النص المفهرس
صفحات 1-20
السّيرة التَّبويّة عيون الأثر في فُنون المغَازيْ وَالشَمَائِلِ وَالسِّيَرَ تأليف الْحَافِظِ أَبِ الفَتْحِ مَّ بْمَحَمَّدِ بْنْ مَدِ بنِ سَيِّدِ النَّاسِالْيَعُمُرى المتوفى سنة ٧٣٤ هـ الجزء الثَّانِى مقّ نصوصه وخرّج أحاديثه وعلَّن عليه د. محمد العيد الخطراوي محي الدين يتو دار ابن كثير دمشق - بيروت مكتبة دار التراث المدينة المنورة -- غزوة أحد قرأت على أبي النور إسماعيل بن نور بن قمر الهيتي ، أخبركم أبو نصر موسى بن عبد القادر الجيلي قراءة عليه وأنتم تسمعون ، قال : أخبرنا أبو القاسم سعيد بن أحمد بن البنّاء، قال : أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد بن محمد البُسْري ، أخبرنا أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن اُلْخَلِّص ، حدثنا عبد الله، حدثنا العَبَّاس بن الوليد ، حدثنا أبو عَوانة ، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله عَ ◌ّةٍ: ((إن أُحداً هذا جبلٌ يُحبُّنا ونحبُّه))(١) . وكانت في شوال سنة ثلاث ، يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت منه عند ابن عائذ ، وعند ابن سعد: لسبع ليالٍ خلون منه، على رأس اثنين وثلاثين شهراً من مُهاجَره(٢)، وقيل : للنصف منه . وكان من حديث أحد ، قال ابن إسحاق : كما حدثني محمد بن مسلم الزهري ومحمد بن حَبَّان ، وعاصم بن عمر بن قتادة ، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ ، وغيرُهم من علمائنا ، كلُّهم قد حدَّث بعضَ الحديث عن يوم أحد ، وقد اجتمع حديثُهم كلُّه فيما سُقتُ من هذا الحديث عن يوم أحد ، قالوا - أو من قال منهم -: لما أُصيبَ يومَ بدر من كفار قريش أصحابُ القليب، ورجع فَلَّهم إلى مكة ، ورجع أبو (١) قال في نور النبراس لوحة ٢ ٢/ ١٨٥ : وهذه الطريق التي ذکر فیها حديث « أحد جبل يُحبنا ونحبه )) ليس في الكتب ، إنما هو فيها من غير هذه الطريق ، والله أعلم. وعمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري ، أفضل ما قيل فيه: صالح الحديث. انظر الميزان ٢٠١/٣ . والحديث في الصحيح من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، رواه البخاري في الجهاد ( باب الخدمة في الغزو) رقم / ٢٨٨٩/، ومسلم في الحج ( باب أحد جبل يحبنا ونحبه) رقم /١٣٩٣/، ومالك في الموطأ ( باب ما جاء في تحريم المدينة) ٨٨٩/٢، والترمذي في المناقب ( باب ما جاء في فضل المدينة) رقم /٣٩١٨/. ورواه البخاري ومسلم عن أبي حميد الساعدي ، ورواه البخاري عن سهيل بن سعد، ورواه مالك في الموطأ عن عروة بن الزبير مرسلاً . (٢) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ٣٦/٢. - ٥ - --- سفيان بن حرب بِعيرِهِ ، مِشِى عبدُ الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية في رجال من قريش ، ممن أُصيبَ آباؤهم وإخوانهم وأبناؤهم يومَ بدر، فكلُّموا أبا سفيان بن حرب ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة ، فقالوا : يا معشر قريش ؛ إن محمداً قد وَتَرَكم وقتلَ خيارَكم، فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا نُدركُ منه ثأراً بمن أصاب منا ، ففعلوا (١) . وقال ابن سعد : لما رجع مَنْ حضَر بدراً من المشركين إلى مكة ، وجدوا الغير التي قدم بها أبو سفيان بن حرب موقوفة في دار الندوة ، فمشت أشراف قريش إلى أبي سفيان ، فقالوا: نحن طَيِّبو أنفسٍ أن تجهزوا بربح هذه العير جيشاً إلى محمد . فقال أبو سفيان: فأنا أوّلُ من أجاب إلى ذلك وبنُو عبد مناف، فباعوها ، فصارت ذهباً، وكانت ألفَ بعير ، والمال خمسين ألف دينار ، فسلَّم إليَّ أهلُ العير رؤوسَ أموالهم ، وأخرجوا أرباحهم ، وكانوا يربحون في تجاراتهم لكل دينار ديناراً(٢). قال ابن إسحاق : ففيهم كما ذكر لي بعضُ أهل العلم أنزل الله تعالى: ﴿ إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدُّوا عن سبيل الله فسيُنْفقونها ثم تكون عليهم حسرةً ثم يُغلبون والذين كفروا إلى جهنم يُحشرون﴾ [ الأنفال: ٣٦] فاجتمعت قريش الحرب رسول الله عَِّ حين فعل ذلك أبو سفيان وأصحابُ العير بأحابيشها (٣) ومن أطاعها من قبائل كنانة وأهل تهامة (٤) . (١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٦٠/٢. (٢) الطبقات الكبرى ٣٧/٢. (٣) ((الأحابيش)): هم أحابيش قريش؛ سُمو بذلك لأنهم تحالفوا بالله أنهم لَيَدٌ على غيرهم ما سجى ليل ووضح نهار ، ومارسى حُبْشِيٌّ. وحُبْشي: بضم الحاء ، اسم جبل بأسفل مكة ، ومنهم : ينو المصطلق ، وبنو الهُون بن خزيمة ، وهم من عامة حلفاء قريش . (٤) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢/ ٦٠ - ٦١ . - ٦ - قال ابن سعد: وكتب العباسُ بن عبد المطلب إلى رسول الله عَ ليه بخيرهم كله، فأخبرَ رسولُ الله عَ لِ سعدَ بن الربيع بكتاب العباس(١). رجع إلى خبر ابن إسحاق : وكان أبو عَزَّة عمرو بن عبد الله الجُمَحي قد مَنَّ عليه رسول الله عَّله يوم بدر، وكان فقيراً ذا عيال وحاجة ، وكان في الأسارى، فقال : يا رسول الله إني فقير ذو عيال وحاجة قد عرفتَها فامننْ علَّ صلى الله عليك وسلم ، فمنَّ عليه رسولُ اللهِ عَ لِّ، فقال له صفوان بن أمية: يا أبا عزة إنك رجلٌ شاعر، فأعِنَّا بلسانك ، فاخرج معنا . فقال : إن محمداً قد مَنَّ عليّ، فلا أريد أن أُظاهر عليه . قال : بلى ، فأُعِنّا بلسانك ، فلك الله علّ إن رجعتُ أن أَغنيك ، وإن أُصبت أن أجعلَ بناتِك مع بناتي يُصيبهن ما أصابهنَّ من عُسْر وَيُسْر، فخرجَ أبو عزَّةَ ومُسافع بن عبد مناف يستنفران الناسَ بأشعارٍ لهما، فأما أبو عزّة فظفر به رسولُ الله عَ ل بعد الوقعة بحمراء الأسد ، فقال : يا محمد أقلني. فقال: لا والله، لا تمسحُ عارضيْكَ بمكة، تقول : خدعتُ محمداً مرتين. ثم أمرَ عاصم بن ثابت فضربَ عنقه . وقال سعيد بن المسيب : فيه قال عليه الصلاة والسلام: (( لا يُلدغ المؤمنُ من جُحْر مرّتين))(٢). ودعا جُبيرُ بن مُطْعم غلاماً له حبشياً ، يُقال له وحشي ، يقذف بحربة له قذفَ الحبشة قلّما يُخطىء بها. فقال له : اخرجْ مع الناس ، فإن أنتَ قتلتَ حمزةَ عمَّ محمد بعمّي طُعيمة بن عدي فأنت عتيق . وخرجوا معهم بالظَّعُن(٣) التماسَ الحفيظة، وأن لا يفِرُّوا، فأقبلوا حتى نزلوا بعَيْنَيْن - جبل ببطن السبخة من قناة ، على شفير الوادي مقابل المدينة - فلما سمع بهم (١) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ٣٧/٢. (٢) حديث سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي معَ له، قال: ((لا يلدغ المؤمنُ من ◌ُخْرٍ واحدٍ مرتين )) رواه البخاري في الأدب ( باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين) رقم /٦١٣٣/، ومسلم في الزهد ( باب لا يلدغ المؤمن .. ) رقم /٢٩٩٨/، وأبو داود في الأدب ( باب في الحذر من الناس ) رقم /٤٨٦٢/، وابن ماجه في الفتن ( باب العزلة) رقم / ٣٩٨٢/. (٣) ((الظعن)): النساء في الهوادج. - ٧ - رسولُ اللهِ عَّه والمسلمون قد نزلوا حيث نزلوا، قال رسول الله عَ له للمسلمين: إني قد رأيتُ والله خيراً. رأيتُ بقراً تُذبحُ ، ورأيت في ذُباب سيفي ثَلْماً ، ورأيتُ أني أُدخلتُ يدي في درع حصينة ، فأوّلتُها المدينة . وعن ابن هشام : فأما البقرُ فناسٌ من أصحابي يُقتلون ، وأما الثَّلْم الذي رأيتُ في سيفي ، فهو رجلٌ من أهل بيتي يُقتل(١) . وقال ابن عُقبة : ويقولُ رجالٌ : كان الذي رأى بسيفه : الذي أصابَ وجهَه ، فإن العدو أصابوا وجهَه عَ لِ يومئذ وفصموا (٢) رباعيته، وجرحوا شفتَه، وسيأتي ذكر من فَعَل. ذلك . وعن ابن عائذ أن الرؤيا كانت ليلة الجمعة . رجع إلى الأول، قال ابن إسحاق: قال - يعني النبي عَّه ـ: فإن رأيتم أن تُقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشر مُقام ، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها، وكان رأيُ عبد الله بن أبيّ بن سلول مع رأي رسول الله علّ ◌ُله، يرى أن لا يخرجَ إليهم، فقال رجالٌ من المسلمين ـ ممن أكرم الله بالشهادة يومَ أحد وغيره ـ ممن فاته بدر مع رسول الله عَّلِ ـ: اخرجْ بنا إلى أعدائنا، لا يَروْنَ أنا جَبْنًّا عنهم وضعفنا . فلم يزالوا برسول الله عَّلِ حتى دخلَ فلبس لأُمتَه(٣)، وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة ، وقد مات في ذلك اليوم رجلٌ من الأنصار، يقال له: مالك بن عمرو ، أحد بني النجار ، فصلّى عليه رسولُ الله عَّهِ، ثم خرجَ إليهم وقد ندم النَّاسُ، وقالوا: استكرهْنَا رسولَ الله عَ لِّ ، ولم يكن لنا ذلك. فلما خرجَ عليهم رسولُ الله عَّهِ ، قالوا: يا رسول الله استكرهْنَاكَ ولم يكن لنا ذلك، فإن شئتَ فاقْعدْ. فقال رسولُ اللهِ عَ له: ما ينبغي للنبي إذا لبس لأُمتُه أن يضعَها حتى يُقاتل. فخرجَ رسول الله عَِّ في ألف من أصحابه . قال ابن هشام : واستعملَ ابنَ أَمِّ مكتوم على الصلاة بالناس ، قال ابن إسحاق : حتى إذا كانوا بالشَّوْط بين المدينة وأحد انخزل (٤) عنه عبد الله بن أبّ بثلث الناس ، وقال : أطاعَهم (١) السيرة النبوية ٦١/٢ - ٦٣ (٢) ((وفَصَمُوا)): كسروا. (٣) ((لأُمَّتَه)): اللأمة : أداة الحرب ، والدرع خاصة . (٤) ((انخزلَ)): انفرد ورجع. - ٨ - وعصاني ، ما ندري على ما نقتلُ أنفسَنا . فرجعَ بمن اتّبعَه من قومه من أهل النفاق والرَّيْب ، واتَّبعهم عبدُ الله بن عمرو بن حرام ، يقول: يا قوم أُذَكِّرُكُم اللَّهَ ألا تخذلوا قومَكم ونبيَّكم عندما حضر من عدوهم. قالوا: لو نعلم أنكم تُقاتلون لما أسلمناكم، ولكنَّا لا نَرى أنه يكون قتال . قال : فلما استعصوْا عليه وأبوا إلا الانصراف . قال: أبعد كم اللَّهُ أعداء الله ، فسيُغني الله عنكم نبيَّه(١). قال ابن عقبة : فلما رجع عبدُ الله بن أبيّ بثلاثمائة سُقِطَ في أيدي الطائفتين من المسلمين ، وهمَّا أن يقتتلا، وهُما بنو حارثة وبنو سَلِمة كما يُقال. أخبرنا الإمام الزاهد أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن أحمد بن الواسطي قراءةً عليه وأنا أسمع ، قال : أخبرنا المشايخ : أبو البركات داود بن أحمد بن محمد بن ملاعب البغدادي ، وأبو نصر موسى بن عبد القادر الجيلي ، وأبو الفضل محمد بن محمد بن السَّبَّاك ، قال الأولان : أخبرنا أبو القاسم سعيد بن أحمد بن محمد بن البنا ، وقال الثاني : أخبرنا أبو المعالي محمد بن محمد بن محمد الجبَّان ، قال الأول : أخبرنا. وقال الثاني : أنبأنا أبو القاسم بن البسري ، أخبرنا أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن الذهبي ، حدثنا عبدُ الله بن محمد ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ ، حدثنا أبو أسامة ، عن شعبة ، عن عدي بن ثابت ، عن عبد الله بن يزيد، عن البراء بن عازب، قال: لما خرجَ رسولُ الله عَّلِ إلى أُحد، خرج معه بأناس، فرجعوا، قال: فكان أصحابُ رسول الله عَ ليه فيهم فِرْقتين، فقالت فِرْقة: نقتلُهم ، وقالت فِرْقة: لا نقتلهم. قال: فنزلت ﴿فمالكم في المنافقين فئتين والله أركسَهم بما كسَبُوا ﴾ [ النساء : ٨٨ ]. قال: فقال رسولُ الله عَ لِ: ((إنها طيبةُ وإنها تنفي الخبثَ كما تنفي النارُ خبثَ الفِضَّة))(٢). (١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٦٣/٢ - ٦٤ . (٢) قال في نور النبراس: هذا الحديث هو في البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، لكن من حديث عبد الله بن يزيد عن زيد بن ثابت ، وإنما آثر المؤلف تخريجه من عند البغوي ، ولم يخرجه من هذه الكتب ؛ لأنه يقع له أعلى مما في الكتب بدرجة . وهو عند البخاري في المغازي ( باب غزوة أحد ) رقم /٤٠٥٠/، ومسلم في المنافقين في أوله رقم /٢٧٧٦/، والترمذي في التفسير (باب ومن سورة النساء) رقم / ٣٠٣١/. - ٩ - وعن ابن إسحاق من غير طريق زياد ، عن الزهري ، أن الأنصار يوم أحد قالوا : يا رسول الله ألا نستعين بحلفائنا من يهود؟ فقال: (( لا حاجة لنا فيهم))(١). قال زياد: وحدثني محمد بن إسحاق، قال: ومضى رسولُ اللهِ عَّه حتى سَلَكَ في حرة بني حارثة ، فذبَّ فرسٌ بذنبه، فأصاب كُلاَّبَ سيفٍ(٢) واستلّه، فقال رسولُ اللهِ عَ لَّهِ - وكان يُحبُّ الفأل ولا يُعْتَأُفُ(٣) -: يا صاحب السيف شِمْ(٤) سيفَكَ ، فإني أرى السُّيوَفَ ستُسَلُّ اليومَ . ثم قال رسولُ الله عَ لّهِ لأصحابه: مَنْ رجلٌ يَخرجُ بنا على القوم من كَثَبٍ ــ أي من قرب - من طريق لا يمرُّ بنا عليهم؟ فقال أبو خيثمة أخو بني حارثة بن الحارث : أنا يا رسول الله . فنفذ به في حرة بني حارثة وبين أموالهم، حتى سلكَ في مالٍ لِمِرْبَع بن قَيْظي، وكان رجلاً منافقاً ضريرَ البصر ، فلما سمعَ رسولَ الله عَّلِ ومَنْ معه من المسلمين قام يَحئي في وجوههم التراب ، ويقول : إن كنتَ رسولَ الله فإني لا أُحِلُّ لك أن تدخلَ حائطي .. وقد ذُكر لي أنه أخذ حفنةً من تراب في يده ، ثم قال: والله لو أعلم أني لا أصيبُ بها غيرَك يا محمد لضربتُ بها وجهك. فابتدره القومُ ليقتلوه، فقال رسول الله عَ لِ: (( لا تقتلوه، فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر)). وقد بدّر إليه سعدُ بن زيد أخو بني عبد الأشهل قبلَ نهي رسول الله عَُّله فضربه بالقوس في رأسه فشجَّه ، ومضى رسولُ الله حتى نزلَ الشّعبَ من أحد ، في عُدْوَة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهرَه وعسكرَه إلى أُحد ، وقال: (( لا يُقاتلنَّ أحدٌ حتى آمَرَه بالقتال)). وقد سَّحتْ قريشٌ الظّهرَ والكُراع في زروع كانت بالصَّمغة (٥) من قناة للمسلمين، فقال رجل من الأنصار حين نهى رسول الله عز له عن القتال: أَتُرعى زروعُ - (١) السيرة النبوية ٦٤/٢ عن ابن هشام. (٢) (( كُلاَّب سيف)): الحديدة المعقوفة في آخر مقبض السيف مما يلي الغِمد. (٣) ((ولا يَعتافُ)): هي من العِيافة، وهي عادة جاهلية، تتمثل في زجر الطير بغية كشف المستقبل، فهو إن طار يميناً دلَّ عندهم على الخبر، وإن طار شمالاً دلَّ على الشر، وقد اعتبر الإسلام هذا وما شابهه منافياً للتوحيد . (٤) ((شِمْ سيفَك)): أُغمده ، قالوا: وهو من الأضداد . (٥) )) الصَّمغة)) : موضع قرب أحد . - ١٠ - بني قَيْلة ولما تُضارب . وتعبَّى رسولُ الله عَ لِ للقتال وهو في سبعمائة رجل . وأَمَّر على الرماة عبدَ الله بنَ جُبير أخا بني عمرو بن عوف ، وهو مُعْلِمٌ(١) يومئد بثیاپٍ بيض ، والرماة خمسون رجلاً، فقال : انضح الخيلَ عنا بالنّل ، لا يأتونا من خَلْفنا إن كانت لنا أو علينا، فاثبتْ مكانَك لا نؤتينَّ من قِبَلِكَ . وظاهرَ(٢) رسولُ الله عَلْ بین درعين ، ودفعَ اللواء إلى مصعب بن عمير أخي بني عبد الدار(٣). وقال ابن عقبة: وكان حاملَ لواء المهاجرين(٤) رجلٌ من أصحاب النبي عَ ◌ّلِ، فقال: أنا عاصمّ إن شاء الله لما معي. فقال له طلحةُ : هل لك يا عاصم في المبارزة ؟ قال : نعم فبدّره ذلك الرجل فضربه بالسيف على رأسه - وقع السيف في لحيته - فقتله ، فكان قتل صاحب لواء المشركين تصديقاً لرؤيا رسول الله عَ ليه((إني مُردف كبشاً)) (٥). فلما صُرع صاحبُ اللواء انتشر النِّ عَ لِ وأصحابُه وصَاروًا كتائبَ متفرقة، فجاسُوا العدوَّ ضرباً حتى أجهضوهم عن أثقالهم(٦)، وحملت خيلُ المشركين على المسلمين ثلاثَ مَرّاتٍ ، كلُّ ذلك تُنضح بالنبل ، فترجعُ مغلولة ، وحمل المسلمون على المشركين فنهكوهم قتلاً . وذكر ابن عائذ : أن طلحة المذكور في هذا الخبر هو ابن عثمان أخو شيبةً ، من بني عبد الدار ، وكان بيده لواء المشركين يومئذ ، وأن الرجلَ الذي كان بيده لواء المسلمين المهاجرين علّ بن أبي طالب . والذي قاله ابن هشام في هذه القصة قال : ويُقال إن أبا سعد بن أبي طلحة خرج بين (١) (( مُعْلِمٌ)): أعلم الفارس نفسَه في الحرب؛ إذا وسمَ نفسَه بسيمة يُعلم بها ولا يختلط بغيره من المقاتلين، وهو أمارةٌ عندهم على الشجاعة وقوة المواجهة . (٢) ((وظَاهَر)): ليس إحدى الدرعين فوق الأخرى، ولعلَّ في ذلك توجيهاً منه عَ لله إلى وجوب اتخاذ الأسباب ، ومواجهة القتال بالحيطة وإعداد العدة . (٣) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢/ ٦٥ - ٦٦ . (٤) سيأتي قريباً : أن الرجلَ هو عليّ بن أبي طالب ، وأن طلحة هو طلحة بن عثمان حامل لواء المشركين . (٥) رواه الإمام أحمد والنسائي والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ كما في السيرة الشامية ٤/ ٢٧٤ ، وهو في المسند ١/ ٢٧١، ودلائل النبوة للبيهقي ٢٠٧/٣ . (٦) ((أجهضوهم عن أثقالهم)): نَخُّوهم وأزالوهم، والأثقال: جمع ثَقَل، بفتحتين ، المتاع. - ١١ - الصفين فنادى : أنا قاصمٌ من يُبارزني؟ مراراً . فلم يخرجْ إليه أحد . فقال : يا أصحاب محمدٍ : زعمتم أنَّ قتلاكم في الجنة ، وأن قتلانا في النار ، كذبتم واللات ، لو تعلمون ذلك حقاً لخرجَ إليَّ بعضُكم. فخرج إليه عليّ بن أبي طالب، فاختلفا ضربتين، فقتلَه علِّ رضي الله عنه(١). قال ابن هشام: وأجازَ رسولُ الله عَ ليه يومئذ سمرةَ بن جُندب الفِزَاري ورافعَ بن خديج أحد بني حارثةَ ، وهما ابنا خمسَ عشرة سنة، وكان قد ردَّهما ، فقيل له: إن رافعاً زامٍ ، فأجازه، فلما أجازَ رافعاً قيل له : يا رسول الله فإن سَمُرة يصرعُ رافعاً، فأجازَه رسول الله عٍَّ، وردَّ أسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت ، وأُسيد بن ظَهير ، ثم أجازهم يوم الخندق وهم أبناء خمس عشرة سنة(٢). قرأْتُ على أبي الهيجاء غازي بن أبي الفضل ، أخبركم أبو علي حنبل بن عبد الله بن الفرج سَمّاعاً ، أخبرنا أبو القاسم بن الحصين أخبرنا أبو علي بن المُذْهِب، أخبرنا أبو بكر القطيعي ، حدثنا عبد الله بن أحمد ، حدثنا أبي ، حدثنا يحيى ، عن مُبيد الله ، أخبرني نافع ، عن ابن عمر؛ أن النبيَّ عَظَلِ عرضَه يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يُجزْه، ثم عرضه يومَ الخندق وهو ابنُ خمس عشرة سنة فأجازَه ، رواه أبو داود عن الإمام أحمد(٣) .. وأخبرتنا السيدة مؤنسة خاتون ابنة السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب رحمهما الله، ورحم سلفَها، سماعاً، قالت : أخبرتنا أم هانىء عفيفة بنت أحمد (١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢/ ٧٤ . (٢) المصدر السابق ٢/ ٦٦ . (٣) رواه الإمام أحمد في المسند ٢/ ١٧، ٤٠، وأبو داود في كتاب الحدود ( باب في الغلام يُصيب الحدَّ!) رقم / ٤٤٠٦/ وفي كتاب الخراج والإمارة رقم /٢٩٥٢ / عن الإمام أحمد بن حنبل . وهو حديث صحيح رواه البخاري في المغازي ( باب غزوة الخندق ) رقم /٤٠٩٧/، ومسلم في الإمارة ( باب سن البلوغ ) رقم /١٨٦٨٪، والترمذي في الجهاد ( باب حد بلوغ الرجل) رقم /١٧١١/، وابن ماجه في الحدود ( باب من لا يجب عليه الحد) رقم /٢٥٤٣/. ونسبه المنذري للنسائي في السنن الكبرى أيضاً. وإنما آثر المؤلف إخراج هذا الحديث من مسند أحمد ولم يخرجه من هذه الكتب لعلوه له من المسند . نور النبراس لوحة ٠١٩١/٢٢ - ١٢ - الفارقانية إجازة ، قالت : أخبرنا أبو طاهر عبدُ الواحد بن محمد بن أحمد بن الدَّشْتج ، أخبرنا أبو نُعيم الحافظ ، أخبرنا أبو علي محمد بن أحمد بن الصوَّاف ، حدثنا جعفر بن أحمد ، حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، حدثنا أبو بكر الهذلي ، عن نافع؛ أن عمر بن عبد العزيز سأله: هل تدرون ما شهدَ عبدُ الله بن عمر مع النبي عَّه من المغازي ؟ فقال: نعم. حدثنا عبد الله بن عمر ، قال : كانت غزوة بدر وأنا ابن ثلاث عشرة سنة ، فلم أخرج مع النبي عَّهِ، ثم كانت غزوة أحد وأنا ابن أربعَ عشرة سنة ، فخرجتُ إلى البِي عَِّ، فلما رآني استصغرني فردَّني ، وخلَّفني في حرس المدينة في نفر ردهم ، منهم : زيد بن ثابت ، وأوس بن عَرابة بن أوس ، ورافع بن خديج ، وكان رافعُ أُطولَنا يومئذ ، فأنفذه النِي عَِّ فلم يردَّه معنا ، وكانت غزوة الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة ، وأنفذني فغزوت معه . فلما حُدِّث هذا الحديث دعا كاتبه ، فقال: أعجل عليّ كاتباً إلى الأمصار كلِّها ، فإن رجالاً يقدَمُون إليَّ يستفرضون لأبنائهم وإخوانهم ، فانظروا من فرضتُ له فاسألوهم عن أسنانهم، فمن كان منهم ابنَ خمس عشرة سنة فافرضوا له في المقاتلة ، ومن كان دون ذلك فافرضوا له في الذرية(١) . كذا وقع في هذا الخبر أوس بن عَرابة ، وإنما هو عَرابة بن أوس ، وأبوه أوس بن قيظي ، كان من كبار المنافقين ، وهو أحد القائلين إن بيوتنا عورة. وعَرابة الذي يقول فيه الشَّمَّاخ بن ضرار : إلى الخيراتِ منقطعَ القرينِ رأيتُ عَرَابةَ الأوسيِّ يَسمُو ئلَقَّاهَا عَرَابةً باليمينِ إذا ما رايةٌ رُفعت لمجدٍ وقد ردَّ رسولُ الله عَّلِ يوم أحد أيضاً البراء بن عازب ، وأبا سعيد الخدري ، وزيد بن أرقم ، وسعدَ بن عُقيب بن عمرو بن عدي بن زيد بن جُشم بن حارثة الأنصاري الحارثي ، وسعدَ بن حَبْتَة جدَّ أبي يوسف الفقيه - وهو سعدُ بن بَجِير بن معاوية حليفُ بني عمرو بن عوف ، أمُّه حبتة بنت مالك ــ وزيد بن جارية من بني عمرو بن عوف ، وذكره ابن أبي حاتم فيمن اسم أبيه على حرف الحاء ، يعني ابن حارثة ، فوَهِم في ذلك - وهو أخو (١) المصنف ؛ لابن أبي شيبة ٥٣٩/١٢، وكتاب الخراج؛ لأبي يوسف ص ٣٤٢. - ١٣ - مُجُمِّع بن جارية ـ وجابر بن عبد الله، وليس بالذي يُروى عنه الحديث(١) .. قال ابن إسحاق : وتعبَّأْت قريش ، وهم ثلاثة آلاف رجل ، ومعهم مائتا فرس(٢) قال ابن عُقبة : وليس في المسلمين فرسٌ واحدٌ . قال الواقدي: لم يكن مع المسلمين يوم أحد من الخيل إلا فرسُ رسول الله بَ له وفرسُ أبي بُرْدة(٣) .. قال ابن عقبة: فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد وعلى ميسبرتها عكرمة بن أبي جهل . قال ابن سعد: وجعلوا على الخيل صفوان بن أمية ، وقيل : عمرو بن العاص ، وعلى الرماة عبد الله بن أبي ربيعة ، وكانوا مائة ، وفيهم سبعمائة دارع، والطّعن خمس عشرة امرأة . وشاعَ خبرُهم في الناس ومسيرُهم حتى نزلوا ذا(٤) الحليفة، فبعثَ رسولُ الله عَ لَّلِ عَينين له. أنساً ومؤنساً ابني فَضَّالة الظُّفَرِيِّين ، ليلة الخميس لخمس ليالٍ مضتْ من شوال ، فأتيا رسولَ الله عَّ له بخبرهم، وأنهم قد خُلُّوا إبلَهم وخيلَهم في الزرع الذي بالعُرَيض(٥)، حتى ترکوه ليس به خضراء ، ثم بعث الحباب بن المنذر بن الجموح إلیہم أیضاً ، فدخل فيهم، فحزَرَهم ، وجاءه بعلمهم، وبات سعدُ بن معاذ وأسيد بن حُضير وسعدُ بن عبادة في عِدَّةٍ ليلة الجمعة، عليهم السلاح في المسجد بباب رسول الله عَّل، وحُرست المدينة حتى أصبحوا - وذكرَ الرؤيا واختلافَهم في الخروج كما سُقناه - فصلَّى رسولُ اللهِ عَ اله الجمعة بالناس ، ثم وعظهم وأمرهم بالجد والاجتهاد ، وأخبرهم أن لهم النصر ما صبروا ، وأمرهم بالتهيّؤْ لعدوهم ، ففرح الناس بذلك، ثم صلَّى بالناس العصرَ وقد حَشدوا ، وحضرُ أهلُ العوالي، ثم دخلَ رسولُ الله ◌ِ له بيتَه ومعه أبو بكر وعمر، فعمَّماه ولَبَّساه. وصفَّ الناسُ (١) أي: ليس هو جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام السَّلمِي الذي استُشهد أبوه في أحد. واشتهر هو رضي الله. عنه برواية الحديث. بل هو رجل آخر من الأنصار. انظر الإصابة ٢١٤/١ . (٢) السيرة النبوية ؛ لابن هشام ٦٦/٢. (٣) الطبقات الكبرى ؛ لابن سعد ٣٩/٢. (٤) (( ذا الحُلَيْفة)): مقيات أهل المدينة، ويقع في الجنوب الغربي منها، على مسافة ثمانية أكيال. (٥) ((العُريض)): مكان كما تقدم، نزلوا فيه بعد ارتحالهم من ذي الحليفة . - ١٤ - ينتظرون خروجَه، فقال لهم سعد بن معاذ وأُسيد بن حضير: استكرهتم رسولَ الله عَ ليه على الخروج، فُرُدُّوا الأمرَ إليه. فخرجَ رسول الله عَ لِ وقد لبس لأُمَّتَه، وأظهرَ الدرع، وحزمَ وسطَها بِمِنْطَقَةٍ من أُدَم من حمائل سيف، واعتُمَّ وتقلَّد السيف ، وألقى التِّرسَ في ظهره ، فندموا جميعاً على ما صنعوا ، وقالوا: ما كان لنا أن نخالفَك فاصنع ما بدا لك . فقال : (( لا ينبغي لنّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه)) وعقد ثلاثة ألوية : لواء الأوس بيد أُسيد بن الحضير ، ولواء المهاجرين بيد علي بن أبي طالب ، وقيل: بيد مصعب بن عمير ، ولواء الخزرج بيد الحباب بن المنذر ، وقيل : بيد سعد بن عبادة . وفي المسلمين مائة دارع، وخرج السعدان أمامه يعدوان - سعد بن معاذ وسعد بن عبادة - دارعين . واستعمل على المدينة ابنَ أم مكتوم ، وعلى الحرس تلك الليلة محمد بن مسلمة في خمسين، وأَدلجَ رسولُ الله عَلِ فِي السَّحَر، ودليله أبو خيثمة الحارثي ، فحانت الصلاة - يعني الصبح - فصلّى. وانخزل حينئذ ابنُ أبّ من ذلك المكان بثلاثمائة . ومعه فرسُه وفرسٌ لأبي بُردة بن نیار ، وهو يقول : عصاني وأطاع الولدان ومن لا رأي له (١). رجع إلى خبر ابن إسحاق: قال: وقال رسولُ الله عَّهِ ((مَنْ يأخذ هذا السيف بحقه؟ )) فقام إليه رِجالٌ، فأمسكه عنهم، حتى قام إليه أبو دجانة سِمَاك بن خَرَشَة، أخو بني ساعدة ، فقال: وما حقه يا رسول الله؟ قال: ((أن تضرب به في وجه العدو حتى ينحنيَ)). قال: أنا آخذه يا رسول الله بحقه. فأعطاه إياه، وكان أبو دجانة رجلاً شجاعاً يختالُ عند الحرب إذا كانت، وحين رآه عليه الصلاة والسلام يتبختر، قال: ((إنها لِشْية يُبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن )). وكان أوّلَ من أُنشبَ الحربَ بينهم أبو عامر عبدُ بن عمرو بن صيفي بن مالك بن النعمان أحدُ بني ضُبيعة ، وكان فيما ذكرَ ابنُ إسحاق عن عاصم بن عمرو بن قتادة ، خرجَ (١) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ٣٦/٢-٤٠. - - ١٥ - حين خرج إلى مكة مُباعداً لرسول الله عَُّلِّ، معه خمسون غلاماً من الأوس ، وبعضُ الناس يقولُ خمسة عشر ، وكانَ يَعِدُ قريشاً أن لو لقي قومَه لم يتخلف عليه منهم رجلان ، فلقيهَم في الأحابيش وعُبدان أهل مكةٍ، فنادى: يا معشر الأوس! أنا أبو عامر. قالوا فلا أنعم الله بك عيناً يا فاسق. وكان يُسمَّى في الجاهلية الراهب، فسمَّاه رسولُ الله عَ لِ الفاسقِ. فلمَّا سمع ردَّهم عليه ، قال: لقد أصابَ قومي بعدي شرٌّ. ثم قاتلهم قتالاً شديداً ، ثم راضخهم بالحجارة . قال ابن إسحاق : وقد قال أبو سفيان لأصحاب اللواء من بني عبد الدار يُحرِّضُهم على القتال : يا بني عبد الدار؛ إنكم قد وَلِيْتم لواءَنا يوم بدر، فأصابنا ما قد رأيتم وإنما يؤتى الناس من قبَل راياتهم، إذا زالت زالوا ، فإما أن تكفونا لواءنا وإما أن تُخُلُّوا بيننا وبينه فنكفيكموه ، فهمُّوا به وتواعدُوه وقالوا: نحنُ نسلم إليك لواءنا؟ ستعلم غداً إذا التقينا كيف نصنعُ ، وذلك أراد أبو سفيان . فلما التقى الناسُ قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها : وأخذن الدفوف يضربن بها خلفَ الرجال ، ويحرِّضنَهم ، فقالت هند فيما تقول : وَيْهاً بني عبد الدار وَيْهاً حماةَ الأَدبار . ضرباً بكلِّ بِتَّار وتقول : إن تُقبلوا نُعانق ونفرشِ النَّمارق فراقَ غِيِرِ وَامقٍ (١) أو تُدِبِرُوا تُفارق (١) في (( ج)) و((د)) زيادة: قال أبو عمر في الاستيعاب: وكانت تقول - أي هند -: نَمشي على النَّمَـارِق نحنُ بناتُ طـارق والمِسْكُ في الْمَـفَـارق والدرُّ في المحـــائق ونَفْرِشٍ التَّمَـارِق إنْ تُقبلوا ثُعانق فِرَاق غير وَامِق: أو تُدبروا تُفَـارق ((النَّمارق)): جمع نمرقة، وهي الوسادة. و((الوامق)): المُحِبّ. - ١٦ - فاقتتل الناسُ حتى حميت الحربُ . وقاتل أبو دجانة حتى أمعنَ في الناس . قال ابن هشام: وحدثني غيرُ واحد ؛ أن الزبير بن العوام قال : وَجَدْت في نفسي حين سألتُ رسولَ الله عَ لِ السيفَ فمنعنيه، وأعطاه أبا دجانة ، فقلت: والله لأنظرنَّ ما يصنع ، فاتبعتُه ، فَأَخذَ ◌ِصَابةٌ له حمراء، فعصبَ بها رأسه ، وقالت الأنصار : أخرج أبو دجانة عصابة الموت ، وهكذا كان يقول إذا عصبَ بها ، فخرجَ وهو يقول : ونحن بالسَّفْح لدى النخيلِ أنا الذي عاهَدني خَليلي أضربْ بسيفِ الله والرسولِ (١) أن لا أقومَ الدهرَ في الکَیُّولِ فجعل لا يلقى أحداً إلا قتله . وكان في المشركين رجلٌ لا يدع لنا جريحاً الا ذَفَّف عليه ، فجعلَ كلُّ واحد منهما يدنو من صاحبه ، فدعوت الله أن يجمع بينهما ، فالتقيا فاختلفا ضربتين ، فضربَ المشرك أبا دجانةَ، فَاتَّقاه بدَرَقتهِ ، فَعَضَّتْ بسيفه ، وضربه أبو دجانة فقتله، ثم رأيتُه حملَ بالسيف على رأسِ هند بنت عتبة ، ثم عدلَ السيف عنها . قال ابن إسحاق : وقال أبو دجانة: رأيت إنساناً يَحْمُسُ (٢) الناس حَمْسَاً شديداً فصمدتُ إليه، فلما حملتُ عليه السيفَ وَلْوَلَ ، فأكرمتُ سيفَ رسول الله عَ لَّلِ أَن أَضربَ به امرأة . وقاتل حمزةُ بن عبد المطلب حتى قتلَ أرطاةَ بن شُرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار ، وكان أحد النفر الذين يحملون اللواء، ثم مرَّ به سِباعُ بن عبد العزى الغُبْشاني ، فقال له : هَلُمَّ يا بن مُقَطِّعة البُظور. وكانت أمُّه ختَّانةُ بمكة ، فلما التقيا ضربه حمزةُ فقتلَه . قال وحشُّ غلامُ جُبير بن مُطعمٍ : والله إني لأنظر إلى حمزة يهدُّ النَّاسَ بسيفه فما يُليقُ شيئاً ، مثل الجمل الأورق ، إذ تقدم اليه سِباحُ بن عبد العزى الغُبْشاني ، فضربه ضربةً ، فكأنما أخطأُ رأسَه ، وهززتُ حربتي حتى إذا رضيتُ منها ، دفعتُها عليه ، فوقعت في ثُنَّتِهِ ، حتى خرجتْ من بين رجليه ، فأقبلَ نحوي ، فغُلب ، فوقع ، فأمهلتُه حتى إذا مات جئتهُ فأخذتُ (١) ((الكُّول)): هو سواد ودخان يخرج من الزَّند آخِراً بعد القدح إذا لم يُور ناراً، وهو شيء لا فائدة منه ولا غناء فيه. والمقصود به : آخر الصفوف في الحرب ، جاء به هنا على التشبيه . (٢) (( يَحْمُسُ)): يشجع، وسيأتي تفسيرها مفصلاً في الفوائد ص ٤٠ . - ١٧ - حريتي ، ثم تنخَّيْتُ إلى العسكر ، ولم يكن لي بشيءٍ حاجةٌ غيره(١) . وقاتل مصعبُ بن ◌ُعُمِير دون رسول الله عَّ ◌ُلّهِ، حتى قُتل، وكان الذي قتلَه ابنُ قَمِئَةً الليثي، وهو يظنُّه رسولَ الله عَّه، فرجع إلى قريش، فقال: قتلتُ محمداً، فلما قُتل مصعبُ، أعطى رسولُ اللهِ عَ ◌ِّ الراية علياً(٢). وقال ابن سعدٍ: قبل مُصعبُ بن ◌ُعُمير، فأخذ اللواءَ مَلَكٌ في صورة مُضْعب ؛ وحضرتِ الملائكةُ يومئذ، ولم تُقاتل(٣)، وحكى دُنُوَّ القوم بعضُهم من بعض، والرماة يرشقون خيلَ المشركين فتُولِّي هوارب ، فصاح طلحةُ بن أبي طلحة صاحبُ اللواء: منْ يُبارز؟ فبرزَ له علّ فقتلَه، وهو كبشُ الكتيبة الذي تقدَّمَت الإشارة إليه في الرؤيا ؛ ثم حملَ لواءهم عثمانُ بنُ أبي طلحة ، فحمل عليه حمزةُ فقطعَ يدَه وكتفَه ، حتى انتهى إلى مؤتزره وبدا سَحْرُه ، ثم حمله أبو سعيد بن أبي طلحة ، فرماه سعدُ بن أبي وقاص فأصاب حنجرته فقتلَه ، ثم حمله مُسافعُ بن طلحة، فرماه عاصمُ بن ثابت فقتلَه، ثم حملَه الحارثُ بنُ طلحةِ ، فرماه عاصمٌ فقتله ، ثم حمله كلاب بن طلحة فقتله الزبير بن العوام، ثم حمله الجُلاَسُ بن طلحة فقتلَه طلحة بن عبيد الله ، ثم حمله أرطاةُ بن شُرحبيل ، فقتله علي بن أبي طالب ، ثم حمله شريح بن قارط ، فلسنا ندري مَنْ قتلَه ، ثم حمله صُواب غلامُهم ، فقيل: قتلَه سعدُ بن أبي وقاص ، وقيل : علي ، وقيل: قُزْمان ، وهو أثبت الأقاويل(٤). رجعٌ إلى خبر ابن إسحاق : والتقى حنظلةُ بن أبي عامر الغسيل وأبو سفيان ، فلما استعلاه حنظلةُ ، رآه شدَّادُ بن الأوس بن شعوب قد علا أبا سفيان ، فضربه شداد فقتله. فقالَ رسولُ اللهِ عَّ لِ: إِن صاحبَكم - يعني حنظلة - لتغسلهُ الملائكة. فسُئلتْ صاحبتُه؟ فقالت: خرَجَ وهو جُنب حين سمع الهاتفة. فقال رسولُ اللهِ عَ لّهِ: لِذلك (١) السيرة النبوية؛ لابن هشام: ٦٩/٢ - ٧٠. (٢) المصدر السابق ٧٣/٢ . (٣) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ٤٢/٢. (٤) الطبقات الكبرى ؛ لابن سعد ٤٠/١-٤١. - ١٨ - غسَّلَتْه الملائكة. ثم أنزل الله تعالى نصرَه على المسلمين فحَسَّوهم(١) بالسيوف حتى كشفوهم عن العسكر ، وكانت الهزيمة لاشكَّ فيها . وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه عبَّاد ، عن عبد الله بن الزبير ؛ أنه قال : والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحِبها مُشمِّرات هوارب ، ما دون أخذهنَّ قليلٌ ولا كثيرٌ ، إذ مالتِ الرماةُ إلى العسكر حتى كشفَنَا القومُ عنه ، وخلَّوْا ظهورنا للخيل ، فأتينا من خلفنا ، وصرخ صارعٌ ألا إنَّ محمداً قد قتل . فانكفأنا وانكفا القومُ علينا بعد أن أصبنا أصحابَ اللواء ، حتى ما يدنو منه أحد من القوم . قال ابن إسحاق : وحدثني بعضُ أهل العلم أن اللواء لم يزل صريعاً حتى أخذته عمرةُ بنتُ علقمة الحارثية ، فرفعته لقريش فلاثوا به(٢) وكان آخر من أخذ اللواء منهم صُواب ، فقاتلَ به حتى قُطْعت يداهُ ، ثم برك عليه فأخذه بصدره وعُنقه حتى قُتل عليه(٣). قال ابن سعد: فلما قُتل أصحابُ اللواء انكشف المشركون منهزمين ، لا يلوون على شيء ، ونساؤهم يدعون بالويل ، وتبعهم المسلمون يضعون السِّلاحَ فيهم حيث شاؤوا ، حتى أجهضوهم عن العسكر ، ووقعوا ينتهيون العسكرَ ، ويأخذون ما فيه من الغنائم، وتكلَّمَ الرماةُ الذين على عَيْنَيْن ، واختلفوا بينهم، وثبت أميرهم عبدُ الله بن جُبير في نفر يسيرٍدون العشرة مكانَه، وقال: لا أُجاوزُ أمرَ رسول الله عَّ ◌َله بغنى(٤)، ووعظَ أصحابه، وذكَّرَهم أمرَ رسول الله عَ له، فقالوا: لم يُرد رسولُ اللهِعَّلِ هذا، قد انهزم المشركون، فما مُقامنا هاهنا ، فانطلقوا يتبعون العسكرَ ، وينتهبون معهم، وخلَّوْا الجبلَ . ونظرَ خالد بن الوليد إلى خلاء الجبل وقِلَّة أهله، فكرَّ بالخيل، وتبعَه عكرمةُ بنُ أبي جهل ، فحملوا على من بقي من الرماة فقتلوهم ، وقُتل أميرُهم عبدُ الله بن جُبير ، وانتقضت صفوفُ المسلمين ، واستدارتْ رَحَاهم ، وجالت الريحُ ، فصارت دَبُوراً وكانت قبلَ ذلك صباً ، ونادى إبليس : إن محمداً قد (١) ((حَسُوهم بالسيوف)): قتلوهم . (٢) ((فلائوا به)): اجتمعوا حوله . (٣) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٧٥/٢-٧٨ . (٤) كذا في جميع النسخ، ولم ترد في ابن سعد. ولعلها ((وبقي)). - ١٩ - قُتل ، واختلط المسلمون ، فصاروا يقتتلون على غير شعار ، ويضربُ بعضهم بعضاً ، ما يشعرون به من العجلة والدُّهش ، ونادى المشركون بشعارهم بالعزى وبهُيل، فأوجعوا في: المسلمين قتلا ذريعاً، وولَّى من ولَّى منهم يومئذ(١). قال موسى بن عُقبة: ولما فُقِدَ رسولُ الله عَّه، قال رجل منهم: إن رسولَ اللهعَله قد قُتل فارجعوا إلى قومکم ، فيُؤْمِّنوكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم ، فإنهم داخلو البيوت . وقال رجال منهم: لو كان لنا من الأمر شيء ما قُتلنا هاهنا. وقال آخرون: إن كان رسولُ الله عَ لِ قد قُتل ، أفلا تُقاتلون على دينكم، وعلى ما كان عليه نبيكم، حتى تلقوا. الله عز وجل شهداءَ ؟ منهم : أنس بن مالك بن النضر ، شهدَ له بها سعدُ بن معاذُ عند رسول الله ﴾﴾. قلت : كذا وقع في هذا الخبر : أنس بن مالك بن النضر ، وإنما هو أنس بن النضر ،. عُّ أنس بن مالك بن النضر . رجع إلى خير ابن سعد: وثبتَ رسولُ الله عَّلِ ما يزول ، يرمي عن قوسه، حتى صارت شظايا ، ويرمي بالحجر ، وثبت معه عِصابةٌ من أصحابه ، أربعة عشر رجلاً ، سبعة : من المهاجرين فيهم أبو بكر الصديق، وسبعةٌ من الأنصار حتى تحاجزوا(٢). وروى البخاريُّ: لم يبقُّ مع النّي عَ لِّ إلا اثنا عشر رجلاً(٣). وعن أبي طلحة : غشينا النعاسُ ونحن في مَصَافْنا يوم أحد ، فجعل سيفي يسقطُ من يدي وآخذه ، ويسقط وآخذه ، وكان يومَ بلاء وتمحيص ، أكرم الله فيه من أكرم من المسلمين بالشهادة ، حتى خلَصَ العدو إلى رسول الله مَ ◌ّه، فَقُذف بالحجارة حتى وقع لشِقٌّه، وأُصيبت رُباعيته، وشُجَّ في وجهه وكُلِمَتْ شفته ، وكان الذي أصابه عتبةُ بن أبي وقاص (٤). (١) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ٤١/٢-٤٢. (٢) المصدر السابق ٤٢/٢ . (٣) رواه البخاري في التفسير ( بأب: والرسول يدعوكم في أخراكم) رقم/٤٥٦٢/. (٤) رواه البخاري في المغازي ( باب: ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً) رقم/٤٠٦٨/ وفي التفسير (باب: أمنة نعاساً) رقم /٤٥٦٢/، والترمذي في التفسير ( باب ومن سورة آل عمران): رقم/ ٣٠١٠/و/٣٠١١/. - ٢٠ -