النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢٠ الرواية النَّصُ على أنَّ العذاب الآن، وإنه في القبور. وخَرّج ((البخاري))، و((مسلم) (١) عن البراء بن عازب رضي الله عنه: أنَّ رسول الله وَ﴿ قال: ((المُسلمُ إذا سُئل في القبر: تشهد أن لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمداً رسول الله؟)) فذلك قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِ الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [سورة إبراهيم الآية ٢٧]. وَقد ورد عن البراء بن عازب رضي الله عنه: حَديثٌ طويلٌ جامعٌ لأحكام الموتى، وفيه التصريح بِعَودِ الروح الى الجسد. أخبرنا به: الدّشتي، أنا ابن خليل، أنا اللبَّان، أنا الحداد، أنا أبو نعيم، أنا ابن فارس، ثنا يونس، ثنا أبو داود الطيالسي، قال: ثنا أبو عَوانة، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب رضي الله عنه. قال أبو داود(٢): وحَدّثناه عمرو بن ثابت، سمعهُ من المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب رضي الله عنه. وحديث أبي عَوانة أَتمّهُما. قال البراء رضي الله عنه: خَرجنا مع رسول الله وَّ فِي جَنازةِ رجل من = ((مسلم)) (كتاب الطهارة) ((باب الدليل على نجاسة البول)) ٢٤٠:١ حديث (١١١). (١) ((البخاري)) (كتاب تفسير القرآن) ((باب ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ ٢٤٦:٣ حديث (٤٦٩٩))). ((مسلم)) (كتاب الجنة وصفة نعيمها) ((باب عرض مقعد الميت)) ٢٢٠١:٤ حديث (٧٣). (٢) ((مسند أبي داود الطيالسي)) ٢: ١١٤ حديث (٧٨٩). ﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾ ٤٢١ الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولمَّا يُلحَد، فجلس رسول الله وَلَه وجلسنا حوله كأنّما علىْ رُؤُسنا الطير، - قال عمرو بن ثابت: ((وُقَّعٌ))، ولم يَقُلُه أبو عَوانة -، فجعل يَرفعُ بصره وينظر الى السماء، ويخفض بصره وينظر إلى الأرض، ثم قال: ((أعوذ بالله من عذاب القبر)) قالها مِرَاراً، ثم قال: ((إنَّ العبد المؤمن إذا كان في قُبُلٍ من الآخرة وانقطاع من الدنيا، جَاءَهُ مَلَكٌ فجلس عند رأسه فيقول : اخرجي أيتها النفس المطمئنة إلى مَغفرةٍ من الله ورضوان، فتخرج نفسه، وتسيل كما تَسيلُ قطر السِّقاء)). وقال عمرو في حديثه، ولم يَقْلهُ أبو عَوانة: ((وإن كنتم ترون غير ذلك، وتنزل ملائكة من الجنة، بِيضُ الوُجُوه كأنَّ وجوههم الشمس، معهم أكفانٌ من أَكفانِ الجنة، وحَنوطٌ من حَنُوطِها، فيجلسون منه مَدَّ البصر، فإذا قبضها المَلَكُ؛ لم يَدَعوها في يده طَرفةَ عين، فذلك قوله عزّ وجَل: ﴿تَوَقَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾. قال : ((فَتخرجُ نفسه كأطيب ريح وُجِدت ، فتعرج بها الملائكة، فلا يأتون على جُندٍ بين السماء والأرض إلاَّ قالوا: ما هذا الروح؟ فيقال : فلان، بأحسن أسمائه، حتى ينتهوا به إلى باب سماء الدنيا، فَيُفْتَحُ له وتشيعه من كلِّ سماء مُقَرَّبُوهَا، حتى يُنتهى بها الى السماء السابعة، يَشْهَدُهُ كِنَبُ قَرْقُومٌ فيقول: اكتبوا كتابه في عليين ﴿وَمَآ أَذْرَئِكَ مَا عِلُّونَ الْغُرَُّنَ﴾، فَيُكتَبُ كتابه في عليين، ثم يقال: رُدُّوهُ إلى الأرض، فإني وعدتهم أَنيّ مِنْها خَلَقْتُهُم وفِيْها نُعِيدُهُم ومِنْها نُخْرِجُهم تارةً أُخرى، فيرد إلى الأرض وَتُعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان شَدِيدا الانتهار، فينتهرانه ويجلسانه فيقولان: من ربك؟ وما دينك؟ فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، فيقولان فما تقول في هذا الرجل الذي بُعثَ فيكم؟ فيقول : هو ﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾ ٤٢٢ رسول الله، فيقولون : وما يدريك؟ فيقول: جاءنا بالبينات من ربنا، فآمنت به وصدقته)». قال: وذلك قوله عزّ وجل: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي اْخَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ . قال: ((وينادي مُنادٍ من السماء: أنْ قد صَدقَ عبدي، فأَلِبِسُوهُ من الجنة وأَفرشوه منها، وَأَرُوهُ مَنزِلَه منها، فَيلبسُ من الجنة ويُقرشُ منها، وَيُرِى مَنَزِلهُ منها، وَيُفسح له مدَّ بصره، ويُمَثَلُ له عمله في صورة رَجُلٍ حَسن الوجه، طيب الريح، حسن الثياب، فيقول: أبشر بما أعدَّ الله تعالى لك، أبشر برضوان من الله، وجنات فيها نَعيمٌ مُقِيمٌ، فيقول: بَشَّرَكَ الله بخير، من أنت؟ فوجهك الوجه الذي جاءنا بالخير! فيقول : هذا يومك الذي كنت تُوعد، والأمر الذي كنت تُوعد، وأنا عَمَلُك الصالح، فوالله ما عَلِمتُكَ إلاَّ كنت سريعاً في طاعة الله، بطيئاً عن معصية الله، فجزاك الله خيراً. فيقول : يا رب، أقم الساعة كي أرجع إلى أهلي ومالي)). قال: ((وإن كان فاجراً، فكان في قُبُلٍ من الآخرة وانقطاع من الدنيا، جاءه مَلكٌ فجلس عند رأسه، فقال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، أبشري بسخط الله وغضبه، فتنزل ملائكة سُودُ الوجوه معهم مُسوحٌ، فإذا قبضها المَلكُ قاموا فلم يَدَعوها في يده طَرفةَ عين. قال: فتفرق في جسده، فيستخرجها تَقَطّعُ معها العروق والعصب، كالسَّفُود الكبير الشُّعب في الصوف المَبلول، فتؤخذ من المَلكِ فتخرج كأنتَنِ ربح وُجدت، فلا تمر علىْ جُندٍ فيما بين السماء والأرض إلاَّ قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: هذا فلان، بأسوء أسمائه، حتى ينتهون إلى السماء الدنيا، فلا يُفتح له فيقول: رُدّوهُ إلى الأرض، إني وعدتهم أَني مِنْها خَلَقْتْهُم وفِيْها ﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾ ٤٢٣ نُعِيدُهُم ومِنْها نُخْرِجُهم تارةً أُخرى، قال: فيرمى به من السماء)). قال: فتلا هذه الآية: ﴿وَمَن يُشْرِْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآية. قال: ((وَيَعادُ إلى الأرض وَتُعاد فيه رُوحه، ويأتيه ملكان شَدِيدا الانتهار، فينتهرانه ويجلسانه، فيقولان: من ربك؟، وما دينك؟ فيقول : لا أدري، فيقولان: فما تقول في هذا الرجل الذي بُعثَ فيكم؟ فلا يهتدي لاسمه، فيقول: لا أدري، سمعتُ الناس يقولون ذلك)). قال: ((فيقال: لا دريت، فَيُضيَّقُ عليه قبره، حتى تختلف أضلاعه، وَيُمثّلُ له عمله في صورة رجل قبيح الوجه، مُنْنِ الريح، قبيح الثياب، فيقول : أبشر بعذاب من الله وسخطه، فيقول : من أنت؟ فوجهك الوجه الذي جاء بالشر. فيقول: أنا عَملُكَ الخبيث، والله ما عَلِمتُكَ إلاَّ كنت بطيئاً عن طاعة لله سريعاً إلى معصية الله)). قال عمرو في حديثه، عن المنهال، عن زاذان، عن البراء رضي الله عنه، عن النبي ◌َّ: ((فَيُقيّضُ له مَلكٌ أصمُّ أبكم، معه مِرْزَبَةٌ لو ضُربَ بها جَبَلٌ صار تراباً، - أو قال: رَمِيماً -، فيضربه بها ضَربةً يَسمعُها الخلائق إلاَّ الثقلين، ثم تُعاد فيه الروح، فيضربه ضربة أُخرىٌ)). وهذا الحديث أخرجهُ جماعةٌ من الأئمة في مسانيدهم، منهم: الإمام أحمد، وعَبدُ بن حُميد، وعلي بن معبد في ((الطاعة والمعصية))، وغيرهم، وَرجالُ إسناده كلهم ثقاتٌ. وَتَكلّمَ فيه ابن حزم من جهة المنهال بن عمرو(١)، وهذا الكلام ليس (١) قال فيه:(( ... وليس بالقوي)). ((المُحلّى)) (طبعة بيت الأفكار الدولية) ص٥٥. ﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾ ٤٢٤ بشيءٍ، لأنَّ المنهال بن عمرو رَوى له البخاري، وَوَتَّقْهُ غير واحد، منهم يحيى بن معين(١)، والكلام الذي فيه؛ من جهة أنَّ شُعبةَ تركه. وقد قال عبد الرحمن بن مهدي: ((إنَّ سبب ترك شعبة له، أنه سمع من دَارِهِ صوت قِراءةٍ بالتطريب)). وإذا عُرفَ هذا السبب، لم يَضُرّ ترك شعبة إياه، لأنَّ جماعة من العلماء قالوا بإباحة ذلك، وما كان مُختَلفاً فيه من هذا الجنس؛ فلا تردّ الرواية به، ولا الشهادة، لاسيما ولم يُعْلَم أنَّ ذلك الصوت منه، فقد یکون في داره من غيره، ولا علم له به. وبالجملة: فهذا كَلامٌ لا وجه له، ولا شك في ثقة المنهال بن عمرو (٢)، وأنه ممن يُحتجُ بحديثه، ولا معنى لإنكار عَودِ الروح وتضعيفه بالمنهال بن عمرو، مع دلالة بقية الأحاديث المتفق عليها على السماع، والكلام، والقعود، وغيرها مما يستلزم الحياة وَعَود الروح. (١) وكذلك الأئمة: النسائي، والعجلي، وابن حبان. ينظر: ((تهذيب الكمال)) ٧: ٢٣٩ (٦٨٠٥). (٢) نقل الحافظ ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) ٤: ١٦٣ عن الإمام أبي الحسن القطان قوله: ((ما كان أبو محمد بن حزم يُضعّف المنهال، وردّ من روايته حديث البراء، وليس على المنهال جرحٌ فيما حكى ابن أبي حازم، - فذكر حكايته المتقدمة -. قال: فإنّ هذا ليس بجرح، إلاَّ أن تجاوز حدَّ تحريم، ولم يصح ذلك عنه، وجرحه بهذا تعسفٌ ظاهر، وقد وثقه ابن معين، والعجلي))، انتهى منه. وينظر تعليق العلامة الشيخ محمد عوامة بارك الله له في علمه وعمله في حاشية ((الكاشف)) ٢ : ٢٨٩ (٥٦٥٣) ففيه زيادة فائدة. ﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾ ٤٢٥ وقد رَوى البغوي في ((شرح السُّنة))(١) عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبيِ وَ ل﴿ قال: ((إنَّ الميت يَسمعُ حِسَّ النِّعال إذا وَلّى عنه الناس مُدپرین، ثم ◌ُجلس ويُوضع کفنه في عنقه، ثم يُسئل)). وقد أجمع أهل السُّنة على إثبات الحياة في القبور: قال إمام الحرمين في ((الشامل)) (٢): ((اتفق سلف الأُمّة على إثبات عذاب القبر، وإحياء الموتى في قبورهم، وَرَدِّ الأرواح في أجسادهم». وقال الفقيه أبو بكر بن العربي في «الأمد الأقصى في تفسير الأسماء الحسنى)): ((إنَّ إحياء المُكلَّفينَ في القبر وسؤالهم جميعاً، لا خلاف فيه بين أهل السُّنة)). وقال سيف الدِّين الآمدي في كتاب ((أبكار الأفكار)»(٣): «اتفق سلف الأُمّة قبل ظهور الخلاف؛ وأكثرهم بعد ظهوره، على إثبات إحياء الموتى في قبورهم، وَمُساءَلَةِ الملكين لهم، وإثبات عذاب القبر للمجرمين والكافرين، وقوله تعالى: ﴿وَأَحْيَِتَنَا أَثْنَتَيِنِ﴾ أي: حياة المُساءَلَةِ في القبر، وحياة الحشر، لأنهما حياتان عرفوا الله بهما، والحياة الأولى في الدنيا لم یعرفوا الله بها)). وقال القرطبي(٤): ((إنَّ الإيمان به مذهب أهل السُّنة، والذي عليه (١) ٤١٣:٥ حدیث (١٥٢١). (٢) وهو كتاب في أصول الدِّين، يقع في خمس مجلدات، كذا في ((كشف الظنون)) ٢: ١٠٢٤. (٣) ٤: ٣٣٢ بتصرف فى نَصّ عبارة الإمام الأمدي. (٤) ((التذكرة في أحوال الموتى)) ١٩٨:١. ﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾ ٤٢٦ الجماعة من أهل المِلّة، ولم تَفْهَمِ الصحابة الذين نزل القرآن بلسانهم ولغتهم من نبيهم عليه الصلاة والسلام غير ذلك، وكذلك التابعون بعدهم، وذهب بعض المعتزلة إلى موافقة أهل السُّنةِ على ذلك. وذهب: صالح قُبّة، والصالحي، وابن جرير إلى أنَّ الثواب والعقاب يَنَالُ الميت من غير حَياةٍ؛ وهذه مُكابرةٌ للعقول. وذهبت طائفة إلى أنَّ الميت يَألَمُ كما يَأَلَمُ السكران، فإذا حُشر وَجد ذلك الألم كما يَجد السكران الألم إذا عاد العقل إليه، وهذا المذهب تَخلیط لا حاصل له. وذهب : ضرار بن عمرو، وبشر المريسي، ويحيى بن كامل، وغيرهم من المعتزلة، إلى أنَّ من مات فهو مَيَتٌ في قبره إلى يوم البعث، ومنهم من اعترف بعذاب القبر، وأنه يكون بين النفختين، وكلا الأمرين مُخَالفٌ لما تظاهرت به الأحاديث. وطعن بعض الملحدة: بأنا نَرى المصلوب لا يظهر عليه شيء من ذلك، ومن افترسته السِّباع وتفرقت أجزاؤه، كيف يقال بذلك فيه؟. وللأئمة رضي الله عنهم طُرُقٌ في الأجوبة عن ذلك. منها: أنه لا يَبعدُ أن تكون المُسَاءلةُ على أجزاء مخصوصة من الجسد، كأجزاء القلب ونحوها، فَيَردُّ الله الروح إليها ويسائلها. ومنها: أنه لا يَبعدُ أن يَرُدّ الروح إلى المصلوب من حيث لا نَشعُر، ونحن نَحسَبَهُ ميتاً، كما نَحسَبُ صاحب السكتة ميتاً، وأما من تَفرّقت أجزاؤه فَيرُدّ الله الروح إلى كُلّ جُزءٍ ويسائله الملكان. ومنها: أنَّ الذين في القبور يجلسون ويسئلون، والذين بقوا على وجه ﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾ ٤٢٧ الأرض من الموتى؛ يَحجِبُ الله المكلفين عما يجري عليهم، كما حجبهم عن رؤية الملائكة، مع رؤية النبيين لهم صلوات الله عليهم. ومما تعلقوا به: قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ اَلْمَوْقَ﴾، ﴿وَمَآ أَنْتَ بِمُسْيِعِ مَّن فِى الْقُرِ﴾، وإنكارُ عائشة رضي الله عنها سماع أهل القَليب. فأما قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْقَ﴾ [النمل: ٨٠] فنحن نقول به، وإنما نقول: يسمعون إذا رُدّت إليهم أرواحهم، وأما قوله: ﴿وَمَآ أَنَتَ بِمُسْمِعِ مَن فِى الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] فمعناه: إذا كانوا موتی. وأما عائشة رضي الله عنها فقد اعترفت بالعلم وقالت: إنما قال: ((إنهم الآن ليعلمون أنَّ ما كُنت أقول لهم حقٌّ)). وإذا جاز العلم جاز السماع، لأنهما جميعاً مشروطان بالحياة. وعلى الجملة : فهذه الأمور ممكنةٌ في قدرة الله تعالى، وقد وردت بها الأخبار الصحيحة، فيجب التصديق بها، ويُقْطَعُ بأنّ الحياة تعود إلى الميت. وأما أنه: هل يموت بعد ذلك موتة ثانية؟ لم يرد في الأحاديث تصریحٌ بذلك، لكن في كلام بعضهم ما يقتضيه، وَحُملَ عليه قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَمَتِّنَا أَثْنَيْنِ﴾ [غافر: ١١]؛ على اختلاف المفسرين فيها. والقائلون بعذاب القبر يقولون باستمراره، وهكذا تقتضي الأحاديث الصحيحة كما تَقدّم: «هذا مقعدك حتى يبعثك الله))، وقوله تعالى: ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]. ﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾ ٤٢٨ وقد صح في ((مُسلمٍ)) (١) عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: بينما النبي ◌َّ في حَائطٍ لبني النجار على بغلةٍ له، ونحن معه، إذ حادت به فكادت تُلقيه، وإذا أَقبرٌ ستة، أو خمسة، أو أربعة، فقال: ((من يَعرفُ أصحاب هذه القبور؟)) فقال رجل: أنا، فقال: ((فمتى مات هؤلاء)) قال: ماتوا في الإشراك، فقال: ((إنَّ هذه الأُمة تُبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا؛ لدعوت الله أن يُسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع». وهذا يدل على استمرار عذاب القبر. وعن أنس رضي الله عنه: أنَّ النبي ◌َّر سمع صوتاً من قبرٍ، فقالوا: دفن في الجاهلية، فقال رسول الله وَ له: ((لولا أن لا تدافنوا؛ لدعوت الله أن يُسمعكم عذاب القبر))(٢). وأما قوله تعالى: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَّأْ﴾ [يس: ٥٢] فهو يُشعِرُ بالحياة، لأنَّ الرُّقَاد للحي، وقد قيل في تفسيره أقوالٌ: منها: أنَّ العذاب يُرفَع عن أهل القبور بين النفخات: نَفخةَ الفزع، ونَفخةَ الصَّعق، ونَفخةَ النشر، فلا يُعذبُ في هذه الأوقات إلاَّ من قتل نبياً، أو قَتَلهُ نبي، أو قُتِل في معترك نبي. ومنها : أنَّ العذاب ليس بدائم، بل بُكرةً وعشيا، ويَفُتِّر فيما بين ذلك، فتقوم الساعة في ارتفاع النهار، فَيُصَادِف قيامها وقت الفترة. (١) (كتاب الجنة وصفة نعيمها) ((باب عرض مقعد الميت)) ٢١٩٩:٤ حديث (٦٧). (٢) رواه الإمام مسلم في ((صحيحه)) (كتاب الجنة وصفة نعيمها) ((باب عرض مقعد الميت)) ٤: ٢٢٠٠ حديث (٦٨) وغيره. ﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾ ٤٢٩ وقد تلخّصَ من هذا: أنَّ الروح تُعاد إلى الجسد، ويحيا وقت المُسَاءلَةِ، وأنه يُنعّمُ، أو يُعذّب من ذلك الوقت إلى يوم البعث، إما منقطعاً، أو مستمراً على ما سبق. وهل ذلك من بعد وقت المُسَاءلةِ إلى البعث للروح فقط، أو له مع الجسم؟ يلتفتُ على أنَّ الجسم هل يفنى، أو يتفرق؟ وكلا الأمرين جائزٌ عقلاً، وفي الواقع فيه قولان للمتكلمين، ولم يرد في الشرع ما يمكن التمسك به في ذلك؛ إلاَّ قوله وَليّ: ((كُلّ ابن آدم يبلى إلاَّ عَجْبَ الذنب)»(١) فحيث يكون الجسم، أو بعضه باقياً، فلا امتناع من قيام الحياة به، وحيث يُعدمُ بالكلية؛ يَتعيّنُ القول بالروحِ فقط، على أنها أيضاً قد تُعدمُ عند فناء العالم، ليكون المعادُ وارداً عليها وعلى الجسم معاً. وقد جاءت أحاديث تَدلّ على أنَّ بعض الموتىُ يَقِيهُم الله تعالى فتنةً القبر، منهم: الشهيد، ومن مات يوم الجمعة، أو ليلة الجمعة، وآخرون وردت فيهم أحاديث، وهؤلاء إن خُصُّوا من المُسَاءلةِ؛ فالنّعيمُ والحياة شاملان لهم. (١) رواه الإمام البخاري في ((صحيحه)) (كتاب تفسير القرآن) ((باب ﴿وَنُفِخَ فِی الصُّورِ﴾ ٢٨٥:٣)) حديث (٤٨١٤)، وفي ((باب ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِ الصُّورِ﴾ ٣: ٣٢٠)) حديث (٤٩٣٥). والإمام مسلم (كتاب الفتن) ((باب ما بين النفختين)) ٢٢٧٠،٤ حديث (١٤١- ١٤٣). وغيرهما. ﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾ ٤٣٠ وقد عُرفَ بهذا: أنَّ حياة جميع الموتى بأرواحهم وأجسادهم في قبورهم لا شك فيها، واستمرار العذاب، أو النعيم بعد المساءلةِ لا شك فيه أيضاً؛ لما سبق. وكون ذلك فيما بعد وقت المساءلة للروح فقط، أو لها مع الجسم؟ مما يَتوقَّفُ على السمع، وذكر سعيد بن السكن في ((سننه)) عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي بَلّ قال: «الميت إذا وُضع في قبره، إنه لَيسمعُ خَفقَ نعالهم حين يولونَ عنه، فإن كان مؤمناً؛ كانت الصلاة عند رأسه))، وذكر حديثاً طويلاً. إلى أن قال: ((فَيُفْسَحُ له في قبره سبعون ذراعاً، وَيُنَورُ له فيه، وَيُعاد الجسد بما ندي منه، وَتُجعل نَسَمتُهُ في النَّسَمِ الطيبة، فهو يطير وَيَعلقُ في شجر الجنة)). وفي ((المستدرك على الصحيحين)) للحاكم في (فضائل عائشة رضي الله عنها) قالت: «كنت أدخل البيت الذي دُفِنَ فيه معهما عمر، والله ما دخلت إلاَّ وأنا مَشدودةٌ عَليَّ ثيابي حياءً من عمر)). قال: هذا حَديثٌ صَحيحٌ على شرط الشيخين، ولم يُخرِجاه(١). (١) ((المستدرك)) ٨:٤ (٦٧٢١). ﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾ ٤٣١ الفصل الرابع قد عَرفتَ مقالات الناس في سائر الموتى، وفي الشهداء، وعَرفتَ أنَّ القول فيهم بِعَودِ الروح إلى الجسد وبقائها فيه إلى يوم القيامة؛ بَعيدٌ مُخَالفٌ للحديث الصحيح أنها تَرجعُ إلى جسده يوم القيامة، وعَرَفت أنَّ النعيم حاصلٌ لأرواح السعداء من الشهداء وغيرهم، والعذاب حَاصلٌ للأشقياء. فلعلك تَقُول : ما الفَرقُ حينئذ بين الشهداء وغيرهم؟ والجواب عن هذا من وجهين، أحدهما: أنَّ إثبات الحياة للشهيد لا تنفي ثبوتها عن غيره، فالآيتان الكريمتان الواردتان بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَيِّهِمْ﴾ ليس فيهما نَّفيُ هذا الحكم عن غيرهم، بل الرَّدُّ على من يعتقد أنهم ليسوا كذلك، وَنُصَّ عليهم؛ لأنَّ الواقعة كانت فيهم. الثاني: أنَّ أنواع الحياة متفاوتة، حياة الأشقياء مُعَذَّبين - أعاذنا الله تعالى منها -، وحياة بعض المؤمنين من المُنَّعَّمين، وحياة الشهداء أكملُ وأعلى، فهذا النوع من الحياة والرزق؛ لا يَحصلُ لمن ليس في رُتْبتهم. وأما حياة الأنبياء فأعلى وأكمل وأتم من الجميع، لأنها للروح والجسد على الدوام، على ما كان في الدنيا، على ما تَقدّم عن جماعة من العلماء، ولو لم يثبت ذلك؛ فلاشكَّ في كمال حياتهم أيضاً، أكثر من الشهداء وغيرهم. ﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾ ٤٣٢ أما بالنسبة إلى الروح؛ فلكمال اتصالها ونعيمها، وَشُهودها للحضرة الإلهية، وهي مع ذلك مُقبلةٌ على هذا العالم وَمُتُصرِّفةٌ فيه. وأما بالنسبة إلى الجسد؛ فلما ثبت فيه من الحديث. وبالجملة : كُلّ أَحدٍ يُعَامِلُ بعد موته، كما كان يُعَاملُ في حياته، ولهذا يَجِبُ الأدب مع النبي ◌ُّ بعد موته كما كان في حياته. وقد رُوِيَ عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: ((لا ينبغي رَفعُ الصوت علىُ نَبِيٍّ حياً، ولا ميتاً». وَرُوِي عن عائشة رضي الله عنها: أنها كانت تسمعُ صوت الوتد يُوتَد، والمسمار يُضرب في بعض الدُّور المُطِيفة بمسجد رسول الله وَّ، فَتُرسل إليهم: ((لا تؤذوا رسول الله (پز)). قالوا: وما عَمِلَ علي بن أبي طالب رضي الله عنه مِصْراعي داره؛ إلاَّ بالمناصع(١)؛ توقياً لذلك، هكذا رواه الحسيني في ((أخبار المدينة))(٢). (١) المناصع: اسم محلة كانت تقع شرق المسجد النبوي قبل التوسعة الأخيرة، ثم عرفت باسم: زُقَاق البُدُور، وتقع الآن ضمن التوسعة الشرقية للمسجد النبوي. ومعنى قولهم: أنَّ سيدنا علياً رضي الله عنه ما عمل مصراعي داره إلاَّ بالمناصع، أي: لم يجعل لداره باباً تكون فيه مصارع تدق، إلاَّ حينما بنى داراً له بتلك المحلة، ولما كان مع السيدة فاطمة عليهما السلام قرب المسجد، لم يكن لباب حجرته المجاورة لقبره صلى الله عليه وسلم باب ذو مصارع، إنما كان ستراً، والله أعلم. (٢) ورواهما الإمام ابن النجار بسنده في ((الدرة الثمينة في أخبار المدينة)» ص ١٩٧. ﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾ ٤٣٣ وهذا مما يدلّ على أنهم كانوا يرون أنه حيٌّ. وعن عروة رضي الله عنه قال: وقع رجل في عَليِّ عند عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، فقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قبّحكَ الله، لقد آذيت رسول الله وَ ﴿ في قبره(١). ومن نظر سير السلف الصالحين، والصحابة والتابعين، عَلِمَ أنهم كانوا في غاية الأدب مع النبي ◌َّر بعد موته؛ كما كانوا في حياته، وكانوا مع قبره الشريف كذلك. وكيف لا؟ وقد رُوِيَ عن كعب الأحبار رحمه الله تعالى قال: ((ما من فَجرٍ يَطْلِعُ إلاّ نَزل سبعون ألفاً من الملائكة حتى يَحُفّوا بالقبر، يضربون بأجنحتهم، وَيُصلّونَ على النبي ◌َّر، حتى إذا أمسوا عرجوا وهبط مثلهم، فصنعوا مثل ذلك، حتى إذا انشقّتِ الأرضِ؛ خرج في سبعين ألفاً من الملائكة))(٢). (١) رواه الإمام أحمد في ((فضائل الصحابة)) ٧٩٥:٢ (١٠٨٩). وذكره الإمام أبو جعفر أحمد الطبري في ((الرياض النضرة)» ١٢٣:٣ وعزاه للإمام أحمد في ((المناقب))، وللإمام ابن السمَّان في ((الموافقة)). (٢) رواه: الإمام ابن المبارك في ((الزهد)) ص٨٥٥ (١٦٠٠)، والإمام الدارمي في ((السنن)) ١: ٤٧ (٩٤)، والإمام إسماعيل القاضي في ((فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم)) ص٩١ (١٠٠)، والإمام أبو الشيخ الأصبهاني في ((العظمة)) ص ١٩٠ (٣٣ - ٥٣٩)، والإمام أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) ٥: ٣٩٠، والإمام البيهقي في «الشُّعَبَ)) ٣: ٤٩٢ (٤١٧٠) والإمام القرطبي في ((التذكرة)) ١: ٢٩٤، والإمام ابن القيم في ((جِلاء الأفهام)) ص٢٢٦ (١٦٨). وفي جميعها زيادة قوله: (يوقرونه))، أو ((يزفونه)) عقب قوله: ((من الملائكة)). ﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾ ٤٣٤ فلو لم يكن في الحضور عند القبر إلاَّ الدعاء بحضرة هؤلاء الملائكة؛ فكيف وفي حضرة سيد الخلق أجمعين؟ ولذلك كانت الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين يَغُضُّونَ أصواتهم في مسجده وَِّ تعظيماً له. ففي ((البخاري))(١) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال لرجلين من أهل الطائف: لو كُنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله چچ !. ولو جمعنا الأحاديث الصحيحة التي فيها ما كانت الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين عليه من تعظيم الرسول وَله، وتعظيم آثاره وأدبهم معه؛ لجاءت مجلدات، بل الملائكة أيضاً كانوا يسلكون كمال الأدب معه. رَوَى أبو بكر بن أبي شيبة في ((مُصَنَّهِ))(٢): حدثنا ابن فضيل، عن عطاء ابن السائب، عن محارب، عن ابن بريدة رضي الله عنه قال: وَردنا المدينة، فأتينا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فقال: كُنَّا عند رسول الله وَلِلّهِ، فأتاه رجلٌ جَيّدُ الثياب، طَيّبُ الريح، حَسنُ الوجه، فقال: السلام عليك يا رسول الله، قال: ((وعليك)) فقال: يا رسول الله أدنو منك؟ قال: ((ادْنُه))، فَدنا دَنْوةً. فقلنا: ما رأينا كاليوم قَطُّ رجلاً أحسن ثوباً، ولا أطيب ريحاً، ولا أحسنَ وجهاً، ولا أشدّ توقيراً لرسول الله وَال. (١) (كتاب الصلاة) ((باب رفع الصوت في المسجد)) ١٦٨:١ حديث (٤٧٠). (٢) ٦: ١٧٠ حديث (٣٠٤٢٠)، وأصل الحديث في ((صحيح مسلم)) (كتاب الإيمان) ((باب بيان الإيمان والإسلام)) ٣٦:١ حديث (١). ﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾ ٤٣٥ ثم قال: يا رسول الله، أدنو منك؟ قال: (نعم))، فَدنا دَنوةً، فقلنا: مثل مقالتنا، ثم قال له الثالثة: أدنو منك يا رسول الله؟ قال: ((نعم)). وذكر حديث جبريل عليه السلام، وسؤاله عن الإسلام. فانظر تعظيم جبريل القفيها وأدبه مع النبي ◌ِّهِ، وكذلك مَلَكُ الموت(١)، وغير ذلك من الأحاديث التي لا تُحصَر، والكتاب العزيز، وإجماع المسلمين. ولاشك، أنَّ من قال: لا يُزار، أو: لا يُسافَرُ لزيارته، أو: لا يُستَغاثُ به؛ بَعيدٌ من الأدب معه، نسأل الله تعالى العافية. وقد رَوى القاضي إسماعيل في ((أحكام القران)) عن محمد بن عبيد، ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة رضي الله عنه: أنَ رجلاً قال: لو قُبِضَ النبيِوَّهِ لَتزوّجتُ فُلانة. فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّ أَنْ تَنْكِحُواْ أَزْوَجَهُ مِنْ بَعْدِهِ، أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]. قال معمر: وبلغني أنَّ طلحة(٢) قال: لو قُبضَ النبي ◌َِّ؛ لَتزوّجتُ (١) يشير بذلك لما رواه: الإمام ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) ٢: ١٩٨، والإمام الطبراني في ((المعجم الكبير)) ٣: ١٢٨ حديث (٢٨٩٠) من حديث الإمام جعفر بن محمد ، عن أبيه قال: لما بقي من أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم ..... إلى أن قال: ((قال جبريل عليه السلام: يا أحمد، هذا ملك الموت يستأذن عليك، ولم يستأذن على آدمي كان قبلك، ولا يستأذن على آدمي بعدك ... ))، الحديث. (٢) طلحة هذا هو: طلحة بن عبيد الله بن مسافع بن عياض التيمي، وقد حصل خَلْطٌ بينه وبين طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو التيمي، فهذا الأخير أحد = ﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾ ٤٣٦ عائشة رضي الله عنها. فانظر محافظة القرآن العزيز على حِفْظِهِ وصونه عما يُؤذيه في حياته وبعد مماته، وهذا معلومٌ من الدِّين بالضرورة. وإشعارُ الآية الكريمة بأنَّ نكاحَهُنَّ بعد الموت يُؤذيهِ؛ فيقتضي أنه يَتأذّئُ بعد الموت. فينبغي للمحترز على دينه : أن يَسلُكَ كمال الأدب، ويتحفّظَ غاية التَّحفُظ، لئلا يَزِلَّ وهو لا يشعر فيما يُؤذِيه؛ فيخسر الدنيا والآخرة. نسأل الله تعالى أن يعصمنا في ديننا، ويسترنا فيما بقي من أعمارنا، ويجعل ما نَقُوله حُجّةً لنا لا علينا، ونُوراً يَسعى بين أيدينا، وأن يَحشُرُنا في زُمرةِ هذا النبي الكريم وَِّ وتحت لوائه، ويُورِدَنا حوضه، وَيَرْزُقُنا شفاعته ورضاه عنَّا، ويجعلنا من المُتَّبَعين لِسُنَّته، السالكين لهديه بِمَنّهِ وحرمهِ، آمين. = العشرة المبشرين بالجنة، والأول هو الذي نزلت فيه الآية: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ﴾، الآية. ينظر: ((تفسير مقاتل)) ٣: ٥٣، و((الدر المنثور)) للسيوطي ٥: ٤٠٤/٤٠٣. ﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾ ٤٣٧ الفصل الخامس كان المقصود بهذا كُلّهِ : تحقيقُ السَّماعِ، ونحوه من الأعراض بعد الموت، فإنه قد يُقَال: إنَّ هذه الأعراض مَشروطةٌ بالحياة، فكيف تَحصُل بعد الموت؟. وهذا خيالٌ ضَعِيفٌ، لأنّا لا نَدّعي أنَّ المَوصُوف بالموت مَوصُوفٌ بالسماع، وإنما نَدّعي أنَّ السماع بعد الموت حاصلٌ لحيٍّ، وهو إما الروح وحدها حَالةَ كون الجسد ميتاً، أو مُتُصلةً بالبدن حالة عَودِ الحياة إليه. والإنسان فيه أمران : جَسدٌ، ونَفس. فالجَسَدُ إذا مات ولم تَعُد إليه الحياة؛ لا نقول بقيام شيء من الأعراض المشروطة بالحياة به، وإن عادت الحياة إليه؛ صَحَّ اتِّصافهُ بالسماع وغيره من الأعراض. والنَّفْسُ باقيةٌ بعد مَوتِ البدن، عَالِمةٌ باتفاق المسلمين، حتى إنَّ عائشة رضي الله تعالى عنها لما أنكرت سماع أهل القليب؛ وافقت على العلم وقالت: ((إنما قال: إنهم الآن لَيَعلَمُونَ أنَّ ما كُنْت أَقولُ لهم حَقٌّ)). بل غير المسلمين من الفلاسفة وغيرهم ممن يقول ببقاء النفوس، يقولون بالعلم بعد الموت، ولم يُخَالِف في بقاء النفوس إلاَّ من لا يُعتَدُّ به. وليس مُرادنا: أنها واجبةُ البقاء، كما قال به بعض أهل الزيغ والإلحاد، ولا أنها تبقى دائماً؛ وإن كان مُمكنةً، فإنه قد يُفْنِيها الله تعالى ﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾ ٤٣٨ عند فَناءِ العالم، ثم يُعِیدُها. وإنما المراد : أنها تبقى بعد موت البدن، ثم بعد ذلك إن فنیت؛ أُعيدت مع البدن يوم القيامة، وإن لم تَفْن أُعيدَ البدن ورجعت إليه، وما دامت باقيةً؛ تُدرك المعقولات بلا إشكال. وأما إدراكها للمحسوسات كالسمع وغيره، ففي حال تعلَّقِها بالبدن اختلفَ المُتكلمُون، هل هي المُدرِكةُ فقط، والحواس بمنزلة الطاقات؟، أو الحواس تُدركُ ثم تُنقل إليها كالحُجَّابِ يسمعون، ثم يَنْقُلُونَ إلى المَلك؟. وعلىْ كُلٌّ من القولين: هي مُدرِكةٌ للمسموع، ولم يقم دليلٌ على أنَّ اتصالها بالبدن شرطٌ في هذا الإدراك، بل الظاهر أنه ليس بشَرطٍ، كما أنه ليس بشَرطِ في العلم بالمعقولات، ونحن يكفينا بَيَانُ إمكان ذلك عقلاً، فإذا ورد به سَمعٌ؛ اُبع. ولسنا في مقام إثباته بمجرد العقل، بل في مقام عدم استحالته، وأنه ليس الأمر على ما تَوهمَهُ السائل، وما ذَكرهُ من مشروطية السمع بالحياة صحيح، والحياة تَتّصِفُ الروح بها. وَبيانُ ذلك يُحْوِج إلى الكلام في حقيقة النفس، وقد أكثر الناس الكلام فيها والتصانيف، وتباينت فيها أقوال الناس، هل هي جسمٌ؟، أو عَرض، أو مجموعهما؟، أو جَوهرٌ فَردٌ مُتَحيزٌ؟، أو جَوهرٌ مَجرّدٌ غير مُتَحيز؟ ولا يمكن قَول سادس، وإنما الكلام في تَعيين وَاحدٍ من الخمسة. ومن الناس من توقّفَ فيها؛ وهو أَسلَمُ، وحَملَ على ذلك قوله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ﴾ [الإسراء: ٨٥]، وأنه لم يَأمُرُه أن يُبيِّنها لهم. ومنهم من قال: إنها جسم، وهؤلاء تَنوَّعُوا أنواعاً؛ أَمثَلُها قَولُ من ﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾ ٤٣٩ قال: إنها أجسامٌ لَطيفَةٌ مُشتَبِكةٌ بالأجسام الكثيفة، أجرى الله العادة بالحياة مع بقائها، وهو مذهب جمهور أهل السُّنة، وإلى ذلك يُشِير قول و الأشعري، والباقلاني، وإمام الحرمين وغيرهم، وَيُوافِقَهم قول كثيرٍ من قُدماء الفلاسفة. ومنهم من قال: إنها عَرضٌ خاص ولم يُعَينه، قاله جماعةٌ من المتكلمين، ونَصرهُ الهَرَّاسِي من أصحابنا. ومنهم من عَيّنْهُ، وَتَنوَّعُوا في ذلك أنواعاً. ومنهم من قال: إنها جَوهرٌ فَردٌ مُتْحِّزٌ، نَقل ذلك سيف الدِّين الآمدي، عن الغزالي، ومعمر، وغيرهما من الإسلاميين القائلين بأنها بسيطة. والقائلون بهذه الأقوال الثلاثة، يقولون إنَّ قوله تعالى: ﴿قُلِ الزُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ﴾ جَوابٌ، فإنَّ أَمر الربِّ هو الشرع والكتاب الذي جاء به، فمن دخل في الشرع وَتَفقَّه في الكتاب والسُّنة؛ عَرف الروح، فكان معنى الكلام: ادخلوا في الدِّين، تعرفوا ما سألتم عنه. على أنه قد قيل: إنهم لم يسألوا عن الروح الإنساني، بل عن مَلَكٍ من الملائكة، والأقوال في ذلك مذكورة في التفسير. وقيل: ليس سُؤالاً عن حقيقتها، بل عن حُدُوثها، وأجابهم بما يَدل على حدوثها، وأنها من فعل الله تعالى. وَكُلّ من قال: بأنها جسم، يُجوّز اتصافها بالحياة، وأما القَولُ: بأنها عَرضٌ؛ فبعید. ومن الناس من قال: الروحُ جَوهرٌ مُجردٌ مُتَحيّزٌ، ولا حَالّ في ﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾