النص المفهرس
صفحات 361-380
ابن عبد الله: وقدتِ الحربُ. فجعلَ الله ذلك عليهم لا لهم(١). فلما أكثرَ الناسُ في ذلك أنزل الله تعالى: ﴿ يسئلونَكَ عن الشهرِ الحرامِ قتالٍ فيه قُلْ قتالٌ فيه كبيرٌ وصَدٌّ عن سبيلِ الله وكفّ به والمسجدِ الحرامِ وإخراجُ أهلِه منه أكبرُ عندَ الله والفتنةُ أكبرُ من القتل﴾ [ البقرة: ٢١٧] ففرّجَ الله عن المسلمين ما كانوا فيه ، وقبضَ رسولُ الله عَ لِّ العيرَ والأسيرين، وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله ، والحكم بن كيسان. فقال رسولُ الله عَِّ : لا نُفديكما حتى يقدّمَ صاحبانا ، يعني : سعد بن أبي وقاص ، وعُْبة بن غَزْوان ، فإنا تخشاكم عليهما ، فإن تقتلوهما نقتلْ صاحبيكم ، فقدم سعدٌّ وعُثْبة، فأفداهما رسولُ الله عَ لَّلِ منهم، فأما الحكم بن كيسان فأسلمَ فَحَسُن إسلامُه، وأقام عند رسول الله عَّ الله ومات في بئر معونة شهيداً، وأما عثمان بن عبد الله فلحِقَ بمكة فمات بها كافراً (١). فلما تجلَّى عن عبد الله بن جحش وأصحابُه ما كانوا فيه حين نزل القرآن طمعوا في الأجر ، فقالوا : يا رسول الله، أنطمعُ أن تكونَ لنا غزوة نُعطى فيها أجر المجاهدين ، فأنزل الله فيهم : ﴿ إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم﴾ [ البقرة: ٢١٨] فوضعهم الله من ذلك على أعظم الرجاء . والحديث في هذا عن الزهري ويَزيد بن رُومان، عن عروة بن الزبير (١) . ثم قسم الفيء بعد كذلك . قال ابن هشام : وهي أول غنيمة غنمها المسلمون . وعمرو بن الحضرمي أول من قتل المسلمون ، وعثمان والحكم أول من أسر المسلمون(٢). فقال في ذلك أبو بكر الصديق ، ويقال هي لعبد الله بن جحش : وأعظمُ منه لو یری الرُّشدَ راشدُ تعدُّون قتلاً في الحرام عظيمةٌ وكفرٌ به واللهُ راءٍ وشاهدُ صدودُكمُ عما يقولُ محمدٌ بنخلةً لما أوقدَ الحربَ واقدُ)» شفينا (٣) من ابن الحضرمي رماحنا (١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٦٠٤/١ - ٦٠٥ . (٢) المصدر السابق ٦٠٥/١ . (٣) كذا في أكثر النسخ، وفي ((ج)) والسيرة النبوية لابن هشام ٦٠٦/١ « سقينا» ويؤيده البيت الذي يليه: - ٣٦١ - وذكر موسى بن عقبة ومحمد بن عائذ نحو ذلك ، غير أنهما ذكرا صفوان بن بيضاء بدل سهيل أخيه ، ولم يذكرا خالداً ولا عُكَّاشة ، وذكر ابنُ عقبة فيهم عامر بن إياس . وقال ابن سعد : كان الذي أسر الحكم بن كيسان المقدادُ بن عمرو ، وذكر أن النبي. عَّ الله بعثَ عبد الله بن جحش في اثني عشر رجلاً من المهاجرين ، كل اثنين يعتقبان بعيراً إلى بطن نخلة ، وهو بُستان ابن عامر ، وأن سعد بن أبي وقاص كان زميلَ عُتبة بن غزوان،. فضَّلَّ بهما بعيرُهما فلم يشهدا الوقعة(١). والذي ذكره موسى بن عقبة أن ابن جحش لما قرأ عليهم كتابَ رسول الله عَلٍ وخيّر أصحابه ، تخلَّفَ رجلان سعدٌ وعتبة ، فقدما بُحران ومضى سائرهم. وقال ابن سعد: ويُقال إن عبد الله بن جحش لما رجع من نخلة خمَّسَ ما غنم وقسم بين أصحابه سائرَ المغانم، فكان أول خمس خُمِّس في الإسلام، ويقال إن رسول الله عَ ليه وقف غنائم نخلة حتى رجع من بدر فقسمها مع غنائم بدر ، وأعطى كلّ قوم حقهم ، وفي هذه السرية سمي عبد الله بن جحش أمير المؤمنين(١) .. يُنَازَعُه غُلٌّ منِ القَدِّ عَانَدُ دَمَاً وابنُ عبدِ اللهِ عثمانُ بينَنَا و (( القَدُّ)): شَرَك يُقطع من الجلد. وه عائدُ)): سائل بالدمِّ لا ينقطع. (١) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ١٠/٢٠ - ٠١١ - ٣٦٢ - تحويل القبلة قرىء على الشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم المقدسي وأنا حاضر في الرابعة ، أخبركم أبو الحسن علي بن النفيس بن بُورنداز ، قراءة عليه ببغداد فأَقَر به ، أخبرنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى ، أخبرنا أبو عطاء بن أبي عاصم ، أخبرنا حاتم بن محمد بن يعقوب ، حدثنا أبو العباس محمد بن محمد بن الحسن الفَرِيْزَني (١)، حدثنا أبو جعفر رجاء بن عبد الله بن فُورجة(٢) ، حدثنا مالك بن(٣) سليمان الهروي ، عن يزيد ، بن(٤) عطاء، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: لقد صلينا بعد قدوم النبي عَّلِ نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً ، وكان الله يعلم أنه يُحب أن يُوجَّه نحو الكعبة ، فلما وُجِّهَ النبِي عَّهِ إليها صلى رجل(٥) معه، ثم أتى قوماً من الأنصار وهم ركوع نحو بيت المقدس ، فقال لهم وهم ركوع: أشهدُ أن رسولَ الله عَّلِه قد وُجه نحو الكعبة، فاستداروا وهم ركوع فاستقبلوها .. رواه البخاري وغيره من حديث أبي إسحاق عن البراء(٦) . (١) الفَرِيْزني: هو بناء مفتوحة، وكسر الراء بعدها، ثم مثناة تحتانية ساكنة، ثم زاي، ثم نون ، ثم ياء النسبة . هكذا ضبطه سبط ابن العجمي . (٢) ابن فُوَرَجَة : هو بالفاء المضمومة ، ثم واو ساكنة ، ثم راء مفتوحة ، ثم جيم مفتوحة أيضاً ، ثم هاء . والظاهر أنها تاء التأنيث . (٣) مالك بن سليمان: قال العقيلي: والسليماني فيه نظر، وضعَّفه الدار قطني، الضعفاء الكبير ١٧٣/٤. (٤) يزيد بن عطاء : اليشكري ، قال أحمد : مقارب الحديث ، وقال ابن سعد : ضعيف . وقال أبو حاتم : لا يحتج به . وقال النسائي: ليس بالقوي .. ميزان الاعتدال ٤٣٥/٤. ولا يضرُّ الحديث هذا الضعف في راويين من هذا الطريق ، وذلك لرواية البخاري له من طريق آخر صحيح . (٥) رجل : هو عباد بن بشر بن قيظي ، كما رواه ابن منده من حديث طويلة بنت أسلم . وقيل : هو عَبَّاد ابن نَّهِيك، بفتح النون وكسر الهاء .. فتح الباري ٩٧/١. (٦) رواه البخاري في كتاب الإيمان ( باب الصلاة من الإيمان ) رقم /٤٠٪. - ٣٦٣ - ورويناه من طريق ابن سعد : حدثنا الحسن بن موسى ، حدثنا زهير ، حدثنا أبو إسحاق، عن البراء .. الحديث . وفيه : وأنه صلَّى أوَّلَ صلاة صلَّاها العصر ، وصلّاها. معه قوم ، فخرج رجلٌ ممن صلَّاها معه ، فمر على أهل مسجد وهم راكعون ، فقال : أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله عَ ◌ّهِ قِبَلَ مكة، فداروا كما هم قِبَلَ البيت . وكان يعجبه أن يُحوَّل قِبَلَ البيت، وكانت اليهود قد أعجبهم إذا كان يُصلِي قِبَلَ بيت المقدس ، وأهلُ الكتاب ، فلما ولَّى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك . وفيه : أنه مات على القبلة قبل أن تُحول قِبَلَ البيت : رجالٌ ، وقُتلوا ، فلم ندر ما نقول فيهم ، فأنزل الله تعالى ﴿وما كان الله ليُضيعَ إيمانكم إنَّ الله بالنَّاسَ لرؤوف رحيم﴾(١) [ البقرة: ١٤٣ ] . وقد اتفق العلماء على أن صلاة النبِّ عَ المه بالمدينة كانت إلى بيت المقدس، وأن تحويلَ القبلة إلى الكعبة كان بها ، واختلفوا كم أقام النبيُّ عَّهِ يُصلّي إلى بيت المقدس بعد مقدمه المدينة ؟ وفي أي صلاة كان التحويل ؟ وفي صلاته عليه الصلاة والسلام قبل ذلك بمكة كيف كانت ؟ فأما مدة صلاة النبي عَ ل إلى بيت المقدس بالمدينة فقد رويناه أنه كان ستة عشر شهراً ، أو سبعةَ عشر شهراً ، أو ثمانيةَ عشر شهراً، وروينا بضعة عشر شهراً . قال الحربي: ثم قدم النبّ عَ لِ المدينة في ربيع الأول فصلّى إلى بيت المقدس تمام السنة، وصلَّى من سنة اثنتين ستة أشهر ثم حُولّت القبلة في رجب . وكذلك روينا عن ابن إسحاق ، قال : ولمَّا صُرفت القبلة عن الشام إلى الكعبة ، وصرفت في رجب على رأس سبعة عشر شهراً من مقدم رسول الله مَ له المدينة(٢). في خبر ذكره ، وسنذكره بعد تمام هذا الكلام إن شاء الله تعالى . وقال موسى بن عقبة وإبراهيم بن سعد : عن ابن شهاب ، عن عبد الرحمن بن عبد الله ابن كعب بن مالك ؛ أن القبلة صرفت في جمادى . (١) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ٢٤٢/١ - ٢٤٤. (٢) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٦٠٦/١ قد ذكر صاحب السيرة - ٣٦٤ - انه ترنت ١ ١ ١١٠٫٠١ : بانتظام القسم الاول الحزامن الاول والثان ٦٠٦ وقال الواقدي : إنما صرفت في صلاة الظهر يوم الثلاثاء في النصف من شعبان . كذا وجدته عن أبي عمر بن عبد البر . والذي رويناه عن الواقدي من طريق ابن سعد : حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة ، عن داود بن الحصين عن عكرمة ، عن ابن عباس . قال ابن سعد : وأخبرنا عبد الله بن جعفر الزهري ، عن عثمان بن محمد الأخنسي وعن غيرهما ، أن رسول الله عَّ الله لما هاجر إلى المدينة صلَّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً، وكان يُحبُّ أن يُصرف إلى الكعبة ، فقال : يا جبريل ! وددتُ أن الله صرف وجهي عن قبلة يهود . فقال جبريل : إنما أنا عبد فادعُ ربَّك وسلْه ، وجعل إذا صلى إلى بيت المقدس يرفع رأسه إلى السماء ، فنزلت: ﴿قد نَرَى تقلُّبَ وجهِكَ في السَّماءِ فلنولينَّكَ قبلةٌ تَرْضَاهَا فولٌ وجهَكَ شطرَ المسجدِ الحَرَامِ﴾ [ البقرة: ١٤٤] فَوَجَّه إلى الكعبة إلى الميزاب . ويُقال: صلى رسول الله عَ له ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين، ثم أمر أن يُوجِّه إلى المسجد الحرام، فاستدار إليه، ودار معه المسلمون، ويقال: بل زارَ رسولُ اللهِ عَّه أَمَ بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة ، فصنعت له طعاماً ، وحانت الظهر فصلى رسول الله عَِّ بأصحابه ركعتين، ثم أمر أن يُوجّه إلى الكعبة ، فاستقبل الميزاب ، فسُمِّ المسجدُ مسجد القبلتين ، وذلك يوم الاثنين للنصف من رجب على رأس سبعة عشر شهراً. وفُرض صوم شهر رمضان في شعبان على رأس ثمانية عشر شهراً . قال محمد بن عمر: وهذا الثبت عندنا(١) . قال القرطبي (٢): الصحيح سبعة عشر شهراً وهو قول مالك وابن المسيب وابن إسحاق . وقد روي ثمانية عشر ، وروي بعد سنتين ، وروي بعد تسعة أشهر أو عشرة أشهر ، والصحيح ما ذكرناه أولاً . وأما الصلاة التي وقع فيها تحويل القبلة ، ففي خبر الواقدي هذا أنها الظهر ، وقد ذكرنا في حديث البراء قبل هذا أنها العصر . وقد روينا عن ابن سعد ، قال : أخبرنا عفان بن (١) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ٢٤٢/١. (٢) قال سبط ابن العجمي في ((نور النبراس)) هذا يحتمل أن يكون القرطبي هذا: صاحب ((المفهم في شرح صحيح مسلم)) أو أن يكون تلميذه ، صاحب التفسير والتذكرة ، وكلاهما عالم ، لكن الشيخ أعلم فيما يظهر ، والتلميذ أكثر نقولاً . - ٣٦٥ - مسلم ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، قال : أخبرنا ثابت ، عن أنس ابن مالك ، أن رسول الله عَ ◌ّه كان يُصلي نحو بيت المقدس فنزل: ﴿ قد نَرَى تقلُّبَ وجهِكَ فِي السَّماءِ فلنُوَلِينَّك قبلةً تَرْضَاهَا فولٌ وجهك شطرَ المسجدِ الحرام﴾ [ البقرة: ١٤٤] فمر رجلٌ بقوم من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر (وقد صَلُّوا ركعةٌ)(١)، فنادى: ألا إن القبلة قد حُوِلَّت إلى الكعبة، فمالوا إلى الكعبة(٢). وروپنا عن ابن سعد ، قال : أخبرنا الفضل بن دُکین ، حدثنا قیس بن الربيع ، حدثنا زياد بن علاقة، عن عُمارة ابن أوس الأنصاري ، قال : صَلَّينا إحدى صلاتي العشّ ، فقام رجلٌ على باب المسجد ونحن في الصلاة ، فنادى : إن الصلاة قد وجهت تجو الكعبة ، فتحول أو تحرَّفَ إمامنا نحو الكعبة والنساء والصبيان(٣) ، وليس في هذين الخبرين ما يعارض ما قبلهما لأن بلوغ التحويل غير التحويل . وقرىء على أبي عبد الله بن أبي الفتح بن وثَّاب الصوري، وأنا أسمع ، أخبركم الشيخان : أبو مسلم المؤيد بن عبد الرحيم بن أحمد بن محمد بن الإخوة البغدادي نزيل أصبهان ، وأبو المجد زاهر بن أبي طاهر الثقفي الأصبهاني إجازة ، قال الأول : أخبرنا أبو الفرج سعيد بن أبي الرجاء الصيرفي ، وقال الثاني : أخبرنا أبو الوفاء منصور بن محمد بن سليم ، قالا : أخبرنا أبو الطيب عبد الرزاق بن عمر بن موسى بن شمة ، قال : أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن علي بن عاصم ، قال : أخبرنا علي بن العباسي المقالعي ، عن محمد أبن مروان ، عن إبراهيم بن الحكم بن ظهير ، قال: وحدثنا سفيان ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، قال : كانوا يُصلون الصبح فانحرفوا وهم ركوع (٤) . وأما کیف کانت صلاته ێلل قبل تحويل القبلة ، فمن الناس من قال کانت صلاته عَبُّ إلى بيت المقدس ، من حين فُرضت الصلاة بمكة إلى أن قدم المدينة، ثم بالمدينة إلى وقت التحويل . (١) ما بين القوسين من الطبقات الكبرى ١٤٢/١. (٢) المصدر السابق ١٤٢/١ . (٣) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ٢٤٢/١ - ٢٤٣. (٤) الأثر عن ابن عمر رضي الله عنهما ضعيف جداً ، فيه محمد بن مروان السدي الصغير ضعيف جداً ، وإبراهيم بن الحكم بن ظُهير شيعي ضعيف أيضاً . . - ٣٦٦ - روينا من طريق أبي بكر محمد بن إبراهيم بن المقرىء بالسند المذكور آنفاً ، قال أخبرنا علي بن العباس المقالعي ، عن محمد بن مروان ، عن إبراهيم بن الحكم بن ظُهير ، عن أبيه ، عن السدي في كتاب (( الناسخ والمنسوخ)) له قال: قوله تعالى: ﴿سيقولُ السفهاءُ من الناس ما وَلَّهُم عن قبلِتِهم التي كانوا عليها﴾ [البقرة: ١٤٢] قال: قال ابنُ عباس: أول ما نسخَ الله تعالى من القرآن حديث القبلة . قال ابن عباس : إن الله تبارك وتعالى فرضَ على رسوله الصَّلاة ليلة أسري به إلى بيت المقدس ركعتين ركعتين ، الظهر والعصر والعشاء والغداة والمغرب ثلاثاً، فكان يُصلِّي إلى الكعبة ووجهه إلى بيت المقدس . قال : ثم زيد في الصلاة بالمدينة حين صرفَه الله إلى الكعبة ركعتين ركعتين إلا المغرب فُتُركت كما هي. قال: وكان رسولُ الله عَّه وأصحابه يُصلُّون إلى بيت المقدس. وفيه: قال : فصلَّاها رسولُ الله عَ لِ بمكة سنةً حتى هاجر إلى المدينة. قال: وكان رسول الله عزَّلهم. يُعجبه أن يُصلِّي قِبَلَ الكعبة ، لأنها قبلة آبائه إبراهيم وإسماعيل. قال: وصلّها رسول الله عَّلُ بمكة حتى هاجرَ إلى المدينة وبعدما هاجرَ ستة عشر شهراً إلى بيت المقدس . قال : وكان رسول الله عَ لَه إذا صلَّى رفع رأسه إلى السماء ينظرُ لعلَّ الله أن يصرفَه إلى الكعبة. قال: وقال رسول الله عَ ليه لجبريل عليه السلام: وددتُ أنك سألت الله أن يصرفني إلى الكعبة . فقال جبريل : لست أستطيع أن أبتدىء الله جل وعلا بالمسئلة ، ولكن إن سألني أخبرته . قال فجعلَ رسولُ الله عَ لِ يُقلّب وجهَه في السماء ينتظر جبريل ، ينزل عليه ، قال : فنزل عليه جبريل وقد صلَّى الظهر ركعتين إلى بيت المقدس وهم ركوع ، فصرف الله القبلة إلى الكعبة .. الحديث . وفيه : فلما صرف الله القبلة اختلف الناس في ذلك ، فقال المنافقون : ما ولَّاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ؟ وقال بعضُ المؤمنين : فكيف بصلاتنا التي صَلَّيْنا نحو بيت المقدس ؟ فكيف بمن مات من إخواننا وهم يُصلون إلى بيت المقدس ؟ نقول : قَبِلَ الله عز وجل منا ومنهم أم لا؟ وقال ناس من المؤمنين : كان ذلك طاعة وهذا طاعة، نفعل ما أمرنا النبي عَ لِ. وقالت اليهود: اشتاق إلى بلد أبيه وهو يُريد أن يرضي قومه ، ولو ثبت على قبلتنا لرجونا أن يكون هو النبي الذي كنا ننتظر أن يأتي ، وقال المشركون من قريش : تخيَّر على محمد دينُه ، فاستقبلَ قبلتكم وعلم أنكم أهدى منه ، ويوشِكُ أن يدخل في دينكم . فأنزل الله في جميع الفرق كلها : - ٣٦٧ - فأنزل في المنافقين: ﴿ ما وَلَّاهُم عن قبلتِهِمُ التي كانُوا عليها قُلْ للهِ المشرقُ والمغربُ يهدي مَنْ يشاءُ إلى صِرَاطٍ مُستقيم﴾ إلى دين الإِسلام ﴿وكذلكَ جَعَلْنَاكُمْ أَمِّةً وَسَطَاً ﴾ [ البقرة: ١٤٢ - ١٤٣ ) إلى آخر الآية . وأنزل في المؤمنين: ﴿ وما جَعَلْنَا القيلةَ التي كنتَ عليها إلا لنعلمَ مَنْ يَتَّبَعِ الرسولَ ممنْ ينقلبُ على عَقِبَيْهِ﴾ يقول: إلا لنبتلي بها . وإنما كانت قبلتك التي تبعث بها إلى الكعبة ، ثم تلا : ﴿وإنْ كانتْ لكبيرةً إلا على الذينَ هَدَى اللهِ ﴾ قال: من المتقين. قال المؤمنون: كانت القبلة الأولى طاعة وهذه طاعة ، فقال الله عز وجل: ﴿وما كانَ اللهُ لْيُضِيعَ إيمانَكُم﴾ [ البقرة: ١٤٣]. قال : صلاتكم ، لأنكم كنتم مطيعين في ذلك ، ثم قال لرسول الله عَ لِ: ﴿قد نرى تقلُّبَ وجهِكَ في السماءِ ﴾ يقول: تنتظر جبريل حتى ينزل عليك ﴿فلنُوَلِيَنَّكَ قبلَةً تَرْضَاهَا﴾ يقول: تحبها ﴿فولٌّ وَجْهَكَ شطَزَ المسجدِ الحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] نحو الكعبة ﴿وإنه لَّلْحَقُّ من رَبِّكَ﴾ [ البقرة: ١٤٩ ] أي أنك تبعث بالصلاة إلى الكعبة . وأنزل الله في اليهود: ﴿ ولئنْ أتيتَ الذينَ أُوتوا الكتابَ بكلِّ آيةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ﴾ [ البقرة: ١٤٥] قال: لئن جئتهم بكل آية أنزلها الله في التوراة في شأن القبلة أنها إلى: الكعبة ما تبعوا قبلتك، قال : وأنزل الله في أهل الكتاب: ﴿الذينَ آتيناهُم الكِتَابَ يعرفونَه كما يَعْرِفُونَ أبناءَهم وإنَّ فَرِيقاً منهم لَيَكْتُمونَ الحقّ وهم يعلمون﴾ [ البقرة: ١٤٦] قال : . يعرفون أن قبلة النبي الذي يبعث من ولد إسماعيل عليهما السلام قبل الكعبة ، كذلك هو مكتوب عندهم في التوراة ، وهم يعرفونه بذلك كما يعرفون أبناءهم ، وهم يكتمون ذلك ، وهم يعلمون أن ذلك هو الحق ، يقول الله تعالى: ﴿الحقُّ من رَبِّك فلا تَكُوننَّ من المُمْتَرِين﴾ [ البقرة: ١٤٧] يقول من الشاكين . قال : ثم أنزل في قريش وما قالوا ، فقال: ﴿ِثَلَّا يكونَ للناسِ عليكُم حُجَّةٌ ﴾ قال : لكيلا يكون لأحد من الناس حجة ﴿ إلا الذينَ ظَلِمُوا منهم﴾ يعني قريشاً ، وذلك قول قريش : قد عرف محمد أنكم أهدى منه فاستقبل قبلتكم ، ثم قال: ﴿ فلا تَخْشَوْهُمْ﴾ قال : فحين قالوا يوشك أن يرجع إلى دينكم يقول : لا تخشوا أن أردكم في دينهم ، قال - ٣٦٨ - ﴿ولأتمَّ نِعمَتي عليكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] أي أُظهر دينكم على الأديان كلها. كل هذا عن السدي من كتابه في (( الناسخ والمنسوخ)) وهو مروي لنا بالإِسناد المذكور ، وهو مروي عن أبي مالك ، عن ابن عباس ، ثم يتخلل سياق خبره فوائدُ عن بعض رواة الكتاب ، ثم يقول جامعه عند انقضائها وعوده إلى الأول : رجع إلى السدي . ثم يقول عنه : قال ابن عباس كذا في أخبار متعددة متغايرة ، فيحتمل أن يكون ذلك عنده عن أبي مالك عن ابن عباس ، ويحتمل الانقطاع ، ولو كان ذلك في خبر واحد لكان أقرب إلى الاتصال . والسُّدي هذا هو الكبير : إسماعيل بن عبد الرحمن ، يروي عن أنس ، وعبد خير ، روى عنه الثوري وشعبة وزائدة ، وكان يجلس بالمدينة في مكان يُقال له السُّد فنُسب إليه ، احتج به مسلم ، ووثقه بعضُهم وتكلم فيه آخرون . والسّدي الصغير : هو محمد بن مروان المذكور في الإسناد إليه ، مضعف عندهم . وقال آخرون إنه عليه الصلاة والسلام صلَّى أول ما صلى إلى الكعبة ثم إنه صُرف إلى بيت المقدس . قال أبو عمر: ذكر سُنيد، عن حجَّاج، عن ابن جريج، قال: صلَّى ١ لنبُّ عَ لّه أوَّلَ ما صلى إلى الكعبة ، ثم إنه صُرف إلى بيت المقدس ، فصلت الأنصار نحو بيت المقدس قبل قدومه عليه الصلاة والسلام بثلاث، وصلى النبّ عَ لِ بعد قدومه ستة عشر شهراً ثم وجهه الله تعالى إلى الكعبة(١). وقال ابن شهاب : وزعم ناس - والله أعلم - أنه كان يسجد نحو بيت المقدس ويجعل وراء ظهره الكعبة وهو بمكة ، ويزعم ناس أنه لم يزل يستقبل الكعبة حتى خرج منها ، فلما قدم المدينة استقبل بيت المقدس(٢). قال أبو عمر : وأحسن من ذلك قول من قال : إنه عليه الصلاة والسلام كان يُصلي بمكة مستقبل القبلتين ، يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس(٢). (١) و(٢) ذكر أبو عمر ابن عبد البر هاتين الروايتين: عن سُنيد، وابن شهاب في كتابيه ((التمهيد)) - ٣٦٩ - ٠٠ وقد روينا ذلك من طريق مجاهد عن ابن عباس ؛ قرأت على الإِمام الزاهد أبي إسحاق إبراهيم بن علي بن أحمد بن فضل بن الواسطي بسفح قاسيون ، أخبركم الشيخ أبو البركات داود بن أحمد بن محمد بن ملاعب البغدادي ، وأبو الفضل عبد السلام بن عبد الله بن أحمد بن بكران بن الزاهري سماعاً عليهما ، الأول بالشام والثاني بالعراق ، قالا : أخبرنا أبو بكر محمد بن عُبيد الله بن نصر بن البُسْري بن الزَّاغُوني ، زاد ابنَ ملاعب : وأبو منصور أَنُوشتكين بن عبد الله الرضواني ، قال : أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد بن محمد بن : البسري ، وقال ابن الزاغوني : أخبرنا الشريف أبو نصر محمد بن محمد الزينبي ، قالا : أخبرنا أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن بن العباس المخلص ، حدثنا يحيى ، حدثنا الحسن بن يحيى الآرُزِّي أبو علي بالبصرة ، حدثنا يحيى بن حماد ، حدثنا أبو عوانة ، عن سليمان - يعني الأعمش - عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله عَ لّه يُصلي وهو بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه، وبعدما هاجر إلى المدينة ستة عشر شهراً، ثُمَّ صُرف: إلى الكعبة وروينا عن ابن سعد قال : أخبرنا هاشم بن القاسم ، حدثنا أبو معشر ، عن محمد ابن كعب القُرظي ، قال : ما خالف نبِي نبياً قط في قبلة ولا في سنة ، إلا أن رسولَ الله عَّه استقبل بيت المقدس من حين قدم المدينة ستة عشر شهراً ثم قرأ: ﴿شرع لكم من الدين ما وصَّى بن نوحاً﴾(١) [الشورى: ١٣]. وقد ذکرنا فیما سلف حدیثَ البراء بن معرور وتوجهه إلى الكعبة ، وفيه دليل على : أن الصلاة كانت يومئذ إلى بيت المقدس . ولما كان عَ ◌ّه يتحرّى القبلتين جميعاً ولم يتبين توجُّهَهُ إلى بيت المقدس للناس حتى خرجَ من مكة . قال السهيلي : وكرر الباري سبحانه وتعالى الأمر بالتوجه إلى البيت الحرام في ثلاث آيات ، لأن المنكرين لتحويل القِبلة كانوا ثلاثة أصناف : اليهودُ ؛ لأنهم لا يقولون بالنسخ = و((الاستذكار)). انظر ((الدرر في اختصار المغازي والسير)) ص ١٠١. (١) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ٢٤٣/١. - ٣٧٠ - في أصل مذهبهم . وأهلُ الرّيْب والنفاق اشتد إنكارهم له، لأنه كان أوَّلَ نسخ نزل. وكفار قريش ، لأنهم قالوا : ندمَ محمد على فراق ديننا ، وكانوا يحتجون عليه ، فيقولون : يزعم محمد أنه يدعونا إلى ملة إبراهيم وإسماعيل وقد فارق قبلة إبراهيم وإسماعيلَ وآثر عليها قبلة اليهود، فقال الله له حين أمره بالصلاة إلى الكعبة: ﴿لئلا يَكونَ لِلنَّاسِ عليكُمْ حُجَّةٌ إلا الذينَ ظَلَّمُوا مِنْهم﴾ [ البقرة: ١٥٠ ] على الاستثناء المنقطع ، أي: لكن الذين ظلموا منهم لا يرجعون ولا يهتدون ، وذكر الآيات إلى قوله تعالى: ﴿لَيَكتمون الحقَّ وهم يعلمون﴾ [ البقرة: ١٤٦] أي يكتمون ما علموا من أن الكعبة هي قبلة الأنبياء(١). وروينا من طريق أبي داود في كتاب ((الناسخ والمنسوخ)) له: حدثنا أحمد بن صالح ، حدثنا عنبسة ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، قال : كان سليمانُ بن عبد الملك لا يُعَظِّمُ إيلياءٍ(٢) كما يُعَظِّمُهَا أهُلُ بيته ، قال : فسرتُ معه وهو ولَّي عهد ، قال : ومعه خالد بن يزيد بن معاوية ، قال سليمان وهو جالس فيها : والله إن في هذه القِبلة التي صلَّى إليها المسلمون والنصارى لعجباً . قال خالد بن يزيد : أما والله إني لأقرأ الكتاب الذي أنزلَه الله على محمد عَ له، وأقرأ التوراة ، فلم تجدها اليهود في الكتاب الذي أنزل الله عليهم، ولكن تابوت السكينة كان على الصخرة ، فلما غضب الله على بني إسرائيل رفعَه ، فكانت صلاتُهم إلى الصخرة على مشاورة منهم . وروى أبو داود أيضاً : أن يهودياً خاصم أبا العالية(٣) في القبلة ، فقال أبو العالية : إن موسى عليه السلام كان يُصلي عند الصخرة ويستقبل البيت الحرام ، فكانت الكعبة قبلته ، وكانت الصخرة بين يديه ، وقال اليهودي : بيني وبينك مسجد صالح النبي عليه السلام ، فقال أبو العالية : فإني صليت في مسجد صالح وقبلته إلى الكعبة ، وأخبر أبو العالية أنه صلى في مسجد ذي القرنين وقبلتُه إلى الكعبة . (١) الروض الأنف؛ للسهيلي ٢٠١/٢ . (٢) ((إيلياء )): بيت المقدس. (٣) أبو العالية: رُفَيْع بن مهران الرياحي، قال الذهبي: وهو ثقة . فأما قول الشافعي رحمه الله تعالى: حديث أبي العالية الرِّيَاحي رِياح. فإنما أراد به حديثه الذي أرسله في القهقهة فقط. وقال ابن عدي: ولأبي العالية الرياحي أحاديث صالحة .. انظر ميزان الاعتدال ٥٤/٢، والكامل في الضعفاء ١٠٢٢/٣. - ٣٧١ - قلت: قد تقدم في حديث البراء أن رجلاً صلَّى مع النبي عَ لُ يوم تحويل القبلة ، ثم أتى قوماً من الأنصار فأخبرهم وهم ركوع فاستداروا ، ولم يُسمَّ المُخبرُ في ذلك الخبر ، والرجل هو عباد بن نُهَيْك من إساف الشاعر بن عدي بن زيد بن جشم بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو ( النَّبِيت ) بن مالك بن الأوس ، عُمِّرَ في الجاهلية زماناً ، وأسلم وهو شيخ كبير، فوضع البُّ عَّالم عنه الغزو، وهو الذي صلَّى مع النبي عَّ. القبلتين في الظهر ، ركعتين إلى بيت المقدس وركعتين إلى الكعبة يوم صُرفت القبلة ، ثم أتى قومَه بني حارثة وهم ركوع في صلاة العصر ، فأخبرهم بتحويل القبلة ، فاستداروا إلى الكعبة . وقد ذكر أبو عمر(١) هذا الرجل بذلك لكنه لم يرفع نسبه، إنما قال: عباد ابن نُهَيْك فقط ، ونسبَه الخَطَمِّ، فلم يصنع شيئاً ، فخطمة هو عبد الله بن جشم بن مالك بن الأوس ليس هذا منه ، هذا حارثي وبنو خَطَمة تأخر إسلامهم . (١) الاستيعاب على هامش الإصابة، لابن عبد البر ٤٥٧/٢. - ٣٧٢ -. ذكر فرض صيام شهر رمضان وزكاة الفطر ، وسُنّة الأضحية روينا عن ابن سعد أخبرنا محمد بن عمر ، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الجمحي ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة . قال الواقدي : وأخبرنا عبد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر . قال : أخبرنا عبد العزيز بن محمد ، عن رُبيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري ، عن أبيه ، عن جده ، قالوا : نزلَ فرضُ شهر رمضان بعدما صُرفت القبلة إلى الكعبة بشهر، في شعبان على رأس ثمانية عشر شهراً من مُهَاجر رسول الله عَ لَّه . وأمر رسولُ الله عَ لِّ في هذه السنة بزكاة الفطر، وذلك قبل أن تُفرض الزكاة في الأموال ، وأن تُخرجَ عن الصغير والكبير والحر والعبد والذكر والأنثى ، صاعٌ من تمر أو صاعٌ من شعير، أو صاع من زبيب، أو مُدّان من بر. وكان يخطب عَ لَه قبل الفِطر بيومين ، فيأمر بإخراجها قبل أن يغدوَ إلى المُصَلَّى، وقال: أَغْنُوهم - يعني المساكين - عن طواف هذا اليوم. وكان يقسمها إذا رجع، وصلَّى رسول الله عَلَه صلاة العيد يومَ الفطر بالمصلّى قبل الخُطبة . وصلَّى العيد يوم الأضحى وأمر بالأضحية ، وأقام بالمدينة عشر سنين يُضَحِّي في كل عام ، قالوا : وكان يُصلي العيدين قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، وكان تُحمل العَزَة(١) بين يديه ، وكانت العَنَزَة للزبير بن العوام ، قدم بها من أرض الحبشة ، فأخذها منه رسولُ الله عٍَّ. قالموا: وكان رسولُ الله عَّهِ إذا صلَّى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين(٢)، فإذا صلَّى وخطبَ أُتِي بأحدهما وهو قائم في مصلاه ، فيذبحه بيده بالمُدية ، (١) ((العَنَّزَة)): مثل نصف الرمح، وفيها سِنان مثل سنانه، وهي الحربة، وكانت تحملُ لتغرز في الأرض . سترة بين يديه علي (٢) ((أملحين)): الأملح: هو الذي يكون بياضه أكثر من سواده، وقيل: هو النقّ البياض. - ٣٧٣ - ثم يقول : هذا عن أمتي جميعاً، ممن شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ . ثم يُؤتى بالآخر فيذبحه هو عن نفسه ، ثم يقول : هذا عن محمد وآل محمد ، فيأكل هو وأهله منه ، ويُطعم المساكين ، وكان يَذبح عند طرف الزقاق عند دار معاوية . قال محمد بن عمر : وكذلك تصنعُ الأئمة عندنا بالمدينة(١). (١) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ٢٤٨/١ - ٢٤٩. - ٣٧٤ _ ذكر المنبر وحنين الجذع قرأت على الشيخة الأصيلة أم محمد مُؤنسة خاتون بنت السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب بالقاهرة ، قلت لها : أخبرتك الشيخة أم هانيء عفيفة بنت أحمد ابن عبد الله الفَارْقَانية إجازة ؟ فأقرَّتْ به ، قالت : أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن عبد الواحد الصبّاغ ، أخبرنا أبو نُعيم أحمد بن عبد الله الحافظ ، حدثنا أبو علي بن الصواف ، حدثنا الحسين بن عمر ، حدثنا أبي ، حدثنا المعلَّ بن هلال ، عن عمَّار الدُّهني ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أم سلمة ، أنها قالت: قال لي رسولُ الله عَلَّهِ: ((إِنَّ قوائمَ مِنبري هذا رواتب(١) في الجنة))(٢). قال: وكانت أساطين المسجد من دَوْمٍ ، وظلاله من جريد النخل ، وكانت الأسطوانةُ التي تلي المنبرَ عن يسار المنبر إذا اسْتَقبَلْتَه دَوْمَةٌ. قالت: وكان رسولُ الله عَ لِ يُسند ظهره إليها يوم الجمعة إذا خطب الناس قبلَ أن يُصنعَ المنبرُ . فأول يوم وُضع المنبرُ استوى عليه رسول الله عَ لِ قاعداً في الساعة التي كان يستند فيها إلى الأسطوانة ، ففقدته الأسطوانة فجأرت جؤار الثور ، أو خارت خُوار الثور ، والنبِّ عَ لَّمِ على المنبر، فنزلَ النبِّعَ لَه إليها، فأتاها فوضع يده عليها، وقال لها: ((اسكني، أو اسكتي)) ثم رجعَ النبِّ عَ له إلى منبره(٢). وقرأتُ على أبي الفتح يوسف بن يعقوب الشيباني بسفح قاسيون ، أخبركم أبو العباس الخضر بن كامل بن سالم بن سُبيع قراءة عليه وأنتم تسمعون سنة ست أو سبع وستمائة ، وأبو اليمن زيد بن الحسن الكندي إجازة ، إن لم يكن سماعاً، قال الأول : أخبرنا أبو الدر ياقوت بن عبد الله الرومي ، وقال الثاني : أخبرنا أبو الفتح محمد بن محمد بن البيضاوي ، (١) ((رواتب)): جمع راتب، من قولهم: رتبَ رُتُوباً؛ إذا انتصب قائماً. النهاية؛ لابن الأثير ١٩٢/٢. (٢) رواه النسائي ٣٤/٢ عن أم سلمة رضي الله عنها، والبيهقي في الدلائل ٥٦٣/٢ . (٣) حديث أم سلمة بطوله ، وفيه جوار الأسطوانة، أخرجه أبو حاتم ، عزاه إليه المحب الطبري في أحكامه ؛ كما في نور النبراس . - ٣٧٥ - قالا: أخبرنا أبو محمد بن عبد الله بن محمد بن هِزَارَمَّرْد(١). ((ح)) (٢) وقرأتُ على أبي النور إسماعيل بن نور بن قمر الهِيْتي ، أخبركم الشيخ أبو نصر موسى بن الشيخ عبد القادر الجيلي قراءة عليه وأنت تسمع ؟ فأقر به ، أخبرنا أبو القاسم سعيد بن أحمد بن الحسين بن. البنا ، أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد بن محمد بن البُْري قالا : أخبرنا أبو طاهر محمد ابن عبد الرحمن بن العباس المخلّص، حدثنا عبد الله - يعني البغوي - حدثنا شيبان بن فروخ ، حدثنا مُبارك بن فضالة ، حدثنا الحسن ، عن أنس بن مالك ، قال : كان رسولُ: الله عَ لّه يخطبُ يوم الجمعة إلى جنب خشبة مسنداً ظهره إليها، فلما كثُر الناسُ، قال: ابنوا لي مِنبراً. قال: فبنَوْا له مِنبراً له عتبتان، فلما قام على المنبر يخطُب حَتَّتِ الخشبة إلى رسول الله عَ ◌ّه. قال أنس: وأنا في المسجد فسمعتُ الخشبة تحِنُّ حنين الواله، فما زالت تَحِنُّ حتی نزل إليها فاحتضنها فسكنت . فكان الحسنُ إذا حدَّثَ بهذا الحديث بكى ، ثم قال: يا عِبَادَ الله، الخشبةُ تحِن إلى رسول الله عَ ل شوقاً إليه ؛ لمكانه من الله عز وجل ، فأنتم أحقُّ أن تشتاقوا إلى لقائه(٢). قال القاضي عياض : رواه من الصحابة بضعة عشر منهم : أبي بن كعب ، وجابر ابن عبد الله، وأنس بن مالك ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عباس ، وسهل بن سعد ، وأبو سعيد الخدري ، وبُريدةُ ، وأم سلمة ، والمطلب بن أبي وداعة ، كلَّهم يحدث بمعنى هذا الحديث(٤)، قال الترمذي(٥): وحديث أنس صحيح . (١) ((هِزَارَ مَرْد)): لفظة فارسية، ومعناها ابن ألف رجل؛ كما في نور النبراس. (٢) ((ح)) رمز لتحويل السند، وقال سبط ابن العجمي: اعلم أن ((ح)) حرف جرت عادة أهل الحديث كتابته إذا كان للحديث إسنادان فأكثر ... فإذا انتقلوا من سند إلى سند آخر كتبوا بينهما (( ح)). والذي عليه أهل الحديث أن ينطق بها القارىء كذلك مفردة .. (٣) رواه الإمام أحمد ٢٢٦/٢ : عن هاشم، عن المبارك، عن الحسن عن أنس. ورواه أبو القاسم البغوي. كما رواه الحافظ أبو نُعيم من حديث الوليد بن مسلم ، عن سالم بن عبد الله الخياط ، عن أنس بن مالك . فذكره ، ورواه البيهقي في الدلائل ٥٥٩/٢ . (٤) الشفا للقاضي عياض ، ونظم المتناثر من الحديث المتواتر ص ١٣٤، وقال الحافظ ابن حجر في الفتح : حديث حنين الجذع وانشقاق القمر نقل كل منهما نقلاً مستفيضاً يفيد القطع عند من يطلع على طرق الحديث دون غيرهم ممن لا ممارسة له في ذلك ، والله أعلم . (٥) رواه الترمذي في كتاب المناقب ( باب رقم ٩) رقم /٣٦٣١/. - ٣٧٦ - وفي حديث جابر: فلما صُنع له المنبر سمعنا لذلك الجذع صوتاً كصوت العِشَار (١). وفي رواية أنس : حتى ارتجَّ المسجدُ بخُواره . وفي رواية سهل : وكثر بكاء الناس لما رأوا به . وفي رواية المطلب: حتى تصدَّعَ وانشقَّ، حتى جاء النبِّعَلِ فوضع يده عليه فسكت ، زاد غيره: فقال النبُّ عَلم: ((إن هذا بكى لما فقد من الذكر)) وزاد غيره : (( والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة)) تحزناً على النبِّ عَ ◌ّهِ. فأمر به فدُفن تحت المنبر . وفي حديث أبّ أنه أخذه أبّ فكان عندَه إلى أن أكلته الأرض وعاد رفاتا . وفي حديث بُريدة، فقال - يعني النبي عَ له ـ: ((إنْ شئتَ أردُّك إلى الحائط الذي كنتَ فيه، تنبتُ لك عروقُك ويكمل خلقُك ، ويُجدد لك خوص وثمرة ؟ وإن شئتَ أغرسُك في الجنة فيأكل أولياء الله من ثمرك ؟ ثم أصغَى له عليه الصلاة والسلام يستمع ما يقول ، فقال : بل تغرسني في الجنة . فسمعه من يليه، فقال عليه الصلاة والسلام: ((قد فعلتُ)). وأخبرنا عبد الرحيم بن يوسف المَوْصلي بقراءة والدي عليه ، أخبرنا ابن طبرزذ ، أخبرنا ابن عبد الباقي ، أخبرنا الجوهري ، أخبرنا ابن الشّخیر ، حدثنا العباس بن أحمد ، حدثنا محمد بن أبان ، حدثنا أبو القاسم بن أبي الزناد ، عن سلمة بن وَرْدان، قال : سمعت أبا سعيد بن المعلى يقول، سمعتُ علياً يقول، سمعت رسولَ الله عَّه يقول: ((ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة))(٢). ورويناه من حديث جابر وفيه ((وإن منبري على ترعة من ترع الجنة»(٣). (١) حديث جابر رضي الله عنه رواه البخاري في كتاب الجمعة ( باب الخطبة على المنبر) رقم /٩١٨/، والنسائي في كتاب الجمعة ( باب مقام الإمام في الخطبة ) ١٠٢/٣. و«العِشار)): النوق الحوامل. (٢) رواه الترمذي في المناقب ( باب ما جاء في فضل المدينة) رقم /٣٩١١/ عن علي رضي الله عنه ، وعن أبي هريرة /٣٩١٢/ وقال الترمذي : غريب حسن من هذا الوجه ، وإنما أثر المؤلف رحمه الله تعالى إخراجه من غير طريق الترمذي للعلو . وسلمة بن وردان : ضعيف ، لكن للحديث طرق صحيحة ، وهو متواتر ، أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن زيد بلفظ ((ما بين بيتي ومنبري .. ) انظر «نظم المتناثر في الحديث المتواتر ٤ ص ١٢٨ . (٣) رواه الإمام أحمد في المسند ٣٨٩/٣ ولفظه: ((إن ما بين منبري إلى حجرتي روضة من رياض الجنة ، - ٣٧٧ - غزوة بدر الكبرى وكانت يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من رمضان قال ابن إسحق: ثم إن رسولَ الله عَ لِّ سمع بأبي سفيان بن حرب مقبلاً من الشام في عير لقريش عظيمة ، فيها أموال لقريش وتجارة من تجاراتهم ، وفيها ثلاثون رجلاً من قريش ، أو أربعون ، منهم : مخرمة بن نوفل ، وعمرو بن العاص(١). وقال ابن عقبة وابن عائذ في أصحاب أبي سفيان: هم سبعون رجلاً ، وكانت عيرهم ألف بغير ، ولم يكن لحويطب بن عبد العزى فيها شيء فلذلك لم يخرج معهم . وقال ابن سعد : هي العبر التي خرج لها حتى بلغ ذا العُشَيرة ، تحيَّنَ قفولها من الشام ، فبعثَ طلحةَ بن عبيد الله الثّيمي وسعيدَ بن زيد بن عمرو بن نفيل يُتجسّان خبرٌ الغير (٢) . قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن مسلم الزهري ، وعاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر ، ويزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير ، وغيرهم من علمائنا ، عن ابن عباسٍ ، كلٌّ قد حدثني بعض الحديث ، فاجتمع حديثُهم فيما سقت من حديث بدر ، قالوا: لما سمع رسولُ الله عَ لّه بأبي سفيان مقبلاً من الشام ، ندب المسلمين إليهم وقال : هذه عير قريش ، فيها أموالهم ، فاخرجوا إليها ، لعل الله ينفلكموها ، فانتدب . النَّاسُ، فخفّ بعضُهم، وتَقُل بعضُهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسولَ الله عَ لَه يلقى حرباً . وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتجسس الأخبارَ ويسأل من لقي من الركبان ، تخوفاً من أمر الناس ، حتى أصابَ خبراً من بعض الركبان أن محمداً قد استنفرّ أصحابَه لك ولغيرك، فحذر عند ذلك، فاستأجرَ ضمضمُ بن عمرو الغفاري ، فبعثه إلى مكة ، وأمره أن يأتي قريشاً فيستنفرهم إلى أموالهم ، ويخبرهم أن محمداً قد عرض لها في أصحابه ، فخرج ضمضمُ بن عمرو سريعاً إلى مكة(٣): - وإن منبري على ترعة من ترغ الجنة)). (١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ١ /٦٠٦ .. (٢) الطبقات الكبرى، لابن سعد ١١/٢. (٣) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٠.٦٠٦/١ - ٣٧٨ - قال ابن سعد : فخرجَ المشركون من أهل مكة سراعاً، ومعهم القِيَان والدفوف ، وأقبل أبو سفيان بن حرب بالعير ، وقد خافوا خوفاً شديداً حين دنوا من المدينة ، واستبطؤوا ضمضماً والنغيرَ ، حتى وردوا بدراً ، وهو خائف ، فقال لمجديّ بن عمرو : هل أحسستَ أحداً من عيون محمد(١). قال ابن إسحاق : فأخبرني من لا أتهم ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ويزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير ، قالا : وقد رأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال رؤيا أفزعتها ، فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب ، فقالت له : يا أخي ، والله لقد رأيت الليلة رؤيا، لقد أفظعتني، وتخوَّفتُ أن يدخلُ على قومك منها شرّ ومصيبة، فاكتم عني ما أحدثك . فقال لها : وما رأيتٍ ؟ قالت : رأيت راكباً أقبلَ على بعير له حتى وقفَ بالأبطح ، ثم صرخ بأعلى صوته ألا انفروا يا آلَ غُدر(٢) لمصارعكم في ثلاث ، فأرى الناسَ اجتمعوا إليه ، ثم دخل المسجدَ والناس يتبعونه ، فبينما هم حولَه مَثَلَ(٣) به بعيره على ظهر الكعبة ، ثم صرخ بمثلها ألا انفروا يا آل غُدَر لمصارعكم في ثلاث ، ثم مَثَلَ به بعيره على رأس أبي قُبيس ، فصرخ بمثلها ، ثم أخذَ صخرةً(٤) فأرسلها ، فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل ، ارفضَّتْ(٥)، فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار إلا دخلتها منه فِلْقَةٌ . قال العباس: والله إن هذا لرؤيا، وأنتٍ فاكتميها ولا تذكريها . ثم خرجَ العباس فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة ، وكان صديقاً له ، فذكرها له ، واستكتمه إياها ، فذكرها الوليدُ لأبيه عتبة ، ففشا الحديثُ حتى تحدثت به قريش ، قال العباس : فغدوتُ لأطوفَ بالبيت ، وأبو جهل بن هشام في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة ، فلما رآني أبو جهل ، قال : يا أبا الفضل : إذا فرغتَ من طوافك فأقبل إلينا ، فلما فرغتُ أقبلت حتى جلست معهم ، فقال لي أبو جهل : يا بني عبد المطلب ! متى حَدَثتْ فيكم (١) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ١٣/٢. (٢) ((يا آل غُدَر)): غدر، معدول عن غادر للمبالغة، وأكثر ما يستعمل هذا في النداء بالشتم. ويقال للذكر : غُدَر ، وللأنثى: غُدَار ، وفي الجمع يا آل غُدَر . (٣) ((مَثَلَ به بعيرُه)): قامَ . (٤) في الأصول: ((ثم أخذ صخرة من الجبل فأرسلَها)). (٥) (( ارْفَضَّتْ)): تفتّت وتفرقت. - ٣٧٩ - هذه النَّبيَّةُ ؟ قال : قلت : وما ذاك ؟ قال: ذاك (١) الرؤيا التي رأت عاتكة. قال فقلت: وما رأت ؟ قال : يا بني عبد المطلب! أما رضيتم أن تتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم ؟! قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال : انفروا في ثلاث ، فسنتربص بكم هذه الثلاث ، فإن يك حقاً ما تقول فسيكون ، وإن تَمْضِ الثلاث ولم يكن من ذلك شيء نكتبُ عليكم كتاباً أنكم أكذبُ أهل بيت في العرب ، قال العباس : فوالله ما كان مني إليه كبير ، إلا أني جحدت ذلك ، وأنكرت أن تكون رأت شيئاً (٢). وعند ابن عقبة في هذا الخبر؛ أن العبّاسَ قال لأبي جهل: هل أنت منته؟ فإن الكذبَ. فيك وفي أهل بيتك . فقال من حضرهما : ما كنت يا أبا الفضل جَهولاً ولا خَرِقاً . وكذلك قال ابن عائذ ، وزاد فقال له العباس: مهلاً يا مُصَفِّرَ استه ، ولقي العباس من عاتكة أذى شديداً حين أفشى من حديثها . رجعٌ إلى خبر ابن إسحاق : قال : ثم تفرقنا ، فلما أمسيتُ لم تبق امرأةٌ من بني عبد المطلب إلا أتتني ، فقالت : أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم ؟ ثم قد تناول النساء وأنت تسمع ؟ ثم لم تكن عندك غيّرٌ (٣) لشيء مما سمعت ؟ قال : فقلت قد والله. فعلتُ ، ما كان مني إليه من كبير، وايم الله لأتعرضنَّ له، فإن عاد لأكفيَنَكُنَّه قال: فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وأنا حديد مُغضَب ، أرى أني قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه . قال : فدخلت المسجد فرأيته ، فوالله إني لأمشي نحوَه أتعرّضه ليعودَ لبعض ما قال، فأُوقع به، وكان رجلاً خفيفاً ، حديدَ الوجه ، حديدَ اللسان ، حديدّ النظر . قال : إذ خرج نحو باب المسجد يشتدُّ . قال : قلت في نفسي: ماله لعنه الله، أكلُ هذا فَرَقٌ مني أن أشاتمه ؟ قال: فإذا هو قد سمع ما لم أسمع صوتَ ضمضم بن عمرو الغِفاري وهو يصرخ ببطن الوادي واقفاً على بعيره، قد جَدَّع بعيرَه، وحوَّلَ رحلَه، وشقّ قميصَه ، وهو يقول : يا معشر قريش ، اللطيمةَ اللطيمةً ، أموالُكم مع أبي سفيان قد عَرَض لها محمد في أصحابه ، لا أرى أن تُدركوها، الغَوْثَ الغَوْثَ. قال : فشغلني عنه وشغله عني ما (١) كذا في الأصول ، وفي السيرة النبوية؛ لابن هشام (( تلك الرؤيا)) .. (٢) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٦٠٧/١ - ٦٠٩ . (٣) ((غِيّرٌ)): تغيير وإنكار . - ٣٨٠ - :