النص المفهرس

صفحات 61-80

· قال ابن عقبة: ولا ندري من أين بعثَ رسولُ الله عَ لِّ عبد الله بن أنيس إلى ابن
نُبيح ، أمن المدينة أم من غيرها ؟ .
#
- ٦١ -

بعث الرجيع
وكان في صفر على رأس ستة وثلاثين شهراً من مُهاجر رسول الله عَلِ عند ابن
سعد(١).
روينا من طريق البخاري ، قال : حدثني موسى بن إسماعيل ، حدثنا إبراهيم ، أخبرنا ابنُ
شهاب ، أخبرني عمرو بن أسيد بن جارية الثقفي حليف بني زُهرة ، وكان من أصحاب أبي
هريرة ، عن أبي هُريرة رضي الله عنه، بعثَ رسول الله عَ لِ عشرةً (٢) عيناً، وأمَّر عليهم
عاصمَ بن ثابت الأنصاري، جَدَّ(٣) عاصم بن عمر بن الخطاب ، حتى إذا كانوا بالهدأة ، بين
عُسفان ومكة ، ذُكروا لحٍّ من هُذيل ، يُقال لهم بنو لحيان ، فنفروا لهم بقريب من مائة
رجلٍ رام ، فاقتصُّوا آثارَهم حتى وجدوا مأكلَهم الَّمَرَ في منزل نزلوه ، فقالوا: تمرُ يُعرب،
فاتَّبعوا آثارَهم ، فلما حسَّ بهم عاصمٌ وأصحابُه ، لجؤوا إلى موضع ، فأحاطَ بهم القومُ، فقالوا
لهم انزلوا فأعطوا بأيديكم ولكم العهدُ والميثاقُ أن لا نقتلَ منكم أحداً . فقال عاصم بن
ثابت: أيها القوم أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، ثم قال: اللهم أخبرْ عنَّا نبيَّك ◌َله
فرموهم بالنبلِ فقتلوا عاطماً ، ونزلَ إليهم ثلاثةُ نفر على العهد والميثاق، منهم خبيب ،
وزيد بن الدَّثِنَّة ، ورجلُ آخر ، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها ، فقال
الرجل الثالث (٤): هذا أوّلُ الغدر، والله لا أصحبكم ، إن لي بهؤلاء أسوة ــ يُرِيد القتلى -
فجرَّروه وعالجوه ، فأبى أن يصحبَهم ، فانْطُلق بخبيب وزيد بن الدَّثِنَّة حتى باعوهما بعد وقعة
بدر ، فابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل ◌ُبيباً ، وكان خبيبٌ هو قتلَ الحارث بن عامر يومٍ
بدر ، فلبث خبيب عندَهم أسيراً حتى أجمعوا قتلَه، فاستعارَ من بعض بناتِ الحارثُ مُوسى
(١) الطبقات الكبرى ؛ لابن سعد ٥٥/٢ .
(٢) ((عَيْناً »: العَيْنُ: هو الذي يتجسسُ الأخبار.
(٣) صوابه ((خالُه)) لا جدّه؛ لأن والدة عاصم هي جميلة بنت ثابت الأنصاري، وعاصم أخوها. قال القاضي
عياض: إذا قرىء ((جَدِّ)) بالكسر على أنه صفة لثابت؛ استقام الكلام. انظر فتح الباري ٣١٠/٧.
. (٤) هو عبدُ الله بن طارق الظفري، حليف لهم .
- ٦٢ -

يستحدُّ بها ، فأعارته فدرجَ بُنِّ لها وهي غافلة حتى أتاه ، فوجدته مُجلسَه على فَخِذه والموسى
بيده ، قالت: ففزعتُ فزعةً عرفها خبيبٌ، فقال: أَتَخْشَيْنَ أن أقتلَه ، ما كنت لأفعل ذلك .
قالت : والله ما رأيتُ أسيراً قطُّ خيراً من خبيب ، والله لقد وجدته يوماً يأكل قِطْفَاً(١) من
عنب في يده ، وإنه لموثق بالحديد ، وما بمكة من ثمرة ، وكانت تقولُ : إنه لرزق رزقه الله
حبيباً . فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحِلِّ ، قال لهم خبيب : دعوني أُصلِّي ركعتين ،
فتركوه ، فركع ركعتين ، فقال: والله لولا أن تحْسِبوا أن ما بي جرعٌ لزدت ، ثم قال اللهم
أحصهم عدداً ، واقتلهم بدَداً ، ولا تُبق منهم أحداً ، ثم أنشأ يقول :
على أي جنبٍ كان لله مصرعي
فلستُ أُبالي حين أُقتل مُسلماً
يُباركْ على أوصال شِلْوٍ مُمَزَّعٍ (٢)
وذلك في ذات الإله وإن يشأ
ثم قام إليه أبو سروعة عقبةُ بن الحارث فقتلَه . وكان خبيب هو سنَّ لكل مسلم قُتل
صبراًّ الصَّلاةَ. وأخبرَ رسولُ اللهِ عََّلِ أصحابَه يومَ أُصيبوا خبرَهم ، وبعث ناسٌ من قريش
إلى عاصم بن ثابت حين حُدِّثوا أنه قُتل أن يُؤْتَوا بشيءٍ منه يُعرف - وكان قتل عظيماً من
عظمائهم - فبعثَ الله لعاصم مِثْلِ الظُّلة(٣) من الدَّبْر، فحمته من رسلهم ، فلم يقدروا أن
يقطعوا منه شيئاً - كذا روينا في هذا الخبر من طريق البخاري(٤) في جامعه، وفيه أنَّ خُبيباً
هذا قتلَ الحارثَ بن عامر يوم بدر ، وليس ذلك عندهم بمعروف ، وإنما الذي قتل الحارث بن
عامر خبيب بن إساف بن عنبة بن عمرو بن خديج بن عامر بن ◌ُشَم بن الحارث بن
الخزرج . وخُبيبُ بن عدي لم يشهدْ بدراً عند أحد من أرباب المغازي .
وروينا عن ابن إسحاق ، قال : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، قال : وقدم على
رسول الله عَ له بعد أحد رَهْطٌ من عَضَل والقارة، فقالوا: يا رسول الله إن فينا إسلاماً،
فابعثْ معنا نقراً من أصحابك يفقهوننا في الدين ، ويُقرئوننا القرآن ، ويعلِّموننا شرائعَ
الإِسلام ، فبعثَ معهم نفراً ستة من أصحابه ، وهم: مَرْدُ بن أبي مَرتد الغَنَوي حليفُ
(١) ((قِطْغَاً) : عنقوداً .
(٢) ((شِلْو مُمزَّع)): جسد مقطع.
(٣) ((الظَّلة)): السحابة.
(٤) رواه البخاري في المغازي ( باب غزوة الرجيع ) رقم / ٤٩٨٦ /.
- ٦٣ -

حمزة بن عبد المطلب ، وخالد بن البُكير الليثي حليف بني عدي بن كعب ، وعاصم بن
ثابت بن أبي الأقلح أخو بني عمرو بن عوف ، وخبيب بن عدي أخو بني جَحْجَبًا بن
كُلْفة بن عمرو بن عوف ، وزيدُ بن الدَّثِنَّة أخو بني بياضة ، وعبد الله بن طارق حليفُ بني
◌َفَر . وأَمَّرَ رسولُ اللهِ عَ لِ على القوم مَرْتدَ بن أبي مرتد الغنوي ، فخرجوا مع القوم حتى إذا
كانوا على الرجيع ـ ماء لهذيل - غدروا بهم، فاستصرخوا عليهم هُذيلاً، فلم يَرُغِ القومَ
وهم في رحالهم إلا الرجالُ بأيديهم السيوف، قد غَشَوْهم ، فأخذوا أسيافهم ليقتلوا القومَ ،
فقالوا لهم : إنا والله لا تُريد قتلكم ، ولكنَّا تُريد أن نُصيب بكم شيئاً من أهل مكة ، ولكم
عهدُ الله وميثاتُه أن لا نقتلكم، فأبوا، فأما مرثدٌ وخالدٌ وعاصم فقالوا: والله لا نقبلُ من
مشركٍ عهداً ، وقاتلوا حتى قُتلوا. فلما قُتل عاصم أرادت هُذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة
بنتِ سعد بن شهيد ، وكانت قد نذرت حين أصاب ابنيها يومَ أحد لئن قَدَرتْ على رأس
عاصمٍ لتشربنَّ فيه الخمر .
قال أبو جعفر الطبري: وجعلت لمن جاء برأسه مائة ناقة .
رجع إلى خبر ابن إسحاق : فمنعه الدَّبْر ، فلما حالت بينهم وبينه ، قالوا دعوه حتى
يُمسي فتأخذه ، فبعث الله الوادي فاحتملَ عاصمً فذهب به ، وقد كان عاصمٌ أعطى الله عهداً.
أن لا يمسَّه مُشركٌ، ولا يمسَّ مشركاً أبداً .
وأما زيد بن الدَّثِنَّة وخبيبٌ وابن طارق فلانوا ورقُّوا ، ورغبوا في الحياة ، فأعطوا بأيديهم ،
فأسروهم ، ثم خرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها ، حتى إذا كانوا بالظهران ، انتزعَ عبدُ الله بن
طارق يدَه من القِران(١)، ثم أخذَسيفَه واستأخَر عن القوم ، فرمَوْه بالحجارة حتى قتلوه ، فقبْره.
بالظهران رحمه الله .
وأما ◌ُبیبٌ وزيدٌ فقدموا بهما مكة ، فباعوهما من قریش بأسیرین من هذيل كانا بمكة ،
فابتاع خبيباً حجيرُ بن أبي إهاب التميمي ، حليف بني نوفل ، لعقبة بن الحارث بن عامر:
ليقتلَه بأبيه . وأما زيدُ بن الدَّثِنّةِ فابتاعه صفوان بن أمية ، ليقتلَه بأبيه ، فأخرجه مع مولى له
يُقال له نَسطاس إلى التنعيم خارج الحرم ليقتله، واجتمع رهط من قريش ، فيهم أبو سفيان بن
(١) ((القِران)): الحبل.
: - ٦٤ -

حرب ، فقال له أبو سفيان حين قُدِّمَ ليقتلَ : أنشدُك بالله يا زيد أتحبُّ أن محمداً الآن عندنا
مكانك تُضربُ عنقُه وأنك في أهلك ؟ فقال : والله ما أحبُّ أن محمداً الآن في مكانه الذي
هو فيه تُصيبه شوكةٌ تؤذيه وأني لجالس في أهلي . قال : يقول أبو سفيان : ما رأيتُ من الناس
أحداً يُحبُّ أحداً كحبٌّ أصحاب محمد محمداً . ثم قتلَه نَسْطاسُ يرحمه الله(١).
ورأيت في كتاب ((ذيل المذيَّل)» لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري ، لحسان بن ثابت
يرثي أصحاب الرجيع الستة :
وزيداً وما تُغني الأماني ومرتداً
ألا ليتني فيها شهدت ابنَ طارق
وكان شفاءً لو تداركتُ خالدا
ودافعت عن حِّيْ خُبيبٍ وعاصمٍ
وذكر ابن سعد أن البعث كانوا عشرة ، وذكر الستة الذين ذكرناهم ، وزاد: ومُعَتِّب بن
عُبيد ، وهو أخو عبد الله بن طارق لأمه، ولم يذكر الباقين(٢) .
وذكر ابن عقبة أيضاً معثِّبَ بن ◌ُبيد فيهم، وذكر أن الذي قيل له : أتحبُّ أن محمداً
مكانك ؟ هو خُبيب بن عديّ ، حين رُفع على الخشبة ، فقال: لا والله. فضحكوا منه.
قال : وقال حُبيب : اللهم إني لا أجدُ إلى رسولك رسولاً غيرَك ، فأبلغه مني السلام ، وزعموا
أن رسول الله عَ لّه قال وهو جالس في ذلك اليوم الذي قُتلا فيه: وعليكما - أو عليكَ -
السلام ، خبيبٌ قتلته قريش . ولا يدرون أذكَر زيدَ بن الدَّثِنة معه أم لا؟ .
وزعموا أنهم رَمَوْا زيد بن الدَّثِنة بالنبل ، وأرادوا فتنته ، فلم يزدد إلا إيماناً وتثبيتاً ، وزعموا
أن عمرو بن أمية الضَّمْري دفن خُبيباً. قال أبو عمر : وروى عمرو بن أمية الضَّمْري ،
قال: بعثني رسولُ الله عَّه إلى ◌ُبيب بن عديّ لأنزلَه من الخشبة ، فصعدت خشبته ليلاً ،
فقطعت عنه ، وألقيتُه، فسمعت وَجَبَةً(٣) خلفي ، فالتفتُّ فلم أر شيئاً .
وقال ابن عقبة : واشتركَ في ابتیاع ◌ُبیب - کما زعموا - أبو إهاب بن عزيز ،
ويعِكرمة بن أبي جهل ، والأخنس بن شُريق ، وعُبيدة بن حكيم بن الأوقص ، وأُمّة بن أبي
(١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ١٦٩/٢ - ١٧٢.
(٢) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ٥٥/٢ .
(٣) ((وجبة)): صوت شيء يسقط.
- ٦٥ -

عتبة ، وبنو الحضرمي ، وصفوان بن أمية بن خلف ، وهم أبناء من قُتل من المشركين يوم
بدر ، ودفعوه إلى عقبة بن الحارث ، فسجنه في داره .. الحديث .
وكان فيما أنزل الله تعالى في المنافقين الذين كانوا يلمزونهم، وفيهم، من القرآن: ﴿ومن
الناس من يُعجبُكَ قولُه في الحياةِ الدُّنيا﴾ إلى أن ذكرهم فقال: ﴿ومن النَّاسِ مَنْ يَشري
نفسه ابتغاءَ مَرْضَاةِ الله ﴾ [ البقرة: ٢٠٤ - ٢٠٧ ] الآيات .
ومما قاله حسان يهجو هُذیلاً:
لعمري لقد شانت هذيل بن مدركٍ
أحاديثُ لحيانٍ ضَِّلُوا بقبيحها
هُمُ غَدَرُوا يومَ الرَّجِيعِ وأسلمتْ
قُبَيِّلَةٌ ليسِ الوفاء بِهِمِّهم
إذَا النَّاسُ حَلُّوا بالفضاء رأيتَهم
محلُّهُمُ دارُ البَوَار ورآَيْهِمْ
الدَّبْرُ : ذكر النحل
أحاديثُ كانت في حُبيب وعاصم
ولحيانُ رَكَّابنون شرَّ الجرائم
أمانُتُهم ذا عِقّة ومكارم
وإن ظُلموا لم يدفعوا كفَّ ظالم
بمجرى مسيلٍ الماء بين المخازم
إذا نابَهِم أمرٌ كرأي البهائم
- ٦٦ -

قصة بئر معونة
وكانت في صفر على رأس أربعة أشهر من أحد عند ابن إسحاق ، قال : وكان من
حديثهم كما حدثني أبي : إسحاق بن يسار ، عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن
هشام ، وعبدُ الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم(١) وغيرُه من أهل العلم ، قالوا: قدم أبو براء
عامرُ بن مالك بن جعفر مُلاعبُ الأسنة على رسول الله عَ ليه فعرض عليه الإسلام ، ودعاه
إليه ، فلم يُسلم ولم يُبعد عن الإِسلام ، وقال : يا محمد لو بعثتَ رجالاً من أصحابك إلى
أهل نجد ، فدعوتَهم إلى أمرك رجوتُ أن يستجيبوا لك، فقال رسول الله عَ له: ((إني
أخشى أهل نجد عليهم)). قال أبو براء: أنا لهم جار ، فابعثهم فليدعوا النَّاس إلى أمرك .
فبعثَ رسول اللهُ عَ لِّ المنذر بن عمرو ، أخا بني ساعدة الْمَعْنِقِ ليموت، في أربعينَ ـ وعن
غير ابن إسحاق : في سبعين - رجلاً من أصحابه ، من خيار المسلمين ، فساروا حتى نزلوا
بئر معونة ، وهي بين أرض بني عامر وحرة بني سُليم ، كلا البلدين منها قريب ، وهي إلى حرة
بني سُليم أقرب ، فلما نزلوها، بعثوا حَرَامَ بنَ ملِحان بكتاب رسول الله عَ لَّه إلى عدو الله
عامر بن الطفيل ، فلما أتاه لم ينظر في كتابه ، حتى عدا على الرجل فقتله ، ثم استصرخَ
عليهم بني عامر ، فأبُوْا أن يُجيبوه إلى ما دعاهم إليه ، وقالوا: لن نُحْفِرَ أبا براء وقد عقد لهم
عقداً وجِواراً ، فاستصرحَ عليهم قبائلَ من سُليم عُصَيّةَ ورِعْلاً ، فأجابوه إلى ذلك ، ثم خرجوا
حتى غَشَوْا القومَ ، فأحاطوا بهم في رحالهم ، فلما رأوهم أخذوا سيوفَهم فقاتلوهم حتى قُتلوا
إلى آخرهم رحمهم الله ، إلا كعبَ بن زيد أخا بني دينار بن النجار ، فإنهم تركوه وبه رَمَقٌ ،
فارْتُتَّ (٢) من بين القتلى، فعاش حتى قُتل يوم الخندق شهيداً رحمه الله . وكان في سرح القوم
عمرو بن أمية الضَّمْري ، ورجل آخر من الأنصار ، أحدُ بني عمرو بن عوف . قال ابن
هشام : هو المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجُلاَح .
(١) في جميع النسخ: عبد الله بن محمد بن أبي بكر ، والتصحيح من السيرة النبوية ١٨٤/٢ وتقريب التهذيب ص
٣٢٠ وهامش (( د)) .
(٢) ((فَارْتُثَّ)): حُمل من المعركة مرتثاً، أي : جريحاً وبه رمقٌ .
- ٦٧ -

قال ابن إسحاق : فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلا الطير ، تحوم على العسكر ، فقالا :
والله إن لهذه الطير لشأناً، فأقبلا ينظران ، فإذا القومُ في دمائهم ، وإذا الخيل التي أصابتهم
واقفةٌ، فقال الأنصاري لعمرو بن أمية: ماذا ترى؟ قال: أرى أن نلحق برسول الله عَ ليه
فنخبرَه الخيرَ ، فقال الأنصاري : لكني ما كنت لأرغبَ بنفسي عن موطنٍ قُتل فيه المنذر بن
عمرو ، ثم قاتلَ القومَ حتى قُتلُ رحمه الله، وأخذوا عمروَ بن أمية أسيراً ، فلما أخبرَهم أنه من
مُضر، أخذه عامرُ بن الطفيل وجزَّ ناصيته وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمِّه. فخرج
عمرو بن أمية حتى إذا كان بالقَرْقَرة(١) من صدر قناة ، أقبل رجلان من بني عامر، حتى نزلا
معه في ظل هو فيه، فكان مع العامريين عقدٌ من رسول الله عَّلم وجوار لم يعلم به عمرو بن.
أمية، وقد سألهما حين نزلا ممن أنتما؟ فقالا: من بني عامر ، فأمهلهما حتى إذا ناما عدا.
عليهما فقتلهما ، وهو يرى أنّ قد أصاب بهما تُؤْرَةً(٢) من بني عامر ، فيما أصابوا من أصحاب
رسول الله عَ له، فلما قدم عمرو بن أمية على رسول الله عَ ليه فأخبرَه الخبر، قال
رسول الله عَ لِ: لقد قتلتَ قتيلين؛ لأَدينهما. ثم قال رسولُ الله عَ له: هذا عملُ أبي براء،
قد كنتُ لهذا كارهاً مُتخوِّفاً ، فبلغ ذلك أبا براء، فشقَّ عليه إخفارُ عامٍ إياه ، وما أصاب
أصحابَ رسول الله عَ ◌ّه بسببه.
وقال حسان بن ثابت يُحرِّض بني أبي براء على عامر بن الطفيل :
وأنتم من ذوائبٍ أَهلِ نجدٍ
بني أمِّ البنِينَ ألم يرُعْكُم
ليُخفرَه وما خطأً كعمدٍ
تَهَكّمُ عامٍ بأبي براء
فما أحدثتَ في الحَدثَان بعدي
ألا أبلغ ربيعةَ ذا المساعي
وخالُك ماجدٌ حكمُ بنُ سعدٍ
أبوكَ أبو الحروب أبو براء
• أم البنين : هي أُمُّ براء، من بني عامر بن صعصعة .
فحمل ربيعةُ بن أبي براء على عامر بن الطفيل، فطعنه بالرمح ، فوقعَ في فخذه
فأشواه(٣) ، ووقع عن فرسه فقال هذا عمل أبي براء، إن أنا مِتُّ فدمي لعمي فلا يُتبعنَّ به ،
(١) ((القرقرة)): هي قرقرة الكدر، موضع بناحية المعدن ((مهد الذهب ).
(٢) (( ثورة )): ثأراً .
(٣) ((فَأَشَوَاه)): أصابه وأخطأ مقتله .
- ٦٨ -
i

وإن أعش فسأرى رأيي(١) .
قال أبو عمر : ذكر عبد الرزاق : عن معمر ، عن ثُمامة بن عبد الله بن أنيس ، عن
أنس بن مالك، أن حَرَامَ بن ملْحان، هو خال أنس ، طُعن يومَ بئر معونة في رأسه ، فتلقَّى
دمَّه بكفه ثم نضحَهِ على رأسه ووجهه ، وقال : فزت ورب الكعبة . وقيل : إن حرام بن
مِلحان ارْتُتَّ يوم بئر معونة ، فقال الضحَّاك بن سُفيان الكِلابي - وكان مسلماً يكتمُ
إسلامه - لامرأة من قومه : هل لك في رجل إن صحَّ كان نعم المراعي ؟ فضمّته إليها
فعالجته ، فسمعته يقول :
وهل عامرٌ إلا عدوٌّ مُداجن
أتتْ عامرٌ ترجو الهوادةَ بيننا
بأسيافنا في عامر أو نُطاعن
إذا ما رجعنا ثم لَمْ تكُ وقعةٌ
عشائرنا وَالمقرُبات الصوافنُ
فلا ترجوَنّا أن تقاتلَ بعدنا
فوثبوا عليه فقتلوه ، والأول أصح .
وقُتل يومئذ عامر بن فُهيرة ، قتلَه عامر بن الطفيل . ومن طريق يُونس بن بكير ، عن ابن
إسحاق عن هشام بن عروة ، عن أبيه، قال: لما قدم عامرُ بن الطفيل على رسول الله عَ طاهٍ ،
قال له : مَن الرجل الذي لما قُتْلِ رأيتَه رُفع بين السماء والأرض ، حتى رأيتَ السماء دونَه ، ثم
وُضع؟ فقال له : هو عامر بن فُهيرة(٢) .
وروى ابن المبارك : عن يونس ، عن ابن شهاب ، قال : زعم عروة بن الزبير أن عامر بن
فُهيرة قُتل يومئذ، فلم يُوجد جسدُه حين دفنوا ، يرون أن الملائكة دفنته ، رحمه الله ، والله
أعلم بالصواب .
وممن استُشهد يوم بئر معونة(٣) عامر بن فُهَيْرة مولى أبي بكر الصديق ، وهو ابن أربعين
سنة، قديم الإسلام، أسلم قبل أن يدخلَ رسول الله عَ لّه دار الأرقم بن أبي الأرقم.
(١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ١٨٣/٢ - ١٨٨.
(٢) السائل هو عامر بن الطفيل، كما في الروض الأنف؛ للسهلي ٣ /٢٣٩ وانظر رواية البكاني عن ابن إسحاق
في السيرة النبوية ١٨٦/٢ .
(٣) (( بئر معونة): في أرض بني سُليم، فيما بين مكة والمدينة .
- ٦٩ -

والحكم بن كيسان ، مولى بني مخزوم، والمنذر بن محمد بن عقبة بن أُحيحة بن الجُلاَح، وأبو
عبيدة بن عمرو بن مِحْصَن ، والحارث بن الصِّمَّة بن عمرو بن عتيك بن عمرو بن مبذول ،
وأنُّ بن معاذ بن أنس بن قيس بن عُبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار ،
وأخوه أنس . وابن إسحاق وابن عقبة يُسميانه أوساً ، والواقدي يقول : إنَّ أنساً هذا مات في
خلافة عثمان .
وأبو شيخ بن أبيّ بن ثابت بن المنذر بن حَرَام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن
عمرو بن مالك بن النجار، وحَرَامُ وسُلَيْمُ ابنا مِلْحان بن خالد بن زيد بن حَرَام بن
جُندب بن عامر بن غَثْم بن عدي بن النجار ، واسم مِلْحان: مالك، وهما أخوا أمَّ سُليم أمّ
أنس بن مالك، وأخوا أمِّ حَرَّام امرأة عُبادة بن الصامت . ومالكٌ وسفيان ابنا ثابت من
الأنصار ، من بني النَّبيت ، وذلك مما انفرد به محمد بن عمر الواقدي ، لم يُوجد ذكر مالك
وسفيان في شهداء بئر معونة عن غير محمد بن عمر .
وعروةُ بن أسماء بن الصلت ، من بني عمرو بن عوف ، من حلفائهم ، وقَطْبةَ بن عبد
عمرو بن مسعود بن كعب بن عبد الأشهل بن حارثة بن دينار ، والمنذرُ بن عمرو بن
◌ُخُنَيْس بِن لَوْذَان بن عبد ودّ بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة ، وهو أميرهم .
ومعاذُ بن ماعص بن قيس بن خَلْدَةُ بن عامر بن زُرَيْق ، وأخوه عائذ . وغيرُ الواقدي
يقول : جُرح معاذ ببدر ، ومات منه بالمدينة ، وقيل في عائذ : مات باليمامة
ومسعود بن سعد بن قيس بن خَلْدة بن عامر بن زُريق عند الواقدي، وأما ابن القَدَّاح
فقال : مات بخيير .
وخالدُ بن ثابت بن النعمان بن الحارث بن عبد رَزَاح بن ظَفَر ، وقيل: بل قتل
:
خالد بن ثابت بمؤتة ..
وسفيانُ بن حاطب بن أمية بن رافع بن سويد بن حَرَامِ بنِ الهيثم بن ظَفَر ، وسعدُ بن
عمرو بن ثَقْف، واسمُه كعب بن مالك بن مبذول ، وابنه الطَّفيل وابن أخيه سهل بن:
عامر بن سعد بن عمرو بن ثقّف ، وعبدُ الله بن قيس بن صِرْمة بن أبي أنس بن صِرْمة بن
- ٧٠ -

مالك بن عديّ بن النجار ، ونافعُ بن بُدَيل بن ورقاء الخزاعي ، وفيه يقول عبد الله بن رواحة
يرثيه :
رحمة المبتغي ثوابَ الجهاد
رحم الله نافعَ بنَ بُدیلٍ
أكثَر القومُ قال قولَ السَّداد(١)
صابراً صادقَ اللقاء إذا ما
ذكر هؤلاء المستشهَدين أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في كتابه (( ذيل المذيل)) من
رواية ابن عبد البر، عن أبي عُمر أحمد بن محمد بن الجسور، عن أبي بكر أحمد بن
الفضل بن العباس الخفَّاف ، عنه . ومن أصل أبي عمر بن عبد البر نقلت .
وعند ابن سعد: فيهم الضَّحاك بن عبد عمرو بن مسعود بن عبد الأشهل بن حارثة بن
دينار بن النجار (٢).
وذكر ابنُ القدَّاح فيهم عمرو بن معبد بن الأزعر بن زيد بن العطاف بن ضُبيعة من بني
عمرو بن عوف ، واسمه عند ابن إسحاق عمرو ، وهو عند ابن القداح عُمير .
وذكر ابنُ الكلبي خالد بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن
مازن بن النجار في شهداء بئر معونة .
وذكر أبو عمر النَّمْري في ((الاستيعاب )) سهيل بن عامر بن سعد فيهم ، وأظنه سهل بن
عامر الذي ذكرناه ، على أنه ذكر ذلك في ترجمتين إحداهما في باب سهل والأخرى في باب
سُهيل .
والمختلفُ في قتله في هذه الواقعة مختلف في حضوره ، فأرباب المغازي متفقون على أن
الكل قُتلوا إلا عمرو بن أمية الضَّمْري ، وكعب بن زيد بن قيس بن مالك بن كعب بن
عبد الأشهل بن حارثة بن دينار ، فإنه جُرح يوم بئر معونة ، ومات بالخندق .
(١) الاستيعاب ٥٤١/٣ .
(٢) الطبقات الكبرى ، لابن سعد ٥٢/٢.
- ٧١ -

وقال ابن سعد: لما أُحيط بهم قالوا: اللهم إنا لا نجدُ من يُبِغُ رسولَك مِنا السلام
غيرَك ، فأقرئه منا السلام ، فأخبرَه جبريلُ عليه السلام بذلك ، فقال: وعليهم السلام.
وقال : فقدَ عمرو بن أمية عامر بن فُهيرة من بين القتلى، فسأل عنه عامر بن الطفيل ،
فقال : قتله رجلٌ من بني كلاب يقال له جَبَّار بن سُلْمَى، فلما قتله قال: فزتُ والله، ورُفع
إلى السماء، فأسلم جَبَّار بن سُلمى لِما رأى مِن قتل عامر بن فُهيرة ورَفْعِه .. وقال:
رسول الله عَ له: ((إنَّ الملائكة وارت جُثْتُه، وأنزل في عِلِّين))(١).
وروينا عن ابن سعد ، قال : أخبرنا الفضل بن دُكين ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن
عاصم، قال: سمعت أنس بن مالك، قال: ما رأيتُ رسولَ الله عَ ◌ّهِ وَجَدَ على أحد
ما وَجَدَ على أصحاب بئر معونة(١) .
وروينا من طريق مسلم ، قال : حدثنا يحيى بن يحيى ، قال : قرأتُ على مالك ، عن
إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، قال: دعا رسولُ اللهِ عَ له على
الذين قَتَلوا أصحابَ بئر معونة ثلاثين صَبَاحاً يدعو على رِعل ولحيان وُصَيَّة ، عصت الله
ورسوله . قال أنس: أنزل الله في الذين قُتلوا ببئر معونة قرآناً قرأناه ثم نُسخ بعدُ: أَنْ بَلِّغوا قومًا
أَنْ قد لَقِيْنَا رَبَّنَا فرضيَ عَنَّا وَرَضِيْنَا عنه(٢) ..
كذا وقع في هذه الرواية ، وهو يُوهم أن بني لحيان ممن أصاب القراء يومَ بثر معونة ،
وليس كذلك ، وإنما أصاب هؤلاء رِعْل وذَكْوان وعُصَّية ومَنْ صحبَهم من سُليم . وأما بنو
لِحيان فهم الذين أصابوا بعثَ الرجيع، وإنما أتى الخبرُ إلى رسول الله عَ ليه عنهم كلَّهم في
وقت واحد ، فدعا على الذين أصابوا أصحابَه في الموضعين دعاء واحداً .
۔۔
(١) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ٥٢/٢ - ٥٤ .
(٢) رواه مسلم في المساجد ( باب استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة) رقم /٦٧٧/.
- ٧٢ -

غزوة بني النَّضِير
وهي عند ابن إسحاق في شهر ربيع الأول ، على رأس خمسة أشهر من وقعة أحد .
وقال البخاري(١): قال الزهري ، عن عروة: كانت على رأس ستة أشهر من وقعة بدر
قبل أحد .
قال موسى بن عقبة: وكانوا قد دَسُوا إلى قريش في قتال رسول الله عَ لمه فحَضُّوهم على
القتال ، ودلّوهم على العورة .
قال ابن إسحاق وغيره : ثم خرج رسولُ الله عَّهِ إلى بني النضير ليستعينَهم في دية
ذَينِكَ القتيلين اللذين قتل عمرو بن أمية الضَّمْري، للجوار الذي كان رسولُ اللهِ عَ لِّ عقد
لهما ، وكان بين بني النضير وبني عامر عقد وحِلف، فلما أتاهم رسولُ الله عَلِّ يستعينُهم في
ديتهما ، قالوا : نعم يا أبا القاسم ، نُعينك على ما أحببتَ مما استعنتَ بنا عليه ( اجلسُ حتى
تطعم وترجع بحاجتك ، فجلس إلى ظل جدارٍ من جُدر بيوتهم )(٢)؛ ثم خلا بعضُهم
ببعض ، وقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه - ورسولُ الله عٍَّ إلى جنب
جدار من بيوتهم قاعد - فمن رجل يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة ، فيريحنا منه ،
فانتدب لذلك عمرو بن جَخَّاش بن كعب أحدُهم ، فقال : أنا لذلك ، فصَعِد ليُلقيَ عليه
صخرةً كما قال، ورسولُ اللهِ عَّه في نفر من أصحابه ، فيهم أبو بكر وعمر وعليّ رضي الله
عنهم (٣) .
وقال ابن سعد: فقال سلامُ بن مِشكم ـ يعني لليهود - لا تفعلوا، والله ليُخبرنَّ بما
هممتم به ، وإنه لنقض العهد الذي بيننا وبينه (٤).
(١) ذكره البخاري تعليقاً في المغازي ( باب حديث بني النضير ) .
(٢) ما بین القوسین زيادة من (( ج) و (( د).
(٣) السيرة النبوية؛ لابن هشام ١٩٠/٢.
(٤) الطبقات الكبرى ؛ لابن سعد ٥٧/٢ .
- ٧٣ -

رجع إلى خبر ابن إسحاق: قال: فأتى رسولَ الله عَ لّه الخبرُ من السماء بما أراد القوم ،
فقام رسولُ اللهِ عَِّ راجعاً إلى المدينة، فلما استلبثَ البَّ عَ الِ أصحابُه قاموا في طلبه ،
فلقوا رجلاً من المدينة مُقبلاً ، فسألوه ، فقال : رأيته داخلاً إلى المدينة ، فأقبلَ أصحابُ
النِّ عَ لِ حتى انتهوا إليه، فأخبرهم الخبر بما كانت أرادت يهود من الغدر به (١).
قال ابن عقبة: ونزل في ذلك ﴿ياأيُّها الذينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عليْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ
: أنْ يَبْسُطُوا .. ) الآية [ المائدة: ١١].
رجع إلى خبر ابن إسحاق: فأمرَ رسولُ اللهِ عَّ ◌ُلّمه بالتهيؤ لحربهم والسير إليهم ،
واستعملَ على المدينة ابنَ أُمِّ مكتوم - فيما قال ابن هشام - قال: ثم سار بالناس حتى نزلَ
بهم فحاصرَهم ستَّ ليالٍ ، ونزل تجريم الخمر .
قال ابن إسحاق: فتحصَّنوا منه في الحصون، فأمر رسولُ اللهِ عَ ◌ّله بقطع النخيل
والتحريق فيها ، فنادوه : أن يا محمد قد كنتَ تَنهى عن الفساد وتعيبُه على من صنعه ، فما بالُ
قطع النخيل وتحريقها ؟ .
وقد كان رهطٌ من بني عوف بن الخزرج ، منهم عبدُ الله بن أبيّ بن سَلول ، ووديعة بن
مالك بن أبي قوقل ، وسُويد ، وداعس ، بعثوا إلى بني النضير : أن اثبتوا وتمنَّعوا، فإنا لن
نُسلمکم ، إن قوتلتم قاتلنا معكم ، وإن أُخرجتُم خرجنا معكم . فترتَّصوا ذلك من نصرهم ،
فلم يفعلوا، وقذَفَ الله في قلوبهم الرعبَ، فسألوا رسولَ الله عَِّ أنْ يُجليّهم ويكفَّ عن
دمائهم ، على أنَّ لهم ما حملتِ الإِبلُ من أموالهم إلا الحَلْقة(٢)، ففعلَ، فاحتملوا من أموالهم
ما استقلَّت به الإبل ، فكان الرجل يهدِم بيتَه عن نِجافٍ بابه(٣) فيضعَه على بعيره فينطلق به ،
فخرجوا إلى خيبرَ ، ومنهم من سار إلى الشام، وخَلَّوا الأموال (٤) لرسول الله عَ له ، فكانت له
خاصة يضعُها حيث يشاء .
: (١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ١٩٠/٢.
(٢) (( الخَلْقَة )): السِّلاح، أو هو الدروع خاصة، والمراد الأول.
(٣) (( نِجاف بابه ) النِّجاف: العتبة التي بأعلى الباب، أما التي في أسفله فتسمى الأُسكفّة.
(٤) (( الأموال)) : بساتين النخيل .
- ٧٤ -

ولم يُسلم من بني النضير إلا رجلان: يامين بن عُمير (١) - أبو كعب وابن عم
عمرو بن ◌َخَّاش - وأبو سعد(٢) بن وَهْب، أسلما فأحرزا أموالهما بذلك، وُيقال: إن
رسول الله عَ لَّه قال ليامين: ألم ترَ إلى ما لقيتُ من ابن عمِّك، وما هَمَّ به من شأني ،
فجعلَ يامين جُعْلاً لمن يقتلُه، فقُتل(٣).
ونزل في أمر بني النضير سورة الحشر . قال ابن عقبة : ولحق بنو أبي الحقيق بخيبرَ ومعهم
آنية كثيرة من فضة، قد رآها النبيُّ عَ لِ وأصحابُه حين خرجوا بها، وعمد حتّ بن أخطب
حتى قدم مكة على قريش، فاستغواهم على رسول الله عَ لّه، واستنصرَهم، وبيَّن الله
عز وجل لرسول الله عَ لِ حديثَ أهل النفاق ، وما بينهم وبين اليهود .
وفيما ذكرَ ابن سعد من الخبر عن بني النضير: أنهم حين هَمُّوا بغدر رسول الله عَّهِ،
وأعلمه الله بذلك ، ونهض سريعاً إلى المدينة ، بعث إليهم محمد بن مَسلَمة : أن اخرجوا من
بلدي ، فلا تساكنوني بها، وقد هممتم بما هممتم به من الغدر ، وقد أجّلتُكم عشراً، فمن
رؤي بعد ذلك ضربتُ عنقَه. فمكثوا على ذلك، أياماً يتجهزون ، وأرسلوا إلى ظَهْر (٤) لهم
بذي الجَدْر(٥)، وتَكَارَوْا(٦) من ناس من أشجع إبلاً. فأرسل إليهم ابن أُبّ : لا تخرجوا من
دیارکم ، وأقيموا في حصونکم فإن معي ألفين من قومي ومن العرب ، يدخلون حصنكم
فيموتون من آخرهم ، وتمدُّكم قريظة وحلفاؤُكم من غطفان . فطمع حبُّ فيما قال ابن أبّ ،
فأرسلَ إلى رسول الله عٍَّ: إنا لا نخرج من ديارنا، فاصنع ما بدا لك. فأظهرَ
رسولُ اللهِ عَّلِ التكبيرَ، وكُبَّرَ المسلمون لتكبيره، وقال: حارَبَتْ يهود. فسارَ إليهم
النُّ عَّ ◌َله في أصحابه، فصلّى العصر بِفناء بني النضير، وعلَّ يحمل رايتَه، واستخلف على
(١) في جميع النسخ: يامين بن عمرو بن كعب ابن عم عمرو بن جحّاش. والتصحيح من نور النبراس والإصابة
٦٤٨/٣ .
(٢) في جميع النسخ : أبو سعيد، والتصحيح من نور النبراس والإصابة ٨٧/٤ .
(٣) السيرة النبوية؛ لابن هشام ١٩١/٢ - ١٩٢.
(٤) ((ظهر)) : إبل .
(٥) ((بذي الجَدْر)): كان على ستة أميال من المدينة من ناحية قباء .
(٦) ((تَكارَوْا)): اكتروا المراكب من الإبل واستأجروها.
- ٧٥ -

المدينة ابنَ أُمّ مكتوم. فلما رأوا رسولَ الله عَ ليه قاموا على حصونهم، معهم النَّبْل والحِجارة،
واعتزلتهم قريظةُ فلم تُعِنْهم، وخذلَهم ابن أُبّ وحلفاؤهم من غطفان ، فيئسوا من نصرهم ،
فحاصرَهم رسولُ الله عَّله، وقطع نخلَهم. فقالوا: نحن نخرج عن بلادك . فقال : لا أقبلُه
اليومَ، ولكن اخرجوا منها، ولكم دماؤكم وما حملت الإِيلُ إلا الحَلْقة. فنزلت يهودُ على
ذلك ، وكان حاصرَهم خمسة عشر يوماً، فكانُوا يُخرِّبون بيوتَهم بأيديهم ، ثم أجلاهم عن
المدينة ، ووليّ إخراجَهم محمد بن مسلمة ، وحملوا النساء والصبيان ، وتحمَّلُوا على ستمائة
بعير. فقال رسول الله عَ له هؤلاء في قومهم بمنزلة بني المغيرة في قريش. فلحقوا بخيبرَ ،
وحزن المنافقون عليهم حزناً شديداً، وقبضَ رسول الله عَّلِ الأموالُ والحَلْقة ، فوجد من
الحَلْقة خمسين درعاً، وخمسين بيضة ، وثلاثمائة وأربعين سيفاً .
وكانت ( أموال ) بني النّضير صَفّياً(١) لرسول الله عَ لّهِ، حَبْساً لنوائيه(٢))، ولم
يُخِمِّسْها، ولم يُسهم منها لأحد ، وقد أعطى ناساً من أصحابه ، ووسَّع في الناس منها (٣).
وذكر أبو عبد الله الحاكم في كتاب ((الإكليل)) له، بإستاده إلى الواقدي ، عن
معمر بن راشد، عن الزهري ، عن خارجة بن زيد، عن أمِّ العلاء، قالت : طارَ لنا
عثمان بن مظعون في القرعة ، فكان في منزلي حتى توفي ، قالت : فكان المسلمون والمهاجرون
في دورهم وأموالهم، فلما غنم رسولُ الله عَِّ بني النضير، دعا ثابت بن قيس بن شَّاس،
فقال: ادعُ لي قومَك. فقال ثابت: الخزرج يا رسول الله؟ قال رسول الله عَ له: الأنصارُ
كلُّها. فدعا له الأوس والخزرج، فتكلَّمَ رَسُولُ اللهِ عَ ◌ّلِ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو
: أهله ، ثم ذكر الأنصار ، وما صنعوا بالمهاجرين ، وإنزالَهم إِيّهم في منازلهم وأموالهم ، وأثَّرَتَهم
على أنفسهم . ثم قال : إن أحببتُم قسمتُ بينكم وبين المهاجرين ما أفاء الله علّ من بني
التضير، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في منازلكم وأموالكم ، وإن أحببتُم
أعطيتُهم وخرجوا من دوركم. فتكلِّم سعد بن عبادة وسعدُ بن معاذ ، فقالا : يا رسول الله
بل تقسم بين المهاجرين ويكونون في دورنا كما كانوا . ونادتِ الأنصار : رضينا وسلَّمنا
. (١) ((صفيّاً)): ما يصطفيه الرئيس لنفسه من الغنائم قبل القسمة، يضعه حسب المصلحة حيث يشاء.
(٢) ((لنوائيه )): النوائب: الطوارىء والنوازل.
(٣) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ٥٧/٢ - ٥٨ .
- ٧٦ -

يا رسول الله. فقال رسول الله عَّم: ((اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار)». فقسمَ
رسولُ الله ◌َ ◌ِّ ما أفاءَ الله عليه، وأعطى المهاجرينَ، ولم يُعطِ أحداً من الأنصار شيئاً إلا
رجلين كانا مُحتاجين : سهل بن حُنيف، وأبا دُجانة . وأعطى سعدَ بن معاذ سيفَ ابنَ أبي
الْحُقَيقُ ، وكان سيفاً له ذكر عندهم .
وذكر أبو بكر أحمد بن یحیی بن جابر البلاذري ، فی کتاب « فتوح البلدان » له ؛ أن
رسولَ الله عَ للِه قال للأنصار: ليست لإخوانكم من المهاجرين أموال، فإن شئتم قسمتُ
هذه وأموالكم بينكم وبينهم جميعاً، وإن شئتم أمسكتم أموالكم وقسمتُ هذه فيهم خاصة ،
فقالوا: بل اقسم هذه فيهم واقسم لهم من أموالنا ما شئت ، فنزلت: ﴿ويؤثرونَ على أنفُسِهِم
ولو كانَ بهم خَصَاصَة﴾ [الحشر: ٩ ] قال أبو بكر رضي الله عنه: جزاكم الله يا معشر
الأنصار خيراً ، فوالله ما مَثلُنا ومَثلُكم إلا كما قال الغنويُّ:
بنا نعلُنا في الواطِيئِينَ فَزَلَّتِ
جزى الله عنا جعفراً حين أزلقت
تلاقي الذي يلقوْنَ منا لَمَّتِ(١)
أَبُوْا أن يَمَلُّونا ولو أَنَّ أُمَّنَا
قال: وكانت أموال بني الضير خالصة لرسول الله عَ ليه ، وكان يزرع تحت النخل في
أرضهم ، فيدخر من ذلك قوتَ أهله وأزواجه سنة ، وما فَضَل جعله في الكُرَاع والسِّلاح .
وروينا من طريق البخاري ، قال : حدثني إسحاق ، أخبرنا حِبَّن ، حدثنا جُويرية بن
أسماء، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن البَّ مَلِ حَرَّق نخل بني النضير، قال: ولها يقول
حسان بن ثابت :
وهان على سراة بني لؤيٍّ حريقٌ بالبويرة مُستطير
فأجابه أبو سفيان بن الحارث :
وحَرَّق في نواحيها السعيرُ
أدام الله ذلك من صنيعٍ
وتعلمُ أيَّ أَرضينا تضيرُ(٢)
ستعلمُ أيًُّا منها بُزْهِ
هذه رواية البخاري(٣) .
(١) فتوح البلدان، للبلاذري ص ٣٣ - ٣٤ .
(٢) (( بنزه)): بمنأى.
(٣) رواه البخاري في المغازي ( باب حديث بني النضير) رقم /٤٠٣٢/.
- ٧٧ -

وقال أبو عمرو الشيباني وغيرُه : إن أبا سفيان بن الحارث قال :
لَعَزَّ على سرَاةِ بني لؤيٌّ. حريقٌ بِالْبُويرةُ مُستطِيْرُ
ويروى بالبويلة .
وذكرَ ابنُ سعد أنَّ رسولَ الله عَ لِ أعطى الزبير بن العوام وأبا سلمة البُويلةَ من أرضهم ،
فأجابه حسان :
وضُرِّم في طوائفها السعيرُ
أدامَ الله ذلكم حريقاً.
فهم عُمْيٌ عن التوارةِ بُورٌ
هُمْ أُوتوا الكتابَ فضيَّعوُه
هذه أشبه بالصواب من الرواية الأولى .
- ٧٨ -

غزوةُ ذَاتِ الرِّقَاع
قال ابن إسحاق: ثم أقامَ رسولُ الله عَ له بعد غزوة بني النضير شهر ربيع.
وقال الوقشيُّ : الصواب شهري ربيع وبعض جمادى .
ثم غزا نجداً يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان ، واستعملَ على المدينة أبا ذر
الغفاري ، ويقال عثمان بن عفان - فيما قال ابن هشام - وقال: حتى نزل نخلاً، وهي غزوة
ذات الرقاع ، وسُمِّيت بذلك لأنهم رقعوا فيها راياتهم ، ويُقال: ذات الرقاع شجرة بذلك
الموضع ، وقيل: لأن أقدامَهم نَقِبَتْ(١)، فكانوا يَلفُّون عليها الخِرَق ، وقيل : بل الجبل الذي
نزلوا عليه كانت أرضه ذات ألوان تشبه الرِّقاع .
قال ابن إسحاق : فلقي بها جمعاً من غطفان ، فتقاربَ الناسُ ، ولم يكن بينهم حرب ،
وقد خاف الناس بعضهم بعضاً، حتى صلَّى رسولُ الله عَ لِّ بالناس صلاةَ الخوف، ثم
انصرف بالناس(٢).
قال ابن سعد : وكان ذلك أوَّلَ ما صلاها(٣).
وبين الرواة خُلْفٌ في صلاة الخوف ، ليس هذا موضعه .
رجع إلى الأول : قال ابن إسحاق : حدثني عمرو بن عُبيد، عن الحسن ، عن
جابر بن عبد الله؛ أن رجلاً من بني محارب ، يقال له غَوْرث ، قال لقومه من غطفان
ومحارب : ألا أقتلُ لكم محمداً ؟ قالوا: بلى ، وكيف تقتُلُه ؟ قال: أفتكُ به. قال: فأقبلَ إِلى
رسول الله عَ ◌ّله وهو جالسٌ وسيفُه في حِجْره. فقال: يا محمد! أنظرُ إلى سيفك هذا؟ قال:
نعم. فأخذَه فاستلَّه ، ثم جعلَ يهُّه ويهُّ ، فيكبتُه الله . ثم قال: يا محمد أما تخافني ؟ قال :
لا ، وما أخاف منك. قال: وفي يدي السيف؟ قال: لا، بل يمنعني الله منك. قال: ثمّ
(١) ((نَقِبَتْ)): رقِّ باطنُها؛ لما تُصادفه من خشونة الأرض، رقةً تمتعهم من مواصلة السير حفاة.
(٢) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢٠٣/٢ - ٢٠٤.
(٣) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ٦١/٢.
- ٧٩ -

عمد إلى سيف رسول الله عَ لِ فردَّه عليه. فأنزل الله تبارك وتعالى ﴿ يا أيُّها الذينَ آمَنْوا
اذْكُرُوا نِعْمَةَ الله عَليُكم إذْ همَّ قومٌ .. ﴾(١) الآية [المائدة: ١١ ].
وقد رواه من حديث جابر أيضاً أبو عوانة ، وفيه : فسقط السيفُ من يده ، فأخذه
رسولُ الله ◌َّلِه، فقال: من يمنعك مني؟ قال: كن خير آخذ. قال: تشهدُ أنْ لا إله إلا
الله وأني رسولُ الله؟ قال الأعرابي: أعاهدك أني لا أقاتلُك، ولا أكون مع قوم يُقاتلونك .
قال: فخلَّى رسولُ اللهِ عَّ له سبيلَه، فجاء إلى قومه ، فقال: جئتكم من عند خير
الناس(٢).
قلت : وقد تقدم في غزوة ذي أمَر خبرٌ لرجل يقال له دُعثور بن الحارث ، من بني
مُحارب يُشبه هذا الخبر، قام على رأس رسول الله عَ ليه بالسيف، فقال: من يمنعك مني
اليوم ؟ قال رسول الله ێ : الله . ودفع جبريلُ في صدره ، فوقع السيفُ من يده ، فأخذه
رسولُ اللهِ عٍَّ، وقال: من يمنعُك مني؟ قال: لا أحد ، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً
رسولُ الله . ثم أتى قومَه فجعل يدعوهم إلى الإسلام ، ونزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة
الله عليكم ... ) الآية [ المائدة: ١١] والظاهر أن الخبرين واحد. وقد قيل: إن هذه الآية
نزلت في أمر بني النضير كما سبق ، فالله أعلم .
وفي انصرافه عليه الصلاة والسلام من هذه الغزوة أبطأ جملُ جابر بن عبد الله به ،
فنخسَه النِبُّ عَّ لِ، فانطلق متقدماً بين يدي الرِّكاب ، ثم قال : أتبيعُنيه ؟ فابتاعه منه ، وقال
له : لك ظهرُه إلى المدينة . فلما وصل إلى المدينة أعطاه الثمن ووهبّ له الجمل (٣).
(١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢٠٥/٢ .
(٢) رواه أبو عوانة في مسنده ٣٦٥/٢، وفي إسناده يحيى بن أبي كثير، ذكر بالتدليس.
. (٣) قال برهان الدين الحلبي: وفي انصرافه عليه الصلاة والسلام من هذه الغزوة أبطأ جمل جابر. اعلم أن في
البخاري ؛ أن قصة الجمل کانت بطريق تيوك ولکنه مُعلّق ، وفي مسلم في البيوع أنه کان في رجوعه من مكة
إلى المدينة . وقال ابن إمام الجوزية في غزوة ذات الرقاع مالفظه: وقد ذكر أن قصة بيع جمل جابر إلى
البِي عَ ل كانت في غزوة ذات الرقاع، وقيل: في رجوعه من تبوك، وقيل: في إخباره للنبي عط﴾، أنه تزوج.
امرأة ثيباً تقومُ على أخواته وتكفلهم ؛ إشعار بأنه بادر إلى ذلك بعد مقتل أبيه، ولم يُؤخر إلى عام تبوك ، والله
أعلم. نور النبراس لوحة ٢ ب/ ٣٠ . والحديث رواه البخاري في مواضع عديدة أولها الوكالة (باب إذا وكل
رجل رجلاً أن يعطي شيئاً ولم يُبيِّن كم يُعطي) رقم /٢٣٠٩/، ورواه مسلم في المساقاة (باب بيع البعير
- ٨٠ -