النص المفهرس

صفحات 221-240

الحَرَّاني قراءة عليهما وأنا حاضر في الرابعة . قال الأول : أخبرنا أبو اليُمن الكندي قراءة
عليه وأنا أسمع ، وقال الثاني : أخبرنا أبو علي بن الخُرَيْف قراءة عليه وأنا حاضر أسمع في
الخامسة ، قالا : أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري ، أخبرنا أبو الحسين محمد
ابن أحمد بن حَسْنون أخبرنا معافى بن إبراهيم بن زكريا بن طَرَّار ، أخبرنا أبو عبد الله يعني
البغوي ، حدثنا عبيد الله بن عمر ، حدثنا عبد الله بن خِرَاش ، عن العَّوام بن حوشب ،
عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : لما أسلم عمرُ رضي الله عنه نزلَ جبريل عليه السلام
على النبّي عَّ ◌ُلم فقال: يا محمد لقد استبشرَ أهلُ السماء بإسلام عمر رضي الله عنه . رواه
ابن(١) ماجه عن إسماعيل بن محمد الطَّلْحي، عن عبد الله بن خِراش.
(١) رواه ابن ماجه في المقدمة ( فضل عمر بن الخطاب رضي الله عنه) رقم /١٠٣/ وقال البوصيري في
((الزوائد) إسناده ضعيف، لا تفاقهم على ضعف عبد الله بن خِراش، إلا أن ابن حبان ذكره في الثقات ،
وأخرج هذا الحديث من طريقه في صحيحه . ورواه الحاكم في المستدرك ٨٤/٣ من طريق عبد الله بن
خِراش ، وصححه ، وتعقبه الذهبي ، فقال : عبد الله بن خِراش ضعفه الدارقطني .
- ٢٢١ -

:
ذكر الخبر عن دخول بني هاشم وبني المطلب
ابني عبد مناف في الشّعب(١) وما لقوا من سائر قريش في ذلك
قال أبو عمر : أخبرنا عبد الله بن محمد ، حدثنا محمد بن بکر ، حدثنا أبو داود ،
حدثنا محمد بن سلمة المرادي ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني ابن لهيعة ، عن محمد بن عبد
الرحمن أبي الأسود، وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصْبَغ، حدثنا مُطَرِّف
ابن عبد الرحمن بن قيس ، حدثنا يعقوب بن حُميد بن كاسب ، وأخبرنا عبد الله بن محمد ،
حدثنا محمد بن بكر ، حدثنا أبو داود ، حدثنا محمد بن إسحاق المسيّي ، قالا : حدثنا .
محمد بنُ فلیح ، عن موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب دخل حديث بعضهم في بعض ،
قال: ثم إن كفار قريش أجمعوا أمرهم واتَّفق رأيهم على قتل رسول الله عَلِه، وقالوا:
قد أفسد أبناءنا ونساءنا ، فقالوا لقومه : خذوا منا دِيَةً مضاعفة ويقتلُه رجل من غیر قریش ،
وتريحوننا وتريحون أنفسكم ، فأبى قومُه بنو هاشم من ذلك ، فظاهرهم بنو المطلب بن
عبد مناف ، فأجمع المشركون من قريش على منابذتهم وإخراجهم من مكة إلى الشّعب ،
فلما دخلوا الشّعبَ أمر رسولُ الله عَ لّم من كان بمكة من المؤمنين أن يخرجوا إلى أرض
الحبشة وكانت مُتَّجَراً لقريش ، وكان يُثنى على النجاشي بأنه لا يُظلم عنده أحد ، فانطلق
إليها عامة من آمن بالله ورسوله ، ودخل بنو هاشم وبنو المطلب شعبّهم ، مؤمنُهم
وكافرهم، فالمؤمن ديناً والكافر حمّة، فلما عرفت قريش أن رسول الله عَ لَّه قد منعه
قومُه أجمعوا على أن لا يبايعوهم ولا يدخلوا إليهم شيئاً من الرِّفْقِ(٢)، وقطعوا عنهم
الأسواق ، ولم يتركوا طعاماً ولا إداماً ولا بيعاً إلا بادروا إليه واشتروه دونهم ، ولا
يناكحوهم ولا يقبلوا منهم صلحاً أبداً، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يُسَلّموا رسولَ الله
عَ ◌ِّ للقتل، وكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها في الكعبة، وتمادوا على العمل بما فيها من
(١) ((الشِّعب)): واحد شعاب مكة، وهي الوِهاد والطرقات بين الجبال والمراد به هنا شعب بني هاشم
ابن عبد مناف .
(٢) ((الرِّفق)): ما استعين به
- ٢٢٢ -

ذلك ثلاث سنين ، فاشتد البلاء على بني هاشم في شعبهم وعلى كل من معهم ، فلما كان
رأس ثلاث سنين تلاوم قومٌ من قصي ممن ولدتهم بنو هاشم ومَن سواهم ، فأجمعوا أمرهم
على نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر والبراءة ، وبعث الله على صحيفتهم الأرضة فأكلت
ولَحِسَتْ ما في الصحيفة من ميثاق وعهد ، وكان أبو طالب في طول مدتهم في الشعب
يأمر رسول الله عَ ليه فيأتي فراشه كل ليلة حتى يراه من أراد به شراً أو غائلة ، فإذا نام
الناس أمر أحد بنيه أو إخوته أو بني عمه، فاضطجع على فراش رسول الله عَّةٍ، وأمر
رسولَ الله عَ للِ أن يأتي بعض فرشهم فيرقدَ عليها، فلم يزالوا في الشعب على ذلك إلى
تمام ثلاث سنين ، ولم تترك الأَرضة في الصحيفة اسماً لله عز وجل إلا لَحسَتْه وبقي ما
كان فيها من شرك أو ظلم أو قطيعة رحم ، فأطلعَ اللهُ رسولَه على ذلك فذكر ذلك رسولُ
الله عَّه لأبي طالب ، فقال أبو طالب: لا والثواقبٍ(١) ما كذبتني، فانطلق في عصابة من
بني عبد المطلب حتى أتوا المسجدَ وهم خائفون لقريش ، فلما رأتهم قريش في جماعة أنكروا
ذلك، وظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء ليسلّموا رسولَ الله عَّه بِرُمَّتِه(٢) إلى قريش ،
فتكلم أبو طالب فقال : قد جرت أمور بيننا وبينكم لم نذكرها لكم ، فائتوا بصحيفتكم
التي فيها مواثيقكم فلعله أن يكون بيننا وبينكم صلح ، وإنما قال ذلك أبو طالب خشية
أن ينظروا في الصحيفة قبل أن يأتوا بها ، فأتوا بصحيفتهم معجبين ، لا يشكون أن رسولَ
الله عٌَّ يُدفع إليهم ، فوضعوها بينهم وقالوا لأبي طالب قد آن لكم أن ترجعوا عما أحدثتم
علينا وعلى أنفسكم ، فقال أبو طالب : إنما أتيتكم في أمر هو نَصَفّ بيننا وبينكم ؛ إن
ابن أخي أخبرني ولم يكذبني ؛ أن هذه الصحيفة التي(٣) في أيديكم قد بعث الله عليها دابة
فلم تترك فيها اسماً إلا لحِسته ، وتركت فيها غدركم وتظاهر كم علينا بالظلم ، فإن كان الحديث
كما يقول فأفيقوا، فلا والله لا نسلمه حتى نموت من عند آخرنا، وإن كان الذي يقول
باطلاً دفعنا إليكم صاحبنا فقتلتم أو استحييتم ، فقالوا : قد رضينا بالذي تقول . ففتحوا
-
(١) ((الثواقب)): النجوم ، جمع ثاقب، وهو النجم المضيء.
(٢) ((بُرُمَّتِّه)): هي بضم الراء وتشديد الميم مفتوحة، وأصل الرمة: قطعة الحبل البالية، وفي المثل ((دفع
إلي برمته » أي مجملته .
(٣) في الدرر ص ٥٥ : بين أيديكم .
- ٢٢٣ -

الصحيفةً فوجدوا الصادق المصدوق عَ ل قد أخبر بخبرها قبل أن تفتح، فلما رأت قريش
صِذْق ما جاء به أبو طالب عن النبي عَ ل قالوا : هذا سحر ابن أخيك . وزادهم ذلك
بغياً وعدواناً(١) .
وقال ابن هشام: وذكر بعضُ أهل العلم أن رسولَ الله عَلێ قال لأبي طالب : یا
عمّ إن ربِّي قد سَلَّط الأرضة على صحيفة قريش فلم تدعْ فيها اسماً لله إلا أثبتته ، ونفت
منها القطيعة والظلم والبهتان، قال: أربُّك أخبرك بهذا؟ قال: نعم. قال فوالله ما يدخل:
عليك أحد . ثم خرجَ إلى قريش، فقال: يا معشر قريش! إن ابن أخي أخبرني(٢).
وساق الخبر بمعنى ما ذكرناه .
وقال ابن إسحاق وابن عقبة وغيرُهما : وندم منهم قوم فقالوا : هذا بغي منا على إخواننا.
وظلم لهم ، فكان أول من مشى في نقض الصحيفة هشام بن عمرو بن الحارث العامري ،
وهو كان كاتب الصحيفة (٣)، وأبو البَخْتَرِي العاص بن هشام بن الحارث بن أسد بن عبد
العزى والمطعم بن عدي . إلى هنا انتهى خبر ابن لهيعة عن أبي الأسود يتيم عروة ، وموسى
ابن عقبة عن ابن شهاب
وذكر ابن إسحاق فيهم زهير بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي ، وزمعة بن الأسود بن
المطلب (٤). وذكر ابن إسحاق في أول هذا الخبر قال : وقد كان أبو جهل فيما يذكرون
لقي حكيم بن حزام ومعه علام يحمل قمحاً يريد به عمته خديجة ، وهي مع رسول الله
عَّه في الشعب ، فتعلّق به وقال: أتذهب بالطعام إلى بني هاشم؟ فقال له أبو البختري:
(١) الدرر في اختصار المغازي والسُّير لابن عبد البر ص ٥٣ - ٥٥. وقال سبط العجمي : هذا الحديث
الذي رواه عن الزهري ليس هو في السنن ولا المراسيل فاعلمه. نور النبراس لوحة ٢١٦/١ .
(٢) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٣٧٧/١ .
(٣) قال الصالحي : والذي كتب الصحيفة: قال ابن إسحاق: منصور بن عكرمة. قال ابن هشام: ويقال :
النضر بن الحارث. فدعا عليه رسول الله مَ لله فشَّلَّت بعض أصابعه. وقال غيره : بغيض بن عامر،
فثَلَّت يدُه . وقال غيره : هشام بن عمرو بن الحارث العامري ، وأسلم بعد ذلك .
ويُجمع بين هذه الأقوال باحتمال أن يكون كُتب بها نسخٌ. السيرة الشامية ٥٠٣/٢
(٤) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٣٧٥/١ .
- ٢٢٤ -

طعام كان لعمته عنده أفتمنعه أن يأتيها بطعامها ، خلّ سبيلَ الرجل ، فأبى أبو جهل حتى
نال أحدُهما من صاحبه ، فأخذ أبو البختري لحي بعير فضربه به فشجه ووطئه وطئاً
شديداً (١) .
وذكر أبو عبد الله محمد بن سعد : هشامَ بن عمرو العامريّ المذكور وقال : كان
أوصلَ قريش لبني هاشم حين حُصروا في الشعب ، أدخل عليهم في ليلة ثلاثة أحمال طعاماً ،
فعلمت بذلك قريش ، فمشوا إليه حين أصبح ، فكلموه في ذلك ، فقال : إني غير عائد
لشيء خالفكم ، فانصرفوا عنه ، ثم عاد الثانية، فأدخل عليهم ليلاً حملاً أو حملين ، فغالظته
قريش وهمت به ، فقال أبو سفيان بن حرب : دعوه ، رجل وصل أهل رحمه ، أما إني
أحلف بالله لو فعلنا مثل ما فعل كان أحسن بنا(٢) .
وعن ابن سعد : وكان الذي كتب الصحيفة بغيض بن عامر بن هاشم بن عبد مناف
ابن عبد الدار بن قصي فَشلّت(٣) يدُه .
وحَصَروا بني هاشم في شعب أبي طالب ليلةً هلال المحرم سنة سبع من حين نُبِّىء
رسول الله عَ له، وكان خروجهم في السنة العاشرة، وقيل مكثوا في الشعب سنتين.
(١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٣٥٣/١ - ٣٥٤.
(٢) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ١٥٣/٢.
(٣) الذي في طبقات ابن سعد ٢٠٩/١: وكان الذي كتبَ الصحيفة منصور بن عكرمة العَبْدَري، فشَلَّت
يده .
- ٢٢٥ -

ذكر خبر أهل نجران
قال ابن إسحاق: ثم قدم على رسول الله عَ له وهو بمكة عشرون رجلاً أو قريب
من ذلك من النصارى حين بلغهم خبره من الحبشة ، فوجدوه في المسجد ، فجلسوا إليه
وكلموه وسألوه ، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة ، فلما فرغوا من مسألة رسول
الله عَ ◌ّلِ عما أرادوا!، دعاهم رسول الله عَ ◌ّه إلى الله، وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوه
فاضت أعينهم من الدمع ، ثم استجابوا له وآمنوا به وصدقوه ، وعرفوا منه ما كان يُوصف
لهم في كتابهم من أمره ، فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش ،
فقالوا لهم : خيبكم الله من ركب ، بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون(١) لهم
لتأتوهم بخبر الرجل ، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال ،
ما نعلم ركباً أحمق منكم أو كما قالوا . فقالوا لهم : سلام عليكم لا نجاهلكم، لنا ما نحن
عليه ولكم ما أنتم عليه ، لم نأل من أنفسنا خيراً. ويقال: إن النفر من النصارى من أهل
نجران، ويقال: فيهم نزلت ﴿الذينَ آتيناهم الكتابَ من قبله هم به يُؤمنون. وإذا يُتلى
عليهم قالوا آمنا به ﴾ إلى قوله ﴿لا نبتغي الجاهلين﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٥ ].
وقال الزهري ما زلت أسمعُ من علمائنا أنهنَّ نزلنَ في النجاشي وأصحابه(٢).
ذكر وفاة خديجة وأبي طالب
روينا عن الدُّؤْلابي ، حدثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام العجلي ، حدثنا زهير بن
العَلاء ، حدثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، قال : توفيت خديجة بمكة قبل الهجرة
بثلاث سنين، وهي أوَّلُ لمن آمن بالنبي عَ لَّهِ(٢).
(١) ((ترتادون)): تطلبون لهم الأخبار.
(٢) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٣٩١/١ - ٣٩٢.
(٣) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٢٠/٩ وقال: رواه الطبراني، وفيه زهير بن العلاء؛ وثقة ابن حِبَّان
وضعفه غيره .
- ٢٢٦ -

قال : وحدثنا أحمد بن عبد الجبار ، حدثني يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق قال :
ثم إن خديجة بنت خويلد وأبا طالب ماتا في عام واحد، فتابعت على رسول الله عَطاه
مصيبتان ، هلاك خديجة وأبي طالب ، وكانت خديجة وزيرةَ صدق على الإِسلام ، وكان
رسول الله عَ لّه يسكن إليها (١) . قال: وقال زياد البكَّائي عن ابن إسحاق: إن خديجة
وأبا طالب هلكا في عام واحد ، وكان هلاكُهما بعد عشر سنين مضين من مبعث رسول
الله عَِّ، وذلك قبل مهاجره عَ لِ إلى المدينة بثلاث سنين(٢).
وذكر ابن قتيبة أن خديجة توفيت بعد أبي طالب بثلاثة أيام(٣). وذكر البيهقيُّ
نحوه (٤)، وعن الواقدي : تُوفيت خديجة قبل أبي طالب بخمس وثلاثين ليلة(٥) . وقيل غير
ذلك .
فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله عَ لغم من الأذى ما لم تكن تطمع
فيه في حياة أبي طالب ، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه تراباً ، فدخل
رسولُ الله عَ له بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته فجعلت تغسل عنه التراب
وهي تبكي، ورسول الله عَ لّه يقول: لا تبكي يا بنية فإن الله مانع أباك، ويقول بين
ذلك : ما نالت مني قريش شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب . قال : ولما اشتكى أبو طالب
وبلغ قريشاً ثِقَلُه ، قال بعضهم لبعض : إن حمزة وعمر قد أسلما وقد فشا أمر محمد في
قبائل قريش كلها ، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب فليأخذ لنا على ابن أخيه وليعطه منا ، فإنا
والله ما نأمن أن يبتزونا(٦) أمرنا ، فمشوا إلى أبي طالب وكلموه وهم أشراف قومه : عتبة
وشيبة ابنا ربيعة ، وأبو جهل بن هشام ، وأمية بن خلف ، وأبو سفيان بن حرب ، في
(١) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٣٥٢/٢ عن أبي عبد الله الحافظ. وقال البيهقي: ذكره أبو عبد الله بن
منده في كتاب ((المعرفة)).
(٢) السيرة النبوية ؛ لابن هشام ٤١٦/١ .
(٣) المعارف ؛ لابن قتيبة ص ١٣٣ . طبعة دار المعارف بمصر.
(٤) دلائل النبوة ٣٥٢/٢ - ٣٥٣.
(٥) الطبقات الكبرى ؛ لابن سعد ٢١١/١ .
(٦) ((أن يبتزونا)): يقال ابتزه أمره: سلبه إياه وغلبه عليه.
- ٢٢٧ -

رجال من أشرافهم ، فقالوا : يا أبا طالب إنك منا حيث قد علمت وقد حضرك ما ترى
وتَخَوَّقْنا عليك ، وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك ، فادعه وخذ له منا وخذ لنا منه
ليكف عنا ونكف عنه ، وليدعنا وديننا ، وندعه ودينه ، فبعث إليه أبو طالب فجاءه ،
فقال : يا ابن أخي هؤلاء أشراف قومك وقد اجتمعوا لك ليعطوك وليأخذوا منك ، فقال
رسول الله مَ له : نعم . كلمة واحدة تعطونيها وتملكون بها العرب ، وتدین لگم بها
العجم . فقال أبو جهل: نعم وأبيك، وعشر كلمات. قال: تقولون لا إله إلا الله،
وتخلعون ما تعبدون من دونه . قال : فصفقوا بأيديهم ثم قالوا : يا محمد ، أتريد أن تجعلَ
الآلهة إلهاً واحداً ، إن أمرك لعجبٌ. ثم قال بعضهم لبعض: والله ما هذا الرجل بمعطيكم
شيئاً مما تريدون ، فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم حتى يحكم الله بينكم وبينه :. ثم تفرقوا ،
فقال أبو طالب لرسول الله عَّه: والله يا ابن أخي ما رأيتك سألتهم شحطاً(١). فلما
قالها طمع رسول الله عَ له فيه، فجعل يقول له: أي عم! فأنت فقلها، أستحلُّ لك
بها الشفاعة يوم القيامة. فلما رأى حِرصَ رسول الله بِّهِ. قال له: يا ابن أخي والله
لولا مخافة السَُّة عليك وعلى بني أبيك من بعدي، وأن تظن قريش أني إنما قلتها جزءاً من
الموت لقلتها لا أقولها إلا لِأَسْرَّك بها . فلما تقارب من أبي طالب الموت نظر العباس إليه
يحرك شفتيه ، فأصغى إليه بأذنه ، فقال: يا ابن أخي ! والله لقد قال أخي الكلمة التي
أمرته بقولها. فقال رسولُ الله عَطل: لم أسمع(٢). كذا في رواية ابن إسحاق أنه أسلم
عند الموت .
وقد رُوي أن عبد الله بن عبد المطلب وآمنة بنت وهب أبوي النبي عَظ ◌ّم أسلما أيضاً
وأن الله أحياهما له فآمنا به . وروي ذلك أيضاً في حق جده عبد المطلب ، وهي روايات
لا معوَّل عليها . والصحيح من ذلك ما رويناه من طريق مسلم : حدثني حَرْمَلَةُ بن يَحبِى
التُّجِيبي ، أخبرنا عبد الله بنْ وَهْب ، أخبرني يُونس ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني سعيدُ
ابن المسيِّب، عن أبيه، أنه قال: لما حضرتْ أبا طالب الوفاة جاءه رسولُ اللهِ عَ له فوجد
(١) (( سألتهم شحطاً )) : أي أمراً بعيداً .
(٢) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٤١٦/١ - ٤١٨ .
- ٢٢٨ -

عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله عَ ه: ((يا عم! قل لا إِلّه
إلا الله، كلمة أشهدُ لك بها عند الله)) . فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب!
أترغبُ عن ملة عبد المطلب، فلم يزلّ رسولُ الله عَّ ◌َلِ يَعرضُها عليه، ويُعيدان له تلك
المقالة ، حتى قال أبو طالب - آخرَ ما كلَّمهم - هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول
لا إله إلا الله. فقال رسولُ الله عَّه: ((أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك)) فأنزل
الله عز وجل ﴿ ما كانَ للنبِّ والذين آمنوا أنْ يَستغفروا للمشركينَ ولو كانوا أُولِي قُربى
من بعدٍ ما تبيَّنَ لهم أنَّهم أصحابُ الجحيم﴾ [ التوبة: ١١٣ ] وأنزل الله في أبي طالب،
فقال لرسول الله عَّه ﴿ إِنَّكَ لا تهدي من أحببتَ ولكنَّ الله يَهدي مَنْ يَشاءُ وهو أعلمُ
بالمهتدين﴾(١) [القصص: ٥٦]. ورواه مسلم من حديث أبي هريرة أيضاً وفيه : لولا
أن تعيرني قريش ، يقولون: إنما حمله على ذلك الخَّرَعُ لأُقررت بها عينك(٢).
وفي الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله عَ لّه ذكر
عنده عمُّه أبو طالب، فقال: (( لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة ، فُجعلَ في ضحضاح
من النار »(٣)
وعن ابن عباس أن رسول الله عَ ل قال: ((أهونُ أهل النَّار في النار عذاباً أبو طالب،
وهو منتعلّ بنعلين من نار يغلي منهما دماغُه ))(٤). وأخبرنا عبد الرحيم المِزي. بقراءة
والدي عليه ، أخبركم أبو علي حنبل بن عبد الله بن الفرج ، أخبرنا أبو القاسم بن الحصين ،
أخبرنا أبو علي بن المُذْهِب ، أخبرنا أبو بكر القطيعي ، أخبرنا عبد الله بن أحمد ، حدثنا
(١) رواه مسلم في كتاب الإيمان (باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت، ما لم يَشرع في النزع .. )
رقم /٢٤ / ٠
(٢) رواه مسلم في كتاب الإيمان (باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموتُ، ما لم يَشرع في النزع ... )
رقم /٢٥/ وفيه .. ((الجزعُ)). قال في ((النهاية)): قال ثعلب: إنما هو بالخاء والراء. وهو الخور
والضعف .
(٣) رواه مسلم في كتاب الإِيمان (باب شفاعة النبي محمد لأبي طالب) رقم /٢١٠/. و(( الضَّحْضَاحُ)):
ما رقّ من الماء على وجه الأرض إلى نحو الكعبين ، واستعير في النار .
(٤) رواه مسلم في كتاب الإيمان ( باب أهون أهل النار عذاباً) رقم /٢١٢/.
- ٢٢٩ -

أبي ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، قال : سمعت ناجية بن كعب
يحدث عن علي؛ أنه أتى النبَِّعَ ◌ِّ فقال: إن أبا طالب مات. فقال له النبي عَ ◌ّه:
((اذهب فواره)). فقال: إنّه مات مشركاً. قال: ((اذهب فواره)). فلما واريتُه رجعتُ
إلى النبي عٍَّ فقال لي: (اغتسل))(١).
وأخبرنا أبو الفضل بن الموصلي، قال: أخبرنا أبو علي بن سعادة الرُّصافي ، أخبرنا هبة
الله بن محمد الشيباني ، أخبرنا الحسن بن علي التميمي ، أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان ،
أخبرنا عبد الله بن أحمد ، حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن يَعلى
ابن عطاء ، عن وكيع بن عُدُس، عن أبي رَزين عمِّه ، قال : قلت : يا رسول الله ! أين:
أمي؟ قال: ((أُمُّك في النار)) قال: قلت: فأين من مَضَى من أهلك؟ قال : (( أما ترضى
أن تكونَ أَمُّك مع أمي؟!))(٢). قال عبد الله: قال أبي: الصواب حُدُس.
وذكر بعضُ أهل العلم في الجمع بين هذه الروايات ما حاصلُه أن النبي عَ ◌ّلِ لم يزلْ
راقياً في المقامات السنية ، صاعداً في الدرجات العلية إلى أن قبضَ الله روحه الطاهرة إليه ،
وأزلفه بما خصَّه به لديه من الكرامة حين القدوم عليه ، فمن الجائز أن تكون هذه درجة
حصلت له عَ ◌ّم بعد أن لم تكن، وأن يكون الإِحياء والإيمان متأخراً عن تلك الأحاديث
فلا تعارض .
وقال السهيلي : شهادة العباس لأبي طالب لو أدَّاها بعدما أسلم كانت مقبولة ؛ لأن
العدلَ إِذا قال سمعتُ وقال من هو أعدلُ منه لم أسمع ، أخذ بقول من أثبتَ: السماع ،
ولكن العباس شهد بذلك قبل أن يُسلم .
قلت: قد أسلم العباسُ بعد ذلك، وسأل رسولَ الله عَ ◌ّه عن حال أبي طالب فيما
أخبرنا عبد الرحيم بن يُوسف ، بقراءة أبي عليه ، وقرأتُ على أبي الهيجاء غازي بن أبي
الفضل ، قال : أخبرنا أبو حفص بن طبرزذ ، قال : أخبرنا ابن الحُصين ، أخبرنا أبو طالب
----
(١) رواه الإمام أحمد في المسند رقم /٧٥٩/، وقال المرحوم أحمد شاكر: إسناده صحيح ، ناجية بن كعب
هو الأسدي ، تابعي ثقة. والحديث رواه أبو داود /٣٢١٤/، والنسائي ٢٨٢/١ - ٢٨٣
(٢) رواه الإمام أحمد في المسند ١١/٤، وإسناده حسن . .
- ٢٣٠ -

ابن غيلان ، أخبرنا أبو بكر الشافعي ، حدثنا بشر بن موسى ، حدثنا الحميدي ، حدثنا
سفيان ، حدثنا عبدُ الملك بن عُمير ، قال : سمعتُ عبدَ الله بن الحارث بن نوفل ، قال :
سمعتُ العباسَ يقولُ : قلت يا رسول الله، إن أبا طالب كان يحفظَك وينصرُك ، فهل نفعَه
ذلك؟ قال: ((نعم، وجدتُه في غَمَراتٍ من النار فأخرجتُه إلى ضَحْضَاح))(١). صحيح
الإِسناد مشهور ، متفق عليه من حديث العباس في الصحيحين .
ولو كانت هذه الشهادةُ عنده لأداها بعد إسلامه ، وعلم حال أبي طالب ولم يسأل ،
والمعتبر حالة الأداء دون التحمل .
وفيما ذكره السهيلي؛ أن الحارث بن عبد العزى أبا رسول الله عَ لّله من الرضاعة
قدم على رسول الله عَ له مكة، فأسلمَ وحَسُنَ إسلامه ، في خبر ذكرَه من طريق يُونس بن
بُكير ، عن ابن إسحاق ، عن أبيه ، عن رجال من بني سعد بن بكر (٢).
صَلى الله
ذكرُ خروج النبي عَ إلى الطائف
وذلك في ليالٍ بقين من شوال سنة عشر من النبوة ، قال ابن إسحاق :
ولما هلك أبو طالب ونالت قريشٌ من رسول الله عَ لَّه ما لم تكن تنالُ منه في حياته ،
خرجَ إلى الطائف وحدَه - وقال ابن سعد (٣): ومعه زيدُ بن حارثة - يلتمسُ النصرةَ
من ثَقيف والمنعةً بهم من قومه ، ورجا أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله ، فلما انتهى
إلى الطائف عَمِدَ إلى نفرٍ من ثقيف ، وهم يومئذ سادةُ ثقيف وأشرافهم ، وهم إخوة ثلاثة :
عبدُ يا لِيْلُ، ومسعود ، وحبيب، بنو عمرو بن عُمير بن عوف بن عُقّدة بن غِيّرَة بن
(١) رواه البخاري في مناقب الأنصار (باب قصة أبي طالب) رقم /٣٨٨٣/، ومسلم في كتاب الإيمان ( باب
شفاعة النبي عَ ل﴾ لأبي طالب .. ) رقم /٢٠٩/.
(٢) الروض الأنف ١٨٥/١، وذكر الحافظ الذهبي الحارث عبد العزى في تجريده في الصحابة، وقال : أدرك
الإِسلام ، وأسلم بمكة ، وذكر الطريق التي ذكرها السهيلي ، وعده غير السهيلي في الصحابة جازماً به ،
والله أعلم . نور النبراس لوحة ٢٢٥/١.
(٣) الطبقات الكبرى ٢١١/١ .
- ٢٣١ -

عوف بن ثقيف ، وعند أحدهم امرأة(١) من قريش من بني جُمَح ، فجلسَ إليهم رسولٌ
الله عَّه وكلَّمهم بما جاءهم له من نصرته على الإِسلام، والقيام معه على من خالفه من
قومه . فقال له أحدُهم: هو يمرطُ (٢) ثيابَ الكعبة إن كان الله أرسلكَ. وقال الآخر:
أما وجدَ الله أحداً يُرسلُه غيرك. وقال الثالث: والله لا أُكلّمُك أبداً ، لئن كنتَ رسولاً
من الله كما تقولُ لأنت أعظمُ خطراً من أن أردَّ عليك الكلامَ ، ولئن كنتَ تكذبُ على
الله ما ينبغي لي أن أُكلِّمَكٍ. فقام رسولُ الله عَظ ◌ُلم من عندهم وقد يئسَ من خير ثقيف،
وقد قال لهم - فيما ذكر لي - : إذا فعلتُم ما فعلتم فاكتُموا علَّي، وكره رسولُ الله
عَّلِ أن يبلغَ قومَه عنه، فُذْثِرُهم(٣) ذلك عليه، فلم يفعلوا وأغْرَوا به سفهاءَهم وعبيدهم
يسبُّونه ويصيحون به ، حتى اجتمع عليه الناس(٤) .
قال موسى بن عقبة: قُعدوا له صفين على طريقه، فلما مَّ رسولُ الله عَ لِ بين صَفيْهم
جعل لا يرفعُ رجليه ولا يُضعُهما إلا رَضَخُوهما (٥) بالحجارة ، حتى أدمَوْا رجليه.
زاد سليمان التيمي: أنه معَ ◌ّم كان إذا أذلقته الحِجارة(٦) قعد إلى الأرض، فيأخذون
بعضديه فيقيمونه ، فإذا مشى رجموه وهم يضحكون .
وقال ابنُ سعد : وزيدُ بن حارثة يقيه بنفسه ، حتى لقد شُجَّ في رأسه شجاجاً(٧).
قال ابن عقبة : فخلَص منهم ، ورجلاه تسيلان دماً ، فعمَد إلى حائطٍ من حوائطهم
فاستظّ في ظل حَيَلةٍ (٨) منه وهو مكروب(٩) موجع، وإذا في الحائط عُتبةٍ وشَيبة ابنا
(١) قال في نور النبراس: هذه المرأة هي صفية بنت معمر بن حبيب بن وهب بن حُذافة بن جُمح . وهي
أم كَلَدة بن الحنبل ، وأم صفوان بن أمّة .
(٢) (( يمرطُ ثياب الكعبة » : مزقها ويرمي بها .
(٣) ((فَيُذْثِرُهُم عليه)): يُثيرهُم عليه ويجرئهم.
(٤) السيرة النبوية ؛ لابن هشام ٤١٩/١ - ٤٢٠.
(٥) ((رضخوهما)): رموهما بالحجارة فأدمتهما.
(٦) ((أذلقته الحجارة)): المته .
(٧) الطبقات الكبرى ٢١٢/١.
(٨): ((حائط)): بستان محوط بسور، و((حَبَلَة)): شجرة عنب، أو قضبانها.
(٩) ((مكروب)): مهموم مخزون. قال سبط ابن العجمي: لم يذكر المؤلف هنا الدعاء المعروف، قال ابن
- ٢٣٢ -

ربيعة ، فلما رآهما كره مكانَهما لما يعلمُ من عدواتِهما لله ورسوله . قال : فلما رآه ابنا
ربيعة وما لقي تحركت له رَحِمُهما فدعَوَا غلاماً لهما نصرانياً يُقال له عَدَّاس ، فقالا له :
خذ قِطْفاً(١) من هذا العِنَب ، فضعه في هذا الطبق ، ثم اذهبْ به إلى ذلك الرجل ، فقل
له يأكل منه، ففعلَ عَدَّاسٌ، ثم أقبل به حتى وضعَه بين يدي رسول الله عَّهِ، ثم قال
له: كل، فلما وضعَ رسولُ الله عَ لَّه فيه يدَه قال: بسم الله، ثم أُكلَ، فنظر عدَّاسُ في
وجهه ، ثم قال: والله إن هذا الكلامَ ما يقولُه أهُلُ هذه البلاد. فقال له رسول الله عَ لٍ:
ومن أيّ البلادِ أنت يا عداس ؟ وما دينُك ؟ قال : نصراني وأنا من أهل نِيْتَوى(٢). فقال
له: كل ، فلما وضعَ رسولُ اللهِ عَ لِ فيه يدَه قال: بسم الله، ثم أُكلَ، فنظر عدَّاسٌ في
وجهه ، ثم قال: والله إن هذا الكلامَ ما يقولُه أهُلُ هذه البلاد. فقال له رسول الله عَ له:
ومن أيّ البلادِ أنت يا عداس ؟ وما دينُك ؟ قال : نصراني وأنا من أهل نِيْتَوى(٢). فقال له
رسولُ الله عَّله: من أهل قرية الرجل الصالح يُونس بن مَتَّى؟ قال له عَدَّاس: وما يُدُريك
لقد أعلمني بأمر لا يعلمُه إلا نبِّي. قالا: ويحك يا عداس ، لا يصرفنَّك عن دينك فإن
دینك خيرٌ من دينه .
وروينا في الصحيح، من حديث عائشة رضي الله عنها؛ أنها قالت للنبي عَ الِ: هل
أتى عليكَ يوم كان أشدَّ عليك من يوم أحد؟ فقال: ((لقد لقيتُ من قومِك ، وكان أشدَّ
ما لقيتُ منهم يومَ العقبة، إذ عَرَضْتُ نفسي على ابن عبد يَالِيْلُ بن عبد كُلال ، فلم يُجبني
إلى ما أردتُ ، فانطلقتُ على وجهي وأنا مهمومٌ ، فلم أستفقْ إلا وأنا بقرن (٣) الثعالب،
= إسحاق: فلما اطمأنَّ رسول الله مَِّ قال - فيما ذكر لي - ((اللهم إليكَ أشكو ضعفَ قوّتي، وقلّةَ
حيلتي ، وهَواني على الناس ، يا أرحم الراحمين ، أنت ربُّ المستضعفين، وأنتَ ربي، إلى مَنْ تَكِلُني ؟
إلى بعيدٍ يَتَجَهُّمُنِي ، أم إلى عدوٍّ مَلِّكْتَه أمري ؟ إن لم يكنْ بكَ علَّ غضبٌ فلا أبالي ، ولكن عافيتكَ
هي أوسعُ لي ، أعوذ بنور وَجْهِكَ الذي أشرقتْ له الظُّلُماتُ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن
تُنْزِلَ بي غضبك، أو يحلّ علَّ سُخْطك، لك العُتْبِى حتى تَرْضى، ولا حولَ ولا قَّة إلا بك)). نور
النبراس لوحة ٢٢٦/١، والسيرة النبوية ٤٢٠/١.
(١) ((قِطْفاً)): عنقوداً.
(٢) ((نِينوى)): قرية كانت على ساحل دجلة في أرض الموصل .
(٣) ((قرن الثعالب)): هو قرن المنازل ميقات أهل نجد، وأصل القرن: الجبل الصغير المستطيل المنقطع عن
الجبل الكبير .
- ٢٣٣ -

فرفعتُ رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني ، فنظرتُ فإذا فيها جبريلُ ، فناداني ، فقال : إن
الله قد سمعَ قولَ قومِك لكُّ وما ردُّوا عليكَ ، وقد بعثَ إليك مَلَكَ الجبال؛ لتأمَرَه بما
شئتَ فيهم . فناداني مَلَكُ الجبال، فسلَّم علَّ فقال : يا محمد ، ذلك لك فما شئتَ؟
وإن شئتَ أن أطبق عليهم الأخشَبَيْنِ(١)؟ فقال النبيَّ له: بل أرجو أن يُخْرِجَ الله من
أصلابهم مَنْ يَعبدُ الله لا يُشْرِكُ به شيئاً)) (٢).
وذكر ابنُ هشام: أن رسولَ الله عَ لِّ لما انصرفَ عن أهل الطائف ولم يُجيبوه لما
دعاهم إليه من تصديقه ونُصرته ، صار إلى حِراء ، ثم بعث إلى الأخنس بن شُرَيْق ليجيزه ،:
فقال: أنا حليفٌ، والحليفُ لا يُجير. فبعثَ إلى سُهيل بن عمرو ، فقال: إن بني عامر
لا تُجيرُ على بني كعب . فبعثَ إلى المُطْعِم بن عدّ فأجابَه إلى ذلك، ثم تسلَّحَ المطعمُ
وأهل بيته، وخرجوا حتى أُتُوا المسجدَ، ثم بعثَ إلى رسول الله عَ لّم أن ادخل، فدخلَ
رسول الله عَّله، فطاف بالبيت وصلَّى عندَه، ثم انصرفَ إلى منزله(٣)
ولأجل هذه السابقة التي سلفت للمُطعم بن عدي قال رسول الله عَ لَّه في أسارى
: بدر : لو كان المطعمُ بن عديّ حيّاً ثم كلّمني في هؤلاء النتنى لتركتُهم له .
ذكرُ إسلامِ الجِنّ
وفي انصراف رسول الله عَ لله من الطائف راجعاً إلى مكة حين يئس من خير ثقيف
مَرَّ به النفُرُ من الجِنّ وهو بنخلة(٤)؛ كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وهم فيما ذكرَ ابنُ.
(١) ((الأخشبان)): الجبلان المطيفان بمكة، وهما أبو قُبيس والأحمر، وهو جبل مشرف وجهُه على تُعَيْقِعَان
والأخشب : كل جيل خشن غليظ الحجارة .
(٢) رواه البخاري في كتاب بدء الخلق ( باب إذا قال أحدُكم ((آمين)) .. ) رقم /٣٢٣١/، ورواه مسلم
في كتاب الجهاد والسير (باب ما لقي البِّ سَ له من أذى المشركين والمنافقين) رقم/١٧٩٥/، ورواه
النساقي في السنن الكبرى
(٣) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٣٨١/١.
(٤) (نخلة)): أحد واديين، بين مكة والطائف، على ثلاثة أميال من مكة .
- ٢٣٤ -

إسحاق(١) سبعةٌ من جِن نَصِيبين، وكان رسولُ الله عَ لِ قد قام من جوف الليل وهو
يُصلّي . والخيرُ بذلك ثابت من طريق عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : قرأتُ على أبي
عبد الله بن أبي الفتح الصُّوري بمرج دمشق ، أخبركم أبو القاسم بن الحرستاني سماعاً عليه ؟
فأقَّ به . أخبرنا أبو محمد طاهر بن سهل ، أخبرنا أبو الحسين بن مكي ، أخبرنا القاضي
أبو الحسن الحلبي ، قال : حدثني إسحاق بن محمد بن يزيد ، قال : حدثنا أبو داود
- يعني سُليمان بن سيف - حدثنا أيوب بن خالد ، حدثنا الأوزاعي ، حدثني إبراهيم
ابن طريف ، حدثني يحيى بن سعيد الأنصاري ، حدثني عبدُ الرحمن بن أبي ليلى ، قال :
حدثني عبدُ الله بن مسعود ، قال :
كنتُ مع النبي عَّ ◌َلِّ ليلةَ صَرَفَ الله النفرَ من الجِن .. الحديث(٢).
وروينا من حديث (٣) أبي المعلى (٤)، عن عبد الله بن مسعود، قال : خرج رسولُ الله
عَّه قبلَ الهجرة إلى نواحي مكة فخطَّ لي خَطّاً، وقال: لا تُحْدِثن شيئاً حتى آتيكَ.
ثم قال : لا يَروعنك أو لا يهولنِّك شيءٌ تراه . ثم جلس، فإذا رجالٌ سودٌّ كأنَّهم رجال
الزَّط (٥). قال: وكانوا كما قال الله: ﴿كَادُوا يكونُون عليه لِبَدَأْ﴾(٦) [الجن: ١٩]
فأردتُ أن أقومَ فأُذبَّ عنه، بالغاً ما بلغتُ، ثم ذكرتُ عهدَ رسول الله عَلّهِ، فمكثتُ،
(١) السيرة النبوية ؛ لابن هشام ٦٣/٢ .
(٢) هذا الحديث ليس هو في الكتب الستة بهذه الطريق، والحرّاني ذكره الذهبي في ((الميزان)) وقال: عن
الأوزاعي ، له مناكير . ويرده الحديث الذي رواه مسلم والترمذي والنسائي عن ابن مسعود ، من طريق
عامر بن شراحيل السبيعي، قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله عَ ليه ليلة
الجِنّ؟ فقال علقمة: أنا سألتُ ابن مسعود، فقلتُ: هل شهدَ أحدٌ منكم مع رسول الله عَ ليه ليلةً
الجِنِّ؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله عَ ليه ذات ليلة، ففقدناه .. الحديث. نور النبراس لوحة
٠٢٢٩/١
(٣) قال في نور النبراس : حديث أبي العلاء عن ابن مسعود لم أجده في شيء من الكتب الستة .
(٤) كذا في جميع النسخ، وفي نور النبراس ((أبو العلاء)) وقال: وأبو العلاء هذا أنا لا أعرفه ، ومن تكنی
بأبي العلاء جماعة .. نور النبراس لوحة ٢٢٩/١.
(٥) (( الرُّطّ)): جنس من السودان طوال ، الواحد زطي.
(٦) ((لِبَدَاً)): متراكمين من ازدحامهم عليه تعجباً.
- ٢٣٥ -

ثم إنهم تفرّقوا عنه ، فسمعتهم يقولون : يا رسول الله، إنَّ شُقَّتَنَا بعيدة ونحن مُنطلقون ،
فزوِّدْنا .. الحديث . وفيه : فلما وَلَّوْا قلت : من هؤلاء؟ قال هؤلاء جِنُّ نَصِيبين .
وروينا من حديث أبي عبد الله الجَدَلي(١)، عن عبد الله، وفيه قال : ثم شبَّك أصابعَه
في أصابعي وقال: « إني وُعِدت أن تؤمنَ بي الجِنُّ والإِنسُ، فأمَّا الإِنسُ فقد آمنتْ بي
وأما الجِنُّ فقد رأيتَ)).
وروى أبو عمر من طريق أبي داود ، حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا أبو معاوية ، عن
الأعمش ، عن أبي ظَبْيان، عن أبي تعُبيدة بن عبد الله بن مسعود قال : لما كانت ليلةُ الجِنّ
أنت النبِّ عَ لِ سَمُرة فآذنته بهم، فخرجَ إليهم(٢) .
قال أبو داود حدثنا هارون بن معروف ، حدثنا سُفيان عن مسعر ، عن عمرو بن
مرة ، عن أبي عُبيدة؛ أن مسروقاً قال له: أبوك أخبرنا أن شجرةٌ أنذرت النبِّ عَنّة
بالچِنِّ(٢) .
وروينا حديثَ أبي فَزارة ، عن أبي زيد مولى عمرو بن حُرِيثُ ، حدثنا عبدُ الله بن
مسعود، قال: أتانا رسولُ الله عَ لّه، قال: إني قد أمرت أن أقرأ على إخوانكم من الجِنّ ،
فليقمْ معي رجلٌ منكم ، ولا يقمْ رجلٌ في قلبه مثقالُ حبّة خردل من كِبر ، فقمتُ معه ،
وأخذتُ إِدَاوة(٤) فيها نبيذ، فانطلقتُ معه فلما برزَّ خطَّ لي خطّاً وقال لي : لا تخرجْ منه
فإنك إن خرجتَ لم ترني ولم أركَ إلى يوم القيامة . قال : ثم انطلقَ فتوارى عني حتى
لم أره ، فلما سطعَ الفجرُ أقبلَ ، فقال لي : أراك قائماً . فقلتُ مَا قعدتُ . فقال : ما
عليك لو فعلتَ . قلت : خشيتُ أن أخرجَ منه . فقال : أما إنك لو خرجتَ منه لم ترني
ولم أرك إلى يوم القيامة. هل معك وضوء؟ قلت: لا، فقال: ما هذه الإِداوة ؟ قلت ::
(١) الجَدَلي: نسبة إلى جديلة، وهو عبد أو عبد الرحمن بن عبد، ثقة رُمي بالتشيع، روى عنه أبو داود
والترمذي والنسائي . تقريب التهذيب ص ٦٥٤ .
(٢) و (٣) الدرر في اختصار المغازي والسير؛ لابن عبد البر ص ٦١ .
:
وحديث مسروق من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عنه ، عن ابن مسعود ، رواه البخاري
في المناقب ومسلم في الصلاة. نور النيراس لوحة ٢٣٠/١.
(٤) ((إداوة)): إناء صغير من جلد يُتَّخذُّ للماء في الوضوء ونحوه.
- ٢٣٦ -

فيها نبيذ . قال: تمرةٌ طيِّية وماءٌ طهور. فتَوَّضأ وأقام الصلاة ، فلما قضى الصَّلاةَ قام
إليه رجلان من الجِنّ فسألاه المتاعَ . فقال: ألم آمْ لكما ولقومكما بما يُصلحكما ؟
قالا : بلى ، ولكن أحببنا أن يشهدَ بعضُنا معك الصَّلاةَ . فقال: ممن أنتما ؟ قالا: من أهل
نَصيبين. فقال: أفلح هذان وأفلح قومُهما ، وأمر لهما بالَّوْث والعظم طَعاماً ولحماً ،
ونهى النبّ عَ ◌ِّ أن يُستنجى بعظم أُو رَوْثة(١).
رويناه من حديث قيس بن الربيع وهذا لفظه .
ومن حديث الثوري وإسرائيل وشريك والجراح بن مليح وأبي عميس كلهم عن أبي
فَزارة .
وغيرُ طريق أبي فَزارة عن أبي زيد لهذا الحديث أقوى منها ، للجهالة الواقعة في أبي
زيد ، ولكنَّ أَصلَ الحديث مشهورٌ عن ابن مسعود من طرق حِسان متظافرة(٢) يشهدُ
بعضُها لبعض ويشدُّ بعضها بعضاً ، ولم تتفرَّدْ طريقُ أبي زيد إلا بما فيها من التوضؤ بنبيذ
التمر ، وليس ذلك مقصودُنا الآن . ويكفي من أمر الجن ما في سورة الرحمن ، وسورة
قل أوحي إلَّي، وسورة الأحقاف ﴿وإذْ صَرَفْنا إليكَ نفراً من الجِنّ يَستمعونَ القرآن﴾
[ الأحقاف : ٢٩ ] الآيات .
(١) رواه أبو داود في كتاب الطهارة (باب الوضوء بالنبيذ) رقم /٨٤/، والترمذي في الطهارة رقم /٨٨/
وجاء فيه [ قال: فتوضأ منه ]، وابن ماجه في الطهارة رقم /٣٨٤/، وقال الترمذي: أبو زيد رجل
مجهول عند أهل الحديث لا يعرف له كبير رواية غير هذا الحديث .
وقال النووي - رحمه الله تعالى - في شرح مسلم ١٦٩/٤: هذا صريح في إبطال الحديث المروي في
سنن أبي داود وغيره ، المذكور فيه الوضوء بالنبيذ ... وهو حديث ضعيف باتفاق المحدثين ، ومداره
على أبي زيد ، مولى عمرو بن حُريث ، وهو مجهول .
وجاء في عارضة الأحوذي لابن العربي ١٢٨/١: ويُقال: إن أبا فزارة كان نَّاذاً بالكوفة، وكان أصل
هذا الحديث: أن النبي ◌َّم قال لابن مسعود: ((ما في إداوتك؟)) قال: نبيذ. قال: ((تمرةً طيبةٌ
وماءٌ طهور)). فزاد هو فيه (( فأخذه فتوضاً به )) ينفق سلعته .
قال الإمام النووي في المجموع ٩٣/١: أما النبيذ فلا يجوز الطهارة به عندنا - أي عند الشافعية - على
١
أي صفة كان ، من عسل أو تمر أو زبيب أو غيرها ، مطبوخاً كان أو غيره ..
(٢) ((متظافرة )): متضافرة، هما بمعنى واحد، كما في القاموس.
- ٢٣٧ -

وذكر ابنُ(١) سعد أن رسولَ الله عَ لِ لم يشعر بالجِنِّ وهم يستمعون له يقرأ حتى
نزلت عليه ﴿وإذ صرفنا إليك نفراً من الجِنّ﴾ الآية.
وروينا عن ابن هشام قال : حدثني خلاد بن قُرة بن خالد السدوسي، وغيره من
مشائخ بكر بن وائل من أهل العلم ؛ أن أعشى بني قيس بن ثَعلبة ، خرجَ إلى رسول الله
عَُّ يُريد الإِسلام فقال بَمدح رسولَ الله عَلَّهِ :
أُلم تغتمضْ عيناكُّ ليلةَ أَرْمَدا
ألا أيهذا السائلي أين يَمَّمتْ
وآليتُ لا آوي لها من كَلالةٍ
متی ما تُناخي عند بابِ ابن هاشم
نبيّاً يرى ما لا ترون وذكرُه
له صدقاتٌ ما تَّخِبُّ ونَائِلٌ
أجدَّكَ لم تسمعْ وَصَاةَ محمدٍ
إذا أنتَ لم ترحل برادٍ من الثُّقى
ندمتَ على أن لا تكونَ كمثله
وبتَّ كما باتَ السَلِيمُ مُسَهَّدا(٢).
فإن لها في أهل يثربَ موعداً
ولا من حَفَا حتى تُلاقي محمدا(٣)
تراچي وتلقي من فواضله ندى
أغارَ لعمري في البلاد وأنجدًا(٤)
وليس عطاءُ اليوم مانعُه غدا(٥).
نِّ الإِلِهِ حينَ أوصى وأشهدا(٦).
ولاقيْتَ بعد الموت مَنْ قد تزوَّدا
فَتُرْصِدَ للموت الذي كان أَرْصَدا(٧)
فلما كان بمكة أو قريباً منها اعترضه بعضُ المشركين من قريش ، فسأله عن أمره ،
فأخبره أنه جاء يُريد رسولَ الله عٍَّ ليسلمَ، فقال له : يا أبا بصير! فإنه يحرم الزنا .
(١) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ٢١٢/١.
(٢) ((السليمُ)): اللديغ ، وهو من أسماء الأضداد.
(٣) (( لا آوي)): لا أشفق ولا أرحم، ويروى: لا أرثي، وهو بمعناه. ((ولا من حَفَا)): الحفى: رقة
تُصيب ◌ُفَّ البعير من كثرة المشي .
(٤) (( أغار)): من الغور، وهو ما انخفضَ من الأرض، و((أنجدا)): بلغ النجد، وهو ما ارتفع منها.
(٥) ((ما تغبَّ)): لا ينقطع تواليها.
(٦) ((أجِدُكَ)): بكسر الجيم، منصوبة على المصدرية، ملازمة للإضافة في هذا الاستعمال. والمعنى أستحلفك
في حقيقة الأمر .
(٧) ((أرصدَا)) : أعدّ.
- ٢٣٨ -

فقال الأعشى : والله إن ذلك لأمر مالي فيه من أرب . فقال : يا أبا بصير ، فإنه يحرم
الخمر . قال الأعشى : أما هذه فوالله إن في النفس منها لعُلَالاتٍ(١)، ولكني منصرف
أرتوي منها عامي هذا ، ثم آتيه فأسلم ، فانصرفَ فمات في عامه ذلك ، ولم يَعد إلى
رسول الله عَ طقم(٢) .
• قوله: ((لا آوي لها من كَلالة)) أي لا أرق. وفي هذه الأبيات عن غير ابن هشام
بعد قوله : أغارَ لعمري في البلاد وأنجدا :
به أنقذَ الله الأنامَ من العَمَى وما کان فیهم من یریمُ إلی هدی
• وقوله : فلما كان بمكة وَهَمّ ظاهر؛ لأن تحريم الخمر إنما كان بعد أحد ، وفي
الأبيات: ((فإن لها في أهل يثربَ موعداً)) وهو أيضاً مما يُبيِّن(٣) ذلك، والله أعلم .
خبرُ الطفيل بن عمرو الدَّوْسي
روينا عن محمد بن سعد ، أخبرنا محمد بن عمر ، حدثني عبد الله بن جعفر ، عن
عبد الواحد بن أبي عوف الدوسي ، وكان له حِلْفٌ في قريش ، قال : كان الطفيل شريفاً
شاعراً نبيلاً كثيرَ الضّيافة، فقدم مكةً ورسول الله عَ ليه بها ، فمشى إليه رجال من قريش ،
فقالوا : يا طُفيل ، إنك قدمتَ بلادنا، وهذا الرجلُ الذي بين أظهرنا قد أعضلَ(٤) بنا،
وفَّق جماعتنا، وشئَّتَ أمرنا ، وإنما قولُه كالسحر يُفرِّق بين الرجل وأبيه وبين الرجل
(١) ((لَعُلالات)): جمع عُلالة، وهي البقية من كل شيء.
(٢) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٣٨٦/١ - ٣٨٧.
(٣) قال السهيلي في الروض الأنف ١٣٦/٢: وهذه غفلة من ابن هشام ومن قال بقوله، فإن الناس مجمعون
على أن الخمر لم ينزل تحريمها إلا بالمدينة بعد أن مضت بدر وأحد ، وحرمت في سورة المائدة ... إلى
أن قال : فإن صح خبر الأعشى وما ذكره له من الخمر ، فلا يكن هذا بمكة ، وإنما كان بالمدينة أرجح ،
ويكون القائل له : أما علمتَ أنَّ يحرم الخمر ، من المنافقين أو من اليهود ، والله أعلم .
(٤) (( أَعضلَ بنا)): غلبنا برأيه، وضيَّق علينا أمرنا .
- ٢٣٩ -

وأخيه . قال : فوالله ما زالوا بي حتى أجمعتُ أن لا أسمع منه شيئاً، ولا أُكلِّمه ، فأبى
الله إلا أن يُسمعني بعضَ قوله ، فمكثتُ حتى انصرفَ إلى بيته ، فقلت : يا محمد ! إن
قومَك قالوا لي كذا وكذا حتى سددتُ أذني بكرسف(١) لئلا أسمعَ قولَك. فأعرضْ علَّ.
أمَرَك . فعرضَ عليه الإِسلامَ وتلا عليه القرآنَ ، فقال: لا والله ما سمعتُ قولاً قطّ أحسنَ.
من هذا ، ولا أمراً أعدلَ منه، فأسلمتُ . فقلتُ : يا نبَي الله إني امرؤ مُطاعٌ في قومي ،.
وأنا راجعٌ إليهم فداعيهم إلى الإِسلام ، فادعُ الله أن يكون لي عَوْناً عليهم . قال : اللهم:
اجعلْ له آية . فخرجتُ حتَّى إذا كنتُ بثنية تُطلعني على الحاضر وقعَ نورٌ بين عيني مثلُ
المصباح ، فقلت اللهم في غير وجهي ، فإني أخشى أن يظنوا أنها مُثْلة، فتحوَّلَ في رأس:
سوطي ، فجعل الحاضرُ يتزَاءون ذلك النورَ كالقنديل المعلّق . قال : فأتاني أبي، فقلت
له . قال : ديني دينُك فأسلم . ثم أتتني صاحبتي ، فذكر مثل ذلك ، فأسلمت ، ثم دعوتُ
دَوْساً إلى الإِسلام فأبطؤوا علَّي، ثم جئتُ رسولَ الله عَِّ بمكة، فقلتُ يا رسول الله !
قد غلبتني دَوْسٌ ، فادعُ الله عليهم . فقال : اللهم اهدِ دَوْساً ، فخرجتُ إليهم ، ثم قدمت
على رسول الله عَّله بمن أسلم من قومي وهو بخيبرَ بسبعين أو ثمانينَ بيتاً من دَوْس ، فأسهمَ
لنا مع المسلمين، وقلنا: يا رسولَ الله ! اجعلنا ميمنتَك، واجعلْ شعارنا (( مبرور)).
ففعلَ ، ثم قلت بعد فتح مكة يا رسول الله ! ابعثني إلى ذي الكَفّين صنمِ عمرو بن
حُمَمَة حتى أحرقَه ، فبعثه وجعل الطفيل يقول :
يا ذا الكَفَين لستُ من عبَاد كا ميلادُنا أكبرُ من ميلاد كا(٢)
إني حشوتُ النَّارَ في فؤادكا
قال: فلما أحرقتُه أسلموا جميعاً ، ثم قُتل الطفيل باليمامة شهيداً . والخبر عند ابن
سعد(٣) طويلٌ وأنا اختصرتُهِ .
(١) ((بكُرْسُف)): بقطن.
(٢) ((الكفين)) : خففت الفاء للضرورة الشعرية.
(٣) الطبقات الكبرى ؛ لابن سعد ١٥٧/٢.
- ٢٤٠ _