النص المفهرس
صفحات 161-180
وبین رزق ساقه الله إلي . فقال الراعي : هل أعجبُ من ذئب مقع على ذنبه يكلمني بكلام الإِنس. فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجبَ مني؟ رسولَ الله عَّ له بين الحرتين، يحدث الناس بأنباء ما قد سبقَ. فساق الراعي شاءَه فأتى المدينة فغدا على رسول الله عَّه يُحدِّثه بما قال الذئب . فقال رسول الله عَ له: صدق الراعي، إن من أشراط الساعة كلامُ السِّباع الإِنسَ ، والذي نفسي بيده لا تقومُ الساعة حتى يُكلِّم الرجلَ شِراكُ نعله ، وعذبة صوته ، ويُخبرَه بما صنع أهلُه (١). وذكر الواقدي بإسناد له ، قال : كان أبو هريرة يُحدث أن قوماً من خثعم كانوا عند صنم لهم جلوساً . - وكانوا يتحاكمون إلى أصنامهم - وفيه : قال أبو هريرة رضي الله عنه : فبينا الختعميون عند صنمهم إذ سمعوا هاتفاً يهتف : ومسندو الحكم إلى الأصنام يا أيُّها الناس ذوو الأجسام أما ترون ما أرى أمامي أكلُكم أَوْرَهُ(٢) كالكَهام ذاك نبّ سيّدُ الأنام من ساطعٍ يجلو دُجى الظلام مستعلنٌ بالبلد الحرام من هاشم في ذُروة السَّنام أكرمه الرحمنُ من إمام جاء يهدُّ الكفر بالإِسلام قال أبو هريرة : فأمسكوا عنه ساعة حتى حفظوا ذلك ، ثم تفرقوا فلم تمض بهم ثالثة حتى فجأهم (٣) خبرُ رسول الله عَّلِ أنه قد ظهر بمكة. فما أسلم الخثعميون حتى استأخر إسلامُهم ورأوا عبراً عند صنمهم (٤) . = سنة ١٨٠ هـ . نور النبراس لوحة ١٦١/١ والميزان ١٨١/٤. (١) رواه الإمام أحمد في المسند ٨٤/٣، وإسناده حسن، كما أخرجه بإسناد له آخر إلى شهر عن أبي سعيد فذكر نحوه ، وذكر أيضاً من حديث أبي هريرة ، فذكر نحوه ، وهذا في الصحيح باختصار . نور النبراس لوحة ١٦١/١ . (٢) (( أَوْرَهُ كَالكَهام)): الأُوْرَهُ: الأحمق ، والكهام: بفتح الكاف، الرجل الكليل الذي لا غناء عنده في رأي أو حركة . (٣) ((فجأهم)): يقال: فجأة الأمر وفجئه : أناه بغتة. (٤) الاكتفاء ٢٢٣/١ عن الواقدي، وتهذيب ابن عساكر ٣٦٥/١ عن ابن إسحاق، والسيرة الشامية ٢٨٥/٢. - ١٦١ - قال ابن إسحاق : وحدثني علي بن نافع الجُرَشي؛ أن جَنْباً ـ بطناً : - من اليمن كان لهم كاهن في الجاهلية ، فلما ذُكر أمُرُ رسول الله عَّه وانتشر في العرب، قالت له جُنْبُ: انظر لنا في أمر هذا الرجل . واجتمعوا إليه في أسفل جبل ، فنزل إليهم(١) حين طلعت الشمس ، فوقف لهم قائماً متكئاً على قوس له ، فرفع رأسه إلى السماء طويلاً ، ثم جعل ينزو ، ثم قال: أيُّها الناس إن الله أكرم محمداً واصطفاه ، وطهَّر قلبه وحشاه (٢)، ومكثه فيكم أيها الناس قليل . ثم اشتد في جبله راجعاً من حيث جاء(٣). والأخبار (٤) في هذا كثيرة . (١) في ((أ)) و(( ب)) : عليهم (٢) (حَشَاهُ)): مفرد أحشاء (٣) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢٠٩/١. (٤) انظر هذه الأخبار في السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢٠٤/١ - ٢٠٠٩ ودلائل النبوة؛ لأبي نعيم ١١٤/١ - ١٢٧، ودلائل النبوة؛ للبيهقي ٧٤/٢ - ١٢٠، والسيرة النبوية؛ لابن كثير: ٢٨٦/١ - ٣٠٨ والسيرة النبوية من تاريخ الإسلام اللذهبي ص ٢٠٢ - ٢٠٩، والسيرة الشامية. ٢٤٦/٢ - ٢٨٠، وغيرها . - ١٦٢ - ذكر المبعث متى وجبت له عَ لِّ النبوة ؟ قُرىء على أبي عبد الله محمد بن عبد المؤمن بن أبي الفتح الصُّوري وأنا أسمع ، أخبركم أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل بن الحَرَسْتاني قراءةً عليه وأنتم تسمعون ؟ فأقرّ به . قال أنبأنا أبو محمد عبد الكريم بن حمزة بن أبي الخَضر السُّلَمي سماعاً عليه ، أنبأنا أبو محمد عبد العزيز بن أحمد الكَتَّاني(١)، أنبأنا تمَّام بن محمد الرازي، أنبأنا أحمد ابن سُلیمان ، حدثنا یزید بن محمد ، حدثنا أبو الجُمَاهر ، حدثنا سعيد بن بشير ، حدثنا قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ أن رسولَ الله عَ لمه قال: ((كنتُ أوّلَ النبيين في الخلق وآخرَهم في البعث))(٢). أخبرنا محمد بن إسماعيل بن عبد الله بن الأنماطي بقراءة والدي عليه وأنا أسمع ، أنبأنا ابن الحرستاني سماعاً، وأبو الحسن المؤَيَّد ابن محمد بن علي الطرسوسي إجازةً ، قال: أنبأنا ابن الحرستاني أنبأنا الإمام أبو عبد الله محمد ابن الفضل بن أحمد الفَزاري (٣)، أنبأنا أبو حفص بن مسرور ، أنبأنا أبو عمرو بن نُجَيد (٤)، حدثنا محمد بن أيوب الرازي، أنبأنا محمد بن سنان العَوَقي، حدثنا إبراهيم بن (١) الكَتَّاني: بفتح الكاف وتشديد التاء ، وهو محدث دمشق ، أبو محمد ، عبد العزيز بن أحمد بن محمد ابن علي بن سليمان الكتاني ، حدث عن تمام الرازي وطبقته ، توفي سنة ٤٦٦ هـ . نور النبراس لوحة ١٦٢/١. (٢) قال الحافظ المحدِّث سبط ابن العجمي: هذا الحديث ليس في الكتب الستة، والحسن البصري لم يسمع من أبي هريرة ، وما رآه قط .. وسعيد بن بشير ؛ قال البخاري : يتكلمون في حفظه ، ووثقه غيره .. نور النبراس لوحة ١٦٢/١. (٣) الفَزاري : نسبة إلى فزارة ؛ بُليدة من ثغر خراسان ، وهي بفتح الفاء وضمها ، وهو الملقب بفقيه الحرم ، من تلامذة إمام الحرمين ، كان رجلاً فقيهاً صالحاً محدّثاً، توفي سنة ٥٣٠ هـ . نور النبراس لوحة ١٦٢/١. (٤) ابن نُجَيْد : اسمه إسماعيل بن نُجَيْد بن أحمد بن يوسف النيسابوري، حدث عن محمد بن أيوب الرازي وأبي مسلم الكِجِّي وغيرهما ، وهو أحد الأئمة ، نور النبراس لوحة ١٦٣/١. - ١٦٣ - طهمان، عن بُديل، عن عبد الله بن شقيق، عن ميسرة الفَجْر(١) ، قال: قلت يا رسول الله متى كنتَ نبياً قال: ((كنتُ نبياً وآدمُ بين الروح والجسد))(٢). كم كانت سِتُّه عَِّ حين بُعث ؟ أخبرنا أبو حفص عمر بن عبد المنعم بن القوَّاس بقراءتي عليه بعِرْبيل بغوطة دمشق ، قلتُ له أخبركم القاضي الإِمام أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل الأنصاري قراءة عليه بحضورك في الرابعة ؟ فأَقَّر به . قال : أخبرنا جمال الإِسلام أبو الحسن السُّلمي ، أخبرنا أبو نصر الحسين بن محمد بن طَلَّاب، أخبرنا أبو الحسين بن جُمَيْع ، حدثنا خالد ابن محمد بدِمْياط ، حدثنا محمد بن علي الصائغ ، حدثنا محمد بن بشير التِّنيسيّ ، حدثنا الأوزاعي، حدثني ربيعة بن أبي عبد الرحمن، حدثني أنس بن مالك: أن رسول الله عَ اه بُعث على رأس الأربعين وقُبض على رأس الستين وما في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء (٣). (١) الفَجْر: هو بإسكان الجيم، وقيده البخاري في ((التاريخ)) بفتحها، وكذا الجوهري في الصحاح. وميسرة الفجرَ : صحابي ، ذكره البخاري والبغوي وابن السكن وغيرهم في الصحابة .. وقيل إن اسمه عبد الله · ابن أبي الجدعاء، وميسرة لقبه. الإصابة ٤٧٠/٣. (٢) رواه الإمام أحمد في المسند ٥٩/٥، وقال الحافظ ابن حجر في الإصابة : إسناده قوي لكن اختلف على بديل بن ميسرة .. وسئل العلامة أبو العباس بن تيمية عن حديث (( كنت نبياً وآدم بين الماء والطين ، وكذا (( كنت نبياً ولا ماء ولا طين)) فقال: هذا اللفظ كذب وباطل، والمأثور رواه الترمذي وغيره ((وآدم بين الروح والجسد)). نور النبراس لوحة ١٦٣/١. ورواه الترمذي في المناقب (باب ما جاء في فضل النبي عَئه ) رقم / ٣٦١٣/ عن أبي هريرة ، وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح ، وهو عند الإمام أحمد في المسند ٦٦/٤ و ٣٧٩/٥ من حديث عبد الله بن شقيق عن رجل .. (٣) رواه مسلم في كتاب الفضائل ( باب في صفة النبي ، ومبعثه، وسنه ) رقم /٢٣٤٧/ ؛ حدئنا يحيى بن يحيى ، قال : قرأتْ على مالك ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن أنس بن مالك ... وذكره بأطول مما ذكره ابن سيد الناس رحمه الله تعالى . وقال النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم: الصوابُ أنه عَِّ بُعث على رأس الأربعين سنة. هذا هو المشهور الذي أطبق عليه العلماء . شرح النووي على صحيح مسلم ٩٩/١٥. - ١٦٤ - خبر عموم بعثتِهِ عليه الصلاة والسلام(١) أخبرنا أبو محمد عبد العزيز بن عبد المنعم الحرّاني بقراءة والدي عليه ، أخبركم أبو علي ضياء بن أبي القاسم بن الخُرَيْف ؟ أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد الأنصاري أخبرنا أبو الحسن علي بن عيسى الباقلاني ، أخبرنا أحمد بن جعفر ، حدثنا الحسن بن الطيب(٢) البلخي ، حدثنا قُتيبة بن سعيد، حدثنا بكر بن مضر ، عن ابن الهادي ، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه(٣)، عن جده؛ أن رسول الله عَ ليه عامَ تَبوك قام من الليل يُصلي ، فاجتمع رجالٌ من أصحابه يحرسُونه ، حتى إذا صلَّى وانصرفَ إليهم ، قال لهم : ((لقد أُعطيت الليلة خمساً ما أُعطيَهنَّ أحدٌ قبلي: أما أولاهن فأرسلتَ إلى الناس كلهم عامة وكان من قبلي إنما يُرسل إلى قومه . ونُصرتُ بالرعب على العدو ولو كان بيني وبينه مسيرةٌ شهر لملىء مني رعباً . وأُحلت لي الغنائم كلُّها ، وكان من قبلي يعظمونها وكانوا يحرمونها . وجُعلت لي الأرضُ مسجداً وطهوراً أينما أدركتني الصلاة تمسَّحتُ وصَلَّيتُ ، وكان مَنْ قبلي يُعظمون ذلك إنما كانوا يُصلُّون في كنائسهم وبيعهم . والخامسة : قيل لي سلْ فإن كلَّ نبي قد سأل ، فأَّرتُ مسألتي إلى يوم القيامة ، فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله ))(٤) . (١) كذا في ((أ)) وفي بقية النسخ ((إلى الأسود والأحمر)). (٢) الحسن بن الطيب البلخي : عن قتيبة ، قال ابن عدي كان له عم يقال له الحسن بن شجاع ، فادعى كتبه، وحدَّث أيضاً بأحاديث سرقها . وقال البْقَاني: ذاهب الحديث، وقال الدارقطني : لا يساوي شيئاً .. توفي سنة ٣٠٧ هـ . ميزان الاعتدال ٥٠١/١ . (٣) عمرو بن شعيب : عن أبيه ، أي عن شعيب بن محمد والد عمرو . عن جده : أي عن جد شعيب ، وهو عبد الله بن عمرو بن العاص ؛ لأن شعيباً لم ير أباه ، إذ مات أبوه وهو صغير ، فروايته إنما هي عن جده الذي نشأ وتربَّى في كنفه . وعمرو بن شعيب: حجة إذا صحَّ السند إليه على القول الأكثر .. انظر نور النبراس لوحة ١٦٥/١ . (٤) رواه الإمام أحمد في «المسند » ٢٢٢/٢ عن قتيبة بن سعيد، حدثنا بكر بن مضر عن ابن الهادي ، عن عمرو بن شعيب .. وذكره في مجمع الزوائد ٣٦٧/٨ وقال : رواه أحمد ورجاله ثقات . وقال أحمد شاكر رحمه الله تعالى تحت رقم /٧٠٦٨/، إسناده صحيح . أما الحسن بن الطيب فقد ورد في سند المؤلف ولم يؤثر في ضعف الحديث شيئاً ، لورود الحديث من طريق آخر صحيح . - ١٦٥ - قرىء على عبد الرحيم بن يوسف الموصلي وأنا أسمع ، أخبركم ابنَ طَبْرزَذ، أخبرنا. ابن(١) الحُصَّيْن، أخبرنا ابنُّ غيلان(٢)، عن أبي بكر (٣) الشافعي ، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن مسلم ، حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا شعبة ، عن أبي بشر(٤) ، عن سعيد بن جبير، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله عَله: ((مَنْ سمع بي من يهودي أو نصراني ثم لم يُسلم دخلَ النار))(٥) إِ قال ابنُ إسحاق فلما بلغَ رسولُ الله عَ لّه أربعين سنة بعثه الله رحمةً للعالمين وكافةً للناس، . وكان الله قد أخذَ له الميثاق على كل نبّ بعثَه قبلَه بالإِيمان به والتصديق له والنصر على من خالفه ، وأخذ عليهم أن يؤدوا ذلك إلى كل من آمن بهم وصدَّقهم، فأدَّوْا من ذلك ما كان عليهم من الحق فيه، يقول الله تعالى لنبيّه محمد عَّ له: ﴿وإذْ أُخذَ الله ميثاقَ النبيِّينَ لما آتيتكُم من كتابٍ وحِكْمَة ثم جاءَكم رسولٌ مُصدّقٌ لما معكم لَتُؤْمِنُنَّ به ولتنصُرتَّه قال : ◌َأَقْررتُم وأخذتُم على ذلكم إِصْري﴾ أي: ثقل ما حملتكم من عهدي ﴿ قالوا أقرَرْنا قال فاشهدُوا وأنا معكم من الشَّاهدين﴾ [ آل عمران: ٨١] فأخذ الله الميثاقَ عليهم جميعاً: بالتصديق له والنصر، وأدَّواْ ذلك إلى من آمن بهم وصدَّقَهم من أهل هذين الكتابين(٦). وعن عائشة رضي الله عنها: أن أوَّلَ ما ابتدىء به رسولُ الله عَ لَّلِ من النبوة حين أراد الله به كرامته ورحمةَ العباد به الرؤيا الصادقة ، لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح(٧)، وحَبَّبَ الله إليه الخلوة ، فلم يكن شيءٌ أحبَّ إليه من أن يخلوَ وحده(٦). وروينا عن أبي. (١) ابن الحُصين: هو المسند الرئيس أبو القاسم هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن الخصين الشبيباني . (٢) ابن غَيْلان : هو أبو طالب محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان البزاز . (٣) أبو بكر الشافعى : هو محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي، الإمام الحجة ، محدث العراق البغدادي ، قال الخطيب : كان ثقة ثبتاً كثير الحديث حسن التصنيف .. توفي سنة ٣٤٤ هـ نور النبراس لوحة ٠١٦٥/١ -٠ (٤) أبو بِشر: جعفر بن أبي وَخشيّة، صدوق معروف، ضعَّف يحيى بن القطان روايته عن حبيب بن سالم خاصة . ميزان الاعتدال ٤٩٥/٤ . (٥) أخرجه النسائي في السنن الكبرى، في كتاب التفسير، وإنما آثر المؤلف روايته من ((الغيلانيات)) ولم يذكره من النسائيّ؛ لأنه يقُع له أعلى .. نور النبراس لوحة ١٦٦/١. (٦) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢٣٣/١ - ٢٣٤. (٧) ((فلق الصبح)): ضياؤه وإنارته .. - ١.٦٦ - پشر الدُّولابي : حدثني محمد بن ◌ُمید أبو قرة ، حدثنا سعيد بن عیسی بن تلید ، حدثني المفضل بن فضالة ، عن أبي الطاهر عبد الملك بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم ، عن عمه عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، أنه كان من بدء أمر رسولِ الله عَ له أنه رأى في المنام رؤيا فشقّ ذلك عليه ، فذكر ذلك لصاحبته خديجة بنت خويلد ، فقالت له : أبشرٍ فإن الله لا يصنعُ بك إلا خيراً ، فذكر لها أنه رأى أن بطنه أُخرج فطُهِّر وغُسل، ثم أُعيد كما كان . قالت : هذا خير فابشر . ثم استعلنَ(١) به جبريلُ ، فأجلسَه على ما شاء الله أن يجلسَه عليه وبشّره برسالة ربه حتى اطمأن ، ثم قال: اقرأ. قال كيف أقرأ. قال: ﴿اقرأ باسم رَبّك الذي خلقَ. خلقَ الإِنسانَ من عَلَق. اقرأ وربُّك الأكرم﴾ [العلق: ١ - ٣]. فقبلَ رسولُ اللهِ مَّله رسالةَ ربه، وأَتَّبِعَ الذي جاء به جبريلُ من عند الله، وانصرفَ إلى أهله، فلما دخل على خديجةَ قال: ((أرأيتك الذي كنت أحدثك ورأيته في المنام فإنه جبريل استعلن)) فأخبرَها بالذي جاءه من الله عز وجل وسمعَ . فقالت : ابشر فوالله لا يفعل الله بك إلا خيراً ، فاقبل الذي أتاك الله ، وابشر فإنك رسولُ الله حقاً(٢) . وروينا من طريق الدولابي عن محمد بن عايذ ، حدثنا محمد بن شُعيب ، عن عثمان ابن عطاء الخراساني ، عن أبيه عطاء بن أبي مسلم ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : بعثَ الله عز وجل محمداً على رأس خمس سنين من بنيان الكعبة ، وكان أول شيء أراه إياه من النبوة رؤيا في النوم ، فذكر نحو ما تقدم ، وفي آخره : فلما قُضي إليه الذي أُمر به، انصرفَ رسولُ الله عَّه منقلباً إلى أهله لا يأتي على حجر ولا شجر إلا سلَّم عليه: سلامٌ عليك يا رسول الله . فرجعَ إلى بيته وهو موقنٌ قد فاز فوزاً عظيماً - الحديث(٣). وروينا من طريق مسلم ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا يحيى بن أبي بُكير ، (١) ((أستعلن)): جاءه علانية وجهاراً. (٢) رواه الدولابي ، وهو مرسل ، إسناده حسن . (٣) رواه الدولابي، وإسناده ضعيف ، فيه عثمان بن عطاء بن أبي مسلم الخراساني ، يروي عن أبيه ، ضعفه مسلم ، ويحيى بن معين ، والدار قطني. وعطاء بن أبي مسلم الخراساني ، ضعَّفه البخاري ، وروايته عن ابن عباس مرسلة، قال أبو داود: لم يدرك ابن عباس. وانظر ميزان الاعتدال ٤٨/٣ - ٤٩ و ٧٣ - ٧٥ . - ١٦٧ - عن إبراهيم بن طهمان ، قال : حدثني سماك بن حرب ، عن جابر بن سمرة ، قال : قال رسول الله عَلِ: ((إني لأعرفُ حجراً بمكة كان يُسلِّم علّ قبل أن أُبعث، إني لأعرفه الآن.))(١) .. وفي رواية يونس عن ابن إسحاق بسنده إلى أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل ؛ أن رسولَ الله عَ لِ قال لخديجةَ: إني إذا خلوتُ وحدي سمعتُ نداءً، وقد خشيتُ والله أن يكون لهذا أمّرٌ . قالتْ : معاذ الله، ما كان الله ليفعل ذلك بك ، فوالله إنك لتؤدي الأمانة، وتصلُ الرحم ، وتصدق الحديث. فلما دخل أبو بكر وليس رسولُ الله مَ الَه ثَمّ ، ذكرت خديجةُ له ، فقالت: يا عتيق اذهب مع محمد إلى ورقة، فلما دخل رسولُ اللهِ عَ لّ أخذ أبو بكر بيده وقال : انطلق بنا إلى ورقة ، فقال : ومن أخبرك ؟ قال : خديجة . فانطلقًا إليه ، فقصَّاً عليه ، فقال: إني إذا خلوتُ وحدي سمعت نداءً خلفي يا محمد يا محمد ، فأنطلق هارباً في الأرض ، فقال له : لا تفعل ، إذا أتاك فاثبتْ حتى تسمعَ ما يقولُ لك ثم اثني ، فأخبرني ، فلما خلا ناداه يا محمد يا محمد ، قل : بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين. حتى بلغ ولا الضالين . قل : لا إله إلا الله. فأتى ورقةَ فذكَر له ذلك . فقال له ورقة : ابشر فأنا أُشهدُ أنك الذي بشّ به ابنُ مريم وأنك على مثل ناموس موسى ، وأنك نبِي مرسل ، وأنك ستؤمر بالجهاد بعد يومك هذا، ولئن أدركني ذلك لأجاهدنَّ معك: فلما توفي ورقةُ قال رسول الله عَ لَّهِ: ((لقد رأيتُ القَسَّ في الجنة وعليه ثياب الحرير ؛ لأنه آمنَ بي وصدقني )) - يعني ورقة(!) - . وروینا عن أبي بكر الشافعي ، حدثنا محمد بن يونس بن موسى ، حدثنا عثمان بن عمر ابن فارس ، أخبرنا علي بن المبارك الهنائي، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة قال : سألتُ جابر بن عبد الله فقال: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسولُ الله عَ لمه، قال: ((جاورتُ بحراء ، فلما قضيت جواري هبطتُ ، فُنُوديت فنظرتُ عن يميني فلم أر شيئاً ، فنظرتُ (١) رواه مسلم في كتاب الفضائل (باب فضل نسب النبي عَ ◌ّم وتسليم الحجر عليه قبل النبوة ) رقم /٢٢٧٧/ ٠ (٢) السيرة الشامية ٣٢٦/٢، وقال محمد بن يوسف الصالحي: رواه البيهقي وأبو نعيم .. وفي سنده انقطاع .. وقال سبط ابن العجمي: وهذا الحديث مرسل، وهذا ظاهر. نور النبراس لوحة ١٦٨/١ . - ١٦٨ - عن يساري فلم أر شيئاً ، فنظرتُ من خلفي فلم أر شيئاً ، فرفعتُ رأسي فرأيتُ شيئاً بين السماء والأرض ، فأتيتُ خديجةَ فقلتُ دثروني وصُبُّوا علَّي ماءً بارداً )) . فدثروني وصَبُّوا علّ ماءً بارداً، فنزلت هذه الآية: ﴿يا أيها المدثر. قم فأنذر. وربَّك فكِّر ﴾ [ المدثر: ١ - ٣] رواه(١) مسلم عن ابن مثنى ، عن عثمان بن عمر بن فارس . وروينا من حديث الزهري قال أخبرني عروة بن الزبير؛ أن عائشة زوجَ النبي عَّه أخبرته: أنها قالت: كان أوّل ما يُدىء به رسولُ الله عَ له من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبِّبَ إليه الخلاء ، فكان يخلو بغار حراءَ يتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي أولات(٢) العدد قبل أن يرجعَ إلى أهله ويتزودَ لذلك ، ثم يرجعُ إلى خديجة فيتزودُ لمثلها ، حتى فجأهُ الحقُّ وهو في غار حراء ، فجاءه الملك فقال : اقرأ . قال : ما أنا بقارىء. قال : فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد(٣)، ثم أرسلني، فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارىء. قال: فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال : اقرأ . فقلت: ما أنا بقارىء . فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني فقال: ﴿اقرأْ باسم ربِّكَ الذي خلق. خلقّ الإِنسانَ مِن عَلَق . اقرأ وربّك الأكرم. الذي عَلَّمَ بالقلم. عَلَّمَ الإِنسانَ ما لم يعلم﴾ [ العلق: ١ - ٥ ] فرجعَ بها رسولُ اللهِ عَلَّه ترجف بوادرُه(٤) حتى دخل على خديجةً ، فقال: زملوني زملوني ، فزملوه حتى ذهبَ عنه الرّوْعِ ، ثم قال لخديجة : أي خديجة ، مالي ؟ وأخبرها الخبرَ . قال: لقد خشيتُ على نفسي . قالت له خديجة : كلا ، ابشر فوالله لا يُخزيك الله أبداً ، إنك لتصلُ الرحم وتصدق الحديث ، وتحمل الكلّ وتَكْسِبُ المعدومَ ، وتَقري الضيفَ ، وتُعين على نوائب الحق . فانطلقتْ به خديجةُ حتى أتتْ به ورقة بن نوفل ابن أسد بن عبد العزى ، وهو ابن عم خديجة أخي أبيها ، وكان امرأً تنصر في الجاهلية ، (١) رواه مسلم في الإيمان (باب بدء الوحي إلى رسول الله عَليه) ، وهو عند البخاري في بدء الوحي رقم /٤/ والترمذي والنسائي. ولكن المؤلف رحمه الله تعالى آثر روايته من ((الغيلانيات)) ليقع له أعلى إسناداً. (٢) كذا في جميع النسخ، وفي البخاري ((ذوات)). (٣) ((الجُهْدُ)): بالضم، الطاقة. و((الجَهْدُ)): بالفتح، المشقة. (٤) ((بوادره)): جمع بادرة، وهي اللحمة تكون بين عنق الإنسان ومنكبه، وكذلك في غير الإنسان. - ١٦٩ - وكان يكتبُ الكتابَ العربي ، ويكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتبَ ، وكان شيخاً كبيراً قد عمي . فقالت له خديجة : أي عم ، اسمع من ابن أخيك . قال ورقة بن نوفل يا ابن أخي ماذا ترى ؟ فأخبره رسولُ الله عَِّ خَبَرَ ما رأى. فقال له ورقةُ: هذا الناموسُ الذي أنزل على موسى ، يا ليتني فيها جَذَعَاً ، يا ليتني أكون حياً حين يُخرجك قومُك. قال رسولُ الله عَّهِ: أو مخرجي هم ؟ قال ورقة: نعم لم يأتِ رجلٌ قط بما جئت به إلا عُودي وإن يُدركْني يومُّك أنصرْك نصراً مؤزراً . رويناه من حديث مسلم عن أبي الطاهر عن ابن وهب بن يونس عنه ، وهذا لفظه(١). ورويناه من طريق البخاري وغيره ولفظهم متقارب . ورويناه من طريق الدولابي ، حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، حدثنا عبد الله بن وهب ، أخبرني يُونسُ بن يزيد ، عن الزهري ، عن عروةَ عن عائشة رضي الله عنها ، فذكر نحوَ ما تقدم ، وفي آخره : ثم لم يَنْشَبْ ورقةُ أن توفي ، وفترَ الوحي فترةٌ حتى ◌ِزنَ رَسُولُ: الله عَِّ فيما بلغنا حزناً عدا منه مِراراً كي يتردَّى من رؤوس شواهق الجبال ، فكلما: أوفى بذروةٍ کي يُلقي نفسه منها ، تبدَّى له جبريل عليه السلام ، فقال : يا محمد ، إنك رسولُ الله حقاً ، فيسكن لذلك جاشُه، وتقُّ نفسُه ، فيرجعُ ، فإذا طال عليه فترةُ الوحي غدا لمثل ذلك ، فإذا أوفى ذروة تبدَّى له جبريلُ فقال مثل ذلك (٢). وعن عُبيد بن مُمير: كان رسولُ الله عَّه يجاور في حراء من كل سنة شهراً ، وكان ذلك مما تتحنّثُ به قريش في الجاهلية - والتحنث التبُّر - فكان يُجاور ذلك الشهر من كل سنة ، يُطعم من جاءه من المساکین ، فإذا قضى جوارهُ من شهره ذلك كان أوُّل ما يبدأ به إذا انصرف قبل أن يدخل بيته : الكعبة، فيطوفُ بها سبعاً أو ما شاء الله، ثم يرجعُ. إلی بیته حتی إذا کان الشهر الذي أراد الله به فيه ما أراد من کرامته ، وذلك الشهر رمضان ، خرج رسول الله عَّ إلى جِراء كما كان يخرج لجواره ، ومعه أهله ، حتى إذا كانت الليلة (١) رواه البخاري في کتاب بدء الوحي ( باب ٣) رقم /٣/، ومسلم في كتاب الإيمان ( باب بدء الوحي برسول الله عَليه) رقم / ١٦٠/، والترمذي في كتاب المناقب (باب رقم ١٣) رقم /٣٦٣٦/. (٢) رواه البخاري في كتاب التعبير (باب أول ما بدىء به رسول الله عَ ليه من الرؤيا الصالحة) رقم /٦٩٨٢/ وهذه الزيادة من بلاغات الزهري وليست موصولة. انظر فتح الباري ٣٥٩/١٢ . - ١٧٠ - التي أكرمه الله فيها برسالته ، ورحم العباد بها ، جاءه جبريل بأمر الله تعالى ، قال رسول الله عَ له: فجاءني وأنا نائم بنمط من دِيباج(١) فيه كتاب، فقال: اقرأ. قلتُ: ما أقرأ. فغتني به حتى ظننت أنه الموت ، ثم أرسلني فقال: اقرأ . فقلت ما أقرأ. فغتني(٣) به حتى ظننتُ أنه الموت . ثم أرسلني فقال : اقرأ ، قلتُ : ماذا أقرأ ؟ ما أقولُ ذلك إلا اقتداءً منه أن يعودَ لي بمثل ما صنعَ . قال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلقَ الإِنسانَ من علق. اقرأ وربُّك الأكرم. الذي عَلَّمَ بالقلم. عَلَّمَ الإِنسانَ ما لم يَعلم﴾ [العلق: ١ - ٥]. فقرأتُّها ، ثم انتهى فانصرف عني ، وهبيتُ من نومي فكأنما كُّبَ في قلبي كتاباً ، فخرجتُ حتى إذا كنت في وسطٍ من الجبل ، سمعتُ صوتاً من السماء يقولُ : يا محمد ! أنتَ رسولُ الله وأنا جبريل. فرفعتُ رأسي إلى السماء أنظر فإذا جبريل في صورة رجل صَافٌ قدميه في أفق السماء ، يقول : يا محمد أنت رسولُ الله وأنا جبريل . فوقفتُ أَنْظُرُ إليه فما أتقدَّم وما أتأخر ، وجعلتُ أصرف وجهي عنه في آفاق السماء ، فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيتُه كذلك ، فما زلتُ واقفاً ما أتقدم أمامي وما أرجعُ ورائي حتى بعثتْ خديجةُ رسلَها في طلبي ، فبلغوا مكةَ ورجعوا إليها وأنا واقفٌ في مكاني ذلك ، ثم انصرفَ عني وانصرفتُ راجعاً إلى أهلي ، حتى أتيتُ خديجةَ فجلستُ إلى فخذها مُضِيفاً(٣) إليها . فقالت : يا أبا القاسم أين كنت ؟ فوالله لقد بعثتُ رسلي في طلبك ، فبلغوا مكة ورجعوا إلي . ثم حدثتها بالذي رأيتُ ، فقالت : ابشر يا ابنَ عمي. واثبت ، فوالذي نفسي بيده ، إني لأرجو أن تكونَ نبَّي هذه الأمة . ثم قامتْ فجمعتْ عليها ثيابَها ثم انطلقتْ إلى ورقةً ابن نوفل ، وهو ابن عمها ، وكان قد تنصر وقرأ الكتب ، وسمع من أهل التوراة والإنجيل ، فأخبرته بما أخبرها به رسولُ الله عَلِ أنه رأى وسمع. فقال ورقةُ : قدوس(٤) قدوس ، والذي نفسي بيده ، لئن كنتِ صدقتني يا خديجة ، لقد جاءه الناموسُ الأكبر الذي كان (١) ((بنمط من ديباج)): النمط: البساط، والديباج: الحرير المزركش، المنسوج. (٢) (فقتني)): الغت: حبس النفس. (٣) (( مُضيفاً)): مُسنداً. (٤) ((قدوس)): القدوس: اسم من أسماء الله الحسنى، ومعناه: الطاهر والمنزه عن العيوب والنقائص، وهي هنا للتعجب ، مثل قول القائل في مواقف التعجب : الله ! الله ! . - ١٧١ - يأتي موسى ، وإنه لنبي هذه الأمة ، فقولي له فليثبتْ . فرجعتْ خديجةُ إلى رسول الله عَ الله فأخبرته بقول ورقة فلما قضى رسولُ الله عَلِ جِوارَه وانصرفَ صنعَ كما كان يصنعُ ، بدأ بالكعبة فطافَ بها فلقيَه ورقةُ بن نوفل وهو يطوفُ بالكعبة ، فقال له: يا ابن أخي ! أخبرني بما رأيتَ وسمعتَ. فأخبره رسولُ الله عَّله. فقال له ورقةُ : والذي نفسي بيده إنك لنبُّ هذه الأمة، ولقد جاءك الناموسُ الأكبرُ الذي جاء موسى، ولَتُكَذبنَّه وَلَتُؤْذِينَّه وَلَتُقْتَنَّه ، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرنَّ الله نصراً يعلمه. ثم أدنى رأسه منه فقَّل يأفوخه ، ثم انصرف. رسول الله عَطٍّ إلى منزله(١). وروينا عن أبي بشر ، حدثنا عبد الله بن عبد الرحيم ، حدثنا عبد الملك بن هشام ، عن زياد ، قال : قال محمد بن إسحاق : حدثني إسماعيل بن أبي حكيم، مولى آل الزبير أنه حُدِّثَ عن خديجة، أنها قالت لرسول الله عَلِ : أي ابنَ عم ! أتستطيعُ أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك ؟ قال : نعم ، قالت : فإذا جاءك فأخبرني به. فجاءَه جبريلُ عليه السلام. فقال رسولُ الله عَِّ يا خديجةُ: هذا جبريلُ قد جاءني . قالت : قُم يا ابنَ عم فاجلسْ على فخذي اليُسرى . قال : فقام رسول. الله عَ لِّ فجلسَ عليها ، قالت : هل تراه ؟ قال : نعم . قالت : فتحول فاقعد على فخذي اليمنى. قال فتحولَ رسولُ اللهِ عَ له فقعد على فخذها اليمنى. فقالت: هل تراه؟ قال: نعم . قالت فتحولْ فاجلس في حِجري . فتحول فجلسَ في حجرها . ثم قالت : هل تراه ؟ قال: نعم. قال: فَتَحَسَّرَتْ فألقتِ خِمارها، ورسولُ الله عَّلِ جالسٌ في حِجْرها . ثم قالت : هل تراه ؟ قال: لا. قالت: يا ابن عم! اثبت وابشر فوالله إنه لَمَلَكِ، ما: هذا بشيطان(٢) . (١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢٣٦/١ - ٢٣٨، وهو مرسل صحيح الإسناد؛ لأن عُبيد بن عمير بن. قتادة الليثي، تابعي، ولد على عهد النبي عَّه، وكان قاصَّ أهل مكة ، مجمع على ثقته ، روى له. الجماعة . تقريب التهذيب ص ٣٧٧ ، (٢) رواه الدولابي ، وهو خبر ضعيف، لقوله: حُدِّث عن خديجة ، فهو مبني للمجهول ، فالمحدث عنها مجهول ، وقال في نور النبراس : وأقل ما يكون بينه وبين خديجة اثنان ، والله أعلم . - ١٧٢ - وفي رواية يُونس ، وروى عطاء بن السائب ، وأبو بشر وأبو إسحاق ، كلُّهم عن سعيد ابنُ جُبیر ، دخل حدیث بعضهم في بعض ، عن ابن عباس ، قال : کان لکل قبیل من الجن مقعدٍّ من السماء يستمعون فيه ، فلما رُموا بالشهب وحيل بينهم وبين خبر السماء قالوا : ما هذا إلا لشيء حدث في الأرض ، وشكوا ذلك إلى إبليس لعنه الله ، فقال : ما هذا إلا لأمر حدث فائتوني من تربة كل أرض . فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها يبتغون علم ذلك ، فأتوه من تربة كلّ أرض ، فكان يشمُّها ويرمي بها ، حتى أتاه الذين توجهوا إلى تهامة بتربة من تربة مكة ، فشمَّها وقال : من ها هنا يحدث الحدث . فنظروا فإِذا النِبُِّ عَ لِ قد بُعث، ثم انطلقوا فوجدوا رسولَ الله عَ لَّهِ وطائفةً معه من أصحابه بنخلةَ عامدين إلى سوق عكاظ وهو يُصلّي بهم صلاة الفجر ، فلما سمعوا القرآنَ استمعوا له ، فقالوا : هذا والله الذي حال بيننا وبين خبر السماء، فولَّوا إلى قومهم منذرين ، فقالوا : ﴿ إنا سمعنا قرآناً عجباً. يهدي إلى الرشد﴾ [ الجن: ١ - ٢] وذكر تمام الخبر(١). وقال شعبةُ ، عن مغيرة ، عن إبراهيم النخعي : نزلت عليه ﴿يا أيها المدثر) وهو في قطيفة . وقال شيبان عن الأعمش ، عن إبراهيم: أولُ سورة أنزلت عليه ﴿اقرأ باسمٍ رَبِّكَ الذي خَلَق﴾ وهو قول عائشة، وعُبيد بن عُمير، ومحمد بن عَبّاد بن جعفر، والحسن البصري ، وعكرمة ، ومجاهد ، والزهري . وروينا عن أبي علي بن الصواف ، حدثنا جعفر بن أحمد ، حدثنا محمد بن خالد بن عبد الرحمن ، حدثنا إبراهيم بن عثمان - وهو أبو شيبة(٢) - عن الحكم بن عُنيبة، عن مقسم ، عن ابن عباس، عن النبي عَ لِ قال: ((كان من الأنبياء من يسمعُ الصوتَ فيكون (١) رواه البخاري في كتاب التفسير (تفسير سورة الجن ) رقم /٤٩٢١/، ومسلم في كتاب الصلاة ( باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن ) رقم /٤٤٩/ عن أبي بِشْر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس .. لم يرد فيه ذكر إبليس ، إنما ورد ذكره فيما رواه الطبري وابن مردويه وغيرهما من طريق عطاء ابن السائب ، عن سعيد بن جُبم مطولاً .. انظر فتح الباري ٦٧١/٨ . (٢) في جميع النسخ ((ابن أبي شيبة))، والتصحيح من الكامل؛ لابن عدي ٢٣٩/١. - ١٧٣ - بذلك نبياً ، وإن جبريلَ يأتيني فيكلمني كما يأتي أحدكم صاحبُه فيكلّمه))(١) أخبرنا عبد الله بن أحمد بن فارس التميمي وغيره سماعاً وقراءة ، قالوا : أخبرنا أبو اليُمن الكِنْدي قراءة عليه ونحن نسمع ، أخبرنا أبو القاسم الحريري أخبرنا أبو طالب العُشّاري، أخبرنا أبو الحسين الواعظ ، حدثنا أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد المصري ، حدثنا بكر ابن سهيل ، حدثنا شُعيب بن يحيى ، حدثنا الليث بن سعد ، قال : حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله عَ لله قال: (( ما من الأنبياء من نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيتُ وحياً أو حاه الله عزَّ وجل إلَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة))(٢) وكان نزول جبريل له عليه السلام فيما ذكر يوم الاثنين لسبع في رمضان ، وقيل : لسبع عشرة مضت منه ، رواه البراء بن عازب وغيره . وعن أبي هريرة أنه كان في السابع والعشرين من رجب . وقال أبو عُمر : يوم الاثنين لثمان من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من عام الفيل ، وقد قيل غير ذلك . ذكر فوائد تتعلق بهذه الأخبار حديث أنس أن رسولَ الله عَّه بُعث على رأس أربعين. المتفق عليه بين أهل النقل مما فيه (٣): إِقامتُه عليه السلام بالمدينة عشراً، وأما إقامته. بمكة فمختلف في مقدارها ، وسيأتي ذلك في آخر الكتاب عند ذكر وفاته عليه الصلاة .والسلام . وأما سِنُّه عليه الصلاة والسلام حين نُبِّءَ؛ فالمروي عن ابن عباس ، وجُبير بن مُطعم ، (١) في إستاده إبراهيم بن عثمان، أبو شيبة العبسي، ضعيف جداً، لا يحتج بحديثه، قال الإمام أحمد : منكر الحديث ، وقال النسائيّ: متروك الحديث. الكامل في ضعفاء الرجال ٢٣٩/١ - ٢٤١. (٢) رواه البخاري في كتاب فضائل القرآن ( باب كيف نزول الوحي وأول ما نزل ) رقم /٤٩٨١/، ومسلم في كتاب الإيمان ( باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد عَ ل) رقم /١٥٢/. (٣) ((مما فيه)) أي مما ورد في الحديث أنس من تحديد زمني لبعثة رسول الله عَ ل ووفاته. - ١٧٤ - وقَباث بن أشيم ، وعطاء ، وسعيد بن المسيب ، كالمروي عن أنس ، وهو الصحيح عند أهل السير وغيرهم ؛ قال أبو القاسم السهيلي(١): وقد روي أنه نُبِّىء لأربعين وشهرين . ● وفي حديث عمرو بن شعيب : فاجتمع رجال من أصحابه يحرسونه حتى إذا صلَّى . والمرادُ - والله أعلم - ينتظرون فراغه من الصلاة، وأما حَرْسُ(٢) رسول الله عَ ل من المشركين فقد كان انقطع منذ نزلت ﴿والله يعصمُك من الناس﴾ [المائدة: ٦٧ ] وذلك قبل تبوك ، والله أعلم . · وحديث جابر بن سَمُرة: ((إني لأعرف حجراً بمكة كان يُسَلِّم علَّ)». هذا هو المعروف بغير زيادة ، وقد رُوي أن ذلك الحجر هو الحجر الأسود ، ويُحتمل أن يكون هذا التسليم حقيقة ، وأن يكون الله أنطقه بذلك ، كما خلق الحنينَ في الجِذْعِ . ويُحتمل أن يكون مضافاً إلى ملائكة يَسكنون هناك من باب ﴿واسأل القريةَ﴾ [ يوسف: ٨٢]، فيكون من مجاز الحذف، وهو عَلمْ ظَاهرٌ من أعلام النبوة على كلا التقديرين . · وفي حديث عُبيد بن عُمير في خبر نزول جبريل عليه السلام ، قال رسول الله عَّ: ((فجاءني وأنا نائم)). فهذه حالة، وحديث عائشة وغيرها أنه كان في اليقظة، فهذه حالة ثانية ، ولا تعارضَ لجواز الجمع بينهما بوقوعهما معاً ، ويكون الإتيان في النوم توطئة للإِنيان في اليقظة . وقد قالت عائشة رضي الله تعالى عنها : أوّلُ ما بُدىء به عليه الصلاة والسلام من الوحي الرؤيا الصادقة. وعن الشَّعْبِّي أن رسولَ الله عَّهِ وُكِّل به إسرافيُلُ فكان يَتراءى له ثلاث سنين ، ويأتيه بالكلمة من الوحي ، ثم وُكُلَ به جبريلُ فجاءه بالقرآن والوحي(٣)، فهذه حالة ثالثة لمجيء الوحي . ورابعة: وهي أن يُنفثَ في رُوعه (١) الروض الأنف ٢٦٥/١ . (٢) (( حَرْسُ)): مصدر كالحراسة . (٣) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ١٩١/١، وهو مرسل صحيح الإسناد ، وقد أنكر الواقدي خبر الشَّعبّي وقال : لم يُقرن به من الملائكة إلا جبريل، وذكر الصالحي في سيرته ٣١٠/٢ أخباراً توهن خبر الشعبي. - ١٧٥ - الكلامُ نفثاً ؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: ((إن روحَ القُدُس نَفَثَ في رُوعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل أجلها ورزقها ، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب))(١). وخامسةٌ؛ وهي أن يأتيه الوحي في مثل صلصلة الجَرَس، وهو أشدُّه عليه ، وقيل : إن ذلك ليستجمعَ قلبُه عند تلك الصلصلة فيكون أوعى لما يَسمع. وسادسةٌ: وهي أن يُكلّمَه الله من وراء حجاب إما في اليقظة كما في ليلة الإسراء، وإما في النوم كما في حديث معاذ ((أتاني رِّي في أحسن صورة ، فقال: فيم يختصمُ الملأ الأعلى))(٢). وكان الملَك يأتيه عليه الصلاة والسلام تارة. في صورته ، له ستمائة جناح؛ كما روي . وتارة في صورة دِحيةَ الكلبي . فهذه حالات متعددة ذكر معناها السُّهَيْلي(٣) . • وقوله فغطني ، ويُروى فسأبني ، ويُروى سأتني ، ويُروى فدعتني ، وكلُّها واحد ، وهو الخنق والغم . • والناموسُ : صاحب سِرِّ الملكِ. وقال بعضُهم: الناموس: صاحبُ بِيّ الخير، والجاسوس : صاحب سِرّ الْشر . • ومؤزراً: من الأزر، وهو القوة والعون. • واليأفوخ: مهموز، ولا يُقال في رأس الطفل يأفوخ حتى يشتدَّ، وإنما يُقال له الغاذية . : • وفترة الوحي: لم يذكر لها ابنُ إسحاق مدة معينة، قال أبو القاسم السُّهيلي(٤): وقد جاء في بعض الأحاديث المسندة أنها كانت سنتين ونصف سنة ، والله أعلم . (١) رواه من الصحابة: أنس بن مالك، وأبو أمامة، وجابر بن عبد الله ، وابن مسعود ، وحذيفة ، وأبو الدرداء، وأبو هريرة ، وأبو حُميد الساعدي. وهو حديث صحيح. انظر هامش جامع الأصول ٠١١٧/١٠ (٢) رواه الترمذي في كتاب التفسير ( باب ومن سورة صّ) رقم /٣٢٣١/ و/٣٢٣٢/، وهو عند أحمد في ((المسند )) ٣٦٨/١، وهو حديث صحيح. انظر هامش جامع الأصول ٥٤٨/٩ (٣) الروض الأنف ٢٦٨/١ - ٠٢٧٠. (٤) الروض الأنف ٢٨١/١ . - ١٧٦ - ذكُرُ صلاتِه عليه الصلاة والسلام أوّل البعثة قال ابن إسحاق : حدثني بعضُ أهل العلم أن الصلاة حين افتُرضت على رسول الله عَّ له ، أتاه جبريل وهو بأعلى مكة فهمز له بعقبه في ناحية الوادي ، فانفجرت منه عين ، فتوضأ جبريلُ، ورسولُ اللهِ عَّ ينظرُ ليريَه كيف الطُّهور للصلاة، ثم توضأ رسولُ الله ◌َ ◌ّه كما رأى جبريلَ يتوضأ، ثم قام به جبريلُ فصلَّى به، وصلَّى رسولُ الله عَ لَّه بصلاته، ثم انصرف جبريلُ، فجاء رسولُ الله ◌َِّ خديجةَ فتوضأً لها ليريَها كيف الطُّهور للصلاة ، كما أراه جبريل، فتوضأت كما توضأ لها رسولُ الله عَ لَّه ثم صلَّى بها رسولُ الله عليه كما صلَّى به جبريل، فصلَّتْ بصلاته . كذا ذكره ابن إسحاق(١) مقطوعاً. وقد وصلَه الحارثُ بن أبي أسامة : حدثنا الحسن بن موسى ، عن ابن لهيعة ، عن عُقيل بن خالد ، عن الزهري ، عن عروة ، عن أسامة بن زيد ، قال : حدثني أبي زيد بن حارثة ، أن رسولَ الله عَّهِ في أوّل ما أُوحِي إليه ، أتاه جبريلُ عليه السلام فعلَّمه الوضوءَ، فلما فرغً من الوضوء ، أخذ غرفةٌ من ماء فنضحَ بها فرجَه . قاله السهيلي(٢) . وقد رويناه من طريق ابن(٣) ماجه، عن إبراهيم بن محمد الفريابي ، عن حسان بن عبد الله ، عن ابن لهيعة ، عن عُقيل عن الزهري بسنده بمعناه . وقد رُوي نحوه عن البراء بن عازب وابن عباس رضي الله عنهم . وفي حديث ابن عباس وكان ذلك أوّلَ من الفريضة . (١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢٤٤/١. (٢) الروض الأنف ٢٨٣/١ - ٢٨٤، وقال السهيلي: تعلم الرسول الوضوء من جبريل حديث مقطوع في السيرة ، ومثله لا يكون أصلاً في الأحكام الشرعية ، ولكنه قد روي مسنداً إلى زيد بن حارثة - يرفعه - غير أن هذا الحديث يدور على عبد الله بن لَهيعة وقد ضُعِّف، ولم يخرج عنه مسلم ولا البخاري ؛ لأنه يقال: إن كتبه احترقت، وكان يُحدِّثُ من حفظه، وكان مالكُ بن أنس يُحَسِّن فيه القول . (٣) رواه ابن ماجه في كتاب الطهارة (باب ما جاء في النضح بعد الوضوء ) رقم /٤٦٢ /، وقال في الزوائد : إسناده ضعيف ؛ لضعف ابن لهيعة . - ١٧٧ - وعن مُقاتل بن سليمان : فرض الله في أوّل الإِسلام الصلاةَ ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي ، ثم فرض الخمسَ ليلة المعراج . وأما إمامةُ جبريل بالنبي عَ لِّ عند البيت ليريَه أوقات الصلوات الخمس فليس هذا. موضع الحديث(١)، وإن كان ابن إسحاق وضَعه هنا من طريق ابن عباس ، لاتفاق أصحاب الحديث الصحيح على أن هذه الواقعة كانت صبيحةً الإسراء ، وهو بعد هذا بأعوام ، كما سيأتي مُبيناً عند ذكر أحاديث المعراج والإسراء، إن شاء الله تعالى . ذكر أوّل الناس إيماناً بالله ورسوله عَّله وأوّل الناس إيماناً خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب فيما أتت به الآثار ، وذكره أهلُ السير والأخبار ، منهم ابن شهاب وقتادة وغيرهما . وروينا عن الدولابي ، حدثنا أبو أسامة الحلبي ، حدثنا حجاج بن أبي منيع ، حدثنا جدي، عن الزهري قال: كانت خديجة أوَّلَ من آمنَ برسول الله عَ الم وروينا عن الدولابي(٢) أيضاً، حدثنا أحمد بن المقدام ؛ أبو الأشعث ، حدثنا زهير. ابن العلاء ، حدثنا سعيد بن أبي عُرُوبة ، عن قتادة ، قال : كانت خديجةُ أوّلَ من آمن بالنبِ عَ لِّ من النساء والرجال. وهو قولُ موسى بن عقبة ، وابن إسحاق ، والواقدي ، والأموي ، وغيرهم . قال ابن إسحاق : كانت خديجةُ أوّلَ من آمنت بالله ورسوله وصدَّقت ما جاءٍ من عند الله عز وجل ووازرته(٢) على أمره ، فخفّف الله بذلك عن رسوله ، فكان لا يسمع شيئاً يكرهه من ردّ عليه وتكذيب له ، فيحزنه ذلك إلا فَرج الله عنه بها إذا رجع إليها ، (١) قاله السهيلي في الروض الأنف ٢٨٤/١. (٢) السيرة الشامية؛ للصالحي ٤٠٢/٢ وقال: وحكى الإمام الشّعْلَبُّ اتفاق العلماء على ذلك، وإنما اختلافهم في أوّلِ من أسلمَ بعدَها . وقال النووي : إنه الصواب عند جماعة من المحقّقين . (٣) (( ووازرته)): عاونته . - ١٧٨ - تثبته وتخفّف عليه ، وتصدّقه، وتهوّن عليه أمر الناس ، حتى ماتت رحمها الله تعالى(١). أخبرنا عبد الرحيم بن يوسف المِّزي بقراءة والدي عليه ، قال أنبأنا أبو حفص بن طَبرزذ ، أنبأنا محمد بن عبد الباقي ، أنبأنا الحسن بن علي الجوهري ، أنيأنا ابن الشخير ، أنبأنا إسحاق - يعني ابن موسى الرُّملي - حدثنا سهل بن بحر ، حدثنا عُبيد - يعني ابن يعيش - حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن الشيباني ، عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه، قال: بشَّرَ رسولُ اللهِ عَ لَّهِ خديجةَ ببيتٍ في الجنة من قَصَبٍ، لا صخبَ فيه ولا نصب(٢) . أخبرنا أحمد بن(٣) عبد الرحمن الحارثي، ويحيى بن أحمد الجُزَامي في آخرين ، قالوا: أخبرنا أبو عبد الله بن أبي المعالي ، أخبرنا أبو محمد السعدي ، أخبرنا علي بن الحسين المصري ، أخبرنا أبو العباس أحمد بن الحسين بن جعفر العطار قراءة عليه وأنا أسمع ، حدثنا أبو محمد الحسن بن رشيق العسكري ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن رزيق بن جامع المديني سنة سبع وتسعین ومائین ، حدثنا أبو الحسين سفيان بن بشر الأسدي الکوفي ، حدثنا علي بن هاشم بنِ البَرِيد ، عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع ، عن أبيه ، عن جده أبي رافع ، قال: صلَّى النبي عَِّ أول يوم الاثنين ، وصلت خديجة رضي الله عنها آخر يوم الاثنين ، وصلَّى علِّي يوم الثلاثاء من الغد(٤) ... الحديث . ثم علّ بن أبي طالب رضي الله عنه ، واسم أبي طالب عبدُ مناف بن عبد المطلب (١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢٤٠/١. (٢) رواه البخاري في كتاب فضائل أصحاب النّبِّ عَ ◌ّهِ (باب تزويج النبي مَ لِ خديجة، وفضلها) رقم /٣٨١٨/، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة ( باب من فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها ) رقم /٢٤٣٣ / . و ((القصب)»: اللؤلؤ المجوف ، وقيل هو جوهر طويل مجوف . و((صخب)): الصَّخب: الضجة والغلبة. و((نصب)): النَّصَبُّ: التعب. (٣) في ((ج)) و(( د)): أخبرنا أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن الحارثي. (٤) حديث أبي رافع لم نجده في المراجع الحديثية المتوفرة لدينا، وإسناده ضعيف ، فيه : علي بن هاشم بن البريد، وثقة بعضهم ، وضعفه آخرون ، وهو شيعي مفرط، وقال ابن حِبَّان: روى المناكير عن المشاهير . وفيه : محمد بن عبيد الله بن أبي رافع ، ضعفوه ، وقال ابن عدي : يروي في الفضائل ، لا يُتابع عليها . نور النبراس لوحة ١٧٢/١. - ١٧٩ - ابن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ بن كِلاب ، وكان علّ أُصغَرَ من جعفر بعشر سنين ، وجعفرُ أصغر من عقيل بعشر سنين ، وعقيل أصغر من طالب بعشر سنين ! قال أبو عمر(١) : وقد روي عن سلمان وأبي ذر والمقداد وخبّاب وجابر وأبي سعيد: الخدري وزيد بن أرقم : أن علَّ بن أبي طالب أول من أسلم . وكذلك قال ابن إسحاق(٢) ، وهو قول ابن شهاب إلا أنه قال : من الرجال بعد خديجة ، وهو قول الجميع في خديجة . وأسلم أخواه جعفر وعقيل بعد ذلك ، وكان يومئذ ابن ثمان سنين ، وقيل : عشرة ، وقيل اثنتي عشرة ، وقيل خمس عشرة . قال ابن إسحاق: وكان مما أنعم الله عليه أنه كان في حِجْر رسول الله بَ ◌ّه قبل الإسلام ، وذلك أن قريشاً أصابتهم أزمةٌ شديدة ، وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة ، فقال رسول الله عَ ل للعباس عمه، وكان من أيسر بني هاشم، يا عباس ! إن أخاك أبا طالب كثيرُ العيال ، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة ، فانطلق بنا إليه فلنخفف من عياله ، آخذ من بنيه رجلاً وتأخذُ أنت رجلاً فنكفُّهما عنه . قال العباس : نعم . فانطلقا حتى أتيا أبا طالب ، فقالا : إنا تُريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشفَ عن الناس ما هم فيه ، فقال لهما أبو طالب : إذا تركتما لي عقيلاً فاصنعا ما شئتما . ويُقال: عقيلاً وطالباً . فأخذ رسولُ الله عَ لِّ عليّاً فضَّمه إليه، وأخذ العباسُ جعفراً فضمَّه إليه، فلم يزلْ علَّ مع رسول الله عَ لِ حتى بعثه الله نبياً، فاتبعه على وآمنَ به وصدقه ، ولم يزل جعفرُ عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه(٣). وروینا من طريق أبي بكر الشافعي بالإِسناد المتقدم ، حدثنا محمد بن بشر بن مطر ، حدثنا محمد بن حُميد ، حدثنا سلمة (٤) بن الفضل ، حدثني محمد بن إسحاق ، عن يحيى (١) الاستيعاب ٣١/٣ - ٣٢ بهامش الإصابة. (٢) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢٤٥/١ . (٣) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢٤٦/١، والخبر مرسل من كلام مجاهد بن جَبْر أبي الحجاج المخزومي المقرىء، مولى السائب بن أبي السائب، وُلد سنة ٢١ هـ في خلافة عمر، وتوفي سنة ١٠٤ هـ . تقريب التهذيب. (٤) كذا في جميع النسخ: ((سلمة بن الفضل))، وفي ميزان الاعتدال، وذكر في نور النبراس لوحة ١٧٢/١ أنه وجد في نسخة مصححة من الغيلانيات ((مسلمة بن الفضل)). وهو الأبرش ، قاضي الري ، وراوي - ١٨٠ -