ولكن الناس نسبوها للمقداد ، لقول حسان :
( غداة فوارس المقداد ) .
قلت : وأوله :
ولَسَرَّ أولادَ اللقيطة أننا سِلْمٌ غداةَ فوارسِ المقدادِ
قال: فعاتبه سعد، فقال: اضطرني الرويُّ إلى المقداد. ورجعَ رسول الله عَّه إلى
المدينة يوم الاثنين وكان قد غاب خمس ليال .
وفي رواية لابن سعد في هذا الخبر : عن هاشم بن القاسم ، عن عكرمة بن عمار ،
حدثني إياس بن سلمة، عن أبيه، قال: خرجتُ أنا ورباح، غلامُ النِي عَّهِ، وخرجتُ
بفرس لطلحة بن عُبيد الله ، كنت أريد أن أندّيَه(٣) مع الإبل ، فلما أن كان بغلس أغار
عبدُ الرحمن بن عُبينة على إبل رسول الله عَظ ◌ُلم، فقتل راعيَها، وخرج يطردُهَا ، وذكر نحو
(١) رجع إلى ابن سعد .
(٢) (يتحسِّبُ)): يتعرف ويتوخى ويستخبر. وفي الطبقات الكبرى: يتحسس.
(٣) ((أنديه)): من التندية، وهى أن تورد الإبل والخيل ساعة، ثم تردُّ إلى المرعى ساعة، ثم تردُّ إلى الماء مرة
أخرى. وفي نسخة ((هـ )): ((أبدّيه)) بالباء، أي: أخرجه إلى البادية.
- ١٢٩ -

ما تقدم، وفيه حتى ما خلق الله شيئاً من ظَهْرِ البِّ عَ لم إلا خلفته وراء ظهري، ثم لم أزل
أرميهم ، حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحاً ، وأكثر من ثلاثين بردة ، يستخفونها ، ولا يُلقون من
ذلك شيئاً إلا جعلت عليه حِجارةً، وجمعته على طريق رسول الله عَ لَه، وفيه: أنه جلاهم
عن ماء ذي قرد، ويخلفون فرسين، فجئتُ بهما أسوقهما إلى رسول الله عَ له، وفيه: قوله
عليه الصلاة والسلام: ((إنهم الآن يُقْرَوْنَ بأرض غطفان )). قال : فجاء رجل من غطفان ،
فقال مَرُّوا على فلان الغطفاني ، فنحر لهم جَزوراً ، فلما أخذوا يكشطون جلدها رأوا غبرةً ،
فتركوها وخرجوا هِراباً، فلما أصبحنا، قال رسول الله عَ لَّهِ: خيرُ فرساننا اليوم أبو قتادة،
وخيرُ رَجَالِنَا سلمة، فأعطاني رسول الله عَ لَّهِ سهمَ الراجلِ والفارس جميعاً(١).
وفي رواية البخاري لهذا الخبر ، من طريق سلمة ، فقلت : يا نبيَّ الله قد حميت القوم
الماء وهم عطاش ، فابعث إليهم الساعة، فقال: (( يا ابنَ الأكوع ملكتَ فأسجح))(٢).
ذكر فوائد تتعلق بهذه الواقعة
· قَرَد : مفتوح القافِ والراء، وحكى السهيلي عن أبي علي الضَّمَّ فيهما .
• وقوله: اليومَ يومُ الَّرَضَّع: يُريد يومَ هلاك الرُّضع، والرضع: اللئام ، من قولهم : لئيم
راضع ، وهو الذي يرضع الغَنَم ولا يحلبها ، فيُسمَعَ صوتُ الحلب ، وقد قيل فيه غير ذلك .
• ومحرز بن نَصْلة: المعروف فيه سكون الضاد ، ورأيت عن الدارقطني فتْحَها ،
وحكى البغوي عن ابن إسحاق : محرز بن عون بن نضلة ، وبعضهم يقول : ابن ناضلة .
(١) الطبقات الكبرى ٨٠/٢ - ٨٤ بتصرف واختصار.
(٢) رواه البخاري في المغازي (باب غزوة ذات الفرد) رقم /٤١٩٤/، ومعنى ((أسجحْ)): أحسن العفو.
- ١.٣٠ -

سرية سعيد بن زيد إلى العُرَنِّن
وهي في شوال سنة ست عند ابن سعد(١)
قال ابن عقبة: وكان قد قدم على رسول الله عَ لّمه نفر من عُرينة، وعرينة حيٌّ من
بَجيلة ، وكانوا مجهودين مضرورين ، قد كادوا يهلكون، فأنزلَهم عندَه ، وسألوه أن يُنحِيهم من
المدينة، فأخرجَهم رسولُ الله عَِّ إلى لقاح له بفيفاء الخبَار(٢) من وراء الحِمى، فيها مولى
لرسول الله عَ لّه يُدعى يساراً، فقتلوه، ثم مَثَّلوا به، واستاقوا لقاحَ رسول الله عَ له، فبعث
رسولُ اللهِ مَّله في آثارهم، فأَدركوا فوق الْمَقَّى(٣)، فأمرَ بهم رسولُ الله عٍَّ، فقُطّعتْ
أيديهم وأرجلُهُمُ ، وسملَ أَعينَهم ، وأمير الخيل يومئذٍ سعيد بن زيد . وتحدث بهذا الحديث كما
زعموا أنس بن مالك، وذكروا أن رسول الله عَ لّه نهى بعد ذلك عن المثل بالآية التي في سورة
المائدة: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربونَ الله ورسوله ويسعون في الأرض فَسَاداً أن يُقَتَّلوا أو يُصلَّبوا
أو تُقَطَّعَ أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزيّ في الدنيا ولهم في
الآخرة عذابٌ عظيم﴾ [ المائدة: ٣٣] هذه الآية والتي بعدها .
قرىء على أبي محمد عبد الرحيم بن يوسف المِزِّي ، وأنا أسمع ، أخبرك أبو علي حنبل بن
عبد الله بن الفرج؟ فأقرَّ به . أخبرنا الرئيس أبو القاسم بن الحُصَين ، أخبرنا أبو علي بن
المُذَهَّب ، أخبرنا أبو بكر القطیعيّ ، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، أخبرنا أبي ، حدثنا
ابن أبي عدي ، عن حميد ، عن أنس ، قال: أسلم ناسٌ من تُرينة ، فاجْتَوْا المدينةَ ، فقال
لهم رسولُ الله عَ ◌ِّ لو خرجتم إلى ذَوْرٍ (٤) لنا، فشربتُم من ألبانها. قال حُميد: وقال قتادة
عن أنس: وأبوالها. فلما صَحُوا كفروا بعدَ إسلامهم، وقتلوا راعيَ النِّ سَ له مؤمناً أو
(١) الطبقات الكبرى ٩٣/٢.
(٢) ((فيفاء الخَبَار)): موضع قرب المدينة، والفيفا: الأرض الواسعة، والخَبَار: الأرض السهلة. معجم
ما استعجم ١٠٣٦/٣ - ١٠٣٧.
(٣) ((الْنَقَّى)»: موضع على سيف البحر مما يلي المدينة.
(٤) (( ذَوْدٍ)) : المجموعة من النوق لا تقل عن ثلاث.
- ١٣١ -

۔۔
مسلماً، وساقوا ذوْدَ رسول الله عَّهِ وهربوا محاربين، فأرسلَ رسولُ الله عَّه في آثارهم،
فأخذوا، فقطَّعَ أيديهم وأرجلهم وسمَّ أعينهم(١)، وتركهم في الحرة حتى ماتوا ..
وقال ابن سعد: وبلغَّ رسولَ الله عَ لِ الخبرُ، فبعثَ في أثرهم عشرين فارساً، واستعمل:
عليهم كرزَ بن جابر الفهري، فأدركوهم ، فأحاطوا بهم ، فأسروهم وربطوهم وأردفوهم على
الخيل، حتى قدموا المدينة ، قال: وكانت اللقاح خمس عشرة غَزِاراً، فردوها إلى المدينة ،
ففقد رسول الله عَ لِ منها لقحةً تُدعى الحِنَّاء ، فسأل عنها فقيل نحروها .
ذكر فوائد تتعلق بهذا الخبر
قد تقدم أن نفراً من عُرِينة ، وروي من عُكَل أو عرينة على الشك ، وروي من:
◌ُكل وعُرينة من غير شك ، وروي : أن نفراً قدموا ولم يذكر من أي قبيلة هم . والكل في
الصحيح(١) من حديث أنس ، فأما ◌ُرينة ففي تجيلة وقُضاعة ، فالذي في بجيلة عُرينة بن
نذير بن قسر بن عبقر ، وعيقر أمه بجيلة ، قاله الرُّشاطي ، قال: ومنهم الرهط الذين أغاروا
على إبل النبي عَ له. قال: والعَرَن: حكة تصيب الفرس والبعير في قوائمهما. وأما عُكل ففي.
الرباب ، وعكل امرأة حضنت بني عوف بن وائل بن قيس بن عوف بن عبد مناة من
الرباب ، حكى ابن الكلبي، قال : ولد عوف بن وائل الحارث وجثماً وسعداً وعلياً وقيساً،
وأمهم ابنة ذي اللَّحَيْة من خمير ، وحضنتهم عُكّل أمة لهم، فغلبت عليهم . قال ابن دُريد :
اشتقاق عکل من عكلت الشيء إذا جمعته ، وقال غيره : یکون من عَگل یعگلُ : إذا قال
برأيه ، مثل حَدَسَ، ورجل ◌ُعَكْلِّ، أي: أحمق. منهم من الصحابة : خزيمة بن عاصم بن
(١) رواه الإمام أحمد في المسند ١٠٧/٣ بهذا اللفظ والإسناد، ورواه البخاري في الحدود (باب المحاربين) رقم
/٦٨٠٢/، ومسلم في القسامة ( باب حكم المحاربين والمرتدين) رقم /١٦٧١/، وأبو داود في الحدود.
( باب ما جاء في المحاربة) رقم /٤٣٦٤ /، والترمذي في الطهارة ( باب ما جاء في بول ما يؤكل لحمه ) رقم:
/١٨٤٦/، والنسائي في تحريم الدم (باب تأويل قول الله عز وجل: إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله
ويسعون في الأرض فساداً ) ٩٣/٧ و٩٤ و٩٥٠ و ٩٦ و٩٧ و٩٨، وابن ماجه في الحدود ( باب من:
حاربَ وسعى في الأرض فساداً) رقم /٢٥٧٨/.
ومعنى: ((سمَّرَ أعينهم)»: سملَها، فقأها بحديد أو شوك، ونحو ذلك.
- ١٣٢ -

قطن بن عبد الله بن عبادة بن سعد بن عوف المذكور ، لم يذكره أبو عمر ، ولا نسبه ابن
فتحون ، قاله الرشاطي .
، وقوله: فاجتووا المدينة : قال ابن سيده: وجوي الأرض جوىّ، واجتواها : لم
توافقه . وقد وقع في بعض الروايات أنهم شكوا أجوافَهم .
• وأبوال الإبل وألبانها يدخل في شيء من علاج الاستسقاء (وهي )(١)، إبل البادية
التي ترعى الشيخ والقيصوم .
• وقول ابن عقبة: وذكروا أن رسولَ الله عَِّ نهى بعد ذلك عن المُثَل، فمن الناس
من رأى ذلك ، وزعم أن هذا الخبر منسوخ بقوله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يُحاربون الله
ورسوله﴾ [المائدة: ٣٣] الآية ، وبنهيه عليه الصلاة والسلام عن المثلة ، وقد روي في ذلك
شيء عن بعض السلف ، ومن الناس من أبى ذلك ، وقد يترجح هذا لأنه مختلف في سبب
نزول هذه الآية ، فقد ذكر البغوي وغيره لنزولها قصةً غير هذه ، وأيضاً فليس فيها أكثر مما
تشعره لفظة (( إنما )) من الاقتصار في حد الحرابة على ما في الآية ، وأما من زاد على الحِرابة
جنايات أخر كما فعل هؤلاء ، حيث زادوا بالردة ، وسمل أعين الرعاء وغير ذلك . فقد روينا في
خبرهم عن ابن سعد أنهم قطعوا يدَ الراعي ورجله ، وغرسوا الشوك في لسانه وعينيه حتى
مات ، فليس في الآية ما يمنع من التغليظ عليهم ، والزيادة في عقوبتهم ، فهذا قِصاص ليس
بمثلة ، والمثلة ما كان ابتداء من غير جزاء. وقد روينا من طريق الترمذي والنسائي جميعاً: عن
الفضل بن سهل ، عن يحيى بن غيلان ــ وثقَّهما النسائي ــ عن يزيد بن زريع ، عن سليمان
التيمي ، عن أنس بن مالك ، قال: إنما سملَ البِّ عَظ ◌َلِ أَعينَ أولئك العُرَنِيَّن؛ لأنهم سملوا
أُعينَ الرعاء، ولو أن شخصاً جنى على قوم جنايات في أعضاء متعددة ، فاقتص منه للمجني
عليهم ، لما كان التشويه الذي حصل به ، من المثلة المنهي عنها . وإذا اختلفت في سبب نزول
الآية الأقوال ، وتطرق إليها الاحتمال فلا نسخ . وقد روي هذا الحديث عن أنس من غير
وجه ، وروي أيضاً من حديث ابن عمر(٢) وعائشة وغيرهما ، ولو لا ما شرطناه من الاختصار
لأوردنا طرفاً من طرقه ، ولبسطنا الكلام عليه .
(١) زيادة للتوضيح .
(٢) حديث ابن عمر رواه أبو داود في الحدود ( باب ما جاء في المحاربة) رقم /٤٣٦٩/، والنسائي في تحريم الدم
- ١٣٣ -

غزوة بني الْمُصْطَلِقِ
وهي غزوة المريسيع
وهي في شعبان سنة ست عند ابن إسحاق ، وفي سنة أربع عند موسى بن عقبة ، وفي
شعبان سنة خمس يوم الاثنين لليلتين خلتا منه عند ابن سعد ، والخندق بعدها عنده في ذي
القَعدة من السنة .
قال ابن إسحاق : فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، وعبد الله بن أبي بكر ومحمد بن
يحيى بن حَبَّان، كل قد حدثني بعض حديث بني المصطلق قالوا: بلغ رسول الله عَ لِ أَن بني
المصطلق يجمعون له ، وقائدهم الحارث بن أبي ضرار ، أبو جويرية بنت الحارث زوج
النِّ عَ لِ، فلما سمع رسول الله عَ له بهم خرج إليهم حتى لقيَهم على ماء من مياههم، يُقال
له : المريسيع، من ناحية قُديد إلى الساحل، فتزاحفَ النَّاسُ واقتلوا ، فهزمَ الله بِي الْمُصْطَلِقِ
وقُتل من قُتل منهم، ونَفِّل رسولُ الله عَّظلم أبناءهم ونساءهم وأموالهم، فأفاءهم عليه(١).
وذكر ابن سعد أن رسولَ الله عَ لِّ بعث بريدة بن الحُصَيب الأسلمي يعلمُ علم ذلك ،
فأتاهم ، ولقي الحارث بن أبي ضرار وكلّمه، ورجعَ إلى رسول الله عَّله، فأخبره خيرهم.
فندبَ رسولُ اللهِ عَ لِ الناسِلَ إليهم، وأسرعوا الخروج، وقادُوا الخيل، وهي ثلاثون فرساً، في
المهاجرين منها عشرة ، وفي الأنصار عشرون. واستخلف على المدينة زيد بن حارثة (٢) .
وقال ابن هشام : استعمل عليها أبا ذر الغفاري ويقال: ثُميلة بن عبد الله الليثي(١).
رجع إلى خبر ابن سعد : وكان معه فرسان: لِزَاز، والظرب ، وبلغَ الحارثَ بنَ أبي
= (باب تأويل قول الله عز وجل: إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله) ١٠٠/٧، و٩٨/٧ عن سعيد بن
المسيب مرسلاً، و٩٩/٧ عن عائشة رضي الله عنها. كما رواه أبو داود والنسائي عن أبي الزناد وعبد الله بن
ذكوان مرسلاً أيضاً ، ويشهد للمرسل من هذه الروايات ما تقدم مرفوعاً عن أنس وغيره في الكتب الستة .
(١) السيرة النبوية ٢٨٩/٢ - ٢٩٠.
(٢) الطبقات الكبرى ٦٣/٢.
- ١٣٤ -

ضِرار ومن معه مسيرُ رسول الله عَ لَله إليهم ، وأنه قد قَتَلَ عينه الذي كان قد وجّهه لیأتیّه بخبر
رسول الله عَ ◌ّهِ فسيء بذلك الحارث ومن معه ، وخافوا خوفاً شديداً، وتفرَّق عنهم من كان
معهم من العرب، وانتهى رسولُ الله عَّهِ إلى المريسيع، وهو الماء، فضربَ عليه قُبَّتُه ، ومعه
عائشة وأم سلمة، فتهَُّوا للقتال، وصفَّ رسولُ الله عَِّ(١)، ودفعَ راية المهاجرين إلى أبي
بكر ، ورايةَ الأنصار إلى سعد بن عُبادة ، فتراموا بالنبل ساعةٌ ، ثم أمر رسولُ الله عَِّ
أصحابَه فحملُوا حملةَ رجلٍ واحد ، فما أفلت منهم إنسان ، وقُتل عشرةٌ منهم ، وأُسر
سائرُهم، وسِى رسولُ الله عَ ◌ّلِ الرجال والنساء والذرية(٢).
وقد روینا من طريق مسلم خلاف ذلك ، قال : حدثنا يحيى بن يحيى التميمي ، حدثنا
سُليم بن أخضر ، عن ابن عون ، قال : كتبتُ إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال فكتبَ
إليّ: إنما كان ذلك في أول الإِسلام، قد أغارَ رسولُ اللهِ عَ لَّهِ على بنِي الْمُصْطَلِق وهم
غارُّون ، وأنعامهم تُسقى على الماء ، فقتلَ مقاتلتَهم ، وسبى سبيَهم ، وأصابَ يومئذ - قال
يحيى : أحسبُه قال : جويرية أو البتة ابنة الحارث - وحدثني هذا الحديث عبد الله بن عمر
وكان في ذلك الجيش(٣).
وقد أشار ابن سعد إلى هذه الرواية ، وقال : الأولى أثبت(٤). قال : وأمر
رسول الله عَ لَّه بالأُسارى فكُتُّفوا، واستعمل عليهم بريدة بن الحُصيب، وأمر بالغنائم
فُجُمعت ، واستعمل عليها شُقران مولاه ، وجمع الذرّة ناحية ، واستعملَ على قسم الخمس
وسُهمان المسلمين مَحمِيَّةَ بن جزء الزُّبَيْدي . وكانت الإبل ألفي بعير، والشاء خمسةَ آلاف
شاة ، وكان السبي مائتي بيت ، وقال: غابَ رسول الله عَ لّم عن المدينة ثمانياً وعشرين ليلة،
وقدم المدينة لهلال رمضان (٤) .
رجع إلى ابن إسحاق : قال : وقد أُصيب رجل من المسلمين من بني كلب بن
(١) في الطبقات: فصفَّ رسول الله مَ لآله أصحابه.
(٢) الطبقات الكبرى ٦٣/٢ - ٦٤.
(٣) رواه مسلم في الجهاد والسير ( باب جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام، من غير تقدم
الإعلام بالإغارة) رقم /١٧٣٠/.
(٤) الطبقات الكبرى ٦٤/٢ - ٦٥.
- ١٣٥ -

عوف بن عامر بن ليث بن بكر ، يقال له : هشام بن صُبابة ، أصابه رجلٌ من الأنصار من
رهط عبادة بن الصامت ، وهو يرى أنه من العدو، فقتلَه خطأً، فبينا الناس على ذلك الماء
وردت واردة الناس ، ومع عمر بن الخطاب أجير له من بني غِفار يُقال له جهجاه بن
مسعود ، يقود فرسَه ، فازدجُمَ جهجاهٌ وسِنَانُ بن وَيْر الجهني ، حليفُ بني عوف بن الخزرج
على الماء ، فاقتتلا ، فصرخَ الجهنيّ : يا معشر الأنصار! وصرخ جهجاه : يا معشر المهاجرين!
فغضب عبد الله بن أبيّ بن سلول ، وعنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم ، غُلاَمٌ حَدَثٌ ،
فقال : أقد فعلوها ؟ أقد نافرونا وكاثرونا في بلادنا ؟ والله ما أعدُّنا وجلابيب قريش هذه ، إلا
كما قال الأول: سَمِّنْ كلبَك يأكلْك. أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجنَّ الأعَزُّ منها
الأذَلَّ .. ثم أقبل على من حضره من قومه ، فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم ، أحللتمُوهم بلادكم
وقاسمتُوهم أموالكم ، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحَوَّلوا إلى غير داركم. فسمع
ذلك زيدُ بن أرقم، فمشى به إلى رسول الله عَ له، وذلك عند فراغ رسول الله عز له من
عدوه ، فأخبره الخبر، وعنده عمر بن الخطاب، فقال: مر به عَبَّدَ بن بشر فليقتلْه، فقال
رسول الله عَ لِّ: فكيف يا عمر إذا تحدَّثَ الناسُ بأن محمداً يقتلُ أصحابه ؟ لا ، ولكن
ائذن بالرحيل . - في ساعة لم يكن رسول الله عن اله يرتحل فيها - فارتحل الناس، وقد مشى
عبد الله بن أنّ بن سلول إلى رسول الله عَ ليه، حين بلغه أنَّ زيد بن أرقم قد بلَّغه ما سمعه
منه، فخلفَ بالله ما قلتُ ما قالَ ، ولا تكلّمْتُ به ، وكان في قومه شريفاً عظيماً ، فقال من
حضر رسولَ الله عَ لِّه من الأنصار من أصحابه: يا رسول الله عسى أن يكون الغلامُ أُوْهَمِ
في حديثه، ولم يحفظ ما قال الرجل - حَدَباً على ابن أُبّ ودفعاً عنه ــ فلما استقلَّ
رسولُ الله عَّله وسار، لقيه أسيد بن الحضير، فحيَّه بتحية النبوة وسلم عليه، وقال:
يا نبَّ الله والله لقد رحتَ في ساعة منكرة، ما كنتَ تروح في مثلها. فقال له
رسول الله عَّله: أو ما بلغك ما قال صاحبُكم؟ قال: أُّ صاحب يا رسول الله ؟ قال
عبد الله بن أبّ. قال: وما قَال؟ قال: زعم أنه إن رجعَ إلى المدينة أُخرجَ الأعزُّ منها الأُذَلَّ ..
قال: فأنت والله يا رسولَ الله تخرجه إن شئتَ، هو والله الذليل، وأنت العزيز. ثم قال:
يا رسول الله ارفق به ، فوالله لقد جاء الله بكَ وإنَّ قومَه لينظمون له الخرزَ؛ لِيُتَوِّجُوه به ،
فإنه ليرى أنك قد استلبته مُلْكاً. ثم متنَ(١) رسولُ الله عَُّله بالناس يومَهم ذلك حتى أمسى،
(١) انظر شرحها في فوائد المؤلف ص ١٤٤ .
- ١٣٦ -

وليلتهم حتى أصبح ، وصَدْرَ يومهم ذلك ، حتى آذته الشمس ، ثم نزل بالناس ، فلم يلبثوا أن
وجدوا مَسَّ الأرض ، فوقعوا نياماً ، وإنما فعل ذلك ليَشغلَ الناسَ عن الحديث الذي كان
بالأمس من حديث عبد الله بن أبيّ، ثم راحَ رسول الله عَ لِّ بالناس، وسلك(١) الحجاز،
حتى نزل على ماء بالحجاز فوق النَّقيع، يُقال له نَفْعَاً(٢). فلما راحَ رسول الله عَ لَّلِ بالناس،
هبت على الناس ريحٌ شديدة آذتهم، وتخوفوها، فقال رسول الله عَ له: لا تخافوها فإنها هبّتْ
لموت عظيم من عظماء الكفار . فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت ، أحدَ
بني قينقاع ، وكان من عظماء اليهود ، وكهفاً للمنافقين ، مات ذلك اليوم .
ونزلت السورة التي ذكر الله فيها المنافقين في ابن أبي ، ومن كان على مثل أمره ، فلما
نزلت أخذَ رسولُ اللهِ عَ له بأذن زيد بن أرقم ، ثم قال : هذا الذي أوفى الله بأذنه .
وبلغ عبد الله بن عبد الله بن ◌ُتّ الذي كان من أمر أبيه ، فحدثني عاصم بن عمر بن
قتادة: أن عبدَ الله أتى رسولَ الله عَّلِ، فقال: يا رسول الله ! إنه قد بلغني أنك تُريد قتلَ
عبدِ الله بن أبيّ فيما بلغك عنه ، فإن كنتَ فاعلاً، فمرني فأنا أحمل لك رأسَه ، فوالله لقد
علمتِ الخزرجُ ما كان بها من رجلٍ أبرّ بوالده مني ، إني أُخشى أن تأمرَ به غيري ، فيقتلَه ،
فأقتلَ مؤمناً بكافر، فأدخل النار. فقال رسول الله عَّهِ: بل نترفق به ونُحسن صحبتَه
ما بقي معنا . وجعلَ بعد ذلك إذا أحدثَ الحدثَ ، كان قومُه هم الذين يُعاتبونه ويأخذونه
ويعنفونه، فقال رسول الله عَ لمه لعمر بن الخطاب - حين بلغه ذلك من شأنهم - كيف
ترى يا عمر؟ أما والله لو قتلتُه يوم قلتَ لي اقتله، لأُرعدتْ له آنُّفٌ لو أمرتُها اليومَ بقتله
لقتلَّْه ، قال: قال عمر: قد والله علمتُ الأمرُ رسول الله عَّلِ أعظمُ بركة من أمري.
وقدم مِقيس بن صُبابة من مكة مسلماً فيما يظهر ، فقال : يا رسول الله ! جئتك
مسلماً ، وجئتُ أطلبُ دِيةً أخي، قُتل خطأ، فأمر له رسول الله عَ لَّهِ بدية أخيه هِشام بن
(١) (( الحجاز)): المقصود به هنا المرتفع من الطريق، وذلك أن مثل هذه الطريق بما فيها من منحدرات
ومفاجآت ؛ تجعل المارَّ فيها على حذر دائم ، وذلك مما يُساعد على انشغالهم وانصراف أذهانهم عما كادوا أن
يقعوا فيه من الاختلاف .
(٢) (( نَفْعَاً)) : وفي معجم البكري: نَفْعَاء؛ بفتح أوله وإسكان ثانية ، بعده عين مهملة ممدود : اسم بئر خلف
المدينة .
- ١٣٧ -

صُبابة، فأقام عند رسول الله عَ لّلم غير كثير، ثم عدا على قاتل أخيه فقتله، ثم خرج إلى مكة
مرتداً ، فقال في شعر يقوله:
شَفَى النفسَ أن قد بات بالقاعِ مُسْتَدا
وكانت همومُ النفس من قبل قتله .
حللتُ به وتري وأدركتُ تورتي
ثأرتُ بِه فِهْراً ، وحُمَّلْتُ عَقْلَه
وقال مِقِيسٍ بن صُبابة أيضاً :
يُضَرِّجُ ثوبيْه دماءُ الأُخادع(١)
قُلِمُّ فيحميني وِطَاءُ المضاجع(٢)
وكنت إلى الأوثان أُوَّلَ رَاجع(٣)
سَراةَ بني النجار أربابَ فارعٍ(٤)
جَلَّته ضربةً باءت لها وَثَلٌ
فقلتُ والموتُ تغشاه أَسِرَّتُه :
من ناقع الجوف يعلوه وينصرمُ(٥)
لا تأمَنَنَّ بَنِي بَكِرٍ إذا ظُلِمُوا(٦)
قال ابن هشام : وكان من شعار المسلمين يوم بني الْمُصْطَلِقى: يا منصور أمت أمت(٧).
قال ابن إسحاق : وأُصيب من بني الْمُصْطَلِقِ ناس يومئذ، وقتل عليّ بن أبي طالب منهم
رجلين؛ مالكاً وابنه، وكان رسول الله عَ ل قد أصاب منهم سبباً كثيراً فشا قَسْمُه في
المسلمین . وکان فیمن أُصيب يومئذ من السبايا جویویة بنت الحارث بن أبي ضرار زوج
رسول الله عَّله. قال أبو عمر: كان اسمها برة، فغيَّرَةَ رسول الله عَ ليه وسماها جويرية.
فأرسلَ النَّاسُ ما بأيديهم لمن سبأيا بني المصطلق لذلك، فكانت مائة بيت ، وأسلم بنو
المصطلق ، ثم بعد ذلك بأزيد من عامين بعثَ إليهم الوليد بن عقبة مُصَدِّقاً ، فتوهّم أنهم
خرجوا لقتاله ففر راجعاً، وأخبر رسول الله عَّ المه بظنه، فهمَّ عليه الصلاة والسلام بقتالهم؛
(١) ((بالقاع)): المنخفض من الأرض فيه انبساط.
(٢) (( وِطَاء المضاجع)): المضاجع الوطيئة؛ الفرش اللينة.
(٣) ((وِتري)): الوتر: طلب الثأر. ((ثورتي)): الثورة : الثأر نفسه .
(٤) ((عَقْلَه)): ديته، و(( سَرَاهُ مِنِي النجار)): خيارهم وسادتهم. و((فارع)): أحد حصونهم:
(٥) (باءتْ)): أخذت بالثأر. و ((الوَشَل)): النصر، و(( ناقع الجوف)): الدم.
(٦) ((أسرَّته)): التجاعيد والانجناءات، فيما يشبه الخطوط، تكون في جلد الوجه والجبهة. و((بنو بكر))
قومه . .
(٧) السيرة النبوية؛ لابن هشام :٢٩٠/٢ - ٢٩٦.
- ١٣٨ -

فأنزل الله تعالى: ﴿ يا أيُّها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبإ فتَبَيِّنُوا﴾ الآية [الحجرات: ٦]
والتي بعدها(١) .
حديث الإفك
وفي هذه الغزاة قال أهل الإفك في عائشة رضي الله تعالى عنها ما قالوا ، فبرأها الله مما
قالوا .
روينا من طريق البخاري ، حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث ، عن يونس ، عن ابن
شهاب ، أخبرني عروة بن الزبير ، وسعيد بن المسيب ، وعلقمة بن وقاص ، وعبيد الله بن
عبد الله بن ◌ُتبة بن مسعود ، عن حديث عائشة زوج النبي عٍَّ حين قال لها أهل الإفك
ما قالوا ، فبرأها الله مما قالوا. وكلٌّ حدثني طائفةً من الحديث، وبعض حديثهم يُصَدِّقُ
بعضاً ، وإن كان بعضُهم أوعى له من بعض . الذي حدثني عروة عن عائشة ؛ أن عائشة
زوج النبي عَ ◌ِّ قالت: كان النبي عَ ◌ّلِ إذا أرادَ أن يخرج أقرعَ بين أزواجه ، فأَيْتُهنُّ خرج
سهمها خرجَ بها رسولُ اللهِ عَّ له معه. قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها ، فخرج
سهمي، فخرجتُ مع رسول الله عَ لِّ بعد ما أُنزلَ الحجاب، فأنا أُحمل في هودجي ، وأُنزل
فيه، حتى إذا فرغَ رسول الله عَِّ من غزوته تلك ، وقفل ، ودنونا من المدينة قافلين ، آذن
ليلةٌ بالرحيل ، فمشيت ، حتى جاوزت الجيشَ ، فلما قضيت شأني ، أقبلتُ إلى رَحْلي ، فإذا
عقد لي من جَزْع أَظْفَار قد انقطع ، فالتمست عقدي ، وحبسني ابتغاؤه ، وأقبل الرهط الذين
كانوا يَرْحَلَوُن بي، فاحتملوا هودجي، فَرَحَلُوه على بعيري الذي كنتُ ركبتُ ، وهم
يحسبون أني فيه ، وكان النساء إذ ذاك خفافاً، لم يُثقلْهنَّ اللحم، إنما يأكلنَ العُلْقة(٢) من
الطعام ، فلم يستنكر القوم خِفة الهودج حين رفعوه ، وكنت جاريةٌ حديثةَ السِنِّ ، فبعثوا
الجملَ وساروا، فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش ، فجئتُ منازلَهم وليس بها داعٍ
ولا مجيب ، فأَعمتُ منزلي الذي كنتُ فيه ، وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إليَّ ، فبينا أنا
جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمتُ . وكان صفوان بن المُعَطِّل السُّلمي ثم الذكواني من
(١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢٩٠/٢ - ٢٩٦.
(١) ((العُلْقة )): القليل، وما يَتَبلَّغ به .
- ١٣٩ -

وراء(١) الجيش ، فادَّلَجَ(٢) ، فأصبح عند منزلي ، فرأى سوادِ إنسانٍ نائم ، فأتاني ، فعرفني حين
رآني ، وكان يراني قبل الحجاب ، فاستيقظتُ باسترجاعه حين عرفني ، فخمَّرْتُ وجهي
بجلبابي ، والله ما يُكلِّمني ، ولا أكلِّمه وما سمعتُ منه كلمة غير استرجاعه حين أناخ راحلته ،
فوطىء على يدها ، فركبتها ، فانطلق بي يقودُ بي الراحلة ، حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا ،
مُوغِرَينْ في نحرِ الظهيرة(٣) ، فهلَكَ من هَلَّكَ.
وكان الذي تولَّى الإفكَ عبد الله بن أبيّ بن سلول، فقدمنا المدينة ، فاشتكيتُ حين
قدمتُ شهراً، والناس يخوضون(٤) في قول أصحاب الإِفك، ولا أشعرُ بشيءٍ من ذلك ،
وهو (٥) يَر بيني في وجعي أني لا أعرفُ من رسول الله عَ لِ اللطفَ الذي كنتُ أُرِى منه حينٍ
أشتكي، إنما يدخلُ علَّ رسول الله عَمِ فيسلِّمُ، ثم يقولُ: كيف تيكم ؟ ثم ينصرف ،
فذاك الذي يَريبني ، ولا أشعر بالشر، حتى خرجتُ بعد ما نَقَهْتُ ، فخرجتْ مِعِي أمُّ
مِسْطِحِ قِبَلَ الَنَاصِعِ (٦)، وهو مُتَبَرَّزُنا، وكنا لا تخرج إلا ليلاً إلى ليل ، وذلك قبل أن نتخذَ
الكُنُفَ(٧) قريباً من بيوتنا، وأمرُنا أمرُ العرب الأول في التبرز قِبَلَ الغائط ، فكنا نتأذى
بالكُنف أن نتخذها عند بيوتنا ، فانطلقتُ أنا وأُمُّ مِسطح - وهي ابنة أبي رُهْم بن
عبد مناف ، وأمُّها بنت صخر بن عامر خالةُ أبي بكر الصديق ، وابنها مِسطح بن أثاثة ــ
(١) كان صفوان على ساقه الجيش، يلتقط ما يسقطُ من متاع المسلمين، حتى يأتيهم به، ولذلك تخلّفَ.
الروض الأنف .
(٢) ((فادَّتَجَ)): بالتضعيف، ومثلها: أدلج ؛ سار ليلاً .
(٣) ((موغرينَ في نحر الظهيرة)): الظهيرة الوقت الذي تبلغ فيه الشمس نهايتها من الارتفاع. ونحرها: وسطها ..
والإيغار: السير فيها، يُقال: أوغرَ الرَّجُل: إذا سار في الوغرة ، وهي شدة حرِّ الظهيرة .
ورُوي ((مُوعِرين)): من قولهم: أوعرَ الرجل : سار في الوعر ، ولعلهما فعلا ذلك ليقاطعا على الجيش
بسرعة .
(٤) كذا في ((أ)) و((ب)) وفي بقية النسخ ونور النبراس: ((يُفيضون)).
(٥) لعلها: (( وما يَرِيِّبُني)).
(٦) (( المناصع)): جمع منصع، وهي فسح رملية منخفضة منتشرة هنا وهناك تستعمل لقضاء الحاجة ، وقد
كانت أماكن معروفة ومخصوصة في المدينة .
(٧) ((الكُنُف)) : بضم الكاف والنون ، جمع كنيف ، وهو المرحاض.
- ١٤٠ -