النص المفهرس
صفحات 381-400
جاء من الأمر ، فتجهّز الناسُ سيراعاً ، وقالوا : أيظنُّ محمد وأصحابه أن تكونَ كعير ابن الحضرمي ، كلا والله ليعلمنَّ غير ذلك ، فكانوا بين رجلين ؛ إما خارج وإما باعث مكانه رجلاً ، وأوعبت قريش ، فلم يتخلف من أشرافها أحدٌّ ، إلا أن أبا لهب ابنَ عبد المطلب قد تخلَّف وبعثَ مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة ، وكان قد لاط (١) له بأربعة آلاف درهم كانت له عليه ، أفلس بها فاستأجره بها على أن يجزي عنه بعثُه ، فخرج عنه وتخلّف أبو لهب(٢). قال ابن عقبة وابن عائذ : خرجوا في خمسين وتسعمائة مقاتل ، وساقوا مائة فرس . وروينا عن ابن سعد : أخبرنا عبيد الله بن موسى ، عن شيبان ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبيدة بن عبد الله ، عن أبيه ، قال : لما أسرنا القومَ في بدر ، قلنا : كم كنتم ؟ قالوا: كنا ألفاً(٣) . قال ابن إسحاق : وحدثني عبد الله بن أبي نَجيح ؛ أن أمية بن خلف كان أجمع القعودَ ، وكان شيخاً جليلاً جسيماً ثقيلاً، فأتاه عقبةُ بن أبي معيط وهو جالس في المسجد بين ظهراني قومه بمجمرة يحملها ، فيها نار ومَجمر(٤) ، حتى وضعها بين يديه ، ثم قال : يا أبا عليّ ! استجمرْ، فإنما أنت من النساء . قال: قبحك الله وقَّح ما جئت به . قال : ثم تجهز فخرج مع الناس(٥) . قيل : وكان سببُ تَتُبُّطِه ، ما ذكرَه البخاري في الصحيح ، من حديثه مع سعد بن معاذ وأبي جهل مكة، وقول سعد له: إني سمعت رسولَ الله عَ لِ يقول: ((إنه قاتلك))(٦) . قلت: المشهور عند أرباب السير أن النبيَّ عَّ ◌َلَّمِ إنما قال ذلك لأخيه أبِي بن خلف (١) (( لاطَ له )): لزمت له عليه رباً، والتصقت به ، فاحتبسه بها. (٢) السيرة النبوية ؛ لابن هشام ٦٠٩/١ . (٣) الطبقات الكبرى ؛ لابن سعد ٢١/٢. (٤) (( ومَجْمَرٌ)): عود يُتبخر به. (٥) السيرة النبوية ؛ لابن هشام ٦١٠/١ . (٦) رواه البخاري في كتاب المغازي ( باب ذكر النبي مَطِّ مَنْ يُقتل ببدر) رقم /٣٩٥٠]. - ٣٨١ - بمكة قبل الهجرة ، وهو الذي قتله النبّ عَ ◌ٍّ بعد ذلك يوم أحد بحربته ، وهذا أيضاً لا يُنافي خبرَ سعد، والله أعلم. قال ابن إسحاق : ولما فرغوا من جهازهم وأجمعوا السير ، ذكروا ما بينهم وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب ، فقالوا: إنا نخشى أن يأتونا من خلفنا ، فتبدَّی لهم إبليسُ في صورة سراقة بن مالك بن جُعّثُم الكِتَاني المُدْلِجي ، وكان من أشراف بني كِنانة ، فقال: أنا جارٌ لكم من أن تأتيكم كِنانةٌ من خلفكم بشيء تكرهونه ، فخرجوا سراعاً (١) . وذكر ابنُ عقبة وابنُ عائذ في هذا الخبر . وأقبلَ المشركون ومعهم إبليس - لعنه الله - في صورة سراقة يُحَدّثهم أن بني كِنانة وراءَه ، قد أقبلوا لنَصْرهم، وأنه لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جارٌ لكم . قال ابن إسحاق : وعمير بن وهب أو الحارث بن هشام کان الذي رآه حین نگَصَ على عقبيه عند نزول الملائكة ، وقال إني أرى ما لا ترون ، فلم يزل حتى أوردهم ثم. أسلمهم ، ففي ذلك يقول الحسان : لو يعلمونَ يقينَ العلم ما سَاروا سِرِنا وساروا إلى بدرٍ لِخَيْنِھِمُ إنّ الخبيثَ لمنْ وَالاهُ غَزَّارُ دلَّاهُمُ بغرور ثم أسلَمَهمْ في أبيات ذكرها(٢) . . قال ابن إسحاق: وخرجَ رسول الله ◌َّم من المدينة في ليال مضت من شهر رمضان في أصحابه ، قال ابن هشام: لثمان ليالٍ خلون منه(٣). وقال ابن سعد : يوم السبت(٤) لاثنتي عشرة ليلة خلت منه، بعد ما وجَّهُ طلحةً بن عبيد الله وسعيد بن زيد بعشر ليال، وضربَ رسولُ الله عَلِ عسكرَه ببئر أبي عِنَبَةٌ، نـ (١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٦١٢/١ (٢) المصدر السابق ٦١٣/١ . (٣) المصدر السابق ٦١٢/١ . (٤) في الأصول ((الاثنين)) والتصحيح من الطبقات الكبرى. - ٣٨٢ - وهي على ميل من المدينة ، فعَرَضَ أصحابه ، وردًّ من استصغرَ، وخرج في ثلاثمائة رجل وخمسة نفر، كان المهاجرون منهم أربعة وسبعين(١) رجلاً، وسائرهم من الأنصار ، وثمانية تخلفوا لعذر، ضربَ لهم رسولُ الله عَ لّه بسهامهم وأجورهم: ثلاثة من المهاجرين ؛ عثمان بن عفان، خَلَّفه رسولُ الله عَ لِ على ابنته رقية بنت رسول اللهمَ له، وكانت مريضة، فأقام عليها حتى ماتت . وطلحةُ ، وسعيد بن زيد ، بعثهما يتّجسّسان خبرَ العير . وخمسة من الأنصار : أبو لبابة بن عبد المنذر ، خلَّفه على المدينة ، وعاصم بن عدي العجلاني ، خلَّفه على أهل العالية ، والحارث بن حاطب العَمْري ردّ من الروحاء إلى بني عمرو بن عوف لشيء بلغه عنهم ، والحارث بن الصِّمة كُسر من الروحاء ، وخَوَّات بن جُبير كُسر أيضاً(٢). قال ابن إسحاق : ودفعَ اللواءَ إلى مصعب بن عُمير - وكان أبيضَ - وكان أمامَ رسول الله عَ ◌ّه رايتان سوداوان ، إحداهما مع عليّ بن أبي طالب والأخرى مع بعض الأنصار(٣) . وقال ابن سعد: كان لواء المهاجرين مع مصعب بن عمير ، ولواءُ الخزرج مع الحُباب ابن المنذر ، ولواءُ الأوس مع سعد بن معاذ . كذا قال(٤)، والمعروف أن سعد بن معاذ كان يومئذ على حرس رسول الله ڼ في العريش ، وأن لواءَ المهاجرينَ كان بيد علّ(٥). قرىءَ على أبي حفص عمر بن عبد المنعم ابن عمر بن عبد الله بن غدير بعربيل - قرية بغوطة دمشق - وأنا أسمع ، أخبركم أبو القاسم عبدُ الصمد بن محمد بن أبي الفضل بن الحرستاني قراءة عليه وأنت حاضر في الرابعة ؟ فأثَّرّ به ، أخبرنا أبو الحسن علي بن المسلم بن محمد السلمي سماعاً ، أخبرنا أبو عبد الله (١) في الأصول ((وستين)) والتصحيح من الطبقات الكبرى. (٢) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ١١/٢ - ١٢ . (٣) السيرة النبوية ، لابن هشام ٦١٢/١ . (٤) الطبقات الكبرى ؛ لابن سعد ١٤/٢ . (٥) قال الصالحي في السيرة الشامية ((سبل الهدى والرشاد ... )) بعد إيراده اعتراض ابن سيد الناس ٣٩/٤ : قلت : العريش كان ببدر ، والذي ذكر ابن سعد كان في الطريق . - ٣٨٣ - الحسن بن أحمد بن أبي الجديد ، أخبرنا أبو الحسن علي بن موسى بن الحسين السِّمْسار ، أخبرنا أبو القاسم المظفر بن حاجب بن مالك بن أرَّكِين الفَرْغاني ، أخبرنا أبو الحسن محمد ابن يزيد بن عبد الصمد الدمشقي ، حدثنا أحمد - يعني ابن أبي أحمد - الجرجاني ، حدثنا شبّابة بن سوار الفزاري ، حدثنا قيس بن الربيع، عن الحجَّاج بن أرطاة ، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس؛ أن النبَّ عَّلم أعطى علياً الراية يومَ بدر، وهو ابن عشرين سنة (١). قال ابن إسحاق: وكانت إبل أصحابِ رسول الله عَ لّه يومئذ سبعين بعيراً، فاعتقبوها ؛ فكان رسول الله عَ ◌ّهِ وعليّ بن أبي طالب ومَرثد بن أبي مَرتد يعتقبون بعيراً ،: وكان حمزة وزيد بن حارثة وأبو كبشة وأنّسة موليا رسول الله عَ له يعتقبون بعيراً، وكان أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف يعتقبون بعيراً(٢) .. وروينا عن ابن سعد: أخبرنا يونس بن محمد المؤذِّب، حدثنا حمّاد بن سَلَمة ، عن. عاصم ، عن زِرّ ، عن ابن مسعود ، قال : كنا يوم بدر كلُّ ثلاثة على بعير ، وكان أبو لبابة وعليّ زَمِيْلَي رسولِ اللهِ عَ له، فكان إذا كانتِ عُقبة النبيِ عَ لِ قالا: اركبْ حتى نمشي عنك، فيقول: ((ما أنتما بأقوى مني على المشي، وما أنا بأغنى عن الأجر منكما ))(٣). انتهى ما رويناه عن ابن سعد ، والمعروف أن أبا لبابة رجع من بئر أبي عِنَبَة ولم يصحبهم إلى بدر، ردَّه رسولُ الله عَلِ والياً على المدينة ، وقد تقدم . قال ابن إسحاق : وجعلَ على السَّاقة قيسَ بن أبي صعصعة ، أحدَ بني مازن بن النجار ، (١) حديث ابن عباس ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩٣/٦ وقال : رواه الطبراني وفيه الحجاج بن أرطاة؛ وهو مدلس ، وبقية رجاله ثقات . (٢) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٦١٣/١ . (٣) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ٢١/٢، ورواه الإمام أحمد في المسند ٤١١/١: حدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثنا عمَّان، حدثنا حماد ... كما رواه الحاكم في المستدرك ٢٠/٣، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه . وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٦٩/٦ عن عبد الله بن مسعود، وقال رواه أحمد والبزار ، وفيه عاصم بن بهدلة ، وحديثه حسن ، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح . - ٣٨٤ _ فسلكَ طريقه من المدينة حتى إذا كان بعرق الظَّبية لقوا رجلاً من الأعراب ، فسألوه عن الناس فلم يجدوا عنده خبراً، ثم ارتحلَ حتى أتى على واد يُقال له ذَفِرَان، وجَزَعَ(١) فيه ثم نزلَ، فأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم ، فاستشارَ النَّاسَ ، وأخبرهم عن قريش ، فقام أبو بكر الصديق ، فقال وأحسنَ ، ثم قام عمرُ بن الخطاب فقال وأحسنَ ، ثم قام المقدادُ بن عمرو ، فقال : يا رسول الله ! امضٍ لما أمرك الله ، فنحن معك، والله لا نقولُ لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : اذهبْ أَنتَ ورُبُّك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ، ولكن اذهبْ أنتَ وربُّك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ، فوالذي بعثك بالحقِّ لو سِرتَ بنا إلى بَرْكِ الغِمَاد(٢) لجالدنا معك من دونه حتى تبلُغَه. فقال له رسولُ الله عَلَّهِ خيراً، ودعا له بخير (٢) . ثم قال رسولُ الله عَّله: أشيروا علَّ (أيها الناس(٤). فذكر ابنُ عقبة وابنُ عائذ أن عمَرَ قال : يا رسول الله! إنها قريش وعُّها، والله ما ذَلَّت منذ عَّتْ ، ولا آمنتْ منذ كفرتْ ، والله لتقاتلَّك، فأَهَّبْ(٥) لذلك أُهبته ، وأعدد لذلك عدته. رجع إلى خبر ابن إسحاق : قال : وإنما يريد الأنصار(٦) ، وذلك أنهم عدد الناس ، وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا : يا رسول الله إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا ، فإذا وصلنا إليها فأنت في ذمتنا، نمنعك مما يمنع منه أبناءنا ونساءنا. فكان رسولُ الله عَ اله يتخوَّفُ أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلا ممن دَهِمه بالمدينة من عدوه ، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم ، فلما قال ذلك رسولُ الله عَ لّه قال : له سعد (١) ((وجزعَ فيه)): توسط فيه . (٢) ((برك الغماد)): مكان في اليمن، وجاء مفسراً في رواية ابن عائذ، عن عروة مرسلاً: ولو سِرْتَ بنا حتى تبلغ البركَ من غمد ذي يمن . وقيل : هو موضع من وراء مكة بخمس ليال بناحية الساحل ، وقال القاضي عياض وغيره : هو موضع بأقاصي هجر . (٣) السيرة النبوية ؛ لابن هشام بتصرف واختصار ٦٠٣/١ - ٦١٥. (٤) ما بين القوسين أثبتناه من السيرة النبوية . (٥) في الأصول ((فاتَّهِبْ)) وفي شرح المواهب ٤١٢/٢ ((فتأهَّبْ))، والتصحيح من السيرة الشامية ٤٢/٤. (٦) أي في قوله عَلَّهِ: أشيروا علَّي أيها الناس. - ٣٨٥ - ابن معاذ : لعلك تريدُنا يا رسول الله؟ فقال : أجل . قال : فقد آمنا بك وصدَّقناك، وشهدنا أن ما جئتَ به هو الحقّ ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامضٍ يا رسولَ الله لما أردتَ، فنحن معك، والذي بعثَكَ بالحقِّ لو استعرضتَ بنا هذا البحر فخضتَه لخضناه معكَ ، ما تخلَّفَ منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدوناً غداً ، إنا لصبر في الجرب ، صدقٌ في اللقاءِ ، لعلَّ الله يُرِيكَ منا ما تقُّ به عينك ، فِرْ بنا على بركة الله تعالى(١). وقد روينا من طريق(٢) مسلم أن الذي قال ذلك سعد بن عبادة سيد الخزرج، وإنما: يُعرف ذلك عن سعد بن معاذ. كذلك رواه ابن إسحاق وابن عقبة وابن سعد وابن عائد وغيرهم . واختلف في شهود سعد بن عبادة بدراً، لم يذكره ابن عقبة ولا ابن إسحاق في البدريين ، وذكره الواقدي والمدائني وابن الكلبي فيهم . وروينا عن ابن سعد : أنه كان يتهيأ للخروج إلى بدر ، ويأتي دورَ الأنصار يحضُّهم على الخروج ، فُهش(٣) قبل أن: يخرج، فأقام، فقال رسول الله: عَطل: لئن كان سعد لم يشهدها لقد كان عليها: حریصاً(٤) . قال : وروی بعضهم أن رسول الله عێلل ضرب له بسهمه وأجره وليس ذلك بمجمع عليه ، ولا ثبتَ ، ولم يذكرّه أحد ممن يروي المغازي في تسمية من شهد بدراً، ولكنه قد شهد أحداً والخندق والمشاهدَ كلَّها مع رسول الله لعل ◌ّه. رجع إلى الأول(٥): قَال فسُرَّ النبي عَّه بقول سعد، ونشَّطه ذلك، ثم قبال: سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين ، والله لكأني الآنَ أنظرُ إلى مصارع القوم. ثم ارتحلَ رسولُ الله عَ لِ مِن ذَفِران، ثم نزلٌ قريباً من بدر، فركبَ هو ورجل من أصحابه-قال ابن هشام: هو أبو بكر الصديق - قال ابن إسحاق : كما حدثني محمد ٢٤٨/١ .. (١) السيرة النبوية ؛ لابن هشام (٢) رواه مسلم في كتاب الجهاد والسير ( باب غزوة بدر ) رقم /١٧٧٩٪. (٣) ((فُهِشَ )): لُسِعَ. (٤) الطبقات الكبرى ؛ لابن سعد ٦١٣/٣ . (٥) أي إلى ابن إسحاق : - ٣٨٦ - ابن يحيى بن حَبَّان: حتى وقف على شيخ من العرب ، فسأله عن قريش ، وعن محمد وأصحابه ، وما بلغه عنهم ، فقال الشيخ: لا أخبر كما حتى تخبراني من أنتما . فقال له رسول اللّهِ عَ له: إذا أخبرتنا أخبرناك. فقال الشيخ: ذاك بذاك؟ قال: نعم . قال الشيخ : فإنه قد بلغني أن محمداً وأصحابَه خرجوا يوم كذا وكذا ، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا ، للمكان الذي به رسولُ الله عَّهِ، وبلغني أن قريشاً خرجوا يوم كذا وكذا ، فإن كان الذي أخبرني صدقَ فهم اليوم بمكان كذا وكذا ، للمكان الذي به قريش. فلما فرغَ من خبره، قال: ممن أنتما ؟ فقال رسولُ الله عَ له: نحن من ماء. ثم انصرف عنه ، قال : يقول الشيخ: ماء؟ مَنْ ماء؟ أمن ماءٍ بالعراق(١)؟ ثم رجع رسولُ الله عَّه إلى أصحابه، فلما أمسى بعثَ علَّ بن أبي طالب ، والزبير بن العوام ، وسعد ابن أبي وقاص ، في نفر من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون الخبر له عليه، فأصابوا راويةٌ (٢) لقريش ، فيها أسلمُ غلامُ بني الحجاج ، وعَريض أبو يسار غلامُ بني العاص بن سعيد ، فأتوا بهما فسألوهما، ورسولُ الله عَّهِ قائم يُصلّي، فقالا : نحنُ سقاة قريش ، بعثونا نسقيهم من الماء . فكره القومُ خبرهما ، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان ، فضربوهما ، فلما أذلقوهما (٣)، قالا: نحن لأبي سفيان، فتركوهما، وركعَ رسولُ الله عَّهِ وسجد سجدتيه ثم سلَّم ، وقال : إذا صدقا كما ضربتموهما ، وإذا كذباكما تركتموهما ، صدقا ، والله إنهما لقريش . أُخبراني عن قريش؟ قالا: هم وراء هذا الكَثيب الذي ترى بالعُدوة القصوى، والكثيب العقنقل(٤). فقال لهما رسول الله عَ له: كم القوم؟ قالا: كثير. قال : ما عدتهم ؟ قالا: ما ندري . قال : كما ينحرون كلَّ يوم ؟ قالا : يوماً تسعاً ويوماً عشراً. قال رسولُ الله عَ لَّه: القوم ما بين التسعمائة والألف. ثم قال لهما: فمَن فيهم من أشراف قريش ؟ قالا : عقبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو البَخْتري بن هشام ، (١) كذا في ((أ)) وهو الصواب، وفي بقية النسخ وسيرة ابن هشام، والسيرة الشامية ((ما من ماءٍ؟! أمن ماء العراق ؟)). (٢) ((راوية)): الراوية: الإبل التي يُستقى عليها الماء. (٣) (( أذلقوهما)) : أجهدوهما ضرباً . (٤) (( العَقَنْقَل)): الكثيب العظيم ، المتداخل الرمل . - ٣٨٧ - وحكيم بن حزام ، ونوفل بن خويلد والحارث بن عامر بن نوفل ، وطعيمة بن عدي بن نوفل ، والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود ، وأبو جهل بن هشام ، وأمية بن خلف ، ونُبيّة ومُنَبّة ابنا الحجَّاج، وسهيل بن عمرو، وعمرو بن عبد وُدّ. فأقبلَ رسولُ الله عَ ليه على الناس فقال : هذه مكة قد ألقتْ إليكم أفلاذّ كبدها(١) . قال ابن عقبة: وزعموا أن أوَّلَ من نحرَ لهم حين خرجوا من مكة أبو جهل بن هشام عشر جزائر (٢)، ثم نحرَ لهم صفوان بن أمية بعُسفان تسع جزائر ، ونحر لهم سهيل بن عمرو بقُديد عشر جزائر، ومالوا من قُديد إلى مناة من نحو البحر ، فظَلُّوا فيها ، فأقاموا فيها يوماً فنحر لهم شيبة بن ربيعة تسع جزائر ، ثم أصبحوا بالجحفة فنحر لهم عتبة بن ربيعة عشرَ جزائر ، ثم أصبحوا بالأبواء فنحرَ لهم مِقْيَس بن عمرو الجمحي تسعَ جَزائر، ونحرً لهم العباس بن عبد المطلب عشَرَ جزائر، ونحرّ لهم الحارث بن عامر بن نوفل تسعاً ،. ونحرَ لهم أبو البختريّ على ماء بدر عشر جزائرَ ، ونحرُ لهم مِقْيَس الجمحي على ماء بدر تسعاً ، ثم شغلتهم الحرب فأكلوا من أزوادهم . وقال ابن عائذ : كان مسيرهم وإقامتهم حتى بلغوا الجحفة عشر ليال . قال ابن إسحاق : وكان بَسْبَسُ بن عمرو وعدمُّ بن أبي الزَّغْبَاءِ قد مضیًا حتى نزلا بدراً، فأناخا إلى تل قريب من الماء ، ثم أخذا شئّاً(٣) لهما يستقيان فيه ومجديُّ بن عمرو الجُهني على الماء ، فسمع عدتُ وبَسْبَس جاريتين من جواري الحاضر(٤)، وهما تَلازَمانٍ: على الماء ، والملزومة تقول لصاحبتها : إنما تأتي العير غداً أو بعد غد ، فأعمل لهم ثم أقضيك. الذي لك. فقال مجدي: صدقت، ثم خلّص بينهما، وسمع ذلك عدي وبَسْبَس ، فجلسا: (١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٦١٥/١ - ٦١٧ . (٢) (جزائر)): جمع جَزور، وهي فَعُول بمعنى مفعول، وهو كل ما يُجزر - يُنحر ويُذبح - من الإِبل، ذكراً كان أو أنثى . (٣) ((شئَّاً)): القِرْبة البالية من الجِنْد. (٤) ((الحاضر)): القوم النازلون على الماء، والتلازم: تعلّق الغريم بغريمه، والملزومة: التي عليها الدَّيْنَ لصاحبتها . - ٣٨٨ - على بعيريهما ، ثم انطلقا، حتى أتيا رسولَ الله عَّهِ، فأخبراه بما سمعا. ثم أقبل أبو سفيان حتى تقدَّمَ العيرَ حذراً ، حتى ورد الماء ، فقال لمجديّ بن عمرو : هل أحسستَ أحداً ؟ قال : ما رأيت أحداً أنكره ، إلا أني قد رأيتُ راكبين ، قد أناخا إلى هذا التل ، ثم استقيا في شَنٍّ لهما ، ثم انطلقا. فأتى أبو سفيان مُناخَهما، فأخذ من أبعار بعيريْهما ، ففتَّه ثم شمَّه ، فإذا فيه النوى ، فقال : هذه والله علائفُ يثرب ، فرجع إلى أصحابه سريعاً ، فضرب وجه عيره عن الطريق ، فساحل بها ، وترك بدراً بيسارٍ ، وانطلق حتى أسرع . وأقبلت قريش ، فلما نزلوا الجحفة ، رأى جُهيم بن أبي الصَّلْت بن مَخرمة بن عبد المطلب بن عبد مناف رؤيا ، فقال : إني فيما يرى النائم ، وإني لبين النائم واليقظان، إذ نظرتُ إلى رجل أقبل على فرس ، حتى وقف ومعه بعير له ، ثم قال : قُتل عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو الحكم بن هشام ، وأمية بن خلف ، وفلان وفلان - فعدَّدَ رجالاً ممن قتل يوم بدر من أشراف قريش - ثم رأيته ضربَ في ◌َيَّةِ بعيره ، ثم أرسله في العسكر ، فما بقي خِبَاء من أخبية العسكر إلا أصابَه نَضْحٌ(١) من دمه . قال : فبلغت أبا جهل ، فقال : وهذا أيضاً نبِّي آخر من بني المطلب ، سيعلم غداً مَن المقتول إن نحن التقينا . قال ابن إسحاق : ولما رأى أبو سفيان بن حرب أنه قد أحرز عيرَه؛ أرسل إلى قريش إنكم إنما خرجتم تمنعوا عيركم ورجالَكم وأموالكم، وقد نجَّاها الله، فارجعوا . فقال أبو جهل بن هشام: والله لا نرجع حتى نردَ بدراً - وكان بدر موسماً من مواسم العرب تجتمع لهم به سوق كلَّ عام - فنقيم عليه ثلاثاً، فننحَرُ الجُزُرَ، ونُطعم الطعام ، ونُسقي الخمر ، وتعزفُ علينا القيانُ ، وتسمع بنا العرب ، وبمسيرنا وجمعنا ، فلا يزالون يهابوننا أبداً بعدها . وقال الأخنسُ بن شَريق - وكان حليفاً لبني زهرة - يا بني زهرة ! قد نجَّى الله أموالَكم وخلَّص لكم صاحبكم : مَخرمة بن نوفل ، وإنما نفرتم لتمنعوه ومالَه ، فاجعلوا لي جُبْنَها وارجعوا ، فإنه لا حاجة لكم بأن تخرجوا في غير ضِيْعةٍ(٢)، لا ما يقول (١) ((نَضْحٌ)): رشاش. (٢) ((ضيعة)): مُفتقد. - ٣٨٩ - هذا، فرجعوا فلم يشهدها زُهْري ولا عَدَوتي أيضاً. ومضى القوم ، وكان بين طالب ابن أبي طالب - وكان في القوم - وبينَ بعض قريش محاورةٌ ، فقالوا : والله لقد علمنا يا بني هاشم وإن خرجتم معنا إن هواكم لمع محمد . فرجع طالبٌ إلى مكة مع من رجع ، ومضت قريش حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي خلف العقنقل وبطن الوادي ، وبعثَ الله السماء، وكان الوادي دُّهَسَاً(١)، فأصابَ رسولُ اللهُ عَ لّه وأصحابُه منها ما لَبَّدَ لهم الأرضَ ولم يمنعهم من المسير ، وأصاب قريشاً منها ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه ، فخرج رسولُ الله عَ لّه يبادرُهم إلى الماء ، حتى جاء أدنى ماء من بدر فنزل به. قال ابن إسحاق : فحُدِّثْتُ عن رجال من بني سلمة أنهم ذكروا أن الحُبابَ بن المنذر ابن الجَموح قال: يا رسول الله! أرأيت هذا المنزل، أمنزل أنزلكَه الله ليس لنا أن نتقدمَه ولا أن نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة . قال : يا رسول الله! إن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فنزله ، ثم تُغْوِّرُ ما وراءَه من القُلُب(٢) ، ثم نبني عليه حوضاً فنملأه ماء، فتشرب ولا : يشربون. فقال رسول الله عَ له: لقد أشرتَ بالرأي، فنهضَ رسول الله عَ له ومن معه من الناس ، فسار حتى أتى أدنى ماء من القوم فنزل عليه ، ثم أمر بالقلب فغوِّرتّ ، وبنى حوضاً على القَليب الذي نزل عليه، فمُلىءَ ماءً، ثم قذفوا فيه الآنية(٢). وروينا عن ابن سعد في هذا الخبر: فنزلَ جبريل عليه السلام على النبي عَو ◌ِ، فقال: الرأي ما أشار به الحُباب(٤). قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حُدِّثَ أن سعد بن معاذ ، قال : يا نبّ الله! ألا نبني لك عريشاً تكون فيه ، ونُعِدُّ عندك ركائبَك، ثم نلقى عدوَّنَا، فإن أعزّنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا ، وإن كانت الأخرى جلستُ على ركائبك (١) ((ذَهَسَاً)): سهلاً. « تُغْوِّر ما وراءَه من القُلُب)): القُلب: جمع قليب، وهو البشر. وتغويرها: دفنها وطمسها، ويروى بالعين المهملة ، وهو الإفساد. (٣) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٦١٧/١ - ٦٢٠. (٤) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ١٥/٢ . - ٣٩٠ - فلحِقْتَ بمن وراءَنا ، فقد تخلّفَ عنك أقوامٌ يا نبي الله ما نحنُ بأشدَّ لك حباً منهم ، ولو ظنوا أنك تلقى حرباً ما تخلَّفوا عنك ، يمنَعُك الله بهم ، يُناصحونك ويُجاهدون معك ، فأثنى عليه رسولُ الله عَ لَّهِ خيراً ودعا له بخير، ثم بُنِي لرسول الله عَ لِ عريشّ، فكان فيه . قال ابن إسحاق : وقد ارتحلتْ قريش حين أصبحت ، فأقبلت ، فلما رآها رسولُ الله عَُّ تُصوَّبُ من العقنقل - وهو الكئيب الذي جاؤوا منه ـ إلى الوادي ، قال : اللهم هذه قريش قد أقبلتْ بخُيلائها وفخرها تُحادُّك وتُكذّبُ رسولَك ، اللهم فنصرَك الذي وعدتني ، اللهم أحِنْهُم (١) الغداةَ. وقد قال رسولُ الله عَ له ـ ورأى عتبة بن ربيعة في القوم على جمل له أحمر - إن يكُ في أحد من القوم خيرٌ فعند صاحب الجمل الأحمر ، إن يُطيعوه يَرشدوا(٢). وقد كان خُفاف بن إيماء بن رَحَضَة - أو أبوه إيماء بن رَحَضَة الغِفاري - بعث إلى قريش حين مروا به ابناً له بجزائر أهداها لهم ، وقال: إن أحببتم أن نمدَّكم بسلاح ورجال فعلنا ، قال: فأرسلوا إليه مع ابنه : أَنْ وَصَلَتْكَ رَحِم ، قد قضيتَ الذي عليك ، فلعمري لئن كنا إنما نقاتل الناسَ ما بنا من ضعف عنهم ، ولئن كنا إنما نُقاتلُ الله كما يزعمُ محمد ما لأحد بالله من طاقة . فلما نزلَ الناسُ أقبل نفرٌ من قريش حتى وردوا حوضَ رسول الله عَ له، منهم حكيم بن حزام، فقال رسول الله عَ ◌ّله: دعوهم. فما شربَ منه رجل يومئذ إلا قُتل ، إلا ما كان من حكيم بن حزام فإنه لم يُقتل ، ثم أسلم بعد ذلك فحسن إسلامه ، فكان إذا اجتهد في يمينه ، قال : لا والذي نجاني من يوم بدر . قال : وحدثني أبي رحمه الله إسحاق بن يسار وغيره من أهل العلم ، عن أشياخ من الأنصار ، قالوا : لما اطمأن القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحي، فقالوا: احزر(٢) لنا (١) ((أُحِنْهُم)): أهلكهم، من الحَيْن وهو الهلاك. (٢) وقد كان عُنبةُ ينهى قومه عن القتال، كما في السيرة الشامية ٥٠/٤ ويقول: يا قومٍ ! اعصبوها برأسي وقولوا : جَبُن عُثْبة . وأبو جهل يأبى . (٣) ((احزُرْ)): أمر من الجزر ، وهو التقدير بالحدس والظن . - ٣٩١ - أصحابَ محمد ، فاستجال بفرسه حول العسكر ، ثم رجع إليهم ، فقال : ثلاثمائة رجل يزيدون قليلاً أو ينقصون ، ولكن أمهلوني حتى أنظر أللقوم كمين أو مدد ؟ قال : فضرب: في الوادي حتى أبعدَ فلم ير شيئاً ، فرجع إليهم فقال ما رأيتُ شيئاً ، ولكني قد رأيتُ يا معشر قريش البلاياً(١) تحملُ المنايا، نواضحُ يثرب تحمل الموتَ النافع، قومٌ ليس لهم: منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يُقتلَّ رجل منهم حتى يُقتَلَ رجلٌ منكم ، فإذا أصابوا منكم أعدادهم، فما خير العيش بعد ذلك، فُرُوا رأيكم . فلما سمع حكيمُ: ابن حِزام ذلك مشى في الناس ، فأتى عتبة بن ربيعة ، فقال: يا أبا الوليد إنك كبيرُ فريش وسيّدُها والمطاعُ فيها ، هل لك إلى أن لا تزال تذكر منها بخير إلى آخر الدهر ؟ قال : وما ذاكَ يا حكيم ؟ قال: ترجع بالناس ، وتحملُ أمر حليفك عمرو بن الحضرمي . قال : قد فعلت ، أنتَ علي بذلك ، إنما هو حليفي فعلي عَقْلُه وما أُصيب من ماله ، فائت ابن الحنظلية (٢) - يعني أبا جهل بن هشام - ثم قام عتبة خطيباً، فقال: يا معشر قريش ! إنكم والله ما تصنعون بأن تُلقوا محمداً عَ له وأصحابَه شيئاً، والله لئن أصبتموه لا يزالُ رجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه ، قتل ابن عمه وابن خاله ورجلاً من عشيرته ، فارجعوا وخلُّوا بين محمد وبين سائر العرب ، فإن أصابوه فذاك الذي أردتُم ، وإن كان غير ذلك ألفا كم و لم تعرّضوا منه ما تُريدون . قال حكيم : فانطلقتُ حتی جئتُ أبا جهل ، فوجدتُه قد نَثَل (٣) درعاً له من جرابها، فقلت له : يا أبا الحكم ! إن عتبة أرسلني إليك بكذا وكذا ، الذي قال . فقال انتفخَ والله سَخْرُه(٥) حين رأى محمداً وأصحابه، كلا والله لا نرجعُ حتى يحكمَ الله بيننا وبين محمد ، وما بعتبةَ ما قال ، ولكنه قد رأى أن محمداً وأصحابَه أكلةُ جزور ، وفيهم ابنه ، قد تخوَّفَ عليه ، ثم بعث إلى عامر الحضرمي ، فقال (١) ( البلايا)): جمع بلية، وهي الناقة، أو الدابة تربط على قبر الميت، فلا تُعلف ولا تُسقى حتى تموت ، كما في النهاية ؛ لابن الأثير ١٥٦/١ . (٢) قال ابن هشام: الحنظلية أم أبي جهل ، وهي أسماء بنت مُحزّبة ، أحد بني تَهْشل بن دارم بن مالك ابن حَنْظلة من تميم . (٣) (( نَثَل)» : أخرج . (٤) ((انتفخَ والله سَحْره)): السَّحْر: الرئة، وما حولها، مما يَعْلَّقُ بالحلقوم من فوق السُّرة، والعبارة كناية عن الجبن . - ٣٩٢ - هذا حليفُك يُريد أن ترجعَ بالناس ، وقد رأيتَ ثأرَك بعينيك، فقم فانشذْ خُفْرَتَك(١) ومقتلَ أَخيك . فقام عامرُ بن الحضرمي فاكتشفَ، ثم صرخَ واعمراه واعمراه ، فحميت الحرب، وحَقِبَ (٢) أمُرُ الناس واستوسقوا (٣) على ما هم عليه من الشر، وأفسد على الناس الرأيّ الذي دعاهم إليه عُتبة . فلما بلغ عُتبة قول أبي جهل : انتفخ والله سَحْره، قال: سيعلم مُصَفِّرُ استِه(٤) من انتفخ سَخْره ؟ أنا أم هو ؟ ثم التمس عتبة بيضة(٥) ليُدخلَها في رأسه ، فما وجد في الجيش بيضة تسعه من عظم هامته ، فلما رأى ذلك اعتجرَ على رأسه ببرد(٦) له. وقال ابن عائذ: وقال رجال من المشركين لما رأوا قلة أصحاب رسول الله مطلعٍ: غُّ هؤلاء دينُهم ، منهم أبو البختري بن هشام ، وعُتبة بن ربيعة ، وأبو جهل بن هشام - وذكرَ غيرهم - لما تقالُّوا أصحاب رسول الله عَ لَّه في أعينهم، فأنزل الله تعالى : ﴿ إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم﴾ [الأنفال: ٤٩ ] الآية. حتى نزلوا وتعبؤوا للقتال ، والشيطان معهم لا يفارقهم . قال ابن إسحاق : وقد خرج الأسود بن عبد الأسد المخزومي ، وكان رجلاً شرساً سيّءَ الخلق ، فقال: أعاهدُ الله لأشربنَّ من حوضهم ، أو لأهدمنُّه ، أو لأموتن دونه ، فلما خرج ، خرج إليه حمزةُ بن عبد المطلب ، فلما التقيا ضَربه حمزةُ فأَطنِّ(٧) قدمه بنصف ساقه ، وهو دون الحوض ، فوقع على ظهره تشخبُ رجله دماً نحو أصحابه ، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه ، يريد أن تبر (٨) يمينُه، واتبعه حمزة فضربه حتى قتله في (١) ((فانشدْ مُحُفْرَتكَ)) : أي اطلب من قريش الوفاء بعهدهم لك. (٢) ( حَقِبَ أمر الناس)»: اشتد . (٣) ((استوسقوا)): اجتمعوا . (٤) ((مُصْفُرُ اسْتِه)): يُريد صفرة الطيب، والعبارة كناية عن الترفه وعدم الغزو والقعود عن الحروب. (٥) ((البَيْضة)): الخوذة. والاعتجار: لف العمامة ونحوها على الرأس. (٦) السيرة النبوية ؛ لابن هشام ٦٢٠/١ - ٦٢٤ . (٧) (( أطنَّ )): أسرع قطعها فطارت. (٨) في الأصول: ((يريدُ (زعم ) أَنْ تَيِّ يمِيتُه)). - ٣٩٣ - الحوض . ثم خرج بعده عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة ، حتى إذا فصلَ من الصف دعا إلى المبارزة ، فخرج إليه فتية من الأنصار ، وهم : عوف ، ومعوّذ ابنا الحارث - وأمُّهما عفراء - ورجل آخر يُقال هو عبد الله بن رواحة، فقالوا: من أنتم ؟ قالوا: رهط من الأنصار. قالوا: ما لنا بكم من حاجة(١). وقال ابن عقبة وابن عائذ حين ذكروا خروج الأنصار، قال: فاستحيا النبّي عَ لّه من ذلك، لأنه كان أوّلَ قتال التقى فيه المسلمون والمشركون، ورسول الله عَ لم شاهد معهم ، فأحبَّ النبُّ عَ لِ أن تكون الشوكة لبني عمه، فناداهم النبي عَ ةٍ أن ارجعوا إلى مصافّكم وليقم إليهم بنو عمهم . : رجع إلى ابن إسحاق: ثم نادى منادیهم: يا محمد أخرجْ إلينا أكفاءَنا من قومنا . فقال: النبي عَلِ : قم يا عبيدة بن الحارث ، وقم يا حمزة ، وقم يا علي . فلما قاموا ودنوا منهم ، قالوا : من أنتم ؟ قال: عُبيدة : عبيدة . وقال حمزة : حمزة . وقال علي: علّ . قالوا : نعم ، أكفاء كرام . فبارز ◌ُبيدة - وكان أسنَّ القوم - عتبةً بن ربيعة، وبارز حمزةُ شيبةً بن ربيعة ، وبارزَ علِّي الوليد بن عتبة . فأما حمزة فلم يُمهل شيبة أن قتله ، وأما عِلِي فلم يُمهل الوليدَ أن قتله ، واختلف عُيدةُ وعُتبة بينهما ضربتين، كلاهما أثبتَ(٢) صاحبه، وكرّ حمزةُ وعلّي بأسيافهما على عُتبة فذففا(٣) علیه ، واحتملا صاحبهما فحازاه (٤) إلى أصحابه . قال: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن عتبة بن ربيعة قال للفتية من الأنصار حين انتسبوا : أكفاء كرام، إنما نريدُ قومَنا. قال: ثم تزاحفَ الناسُ ، ودنا بعضُهم من بعض ، وقد أمرَ رسولُ الله عَّ الله أصحابه أن لا يحملوا حتى يأمرهم، وقال : إن اكتشفكم القومُ فأنضحوهم عنكم بالنبل، ورسول الله عَّ له في العريش معه أبو بكر الصديق . (١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٦٢٤/١. (٢) ( أثبت صاحبه)): أصابَ منه مقتلا . (٣) ((فَذَقًَّا عليه)»: أجهزا عليه وأتمًّا قتلَه. (٤) ((فحازاه)) : ضمَّاه . - ٣٩٤ - قال: وحدثني حَبَّان بن واسع بن حَبَّان، عن أشياخ من قومه، أن رسولَ الله عَ لَّه عدَّل صفوفَ أصحابه يوم بدر، وفي يده قِدْح يُعدِّلُ به القوم ، فمَرَّ بسواد بن غَزِيّة حليف بني عدي بن النجار ، وهو مستنتلّ(١) من الصف ، قال ابن هشام : فطعن في بطنه بالقِذْح ، وقال : استو يا سواد . فقال : يا رسول الله أوجعتني، وقد بعثك الله بالحقّ والعدل، فأقدني (٢). قال: فكشف رسولُ الله عَ لِ عن بطنه، وقال: استقدْ. فاعتنقه فقبَّلَ بطنه . فقال : ما حملَكَ على هذا يا سواد ؟ قال: يا رسول الله ! حضر ما ترى ، فأردتُ أن يكونَ آخرُ العهدِ بك أن يَمَسَّ جلدي جلدَك. فدعا له رسولُ اللهِ عَ ◌ّه بخير وقاله له . قال ابن إسحاق: ثم عدَّل رسولُ الله عَ لِ الصفوفَ ورجع إلى العريش فدخله ومعه أبو بكر ليس معه فيه غيره، ورسولُ الله عَ ◌ّهِ يُناشد ربَّه ما وعدَه من النصر، ويقول فيما يقول : اللهم إن تهلك هذه العِصَابة اليوم لا تعبد . وأبو بكر يقول : يا رسول الله ! بعضَ مناشدتِكَ ربَّك، فإن الله منجزٌ لك ما وعدك. وقد خفقَ (٢) رسولُ اللهِ صَ لِّ خفقةٌ وهو في العريش ، ثم انتبه، فقال: أبشر يا أبا بكر، أتاك نصُرُ الله، هذا جبريلُ آخذٌ بعِنان فرسه يقودُه ، على ثناياه النقع (٤) - يريدُ الغبار - . وقال ابن سعد في هذا الخبر: وجاءت ريح لم يروا مثلَها شدةً ، ثم ذهبت فجاءت ريح أخرى ، ثم ذهبت فجاءت ريح أخرى ، فكانت الأولى جبريل في ألف من الملائكة مع رسول الله عَ له، والثانية ميكائيل في ألف من الملائكة عن ميمنة رسول الله عَ لّه، والثالثة إسرافيل في ألف من الملائكة عن ميسرة رسول الله عَ لَّهِ (٥). وروينا من طريق مسلم ، حدثنا هَنّاد بن السري ، حدثنا ابن المبارك ، عن عكرمة ابن عمّار ، قال : حدثني سِمَاك الحنفي ، قال : سمعت ابنَ عباس يقول : حدثني عمرُ (١) ((مستنتل)): متقدم. قال ابن هشام: ويُقال: مستنصل. (٢) ((فَأَقِدْني)): اقتصُّ لي من نفسِكَ. (٣) ((خفق)): غلبه النعاس وهو جالسٌ حتى هوت ذَقْنُه على صدره . (٤) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٦٢٥/١ - ٦٢٦ . (٥) الطبقات الكبرى ؛ لابن سعد ١٦/٢. - ٣٩٥ - ابن الخطاب رضي الله عنه، قال: لما كان يومُ بدرٍ نظرَ رسولُ الله عَ لَّه إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وسبعة عشر رجلاً، فاستقبلَ نبَّ الله عَ لِ القبلةَ، ثم مدَّ يديه، فجعلَ يهتفُ بربِّه: ( اللهم أنجز لي ما وعدتني)) وفيه: فأنزل الله عز وجل عند ذلك: ﴿إذ تستغيثونَ رَبَّكم فاستجابَ لكم أني مُمِدُّكُم بألفٍ من الملائكة مُردفين ﴾ [ الأنفال: ٩] فأمدَّه الله بالملائكة . قال أبو(١) زُمیل : فحدثني ابنُ عباس قال : بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه ، إذ سمع ضربةً بالسوط فوقه ، وصوتُ الفارس يقول أقدم حيزومُ(٢)، فنظر إلى المشرك أمامه خرّ مستلقياً، فنظر إليه فإذا هو قد خُطم(٣) أَنفُه وشُقَّ وجهُه، كضربة السوط، فَاخضرّ ذلك أجمع ، فجاء الأنصاري فحدَّثَ بذلك رسولَ الله عَّله، فقال: ((صدقتَ، ذلك من مَدَدِ السماء الثالثة)) فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين .. الحديث (٤). وروپنا من طريق البخاري : حدثني إبراهيم بن موسى ، أخبرنا عبد الوهاب ، حدثنا خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن النبِّ عَ لّم قالَ يومَ بدرٍ: ((هذا جبريلُ آخذٌ برأس فرسهِ عليه أداة الحرب ))(٥) . ۔۔ وروینا عن ابن سعد : أخبرنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن زيد ، حدثنا أيوب ويزيد بن حازم؛ أنهما سمعا عكرمة يقرأُ(٦): ﴿فَثَبُّوا الذينَ آمنوا﴾ قال حماد : وزاد أيوب، قال قال عكرمة: ﴿فاضرِبوا فوقَ الأعناق ﴾ [ الأنفال: ١٢] قال: كان يومئذ يَنْذُر رأسُ الرجل لا يُدرى من ضربه ، وتندرُ يدُ الرجل لا يُدرى من ضَرَبه(٧). (١) أبوِ زُميل : هو سيماك الحنفي ، راوي الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما . (٢) (( أَقْدِمْ حيزومُ)): أقدمْ: بفتح همزة القطع، وكسر الدال ، من الإقدام ، وهي كلمة زجر للفرس معلومة في كلامهم . وحيزوم: اسم فرس الملَك ، وهو منادی بحذف حرف النداء ، أي يا حيزوم . (٣) (( خُطم أنفه)): الخطم: الأثر على الأنف . (٤) رواه مسلم في كتاب الجهاد والسير (باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر) رقم /١٧٦٣/. .(٥) رواه البخاري في كتاب المغازي ( باب شهود الملائكة بدراً) رقم /٣٩٩٥٪. (٦) كذا في الطبقات ، وفي الأصول («يقرؤها)). (٧) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ٢٥/٢ - ٢٦. - ٣٩٦ - قال ابن إسحاق : وقد رُمي مِهْجع مولى عمر بن الخطاب بسهم فقُتل، فكان أوّلَ قتيل من المسلمين ، ثم رمي حارثةُ بن سراقة - أحد بني عدي بن النجار وهو يَشرب من الحوض - بسهم، فأصاب نحرَه فقُتل. ثم خرج رسولُ الله عَ ◌ّه إلى الناس فحرَّضهم ، وقال: والذي نفسُ محمد بيده لا يُقاتلُهم اليومَ رجلٌّ فيقتلُ صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة. فقال عُميرُ بن الحُمام - أخو بني سَلِمة، وفي يده تمرات يأكلهن -: بخٍ بخٍ أفما بيني وبين أن أدخلَ الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء ؟ قال : ثم قذفَ التمراتِ من يده وأخذ سيفَه فقاتل القوم حتى قُتل(١). وقال ابن عُقبة: أوّلُ قتيل من المسلمين يومئذٍ عُمير بن الحُمام . وقال ابنُ سعد : فكان أوّلَ من خرجَ من المسلمين مِهجعُ مولى عمر بن الخطاب ، فقتله عامرُ بن الحضرمي . وكانَ أوّلَ قتيل قُتل من الأنصار حارثةُ بن سُراقة ، ويُقال : قتله حِبَّان بن العَرِقة، ويُقال: عُمير بن الحُمام قتلَه خالد بن الأعلم العُقيلي(٢). قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ؛ أن عوفَ بن الحارث - وهو ابن عفراء - قال : يا رسول الله، ما يُضحكُ الربَّ من عبده؟ قال: غمسُهُ يدَه في القوم(٣) حاسراً . فنزعَ درعاً كانت عليه ، فقذفها ، ثم أخذ سيفَه فقاتل القومَ حتى قُتل . وحدثني محمد بن مسلم ، عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير العُذْري - حليف بني زهرة - أنه حدثه ، أنه لما التقى الناسُ ودنا بعضُهم من بعض ، قال أبو جهل : اللهم أقطعنا للرحم ، وآتانا بما لا يُعرف، فأَحِنْه الغداةَ. فكان هو المُستفتحُ(٤) على نفسه . قال: ثم إن رسولَ الله عَ ◌ّله أخذَ حفنةً من الحَصباء فاستقبلَ بها قريشاً ، ثم قال: شاهتِ الوجوهُ . ثم نفحهم بها ، وأمر أصحابه، فقال: شُدُّوا . فكانت الهزيمة ، فقتل الله من قُتل من صناديد قريش وأُسر من أُسر من أشرافهم (٥) . (١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٦٢٧/١ . (٢) الطبقات الكبرى ؛ لابن سعد ١٦/٢ - ١٧ . (٣) كذا في ((أ)) و((ب)) وفي السيرة النبوية؛ لابن هشام و(( ج )) (( غمسُه يده في العدو ... )). (٤) ((المستفتح على نفسه)): أي: أن أبا جهل كان هو الحاكمُ على نفسه بهذا الدعاء. (٥) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٦٢٧/١ - ٦٢٨. - ٣٩٧ - قال ابن عُقبة وابن عائد : فكانت تلك الحصباء عظيماً شأنها ، لم تتركْ من المشركين رجلاً إلا ملأتْ عينيه، وجعل المسلمون يقتلونهم ويأسرونهم، وبادر (١) النفرُ، كلّ رجلٍ منهم - منكباً على وجهه - لا يدري أين يتوجه، يعالجُ الترابَ ينزعه من عينيه. رجع إلى خبر ابن إسحاق : فلما وضعَ القومُ أيديهم، يأسرون، ورسولُ اللّه ◌َ للمل في العريش، وسعد بن معاذ قائمٌ على باب العريش الذي فيه رسول الله عَ لمِ متوشحٌ السيفَ في نفر من الأنصار، يحرسون رسولَ الله عَ لِ، يخافون عليه كَرَّةَ العدو، ورأى رسولُ: اللهِ عَطِّ - فيما ذكر لي - في وجه سعد بن معاذ الكراهيةَ لما يصنعُ النَّاسُ ، فقال له. رسولُ الله ◌َِّ: والله لكأنك يا سعد تكرهُ ما يصنعُ القوم؟ قال : أجل والله يا رسولَ الله : كانت أوَّلَ وقعة أوقعُّها الله بأهل الشرك، فكان الإِثخانُ في القتل أَخْبَّ إلَّي من استبقاء الرجال . قال : وحدثني العبّاسُ بن عبد الله بن معبد ، عن بعض أهله ، عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ أن النبي عَّم قال لأصحابه يومئذ : إني قد عرفت أن رجالاً من بني هاشم وغيرهم قد أُخرجوا كُرهاً ، لا حاجة لهم بقتالنا ، فمن لقي منكم أحداً من بني هاشم فلا يقتله ، ومن لقي أبا البختري بن هشام فلا يقتله ، ومن لقي العبَّسَ بنَ عبد المطلب: فلا يقتله ، فإنما خرج مُستكرهاً (٢). وذكر ابنُ عقبة فيهم عَقْيلاً ونوفلاً . قال (٣): فقال أبو حذيفة: أَنقتُلُ آباءنا وإخواننا وعشيرتَنا ونتركُ العِبَّاسَ، والله لئن لقيتُه لأُلجمتَّه السيفَ ، قال: فبلغتْ رسولَ الله ◌ِّ له، فقال لعمر بن الخطاب : يا أبا حفص ! - فقال عمر: والله إنه لأوّلُ يوم كتَّاني فيه رسولُ الله عَ لَّهِ بأبي حفص - أَيُضربُ وجهُ عمّ رسول الله عَِّ بالسيف؟ فقال عمر: يا رسول الله ! دعني فلأضربْ عنقه بالسيف ، فوالله لقد نافق . فكان أبو حذيفة يقولُ : ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلتُها يومئذ ، ولا أزالُ منها خائفاً إلا أن تكفرها عني الشهادةُ . فقُتل يوم اليمامة شهيداً . (١) ((بإدَرَ النفرُ)): أسرعَ المشركون. (٢) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٦٢٨/١ - ٦٢٩. (٣) أي ابن إسحاق . - ٣٩٨ - فلقي أبا البختري المُجذّرُ بن ذیاد البلوي ، فقال له : إن رسولَ الله ع ٹِ قد نهانا عن قتلك . ومع أبي البختري زميل له خرج معه من مكة ، وهو جُنادة بن مُليحة . قال : وزميلي ؟ قال له المُجَذّر: لا والله، ما نحن بتاركي زميلَك، ما أمرنا رسولُ الله عَ لّهِ إلا بك وحدَكَ . قال: لا والله إذن لأموتنَّ أنا وهو جميعاً، لا تُحدِّث عني نساءُ مكة أني تركت زميلي حِرْصاً على الحياة. فقتلَه المُجَذَّر، ثم أتى رسولَ الله عَ لَه، فقال: والذي بعثك بالحقِّ لقد جَهْدِتُ عليه أن يستأسرَ فآتيك به ، فأبى إلا أن يقاتلني ، فقاتلني فقتلتهُ(١) . قال ابن عقبة : ويزعمُ ناسٌ أن أبا اليَسَرِ قَتَلَ أبا البختريّ بن هشام ، ويأبى عُظْمُ الناس إلا أن المُجَذِّر هو الذي قتله ، بل قتله من غير شك أبو داود المازني وسلبه سيفَه ، فكان عند بنيه حتى باعه بعضُهم من بعض ولد أبي البختريّ . قال ابن إسحاق : حدثني يحيى بن عباد ، عن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، قال : وحدثنيه أيضاً عبدُ الله بن أبي بكر وغيرهما ، أن عبد الرحمن بن عوف لقيه أميّةُ بن خلف ، ومعه ابنُه علي ، ومع عبد الرحمن أدرائعٌ استلبَها ، قال : هل لك فِي؟ فأنا خيرٌ لك من هذه الأدراع التي معك . قال : قلت : نعم ، فطرحت الأدراعَ من يدَّ، وأخذت بيده ويد ابنه ، وهو يقول : ما رأيتُ كاليومِ قط ! أما لكم حاجة في اللبن ؟ ثم خرجتُ أمشي بهما(٢). قال : حدثني عبدُ الواحد بن أبي عون ، عن سعد بن إبراهيم عن أبيه ، عن عبد الرحمن ابن عوف ، أن أمية بن خلف قال له : من الرجل منكم المُعْلِمُ بريشةٍ نَعامة في صدره ؟ قال : قلت ذاك حمزة بن عبد المطلب . قال : ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل . قال عبدُ الرحمن : فوالله إني لأقودُهما إذ رآه بلال معي، وكان هو الذي يُعذِّبُ بلالاً بمكة على ترك الإِسلام ، فيخرجه إلى رمضاءِ مكة إذا حميت ، فيضجعه على ظهره ، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتُوضع على صدره ، ثم يقول : لا تزالُ هكذا أو تُفارقَ دينَ محمد . فيقول بلال : (١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٦٢٩/١. (٢) السيرة النبوية ٦٣٢/١ وقال ابن هشام: يريد باللبن، أن من أسرني افتديت منه بإبل كثيرة اللَّن. - ٣٩٩ - أحد أحد . قال: فلما رآه قال: رأس الكفر أميّةُ بن خلف ؟ لا نجوتُ إن نجا . قال : قلتُ أي بلال ، أبأْسيريّ ؟ قال : لا نجوت إن نجا . قال : ثم صرخ بأعلى صوته : یا أنصار الله ! رأسُ الكفر أميّةُ بن خلف ، لا نجوتُ إن نجا . قال : فأحاطوا بنا حتى جعلونا. في مثل المَسَكة(١) وأنا أذبُّ عنه .. قال: فأخلفَ رجلٌ السيفَ فضربَ رجل ابنه فوقعَ، وصاح أميةُ بنُ خلف صيحةٌ ما سمعتُ مثلَها قط . قال : فقلتُ انجُ بنفسك ولا تجاءَ به ، فوالله ما أغني عنك شيئاً . قال : فَهَّروهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما . قال : فكان عبد الرحمن يقول : يرحمُ الله بلالاً، ذهبت أدراعي وفجعني بأسيريّ(٢) . قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر، أنه حُدَّث عن ابن عباس ، قال : حدثني رجل من بني غفار ، قال : أقبلتُ أنا وابنُ عم لي ، حتى أصعدنا في جبل يُشرف بنا على بدر ، ونحن مُشر كان ننتظر الوقعة على من تكون الدَّبْرة(٣)، فننتهبُ مع من ينتهب . قال: فبينا نحن في الجبل إذ دنت منا سحابةٌ ، فسمعنا فيها حمحمةً الخيل، فسمعتُ قائلاً يقول : أقدم حيزومُ . فأما ابنُ عمي فانكشفَ قناعُ قلبه ، فمات مكانه . وأما أنا . فکدت أهلڭُ ثم تماسکت قال : وحدثني عبد الله بن أبي بكر ، عن بعض بني ساعدة ، عن أبي أسيد مالك ابن ربيعة ، وكان قد شهد بدراً ، قال بعد أن ذهب بصره : لو كنتُ اليومَ بيدرٍ ومعي بصري لأريتُكم الشّعبَ الذي خرجت منه الملائكةُ ، لا أشك ولا أتمارى . : قال : وحدثني أبي إسحاقُ بن يسار ، عن رجال من بني مازن بن النجار ، عن أبي داود المازني - وكان شهد بدراً - قال: إني لأَتْبَعُ رجلاً من المشركين يومَ بدر :- لأضربَه ؛ إذ وقع رأسُه قبلَ أنْ يصل إليه سيفي ، فعرفتُ أنه قد قتله غيري(٤) . وحدثني من لا أتهُمُ عن مِقْسم مولى عبد الله بن الحارث ، عن عبد الله بن عباس ، قال : كانت (١) ((المَسَكّة)): السُّوار والخلخال، أي: أحدقوا بنا وجعلونا في حلقة كالسوار . (٢) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٦٣٢/١. (٣) ((الدَّبْرة)) الهزيمة. (٤) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٨٣/٦ وقال: رواه الإمام أحمد وفيه رجل لم يُسَم. - ٤٠٠ -