النص المفهرس
صفحات 321-340
ذكر المؤاخاة(١) وكانت المؤاخاة مرتين(٢) : الأولى بين المهاجرين بعضهم وبعض قبل الهجرة على الحق والمواساة، آخى بينهم النبّ حَّ له، فآخى بين أبي بكر وعمر ، وبين حمزة وزيد بن حارثة ، وبين عثمان وعبد الرحمن بن عوف ، وبين الزبير وابن مسعود ، وبين عبيدة بن الحارث وبلال ، وبين مصعب بن عُمير وسعد بن أبي وقاص ، وبين أبي عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة، وبين سعيد بن زيد وطلحة بن عبيد الله، وبين علي ونفسِهِ عَّةٍ. قرأتُ على أبي الربيع سليمان بن أحمد المرجاني بثغر الإسكندرية وغيره ، عن محمد ابن عماد ، أخبرنا ابن رفاعة ، أخبرنا الخِلْعي قال أخبرنا أبو العباس أحمد بن الحسن بن جعفر العطار ، حدثنا أبو محمد الحسن بن رشيق العسكري ، حدثنا أبو عبد الله محمد ابن زُريق بن جامع المديني ، حدثنا أبو الحسين سفيان بن بشر الأسدي ، حدثنا علي بن هاشم بن البَرِيد ، عن كَثير النَّوَّاء ، عن جُميع بن عُمير ، عن عبد الله بن عمر ، قال : آخرى رسولُ الله عَّه بين أصحابه ، فآخى بين أبي بكر وعمر ، وفلانٍ وفلان ، حتى بقي علّي عليه السلام ، وكان رجلاً شجاعاً ، ماضياً على أمره إذا أراد شيئاً ، فقال رسول الله عَ له: (( أما ترضى أن أكونَ أخاك؟ قال: بلى يا رسول الله رضيت . قال: فأنت (١) فائدة : قال السهيلي: إنما كانت مؤاخاته من أصحابه عليه الصلاة والسلام حين نزلوا المدينة ؛ ليذهب عنهم وحشة الغربة ويؤنسهم من مفارقة الأهل والعشيرة ويشد أزر بعضهم ببعض ؛ فلما أعز الله الإسلام واجتمع الشمل وذهبت الوحشة أنزل الله آية ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ يعني المواريث، ثم جعل الله كلهم إخوة فقال ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ يعني في التودد وشمول الدعوى. (٢) ذكر سبط ابن العجمي قول الحافظ ابن تيمية في كتاب ((الرد على ابن المطهر الحلبي الرافضي)): ومنها أن النبي صَ لِ لم يؤاخ علياً ولا غيره، وحديث المؤاخاة لعلي، ومؤاخاة أبي بكر لعمر من الأكاذيب ، وإنما آخى بين المهاجرين والأنصار ، ولم يؤاخ بين مُهاجري ومُهاجري . والمؤاخاة بين المهاجرين بعضهم وبعض أوردها ابن عبد البر في كتابه الدرر ص ٩٢ وعنه نقل المؤلف - رحمه الله تعالى - وزاد عليها المؤاخاة بين رسول الله عَ ل وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه. انظر نور النبراس ٢٧٢/١ . - ٣٢١ - أخي في الدنيا والآخرة». قال كَثير: فقلت لِجُميع بن عُمير : أنت تشهد بهذا على عبد الله بن عمر؟ قال : نعم أشهدُ(١) . - ٠ فلما نزل عليه الصلاة والسلام المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار على المواساة والحق في دار أنس بن مالك ، فكانوا يتوارثون بذلك دون القرابات ، حتى نزلت وقت وقعة بدر ﴿وأولُوا الأرحام بعضُهم أولى ببعضٍ في كتاب الله ﴾ [الأنفال: ٧٥ ] فنسخت ذلك . وكانت المؤاخاة بعد بنائه عليه الصلاة والسلام المسجد . وقد قيل : كان ذلك والمسجد يُبنى ، وقال أبو عمر : بعد قدومه عليه السلام المدينة لخمسة أشهر(٢). قرىء على أبي عبد الله بن أبي الفتح المقدسي بمرج دمشق وأنا أسمع ، أخبركم ابن الحرستاني سماعاً ، قال : أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن منصور بن قُبَيْس الغسَّاني قراءةُ عليه وأنا أسمع ، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن أبي الحَدِيد السَّلَمي، أخبرنا جدي أبو بكر محمد بن أحمد بن عثمان ، أخبرنا محمد بن جعفر بن محمد أبو بكر الخرائطي قراءة عليه ، حدثنا سعدان ، حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا حميد الطويل ، عن أنس بن مالك ، قال : قال المهاجرون : يا رسول الله ! ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساةً في قليل ، ولا أحسبُنَ بدلاً من كثير ، كفوْنا المؤنة ، وأشركونا في المهنا ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله. قال: ((لا، ما أثنيتم عليهم ودعوتم لهم))(٣). وبه إلى الخرائطي ، حدثنا سعدان بن نصر ، حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال: لقد رأيتُنا وما الرجلُ المسلم بأحقَّ بديناره ودرهمه من. (١) الحديث من الغيلانيات ، وهو ضعيف جداً، فيه كثير النَّوَّاء ، شيعي ضعيف ، وفيه جميع بن عمير التيمي،. قال ابن حبان : رافضي يصنع الحديث ، وقال ابن تُمير : كان من أكذب الناس ، وقال ابن عدي : عامة ما يرويه لا يتابع عليه. ميزان الاعتدال ٤٢١/١ . (٢) الدرر في المغازي والسير ؛ لابن عبد البر ص ٨٨. (٣) حديث الخرائطي عن أنس رواه أبو داود في كتاب الأدب ( باب في شكر المعروف) رقم /٤٨١٢/، والترمذي في كتاب القيامة (باب مواساة الأنصار للمهاجرين) رقم /٢٤٨٩/، وهو عند الإمام أحمد في المسند ٢٠٠/٣، ٢٠٤ - ٣٢٢ - ٠ أخيه المسلم (١). رواه مسلم عن أبي كُريب، والترمذي والنسائي عن هنَّاد، كلاهما عن أبي معاوية ، فوقع لنا بدلاً عالياً لهم . وقال ابن إسحاق: آخى رسولُ الله عَّلِ بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، فقال : تآخوا في الله أخوين أخوين ، ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب ، فقال : هذا أخي . فكان رسولُ الله عَّه وعلّي أخوين، وحمزة وزيد بن حارثة أخوين، وإليه أوصى حمزة يوم أحد(٢) . وذكر سُنيد بن(٣) داود : أن زيد بن حارثة وأسيد بن الحضير أخوان، وهو حسن إذ هما أنصاري ومهاجري ، وأما المؤاخاة بين حمزة وزيد فقد ذكرناها في المرة الأولى . رجع إلى ابن إسحاق : وجعفر بن أبي طالب ومعاذ بن جبل أخوين (٤)، وأنكره الواقدي لغيبة جعفر بالحبشة ، وعند سُنيد أن المؤاخاة كانت بين ابن مسعود ومعاذ بن جبل . رجع : وأبو بكر بن أبي قحافة وخارجة بن زيد بن أبي زهير أخوين ، وعمر بن الخطاب وعِثْبان بن مالك أخوين ، وأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن معاذ أخوين ، وعبد الرحمن ابن عوف وسعد بن الربيع أخوين ، والزبير بن العوام وسلمة بن سلامة بن وقش أخوين ، ويُقال : بل الزبير وعبد الله بن مسعود . قلت : هذا كان في المؤاخاة الأولى قبل الهجرة . وعثمان بن عفان وأوس بن ثابت بن المنذر أخوين ، وطلحة بن عبيد الله وكعب بن مالك (١) حديث الخرائطي الثاني عن ابن عمر لم نجده في صحيح مسلم ولا في النسائي، وذكره الصالحي في «السيرة الشامية )) وقال: روى مسلم والنسائي والخرائطي عن ابن عمر ، ونظنه قد تابع ابن سيد الناس في ذلك .. وقد وجدنا سبط ابن العجمي يقول : قول المؤلف: «رواه مسلم عن أبي كريب والترمذي والنسائي عن هنَّاد، وكلاهما عن أبي معاوية .. )) هذا الكلام فيه نظر، والحديث المذكور ليس في مسلم ولا في الكتابين ، ولا ترجمة الأعمش عن نافع عن ابن عمر في الكتب الستة فيحرر ما قاله .. نور النبراس لوحة ٢٧٨/١. (٢) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٥٠٤/١ - ٥٠٥ . (٣) سُنيد بن داود : المصيصي ، أبو علي المحتسب ، صاحب التفسير ، روى عن حماد بن زيد وشريك وابن المبارك ، وروى عنه أبو زُرْعة وأبو بكر الأثرم ، وذكره أبو حاتم في شيوخه وقال : بغدادي صدوق . وقال ابن أبي عاصم: توفي سنة ٢٢٠ هـ. خلاصة الخزرجي ص ١٣٧. - ٣٢٣ - أخوين ، وسعيد بن زيد وأتّ بن كعب أخوين ، ومعصب بن عُمير وأبو أيوب خالد ابن زيد أخوين، وأبو حُذيفة بن عتبة وعبَّاد بن بشير أخوين، وعمَّار بن ياسر وحذيفة ابن اليمان أخوين. ويقال : بل ثابت بن قيس بن الشمَّاس . وأبو ذر والمنذر بن عمرو أخوين(١)، وأنكره الواقدي ؛ لغيبة أبي ذر عن المدينة، وقال: لم يشهد بدراً ولا أحداً ولا الخندق، وإنما قدم بعد ذلك ، وعنده : طليب بن عُمير والمنذر بن عمرو أخوين . رجع إلى ابن إسحاق : وحاطب بن أبي بلتعة وعُويم بن ساعدة أخوين ، وسلمان الفارسي وأبو الدرداء أخوين ، وبلال وأبو رويحة عبد الله بن عبد الرحمن الختعمي أخوين(٢)، وعند سُنيد بن داود فيما حكاه أبو عمر : المؤاخاة بين أبي مرثد وعبادة بن الصامت ، وبین سعد بن أبي وقاص وسعد بن معاذ ، وبین عبد الله بن جحش وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح ، وبين عتبة بن غزوان وأبي دجانة ، وبين أبي سلمة بن عبد الأسد وسعد بن خيثمة ، وبين عثمان بن مظعون وأبي الهيثم بن التيهان . وزاد غيره ؛ وبين عُبيدة ابن الحارث وعُمير بن الحمام ، وبين الطفيل بن الحارث أخي عبيدة وسفيان(٣) بن نَسْ ابن زيد من بني جُشم بن الحارث بن الخزرج ، وبین الحصين أخیهما وعبد الله بن جبير ، وبين عثمان بن مظعون والعباس بن عُبادة بن نَضْلة ، وبين صفوان بن بَيْضاء ورافع بن المُعَلَّى ، وبين المقداد وابنُّ رواحة ، وبين ذي(٤) الشّمالين ويزيد بن الحارث - من بني حارثة - وبين عمير بن أبي وقاص وخُبيب بن عدي ، وبين عبد الله بن مظعون وقُطْبة ابن عامر ابن حديدة ، وبين شمَّاس بن عثمان وحنظلة بن أبي عامر ، وبين الأرقم بن أبي الأرقم وطلحة بن زيد ، وبين زيد بن الخطاب ومَعْن بن عديّ، وبين عَمْرو بن سُرَاقة وسَعْد بن زيد - من بني عبد الأشهل - وبين عاقل بن البُكَيْر ومُبَشِّر بن عبد المنذر ، (١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٥٠٤/١ _ ٠٥٠٥ (٢) الدرر في اختصار المغازي والسير ص ٨٩ . (٣) كذا في النسخ (( أ)) و ( ج )) و (( د)) وصوَّيه ابن ماكولا، وفي (( ب )) : ابن بشر ، وقال به أبو معشر أيضاً كما في نور النبراس لواحة ٢٧٩/١ . (٤) ذو الشمالين : هو عُمير بن عبد عمرو بن نضلة ، خزاعي ، حليف لبني زُهرة ، وكان أعسرَ ، استُشهد ببدر ، أسد الغابة ١٤١/٢ . - ٣٢٤ - ... وبين عبد الله بن مَخْرَمة وفروة بن عمرو البياضي ، وبين ◌ُنَيْس بن حُذافة والمنذر بن محمد بن عقبة ابنٍ أُحَيْحة بن الجُلَاحِ ، وبين سَيْرةٍ بن أبي رُهْم وعبادة بنِ الخَّشْخَاش ، وبين مِسْطح بن أُثَاثة وزيد بن المُزَيَّن ، وبين عُكَّاشة بن مِحْصن والمُجَذَّر بن ذِياد - حليف الأنصار - وبين عامر بن فُهَيْرة والحارث بن الصِّمِّة ، وبين مِهْجع مولى عمر وسُراقة بن عمرو بن عطية - من بني غنم بن مالك بن النجار - . وكل هذا المزيد عن أبي عمر (١)، وقيل : كان عددهم مائةٌ: خمسين من المهاجرين وخمسين من الأنصار . وزيد بن المُزَيَّن ، كذا وُجد بخط أبي عمر ، بزاي مفتوحة وياء آخر الحروف مشددة مفتوحة . وفي أصل ابن مُفَوِّز(٢) : المِزْين بكسر الميم ، ساكنةِ الزاي ، مفتوحةِ الياءِ . وعند ابن هشام : ابن المزني (٣). قال ابن إسحاق : فلما دوَّن عمر الدواوين بالشام ، وكان بلال قد خرج إلى الشام فأقام بها مجاهداً ، فقال عمر لبلال : إلى من تجعل ديوانَك ؟ قال : مع أبي رويحة ، لا أفارقه أبداً؛ للأخوة التي كان رسول الله عَ ◌ّله عقد بيني وبينه، فضمَّه إليه، وضمَّ ديوانَ الحبشة إلى خثعم لمكان بلال منهم ، فهو في خثعم إلى هذا اليوم بالشام(٤) . أخبرنا عبد الرحيم بن يوسف الموصلي وغازي بن أبي الفضل الدمشقي ، قالا : أخبرنا عمر بن محمد بن مُعَمَّر ، أخبرنا هبة الله بن محمد ، أخبرنا أبو طالب محمد بن محمد ، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله ، حدثنا أبو عبد الله الحسين بن عمر الثقفي ، حدثنا العلاء ابن عمرو الجنفي ، حدثنا أيوب بن مُدرك ، عن مكحول ، عن أبي أمامة ، قال: لما آخى (١) الدرر في المغازي والسير ؛ لابن عبد البر ص ٩١ - ٩٢ . (٢) ابن مُفوّز: المراد به الحافظ أبو الحسن طاهر بن مفوِّز بن أحمد بن مُفوّز المغافري الشاطبي ، أكثر عن أبي عمر بن عبد البر ، وكان من أثبت الناس فيه ، وكان حسن الخط ، موصوفاً بالذكاء وسعة العلم .. نور التبراس لوحة ٢٨١/١ . (٣) كذا في جميع النسخ، وفي السيرة النبوية؛ لابن هشام ٦٩٢/١: زين بن المُرَيّ. (٤) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٥٠٧/١ . - ٣٢٥ - النبّيّ عَ لّه بين الناس آخى بينه وبين علّ(١). أخبرنا أبو عبد الله بن أبي الفتح فيما قرأ عليه الحافظ أبو الحجَّاجِ المِزّي وأنا أسمع ، قال له : أخبرك القاضي أبو القاسم عبد الصمد بن محمد الأنصاري قراءة عليه وأنت تسمع ؟ فأقَرّ به ، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد المالكي سماعاً ، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عبد الواحد السُّلَميّ ، أخبرنا جدي أبو بكر محمد بن أحمد ، أخبرنا محمد بن جعفر الخرائطي ، حدثنا سَعْدَان بن يزيد ، حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا حُميد الطويل ، عن أنس بن مالك، أن عبد الرحمن بن عوف هاجر إلى المدينة، فآخى رسولُ الله عَّه بينه وبين سعد بن الربيع ، فقال له سعد: يا عبد الرحمن إني من أكثر الأنصار مالاً ، وأنا مُقاسمُك ، وعندي امرأتان بى فأنا مُطَلِّق إحداهما، فإذا انقضت عِدّتُها فتزوّجْها . فقال له: بارك الله لك في أهلك ومالك. رواه البخاري(٢) من حديث حُميد عن أنس أطولَ من هذا . (١) حديث أبي أمامة في الغيلانيات، وهو ضعيف جداً، فيه العلاء بن عمرو الحنفي متروك ، لا يجوز الاحتجاج به ، وأيوب بن مُدرك متروك أيضاً ، ومكحول لم ير أبا أمامة ، كما ذكر ذلك أبو حاتم .. من نور النبراس باختصار لوحة ٢٨٥/١. (٢) رواه البخاري في كتاب مناقب الأنصار (باب إخاء النبي عَ له بين المهاجرين والأنصار) رقم / ٣٧٨٠/. قال سبط ابن العجمي : الحديث أخرجه الأئمة في الكتب الستة ، وإنما عدل المؤلف عن ذكره عنها أن يقع له من هذه الطريق التي سباقها أعلى من الكتب الستة ، والله أعلم. نور النبراس لوحة ٢٩٥/١ . - ٣٢٦ - 1 بدء الأذان وكان الناس إنما يجتمعون إلى الصلاة لتحيّن مواقيتها من غير دعوة ، فهمَّ رسولُ الله وَ الله أن يجعل بوقاً كبوق اليهود الذين يَدْعون به لصلاتِهم، ثم كرهه، ثم أمر بالناقوس فنُحتِ لَيَضربَ به للمسلمين في الصلاة ، فبينما هم على ذلك رأى عبدُ الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه - أخو بلحارث بن الخزرج - النداءَ . روينا من طريق أبي داود ، حدثنا عبَّاد(١) بن موسى الخُتُلي وزياد بن أيوب ، وحديث عبَّاد أتم ، قالا: حدثنا هُشيم، عن أبي بشير ، قال زياد: أخبرنا أبو بِشر، عن أبي عُمير ابن أنس، عن عمومة له من الأنصار، قال: اهتمَّ النبيّ عَلَّهِ للصلاة كيف يجمعُ الناسَ لها ، فقيل له : انصب رايةً عند حضور الصلاة فإذا رأوها آذنَ بعضُهم بعضاً ، فلم يعجبه ذلك ، قال: فذكر له القُنْع - يعني الشَّبُّور - (٢) وقال زياد: شَبُّور اليهود . فلم يعجبه ذلك ، وقال : هو من أمر اليهود . قال: فُذكر له الناقوس . فقال: هو من أمر النصارى فانصرفَ عبدُ الله بن زيد وهو مهتمٌّ لهمِّ رسول الله عَ لَّهِ، فأُري الأذان في منامه . قال فغدا على رسول الله عَ لِ فأخبرَه، فقال يا رسول الله ! إني لبَيْنَ نائم ويقظان إذا أتاني آتٍ فأراني الأذانَ، قال : وكان عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه قد رآه قبل ذلك فكتمَه عشرين يوماً. قال: ثم أخبر النبّي عَّهِ. فقال له: ما منعكَ أن تخبرني. فقال: سبقني عبدُ الله بنُ زيد فاستحييتُ. فقال رسول الله عَّ ◌ُلِ: يا بلال! قمْ فانظر ماذا يأمُرُك به عبدُ الله بن زيد فافعله ، فأَذَّنَ بلال . قال أبو بشر: فأخبرني أبو عُمير أن الأنصار تزعمُ أن عبدَ الله بن زيد لولا أنه كان يومئذٍ مريضاً لجعلَه رسولُ اللهِ عَ لَّهِ مؤذناً(٣). (١) قال في نور النبراس: عبَّاس بن موسى: كذا في النسخ التي وقعت عليها، وما أدري .. هل هو من النساخ أو من المؤلف . وصوابه عباد بالدال ، وكذا هو على الصواب في سنن أبي داود . نور النبراس لوحة ٢٩٨/١ . أ (٢) ((الشَّبور)): البوق . (٣) رواه أبو داود في كتاب الصلاة (باب كيفية الآذان) رقم /٤٩٨/ وإسناده صحيح . وانظر السيرة النبوية؛ لابن هشام ٥٠٨/١ . - ٣٢٧ - وروينا عن ابن إسحاق من طريق زياد ، ومن طريق أبي داود ، حدثنا محمد بن منصور الطوسي ، حدثنا يعقوب ، حدثنا أبي ، عن محمد بن إسحاق ، قال : حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي ، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه ، قال : حدثني أبي عبدُ الله بن زيد، قال: لما أمر رسولُ الله عَ له بالناقوس يُعمل ليضربَ به للناس يجمع للصلاة، طافَ بي وأنا نائم رجلٌ يحمل ناقوساً في يده ، فقلت: يا عبد الله ! أتبيعُ الناقوسَ ؟ قال: وما تصنعُ به ؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة. قال: أفلا أَدُلَّكَ على(١) ما هو خيرٌ من ذلك ؟ فقلت : بلى. فقال تقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهدُ أنّ. لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله أشهدُ أن محمداً رسول. الله، حتّي على الصلاة حي على الصلاة ، حتي على الفلاح حتي على الفلاح ، الله أكبر الله. أكبر ، لا إله إلا الله. قال: ثم استأخر عني غير بعيد، ثم قال: تقول إذا أقمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهدُ أن محمداً رسول الله ، حي على الصلاة حي على الفلاح ، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة ، الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله. فلما أصبحتُ أتيتُ رسولَ الله عَ لِ فأخبرتُه بما رأيتُ . فقال: إنها لرؤيا حقّ إن شاء الله، فقم مع بلال فألقٍ عليه ما رأيتَ ، فليؤذن به ، فإنه أندى صوتاً منك. فقمتُ مع بلال فجعلتُ ألقيه عليه ويؤذن به ، قال : فسمعَ بذلك عمرُ بن الخطاب وهو في بيته ، فخرج يجرُّ رداءَه يقول : والذي بعثك بالحقّ يا رسول الله لقد رأيتُ مثل ما رأى. فقال رسولُ اللهِ عَِّ: ((فللَّه الحمد))(٢). اللفظ لأبي داود. قال ابن هشام : وذكر ابن جريج قال : قال لي عطاء: سمعتُ عُبيد بنَ عُمير يقول : ائتمر النبّي عَّه وأصحابُه بالناقوس للاجتماع للصلاة، فبينما عمر بن الخطابِ يُريد أن يشتري خشبتين للناقوس ؛ إذ رأى في المنام أن لا تجعلوا الناقوس ، بل أذنّوا للصلاة ، فذهب إلى النبي عُِّ ليخبرَه بالذي رأى، وقد جاء النبَّ عَ لِ الوحي بذلك، فما راعَ عمر (١) كذا في (( أ)) وسنن أبي داود ٣٣٨/١ وفي ((ج)) و(( د)): أفلا أدلك على ما هو خير لك من ذلك. (٢) رواه أبو داود في كتاب الصلاة ( باب كيفية الأذان) رقم /٤٩٩/، وقال الخطابي: روي هذا الحديث والقصة بأسانيد مختلفة ، وهذا الإِسناد أصحُها . - ٣٢٨ - إلا بلال يُؤْذِّن ، فقال رسول الله عَ لِّ حين أخبره بذلك: قد سبقَك بذلك الوحي(١). وكان يُؤَذِّنُ لرسول الله عَّلِ بلال، وابن أم مكتوم ، وأبو محذورة، وسعد القرظ ، وهو ابن عائذ مولى عمار بن ياسر ، وكان يلزم التجارة في القرظ فعُرف بذلك ، وكان يؤذن لأهل قباء ، وابن أم مكتوم : عمرو بن قيس العامري ، وقيل : عبد الله . وأبو محذورة : سمرة بن معير ، وقيل أوس . وروينا عن الطبراني : حدثنا أبو عبد الرحمن النسائي ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن راهويه ، حدثنا معاذ بن هشام ، حدثنا أبي ، عن عامر الأحول ، عن مكحول ، عن عبد الله بن مُحيريز، عن أبي محذورة، قال: علمني رسولُ الله عَ لَّهِ فقال: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسولُ الله أشهد أن محمداً رسولُ الله، ثم يعودُ فيقولُ: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسولُ الله أشهد أن محمداً رسول الله ، حتّي على الصلاة حي على الصلاة ، حتي على الفلاح حي على الفلاح ، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله (٢). رواه النسائي في سننه كذلك . ورواه مسلم عن ابن راهويه ، فوقع لنا عالياً ، وهذا من أعرِّ الموافقات . قال ابن إسحاق: ونصبت عند ذلك أحبار يهود لرسول الله عَ لَّم العداوة بغياً وحسداً وضِعْناً ، لما خصَّ الله به العربَ من أخذه رسولَه منهم، وانضاف إليهم رجال من الأوس والخزرج ممن كان عَسَى(٣) على جاهليته ، فكانوا أهل نفاق على دين آبائهم من الشرك والتكذيب بالمبعث ، إلا أن الإسلام قهرهم بظهوره واجتماع قومهم عليه ، فظهروا بالإِسلام واتخذوه جُنّة من القتل ، ونافقوا في السر ، فكان هواهم مع يهود ، وكان أحبار يهود هم الذين يسألون رسولَ الله عَ لّه ويتعنتونه ليلبسوا الحق بالباطل، فكان القرآن ينزل فيهم فيما يسألون عنه ، إلا قليلاً من المسائل في الحلال والحرام ، كان المسلمون يسألون عنها . (١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢٠٩/١. (٢) رواه مسلم في كتاب الصلاة (باب صفة الأذان) رقم /٣٧٩/، والنسائي في الأذان ( باب خفض الصوت ، في الترجيع في الأذان) ٤/٢، كما رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من طريق آخر . (٣) (( عسى على جاهليته)) : تصلُّب وتشدد في البقاء عليها . - ٣٢٩ - فمن اليهود الموصوفين بذلك حيي بن أخطب وأخواه ياسر (١) وجُدَيّ، وسلَّام بن مِشكم ، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق ، وكعب بن الأشرف ، وعبد الله بن صُوریا الأعور - من بني ثعلبة بن الفِطْيون - ولم يكن بالحجاز في زمانه أعلم بالتوارة . وابن صَلُوبا، ومُخيريق - وكانٍ حَبْرَهم - (٢). وذكر ابن إسحاق منهم جماعة : منهم عبد الله بن سلام ، وكان خَبْرَهم(٣) وأعلَمهم، وكان اسمه الحصين، فلما أسلم سمَّاه رسولُ الله عَّمِ عبدَ الله (٢). : (١) ياسر : عم صفية بنت حيي بن أخطب، يهودي معروف، قُتل في خيبر، وسيأتي قريباً بعد في خبر مخيريق: ((عمي أبو ياسر)) وكذا في سيرة مغلطاي. فهل هما اثنان؟ أو على حذف حرف ، وأن اسمه ياسر، وكنيته أبو ياسر، والله أعلم. نور النبراس لوحة ٣٠٥/١. ٧٥. (٢) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٥١٣/١ - ٥١٤. (٣) كذا في السيرة النبوية و (( ج)) و (( د))، وفي ((أ)) و (( ب)): وكان خيرهم. وأشار إلى هذا الاختلاف في النسخ في نور النبراس لوحة ٣٠٩/١ . - ٣٣٠ - إسلام عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه وهو من بني إسرائيل ، من ولد يوسف بن يعقوب نبي الله ، وهو حليف للقواقلة ، وهم بنو غنم وبنو سالم ابنا عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج . روينا عن ابن سعد: أخبرنا عبدُ الله بن عمر ، وأبو معمر المِنْقَري ، حدثنا عبدُ الوارث ابن سعيد ، حدثنا عبد العزيز بن صُهيب، عن أنس بن مالك، قال: أقبلَ نِبُّ الله ◌ِعَه إلى المدينة ، قالوا : جاء نبي الله . فاستشرفوا ينظرون ، إذ سمع به عبد الله بن سلام وهو في نخل لأهله يخترف(١) لهم منه، فعجلُ أن يضعَ التي يخترف لهم فيها فجاء وهي معه ، فسمعَ من نبِّ اللّه عَ ◌ّلِ، ثم رجع إلى أهله. فلما خَلَى نِبُّ الله عَ لِ جاء عبدُ الله بن سلام فقال أشهدُ أنك رسولُ الله حقاً وأنك جئت بحق ، ولقد علمتِ اليهودُ أني سيّدُهم وابنُ سيّدهم ، وأَعلَمُهم وابن أعلمهم ، فادعهم فاسألهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمتُ ، فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا فَي ما ليس فَّي. فأرسل نِبُي الله عَ ◌ّل إليهم ، فدخلوا عليه، فقال لهم نبيِّ الله عَ لِ: يا معشرَ اليهود! ويلكم اتقوا الله ، فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسولُ الله حقاً، وأني جئتكم بحق ، أسلموا . قالوا : ما نعلمه ، فأعادَها عليهم ثلاثاً، وهم يُجيبونه كذلك. قال: فأتّ رجل فيكم عبدُ الله ابن سلام ؟ قالوا : ذلك سيّدُنا وابنُ سيدنا وأعلُمنا وابن أعلمنا . قال: أفرأيتم إن أسلمَ . قالوا : حاشى لله ما كان ليُسلمَ . فقال : يا ابنَ سلام اخرجْ عليهم . فخرجَ إليهم ، فقال : يا معشرَ اليهود ! ويلكم! اتقوا الله، والله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسولُ الله حقاً ، وأنه جاء بالحق. فقالوا: كذبتَ. فأخرجهم النبُّ عَ لِ(٢). رواه البخاري من حديث عبد العزيز بن صُهيب . (١) ((يخترف ٥ يجتني. (٢) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ٢٣٦/١، ورواه البخاري في كتاب مناقب الأنصار (باب هجرة النبي عٍَّ) رقم / ٣٩١١/. قال في نور النبراس لوحة ٣١١/١: ولو أخرجه من طريق البخاري لكان أعلى بدرجة مما ذكر من طبقات ابن سعد . - ٣٣١ - وروينا من طريق البخاري : حدثني حامد بن عمر ، عن بشر بن المُفضّل ، حدثنا حُميد ، حدثنا أنس؛ أن عبدَ الله بن سلام بلغه مقدمُ النبِّ عَ لِّ المدينةَ، فأتاه يسأله عن أشياء ، فقال : إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبّ ، ما أوّل أشراط الساعة ، وما أوّل طعام يأكلُه أهل الجنة، وما بال الولد ينزع إلى أبيه وإلى أمه؟ قال: ((أخبرني بهنّ جبريلُ آنفاً)). قال ابن سلام: ذاك عدوّ اليهود من الملائكة. قال: ((أما أوّل أشراط الساعة فنارٌ تحشرُهم من المشرق إلى المغرب ، وأما أوّلُ طعام يأكلُه أهلُ الجنة فزيادةُ كبدٍ الحوت، وأما الولد فإذا سبقَ ماءُ الرجل ماءَ المرأة نزعَ الولدَ ، وإذا سبق ماءُ المرأة ماءَ الرجل نزعتِ الولدَ)). قال: أشهدُ أن لا إله إلا الله وأنَّك رسولُ الله . قال: يا رسول الله إن اليهود قوم بُهْتٌ(١). فذكرَ نحو ما تقدم . وروينا عن ابن سعد: أُخبرَنا يزيد بن هارون، أخبرنا جُويبر، عن الضخَّاك ، في قوله تعالى: ﴿ قل أرأيتم إن كان من عند الله و كفرتُم به وشهد شاهدٌ من بني إسرائيلَ على مِثله﴾ [الأحقاف: ١٠] قال جاء عبدُ الله بن سلام إلى رسول الله عَ له، فقال: يا رسول الله! إن اليهودَ أعظمُ قومٍ غضيهة(٢)، فسلهم عني، وخذ عليهم ميثاقاً أني إن اتبعتُك وآمنتُ بكتابك أن يؤمنوا بك وبكتابك الذي أنزل عليك ، واخبئني يا رسول الله قبل أن يدخلوا عليك ، فأرسل إلى اليهود ، فقال: ما تعلمون عبد الله بن سلام فيكم ؟ قالوا : خيرُنا(٣) ، وأعلَمُنا بكتاب الله، سيدنا وعالمنا وأفضلنا. قال: أرأيتم إن شهد أني : رسولُ الله وآمن بالكتاب الذي أُنزل علَّي، تؤمنون بي ؟ قالوا : نعم . فدعاه ، فخرج عليهم عبدُ الله . فقال : يا عبد الله بن سلام! أما تعلم أني رسول الله ؟ تجدوني مكتوباً (١) رواه البخاري في كتاب مناقب الأنصار (باب كيف آخى النبي بين أصحابه) رقم /٣٩٣٨/ وتتمته : إن اليهود قومٌ بهتٌ، فاسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي، فجاءت اليهودُ، فقال النبيّ عَله: ((أرأيتم إِنْ أَسلمَ عبدُ الله بن سلام؟ ) قالوا: أعاذَه الله من ذلك. فأعادَ عليهم، فقالوا مثل ذلك .. فخرجَ إليهم عبدُ الله فقال: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا الله وأنَّ محمداً رسولُ الله. قالوا: شُرُّنا وابن شرِّنا، وتنقَّصُوه. قال : هكذا كنتُ أخافُ يا رِأَسولَ الله . (٢) ((عَضِيهَةٌ)): كذباً وبهتاناً . (٣) في (( ج )) و (( د)) : وابن خيرنا. - ٣٣٢ - عندكم في التوراة والإنجيل ، أخذ الله ميثاقكم أن تؤمنوا بي ، وأن يتبعني من أدركني منكم ؟ قال : بلى . قالوا : ما نعلمُ أنك رسولُ الله . وكفروا به وهم يعلمون أنه رسول الله ، وأن ما قالَ حقّ، فأنزل الله: ﴿ قل أرأيتم إن كان من عند الله﴾ - يعني الكتاب والرسول - ﴿وكفرتُم به، وشهدَ شاهدٌ من بني إسرائيلَ على مثله﴾ يعني عبد الله بن سلام ﴿فَآمَنَ واستكبرتُمْ إِنَّ الله لا يَهدي القومَ الظالمين﴾ [الأحقاف: ١٠ ] ففي ذلك نزلت هذه الآية (٥) . # # * (١) الطبقات الكبرى ، لابن سعد ٣٥٢/٢، وإسناده ضعيف جداً، فيه جُويبر بن سعد أبو القاسم الأزدي متروك ، والضحاك بن مزاحم متكلم فيه . باختصار من نور النبراس لوحة ٣١٢/١. - ٣٣٣ - خبر مخيريق قال ابن إسحاق: وكإن حَبْرَاً عالماً غنياً كثيرَ الأموال من النخل ، وكان يعرفُ رسولَ الله عَِّ بصفته، وما يجدُ في علمه، وغلب عليه إلفُ(١) دينِهِ، فلم يزلْ على ذلك حتى كان يومُ أُحد يومُ السبت، قال : والله يا معشر يهود إنكم لتعلمون أن نصر محمدٍ عليكم لحقّ . قالوا : إن اليومَ يوم السبت . قال: لا سبتَ لكم ، ثم أخذ سلاحَه فخرجَ حتى أتى رسولَ الله عَ لَله وأصحابَه بأحد، وعهد إلى مَن وراءَه من قومه: إن قتلتُّ هذا اليوم فأموالي إلى محمد يصنعُ فيها ما أراه الله . فلما اقتل الناسُ قاتل حتى قُتل ، فكان رسولُ الله عَِّ فيما بلغني يقول: ((مخيريق خيرُ يهود)). وقبضَ رسولُ اللهِ عَّ ◌ُلّه أموالَهُ فِعامَّةُ بالمدينة منها (٢). صَّ اللّه صدقاتِ رسول الله وقال الواقدي: كان مخيريق أحد بني النضير حَبْراً عالماً، فآمن برسول الله عز له، وجعل مالَّه له، وهو سبعة حوائط (٣)، فجعلَها رسولُ الله عَ لَّلِ صدقةٌ، وهي المِيْئَب ، والصَّافية، والدَّلال، وُجُسْنى، وبُرْقَة، والأُعْواف، ومَشْربةُ(٤) أمّ إبراهيم ابن رسول الله عَّل ، وهي مارية القبطية (٥). (١) ((إلفُ دينه)): أي دين النّبِي عَليهِ. (٢) السيرة النبوية؛ لابن هشام |٥١٨/١. (٣) (حوائط)): جمع حائط، وهو البستان من النخل. (٤) ((مشربة)): قال الخليل: هي الغرفة، وقال الطبري: هي كالخزانة فيها الطعام والشراب. وقال السهيلي: وإنما سميت مشربة أم إبراهيم؛ لأنها كانت تسكنها. نور النبراس لوحة ٣٢٣/١. (٥) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ٥٠٢/١ . - ٣٣٤ - [ أخبار كفار اليهود والمنافقين ] وذكر ابن إسحاق : عن عبد الله بن أبي بكر ، قال: حُدِّثت عن صفية ابنة حيي ، أنها قالت: كنتُ أحبَّ ولد أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر، فلما قدم رسولُ الله عَّلِ المدينة غَدَوا عليه ، ثم جاءا من العشّ ، فسمعتُ عمي يقول لأبي : أهو هو ؟ قال : نعم والله . قال : أتعرفه وتثبته . قال : نعم . قال : فما في نفسك منه؟ قال : عداوته - والله - ما بقيت(١) . وذكر ابن إسحاق من المنافقين رُويّ بن الحارث ، والحارث بن سويد ، وجُلاس بن سُويد ، وكان ممن تخلّف عن غزوة تبوك ، وقال : لئن كان هذا الرجلُ صادقاً لنحن شُرُ من الحمر. فَرَفعَ ذلك إلى رسول الله عَّلِ عميرُ بن سعد، وكان في حِجْرِ جُلَاس، خَلَفَ على أمّه ، فقال له عُمير : والله يا جُلَاس إنك لأحبُّ الناس إلَّ، وأحسنُهم عندي يداً ، ولقد قلتَ مقالةً لئن رفعتُها عنك لأفضحتَّك، ولئن صمتُّ عليها ليهلكنَّ ديني، ولإِحداهُما أيسرُ علَّ مِن الأخرى ، ثم مشى إلى رسول الله عَ لِ فذكر له ما قال جُلاسٌ . فحلف جُلَاس بالله لرسول الله عَّله: لقد كذبَ علَّ تُمير، وما قلتُ ما قال. فأنزلَ الله تعالى : ﴿ يَحْلِفُونَ بالله ما قَالُوا ولقد قَالُوا كلمةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بعدَ إسلامِهم ﴾ إلى قوله : ﴿ وما لَهمُ في الأرضِ مِنْ وَلّ ولا نَصيرِ﴾ [التوبة: ٧٤] فزعموا أنه تاب، فحسُنَتْ تو بته(٢) . وزاد ابنُ سعد في هذا الخبر : فقال - يعني جُلَاساً - قد قلتُه وقد عرضَ الله علّ التوبة فأنا أتوب (٣)، فقُبل ذلك منه. وكان له قتيل في الإِسلام فودَاه رسولُ اللهِ عَ ◌ّه فأعطاه ديته فاستغنى بذلك. وكان قد هَمَّ أن يلحق بالمشركين . قال: وقال رسول الله عَلِّ للغلام: ((وَفَتْ أَذُنُكَ))(٢). وقال الواقدي: ولم ينزع جلاسٌ عن خير كان يصنعهُ (١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٥١٨/١. (٢) السيرة النبوية ؛ لابن هشام ٥١٩/١ . (٣) يشير إلى الآية التي نزلت في المناسبة نفسها، وهي قوله تعالى: ﴿فإن يتوبوا يكُ خيراً لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذاباً أيماً ﴾ [ التوبة : ٧٤ ] . - ٣٣٥ - إلى عُمير ، فكان ذلك مما عُرفت به توبتُه (١) . وأخوه الحارث هو الذي قتل المُجَذَّر بن ذياد البلوي يومَ أُحد بأبيه سُوَيد بن الصامت، فأمر رسولُ اللهَعَ له عمرَ بن الخطاب بقتل الحارث إن ظَفِرَ به، ففاته فكان بمكة ، ثم بعث إلى أخيه الجُلَاس يطلب التوبةَ ، فأنزل الله فيه فيما بلغني عن ابن عباس : كيفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْمَاً كَفَرُوا بعد إيمانهم﴾ [آل عمران: ٨٦] إلى آخر القصة(٢). وقال الواقدي : إن الحارث أتى مُسلماً بعد الفتح ، وكان قد ارتد ولحق بالمشركين ، فقتلَه النبّيِ عَ ◌ّهِ بِالْمُجَذَّر(٣). ومن بني ضُبَيْعة بن زيد: بِجَاد بن عثمان، ونَبْتَل بن(٤) الحارث، وهو الذي قال : إنما محمد أذنٌ، من حدَّثه شيئاً صدَّقِه، فأنزل الله فيه: ﴿ومنهم الذين يُؤْذون النَبَّ ويقولنَ هو أُذَنْ﴾ [ التوبة: ٦١] وأبو حبيبةً بن الأزعر، وكان ممن بنى مسجد الضِّرَار، وثعلبة: ابن حاطب، ومُعَتِّب بن قُشير، وهما اللذان عاهدا الله ﴿ لئن آتَانًا من فضلِه ﴾ [ التوبة: ٧٥ ] إلى آخر القصة. ومُعَِّب الذي قال يوم أحد: ﴿لو كانَ لنا من الأمر شيءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [ آل عمران: ١٥٤] وهو الذي قال يوم الأحزاب: كان محمد يُعدُنا أن نأكلَ كنوزَ كسرى وقيصر، وأجدُنا لا يأمن أن يذهب إلى الغائط، فأنزلَ الله: ﴿وإذْ يقولُ المنافقونَ والذين في قلوبهم مرضٌ ما وعدَنا اللهُ ورسولُه إلا غُروراً ﴾ [الأحزاب : ١٢ ] - وأنكر ابن هشام دخولَ تَّعلبة ومُعَتِّب في المنافقين(٥) - وعبَّد بن حُنيف - أخو سهل وعثمان - وجارية بن عامر(٦)، وابناه مُجمِّع وزيد - وقيل: لا يصح عن تجمّع النفاق - وذكر آخرين . (١) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ٣٧٦/٤. (٢) السيرة النبوية ؛ لابن هشام ٥٢١/١ . (٣) الطبقات الكبرى ؛ لابن سعد ٣٥٣/٣. (٤) في السيرة النبوية ٥٢١/١ أن نبقَلَ بن الحارث من بني لَوْذان بن عمرو بن عوف. (٥) السيرة النبوية ؛ لابن هشام ٥٢٢/١. (٦) ذكر في السيرة النبوية أن جارية بن عامر من بني ثعلبة بن عمرو بن عوف. - ٣٣٦ _ ومن بني أمية بن زيد: وديعة بن ثابت،وهو الذي كان يقول: ﴿إنما كُنّا نخوضُ ونلعبُ﴾ [ التوبة: ٦٥ ] . ومن بني عُبيد : خِذَام بن خالد ، وهو الذي أخرج مسجد الضِّرار من داره ، وبشر ، ورافع ابنا زيد . ومن بني النَّبِيْت عمرو بن مالك بن الأوس : مِرْبعُ بن قيظي ، وأخوه أوس ، وأوس الذي قال يوم الخندق: إن بيوتنا عورة فأذَنْ لنا فلنرجعْ إليها، فأنزلَ الله فيه: ﴿يقولونَ إِنَّ بُيُوتَنا عورةٌ وما هي بعورة﴾ الآية [الأحزاب: ١٣ ]. ومن بني ظَفَر : حاطب بن أمية ، وبُشير بن أبيرق ، والحارث بن عمرو بن حارثة . وعند ابن إسحاق : بُشير، وهو أبو طُعمة سارقُ الدرعين ، الذي أنزل الله فيه ﴿ ولا تُجادلْ عن الذينَ يَختانونَ أَنفسَهم﴾ [النساء: ١٠٧] وقُزمان: حليف لهم، وهو المقتول يوم أحد بعد أن أبلى في المشركين ، قتل نفسَه، بعد أن أُخبرَ رسولُ الله عَ لێ. أنه من أهل النار . ولم يكن في بني عبد الأشهل منافق ولا منافقة ، إلا أن الضحاك بن ثابت اتهم بشيء من ذلك ولم يصح . ومن الخزرج من بني النجار : رافع بن وديعة ، وزيد بن عمرو ، وعمرو بن قيس ، وقیس بن عمرو بن سهل . ومن بني جُشَم بن الخزرج : الجَدُّ بن قيس وهو الذي يقول : يا محمد إئذن لي ولا تفتني(١) . ومن بني عوف بن الخزرج : عبد الله بن أُبّ بن سلول ، وكان رأسَ المنافقين ، وهو الذي قال: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إلى المدينةِ لُيُخرجنَّ الأعُّ منها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] في غزوة بني المصطلق ، وفيه نزلت سورة المنافقين بأسرها (٢). (١) قال ذلك معتذراً عن الخروج إلى تبوك ، وقوله : إني أخشى على نفسي نساء بني الأصفر. (٢) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٥٢٣/١ - ٥٢٦. - ٣٣٧ - قال أبو عمر : وزيد بن أرقم هو الذي رفع إلى رسول الله مع المه عن عبد الله بن أبي قوله: ﴿لئنْ رَجَعْنَا إلى المدينة﴾ فأكذبه عبد الله بن أبي وحلف ، فأنزل الله تصديقَ زيد بن أرقم ، فتبادر أبو بكر وعمر إلى زيد ليبشراه ، فسبق أبو بكر ، فأقسم عمر أن لا يبادره بعدَها إلى شيء، وجاء النبُّ عَّم فأخذ بأذن زيد وقال: ((وَفَتْ أُذتُك يا غلام)) (١). ووديعة وسويد وداعس لمن رهط ابن سلول ، وهم وعبد الله بن أبي الذين كانوا يدسون إلى بني النضير حين حاصرَهم رسولُ الله عَ لِ أن اثبتوا، فوالله لئن أُخرجتم لنخرجنَّ معكم القصة(٢) . وكان النفاق في الشيوخ ولم يكن في الشباب ، إلا في واحد وهو قيس بن عمرو بن سهل . رجع إلى ابن إسحاق : فكان من تعوَّذ بالإِسلام وأظهره وهو منافق من أحبار يهود ، من بني قينقاع : سعد بن حُنيف ، وزيد بن اللُّصَيْتِ ، ونعمان بن أوفى بن عمرو ، وعثمان بن أوفى. وزيد بن اللَّصَيت هو الذي قال حين ضَلَّتْ ناقةُ رسول الله عَ لِ: يزعم محمد أنه يأتيه خبرُ السماء، وهو لا يدري أين ناقته. فقال رسول الله عَ ليه - وجاءه الخبر بما قال عدو الله - : ((إن قائلاً قال : يزعمُ محمد أنه يأتيه خبرُ السماء وهو لا يدري أين ناقته . وإني والله ما أعلم إلا ما علمني ربي ، وقد دلَّني الله عليها ، وهي في هذا الشعب قد حبستها شجرةٌ بزمامها)). فذهبَ رجال من المسلمين فوجدوها حيث قال رسولُ الله عَبٍّ وكما وصف. ورافع بن حُريملة، وهو الذي قال رسولُ الله عَ لَّه حين مات: ((قد مات اليوم عظيم من عظماء المنافقين)) . ورفاعة بن زيد بن التابوت ، وهو الذي اشتدت الريح يوم موته ، فقال رسول الله عَ له وهو قافل من غزوة بني المصطلق: (( إنها هبَّتْ لموت عظيم من عظماء الكفار ))، وسِلْسلة بن بِرهام، وكنانة بن صُورِيا . : : (١) الاستيعاب، لابن عبد البر ٥٥٧/١. (٢) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٥٢٦/١. - ٣٣٨ _ وكان هؤلاء(١) يحضرون المسجد فيسخرون من المسلمين، فأمر عَل بإخراجهم منه فأخرجوا ، ففيهم نزل صدر سورة البقرة إلى المائة منها . قال ابن إسحاق: وكتبَ رسول الله عَ لّه إلى يهود خيبر فيما حدثني مولى لآل زيد ابن ثابت، عن عكرمة ، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما: (( بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله عَ لّه صاحب موسى وأخيه ، والمصدق لما جاء به موسى ، ألا إن الله تعالى قد قال لكم يا معشر أهل التوراة ، وإنكم تجدون ذلك في كتابكم ﴿ محمدٌ رسولُ الله والذينَ معه أشِدَّاءُ على الكفار رحماءُ بينَهم تراهُمْ رُكَّعَاً سُجَّدَاً يَبْتغونَ فَضْلاً مِنَ الله ورضواناً سِيماهُمٍ في وجوهِهم من أثرِ السُّجودِ ذلكَ مَثَلُهم في التوراةِ وَمثلُهم في الإِنجِيلِ كزرع أخرجَ شَطْأُهُ فَآزَرَه فاستغلظَ فاستوى على سُوقِه يُعجبُ الزُّرَّاعَ ليغيظَ بهم الكُفَّارِ وَعَدَ اللهُ الذينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالحاتِ منهم مغفرةٌ وأجراً عظيماً ﴾ [ الفتح: ٢٩] وإني أَنشُدكم بالله وأنشُدكم بما أُنزل عليكم، وأَنْشُدكم بالذي أطعم من كان قبلكم من أسباطكم المنَّ والسلوى، وأنشدكم بالذي أييس البحر لآبائكم حتى أنجاهم من فرعونَ وعمله ، إلا أخبرتمونا ، هل تجدون فيما أُنزل عليكم أن تُؤمنوا بمحمد ، فإن كنتم لا تجدون ذلك في كتابكم فلا كره عليكم ، قد تبين الرشد من الغّي ، فأدعوكم إلى الله وإلى نبيّه))(٢) . وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله عَِّ قبل مبعثه ، فلما بعثه الله من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه . فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء : يا معشر يهود ! اتقوا الله وأسلموا ، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل شرك ، وتخبروننا أنه مبعوث ، وتصفونه لنا بصفته . فقال سَلَّام بن مِشْكم أحدُ بني النضير : ما جاءنا بشيء نعرفه ، ما هو بالذي كنا نذكره لكم ، فأنزل الله في ذلك من قولهم ﴿ ولما جاءَهم كتابٌ من عندِ الله مُصَدِّقٌ لما مَعهم (١) وكان هؤلاء: الإشارة هنا إلى عامة المنافقين من الأوس والخزرج واليهود. وانظر السيرة النبوية ٥٢٨/١ - ٠٥٣٠ (٢) السيرة النبوية ؛ لابن هشام ٥٤٤/١ - ٥٤٥ . - ٣٣٩ - وكانوا من قبلُ يَستفتحونَ على الذينَ كَفَروا فلمَّا جاءَهم ما عَرَفوا كَفَرُوا به فلعنةُ الله على الكافرين﴾(١) [ البقرة: ٨٩ ]. قال ابن إسحاق: وقال مالك بن الصَّيف - حين بُعث رسول الله عَّه، وذكر لهم ما أخذ الله عليهم له من الميثاق وما عهد الله إليهم فيه - : والله ما عُهدِ إلينا في محمد عهد، وما أُخذ له علينا ميثاق. فأنزل الله فيه: ﴿أُوَ كُلّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَه فريقٌ منهم بل أكثرهم لا يُؤمنون﴾ [البقرة: ١٠٠] وقال ابن صَلُوبا الفِطْيُوني لرسول الله عَ ليه: يا محمد ! ما جئتنا بشيء نعرفه ، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعَك بها ، فأنزل الله في ذلك من قوله: ﴿وَلِقَدْ أَنْزِلْنَا إليكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وما يَكْفُرُ بها إلا الفاسقون ﴾ [ البقرة: ٩٩ ]. وقال رافع بن حُريملة ووهب بن زيد لرسول الله آے یا محمد اثننا بكتاب تنزله من السماء نقرؤه ، وفجِّرْ لنا أنهاراً نتبعك ونصدقك، فأنزل الله في ذلك: ﴿أُم تُرِيدُونَ أن تَسألُوا رسولَكم كما سُئل مُوسى من قبلُ ومن يَتَبَدَّلِ الكفرَ بالإِيمان فقد ضَّلَّ سواءً السَّبِيل﴾ [ البقرة: ١٠٨] وكان حيي بن أخطب، وأبو ياسر بن أخطب من أشد بهود للعرب حسداً ، إذ خصهم الله برسوله عَ له، فكانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام بما استطاعا، فأنزل الله فيهما: ﴿وذَّ كثيرٌ من أهل الكتابِ لو يَرُدُّونَكُم من بعد إيمانِكم كُفَّاراً حَسَدَاً من عندِ أنفسهم من بعد ما تبيَّنَ لهم الحقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩]. الآية (١). ولما قدم أهلُ نجران من النصارى على رسول الله عَ لِ أتتهم أَجبار يهود، فتنازعوا · عند رسول الله عَّ له، فقال لهم رافع بن حُريملة: ما أنتم على شيء ، وكفر بعيسى وبالإِنجيل ، فقال رجل من أهل نجران من النصارى لليهود : ما أنتم على شيء ، وجحد نبوة موسى، وكفر بالتوراة، فأنزل الله تعالى: ﴿وقالتِ اليهودُ ليستِ النَّصارى على شيءٍ وقالتِ النَّصَارى ليستِ اليهودُّ على شيءٍ﴾ [البقرة: ١١٣] الآية. وقال رافع بن حريملة: يا محمد إن كنتَ رسولاً من الله كما تقول فقل لله فليكلمنا، فأنزل الله؛ ﴿ وقال الذينَ لا يَعلمون لولا يُكَلِّمُنا الله أو تَأْتِيْنَا آية﴾ [البقرة: ١١٨]. وقال عبدُ الله بن : (١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٥٤٧/١ - ٥٤٩ . - ٣٤٠ - :