النص المفهرس

صفحات 21-40

قال ابن إسحاق : فحدثني حُمَيْد الطويل ، عن أنس بن مالك قال : كُسرت رباعية
النِّ عَ لِ يوم أحد، وشُجَّ وجُهه، فجعل الدمُ يسيل على وجهه ، وجعلَ يمسحُ الدَّمَ وهو
يقولُ: ((كيف يُفلح قومٌ خضَبوا وجهَ نبيِّهم وهو يدعوهم إلى ربِّهم )) فأنزلَ الله تبارك وتعالى
في ذلك: ﴿ ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوبَ عليهم أو يعذِّبَهم فإنهم ظالمون﴾ [ آل
عمران : ١٢٨ ](١).
قال ابنُ هشام : وذَكر لي رُبَيْح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري ، عن أبيه ، عن
أبي سعيد الخدري؛ أن عتبة بن أبي وقاص رمى رسولَ الله عَ لَّه يومئذٍ فكسرَ رباعِيَّتَّه اليمنى
السفلى، وجرحَ شفته السفلى ، وأن عبدَ الله بن شهاب الزهري شجَّه في وجهه ، وأن ابن
قَمِئة جرحَ وجنتَه ، فدخلتْ حلقتان من المِعْفَر في وجنته، ووقع رسولُ الله عَ لّه في حفرة من
الحفر التي عَمِل أبو عامر ، ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون ، فأخذ عليّ بن أبي طالب بيد
رسول الله عَ ◌ّله، ورفعَه طلحةُ بنُ عبيد الله، حتى استوى قائماً، ومصَّ مالكُ بنُ سِنان
- أبو سعيد الخدري - الدمَ من وجهه، ثم ازدردَه. فقال رسول الله عَ له: ((مَنْ مسَّ
دمي دَمَه لم تصبْه النار ))(٢) .
وذكر عبدُ العزيز بن محمد الدَّرَاوَردِي أَن النِّ سَ المِه قال: ((من سرَّه أن ينظر إلى
شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظرْ إلى طلحة بن عبيد الله )). وعن عيسى بن طلحة ، عن
عائشة ، عن أبي بكر الصديق ؛ أن أبا عبيدة بن الجراح نزعَ إحدى الحلقتين من وجه
رسول الله عَ ◌ّله، فسقطتْ ثَنِيَّتُه، ثم نزعَ الأخرى فسقطتْ ثنيّتُه الأخرى، فكان ساقطَ
الثنيّتين (٢) .
وروینا عن ابن عائذ : أخبرنا الوليد بن مسلم ، قال : فحدثني عبدُ الرحمن بن یزید بن
جابر ، أن الذي رمى رسولَ الله عَ لَّه بأحد فجرحَه في وجهه قال لما رماه فأصابه: خذها
وأنا ابن قمئة. فقال رسولُ اللهِ عَّ ◌ِلّهِ: ((أقماك الله عزَّ وجل)). قال ابن جابر: انصرفَ ابنُ
(١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٨٠/٢.
(٢) السيرة النبوية، لابن هشام ٨١/٢.
- ٢١ -

قمئة من ذلك اليوم إلى أهله، فخرجَ إلى غنمه فوافاها على ذِرْوة جبل ، فأخذ فيها يعترضها ،
ويشدُّ عليهِ تَيْسُها ، فنطحَه نطحةً أرداه من شاهقة الجيل فتقطَّع .
قال ابن إسحاق: فقال رسولُ الله عَ لِ حين غشيَه القومُ: ((من رجلٌ يشتري لنا
نفسَه؟)) كما حدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن محمود بن
عمرو ، قال : فقام زِيَادُ بنُ السَّكَن في نفر خمسة من الأنصار ، وبعضُ الناس يقولُ إنما هو
عمارة بن يزيد بن السَّكن ، فقاتلوا دون رسول الله ﴾ رجلاً رجلاً يُقتلون دونه ، حتى كان
آخرَهم زيادُ أَو عُمارة ، فقاتَلَ حتى أثبتتْه الجراحة ، ثم فاءتْ فئةٌ من المسلمين فأجهضوهم
عنه، فقال رسول الله عَ له: ((أدنوه مني. فأدنَوه منه، فوسَّده قدَمَه، فمات وخدُّه على:
قدم رسول الله ێ ))(١)
قال ابن هشام : وقاتلت أُمُّ عُمارة نُسيبةُ بنت كعب المازنية يوم أحد ، فذكرَ سعيد بن
أبي يزيد الأنصاري ؛ أن أمَّ سعد ابنة سعد بن الربيع كانت تقول : دخلتُ على أمّ عُمارة ،
فقلت : يا خالة أخبريني خبرَك ؟ فقالت : خرجتُ أَوَّلَ النهار ، وأنا أنظرُ ما يَصِنْعُ الناسُ ،
ومعي سِقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله عَّ له وهو في أصحابه، والدولة والريح
للمسلمين ، فلما انهزمَ المسلمون الْخَزْتُ إلى رسول الله عَ لمه، فقمتُ أباشرُ القتال وأذبُّ
عنه بالسيف ، وأرمي عن القوس، حتى خَلَصَتْ الجراحةُ إليَّ فرأيتُ على عاتقها جُرْحاً
أجوفَ ، له غَوْرٌ . فقلت: من أصابَك بهذا؟ قالت: ابن قمئة، أقمأه الله، لما وَلَّى النّاسُ
عن رسول الله عَّله، أقبل يقول: دُلُّوني على محمد، فلا نجوتُ إن نجا . فاعترضتُ له أنا
ومصعب بن عمير، وأناسٌ ممن ثبتَ مع رسول الله عَ له، فضربني هذه الضربة، ولكن.
ضربتُه ضرباتٍ على ذلك، ولكنَّ عدوًّ الله كان عليه درعان(٢) .
قال ابن إسحاق : وترَّسَ دون رسول الله عَّ ◌َلِ أبو دجانة بنفسه، يقعُ النبل في ظهره
وهو منحن عليه حتى كَثُرَ فَيْهِ النَّبْلُ . ورمى سعدُ بن أبي وقاص دونَ رسول الله سُّهم . قال
(١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ..!
(٢) المصدر السابق ٨١/٢-٨٢
- ٢٢ -

سعد : فلقد رأيتُهُ يُناولني النَّبلَ ويقول: ارم فِداك أبي وأمي، حتى إنه ليُناولني السَّهمَ ماَلَهُ من
نَصْل ، فيقول : ارم به .
وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ؛ أن رسول الله ﴾﴾ رمی عن قوسه حتی اندقت
سِيتها(١)، فأخذَها قتَادةُ بن النعمان ، فكانت عنده .
وأصيبت يومئذٍ عينُ قتَادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته ، فحدثني عاصم بن
عمر بن قتادة؛ أن رسولَ الله عَّ ◌َّلِ ردَّها بيده، فكانت أحسنَ عينيه وأحدٌّهما(٢).
وذكر الأصمعيُّ: عن أبي مَعْشَر المدني ، قال : وفَّد أبو بكر بن محمد بن عمرو بن
حزم بديوان أهل المدينة إلى عمر بن عبد العزيز رجلاً من ولد قتادة بن النعمان ، فلما قدم
عليه ، قال له : ممن الرجل ؟ فقال :
فُرُدَّتْ بكفِّ المصطفى أحسنَ الردِّ
أنا ابنُ الذي سَالتْ على الخدِّ عينُه
فيا حسنَ ما عينٍ ويا حسنَ ما ردٌ
فعادتْ كما كانتْ لأوّلِ أمرها
حكاه أبو عمر(٣) .
قال ابن سعد : ورُمي يومئذ أبو رهم الغفاري كلثومُ بن الحصين بسهم فوقع في نحره .
فجاء رسول الله عَ لَّهِ فبصقَ عليه فبَرَأ(٤) .
قال ابن إسحاق: وكان أوَّلَ مَنْ عرفَ رسولَ الله عَ لِّ بعد الهزيمة، وقول الناس قُتل
رسولُ الله عَ لِ - كما ذكرَ لي ابنُ شهاب الزهري - كعبُ بن مالك، قال : عرفتُ عينيه
تُزهرانِ من تحت المِغفر ، فناديتُ بأعلى صوتي : يا معشر المسلمين! أبشروا هذا
رسولُ اللهِعَ لِ. فأشارَ لي رسولُ الله ◌َ ◌ّلِ أَن أَنْصِتْ. فلما عرفَ المسلمون
رسولَ الله عَلِ نَّهَضُوا به، ونهضَ معهم نحو الشِّعْبِ ، معه أبو بكر وعمر وعليّ وطلحة
(١) (( سيتها): سية القوس: ما عطف من طرفيها، والجمع سيات.
(٢) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٨٢/٢ .
(٣) الاستيعاب ٢٤٩/٣ بهامش الإصابة .
(٤) لم تجده في الطبقات الكبرى؛ لابن سعد، وذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة ٧١/٤ عن أبي عروبة .
- ٢٣ -

والزبير والحارث بن الصِّمة، ورهط من المسلمين(١).
قال موسى بن عقية: بايعوه على الموت، فلما أسندَ رسولُ الله عَّهِ، أدركَه أبيّ بن
خلف ، وهو يقول : أين محمد ؟ لا نجوتُ إن نجا ، قال ابن عقبة : قال سعيد بن المسيب:
فاعترض له رجال من المسلمين، فأمرهم رسولُ الله عَ لِ فخلَّوْا طريقَه، واستقبله
مصعبُ بن ◌ُمير أخو بني عبد الدار يقي رسولَ الله عَ له بنفسه، فقُتل مصعبُ بن ◌ُمير،
وأبصر رسولُ اللهِ عَّلِ تُرقوةَ أبيّ بن خلف من فُرْجةٍ من سابغة الدرع والبيضة ، فطعنَه
بحربته ، فوقع أُبُّ عن فرسه ، ولم يخرج من طعنته دم. قال سعيد : فكسرًّ ضلعاً من
أضلاعه . قال: ففي ذلك نزلت: ﴿وما رميتَ إذ رميتَ ولكنَّ الله رمى﴾ [ الأنفال:
١٧ ].
وقال ابن إسحاق في هذا الخبر: كان أبيّ بن خلف - كما حدثني صالح بن إبراهيم بن
عبد الرحمن بن عوف - يلقى رسولَ الله عَ ليه بمكة، فيقول: يا محمد إن عندي العَوْدَ
- فرساً له (٢) - أعلقُه كلَّ يوم فَرَقاً من ذرة، أقتلُك عليها. فيقول رسول الله عَ لَّه: بل أنا
أقتلُك إن شاء الله. فلما رجع إلى قريش وقد خدشَه في عنقه خدشاً غير كبير، فاحتقنَ
الدَّمُ . قال: قتلني والله محمدٍ . قالوا له : ذهب والله فؤادُك ، والله إنْ بك من بأس . قال :
إنه قد كان قال لي بمكة: أنا أقتلُك . فوالله لو بصقَ علَّ لقتلني. فماتَ عدُّ الله بسَِفٍ،
وهم قافلون به إلى مكة (٣).
:
وقال ابنُ عقبة : قال : والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي الجَازِ لماتوا
أجمعون .
رجع إلى الأول: فلما انتهى رسولُ الله عَ لّهِ إلى فم الشُعب، خرج عليّ بن أبي طالب
حتى ملأ دَرَقَتَه من المهراس (٤)، فجاء به إلى رسول الله عَّ ◌َلِ ليشربَ منه، فوجدَ له ريحاً:
(١) السيرة النبوية؛ لابن هشام :٨٣/٢.
(٢) هذا شرح للعود، و((الفَرَق): مكيال يسعُ عندهم ستة عشر مَنَّاً، وقيل: اثني عشر رطلاً.
(٣) السيرة النبوية ؛ لابن هشام :٨٤/٢ .
(٤) ((مَلَأْ ذَرَقَته من الِهْرَاس)): الدرقة؛ الترس من جلد، والمِهْرَاسُ: حوضٌ يُنقر في الصخر، ويُجعل عادة
إلى جانب البئر ، وقد يُجعل بسفوح الجبال ؛ لتستقرَ به مياه الأمطار ، وينتفع الناس به .
- ٢٤ -

فعافَه ، فلم يشرب منه، وغسَلَ عن وجهه الدَّمَ، وصبَّ على رأسه، وهو يقول: ((اشتدَّ
غضبُ الله علی من دَمَّی وجه نبيه )) . فحدثني صالح بن کیسان ، عن من حدثه ، عن
سعد بن أبي وقاص أنه كان يقول : والله ما حَرَصْتُ على قتل رجلٍ قطّ حِرْصي على قتل
عُتبة بن أبي وقاص ، وإنْ كان ما علمتُ لَسيِّءَ الخلق مُبغضاً في قومه ، ولقد كفاني منه قولُ
رسول الله عَّ ◌َلِ: ((اشتدَّ غضبُ الله على من دَمَّى وجَه رسولهِ )) .
قال ابن إسحاق: فبينا رسولُ الله عَ لَّه في الشعب معه أولئك النفر من أصحابه ، إذ
علتْ عاليةٌ من قريشٍ الجبلَ فقال رسول الله عَ له: اللهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا ، فقاتل
عمرُ بن الخطاب، ورهطٌ من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل. ونهضَ رسولُ اللهِعَّه
إلى صخرة من الجبل ليعلوها، وقد كان بَدَّنَ(١) رسولُ اللهِ مَّلِ، وظاهرَ بين درعين ، فلما
ذهبَ لينهضَ لم يستطع ، فجلسَ تحته طلحة بن عُبيد الله ، فنهض به حتى استوى عليها .
فقال رسولُ الله عَّله كما حدثني يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن
عبد الله بن الزبير عن الزبير بن العوام، قال: سمعت رسول الله عَ له يقول يومئذ: أوجبَ(٢)
طلحةٌ . حين صنع برسول الله عَ ◌ِّ ما صنع .
قال ابن هشام: وبلغني؛ عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن رسول الله عَ له لم يبلغ
الدرجة المبنية في الشعب. وذكر عمر مولى غُفْرة: أن البَّ عَ لِ صِلَّى الظهر يوم أحد قاعداً
من الجراح التي أصابته ، وصلَّى المسلمون خلفه قعوداً (٣).
قال ابن إسحاق : وقد كان النَّاسُ انهزموا عن رسول الله عَّ ◌ُلِه حتى انتهى بعضُهم إلى
المنقَّى دون الأعوص(٤). وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، عن محمود بن لبيد ، قال : فلما
خرج رسولُ اللهِ عَّلِ إلى أحد، رفعَ حُسيلُ بن جابر، وهو اليمان أبو حذيفة بن اليمان ،
وثابتُ بن وَقْش في الآطام مع النساء والصبيان ، فقال أحدُهما لصاحبه ـ وهما شيخان
(١) ((بدَّنَ)): أسنَّ وضعفَ.
(٢) ((أوجبَ)): وَجَبَت له الجنة.
(٣) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٨٥/٢ .
(٤) ((الُنَقَّى والأعوص)) : موضعان بين أحد والمدينة.
- ٢٥ -

كبيران - : لا أبالك ما ننتظُر؟ فوالله إن بقي لواحد منا من عمره إلاظِمءٍ(١) حِمار، إنما
نحن هامةُ(٢) اليوم أو غداً، أفلا نأخذ أسيافنا، ثم نلحقُ برسول الله عَ ◌ّه، لعلَّ اللَّهُ يرزقنا
شهادةً مع رسول الله عَ لّه. فأخذا أسيافَهما ثم خرجا حتى دخلا في الناس، ولم يُعلم بهما،
فأما ثابتُ بن وَقْش فقتله المشركون ، وأما حُسيل بن جابر، فاختلفت عليه أسيافُ.
المسلمين ، فقتلوه ولا يعرفونه. فقال حذيفة: أبي والله أبي . قالوا: والله إن عرفناه ،
وصدقوا، فقال حذيفة: يغفرُ الله لكم وهو أرحم الراحمين. فأراد رسولُ الله عَ لِ أَن يديه ،
فتصدَّقَ حذيفةُ بديته على المسلمين ، فزادَه عند رسول الله عَ ◌ّهِ خيراً .
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، قال: كان فينا رجلٌ أنّ(٢)
ولا ندري ممن هو ، يقال له قُرْمان. وكان رسولُ الله عَ لِّ إذا ذُكر يقولُ: إنه لمن أهل:
النار. قال : فلما كان يومُّ أحد، قاتل قتالاً شديداً، فقَتلَ وحدَه ثمانية أو سبعة من
المشركين ، وكان ذا بأس ، فأثبتته الجراحةُ. فاحتُمل إلى دار بني ظَفَر. قال: فجعل أرجالٌ
من المسلمين يقولون : والله لقد أبليتَ اليومَ يا قُرْمَانُ فأبشرْ. قال: بماذا أبشر. فوالله إن
قاتلتُ إلا على أحساب قومي ، ولولا ذلك لما قاتلتُ . قال : فلما اشتدَّتْ علیه چِراحتُه ،
أخذ سهماً من كِنَانته ، فقتل به نفسه .
وكان ممن قُتل يومئذ مُخَيْريق ، وقد تقدم(٣) خبره(٤).
وكان الحارث بن سُويدٍ بن الصامت منافقاً لم ينصرف مع عبد الله بن أبّ في حين
انصرافه عن رسول الله عَ لِ مع جماعته عن غزوة أحد، ونهضَ مع المسلمين ، فلما التقى
المسلمون والمشركون عدا على المُجَذَّر بن زياد ، وعلى قيس بن زيد أحد بني ضُبيعة ،
فقتلهما، وفرَّ إلى الكفار، وكان المُجَذَّر قد قتل في الجاهلية سويد بن الصَامت والدّ الحارث
(١) ((ظِمء حمار)): الظمء: مدة ما يكون بين الشربتين، والمراد وقت يسير، وإنما خصَّ الحمار؛ لأنه أقل
الدواب صبراً عن الماء ، وهو مثلٌ يُضرب لقرب الأجل .
(٢) ((إنما نحن هامة)): يريد الموت. و((رجل أتِيّ)): غريب.
(٣) انظر ج ١ ص ٣٣٤.
(٤) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٨٦/٢-٨٩
- ٢٦ -

المذكور في بعض حروب الأوس والخزرج، ثم إن الحارث رجعَ إلى المدينة إلى قومه ، وأتى
رسولَ الله عَ لَّهِ الخبرُ من السماء، ونزل جبريلُ عليه فأخبره أن الحارث بن سُويد قدم فانهضْ
إليه واقتصَّ منه لمن قتلَه من المسلمين غدراً يوم أحد، فنهضَ رسولُ الله عَ لَّه إلى قباء في وقت
لم يكن يأتيهم فيه، فخرجَ إليه الأنصارُ أهلُ قباء في جماعتهم ، وفي جملتهم الحارث بن سويد
وعليه ثوبٌ مورَّس(١)، فَأَمَرَ رسولُ اللهِ عَ اله ◌ُويَمَ بن ساعدة بضرب عنقه. فقال الحارثُ:
لم يا رسولَ الله؟ فقال: بقتلك المُجَذَّر بن زياد وقيس بن زيد. فما راجعه الحارث بكلمة ،
وقدَّمه عويمُ فضربَ عنقَه، ثم رجعَ رسولُ الله عَ لِّ فلم ينزل عندَهم(٢).
هذا عن أبي عمر النمري ، والمأمور بضرب عنقه عند بعضهم عثمان بن عفان ، وعند
آخرين بعضُ الأنصار ، وفي قتل المجذر سويداً خلاف بين أهل النقل .
قال ابن إسحاق : وحدثني الحصينُ بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ ، عن
أبي سفيان ، مولى ابن أبي أحمد ، عن أبي هريرة ، قال : كان يقولُ: حَدِّثوني عن رجل دخلَ
الجنة لم يُصلِّ قطُّ، فإذا لم يعرفْه النَّاسُ ، سألوه: مَنْ هو ؟ فيقول : أُصيرم بني عبد الأشهل
عمرو بن ثابت بن وَقْش . قال الحصين: فقلت لمحمود بن لبيد : كيف كان شأن
الأُصيرم؟ قال: كان يأبى الإِسلام على قومه، فلما كان يومُ خروج النِّ عَ لَّه إلى أُحد، بدا
له في الإسلام ، فأسلم ، ثم أخذَ سيفَه فغدا، حتى دخلَ في عُرْض الناس ، فقاتلَ حتى أثبتته
الجراحةُ . قال : فبينا رِجالٌ من بني عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة ، إذا هم به ،
فقالوا: والله إنَّ هذا للأصيرم ، ما جاء به ؟ لقد تركناه وإنه لمنكرّ لهذا الحديث ، فسألوه:
ما جاء بك ؟ أُحَدَبٌ على قومك أم رغبةً في الإسلام ؟ فقال: بل رغبةٌ في الإِسلام ، آمنتُ
بالله ورسوله، وأسلمتُ ، ثم أخذتُ سيفي، فغدوتُ مع رسول الله عزّ ◌ُله، ثم قاتلتُ حتى
أصابني ما أصابني، ثم لم يلبث أن مات في أيديهم، فذكروه لرسول الله عَ له ، فقال: إنه
لمن أهل الجنة .
وحدثني أبي إسحاقُ بن يسار ، عن أشياخ من بني سلمة ، أن عمرو بن الجموح كان
(١) ((مُورَّسُ)): مصبوغ بالورس، وهو الزعفران.
(٢) الدرر ؛ لأبي عمر بن عبد البرص ١٥١ .
- ٢٧ -

رجلاً أعرج، شديد العَرَجُ، وكان له بنون أربعة مثلُ الأُسد ، يشهدون المشاهدَ مع
رسول الله عَ ليه، فلما كان يومُ أحد، أرادوا حبسَه، فأتى رسولَ الله عَ لِ فقال: إن بنّ
يُريدُون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه ، فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه
في الجنة، فقال رسولُ الله عَ لِ: أمَّا أنتَ فقد عذَرِك الله فلا جهادَ عليك ، وقال لبنيه : ما
عليكم أن لا تمنعوه لعلَّ الله يرزقُه شهادة. فخرجَ معه، فقُتل يومَ أحد (١).
وذكر أبو عمر في خبره ، قال: فأخذَ سلاحَه وولَّى، فلما ولَّى أقبلَ على القبلة ،
وقال: اللهم ارزقني الشهادة ولا تردَّني إلى أهلي خائباً. وفيه: ثم قال رسول الله عَّ: والذي
نفسي بيده : إنّ منكم مَنْ لو أقسم على الله لأبرَّه ، منهم عمرو بن الجموح ، ولقد رأيتهُ يطأ
في الجنة بعرجته . وقيل: حملَ هو وابنه خَلاَّد حين انكشفَ المسلمون فقُتلا جميعاً (٢) .
قال ابن إسحاق : ووقعت هندُ بنتُ عُتبة، كما حدثني صالح بن كَيْسَانِ ، والنسوة
اللاتي معها يُمثِّلن بالقتلى من أصحاب رسول الله عَ لِ يُجَدِّ عنَ الآذانَ والآنُفَ، حتى
أنَّخذتْ هندُ من آذان الرجال وآنُّفِهم خَدَماً (٣) وقلائدَ ، وأعطت خَدَمَها وقلائِدها. وأُقْرِطتَها
وحشياً ، غلامَ جُبير بن مُطعم ، وبقرتْ من كبد حمزةَ ، فلاكْها ، فلم تستطع أن تُسيغها ،
فلفظتها ، ثم علت على صخرةٍ مُشرفة فصرختْ بأعلى صوتها ، فقالت :
والجربُ بعدَ الحربِ ذاتُ سُغْرٍ
نحن جزيناكم ييوم بدر
ولا أخي وعمِّه وبِكْريٍ
ما كان عن عتبةً لي من صبرٍ
شفيت وحشيُّ غليل صدري
شفيتُ نفسي وقضیتُ نَذري
حتى تَرِمَّ أعظمي في قبري
فشكرُ وحشيٌّ علَّ عمري
فأجابتها هند بنت أثاثة بن عبَّاد بن المطلب ، فقالت :
يا بنتَ وَقَاعٍ عظيمِ الكفرِ
خزيْتٍ في بدر وبعد بدر
بالهاشميِّين الطّوال الزُّهْزِ
صبَّحَكِ اللَّهُ غداةَ الفجرِ
(١) السيرة النبوية ؛ لابن هشام ٩٠/٢
(٢) الاستيعاب ٥٠٣/٢ - ٥٠٤.
(٣) ((خَدَّماً)): خلخالاً.
- ٢٨ -

حمزةُ ليفي وعلَّ صقري
بکل قطّاعٍ حسامٍ يفري
فخضَّبَا منه ضَوَاحِي النَّحْرِ(١)
إذ رامَ شيب وأبوكٍ غدري
ونذرُك السُّوءِ فشرٌّ نذِرٍ
ثم إن أبا سفيان حين أراد الانصراف أشرف على الجبل ، ثم صرخَ بأعلى صوته: أنعَمْت
فَعَالِ (٢) . فقال: إنَّ الحربَ سِجال يومٌ بيوم بدر، اعلُ هُبل ــ أي أظهرْ دينَك ــ. فقال
رسول الله عَ له: قم يا عمر فأجبه، فقل: الله أعلى وأجلُّ، لا سواء، قتلانا في الجنة
وقتلاكم في النار . وقال: إن لنا العُزَّى ولا تُزَّى لكم. قال رسول الله عَ لِ: قولوا:
(«اللهُ مَوْلانا ولا مَوْلى لكم))(٣).
عن ابن عائذ وغيره(٤) .
رجع : فلما أجابَ عمر أبا سفيان . قال له أبو سفيان: هلمَّ إليَّ يا عمر . فقال
رسول الله عَ لِّ لِعَمَرَ: انته، فانظرْ ما شأنه. فجاءه، فقال أبو سفيان: أنشدُك الله
يا عمر أقتلنا محمداً ؟ قال عمر: اللهم لا ، وإنه يسمعُ كلامَك الآن . قال : أنت أصدقُ
عندي من ابن قَمئة وأبرّ ـ لقول ابن قمئة: إني قتلت محمداً - ثم نادى أبو سفيان: قد
كان في قتلاكم مُثْلى ، والله ما رضيتُ ولا سخطتُ ، ولا نهْت ولا أمرت ، ولما انْصرف أبو
سفيان وأصحابهُ، نادى: إن موعدَ كم بدرٌ للعام القابل. فقال رسول الله عَ له لرجل من
أصحابه: قل: نعم، هو بيننا وبينكم موعدٌ. ثم بعثَ رسول الله عَ لِ عليّ بن أبي طالب
- وقال ابن عائذ: سعد بن أبي وقاص - فقال: اخرج في آثار القوم ، فانظر ماذا
يَصنعون، وماذا يُريدون، فإن كانوا قد جَنَّبُوا الخيلَ وامتطَوا الإِبلَ فإنهم يُريدون مكة ، وإن
رَكِبوا الخيلَ وساقوا الإِبلَ فهم يُريدون المدينة، والذي نفسي بيده إن أرادُوها لأسيرنَّ إليهم
(١) ((شيبَ)): هو شيبةُ، رجَّمتْه في غير النداء على غير قياس للضرورة .
(٢) ((أنعمتَ فَعَال)): أنعمتَ: بالغتَ ، يخاطب بها نفسه. عالٍ : فعل أمر من مادة العلو، أي : زد وارتفع ،
والجملة جارية مجرى المثل .
(٣) السيرة النبوية ؛ لابن هشام ٩١/٢-٩٢.
(٤) كذا في جميع النسخ ، ولعل المؤلف رحمه الله أراد الإشارة إلى وجود هذا الخبر عند ابن عائذ وغيره أيضاً.
- ٢٩ -

فيها، ثم لأناجزئَّهم. قال علّ: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يَصنعون، فجنَّبُوا الخيل
وامتطَوا الإبل ، وتوجّهوا إلى مكة .
وفَزِعَ النَّاس لقتلاهم. فقال رسولُ اللهِ عَّلـ ــ كما حدثني محمد بن عبد الله بن
عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعَةِ المازني ، أخو بني النجار -: مَنْ رجلٌ ينظرُ ما فعلَ سعدُ بن
الربيع؟ أفي الأحياء هو أم في الأموات؟ فقال رجل من الأنصار: أنا أنظر لك يا رسول الله
ما فعل. فنظرَ، فوجدَه جريحاً في القتلى، وبه رمق. قال: فقلت له: إن رسول الله عَ ◌ّه:
أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنتَ أم في الأموات. فقال: أنا في الأموات ، فأبلغ
رسولَ الله عَِّ عني السَّلامَ وقل له : إن سعدّ بن الربيع يقولُ لك: جزاكَ اللَّهُ عنا خير.
ما جزى به نبيّاً عن أُمّته، وأبلغ قومَك عني السلام، وقل لهم : إن سعدَ بن الربيع يقولُ
لكم : إنه لا عذرَ لكم عند الله أن يُخْلَصَ إلى نبيّكم، ومنكم عينٌ تَطْرِفُ . قال : ثم لم
أبرح حتى مات. قال: فجئتُ رسولَ الله عَ لمه فأخبرته خبرَه .
قال ابن إسحاق: وخرجَ رسولُ الله عَ لّلمِ فيما بلغني يلتمسُ حمزة بن عبد المطلب،
فوجدَه ببطن الوادي قد بُقرَ بطنُه عن كَبده ، ومُثِّلَ به ، فَجُدِعَ أنْفُه وأذناه(١) .
أخبرنا أبو الفضل عبد الرحيم بن يوسف بن يحيى ، وأبو الهيجاء غازي بن أبي
الفضل بن عبد الوهاب بقراءة والدي عليهما وأنا اسمع متفرقين ، قالا : أخبرنا أبو حفص :
عمر بن محمد بن طبرزذ ، قال : أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن محمد بن الحصين الشيباني ،
قال : أخبرنا أبو طالب محمد بن محمد بن غيلان، قال : أخبرنا أبو بكر محمد بن
عبد الله بن إبراهيم الشافعي ، حدثنا حامد بن محمد ، حدثنا بشر بن الوليد ، حدثنا صالح
المري، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي هريرة: أن رسول الله معد له وقف
على حمزة بن عبد المطلب حين استُشهدَ، فنظرَ إلى شيء لم ينظرْ إلى شيء قطّ كان أوجعَ
لقلبه منه، ونظرَ قد مُثِّل به. فقال: ((رحمة الله عليك، فإنك كنتَ ما علمتُك فعولاً
للخيراتِ ، وَصُولاً للرحم ، ولولا حزنُ من بعدي عليكَ ، لَسرني أن أدعك حتى تُحشرَ من
أفواه شتى، أما والله مع ذلك لأمثلنَّ بسبعين منهم مكانَكَ)). قال : فنزل جبريلُ عليه.
(١) السيرة النبوية ؛ لابن هشام ٩٣/٢-٩٥.
- ٣٠ -

السلام والنِّ عَّ له واقف بعدُ، بخواتيم سورة النحل: ﴿وإن عاقبتم فعَاقبوا بمثل ما عُوقبتم به
ولئن صبرتم لهو خير الصابرين﴾ [النحل: ١٢٦] إلى آخر السورة. فصبرَ النبيُّ عَ ◌ّ﴾،
فكفّرَ عن يمينه وأمسكَ عما أراد (١).
قال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم ، عن مِقْسم مولى عبد الله بن الحارث ، عن ابن
عباس، قال: أَمَرَ رسولُ الله عَّله بحمزةَ فسُجِّي بيردِه، ثم صلَّى عليه فكبَّر سبعَ تكبيراتٍ ،
ثم أُتي بالقتلى يُوضعون إلى جنب حمزةَ ، فصلَّى عليهم وعليه معهم ، حتى صلَّى عليه ثنتين
وسبعين صلاة(٢).
وقد روينا حديثَ مِقْسم هذا عن ابن عباس: أُتي بهم رسولُ الله عَِّ يومَ أُحد ، فجعلَ
يُصلِّي على عشرة عشرة .. الحديث ، من طريق ابن ماجه ، عن محمد بن عبد الله بن نمير ،
عن أبي بكر بن عياش ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن مقسم به(٣).
وروينا عن ابن سعد ، قال : أخبرنا أبو منذر البزاز ، حدثنا سفيان الثوري ، عن
حصين ، عن أبي مالك؛ أن رسول الله عَ لَّهِ صلَّى على قتلى أُحد (٤) .
وقال ابن عقبة: لم يُغسِّلْهم ولم يُصلِّ على أحد منهم، كما يُصَلَّى على الموتى ، ولم
یکفنهم في غیر ثيابهم التي قُتلوا فيها .
قال أبو عمر: واختلف في صلاة رسول الله عَ الِه على شهداء أحد ، ولم يختلف عنه في
أنه أمر أن يُدفنوا بثيابهم ودمائهم ، ولم يُغَسَّلوا ، ومُثِّلَ يومئذ بعبد الله بن جحش بن رئاب غیر
أنه لم يبقر عن كبده(٥) .
(١) هذه القصة ذكرها المؤلف من ((الغيلانيات)) وفي سندها: بشر بن الوليد لم يوثقه غير ابن حبان، وصالح
المري ضعيف جداً. وذكرها ابن عبد البر في ((الاستيعاب، مرسلة عن كثير بن زيد، عن المطلب بن
حنطب ، وفي كثير بن زيد ضعف ، والمطلب بن حنطب يرسل عن كبار الصحابة . باختصار من نور
النبراس وميزان الاعتدال . ومتن القصة فيه نكارة ظاهرة .
(٢) السيرة النبوية ؛ لابن هشام ٩٧/٢.
(٣) رواه ابن ماجه في الجنائز ( باب ما جاء في الصلاة على الشهداء ودفنهم) رقم/١٥١٣/ وقال السندي : يظهر
من الزوائد أن إسناده حسن .
(٤) الطبقات الكبرى ؛ لابن سعد ٤٨/٢ .
(٥) الدرر ؛ لابن عبد البر ص ١٥٦.
- ٣١ -

وروى ابن وهب عن أبي صخر ، عن ابن قُسيط ، عن إسحاق بن سعد بن أبي
وقاص، عن أبيه ؛ أن عبد الله بن جحش قال له يوم أحد: ألا تأتي ندعو الله .. فخَلَوا في
ناحية ، فدعا سعد ، فقال : ياربِّ إذا لقيتُ العدوَّ غداً فلقُني رجلاً شديداً بأسُه، شديداً.
حَردُه أقاتله فيك ويقاتلني ، ثم ارزقني عليه الظَّفَرَ حتى أُقتَلَه وآخذَ سلبَه، فأمَّنَ عبدُ الله بن
جحش ، ثم قال: اللهم ارزقني غداً رجلاً شديداً بأسُه، شديداً حَرَدُه ، أقاتُه فيك
ويُقاتِلُني ، فيقتلُني ، ثم يأخذُ ني فيجدُ أنفي وأذني ، فإذا لقيتُكَ قلت: يا عبدَ الله فيم جُدِعَ
أنْفُك وأذنُك ؟ فأقولُ : فيك وفي رسولك . فيقول الله تعالى: صدقتَ . قال سعد : كانت .
دعوةُ عبدِ الله بن جحش خبراً من دعوتي ، لقد رأيتُه آخرَ النهار وإن أُذَّه وأنفَه معلقان في
خيط .
وذكر الزبير في ((الموفقيات))، أن عبد الله بن جحش انقطع سيفُه يوم أحد ، فأعطاه
رسولُ اللهِ عَّلِ عرجونَ نخلةٍ، فصار في يده سيفاً، يُقال: إن قائمه منه. وكان يُسمَّى
العُرجون . ولم يَزَلْ يُتناقلُ حتى بيع من بغا التركي بمائتي دينار. يقال: إنه قتل عبدَ الله يومئذ
أبو الحكم بن الأخنس بن شُرِّيق الثقفي ، ودُفن(١) هو وحمزة بن عبد المطلب في قبر واحد .
قال ابن سعد : ودُفن عبد الله بن عمرو بن حَرَام وعمرو بن الجموح في قبر واحد ،
ودُفن خارجية بن زيد وسعد بن الربيع في قبر واحد ، ودُفن النعمان بن مالك وعَبْدَةُ بن
الحسْحاس في قبر واحد ، وكان الناسُ أو عامّتهم قد حملوا قتلاهم إلى المدينة فدفنوهم في
نواحيها، فنادى منادي رسول الله عَّ رُدُوا القتلى إلى مضاجعهم، فأدرك المنادي رجلاً
واحداً لم يكن دُفَنَ فَرُدَّ ، وهو شَّاسُ بن عثمان المخزومي(٢) .
وسيأتي لوفاة شمّاس ذكرٌّ في أشعار أُحد إن شاء الله تعالى.
وأما أبو عمر ، فقال : يومئذٍ احتمل ناسٌ من المسلمين قتلاهم إلى المدينة ، فردَّهم
رسولُ الله عَ لِ ليُدفنوا حيث قتلوا(٣).
قال الواقدي : وولي رسولُ الله پظٹلم تر کةً عبدِ الله بن جحش ، واشترى لابنه مالاً بخيير
(١) وكان حمزة خاله ، لأن والدة عبد الله هي أميمة بنت عبد المطلب كما سيذكره المؤلف قريباً ..
(٢) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ٤٤/٢ ومغازي الواقدي ٣١٢/١.
(٣) الدرر ؛ لابن عبد البر ص ١/٦٧ .
- ٣٢ -

- وعبدُ الله (١) لأميمة بنت عبد المطلب بن هاشم عمّةُ رسول الله عَ له ــ ويومئذٍ قال
رسولُ الله عَ ◌ّمِ وقد أشرف على القتلى: أنا شهيد على هؤلاء، وما من جريح يُجرحُ في الله إلا
والهُ بَبَعْثُه يوم القيامة يَدْمَى جرحُه، اللونُ لونُ دم ، والريحُ رِيحُ مسك(٢) .
روينا عن أبي بكر الشافعي بالإسناد المذكور آنفاً ، حدثنا محمد بن علي بن إسماعيل ،
حدثنا قطن ، حدثنا حفص ، حدثنا إبراهيم ، عن عبَّد بن إسحاق ، عن محمد بن مسلم
الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة، أنه أخبره، أن رسول الله عَ ليه قال لقتلى أحد: ((زَمِّلوهم
بجراحِهم، إنه ليس مَكلومٌ يُكْلَم في الله تعالى إلا وهو يأتي يومَ القيامة لونُّه لونُ دم وريحهُ ريحُ
مسكٍ))(٣) .
وكذلك رواه محمد بن مصعب ، عن الأوزاعي ، عن الزهري ، وغيرُه يخالفه . قال
الدارقطنيُ : الصوابُ رواية الليث ، ومَنْ وافقه وروَوْه عن الزهري ، عن عبد الرحمن بن
كعب، عن جابر: ويومئذٍ قال النبي عَّ لسعد بن أبي وقاص: ((ارمِ فداكَ أبي
وأمي ))(٤).
قُرىء على عبد الرحيم بن يوسف بن يحيى المَوْصلي وأنا أسمع ، أخبركم أبو علي حنبل ابن
عبد الله بن الفرج بن سعادة الرَّصَافي قراءة عليه وأنت حاضر في الخامسة ، قال : أخبرنا أبو
القاسم هبةُ الله بن محمد بن الحُصْين ، قال : أخبرنا أبو علي الحسن بن علي بن المُذْهِب ،
أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعي ، أخبرنا عبد الله بن أحمد ،
حدثنا أبي ، حدثنا وكيع ، حدثنا سفيان ، عن سعد بن إبراهيم ، عن عبد الله بن شدَّاد ،
عن على، قال: ما سمعتُ رسولَ الله عَ لِ يُفَدِّي أحداً بأبويه إلا سعد بن مالك ، فإني
(١) أي : كان عبدُ الله بن جحش ولداً لأميمة .
(٢) لم نجده في مغازي الواقدي ، ولا الطبقات الكبرى؛ فلعله في تاريخ الواقدي .
(٣) الحديث رواه المؤلف من الغيلانيات ، ورواه النسائي في الجنائز ( باب مواراة الشهيد في دمه ) ٧٨/٢ عن
هنَّاد، عن ابن المبارك ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عبد الله بن ثعلبة . قال في نور النبراس: وهذه
الطريق التي ذكرها ــ أي المؤلف في الغيلانيات - مساوية لطريق النسائي، وكان ينبغي للمؤلف أن يذكره
من قوله أو يتعقبه بالتعريف ، والله تعالى أعلم .
(٤) رواه البخاري في المغازي ( باب: إذ هَمَّت طائفتان منكم أن تفشلا) رقم /٤٠٥٥ /، ومسلم في فضائل
الصحابة ( باب : فضل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه) رقم/٢٤١١/و/٢٤١٢/.
- ٣٣ -

سمعته يقول له يوم أحد: ((ارم سعدٌ فداك أبي وأمي))(١).
وقال رسول الله عَ ليه في الشهداء: ((انظروا أكثرَ هؤلاء جمعاً للقرآن فاجعلوه أمام
أصحابه في القبر))(٢). وكانوا يدفنون الثلاثة والاثنين في القبر. وقال ابن سعد: وقال
رسول الله عَ لِ: ((ادفنوا عبد الله بن عمرو، وعمروَ بن الجموح في قبر واحد ؛ لما كان
بينهما من الصفاء)). قال فحُفر عنهما وعليهما نَمِرَان(٣) . وعبدُ الله قد أصابَه جرح في
وجهه فيدُه على جرحه، فأميطت يدُه عن وجهه، فانبعثَ الدم ، فُرُدَّتْ يدُه إلى مكانها
فسكنَ الدمِ(٤). وقال: أخبرنا عمرو بن الهيثم أبو قطن، قال: حدثنا هشام الدَّسْتَوَائِي ،
عن أبي الزبير ، عن جابر ، قال: صُرِعَ بنا إلى قتلانا يوم أحد حين أجرى معاويةُ العين ،
فأخرجناهم بعد أربعين سنة لَيِّنة أجسادهم ، تنثني أطرافُهم(٥) .
قُرىء على الحرة الأصيلة أم محمد شامية بنت الحافظ صدر الدين أبي علي الحسن بن
محمد بن محمد بن البكري ، وأنا أسمع بالقاهرة سنة ثمان وسبعين وستمائة ، أخبرك الشيخ أبو
حفص عمر بن محمد بن طبرزذَ الدَّارَقَريّ قراءة عليه وأنتِ تسمعين ؟ فأقرت به ، قال :
أخبرنا أبو غالب أحمد بن الحسين بن أحمد بن البنا قراءةُ عليه وأنا أسمع ، أخبرنا القاضي أبو
يعلى محمد بن الحسين بن خلف بن الفراء قراءة عليه وأنا أسمع ، أخبرنا أبو الحسن علي بن
(١) رواه الإمام أحمد في المسند ١٢٤/١ و١٣٧، ورواه البخاري في المغازي ( باب: إذا همت طائفتان أن
تفشلا ) رقم/٤٠٥٨/ ومسلم في فضائل الصحابة رقم/٢٤١١/، والترمذي في المناقب ( باب : مناقب
سعد بن أبي وقاص) رقم /٣٥٦/، والنسائي في عمل اليوم والليلة رقم/١٩٢/. وإنما عدل المؤلف عن رواية
الحديث من هذه الكتب ورواه من المسند؛ لأنه وقع له عالياً بدرجة ؛ كما ورد في نور النبراس لوحة
٠٢١١/٢٢
(٢) رواه بنحوه أبو داود في اجنائز ( باب في تعمیق القبر) رقم/٣٢١٥/، کما رواه الترمذي في الجهاد ( باب في
دفن الشهداء) رقم/١٧١٣/، والنسائي في الجنائز ( باب ما يستحب من إعماق القبر) ٨٠/٢ ، و ابن
ماجه في الجنائز ( باب في حفر القبر) رقم/١٥٦٠/. وقال سبط ابن العجمي: أكثر جمعاً للقرآن : أكثر
محفوظاً .
(٣) ((نَمِرَتان)): النَّمِرَة: بردة من صوف، فيها خطوط بيض وسود .
(٤) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ٥٦٢/٣
(٥) المصدر السابق ٥٦٣/٣ .
- ٣٤ -

معروف بن محمد البزاز قراءة عليه في رجب سنة ست وثمانين وثلاثمائة ، أخبرنا أبو إسحاق
إبراهيم بن عبد الصمد بن موسى الهاشمي ، حدثنا خلاد بن أسلم ، قال : أخبرني النضر بن
شميل ، حدثنا شعبة ، حدثنا محمد بن المنكدر ، قال سمعتُ جابراً ، قال : قُتل أبي يوم أحد ،
فجئتُ إليه وقد مُثِّلَ به ، وهو مُغَطَّى الوجه ، فكشفتُ عن وجهه ، وجعلتُ أبكي ، وجعل
الناسُ يَنْهُوني، ورسول الله عَ لِه لا ينهاني، وجعلتْ فاطمة بنتُ عمر وعمّتي تبكيه . فقال
رسول الله عَ لّمِ: ((لا تبكيه، فما زالتِ الملائكةُ نُظِلُّه بأجنحتها حتى رفعتموه))(١).
وقرأتُ على عبد الله محمد بن أبي الفتح الحنبلي الصُّوري ، وأبي النور إسماعيل بن نور بن
قمر الهِيتي، قلت للأول : أخبرك أبو البركات بن مُلاعب ، والثاني : أخبركم أبو نصر
موسى بن عبد القادر ، قالا : أخبرنا سعيدُ بن البنا ، أخبرنا أبو القاسم بن البُسري ، أخبرنا
أبو طاهر المُخَلِّص ، حدثنا يحيى - يعني ابن صاعد - حدثنا عبد الله بن محمد بن المسور ،
حدثنا سفيان ، أخبرنا كوفي لنا ، أخبرنا محمد بن يحيى ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ،
عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله عَّالله: ((أُعلمتُ أن الله أحيا أباك، فقال له :
ثمنَّه. فقال: أُرَدُّ إلى الدنيا فأُقتل. فقال: قد قضيتُ أنهم إلى الدنيا لا يَرجعون))(١).
كذا وقع في هذه الرواية عن سفيان قال : أخبرنا كوفي لنا ، أخبرنا محمد بن يحيى ،
وكأنه تصحيف ، ولعلَّ الصوابَ فيه : حدثنا سفيان ، أخبرنا كوفي لنا محمد بن علي ،
عن ابن عقيل . وهو محمد بن علي بن ربيعة السلمي أبو عتَّاب الكوفي ابن عم منصور بن
المعتمر ، وأخوه لأمه ، رأى رَبعيَّ بن حِراش ، روى عن ابن عقيل وغيره ، وروى عنه
سفيان بن عيينة وغيرُهُ ، وثَّقَه يحيى بن معين ، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه : هو من الشيعة .
قلت : ما حاله؟ قال : صدوق ، لا بأس به ، صالح الحديث . ووقع في ترجمته وَهَم عن ابن
أبي حاتم تبع فيه البخاري على عادته ، نَّه عليه أبو بكر الخطيب ، وقد أثبته هناك . وكذا
ذكرَ هذا الخبر أبو عمر بن عبد البر، قال : وروى ابنُ عيينة عن محمد بن علي السُّلَمي ،
(١) روى حديث جابر البخاري في المغازي ( باب من قتل من المسلمين يوم أحد) رقم/٤٠٨٠/، ومسلم في
فضائل الصحابة ( باب من فضائل عبد الله بن عمرو بن حرام ) رقم /٢٤٧١/، وعزاه في نور النبراس إلى
النسائي في الجنائز ولم نجده، وقال سبط ابن العجمي: إنما آثر المؤلف إخراجه من هذه الطريق الذي ذكره
منها، ولم يخرجه من هذه الكتب؛ لإنه عال من هذا الطريق . نور النبراس لوحة ٢١٢/٢٢.
- ٣٥ -

عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر ، فذكره .
ويومئذ نهى رسولُ الله عګ عن النوح ، قال ابن إسحاق : وحدثني عبدُ الواحد بن أبي
عون ، عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص ، قال: مرَّ رسولُ الله عَ ليه بامرأةٍ من
بني دينار ، وقد أُصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله عَ ل بأحد فلما تُعوالها، قالت:
فما فعلَ رسولُ اللهِ عَ لِ؟ قالوا: خيراً يا أم فلان ، هو بحمد الله تعالى كما تحبين . قالت :
أرونيه حتى أنظر إليه . قال: فأشير لها إليه ، حتى إذا رأته ، قالت: كلٌّ مُصيبةٍ بعدكَ جَلَل
- تريد صغيرة -(١) .
وكان لطلحة بن عبيد الله يومئذ المقامَ المحمودُ في الذَّبِّ عن رسول الله عَ ◌ّهِ، قال الزبير
وغيرُه: وأبلى طلحةُ بلاء حسناً يومَ أحد، ووقى رسولَ الله عَ لّه بنفسه، واتقى عنه النَّبَلَ
بيده ، حتى ثُلَّت أصبعُه ، وضرب الضربة في رأسه ، وحملَ رسول الله ګ على ظهره حتى
استقلَّ على الصخرة، وقال رسول الله عَ ◌ّهِ: ((أوجب طلحة))(٢) .:
وقرأتُ على أبي الفتح يوسف بن يعقوب الشيباني بسفح قاسيون ، أخبرتكم أم الفضل
زينب بنت محمد بن أحمد بن عقيل القيسية قراءة عليها وأنت تسمع سنة ست وستمائة ،
قالت : أخبرنا الفقيه أبو الفتح نصر الله بن محمد بن عبد القوي المِصِّيصي قراءة عليه ونحن
نسمع، قال : أخبرنا الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب قراءة عليه وأنا أسمع ،
قال : أخبرنا الحسن بن أبي بكر ، أخبرنا محمد بن عبد الله الشافعي ، حدثنا محمد بن
أحمد بن النضر الأزدي ، حدثنا معاوية بن عمرو ، عن أبي إسحاق ــ يعني الفزاري - عن
حُميد، عن أنس ، قال : غابٌ عمي أنس بن النضر عن قتال أهل بدر ، فقال : غبتُ عن
أوّل قتال قاتلَه رسولُ الله ◌َ لِ المشركين، أما والله لئن أشهدني الله قتالاً لَيَرينَّ اللهُ ما أُصنعُ ،
فلما كان يوم أحد ، انكشف المسلمون ، فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنعَ هؤلاء
(١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٩٩/٢ .
(٢) خبر أن يد طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه شلت يوم أحد رواه البخاري في فضائل أصحاب النبي عَنّ.
( باب ذكر طلحة بن عبيد الله) رقم/٣٧٢٤/، وخبر رفعه النبي صَ لّم على ظهره حتى استوى على .
الصخرة، وقول النبي عطية: ((أو جب طلحة)) رواه الترمذي في المناقب (باب مناقب
طلحة رقم/ ٣٧٣٩/، والحاكم في المستدرك ٣٧٤/١ وصححه ، وسكت عليه الذهبي .
- ٣٦ -
i

- لأصحابه - وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - المشركون -. ثم تقدُّم فلقيَه سعدُ بن
معاذ ، فقال : أين يا سعد؟ واهاً لريح الجنة ، والله إني لأجد ريحها دون أحد . قال سعد :
فما استطعتُ أصنعُ ما صنعَ ، مضى حتى استشُهد . قال: قال أنس: ما عرفتُه إلا بينَانِهِ،
لأنه مُثِّل به ، وجدنا فيه بضعةً وثمانين أثراً ما بين ضربةٍ بالسيف وطعنةٍ بالرمح ورمية بالسهم ،
فكنا نتحدث أن فيه وفي أصحابه نزلت : ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله
عليه﴾(١) [الأحزاب: ٢٣].
وروينا عن ابن إسحاق ، عن حُميد الطويل ، عن أنس قال : لقد وجدنا بأنس بن
النضر يومئذٍ سبعينَ ضربة، فما عرفتْه إلا أختُه ، عرفتْه ببنانِهِ(٢).
أخبرتنا السيدة الأصيلة مؤنسة خاتون بنت السلطان الملك العادل سيف الدين أبي
بكر بن أيوب رحم الله سلفها ، فيما قرأته عليها ، عن عفيفة بنت أحمد بن عبد الله الفَارِقانية
إجازة ، قالت : أخبرنا أبو طاهر عبد الواحد بن محمد بن أحمد بن الصباغ ، قال : أخبرنا
أبو نُعيم الحافظ ، قال : أخبرنا أبو علي بن الصواف ، حدثنا محمد بن نصر - يعني أبا جعفر
الصايغ - حدثنا إبراهيم - يعني ابن حمزة - حدثنا عبد العزيز - يعني ابن محمد - عن
عُبيد الله - يعني ابن عمر - عن نافع، عن ابن عمر: أن عمر بن الخطاب قال لأخيه
زيد بن الخطاب يوم أحد : خذْ درعي هذه يا أخي . فقال له إني أريد الشهادة مثل ما تُريد .
فتر كاها جميعاً(٣) .
قال ابن إسحاق : ولما انتهى رسولُ اللهِ مَّهِ إلى أهلِهِ ناولَ سيفَه ابنته فاطمة، فقال:
اغسلي عن هذا دمَه يا بنيّة ، فوالله لقد صدقني اليومَ . وناولها عليّ بن أبي طالب سيفَه ، "
وقال : وهذا فاغسلي عنه دمَه ، فوالله لقد صدقني اليومَ. فقال رسولُ الله عآلم: لئن كنتَ
(١) رواه البخاري في الجهاد ( باب قول الله عز وجل: من المؤمنين رجال صدقوا ... ) رقم/٢٨٠٥/، ومسلم
في الإمارة (باب ثبوت الجنة للشهيد) رقم/١٩٠٣/، والترمذي في التفسير (باب ومن سورة الأحزاب )
رقم /٣١٩٨/، وهو عند الإمام أحمد في المسند ١٩٤/٣و٢٥٣.
(٢) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٨٣/٢.
(٣) حلية الأولياء ٣٦٧/١.
- ٣٧ -

صدقتَ القتالَ ، لقد صدقَ معكَ سهلُ بن حُنيف وأبو دجانة (١).
۔۔
وروينا عن ابن عقبة: ولما رأى رسولُ الله عَ لَّه سيفَ على مختضباً دماً، قال: ((إن
تكنْ أحسنتَ القتالَ فقد أحسنَ عاصمُ بن ثابت بن أبي الأقلح ، والحارثُ بنِ الصِّمَة ،
وسهل بن حنيف )) ثم قال : أخبروني عن الناس ما فعلوا وأين عامّتُهم؟ ثم قال : إن المشركين.
لن يُصيبوا منا مثلَها حتى تُِّيْحَهم(٢). ومثَّلَ المشركون يومئذ بقتلى المسلمين إلا ما كان من
حنظلة ابن أبي عامر ، فإن أباه كان معهم ، فلذلك لم يُمثلوا به ذكره ابن عقبة . وقال : قال .
سهل بن سعد الساعدي: قال رسول الله عَ له: ((اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)).
وانهزمَ قومٌ من المسلمين ، منهم عثمان بن عفان ، وسعد بن عثمان ، وأخوه عقبة بنِ
عثمان ، مِن بني زُرَيْق ، وخارجة بن عامر الأنصاري. ثم عفا الله عنهم ، ونزل فيهم: ﴿ إنّ
الذين تولَّواْ منكم يومَ التقى الجمعانِ إنما استزلَّهم الشيطانُ ببعضِ مَا كَسَبوا ﴾ [ آل عمران:
١٥٥ ] الآية .
... -
قال ابن عقبة : تولوا حتى انتهوا إلى بئر جَرْمٍ(٣).
وروپنا عن محمد بن سعد : قال أبو النمر الکِناني - هو جدُّ شريك بن عبد الله بن أبي
نَمْرِ المحدث -: شهد أحداً مع المشركين ، وقال: رَميتُ يومئذٍ بخمسين مَرْماة ، فأصبتُ.
منها بأسهم، وإني لأنظر إلى رسول الله عَّهِ، وإن أصحابَه ◌ُحدقون به ، وإن النبلَ لمُّ عن
يمينه وعن شماله ، ويقصرُ بين يديه ويخرجُ من ورائه، ثم هداه الله للإسلام.
ذ کر فوائد تتعلق بهذه الأخبار
· الأحابيش : الذين خالفوا قريشاً، هم بنو المصطلق سعد بن عمرو ، وبنو الهون بن
خزيمة ، اجتمعوا بذنبة ◌ُبْشي ، وهو جبل بأسفل مكة ، فتحالفوا بالله : إنا ليد على غيرنا
(١) السيرة النبوية ١٠٠/٢.
(٢) ((نُتِيحَهم)): قال في النهاية: يُقال: أتاح الله لفلان كذا: أي قدَّره له وأنزله به . وفي نور النبراس لوحة
٢١٤/٢٢: يُقال: أتاح له الشيء يَتوحُ: نَهيَّاً .
(٣) بئر جَرْم : هو بفتح الجيم وإسكان الراء وبالميم .
- ٣٨ -

ما سجَى ليلٌ ووضحَ نهار ، وما رَسَا حُبْشِي مكانه . فسُمُّوا أحابيش ، باسم الجبل . قال حماد
الراوية : سُمُّوا أحابيش لاجتماعهم ، والتجمّع في كلام العرب هو التحبُّش . قاله ابن قتيبة في
كتاب ((المعارف)) له. رأيت ذلك بخط جدي رحمه الله، وقال: إنه قرأه على أبي عليّ شيخه
عمر بن محمد الأزدي .
• والثّلْم : - ساكن اللام -، في السيف، والثَّلَم - مفتوح اللام -: ثَلَمُ الوادي.
● وذكرَ أبا خيثمة الحارثي دليلَ رسول اللهِ مَله، ولم ينبه عليه ابنُ هشام، والذي
ذكره ابن(١) سعد وغيرُه أبو حَثْمة، وهو عندهم والد سهل بن أبي حَثْمة ، قال أبو عمر (٢):
وليس في الصحابة أبو خيثمة إلا عبد الله بن خيثمة السالمي ، له خبر معروف في غزوة تبوك ،
وأبو خيثمة عبد الرحمن بن أبي سَبْرة الجُعفي ، والد خيثمة بن عبد الرحمن صاحبٍ
عبد الله بن مسعود ، وأبو حَثْمة هذا : عبد الله ، وقيل : عامر بن ساعدة بن عامر بن
عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس ، نسبه
كذلك أبو عمر .
• ونضحتُ النشّابَ ، بالحاء المهملة : رميتُ .
● وذكرَ الرجز الذي قالته هند بنت عتبة * إن تقبلوا نعانق * وأوله:
تمشي على المارق
نحنُ بناتُ طارق
وكذا ذكره(٣) ابن سعد ، فقال : روي هذا الشعرُ لهند بنت عتبة؛ كما قال ابن
إسحاق ، والشعر ليس لها ، وإنما هو لهند بنت بياضة بن طارق بن رياح بن طارق الإيادي ،
قالته حين لقيت إياد جيش الفرس بجزيرة الموصل ، وكان رئيس إياد بياضة بن طارق ووقع في
شعر أبي دُؤَاد الإِيادي ، وذكر أبو رِيَاش وغيرُه أن بكر بن وائل لما لقيتْ تغلبَ يومَ قِضَّة ،
ويُسمَّى يومَ التحليق، أقبل الفِنْد(٤) الزِّمَّاني، ومعه ابنتان، وكانت إحداهما تقول: « نحن
(٢) الاستيعاب ؛ لابن عبد البر ٤١/٤.
(١) الطبقات الكبرى ٣٨/٢ .
(٣) الطبقات الكبرى ٤٠/٢ .
(٤) ((الفِنْد)): بكسر الفاء وسكون النون ودال مهملة، هو لقب، وأسمه سهل الزماني ، كذا قاله مجد الدين
الفيروز أبادي في قاموسه ، ولفظه: الفِنْد: بالكسر، الجبل العظيم ، أوقطعة منه، ويُفتح ، وفي الصحاح :
والفِند : قطعة من الجبل طولاً ، والفِند : الزمانُّ الشاعر.
- ٣٩ -

بناتُ طارق * فطارق على رواية من رواه لهند بنت عتبة أو لبنت الفِنْد الزِّمَّاني تمثيل.
واستعارة ، لا حقيقة ، شبَّهت أباها بالنجم الطارق في شرفه وعلوه ، وعلى رواية من رواه
لهند بنت بياضة حقيقة لا استعارة؛ لأنه اسمُ جدِّها، قال البَطَلْيُوسي: والأظهر أنه لبنت
بياضة ، وإنما قاله غيرُها متمثلاً. وقال أبو القاسم السهيلي على قول من قال أرادث به النجم
لعلوه : هذا التأويل عندي بعيد، لأن طارقاً وصف للنجم لطُروقه ، فلو أرادته لقالت : بناتُ
الطارق، فعلى تقدير الاستعارة يكون (( بنات)) مرفوعاً، وعلى تقدير أن يكون الشعر لابنة
بياضة بن طارق يكون منصوباً على المدح والاختصاص نحو :
* نحن بني ضَّةَ أصحابَ الجمل .
· والكُّول : آخرُ القومِ أو آخرُ الصفوف .
• ولولت المرأة : دعت بالويل .
· ما يُليق : ما يُبقي .
· والهذ - معجم الذال ـ القطع، ومهملها : الهدم .
وقوله : فكأنما أخطأ رأسه، أخطأ الشيء إذا لم يتعمده ، أي كان في إلقائه رأسه كأنه
لم يتعمده ولا قصده .
• ويَحْمُسُ الناسَ: بالسين المهملة ، يُشجعهم، من الحماسة ، وبالمعجمة من
أحمشتُ النَّار : أوقدتها ، أي يُغضبهم .
● وذكر خبرَ قتادة بن النعمان في ذهاب عينه ورجوعها ، وقد روي أن عينيه جميعاً
سقطتا ، رواه محمد بن أبي عثمان ، عن مالك بن أنس ، عن محمد بن عبد الله بن أبي
صعصعة ، عن أبيه ، عن أبي سعيد ، عن أخيه قتادة بن النعمان ، قال : أُصيبت عيناي يومَ
أحد، فسقطتا على وجنتيّ، فأتيتُ بهما النِّ عَُّالمِ فَأعادهما مكانهما، وبصقَ فيهما فعادتا
تَبْرُقان. قال الدارقطني : هذا حديث غريب عن مالك ، تفرَّد به عمَّار بن نصر وهو ثقة ،
ورواه الدارقطني : عن إبراهيم الحربي ، عن عمار بن نصر هذا .
- ٤٠ _