النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦٠
تسمع، واشفَع تُشفّع، فيذهب ليقع ساجداً، فيأخذ جبريل عليه السلام
بِضَبُعَيَّ، فيفتح الله عليه من الدعاء شيئاً، لَم يَفتحهُ علىْ بَشرٍ قَطُّ، قال:
فيقول : أي رب، جعلتني سيد ولد آدم ولا فخر، وأول من تَنشقُ عنه
الأرض يوم القيامة ولا فخر، حتى إنه ليرد عَليَّ الحوض أكثر مما بين
صنعاء وأیلة)).
وهذا الحديث يُشير إلى أَمرٍ عظيم مما رواه النبي وَلِّ وأُعْلِمِهُ إياه في
ذلك اليوم، لا يُحيطُ به إلاَّ الله تعالى ومن أَعلَمَهُ إياه، وأنَّ ما اشتمل عليه
حديث أنس، وأبي هريرة رضي الله عنهما، وغيرهما من التفاصيل؛ جُزءٌ
يَسيرُ مما عَلِمِه النبي ◌َِّ من أحوال يوم القيامة - أعاننا الله تعالى عليه -.
والظاهر: أنَّ هذه السجدة الأولى المذكورة في هذه الرواية، لم تذكر
في حديث أنس، وأبي هريرة رضي الله عنهما، ويكون المراد في حديث
أنس، وأبي هريرة رضي الله عنهما: أنَّ النبي وَلّ يقوم في مقام الشفاعة
أربع مرات، والمذكور هنا تفصيل المرة الأولى منها.
وجاءت أحاديث أُخرى، فيها بعض أحوال يوم القيامة أيضاً.
منها: حديثٌ عن حذيفة بن اليمان، وأبي هريرة رضي الله عنهما،
قالا : قال رسول الله
(يَجمعُ الله الناس، فيقوم المؤمنون حتى تُزلَفَ لهم الجنة، فيأتون آدم
فيقولون : يا أبانا، استفتح لنا الجنة، فيقول: لستُ بِصَاحِب ذلك، اذهبوا
إلى ابني إبراهيم خليلِ الله، قال: فيقول إبراهيم عليه السلام: لَستُ بِصَاحِب
ذلك، اعمدوا إلى موسى الذي كَلَّمَهُ تكليماً، فيأتون موسى فيقول عليه
السلام: ◌َستُ بِصَاحِب ذلك، اذهبوا إلى عيسىْ كَلِمة الله وَرُوحه، فيقول
عيسى عليه السلام: لستُ بصاحب ذلك، فيأتون محمداً فَل﴿ فَيَقوم فَيُؤْذِنَ
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٦١
له، وتُرسل الأمانة والرَّحِم فيقومان جنبتي الصراط يميناً وشمالاً، فَيَمُرُّ أَوّلكُم
كالبرق الخاطف، ثم كَمَرِّ الريح، ثم كَمَرِّ الطير وشَدِّ الرجال تجري بهم
أعمالهم، ونبيكم قَائمٌ على الصراط يقول : يا رب سَلّمْ سَلّمْ، حتى تَعجِزَ
أعمال العباد، حتى يجيء الرجل، فلا يستطيعُ السير إلا زحفاً.
قال : وفي حافتي الصراط كلاليبُ مُعَلقةٌ مأمورة بأخذ من أُمرت به،
فَمخدُوشٌ نَاجٍ، ومكدوس في النار)).
رواه ((مسلم))(١) وانفرد بقوله: ((يقوم المؤمنون حتى تُزلّف لهم الجنة))،
وبذكر الأمانة والرحم، وقيامهما جنبتي الصراط، ويذكر قيام النبي وَلـ
على الصراط، وبقيته رواه ((البخاري))(٢) من طُرُقٍ أُخرى.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في حديث الرُّؤية، قال:
قال رسول الله وَير: ((إذا كان يوم القيامة، أذن مُؤذنٌ: لِيَتبعْ كُلّ أُمّةٍ ما
كانت تَعبد، فلا يبقى أَحدٌ كان يعبدُ غير الله من الأصنام والأنصاب؛
إلّ يتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلاّ من كان يعبد الله من بَرِّ
وفَاجر، وغُبَّرِ أهل الكتاب، فَتُدعى اليهود فيقال لهم: ما كنتم
تعبدون؟ قالوا : كُنّا نَعبدُ عُزَير ابن الله، فيقال لهم: كذبتم، ما اتّخذَ
الله من صاحبةٍ ولا ولد فماذا تبغون؟ قالوا : عطشنا يا ربنا فاسقنا،
فيشار إليهم: ألا تَرِدُون؟ فَيُحشرون إلى النار؛ كأنها سرابٌ يحطم
(١) (كتاب الإيمان) ((باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها)) ١٨٦:١ حديث (٣٢٩).
(٢) (كتاب الأذان) (باب فضل السجود) ٢٦٠:١ حديث (٨٠٦)، وفي (كتاب
65)) ٤ : ٣٩٠ -٩١ ٣ حديث
التوحيد) ((باب قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يُؤْمَيَذٍ نَاضِرً (
(٧٤٣٩/٧٤٣٧).
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٦٢
بعضها بعضاً، فيتساقطون في النار.
ثم يُدعى النصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: نَعبدُ المسيح
ابن الله، فيقال لهم: كذبتم، ما اتّخذّ الله من صَاحبةٍ ولا ولد، فيقال لهم :
ما تبغون؟ فيقولون : عطشنا يا ربنا فاسقنا، قال : فيشار إليهم : أَلاَ تَرِدُونِ؟
فيحشرون إلى جهنم؛ كأنها سراب يحطم بعضها بعضاً، فيتساقطون فيها،
حتى إذا لم يبق إلاَّ من كان يَعبدُ الله من بَرِّ وفَاجر؛ أتاهم رَبُّ العالمين)).
وفيه: ((فَيُكشفُ عن سَاقٍ، فلا يبقى من كانَ يسجد لله من تلقاء نفسه؛
إلاَّ أذن الله له بالسجود، ولا يَبقى من كان يسجد اتقاءً ورياءً، إلاَّ جعل الله
ظهره طبقةً واحدةً، كُلَما أراد أن يَسجُدَ خَرّ علىُ قَفَاهُ، ... ثم يُضرب
الجسر على جهنم، وتَحلَّ الشفاعة، ويقولون: اللهم سَلّم سَلّم.
قيل : وما الجِسرُ يا رسول الله؟
قال: دَحضٌ مَزلةٌ، فيه خَطَاطيفُ وكلاليب، وحسَكٌ تكون في نجد
فيها شويكة يقال لها: السَّعدان، فيمر المؤمنون كطَرْفِ العين، وكالبرق
وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والرِّكَاب، فتاحٍ مُسَلَّمٌ، ومخدوش،
ومَكدُوسٌ مُرْسَلُ، ومكدوس في النار، حتى إذا خلص المؤمنون من
النار، فوالذي نفسي بيده، ما من أحدٍ منكم بأشد مُناشدة لله في استيفاء
الحق من المؤمنين الله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، فيقولون : ربنا
كانوا يَصُومون معنا، وَيُصلون، وَيَحجُّون ! .
فيقال لهم: أخرجوا من عَرفتم، فَتُحرّم صورهم على النار، فيخرجون
خَلقاً كثيراً؛ قد أخذت النار إلى نصف ساقيه، وإلى ركبتيه، فيقولون :
ربنا ما بقي فيها أحدٌ ممن أمرتنا به، فيقال : ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه
مثقال دينار من خَيرٍ فأخرجوه، فيخرجون خَلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربنا،
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾
:

٤٦٣
لم نذر فيها أحداً ممن أمرتنا، ثم يقول : ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه
مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون :
ربنا، لم نذر فيها ممن أمرتنا أحداً، ثم يقال: ارجعوا، فمن وجدتم في
قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خَلقاً كثيراً، ثم يقولون : ربنا
لم نَذر فيها خيراً.
فيقول الله عزّ وجَلّ : شَفَعت الملائكةِ، وشَفعَ النبيون، وشَفعَ
المؤمنون، ولم يبق إلاَّ أَرحمُ الراحمين، فيقبض قَبضةً من النار، فيخرج
منها قوماً لم يعملوا خيراً قط؛ قد عادوا حُمَّماً، فيلقيهم في [نهر في أفواه
الجنة يقال له :] نهر الحياة، فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتيم،
يعرفهم أهل الجنة يقولون: هؤلاء عُتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير
عَمَلٍ عَمِلُوه، ولا خَيرٍ قَدّمُوه.
ثم يقول: ادخلوا الجنة، فما رأيتموه فهو لكم، فيقولون : ربنا
أعطيتنا ما لم تُعطِ أحداً من العالمين، فيقول: لكم عندي أفضل من هذا،
فيقولون: يا ربنا، أيُّ شيء أفضل من هذا؟ فيقول : رضائي، فلا أسخط
علیکم بعده أبداً)).
قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: بلغني أنَّ الجسر أَدقُّ من
الشعر، وَأحَدُّ من السيف. لفظ ((مسلم)»(١).
(١) (كتاب الإيمان) ((باب معرفة طريق الرؤية)) ١٦٧:١ حديث (٣٠٢). وقد
ورد وصف الصراط من نحو ما ذُكِر موقوفاً ومرفوعاً. ففي ((النهاية في الفتن
والملاحم)» للإمام ابن كثير ٢: ٢٦٥ من قول سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه
قوله: ((فيمرون على الصراط كحدّ السيف)». ومن حديث سيدنا أنس رضي الله عنه
=
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٦٤
وللبخاري قريبٌ منه، وقال: ((دينار من إيمان، ونصف دينار من
إیمان، وذرة من إيمان»(١).
وفي (البخاري))(٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الرؤية، عن
النبي ◌َّهُ: ((يَجمعُ الله الناس فيقال: من كان يَعبدُ شيئاً فليتّبعه)).
وفي آخره: ((ويضرب الصراط بين ظهري جهنم))، قال رسول الله وَالآتى :
((فأكون وأمتي أَوّلَ من يُجِيزُها، ولا يَتكَلّمُ يومئذ إلاَّ الرُسل، ودَعوى
الرُّسل يومئذ: اللهم سَلّم سَلّم)).
قوله: ((يُجيز)) يقال: جاز وأجاز، لغتان، وقوله: ((ذَرّة)) - بفتح الذال
المعجمة وتشديد الراء -، ومن قال خلاف ذلك؛ فقد صَحّفَ.
وقال بعضهم في هذه الأحاديث : إنَّ المعاني التي في الدنيا؛ تظهر
يوم القيامة للحِسِّ والعَيان، فلذلك تُشاهد الأنبياء والمؤمنون ما في
القلوبِ على هذه الأوزان المخصوصة.
وجعل قول أبي سعيد رضي الله عنه في الصراط: ((إنه أدقُّ من
الشعر، وأَحدُّ من السيف))، راجعاً إلى صعوبةِ الاستقامة على الصراط
في الدنيا، وأنَّ الكَلالِيبَ والحَسكَ التي حوله؛ هي الأغراضُ
= يرفعه: سمعت النبي ◌َّل و يقول: ((الصراط كحدّ الشعر، وكحدّ السيف ... ))
الحديث، وعزاهما للإمام البيهقي.
٢+)) ٣٩١:٣ حديث
(١) (كتاب التوحيد) ((باب قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ نَاضِرً
(٧٤٣٩).
(٢) (كتاب الرقاق) ((باب الصراط جسر جهنم)) ٤: ٢٠٤ حديث (٦٥٧٣)،
﴾)) ٤: ٣٩٠ حديث (٧٤٣٧).
(كتاب التوحيد) («باب قوله تعالى: ﴿رُجُوهٌ يَوْمَدٍ ◌َّاسِرَةً لَ
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٦٥
والأَّهواءُ التي في الدنيا.
وقوله: ((تَحلّ الشفاعة)) قيل: هو من: الحِلِّ، نَقِيضُ الحُرمة، أي:
يُؤْذَنُ فيها، وقيل: من الحُلُول، أي: تَحصُل وتَقع.
وفي ((البخاري))(١): ((حَرّم الله على النار أن تأكل أثر السجود))،
واختُلفَ في تفسيره، والصحيح: أنّ المراد بها: دارات الوجوه، كما وَرد
مُصرّحاً به.
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: «أنا أَوّلُ الناسٍ
خُروجاً إذا بُعِثوا، وأنا خَطِيبُهم إذا وَفَدوا، وأنا مُبَشِّرِهُم إذا يَئِسُوا، لواءَ
الحمد بيدي، وأنا ◌ُکرمُ ولد آدم على ربي؛ ولا فخر)).
رواه الترمذي وقال: حَسن(٢).
وعن أُبَيّ بن كعب رضي الله عنه، عن النبي ◌َّ قال: ((إذا كان يوم
القيامة، كُنْت إمام النبيين وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم من غیر فخر)).
رواه الترمذي وقال: حَسن(٣).
(١) (كتاب الأذان) ((باب فضل السجود)) ٢٦٠:١ حديث (٨٠٦)، و(كتاب
الرقاق) ((باب الصراط جسر جهنم)) ٢٠٤:٤ حديث (٦٥٧٣)، و(كتاب التوحيد)
(باب قوله تعالى: ((﴿وُجُوهٌ يَؤْمَذٍ نَاضِرً (شَ﴾﴾)) ٣٩٠:٤ حديث (٧٤٣٧).
ورواه أيضاً: الإمام مسلم في ((صحيحه)) (كتاب الإيمان) ((باب معرفة طريق
الرؤية)) ١: ١٦٣ (٢٩٩)، والإمام ابن ماجه («السنن)) ١٤٤٦:٢ حديث (٤٣٢٦).
(٢) (كتاب المناقب) ((باب فضل النبي ◌َّار)) ٥٤٦:٥ حديث (٣٦١٠).
(٣) (الكتاب السابق) ((الباب السابق)) ٥٤٧:٥ حديث (٣٦١٣). ورواه أيضاً:
الإمام ابن ماجه ((السنن)) (كتاب الزهد) ((باب ذكر الشفاعة)) ١٤٤٣:٢ حديث
=
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٦٦
وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلّ: («أنا سَيّدُ ولد
آدم يوم القيامة، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما مِن نَبِيٌّ يومئذ آدم فمن
سواه؛ إلاَّ تحت لوائي))، رواه الترمذي وقال: حَسنٌ(١).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي ◌َّ قال: «أنا حَبيبُ الله
ولا فخر، وأنا حَاملُ لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا أَوّلُ شَافع
وأول مُشفّعٍ يوم القيامة، وَأَوّلُ من يُحَرِّكُ حِلَقَ الجنة، فيفتح الله لي
فيدخلنيها، ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين
ولا فخر)).
رواه الترمذي (٢).
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سألت النبي وسر أن يشفع لي
يوم القيامة، فقال: ((أنا فاعل)).
قال: قلت: يا رسول الله، فأين أطلبك؟
قال: ((اطلبني أوّلَ ما تطلبني على الصراط))، قال: قلت: فإن لم ألقكَ
على الصراط؟ قال: ((فاطلبني عند الميزان)) قلت: فإن لم ألقكَ عند الميزان؟
قال: ((فاطلبني عند الحوض، فإني لا أُخطِىء هذه الثلاث المواطن)).
رواه الترمذي، وقال: حَسنٌ غريب(٣).
= (٤٣١٤)، والإمام أحمد في ((المسند)) ١٦٥:٦ حديث (٢٠٧٣٩).
(١) (كتاب المناقب) ((باب فضل النبي (متر)) ٥٤٨:٥ حديث (٣٦١٥).
(٢) (الكتاب السابق) ((الباب السابق)) ٥٤٨:٥ حديث (٣٦١٦).
(٣) (كتاب صفة القيامة) ((باب ما جاء في شأن الصراط)) ٤: ٥٣٧ حديث (٢٤٣٤).
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٦٧
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، من أَسعدُ
الناس بشفاعتك يوم القيامة؟
قال: ((لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أولى
منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعدُ الناس بشفاعتي يوم
القيامة، من قال لا إله إلاَّ الله خالصاً من قبل نفسه)).
رواه ((البخاري))(١).
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله وقالت:
((يَخلُص المؤمنون من النار، فَيُحبَسُون على قنطرةٍ بين الجنة والنار،
فَيَقْتَصُّ لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبُوا
وَنُقُّوا؛ أُذنَ لهم في دخول الجنة)).
انفرد به ((البخاري))(٢).
= أفاد العلامة السيد محمد بن علوي المالكي رحمه الله تعالى رحمة الأبرار، وأعلى
درجته في جنّة الفردوس في أحد دروسه على هذا الحديث قوله: طلب رسول الله وَ ليل أن
يطلبه سيدنا أنس رضي الله عنه في هذه المواطن الثلاث، لحاجة أمته وَّ عندها.
فعند الصراط ليدعو لهم بالسلامة عند اجتيازه، وعند الميزان ليدعو لهم بأن
يُثَقِّلَ الله موازينهم، وعند الحوض حيث يتلقاهم ليسقيهم بيده الشريفة وَّ ه من
حوضه)). انتهى. وعند الصراط والميزان لا يسأل أحدٌ عن أحد كما ورد في حديث؛
لكنه ټ من کمال رحمته رأفته يسأل عن أمته فيهما.
اللهم اجعلنا وجميع المُحبّين منهم بِمَنّك وفضلك.
(١) (كتاب العلم) ((باب الحرص على الحديث)) ٥٢:١ حديث (٩٩). و(كتاب
الرقاق) ((باب يدخل الجنة سبعون ألفاً بغير حساب)) ٢٠٣:٤ حديث (٦٥٧٠).
(٢) (كتاب المظالم) ((باب قصاص المظالم)) ١٨٩:٢ حديث (٢٤٤٠)، وفي
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٦٨
عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((يُخرجُ من النار
من قال: لا إله إلاَّ الله، وكان في قلبه من الخير ما يَزِنُ شعيرة، ثم
يخرج من النار من قال: لا إله إلاَّ الله وكان في قلبه من الخير ما يَزِن
بُرّة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلاَّ الله وكان في قلبه من الخير
ما يَزِنُ ذَرة)).
متفق عليه(١).
زاد ((البخاري)) (٢) بعد ذِكْر هذا الحديث: قال أبان: حدثنا قتادة،
حدثنا أنس رضي الله عنه، عن النبي ◌َّل: ((من إيمان))، مكان ((خير))،
وترجم عليه: (باب زيادة الإيمان ونقصانه).
وعن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وَله يقول: ((إذا كان
يوم القيامة، شَفعتُ فقلت: يا رب، أدخل الجنة من في قلبه خَردلةٌ
فيدخلون، ثم أقول : أدخل الجنة من كان في قلبه أدنى شيء)).
رواه (البخاري)»(٣).
(كتاب الرقاق) ((باب القصاص يوم القيامة)) ١٩٧:٤ حديث (٦٥٣٥).
(١) ((البخاري)) (كتاب الإيمان) ((باب زيادة الإيمان ونقصانه)) ٣١:١ حديث
(٤٤)، وفي (كتاب التوحيد) ((باب قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ﴾)) ٣٨٥:٤ حديث
(٧٤١٠). ((مسلم)) (كتاب الإيمان) ((باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها)) ١٨٢:١ حديث
(٣٢٥). ورواه غيرهما.
(٢) تقدّم تخريجه.
(٣) (كتاب التوحيد) ((باب كلام الربّ عز وجل يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم))
٤٠٥:٤ حدیث (٧٥٠٩).
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾
:

٤٦٩
وعن جابر رضي الله عنه قال: هل سَمعت بمقام محمد بَّ؟، فإنه
مقامُ محمد چ# المحمود، الذي يُخْرِج الله به من يُخْرِج(١).
وعن عمران بن حصين رضي الله عنه، عن النبي ◌َّ﴿ قال: ((يَخرجُ قَومٌ
من النار بشفاعة محمدچلچر؛ فيدخلون الجنة)).
رواه ((البخاري)) في (باب صفة الجنة والنار)(٢).
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((أنا أَوّلُ الناس
يَشفعُ في الجنة، وأنا أكثر الأنبياء تَبعاً)).
رواه ((مسلم))(٣).
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (نَجِيءَ يوم القيامة على
٩
ثَلِّ مُشرفين على الخَلقِ)).
ذكرهُ عبد الحق(٤)، وهو في ((مسلم)) (٥).
(١) رواه الإمام مسلم في ((صحيحه)) (كتاب الإيمان) ((باب أدنى أهل الجنة منزلة
فيها)) ١٧٩:١ حديث (٣٢٠). وسيأتي ص ٣٨٦ النقل عن القاضي عياض رحمه الله
تعالى أنه ورد نحوه عن: أبي هريرة، وابن عباس، وابن مسعود رضي الله عنهم.
(٢) (كتاب الرقاق) ٢٠٢:٤ حديث (٦٥٦٦).
(٣) (كتاب الإيمان) ((باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها)) ١٨٨:١ حديث (٣٣٠).
(٤) هو: الإمام الحافظ البارع المجود، أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن
الأزدي الإشبيلي، توفي سنة ٥٨١هـ. ((سير أعلام النبلاء)) ٢١: ١٩٨ (٩٩). وقوله
هذا أورده في كتابه ((الجمع بين الصحيحين))، كما ذكر ذلك الإمام النووي في ((شرح
صحیح مسلم)) جـ٤٨:٣.
(٥) (كتاب الإيمان) ((باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها)) ١٧٧:١ حديث (٣١٦).
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٧٠
لكنه وقع فيه إشكالٌ لعله على بعض الرُّواة، فأسقط اللفظ المذكور
حتى صار لا يُفْهَم معناه، وقال: ((عن كذا)).
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((فيرقى هو - يعني محمداً اَلِّـ ـ
وأمته علی کومٍ فوق الناس))(١).
وقد وَرَدَ مُبيّناً من طُرقٍ، منها: عن كعب بن مالك رضي الله عنه،
رواه أحمد فيمسنده))(٢).
أخبرنا الإمام الحافظ أبو محمد مسعود بن أحمد بن مسعود الحارثي
رحمه الله قراءة عليه وأنا أسمع، قال: أخبرنا أبو الفرح عبد اللطيف بن
عبد المنعم الحراني قراءة عليه وأنا أسمع، قال: أنا أبو محمد عبد الله بن
أحمد بن أبي المجد الحربي، أنا هبة الله بن عبد الواحد بن الحصين، أنا
أبو علي الحسن بن علي بن محمد بن المذهب، أنا أبو بكر أحمد بن
جعفر بن حمدان بن مالك القطيعي، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال:
حَدّثني أبي، ثنا يزيد بن عبد ربه، قال: حَدّثني محمد بن حرب، ثنا
= قال القاضي عياض في ((إكمال المُعْلِم)) ٥٦٩:١: ((هذا صورة الحديث في جميع
النسخ، وفيه تغيير كثير وتصحيف، والصواب: ((نجيءُ يوم القيامة على كوم))، هكذا
رواه بعض أهل الحديث ... » إلخ.
ونقل الإمام النووي في ((شرح صحيح مسلم)) جـ ٤٨:٣ عن الإمام عبد الحق في
كتابه ((الجمع بين الصحيحين)) قوله: «هذا الذي وقع في ((كتاب مسلم)) تخليط من أحد
الناسخین، أو کیف کان ... )).
(١) رواه الإمام الطبري في ((جامع البيان)) ١٣٣:٨ حديث (٢٢٦٤١).
(٢) ٤ : ٤٩٢ حديث (١٥٣٥٦).
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٧١
الزُّبيدي: عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك،
عن كعب بن مالك رضي الله عنه: أنَّ رسول الله وَّر قال:
((يُبعَثُ الناس يوم القيامة، فأكون أنا وأمتي على تلّ، ويكسوني ربي
حُلّةٌ خضراء، ثم يُؤذَنُ لي فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام
المحمود)» .
وفي ((مسلم)) (١) بقية الحديث عن جابر رضي الله عنه: ((يُعطى كُلّ
إنسان منهم مُنافِقٍ أو مؤمن نوراً، وعلى جسر جهنم كلاليب وحَسكُ تأخُذ
من شاء الله، ثم يَطفَأ نور المنافقين، ثم يَنجُو المؤمنون، فتنجو أول زُمرةٍ
وجوههم كالقمر ليلة البدر، سبعون ألفاً لا يُحاسَبون)).
وفي ((البخاري))(٢) عن ابن عمر رضي الله عنهما: ((إذا كان يوم
القيامة، کان الناس جُثاء، تتبعُ كُلّ أُمّةٍ نبيها: يا فلان اشفع، يا فلان اشفع
حتى يُنْتَهِىُ إلى النبي ◌ِِّ)).
والأحاديث في الشفاعة كثيرةٌ(٣)، وَمَجمُوعها يَبلغُ مبلغَ التواتر،
وأعني بالتواتر هنا: ما اشتركت فيه الروايات من الشفاعة، لا لفظاً واحداً
منها بخصوصه، وهذا النوع من التواتر في السُّنةِ كثير، وأما التواتر في لفظ
حدیث مخصوص، فَعَزِيزٌ.
(١) (كتاب الإيمان) ((باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها)) ١٧٧:١ حديث (٣١٦).
(٢) (كتاب التفسير) ((باب ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا فَّحْمُودًا (ت﴾ ﴾)) ٢٥٢:٣
حديث (٤٧١٨)، وفيه لفظ الحديث: ((إنَّ الناس يصيرون يوم القيامة جثاً ... )).
(٣) جمع منها الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى (٦٦) حديثاً، أثبتها في كتابه
(إثبات الشفاعة))، وهو مطبوع ومتداول.
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٧٢
وقد تضمّنت هذه الأحاديث من المناقب الشريفة والمآثر الجليلة
والفوائد الجَمّةِ؛ مالا يَسعهُ هذا المكان، ولكنّا نُشير إلى شيءٍ منه على
سبيل الاختصار:
أما قوله في أوله: ((يَجمعُ الله الناس)). وفي رواية أُخرى: ((يجمع
المؤمنون))، ففيه إشارة إلى أنَّ الذي يتوجّه إلى الأنبياء عليهم السلام
وَيُخاطبهم بسؤال الشفاعة؛ هم المؤمنون، وإن كان الغمُّ والَكْربُ قد عَمَّ
جميع الناس من الكفار والمؤمنين، والأولين والآخرين، واختصاص
المؤمنين بسؤال الأنبياء مناسبٌ لأمرين:
أحدهما : مالهم من الصّلةِ بهم بالإيمان.
والثاني : إنه يَحصلُ لهم بإراحتهم من ذلك المكان خير، والكفار
ينتقلون إلى ما هو أشدُّ عليهم.
فهذه الشفاعة العظمى، وإن ترتّب عليها فصل القضاء لعموم الناس،
فلیس الكفار مقصودین بها.
قال تعالى: ﴿فَمَا تَفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَِّفِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨].
وقال تعالى حكايةً عنهم: ﴿قَمَا لَنَا مِن شَفِعِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٠].
وقد قيل : إنَّ جميع الناس يَسأَلُون، مُؤمِنُهم وكَافِرُهم.
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٧٣
فَصل
وفي التجاء الناس إلى الأنبياء عليهم السلام في ذلك اليوم؛ أَدلُّ دلیلٍ
على التوسل بهم في الدنيا والآخرة، وأنَّ كُلّ مُذنبٍ يتوسّلُ إلى الله عزّ
وجل؛ بمن هو أقربُ إلیه منه.
وهذا لم يُنكِرِهُ أَحد، وقد قدّمنا طَرفاً من ذلك في ((باب الاستغاثة))،
ولا فرق بين أن يُسمّى ذلك: ((تَشْفُّعاً))، أو ((توسلاً))، أو ((استغاثة))، وليس
ذلك من باب تَقَرُّبِ المشركين إلى الله تعالى بعبادةِ غيره، فإنَّ ذلك كفرٌ.
والمسلمون إذا توسلوا بالنبي وَله، أو بغيره من الأنبياء والصالحين؛
لم يَعْبُدوهم، ولا أخرجهم ذلك عن توحيدهم لله تعالى، وأنه هو المُتَفرِّدُ
بالنفع والضرر(١)، وإذا جاز ذلك؛ جاز قول القائل: أسأل الله تعالى
برسوله؛ لأنه سَائِلٌ لله تعالى، لا لغيره.
(١) هذا هو معتقد المسلمين علمائهم وعوامهم، فليس في معتقد أحدٍ أنه في
توسله، أو تشفعه، أو استغاثته؛ قصد عبادة غير الله، أو إشراكٌ معه.
فما ذُكِرَ ص ٣٦٣ حاشية (١) من قول ابن تيمية: ((إنه لا يستغاث بمعنى العبادة)»،
هو من سوء الظن الباطل، ودعوى بلا دليل. ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم.
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٧٤
فَصِلٌ
وأما إلهامهم سؤال آدم ومن بعده - صلوات الله تعالى وسلامه عليهم -
ولم يُلَهَمُوا في الابتداء سُؤالَ نبيّنا محمد وَّ.
فالحكمةُ فيه - والله تعالى أعلم -: أنهم لو سَألُوه ابتداءً، لأمكن أن
يَقُول قائلٌ: يَحتمِلُ أنَّ غيره يَقدِرُ على هذا، فأما إذا بذلوا الجهد في
السؤال والاسترشاد، وسألوا غيره من رُسل الله تعالى وأصفيائه، وَأُولي
العزم فامتنعوا، ولم يَألُوهم جهداً في النُّصح والإرشاد، فانتهوا إليه
وأجاب وحصل غرضهم؛ حصل العلم لكل أحدٍ بنهاية مرتبته صلى الله
عليه وسلم، وارتفاع منزلته وكمال قُربهِ، وعظيم إدلاله وأُنسه، وتفضيله
على جميع المخلوقين من الرُّسل الآدميين والملائكة(١).
وَحُقَّ لصاحب هذا المقام، أن يكون سَيّد الأُمم، وأن يُسار إلى
زيارته على الرأس، لا على القَدم.
(١) وفيه - والله أعلم - وجهٌ آخر من الحكمة، وهو: أنه وسط﴿ من كمال شفقته
على أُمّته، بَيَّن لهم أنه يوم القيامة هو سيد الشفعاء، ووسيلة الخلق أجمعين لإراحتهم
من هَول المحشر، وأول شافع ومُشَفَّع، فلا يكن من أمته بَذْلُ جُهدِ المسألة في
الإراحة والشفاعة إلاَّ منه وإليه، لكون جميع الخلق من الأمم السابقة مصيرها إليه.
وهذا المآل إليه - ممن سبق من الأمم -؛ مَدعاةٌ للفخر، فحرص وَ ل* أن لا يدخل
قلب أحدٍ من أمته تفاخر بهذه المنقبة لكونهم ينظرون إلى سعي تلك الأمم، فقال (ێ كما
ورد في أحاديث الشفاعة: ((ولا فخر)) فهذا القول توجيه وتأديب لأمته وَّه وليس تُهمةً
لنفسه، فهو ◌َّهُ مُثزهٌ من حظِّ النفس الأمارة بالسوء، والله أعلم بالصواب.
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٧٥
فَصلَ
وأما ما يَذكُرُه الأنبياء عليهم السلام، فَنبّه القاضي عياض رحمه
الله تعالى فيه على فائدة جليلة؛ تؤكد القول المختار: أنهم مَعصُومونَ
من الكبائر والصغائر، فإنَّ هذه الأشياء التي ذكروها: أَكلُ آدم عليه
السلام من الشجرة ناسياً، ودعوة نوح عليه السلام على قَومٍ كفار،
وَقَتلُ موسى عليه السلام لكافر لم يُؤمَر بقتله - وكان ذلك قبل
النبوة -، وَمُدافعةُ إبراهيم عليه السلام على الكفار بقولٍ عَرَّضَ به هو
فیه صادقٌ من وجه.
وهذه كلها في حَقِّ غيرهم ليست بذنوب، لكنهم أشفقوا منها، إذ لم
يكن عن أمرِ الله تعالى، وَعتبَ على بعضهم فيها؛ لعلو منزلتهم من معرفة
الله تعالى، ولو صدر منهم شيء غير ذلك؛ لذكروه في ذلك المقام
فليتأمل الناظر هذه الفائدة، ولبأخذها بكلتا يديه.
وما اختاره القاضي عياض رحمه الله تعالى من عصمتهم من الصغائر،
كعصمتهم من الكبائر؛ هو الذي أَعتقِدُهُ وأَدينُ الله به، وإن كان أكثر
المتکلمین علی خلافه، ولا يحتملُ هذا المکان التطویل بالاستدلال له.
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى(١): ((ولا يَهُولَنْكَ أن نَسب قُومٌ هذا
(١) ((إكمال المعلم بفوائد مسلم)) ٥٧٤:١.
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٧٦
المذهب إلى الخوارج والمعتزلة، وطوائف من المبتدعة، إذ مَنزَعهم فيه
مَنزَعٌ آخر من التكفير بالصغائر، ونحن نتبرأُ إلى الله تعالى من هذا
المذهب».
وأما قوله بَ لّ عقب رفع رأسه: ((يا رب أمتي أمتي))، فظاهره: أنَّ أوّلَ
شفاعته في أمته، وفي حديث حذيفة رضي الله عنه المتقدّم، أنه يَقوم
وتُرسل الأمانة والرحم، فيقومان جنبتي الصراط.
وَمَالَ القاضي عياض إلى أنَّ هذا في الأول، لأنَّ هذه الشفاعة هي
التي لَجأ الناس إليه فيها؛ وهي: الإراحة من الموقف، والفَصلُ بين
العباد، ثم بعد ذلك حَلّت الشفاعة في أمته وَّ في المذنبين، وحلّت
شفاعة الأنبياء والملائكة، وغيرهم.
وجاء في الأحاديث المُتقدّمة : اتباعُ كُلّ أمة ما كانت تعبد، ثم تمییز
المؤمنين من المنافقين، ثم حُلُول الشّفاعة ووضع الصراط، فَيحتمِلُ: أنَّ
الأمر باتباع الأمم ما كانت تعبد، هو أَوَّلُ الفصل، والإراحة من هَولِ
الموقف، وهو أول المقام المحمود، وأنّ الشفاعة التي ذُكِرَ حُلوُلها؛ هي
الشفاعة في المذنبين على الصراط، وهو ظاهر الأحاديث، وأنها لنبيّنا
محمد رَّ ولغيره، كما نَصَّ عليه في الأحاديث السابقة، ثم ذكر بعدها
الشفاعة فیمن دخل النار.
وبهذا تجتمع متون الأحاديث، وَتَترتّبُ معانيها إن شاء الله تعالى،
وهذا كلام القاضي رحمه الله تعالى(١).
وهو تَرتيبٌ حَسن، وليس فيه ما يُعارِضُ شفاعته ◌ٍَّ لأمته عقب
(١) ((إكمال المعلم)) ١: ٥٨٧ ببعض تصرف في العبارة.
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٧٧
رفع رأسه من السجود في المرة الأولى، فإنه يَحتملُ أن يكون ذلك
ابتداء فَصْلِ القضاء، فقد صَحَّ عن النبي ◌َّ: أنَّ أمته هي المَقضِي لهم
قبل الخلائق، فيكون صلى الله عليه وسلم لمّا يدنو للشفاعة في فصل
القضاء، وَيُؤْذَن له في الشفاعة؛ يَبتدئُ بالسّؤال لمن يُقضى له أولاً ،
فَيُجاب بأن يُدخِلَ الجنّة من أمته من لا حساب عليه، هذا في المرة
الأولى، ويكون إعلامهُ صلى الله عليه وسلم بذلك في أول الأمر من
كمال الإكرام، ثم بعد ذلك تَتبعُ كُلّ أمةٍ ما كانت تعبد، ويوضَع
الصراط، وَيُؤْذَن في الشفاعة للمذنبين، فيشفع النبي ◌َّ، والأنبياء
والملائكة في نجاة من يشاء الله من النار، ثم بعد ذلك يدخل أهل
الجنة الجنة، وأهل النار النار، ومن شاء الله تعالى من المذنبين، فيقع
بعد ذلك الشفاعة في إخراج المذنبين من النار.
ولعل سؤال النبي والتر لأمته في الثانية، والثالثة، والرابعة حينئذ،
وتشفع الأنبياء أيضاً، والملائكة، والمؤمنون في إخوانهم.
ويحتمل أن يكون اقتصار النبي ◌ّ على ذكر أمته؛ من كمال
الأدب مع ربه سبحانه وتعالى، فإنهم الأَخصُّون به، وهو صلى الله
عليه وسلم يعلم أنه يَحصلُ في ضمن ذلك ما قصد إليه، ولجأ الناس
بسببه من فصل القضاء العام، على أنه قد ورد في حديث ذكرهُ
القاضي عياض في ((الشفا))(١): ((أما ترضون أن يكون إبراهيم وعيسى
فیکم يوم القيامة)).
ثم قال: ((إنهما في أمتي يوم القيامة، أما إبراهيم فيقول: أنت
(١) ١ :٢٠٨.
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾
-

٤٧٨
دعوتي وذريتي، فاجعلني من أمّتكَ، وأما عيسىُ؛ فالأنبياء إخوةٌ بَنُو
عَلَاّت أمهاتهم شتى، وإنّ عيسى أخي ليس بيني وبينه نبي، وأنا أولى
الناس به)».
وَيحتمِلُ أن يكون السؤال للأنبياء مرتين، مرّةٌ من جميع الناس في
فصل القضاء، ثم مرّةً من المؤمنين بعد تميزهم في استفتاح الجنة، وسقط
من الحديث ذِكْرُ الشفاعة الأولىُ، وقد ورد هذا مُصرّحاً به.
روى علي بن معبد (١) في كتاب ((الطاعة والمعصية))، عن المسيب بن
شريك، عن إسماعيل بن رافع المدني، عن عبد الله بن يزيد، عن محمد
ابن كعب القرظي، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي وَلّ حديثاً
طويلاً فيه:
((فَتُوَقِفُونَ في موقفٍ حُقَاةً عُراةً غُرلاً، مقدار سبعين عاماً، لا ينظر الله
إليكم ولا يقضي بينكم، فتبكي الخلائق حتى تنقطع الدموع، ثم يدمع دماً
ويعرفون حتى يبلغ منهم الآذان، أو يُلْجِمهم، فيضجون ويقولون : من
يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا، فيؤتى آدم، فيطلب ذلك إليه فيأبى، ثم
يستقرؤن الأنبياء نبياً نبياً، كلما جاءوا نبياً؛ أبى.
فقال رسول الله وَله: حتى يأتوني، فإذا جاؤني، انطلقت فأخِرّ قُدّام
العرش لربي ساجداً حتى يبعث الله إليَّ ملكاً، فيأخذ بِعَضُديَّ فيرفعني،
فيقول لي حين يرفعني المَلكُ: ما شأنك يا محمد، وهو أعلم، فأقول : يا
رَبِّ، وعدتني الشفاعة، فَشفّعني في خَلقك، فاقض بينهم، فيقول الله
(١) هو: الإمام الحافظ الفقيه، أبو الحسن علي بن معبد العبدي الرّقي. قال عنه
الإمام الذهبي: ((من كبار الأئمة)). ((سير أعلام النبلاء)) ٦٣١:١٠ ترجمة (٢١٩).
والمكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٤٧٩
تعالى : قد شَفّعتُك، أنا آتيكم فأقضي بينكم.
قال رسول الله وَعليه: فأرجع، فأقف مع الناس، فبينا نحن وُقُوفٌ؛ إذ
سمعنا حسّاً شديداً من السماء فهالنا، فنزل أهل سماء الدنيا بمثلَيْ من فيها من
الإنس والجن، ثم ينزلون على قدر ذلك من التضعيف، ثم يضع عرشه حيث
شاء من الأرض، ثم يقول : وعزتي وجلالي، لا يُجَاوزني اليوم أحد بظلم).
وفيه: ((ثم يَقضي الله عزّ وجل بين خلقه كلهم، إلاَّ الثقلين الإنس
والجن، ثم يقضي بين الثقلين، فيكون أَوّلُ ما يُقضى فيه الدماء)).
وفيه بعد ذلك: ((حتى إذا لم يَبق لأحدٍ عند أحد تَبِعِّة، نَادى مُنادٍ :
ليلحق كُلّ قوم بآلهتهم، وَيُجعَل مَلكٌ على صورة عيسى، فيتبعه
النصارى)».
وفيه: ((حتى إذا لم يبق إلاَّ المؤمنون وفيهم المنافقون» ـ_ وفيه بعد
ذلك -: ((ثم يضرب الصراط فيمرون)) - وفيه بعد ذلك -: ((فإذا أفضى أهل
الجنة إلى الجنة، قالوا: من يشفعُ لنا إلى ربنا ليدخلنا الجنة، فيؤتى آدم
فیقول : علیکم بنوح)).
وذكر مثل ما في الأحاديث المشهورة: نوح، ثم إبراهيم، ثم موسى،
ثم عيسى عليهم السلام، إلى أن قال: قال رسول الله وَلاير: «فيأتوني ولي
عند الله ثلاث شفاعات، فأنطلق حتى آتي باب الجنة، فآخذ بحلقة الباب
وأستفتح، فيفتح لي، فَأُحَيِّى وَيُرَحَبُ بي، فإذا دخلت خَررتُ ساجداً
- إلى أن قال في الثالثة -: فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة، فَشفّعني في
أهل الجنة، فيقول: قد شفعتك، قد أذنتُ لهم في دخول الجنة، ثم أشفع
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾